 نصوص أدبية

عندما سألني حمورابي

خالد الحليقالَ حمورابي، وهو يزيحُ ترابَ القبرِ قليلاً

يؤلمني أنّي لمْ أتفقدْ بابلَ منذُ رحيلي

ساعِدْني يا ولدي كيْ أنهضَ، رافِقْني عبرَ شوارعِ بابلَ، كيْ أشهدَ ما يعنيني

اِخْبِرني ما ذا حلّ ببابلَ، هل ما زال الناسُ يسيرون بِهَدْيِ قوانيني؟

هل ما زالوا معتادين على وضع شموعٍ وورودٍ حول مَسَلّتِها

هل نصبوها في معبدْ ..،

أم في ساحة حبٍّ لا يتبدّدْ؟

كيْ أهرُبَ من أسئلةٍ جعلتني أتعذّبْ

قلتُ لهُ

إنّ مدارسَ عدّةَ تحملُ اِسمكَ في بابلْ،

ومحلاتِ كمالياتٍ، أقمشةٍ، أحذيةٍ

قاطعني

قالَ بصوتٍ مذهول دوّى في أذني:

أحذيةٌ تحمل إسمي؟!

يا للعنةِ .. كيفْ؟

ما كانَ هنالكَ من يَجْرُؤ أن يعملَ هذا في زمني

قلتُ له مهلاً، بهدوءٍ دعنا نتحدّثْ يا جدّي الأكبرْ

يمكنُ أن نرتاحَ الآن قليلاً في مقهى تحملُ اِسمَكَ

نشربُ كأساً من شايٍ سيلانيٍ، أو بنٍّ تركيٍ، أو ماءٍ مستوردْ

صار يزمجرُ  في غضبٍ

ماذا أكثر من هذا؟

بابلَ تستوردُ حتى الماءْ؟!

**

صوتُ رنينِ الهاتفِ أيقظني

قلتُ وأنا أمسحُ وجهي

لا تأتِ  بنومي ثانيةً يا جدي الأكبَرْ

دعني الآنْ

كيْ أعرفَ من هاتفني

كان الصوتُ على الخطِّ الآخرَ يُبْلِغُني

أنّي في اليومِ الثاني يَلزَمُني

أن لا أتأخرَ عنْ موعدِ طبِ الأسنانْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن  6/2/2020

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الشاعر.

خالد الحلي.

هي رؤيا إذن تجلّت فيها رؤية الشاعر في ماضي

مدينته او عراقِه. ( الماضي السحيق التليد ) حين

كانت بابل عاصمة الكون وحاضرٍ يلوكه البؤسُ

والهزيمة. قصيدةٌ من آلاءِ المنامات حيثُ نرحلُ

نحو الداخلِ والأعماق بحثاً عن جواهرِ اللاوعي

و هرباً من واقعٍ اكثر من مرير لكنّ الحلمُ. تبخّر

برنّة هاتِفٍ من صميم واقعٍ. مؤلمٍ كألامٍ الضرس

المنخور .

أحببْتُ لغة النصّ و رشاقة. الحبك. وإنسيابيّة

الأفكار .


خالص الود

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الشاعر مصطفى علي
سعدت كثيراً بإضاءاتك الجميلة على القصيدة، وغوصك العميق في جوهرها وإبعادها عبر قراءة جمعت بين الرصانة النقدية والحساسية المرهفة في التأمل والتصور والاستناج. أشكرك جزيل الشكر على النفس الإبداعي وصفاء الحس النقدي اللذين اتسمت بهما قراءتك، وأغبطني ارتياحك للغة القصيدة وحبكتها وانسيابية أفكارها.
مودتي الخالصة

خالد الحلّي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
روعة استلهام التناص الحضاري وجره الى الواقع اليومي . في رؤيته الحديثة . لاشك ان اي واحد من رواد الحضارة والمجد التاريخي . يعودون الى الحياة مجدداً ليروا مهازل احفادهم في العاق والعقوق . الذين حولوا كل ارث جميل الى خراب . لو يعرف حمورابي ابو مسلة القانون والشرعية , بماذ حل في مدينته بابل وشوارعها وناسها , لكفر الف مرة وندم على الخروج من قبره . فمن حقه ان يزمجر بالغضب الساخط ويلعننا الف مرة ومرة . جعل بابل ان تستورد الماء والبصل من الخارج , في بلاد وادي الرفدين , او بلاد بين النهرين ,لكنه لحمدالله تهرب الاخر من الاحراج الشديد , بحجة رنة الهاتف تذكره بموعده مع طبيب الاسنان
ملاحظة : عزيزي غداً سأنشر المقالة النقدية حول ديوانك الشعري : لا يعرف احد اسمي
تحياتي ودمت في خير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

بارتياح واعتزاز قرأت كلماتك النابضة عزيزي الناقد القدير جمعة عبد الله، فقد سلطت بها الأضواء على واقع مر ومرير عبرت عنه القصيدة، التي جسدت شعرا بايجاز دال إيحاءات عن شجن الانسان والانسانية، من خلال لوعة العراق والعراقيين، المستلهمة من معاناة بابل والبابليين. شكرا على تصديك إلى الكتابة عن ديواني الشعري "لا أحد يعرف اسمي"، وسأقرأ ما كتبت باهتمام
لك جميل التحيات وخالص الود والتقدير

خالد الحلّي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4915 المصادف: 2020-02-19 03:00:19


Share on Myspace