 ترجمات أدبية

مرثيّة آذار

محمد صالح الغريسيشعر: آنّا لاآخماتوفا

تعريب: محمد الصالح الغريسي

لأستمرّ أكثر، لديّ من كنوز الماضي ما يكفي،

بل أكثر ممّا أحتاج  أو أريد.

أنت تعرف جيّدا،  مثلما أعرف...أنّ  الذّاكرة الخبيثة

لن تدع نصفها يذهب:

كنيسة متواضعة، بقبّتها الذّهبيّة

المنحنية برفق، سرب من الغربان المزعجة؛

صافرة  قطار؛ شجرة "بتولا" هزيلة في حقل،

كما لو أنّها خرجت للتوّ من السجن؛

أشجار السّنديان الهائلة، المجتمعة سرّا في منتصف اللّيل؛

زورق تجذيف صغير، ينزلق قادما من أحلام أحدهم،

في تعثّر بطيء.

الشّتاء هنا، قد تأخّر بالفعل،

يرشّ هذه الحقول رشّا خفيفا،

يملؤها ضبابا كثيفا

يسدّ وجه الأفق في كلّ مكان من العالم.

كان اعتقادي راسخا، أنّه بعد رحيلنا،

لن يوجد شيء،  ببساطة ، لا شيء على الإطلاق.

فمن ذا الّذي إذن،  يتجوّل من جديد قرب الشّرفة،

و ينادينا بأسمائنا؟

وجه من هذا الملتصق بزجاج الباب المكسوّ بالجليد؟

أيّ يد هذه الّتي ترتجف مثل غصن شجرة؟

الردّ، أنّه في ذلك الرّكن المتشابك، بقعة من أشعّة الشّمس

ترقص في المرآة.

 

آنّا آخماتوفا

...............

 

March Elegy

Poem by Anna Akhmatova

 

I have enough treasures from the past

to last me longer than I need, or want.

You know as well as I . . . malevolent memory

won't let go of half of them:

a modest church, with its gold cupola

slightly askew; a harsh chorus

of crows; the whistle of a train;

a birch tree haggard in a field

as if it had just been sprung from jail;

a secret midnight conclave

of monumental Bible-oaks;

and a tiny rowboat that comes drifting out

of somebody's dreams, slowly foundering.

Winter has already loitered here,

lightly powdering these fields,

casting an impenetrable haze

that fills the world as far as the horizon.

I used to think that after we are gone

there's nothing, simply nothing at all.

Then who's that wandering by the porch

again and calling us by name?

Whose face is pressed against the frosted pane?

What hand out there is waving like a branch?

By way of reply, in that cobwebbed corner

a sunstruck tatter dances in the mirror.

 

Anna Akhmatova

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والمترجم القدير
قصيدة مشبعة بالايحاء والمعنى والرمز . حقاً ماذا تفيد كنوز الماضي امام واقع متهرئ وممزق . ماذا تفد مهما بالغت الذاكرة الخبيثة في تجميل كنوز الماضي , فأنها لا تصمد امام واقع مخيب ومحطم الامال . واقع يعيش البرد القارص رغم انه في شهر آذار . واقع يلفه الضباب وضياع الرؤية والغربان تجول في سمائه . واقع يعيش هزالة الحقول وهزالة الحياة , كأنه خرج للتو من السجن .
اعتقدد ان الشعر الروسي لكبار الشعراء , ينبغي اعادة قراءته . لان تلك المرحلة مسلطة بالرقابة الحزبية في سوط الارهاب الفكري والثقافي والادبي .
تملك روعة الاختيار بحكم موسوعتك الثقافية والادبية
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي و صديقي الأديب النّاقد جمعة عبد الله

شكرا جزيلا على سبرك لأغوار هذا النصّ للشاعرة الرّوسيّة آنّا آخماتوفا، و لتثمينك العالي لترجمتي المتواضعة.
يتناول النصّ مفهوم الصّراع بين الحلم و الواقع، جدليّة العلاقة بين الماضي و انتظارات الحاضر و المستقبل.
يتمتّع النصّ بتكثيف كبير للمعاني و الدّلالات في استعمال ذكيّ لرمزيّة تغازل عقل القارئ المتطلّع إلى الحقيقة..
رغم انتماء هذا النصّ إلى ما يسمّى بالأدب الذّاتي - و لا أقصد هنا السّيرة الذّاتيّة-، فإنّ الشّاعرة لم تخف موقفها
من مرحلة عاشتها في مجتمع مقيّد للحريات و جوّ سياسيّ مغقّد كاتم للأنفاس، إلاّ أنّها رغم ذلك تحتفظ لنفسها
بقسم جميل من الذّكريات تقاوم بها رداءة الواقع. و لعها هنا ترتقي بالنصّ من حالة نقديّة للواقع إلى تجربة وجوديّة ذاتيّة:

كان اعتقادي راسخا، أنّه بعد رحيلنا،

لن يوجد شيء، ببساطة ، لا شيء على الإطلاق.


فهي لا تحمّل الواقع أكثر ممّا يستحقّ، بل تحتفظ بحقّها في تجميل هذا الواقع بالحلم الجميل. مهما كان بسيطا.:


"وجه من هذا الملتصق بزجاج الباب المكسوّ بالجليد؟

أيّ يد هذه الّتي ترتجف مثل غصن شجرة؟

الردّ، أنّه في ذلك الرّكن المتشابك، بقعة من أشعّة الشّمس

ترقص في المرآة."

يبقى شعاع الشّمس البسيط هو الأمل الّذي سيذيب جليد الواقع و ركام الماضي .


مع خالص تحيّاتي و عميق تقديري.

أخوك محمد الصالح الغريسي

محمد الصالح الغريسي
This comment was minimized by the moderator on the site

اختيار موفق وقصيدة جميلة اظن شعاع الشمس في المراة يشير الى الروح التي لم تبارح بكليتها كما الجسد بل ظل شيء منها في المكان الحبيب شكرا لانك ترجمت لنا هذه القطعة من الاحساس دمت بخير ونعمى .

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشّاعرة المبدعة سميّة عبيدي


شكرا جزيلا على مرورك الجميل. و قراءتك النّافذة للنص
رغم ما نرزح تحته من ثقل الواقع في ماضيه و حاضره،
و رغم طوق الجليد الّذي يكبّلنا، فإنّا شعاعا بسيطا من الشّمس
كفيل بأن يبعث فينا الدّفء و يعطينا شحنة من الأمل تذيب
ذلك الطّوق الخانق من أعباء الماضي و معاناة الحاضر.

و يبقى شعاع الأمل على بساطته، يلسما شافيا للنّفس
من معاناة الواقع.

مع خالص شكري و تقديري.

محمد الصالح الغريسي

محمد الصالح الغريسي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5033 المصادف: 2020-06-16 08:00:23


Share on Myspace