المثقف - نصوص أدبية

أحلامُ شجرةُ (التُكّي)

كريم عبد اللهشجرةُ (التُكّي)* ترسفُ في قلبها أحلام طفولتنا المسجونةِ فوقَ أوراقها مخلّفةً ذكريات خضراء تجتاحُ أزمنتنا المستباحة ترضعنا مِنْ ضرعِ ثمارها نستطعمُ الأنين الأحمر كـ الشفاهِ المتمرّداتِ خجلاً يرتجفُ، تَهِبُ (الحِبَّ)* المستكينَ المرهفَ الدموعَ تحتها تجتاحهُ برودة تنعشُ الماءَ المتراقص حلقات تغازلُ (طاسة)* تنامُ على سطحهِ مسترخيةً حالمة لا تزعجُ العصافيرَ تحتهُ تنفشُ ريشها الرقيق الحزن تحتمي متسلّيةً لاعنةً قسوةِ الصيف تستعذبُ قطراتهُ الباردة غارقة تحفظُ الأسرارَ، كلّما هبَّ نسيمُ الشوقِ يحرّكُ أغصانها تتراقصُ مشاعرنا الخجولة تغنّي آهاتها الطويلة، كمْ مرّة ومرّة نضجَ (التُكّي)* يغازلُ عميقاً جذورَ البراءة فينا يشاكسُ سنوات شيّختها غربة تناسلتْ كثيراً على أبوابِ المنافي حينَما هبّتْ ريحٌ عارمة سرقتْ أفراحَ حديقتنا تشتّتَ الأعوامَ الثمينة الى حتفها تسوقُ الربيعَ تتناهشهُ السياطَ المنمّقة رحّلتْ الأعشاشَ الآمنة تتناهبها الأصقاعَ ضائعة الآمال تعبّىءُ بيوضها المتشبّثة خلفَ الأقفاص يزركشها النسيان تسوقها الذئاب تغيّبها . كـ شمسٍ خابيةٍ عادتْ في دفاترِ الأسلاف سوى الكلمات المنكسرة تصاويرهم مرصوفة مكتويةً الأجنحةُ براثنُ الجحود تتفتّحُ على أذيالها عالقة بربريّة تتنرجسُ بـ خبثٍ يداعبُ أفولَ أحلامهم العصيّة حاضرةً تثبُ عاليةً تردّدها حبال الأمنياتِ المستفيقة في بحرِ يحرسهُ العدم هو الوطنُ يسكنها تتشبّثُ يُلهبها أوارُ القلب تمسحُ الرمادَ والحزنَ عنْ لحاءِ شجرةِ (التُكّي)* تعلّقُ على أغصانِ عشقها أسماءهم الغائبة فرداً فرداً تتأوّهُ لكنَّ مكرَ العثَ إستلذَّ قلبها المفجوعَ فـ تهاوتْ تتنفسُ وحيدةً هجومَ المرارةِ وعبثَ الحروب المزمنة أزليّةً سرقت أغاني الأصدقاء فلا طعمَ سـ ينمو في كهولة الروح العاشقة إلاّ الندم يتقاطرُ يملأُ العيون . على نخيلِ الوطن المتهاوي سـ تُشنقُ أحلام كفنها بعدما ثقّبتهُ الرصاصاتُ الصديقة تردّدُ خيبتها: -

(غريبة ْ الروح لا طيفكَ يمرّْ بيها ولا ديرةَ التلفّيها صفتْ وي ليل هجرانكَ تردّْ وتروح ْ)* .

 

كريم عبد الله - العراق

...............

شجرةُ التُكّي *: شجرةُ التوت .

الحِبَّ*: اناء مخروطي فخاري يستخدمة العراقيين فيما مضى لـ تبريد الماء .

طاسة*: اناء صغير مصنوع من الالمنيوم يستخدم في شرب الماء وغيرهِ .

(غريبة ْ الروح لا طيفكَ يمرّْ بيها ولا ديرةَ التلفّيها صفتْ وي ليل هجرانكَ تردّْ وتروح ْ)*: مقطع من قصيدة الشاعر العراقي الغنائي (جبار الغزّي)، تتحدث عن غربة الروح وعدم زيارة حتى أطياف الحبيب في المنام فلا ارض

تأويه فقط الهجران والالم تراوده .

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

أقسم أن نصّك الجميل ذكّرني بشجرة التكي التي كانت تتوسط بيت جدي لأمي ـ رحمهما الله ـ بل وذكّرتني بـ " تكي كربلاء " الذي كان أبي رحمه الله يبيعه في حانوت البقالة الذي استأجره في سوق السماوة المسقوف ..

أما الحِب والحبّانة فقد أعادني ذكرهما الى طفولتي أيام كان الفرات فراتا عذبا فنجلب الماء من النهر القريب من بيتنا ، نفرغه في الحِب ، فتبادر الطيبة أمي الى وضع " فص " من مادة حجرية كنا ندعوها في السماوة بـ " الشبّ " .

محبتي وشكري صديقي الشاعر الجميل .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شاعر الوطن الكبير والمبدع النبيل الاستاذ يحيى السماوي
هي ذكرياتنا التي ترافقنا منذ الطفولة حتى المشيب بكل ما فيها من براءة ووطيبة والم ..
شكرا لك بسعة السماء والارض وانت تمرّ من هنا وتترك بصمتك الجميلة تزهو بها كلماتي ..
تحياتي القلبية لك وقوافل محبة من بغداد الى حيث انت ..
بوركت دائما وانت في القلب ..

كريم عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
ابدعاتك الادبية الراقية والجميلة في تقنياتها الفنية المتمكنة , من براعة صياغتها , تذكرنا بايام الطفولة , وتلك الذكريات الجميلة . انت تشدنا بروعة التشويق الى الماضي في استرجاعاته ( فلاش باك ) وتشدنا بهذه المتعة الجميلة . لكي نهرب من الواقع المرعب والمخيف , ولا يحمل سوى العذاب والمعاناة . وما احوجنا الى هذا الهروب راحة للنفس والوجدان , وتذكرنا بتلك المفردات الشعبية , التي نتذكرها باشتياق وحنان . حقاً فهذا الزمن المرعب , اصبحت الروح غريبة ( غريبة الروح ولا طيفك يمر بيه ........ ) هذا الانشداد في اصول الماضي بكل موروثاته . تتجلى في ابداعاتك , حلاوة شعبية عراقية خالصة .ما زالت حية في خزين الذاكرة , وجميل جداً ان تذوقنا بها , بهذه شهية الاشتياق
تحياتي لكم ورمضان كريم

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ العزيز والمبدع الحقيقي النبيل الاستاذ
جمعة عبدالله
شكرا لكل الصباحات الجميلة وانت فيها تؤطرها بمرورك الانيق بين كلماتي ..
نعم نحن الشعب الوحيد في العالم الذي يحنّ الى ماضيهِ الجميل بسبب هول معاناته وغربته وتشتته في هذا الزمن المرعب ..
غرباء نحن حتى في اوطاننا يا صديقي
حتى الاحلام اصبحت عصيّة علينا ..!
فعلا من دواعي سروري مرورك هذا تنير قسوة الخراب في كلماتي ..
تقبل منّي وافر الشكر والتقدير والمحبة والاحترام
محبتي الشاسعة لك والورد وحب الوطن ..

كريم عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

نص شجي وأعادني لبغداد الستينيات من القرن الماضي !
تحية قلبية لإبداعك وتألقك

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ النبيل سامي العامري
شكرا لك بحجم المحبة والورد على هذه الاطلالة المشرقة بين كلماتي
تحياتي القلبية لك دائما
بوركت وانت تمرّ من هنا ..

كريم عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4292 المصادف: 2018-06-06 13:37:59