 قضايا

عندما يتحول الإختلاف الفكري والحق في الاجتهاد الى إتهام بالخروج على ولي الأمر

عمرون علي (نكبة ابن رشد نموذجا)

"نُقل إلى قرطبة وبها قبره. ولما جُعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة، جُعلت تواليفه تُعادله من الجانب الآخر، وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسن محمد بن جبير، وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج الناسخ، فالتفت أبو الحكم إلينا، وقال: ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الإمام وهذه أعماله يعني تواليفه، فقال له ابن جبير: يا ولدي نعم ما نظرت لا فُضّ فوك، فقَيدتها عندي موعظة وتذكرة، وقلنا في ذلك: هذا الإمام وهذه أعماله يا ليت شعري هل أتت آماله؟ " ابن عربي

مدخل عام

نكبة ابن رشد اثناء محاكمته ونفيه، ويوم تقرر اعادة دفنه، عكست حالة الخوف من مواجهة الحقيقة الخوف الذي يسكن المثقف الانتهازي المعطوب في وعيه وفكره، والسياسي المتعطش للسلطة الفاقد للبصر والبصيرة، نكبة ابن رشد هي محنة المثقف على اختلاف الزمان والمكان، المثقف الذي يجد نفسه دائما امام خيارين: الاقتراب من السلطة السياسية والتودد الى رجالها والجلوس الى موائدهم سعيا وراء المنصب والمال والجاه ومن ثمة الاحتراق بنارها، او الابتعاد عن مجالس السلطة السياسية سواء من خلال الانطواء والانغلاق حول الذات او من خلال المواجهة والمصادمة وهو خيار يجعله يعيش حالة من الحصار المادي والمعنوي، وبين هذا وذاك تجلت محنة ابن رشد في بعدها الدرامي رغم ماتميز به من فكر عقلاني وحس نقدي .

كانت الدراية اغلب عليه من الرواية وكان ذكيا حسن الرأي قوي النفس وصفه محمد عبد الهادي ابو ريدة في مداخلة له حول مواقف ابن رشد بمناسبة انعقاد مؤتمر في الجزائر نوفمبر 1978للاحتفال بالذكرى المئوية الثامنة لوفاة ابن رشد قائلا:" لم ينشأ في الأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا وكان على شرفه أشد الناس تواضعا واخفظهم جناحا" مكتبة الأسرة ومكتبته الخاصة شكلتا منهلا خصبا لشاب متعطشا للابحار في عالم الفكر والثقافة .

علاقة ابن رشد بقرطبة مميزة ففي مناظرة بينه وبين الطبيب ابي بكر ابن زهر قال ابن رشد لابن زهر: اذا مات عالم باشبيلية فاريد بيع كتبه حملت الى قرطبة حتى تباع فيها، وان مات مطرب بقرطبة فاريد بيع الاته حملت الى اشبيلية.قرطبة التي عشقها تنكرت له فمات موت الغريب في وطنه

مشروع ابن رشد

هو مشروع ديني فلسفي علمي حاول من خلاله طرح إشكاليات وتساؤلات نقدية في محاولة لاستيعاب التراث الفكري الإنساني وتوظيفه وتجاوزه لفهم الحاضر واستشراف المستقبل ومن اهم هذه الإشكالات وحدة الحقيقة على اعتبار ان الحق لايضاد الحق بل يوافقه ويشهد له، ومشكلة التغيير السياسي وبناء الدولة وفق فلسفة تنويرية واسس قانونية حيث انطلق ابن رشد من مقاربة وصفية تحليلية فتحدث اولا عن أنظمة الحكم المختلفة ومنها: التيموقراطية ( مدينة الكرامة ) وتقوم على حكومة النبلاء وأصحاب الطموح الباحثين عن الشهرة وهي تنتج عن حب السيطرة والعنف، وحكومة الخسةوالخساسة، وحكومة الطغيان (التغلب) ..... وهو يتحدث عن حكومة الطغيان وصف ابن رشد الطاغية بالسكران وبان نفسه مليئة بالعبودية والجور لايقدر على ضبط نفسه ومراقبة رغباته، هو بالمحصلة مريض نصب نفسه طبيبا لمعالجة الاخرين، ووفق مقاربة سيكولوجية حلل ابن رشد نفسية الشعوب الواقعة تحت حكم الطغيان ولاحظ انها شعوب تشعر بالحزن والقلق وتعيش محطمة في مهاوي الياس والفقر، وانهم تحت ضربات الطغيان وسياط الاستبداد يتجهون الى البحث عن قوت يومهم ومن ثمة ينزل سقف تفكيرهم فلا يتجاوز البحث عن الخبز .

لذلك تبنى ابن رشد الديمقراطية (السياسة الجماعية) كمنهج في الحكم ديمقراطية أسسها على مبداين: هما الارتقاء بالحرية في أوسع معانيها والالتزام بالقانون، ومن هنا جاء مشروعه الاصلاحي، اشتغل على اولا على مشكلة اصلاح القضاء فكرا وتنظيرا وممارسة، وطالب بضرورة تحرير المراة وكان يقول ان وصولها الى السلطة من الأمور الطبيعية الممكنة فكمال الانسان في عقله وثانيا أكد على انه لايمكن بلوغ هذا الهدف الى بإصلاح تربوي شامل فضلا عن حتمية مواجهةأصحاب النفوذ الديني والاجتماعي والثقافي الذين يشكلون احد ركائز الدولة العميقة بلغتنا المعاصرة كما اشتغل على مشروع الدفاع عن الفلسفة ومحاولة إيجاد مكان لها في اندلس القرن الثاني عشر في ظل وجود ثقافة متطرفة تتجاذبها تيارات تحتكر الحقيقة

اليات تنفيذ المشروع

01- اعتمد على منهجية تجمع بين العقلانية والحس النقدي والواقعية في الطرح مع الالتزام بخصائص الروح العلمية وتتجلى عقلانية ابن رشد في ضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم فاذا كان الخطاب موجها الى الصفوة كان البرهان هو أساس المحاجة واذا كان الخطاب موجها الى الكثرة والعامة كان من الضروري الاكتفاء بظاهر النصوص وفقا للقاعدة القائلة:" اذا كان الأسلوب سهلا كان التلقي اسهل " ووفق هذا المنهج قسم ابن رشد الناس الى ثلاثة اقسام: اهل البرهان، واهل الجدل، واهل الخطابة . ومنهجه في التأليف لايخرج عن هذا التدرج بداية من من الجوامع التي تتميز بالإيجاز وصفها العلامة المرحوم جمال الدين العلوي في كتابه (المتن الرشدي) قائلا «إنها شروح صغرى لا تحكمها نظرة فلسفية واحدة ومتكاملة، ولا تربطها بنية فكرية واحدة، ولا تجمعها إحالة مرجعية واحدة سوى أنها تروم إنقاذ ما هو ضروري من المعرفة العلمية لحصول الكمال الإنساني، أي الحد الأدنى الضروري من المعرفة اللازمة لكي يحقق الإنسان كماله الأول، وليس الكمال الأخير الذي يؤكد ابن رشد أنه مطمح عسير التحقيق في زمنه «ووصولا الى التلخيصات وتتميز بالتوسط ثم التفصيلات وفي الأكثر ينطلق من من هذه العبارة:" غرضنا ......." حيث تحديد الغاية يسمح بتحديد الوسيلة لبلوغها. وقد بلغت مؤلفاته 78 مؤلفا .

02- الاعتماد على منهجية فلسفية في الكتابة ترتكز على تأطير المشكلة والتدرج نحو الاطروحة التي يتبنها ويدافع عنها ودحض مايخالفها وفق بناء حجاجي.

03- توظيف الاستقراء في القضايا العلمية بالانتقال من الخاص الى العام وضرورة الاحتكام الى الملاحظة والتجربة وهذا واضح في كتابه الكليات في الطب منشورات » مركز دراسات الوحدة العربية «ومما جاء فيه قول ابن رشد:" إن صناعة الطب هي صناعة فاعلة عن مبادئ صادقة، يُلتمس بها حفظ صحة بدن الإنسان وإبطال المرض، وذلك بأقصى ما يمكن في واحد من الأبدان" وقيمة هذا الكتاب في نظر محمد عابد الجابري لاتكمن فقط في منهجيته العلمية التي تجمع بين التاصيل النظري والممارسة التطبيقية بل وأيضا في بعده الفلسفي م خلال ربط الطب بمايسمى أخلاقيات الطب والبيولوجيا أخلاقيات الطب والبيولوجيا او مايعرف اليوم بمصطلح البيوتيقا . وكان من أقوال ابن رشد: "من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانا بالله تعالى"

04- ضرورة التقاطع مع السلطة السياسية وتقربه من الاسرة الحاكمة ونقل مشروعه الفكري من التنظير الى الممارسة (القضاء، الطب، التعليم، سياسة الدولة .....) في مقابل نفوره من مجالس اللهو والطرب والتعفف عن الكسب المادي

المحاكمة

كتب رينان نقلا عن الانصاري:" الأعداء كانوا لايسأمون من الانتظار ويرقبون أوقات الضرار...حتى امر المنصور طلبة مجلسه وفقهاء دولته بالحضور بجامع المسلمين وتعريف الملأ بان ابن رشد مرق من الدين واستوجب لعنة الضالين " وتمت محاكمة ابن رشد بالجامع الأعظم بقرطبة سنة 591هـ (1195م)

وفي المنشور الرسمي الذي كتبه ابن عباس ان ابن رشد ملحد معطل وأمر باخراجه في أسوء حال واحرقت كتبه الفلسفية وسط تكبيرات المتعصبين ونفي خارج قرطبة إلى قرية على بعد ثلاثين ميلاً تسمى – اليُسَانَه -، سكانها يهود. ومن دوافع نفيه إلى هذه القرية ما أشاع عنه خصومه من أنه يهودي الأصل، لا يُعرف له نسب في قبائل الأندلس ويحكي ابن ابي اصيبعة ( انهم بقوا مدة ثم ان جماعة من الاعيان باشبيليا شهدوا لابن رشد فرضي المنصور عنه وقد دامت محنته بالإبعاد أقل من ثلاث سنوات، لكنه ما لبث أن تُوُفِّيَ بعد العفو عنه بقليل، وكانت وفاته – رحمه الله – في التاسع من صفر سنة 595هـ (12 من ديسمبر1198م) وقد علق صاحب كتاب الروض المعطار على هذه النكبة قائلا:" كانت هذه الواقعة وهن دخل على الموحدين فلم تقم بعد ذلك لأهل المغرب قائمة " ولم تتوجه النقمة على ابن رشد وحده، بل شملت كلَّ الذين كانوا يشتغلون بالفلسفة فوقع نفيُهم إلى أماكن متفرقة، وهم: أبو جعفر الذّهبي، والفقيه أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم قاضي بجَّايَة، وأبو عبد الله الأصولي، وأبو الربيع الكفيف، وأبو العباس القُرابي الشاعر.

بعد أربع عشر سنة من وفاته انهزم المسلمون في معركة العقاب وفي عام 1236 احتل فرناندو الثالث ملك قشتاله مدينة قرطبة كتب الدكتور (إبراهيم بيومي مدكور): " كان في وسع الفلسفة الرشدية ان تحيا في العالم العربي الإسلامي لولا سحب قاتمة حجبتها وصيحات جمود طاغية اعترضت طريقها " لقد ترجمة كتبه الى اللاتينية والعبرية وحين ارادلويس الحادي عشر عام 1437 تنظيم التعليم الفلسفي أوصى بابن رشد وتعتبر جامعة بادوا القلعة التي عمر فيها المذهب الرشدي في القرن السابع عشر وقد اعترف كريستوفر كولومبوس الذي ولد في مدينة جنوة في إيطاليا ودرس الرياضيات والعلوم الطبيعية في جامعة بافيا. بخط يده انه كان لمؤلفات ابن رشد الفضل الأكبر في اكتشافاته وعندما سئل محمد اركون عن اختياره لابن رشد كرمز للحداثة أجاب ان اختياره جاء على اعتبارانه يمثل مرجعية فكرية عالمية وان منهجه العقلاني الفلسفي العلمي انتج حركة فكرية في جامعتي السوربون و أكسفورد وقد ذكره دانتي في الكوميديا اللالهية وكان حاضرا بين اكبر الفلاسفة في لوحة رافييل مدرسة أثينا لقد احدث ابن رشد ضجة ورجة في عقول اكبر الرجال لقرون عديدة....هذا الإمام وهذه أعمالـــــــه يا ليت شعري هل أتت آماله؟ "

 

الأستاذ :عمرون علي

أستاذ الفلسفة.المسيلة- الجزائر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5177 المصادف: 2020-11-07 03:16:08


Share on Myspace