 نصوص أدبية

الغرفة الغامضة

سمية العبيديلا يمكن أن تسمى غرفة مهما تساهلنا في التسمية والتوصيف غير ان ذلك ما أطلقه أحفادها على هذا الركن الذي تمكنت اخيرا وبعد عصر وحصر للذهن أن تتوصل اليه لتمنح نفسها ساعة من هدوء وتأمل وتركيز كانت هذه الزاوية بعيدة شيئا ما عن معترك الحياة في ذلك البيت حيث يتحلى أفراده بميزة الصوت المرتفع مضافا اليها حب الترنم بأناشيد الطفولة وأُغنيات الصبا وهي ميزة ابتدعها الجد ورافقته الجدة نفسها فيها بدأت مع أول حفيد لكنها نسيت أن تنتهي منها وتتجاوزها بل رفض مبتدعوها أن تنتهي حرصا أن يأخذ كل حفيد نصيبه الموفور من الأهازيج والأغنيات فلا ظلم لأحد على حساب الآخر . بعد أن عرفت ما تريد ظلت الزاوية تشكل اغراء لعينيها وأملا بإنقاذ شيئا من النهار من براثن الفوضى التي تضرب أطنابها عبر تخوم البيت وفضاءاته ، لذا راجعت ركام مخلفات البناء في سطح الدار وأنزلت منه ما تستطيع حمله كلما تمكنت من صعود سلم المنزل أخذت تثبت جانبين ايضاً للزاوية البعيدة متحاشية أن يعرف أحد ما ترمي اليه كان السقف الذي توصلت اليه يرتفع عن مستوى رأسها " بشبرين " تقريبا فقط واخيرا استطاعت ان تحصل على باب توصده بقفل رتبت الزاوية من الداخل تخلصت من الثقوب ومنحت المكان شكل سكن آدمي حتى لا تأكلها الحشرات وتقرضها الجرذان . نقلت كل كتبها ومخطوطاتها ومطبوعاتها و أوارقها المبعثرة والمحشورة في عدة أماكن ونقلت اخيرا حاسبتها ، ومع إن ابعاد الغرفة !! - بدأت هي أيضا تدعوها كذلك - لا تتجاوز مترا في متر وربع الا إنها استطاعت أن تحشر نتاج ما يزيد عن نصف قرن فيها وايضا أن تبقي مكانا يتسع لعظامها التي نخرتها الايام وما تبقى من لحمها ودمها وشعرت بالراحة فهذا المكان المجتزَأ من المنزل لمَّ تبعثرها وانفراط شملها عن ملايين الحروف التي زرعتها ولم تثمر طوال نصف قرن ونيف . أخذت تأوي اليها كلما استطاعت ، فتراجع أوراقها قراءة وتمحيصا فأما حرقا وإما حفظا في حافظات كتبت عليها فحواها بقلم غليظ - عادت تعرف أين أقلامها وأين أوراقها - بدأت نشاطا جديدا لترتيب أوراقها وأمورها غير إن فضول الأطفال تحول اليها والى الغرفة الغامضة كما أخذوا يسمونها حتى إن أحدهم تجرأ فكتب على جدارها ذلك بخط غليظ ملون ، حين رأت ذلك ابتسمت ولم تعاتب أحدا . صار هذا عالمها الخاص الذي لا ينازعها ملكيته أحد . على إنها في عشق قديم لازب مع النوافذ لم تكن لديها نافذة في هذه الزاوية لكنها اقنعت نفسها بانها عادت تمتلك نافذة ذهنية تطل على العالم منها تعوضها عن حرمان غرفتها من نافذة اما حرصها على الأناقة والجمال فقد ألجأها الى صنع ستارة صغيرة من رقيق القماش وجميله وضعتها على الجانب المطل على الحديقة الصغيرة توهم نفسها بأنها تملك نافذة لركنها هذا حتى إنها أزمعت على رسم نافذة على الحائط لكنها تراجعت عن استغراقها في الرومانسية كذبا ، ولله الحمد لم ير أحد زاويتها من الداخل والا لكان سخر منها الشياطين الاعزاء الذين أنجبهم أبنها الوحيد .

***

سمية العبيدي / بغداد

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

وانفراط شملها عن ملايين الحروف التي زرعتها ولم تثمر طوال نصف قرن ونيف
استاذتي ووالدتي الفاضلة ا.سمية العبيدي عطر الله اوقاتك باريج الورد والياسمين
وتحية طيبة تليق بقلم يصوغ الابداع قناديل
اعجبتني القصة كثيرا بفكرتها وطريقة سردها وقدرة البطلة على استغلال مايمكن استغلاله لتنجز شيئا تفتخر به وتلك سمة الإنسان القوي الاستفادة وتسخير المتاح وتبقى جنة المؤمن في قلبه تفتح له نافذة عرضها السموات والأرض..
بورك قلمك الحريري والدتي القديرة
ودمت برعاية الله وحفظه

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزتي مريم
أرأيت غصن الزهر كيف ينتعش إذ يسقى بماء صاف كذلك قلب الشاعر الكاتب الاديب يرتوي من الكلمة الطيبة ويتوقد نشاطا ويزداد طاقة . غمرتني فضلا بمرورك الكريم
دمت بخير

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديبة القديرة سمية العبيدي

مودتي


تشعلين الحجر الخفي بلهفة طفولية للنعمة.. ناسجة من اعشاش الحروف المغايرة
غمامات لإمارة الانطلاق.. متوجة بالفرح والترف والتفرد.. لتحمحم فيها افراس
الكبد المنطلقة نحو السماوات اللانهائية لمصائر حيوات لا تنسى ولا تمل..

قصة تحسسني بدبيب خطى الادمي القريبة من إرادة الاصطدام بالحضور..

دمت بصحة

طارق الحلفي
This comment was minimized by the moderator on the site

سرني مرورك بنصي المتواضع هذا وغمرني رضاك عنه
بالراحة والسرور شكرا لكم
ودمتم بعافية استاذنا الحلفي

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

لم تكن لديها نافذة في هذه الزاوية لكنها اقنعت نفسها بانها عادت تمتلك نافذة ذهنية تطل على العالم منها تعوضها عن حرمان غرفتها من نافذة اما حرصها على الأناقة والجمال فقد ألجأها الى صنع ستارة صغيرة من رقيق القماش وجميله وضعتها على الجانب المطل على الحديقة الصغيرة توهم نفسها بأنها تملك نافذة لركنها هذا
----------------
عزيزتي السمية
اسأل الله أولاً أن يمنحكِ الصحة والعافية والسلامة
والاستمرار بالكتابة، لأنها نافذتنا الصافية والجميلة
محبتي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقتي ذكرى .دعاؤك غمرني بالتفاؤل وفتح طاقات روحي عسى الله أن يديم علينا نعمة الصبر ويحفظكم لنا ويشملكم برحمة منه لا انتهاء لها.
أصبت ذكرى فالكتابة نافذة ما مثلها نافذة .
دمت بخير ونعمى

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

اختي الفاضلة الاديبة سمية العبيدي سلام الله عليك ..
انها حديقة ابداعية يتعانق فيها الصفاء والسحر والجمال والنقاء ..
بساطتك وصدقك علامتان مميزتان لشخصيتك الادبية ..
حفظك الله ورعاك سيدتي الكريمة..

قدور رحماني
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذ قدور
الف شكر لمرورك بنصي المتواضع هذا ولرضاك عما أكتب دمت شاعرا مرهفا
ومتعك الله بالخير والعافية

سمية العبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5159 المصادف: 2020-10-20 10:26:06


Share on Myspace