 آراء

من التراث: دماء العراقيين تنتقم من الطغاة!

علاء اللاميدماء العراقيين حوبتها*عظيمة، ما خاض طاغيةٌ فيها إلا كانت خاتمته أعظم في السوء والإذلال: كيف انتهى المصلح الدموي الحجاج بن يوسف الثقفي مع قائمة بإصلاحاته! يبدو أن الحكام الطغاة الدمويين والقادة المستبدين لا يأخذون العبرة من دروس التاريخ قديما وحديثا! أما حديثا فقصة النهاية البائسة والمذِلَّة لطاغية العراق قبل الاحتلال الأميركي وهو الذي حول العراق إلى شبكة من المقابر الجماعية حاضرة في الأذهان والذاكرة، وأما قديما فهذا الحجاج بن يوسف الثقفي الذي خاض طويلا وعميقا في دمائهم وقتلهم وشردهم حتى قيل إنه كان يبتني الحيطان عليهم وهم أحياء حتى يموتوا تحتها، ولأن العراقيين، أو لنقل غالبيتهم، الذين طبعوا على التمرد ورفض الظلم والعقلية النقدية فقد شتمهم الحجاج و وصمهم بالشقاق والنفاق ولو كانوا أطاعوه وخضعوا له لما قال عنهم ما قال، وبدأ حكمه بقولته الشهيرة (إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها...)، وظل يقطف ويقطف رؤوسهم خلال ثوراتهم وتمرداتهم المستمرة حتى انتهى نهاية عجيبة لا مثيل لها، فقد انتقمت منه تلك الدماء التي سفكها والأرواح التي أزهقها انتقاما عجيبا، لنقرأ ما ورد في كتب التراث عن نهاية الحجاج:

- مرض الحجاج وهو في ذروة قوته وبطشه وفي خمسينياته مرضا غريبا وشديدا (وقد ذكر المؤرخون اسم هذا المرض بالآكلة، والذي أصاب بطنه، وعندما دُعي الطبيب لينظر إليه أخذ لحماً وعلقه في خيط، ثم وضعه في حلقه لمدة ساعةٍ، وعندما أخرجه وجده وقد علق به الكثير من الدود. كما سلط الله على الحجّاج البرد الشديد المعروف باسم الزمهرير، حتى أن النار كانت تمس جلده من الكوانين (المواقد) المشتعلة حوله فلم يكن يشعر بالحرارة أبداً. وعندما شكى الحجاج ما يحدث له إلى الحسن البصري كان رده عليه أنه قد نهاه عن التعرض للصالحين إلاّ أنه أعرض وأبى. أما رد الحجاج على الحسن البصري فكان أنه لا يريد منه دعاء الله بالتفريج عنه، وإنما أن يدعو الله أن يعجّل في موته ولا يطيل عذابه/ الحجاج بن يوسف الثقفي مواقف من حياته/ تأليف أمير بن محمد المدري، صفحة 97). وكان الفقيه التقي سعيد بن جبير الأسدي الكوفي من جملة من قتلهم الحجاج ذبحا فقال سعيد له: خذها مني يا حجاج حتى تلقاني بها يوم القيامة، ثم دعا سعيد ربه فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي. فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوما حتى بدأ يمرض بمرضه ذاك، وكان يرى سعيد بن جبير في منامه وكوابيسه فيستيقظ فزعا وهو يقول: مالي ولسعيد بن جبير! حتى هلك وقُبِرَ في مدينة واسط ولكن الماء فاض على القبر فاندرس وتلاشى ولم يبق له أثر.

-  استدراك: يخطئ من يعتقد أن الحجاج كان حاكما دمويا ومستبدا فقط بل كان - إضافة الى ذلك -  واحداً من كبار المصلحين المستبدين ويعتبره بعض المؤرخين الباني الثاني للدولة الأموية والذي لولاه لما استمرت قائمة قرابة القرن. وهذه قائمة مختصرة بإصلاحات الحجاج الدموي كما تذكرها أمهات الكتب التراثية:

1- تعريب الدواوين.

2- إصلاح العُمْلَة.

3- إصلاح الأراضي الزراعية، ووفر الحيوانات التي تقوم بالحراثة.

4- بناء الجسور على الأنهار في العراق.

5- أقام الصّهاريج لتخزين مياه الأمطار بالقرب من البصرة بهدف توفير المياه للقوافل المارّة، وحفر الآبار في المناطق المقطوعة لتوفير مياه الشرب.

6- شرع في بناء مدينة واسط بين البصرة والكوفة

7- أمر بقتل الكلاب الضّالة.

إضافة الى أوامر ذات مضمون ديني منها أنه أمر نصر بن عاصم بوضع علامات الإعراب على كلمات المصحف القرآني ووضع علاماتٍ تدل على نصف القرآن، وثلثه، وربعه. وامر بعدم النّواح على الموتى في البيوت ومنع بيع الخمور.

 

علاء اللامي

.......................

*كلمة "حوبة" السائدة في اللهجة العراقية المعاصرة فصيحة، ولها معان عديدة منها الإثم العظيم، كما ورد في تفسير الفرّاء للآية القرآنية "إِنه كان حُوباً" فقال: الحُوبُ الإِثم العظيم.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

كان الاولى القول باجراءات الحجاج وليس إصلاحاته. فقتل الكلاب ليس اصلاحا. دعك عما فيه من قسوة.

احمد محمد
This comment was minimized by the moderator on the site

أحمد محمد .. ولماذا توقفت عند قتل الكلاب وأهملت الإنجازات المدنية الستة والدينية الأخرى؟

علاء اللامي
This comment was minimized by the moderator on the site

انني اقترحت ان تكون كلمة إجراءات ادق وأصح من كلمة إصلاحات. اما كلمة إنجازات فهي الاخرى ناقصة رغم انها افضل من اصطلاح الإصلاح. وفِي كلتا الحالتين لا تصح على قتل الكلاب. فالأخير لا يدخل ضمن الإصلاح والانجاز. مع ان لهذه "الإصلاحات" و"لإنجازات" مثالبها الفجة في التاريخ الفعلي للحجاج.
تحياتي مرة اخرى

احمد محمد
This comment was minimized by the moderator on the site

بل مفسدٌ طاغٍ وليسَ مصلحا

............................ اقامَ جسرا أو أمات َ نابحا

أ ( يصلح) الأرض َ ويسقيها دما؟!

................... لنْ يخفي محراثٌ له ما اجترحا

ما أفلح الطاغي و إن قد شيدت

........................... في عصره مدائن ٌ ما أفلحا

عبد الكريم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5200 المصادف: 2020-11-30 03:17:00