 آراء

ماذا بعد سقوط المغرب في مستنقع التطبيع!

بكر السباتينهرولة العميان في النفق المغلق.. وأسئلة أخرى..

هل تحذو قطر حذو المغرب في تطبيع العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، فالمقارنة بين القُطْرَيْن العربيين في هذه المسألة يكاد يتطابق سوى في شكل القناع الخارجي.. وما على الفلسطينيين إلا الركون إلى أنفسهم، والعودة إلى اتفاق بيروت الأخير الذي جمع الفصائل الفلسطينية على توحيد الصفوف والتخندق وراء المقاومة في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وهو ذات الاتفاق الذي لم يصمد طويلاً نظراً لانقلاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عليه، بالعودة إلى اتفاقية التنسيق الأمني بسبب الضغوطات الإسرائيلية العربية الأمريكية التي مورست بحقة، وهنا مربط الفرس.. إنها الثقة الزائدة بالآخرين على حساب الثقة بالشريك الفلسطيني. فالأقنعة العربية ما زالت تتوالى في السقوط.. وكان آخرها الموقف المغربي التطبيعي الأخير.. لينتصب السؤال الذي حركه كوشنر في وجوهنا: من تكون تلك الدولة الآتية على درب التطبيع المهين يا ترى؟

دعونا نبحث في بعض التفاصيل التاريخية التي لم يبرد جمرها بعد؛ لاستجلاء ما هو محتمل في العلاقة العربية الإسرائيلية في المستقبل القريب حتى لا تتعب المفاجآتُ عقولَنَا، ومن أجل أن يتنفسَ طائرُ الفينيق الكنعاني في حشايانا، فيخرج الشعبُ الفلسطينيُّ المغبونُ من الرماد أشد عنفواناً.. لتستمر -بعد ذلك- مسيرة النضال في طريق واضح، يتبين للشعب الفلسطيني فيها العدو من الصديق، وهذا إنجاز عظيم لم نكن نحلم به عبر تاريخ القضية الفلسطينية منذ اثنين وسبعين عاماً خلت، وقد تركتِ الهزائمُ المتواليةُ في العروبة الكثيرَ من الندوبِ والتشوهات.

كلنا نتذكر ما جرى بتاريخ 23 أكتوبر 2000، حين أعلن المغرب عن إغلاقه مكتب الاتصال في دولة ما يسمى "إسرائيل" والمكتب الإسرائيلي في الرباط احتجاجًا على السياسة الإسرائيلية في التعامل الفظ مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) وإعلان الحكومة الإسرائيلية وقف عملية السلام.

وهو ما حدث أيضاً في نوفمبر عام 2000، حينما أعلنت إمارة قطر عن إغلاق المكتب التمثيلي التجاري الإسرائيلي لديها، (قطعت قطر علاقاتها التجارية مع إسرائيل بشكل دائم في عام 2009 بعد عملية الرصاص المسكوب) وجاء ذلك بعد بدء الاجتماع الوزاري لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي الذي اشترطت كلٌ من إيران والسعودية آنذاك على قطر إغلاقَ المكتبِ أعلاه، والذي ساعد في ذلك، مبلغُ الجرائم الإسرائيلية التي استفحلت بحق الفلسطينيين إبان انتفاضة الأقصى، التي اندلعت في 28 سبتمبر 2000 وسقط فيها آلاف الشهداء وعلى رأسهم الطفل محمد الدرة، ما أدّى إلى إعلان كلٍّ من المغرب وإمارة قطر عن قراريهما.

وتحاشياُ من التفرد العربي بقرارات التطبيع المحتملة مع دولة الاحتلال، ومن أجل تحويل "سياسة التطبيع العربي" إلى رافعة للموقف العربي المؤيد لحقوق الفلسطينيين، أًعْلِنَ عن مبادرة السلام العربية في مؤتمر بيروت عام 2002، وهي مبادرة أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية للسلام في الشرق الأوسط بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين. بهدف إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دولياً على حدود 1967 وعودة اللاجئين ولانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي.

وظل الموقفان المغربي والقطري ثابتين إزاء كل الإغراءات والضغوطات التي تعرض لها البلدين من قبل أمريكا والكيان الإسرائيلي والدول العربية التي أيدت صفقة القرن وخاصة الإمارات العربية والبحرين ومصر والسعودية "دول حصار قطر" إلى أن جاء الموقف الذي تنازلت فيه المغرب عن مبادئها تجاه القضية الفلسطينية.

ففي 10 ديسمبر 2020، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر سلسلة تغريدات على حسابه الرسمي على تويتر أنَّ المغرب و"إسرائيل" اتفقا على تطبيع العلاقات بينهما بوساطة أمريكية، ومقابل ذلك أعلن أنه وقّع إعلانًا يعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.. أي أنها جرت مقايضة للموقف المغربي إزاء التطبيع الشامل مع تل أبيب مقابل الموقف الأمريكي إزاء الصحراء الغربية على حساب القضية الفلسطينية.. خلافاً للموقف الشعبي المغربي الذي انتصر للحقوق الفلسطينية، فأصدرت نقابات وأحزاب سياسية مغربية بيانات تستنكر تطبيع العلاقات بين المملكة المغربية وما يسمى "إسرائيل" فيما اعتبروها مقايضة للصحراء وخيانة لفلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني وقد صرح رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع في المغرب أحمد ويحمان قائلاً بأن"المغرب سقط أمام الابتزاز بقضية الصحراء، ومن سولت له نفسه التخلي عن فلسطين لا يمكن أن يؤتمن بالمرة على قضية الصحراء الغربية". وأضاف بأن"الصحراء مغربية، والمغرب في صحرائه، وذلك بفضل التضحيات التي بذلها المغاربة بدمائهم في سبيل تحرير هذه الأقاليم وتنميتها، ولا تحتاج لتزكية من الصهاينة ولا الأمريكان لتأكيد مغربيتها". وذهبتْ مذهبَهُمْ في ذلك، جماعةُ العدل والإحسان، وهو أكبر تنظيم إسلامي بالمغرب والذي عبر في بيان له قائلاً: " نرفض مقايضة أي شبر من فلسطين مقابل الاعتراف بسيادتنا على أراضينا". كما أدان التنظيم نفسه وعدة هيئات مغربية منع السلطات المغربية المظاهرات الاحتجاجية ضد التطبيع. وفي سياق ذلك، وقعت أكثر من ستة وثلاثين هيئة ومنظمة وحزب مغربي بياناً مشتركاً تحت عنوان: "فلسطين أمانة والتطبيع خيانة".

إذن من هي الدولة التي ستقتفي أثر المغرب وفق ما إشار إليه كوشنر في سياق بعثه الأمل في نفوس مؤيدي التطبيع، وإمعاناً منه في كسر جباه الرافضين لهذا المسلك التطبيعي المشين؟،

وعليه، فقد تركزت الأنظار على كل من السودان والسعودية، لكن قطر ظلت محجوبة عن الأنظار ربما للأسباب التالية:

1- موقف قطر الداعم للمقاومة الإسلامية حماس في قطاع غزة ووقوفها إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين التي تتبنى موقفاً رافضاً للتطبيع مع كيان الاحتلال.

2- التحالف القطري التركي في وجه دول الحصار وتناغم موقف البلدين فيما يتعلق بصفقة القرن

3- علاقة قطر الطيبة مع إيران التي تقود محور المقاومة ضد الكيان الإسرائيلي، وخاصة أن طهران فتحت الأجواء الإيرانية للطيران القطري، وقدمت الدعم اللوجستي الممكن لها، في ظل حصار عربي مخجل، كان يستهدف سيادة قطر وثرواتها.

4 - موقف قناة الجزيرة الإعلامي الثابت إزاء القضايا العربية الجادة وخاصة ما يتعلق بفلسطين.. حيث انبرت مؤخراً في التصدي لكل الهجمات الإعلامية، التي استهدفت الفلسطينين في أتون تسويق صفقة القرن الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية مجاناً، ومن ثم قبول الكيان الإسرائيلي في حلف عسكري ضد إيران، وبالتالي توظيف التكنلوجيا الإسرائيلية في ذلك.

5- توازن مواقف أمير قطر تميم بن حمد، الاستراتيجية، حيث خضع لأصعب الاختبارات على الصعيدين الداخلي والخارجي وخاصة تعامله مع مخرجات الحصار الذي طوقت به بلاده. وقيامه أيضاً بتهميش الأمير حمد بن جاسم الذي يعتبر عراب العلاقة بين الدوحة وتل أبيب.

بيد أن الضغوطات باتجاه عودة قطر إلى سابق عهدها فيما يتعلق بإعادة فتح المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة، ما لبثت قائمة، لا بل ازدادت قوة في ظل عهد الرئيس الأمريكي ترامب، ربما لعدة أسباب، أهمها:

أولاً: حاجة قطر للدعم الأوروبي والأمريكي من أجل إنجاح كأس العالم المناط تنظيمه بقطر عام 2022 والمستهدف من قبل دول الحصار؛ لذلك فلا أستبعد ما قد يكون قد بُحِثَ سراً مع كوشنر في سياق محاولات الأخير للوصول إلى اتفاق قطري سعودي لفك الحصار عن قطر، برعاية أمريكية، وربما أيضاً إعادة فتح المكتب التجاري الإسرائيلي بالدوحة في الوقت المناسب وهذا من مساعي كوشنر في كل لقاءاته من باب واجبه كصهيوني مزدوج الولاء؛ على أن لا يتجاوز ذلك، عام 2022.. وهذا مرهون بتغير موازين القوى التي من شأنها أن تهيء لذلك.. وخاصة أن نشاط  كوشنر منصب على دفع الدول العربية للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي قبل استلام بايدن لصلاحياته الرئاسية نهاية يناير المقبل.. أي قبل خروج ترامب من البيت الأبيض. ووفق المصالح القطرية وعلاقاتها مع حلفائها، فإن أي اتفاق محتمل في هذا الاتجاه لن يؤثر على الموقف التركي المناصر للمقاومة الإسلامية حماس، لحاجة الأخيرة إلى الموقف القطري في ظل الأزمات التي تلاحق أردوغان في بلاده.. كما أنه لن يؤثر على العلاقة القطرية الإيرانية لعلم طهران مسبقاً بأن قطر لم تخرج في سياق العلاقة بينهما عن العباءة الأمريكية ناهيك عن وجود أكبر قاعدة أمريكية في قطر كانت ستستخدم في ضرب إيران إن لزم الأمر.

ثانياً:- تبني قطر دور الوسيط المحتمل بين حماس والكيان الإسرائيلي.. فليس من المتوقع أن تنقلب قطر على حماس لو فُكَّ الحصار عنها، ولن تؤخذ بجريرة جماعة الإخوان المسلمين لو تمَّ الفكاك بينهما تلبية لانفراج العلاقة مع السعودية، بذريعة أن علاقة قطر المحتملة مع الكيان الإسرائيلي ستكون صمام الأمان لأية مفاوضات محتملة بين حماس والعدو الإسرائيلي.

ثالثاً: تجدر الإشارة إلى أن قطر تركت الباب موارباً في وجه الكيان الإسرائيلي منذ إغلاق المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة، حتى أن فكرة السلام ومبادلة الأراضي كان مقترحاً حاولت قطر تسويقه.. ففي 30 أبريل 2013، قال رئيس الوزراء القطري آنذاك الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني إن الاتفاقات النهائية مع الفلسطينيين يُمكن أن تشمل مبادلة الأراضي بدلاً من التمسك بحدود عام 1967. وقد لقي ذلك التصريح ترحيبًا إيجابيًا في دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيثُ قالت وزيرة العدل آنذاك تسيبي ليفني: "هذا الخبر إيجابي للغاية. في هذا العالم المضطرب، ويُمكن أن يُسمح للفلسطينيين بالدخول إلى الغرفة وتقديم التنازلات المطلوبة.. وهي رسالة إلى الشعب الاسرائيلي- على حد تعبيرها- بأن الأمر لا يتعلق فقط بنا وبالفلسطينيين" وأضافت أن "السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين هو خيار استراتيجي للدول العربية". وهو كلام ثبت خطأه لأن حرمان الفلسطينيين من حقوقهم سيؤدي إلى طريق مسدود.

رابعاً:- على الرغم من دعم قطر لحركة حماس، فقد حافظ القادة الإسرائيليون على اتصال مباشر مع قطر. ففي يناير 2007، في الأشهر الأخيرة من توليه منصب نائب رئيس الوزراء، قام الرئيس السابق شيمون بيريز بزيارة إلى العاصمة القطرية الدوحة. كما زار بيريز قطر في عام 1996، عندما أطلق المكتب التجاري الإسرائيلي الجديد هُناك. أيضاً في يناير 2008، التقى وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك برئيس الوزراء القطري السابق الشيخ عبد الله بن خليفة آل ثاني في سويسرا في المنتدى الاقتصادي العالمي. وقد أبقت ما تسمى ب" إسرائيل" هذه المُحادثات سرية. كما التقت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني بأمير قطر في مؤتمر للأمم المتحدة في عام 2008. وفي أبريل 2008، زارت قطر حيثُ حضرت مؤتمرًا هناك، والتقت الأمير ورئيس الوزراء ووزير النفط والغاز. بعد ذلك تم قطع العلاقات القطرية الإسرائيلية تماما عام 2019.

خامساً:- تعتبر الرياضة من بوابات الولوج إلى عقول الشباب العربي لبرمجتها على القبول بالعدو والتفاعل معه بأريحية من باب التسامح وفق الروح الرياضية، وخاصة حينما تعتاد الأذن العربية على ترديد اسم الكيان الإسرائيلي ونشيده الوطني في قلب الدوحة، البلد الذي يعتبر نفسه من أكبر داعمي المقاومة في غزة.. وعليه فلا بد من شواهد تؤكد ذلك..

ففي مارس 2019، تم عزف النشيد الوطني الإسرائيلي في قطر بعد فوز لاعب الجمباز الإسرائيلي ألكسندر شاتيلاوف بالميدالية الذهبية لممارسة الألعاب الأرضية خلال بطولة كأس العالم للجمباز الفني عام 2019.

وفي خريف 2019، شارك رياضيون إسرائيليون في بطولة العالم لألعاب القوى 2019 في الدوحة. وربما يحدث نفس الشيء إذا ما شاءت الأقدار وفاز أحد الرياضيين الإسرائيليين في كأس العالم 2022 المزمع عقده في الدوحة وقد أعلنت قطر حينها عن السماح للكيان الإسرائيلي بالمشاركة في البطولة إذا حقق مُتطلبات التأهل.

وقد حفل العام 2018 بنشاط رياضي إسرائيلي استثنائي في الدوجة، ففي يناير منه، شارك لاعب التنس الإسرائيلي دودي سيلا في بطولة قطر إكسون موبيل المفتوحة 2018. وفي الشهر الذي أعقبه، لعب فريق كرة اليد الإسرائيلي للشباب في بطولة العالم لكرة اليد للمدارس. ولم يلتقط المعنيون بالأمر أنفاسهم حتى شهر أكتوبر منه، ليشارك لاعبو الجُمباز الإسرائيليون في بطولة العالم للجمباز الفني.. وشاركت الفارسة الإسرائيلية دانييل غولدشتاين في جولة أبطال العالم 2018 في الدوحة.

وثقافياً، تحديداً في فبراير 2020، حضر الطبيب الإسرائيلي فيرد ويندمان حدثاً نظمته الجمعية الدولية لمنع إساءة معاملة الأطفال وإهمالهم (ISPCAN) في الدوحة، قطر.. وهذا غيض من فيض.. والحبل على الجرار.

ويبقى السؤال مطروحاً: هل تفعلها قطر وتعيد علاقتها الشاملة مع الكيان الإسرائيلي اعتماداً على الذرائع أعلاه!

الأمر مرهون بحكمة أمير قطر ومدى صدق نواياه إزاء الحقوق الفلسطينية وعدم رهن ذلك بمصالح قطر الاقتصادية والسياسية والرياضية.. بالمقابل على الفلسطينيين أن لا يثقوا إلا بوحدتهم والانضواء تحت مظلة المقاومة الشرعية.. فقد طفح الكيل.. وليذهب المطبعون إلى الجحيم.. ففلسطين ولادة.. والأمل مزروع في قلب حتى الطفل الفلسطيني الغرير في القماط..

 

بقلم بكر السباتين..

15 ديسمبر 2020

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5216 المصادف: 2020-12-16 12:19:21


Share on Myspace