 آراء

المتطرفون.. لا يفهمون علم السياسة.. حكام بغداد مثالاً

عبد الجبار العبيديالسياسة تعني فن الممكن، ويقصدبها فلسفة الابتكار في تقييم الامور في اتخاذ القرارات الصعبة.. تحكمها قواعد النبل والشرف، لأن الشرف له ألتزامات يضطر صاحبه الى التعفف والتسامي فيبتعد عن الدنية.. وتلك الثغرة التي يدخل منهاالفساد الى فكر الحاكم، فعليه ان لا يفهمها سيف ونطع كما فهمها المستعصم العباسي فمات متحسرا على انهيار الدولة العباسية. من يعتقد ان الدولة العراقية اليوم لها سياسيون بمفهوم قيم فلسفة السياسة الدولية فهو واهم، أنما لديها طلاب سياسة لم يتخرجوا من مدارسها الابتدائية بعد . بهذه الدرجة من الضعف والاستكانة هم يحكمون.. لذا سيسقطون.

هذه الحالة السياسية والاجتماعية مرت بالدولة الرومانية قبل السقوط حين كان شعبها يعيش تحت سلطة غاشمة واباطرة مستبدين لا قيمة للانسان في نظرهم ولا معنى للعدالة عندهم، حين دخلوا الحروب العبثية، يخربون المدن والسهول والوديان ويجندون الناس بالقوة ليزجوا بهم في ميادين القتال، ويعتبرونهم من الناحية الواقعية عبيدا لهم، حتى اصبح أنسانهم يعيش بلا قانون رغم وجود القانون عندهم. وهكذا فعل النظام السابق بالشعب العراقي خلا ل مدة حكمه الطويلة للعراق، وهكذا يُفعل الحكام الجدد بشعب العراق اليوم.

هذا التوجه الخاطىء ساق المواطن والحاكم الى التدني بالمستوى الانساني والخُلقي، فأنهارت القيم الانسانية وكل سلطان الضمير عندهم، فصاروا يعيشون همجا من الناحية المعنوية وان كان المظهر الخارجي لهم بقي ضمن الاطار الحضاري المتقدم، وهذا ما يريده الحاكم لينفرد بالسلطة دون معارض.

وهذا أيضاً هو ما حل بالدولة الامريكية في عهد جورج بوش الابن مع الفارق ان الدولة ظلت متماسكة والقيادات بقيت تراقب حالة الانكسار، والمؤسسات ترفض الخروج على القانون لثبات الحالة الدستورية في الوطن عندهم، فظل المرجل يغلي نحو التغيير، ولان الحالة الدستورية هي الغالبة والقانون هو الذي يحكم نفوس الناس وأفعالهم، حتى جرت الانتخابات الجديدة نهاية عام 2008، ليخرج الشعب الامريكي عن بكرة ابيه منتقما من حكامه بالقانون ليستبدلهم بغيرهم لرغبته في ان يتصالح مع نفسه ومع العالم، وهذا ما فعله الشعب العراقي بممثليه الذين ابتعدوا عن حقوقه الوطنية ليستبدلهم بأخرين فقاطع الانتخابات لظنه بالتزوير، كما رأينا في الانتخابات الاخيرة عام 2018، لكن السلطة الغاشمة لازالت أقوى من الشعب بنفوذها وركونها على الأعداء المجاورين وخاصة الايرانيين الذين لا يؤمنون بوطن العراقيين وأعوانهم من احزاب الغدر والخيانة المنتفعين . رغم أنها قد وصلت الى مرحلة الطوفان والغرق الأكيد.

لكن الذي يحصل الان ان من يحكمون الوطن لم يستفيدوا من تجربةالخطأ لكونهم اصبحوا من الغارقين فيها، فلاأمل بردم الخطأ رغم حراجة الموقف .هذا الموقف الصعب لا يفسرعندهم ببداية الانهيار من اصحاب العقول المنغلقة من امثال المالكي والعامري وغيرهم كثير.. كما هم اليوم، الذين لا يعرفون للحقوق القانونية من معنى وللدستور من ثوابت . فالحاكم لن يستطيع ان يحكم دون تحديد مدة او مدى سلطان وللدولة نظامها القانوني الرصين الذي لا يخترق وللشعب من الحقوق لا يمكن التجاسر عليها وهم يتشبثون بالدين باطلاً.. فالدين لن يصنع دولة بل يصنع استقامة واخلاق ولا يمكن لاصحاب النص ان يؤمنوا بالصيرورة الزمنية للتغيير.. وكذلك في وصاياه يخالفهم جملة وتفصيلأ.

من هنا فقد اصاب الدولة الخلل الذي سوف لن يطول، لكن الذين عاشوا في فوضى السلطة ولم يعرفوا القانون والدستور الا حينما يطبقونه على المواطنين، راحوا يصورون للشعب انهم هم العارفون الذين يحمون الدولة من مؤامرات الاعداء.. وما دروا انهم هم اعداء الوطن وان كانوا يعلمون، لكي يبقوا هم المسيطرون ليعبثوا بالامة والشعوب دون واعز من ضميراو التزام من اخلاق.. وهم الواهمون.

لا مقارنة بينهم وبين دول القانون الحضارية اليوم، فهي دول قوية وعملاقة ونحن هنا لسنا مخولين بتوصيفها، ان سر قوتها يكمن في دستورها وقوانينها الانسانية المحكمة والمطبقة فيها والتي تفتقر اليها كل دول العرب، ولا يغُرك بالله الغَرور. لكن كل هذا غير موجود في دول امة العرب وفي العراق اليوم خاصة .ففي مجال الاقتصاد لا زالت دول القانون هي الرائدة ولديها من الخزين النقدي والعملة الصعبة يكفيها لعشر سنين حتى لو كسر عليها خراج الدولة وموارد الوطن، ففيها النفط والغذاء والماء والارض الخصبة وأرادة القانون، وتستطيع امريكا مثلاً أستيعاب ضعف سكانها دونما خلل او عطل.، لاسيما وان اقتصادها مسيطر عليه من قبل المؤسسات الدستورية، لا من قبل افراد معينين من المصابين بالغباء والغرور، ومعاملها تنتج ما يكفي لها وللاخرين.أما في العراق فألأقتصاد والمالية بيد الجهلة وسراق المال العام، لذا تراهم يلهثون خلف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ليستطيعوا ردم الاحتياج المتزايد ولو بأعلى الفوائد التي ستجلب لهم المتاعب المستقبلية دون علم او دراية في المصير.

ان ما يعنينا هنا كيف نملك من السياسيين الذين يستطيعون اخراج الوطن من الطريق المسدود الذي وصلت اليه الدولة.. ولا اعتقد يستطيعون الا بثورة علمية فكرية حقيقية على كل ما يسد طريق التقدم من قيود على الفكر والحرية، لكن المهم كيف سنجدهم في دولة يقودها التخلف الفكري والجمود الديني الذي لا يؤمن الا بالقوة والتخريف.. والجهل الذي هورأس الأخطاء والشرور.. هؤلاء هم اصحاب الفلسفة السياسية التأملية وليسوا من اصحاب الفلسفة السياسية الواقعية.. الذين لا يدركون كيفية بداية التحرك السياسي لينشئوا قاعدة جديدة للفكر السياسي الواقعي المنطقي المنظم.. في وقت ان اصحاب المطالب السياسية الاخرين والذين بيدهم القوة والسلاح يخالفون.. من هنا فلا تفائل مسرف فيما يصنعون.. لأنهم لا يفكرون، وليس في الدنيا أخطر من العيش بدون تفكير.

هذه تركة كبيرة ناقصة ورثوها حكامنا اليوم من فقهاء المسلمين حين تناولوها بطريقة استطرادية، دون ان يضعوا لها نظريات عامة تناسب أهميتها العملية في تطبيق نظام السلطة التشريعة.. .ودون ذكرلحقوق الأفراد وواجباتهم الأسلامية، فظلت السياسة بلا عنوان، والدراسة بلا تعريف، والخلافة بغير بيان، لا تنتج الا دولة الفوضى الخلاقة كما سمتها وزيرة خارجية امريكا كوندريزرايز مصممتها قبل التغيير بقصد.. أما في العراق فلا جيش يستطيع الدفاع عن الوطن، والمليشيات التي يسمونها الحشد الشعبي اللامقدس تتحكم بسلطة الدولة مقابل حاكم مدني جبان وخائف ولا يملك أيديولوجية السياسة .أنا لا افهم تصريحات الرئاسات الثلاث دون لديهم مبدأ وحدة الامة، متمثلين بطائفية مقرة من قبلهم تتشابه وفرق الأنكشارية العثمانية.. سقطوا بمجرد سقوطها لانهم يحكمون بشروط غير قابلة للتحقيق حتى لو كانوا مخلصين، فلا شعب ممثل ولا سياسة قابلة للتطبيق، بل كتلا سياسية جاهلة متناحرة من اجل المال والسلطان ولاغير.. هؤلاء نسميهم سياسيون.. ؟

ان دور الكتاب والسياسيين المخلصين اليوم ان ينبهوا القراء الى ضرورة البحث عن حقائق الاموروتركها خلف ظهورهم بعد ان عفا عليها الزمن مثل خلاف الخلافة بعد الرسول.. وظهور نظرية عبدالله بن سبأ.. ومقتل الامام الحسين.. والوليد بن يزيد بن عبدالملك واستهتاره بالمعاصي وضرب القرآن بالرمح والسيف.. والحجاج الثقفي وخطبته بذم العراقيين.. وأنتقال الخلاف بين الامويين والعباسيين الى أخر الجرائم في النزاع والتخاصم بين بني امية والهواشم وما شابه ذلك وما كتب فيها المؤرخون.. وفي غالبيتها ليست قضايا شعوب سوى خصام سياسة ولاغير..

ان جميع هذه الاحداث وما جرت الية من اشكاليات الدولة كانت جرائم سياسية لمنافسين سياسيين لبني أمية يريدون أنتزاع الخلافة منهم. والسياسة كما تعلم اخي القارىء تعمي البصر، وتضلل الذهن، وتملأ القلب قسوة، وتجعل الانسان يرتكب جرائم لا توصف من اجل ان تبقى السلطة بيده كما نرى اليوم.. وما دام الأنسان قد دخل السياسة وطلب السلطان فهو المسئول عما يصيبه.

نعم ان بني امية ليس من حقهم الانفراد بالسلطة اذن فما هو الاساس الشرعي لمطالبة العلويين بها، والخلافة تخضع لقانون الشورى بين المسلمين.. نعم كل ذلك يقع على عاتق الفقهاء الذين لم يضعوا للخلافة تشريعاً.. بل اعتمدوا على احاديث نبوية منتحلة جرت الى هذا المصير الذي عطل القانون وتطور الدولة معاً فكانت خيبة الشعوب التي انجرت من ورائهم بلا تفكير..

من وجهة نظري الشخصية ان عمر بن الخطاب "ت24 للهجرة" كان يريدها مدنية يتحكم فيها القضاء اولاً بينما الامام علي "ت41 للهجرة" كان يريدحاكمية.. فالمشكلةالاساس هنا هو عدم وجود دستور لهاوحق الامة في الانتخاب.. وهذا هو ما أنكرته الأمة، ,لكن احداً لم يصحح ذلك الخطأ تصحيحاً شرعياً بوضع دستور يحتكم اليه الجميع.. حتى تحولت السلطة الى مسألة عنف وقسوة وغش وغدر، ,هذا هو ما ينبغي ان نضعه في المنهج المدرسي لنخلص فكر الطالب مما رتب عليه الفقهاء من أحقية وما شابه ذلك، وجر علينا كل هذه الاشكاليات التتي نعاني منها اليوم.نقول هذا حتى لا نصيب الاسلام بأذى ونلحق به شرور الناس.

بهذا التوجه العقلاني عسى ان نُخرج جيلا عقلانياً لا عاطفياً.. أنساناً لا طائفياً.. ولنا فيما نحن فيه اليوم من الفُرقة والطائفية والعنصرية والكراهية والبغضاء التي لا تزول.. .الكثير.

لنكن واقعيين فلا نحن ولا ايران بقادرين على تغير موازين القوى في المنطقة دون امريكا والاوربيبن. .وعلى امريكا يقع وزر اسقاط حكومة العراقيين دون سبب او تبرير على ماقاله بوش الأبن من صنع دولة القانون.. وقد خانوا القولين معا دون قانون والا لماذا لم يطبقون.. ؟.

ان احسن عمل يعمله اليوم كما يريده حاكمنا المتسلط علينا ان ننقل محاربة الارهاب والتطرف الى عقيدة بين شعوبنا ونحن الذين اكتوينا بنارها مالا وانساناً، وليست ايران التي وجدت العراق حاضرا على مائدة من ذهب لتنفرد به قتلا واغتصابا دوون حدود، فعلى ايران ان تتعقل في التصرف والقول الرصين فبايدن اقسى وأمر عليها من ترامب فلينتظروا المصير.. فأمريكا لا تضحي بمصالحها من اجل الاخرين.. وغبي من يعتقد بذلك.

وحتى لا تقع ايران بما وقع به الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وصدام حسين وما جروا على شعوبهم من ويلات الحروب ودمار السنين. انها فرصة حياة لا تعوض ولان تبدو اكثر اعتدالا في التعامل مع انفسنا ومع الاخرين دون ان يتنازل اي واحد منا عن حقوفه تجاه الاخرين، مادامت اليد ممدودة للتعاون ضمن الحقوق والواجبات، وبما يرضاه الله والشعب.. فهل من عاقل ينضوي تحت التفكير.. ؟

الاوربيون وغيرهم من الشعوب المتحضرة أمنوا بالفكر والحرية والتقدم، ونحن آمنا بالسيف والنطع واللطم والزنجيل والقامة وضرب الخدود، وبنظرية ولاية الفقيه والمهدي المنتظر الوهمية.. وهم غيروا المفاهيم المتوارثة في ميادين المعرفة واشتركوا ويشتركون في رؤية جديدة لمستقل الانسان في بلدانهم والعالم، ونحن لا زلنا نتفاخر بالموروث القديم دونما رؤية واضحة قي حياة الناس، هم حددوا سلطات الدولة عن حقوق الناس ونحن، لا زلنا نرمي بالمعارضين بالقال والقيل والسجن والقتل والتشريد،، هم لازالوا يضعون ثقتهم بالعلم وحده وبقواعد التفكير الواقعي المنطقي المنظم، ونحن لازلنا نؤمن بقارئة الفنجان والكتابة على الافخاذ وأصوات الموتى في القبور.يتقاتلون فيما بينهم كي لا ينجز مشروع الفاو الكبير. ولهذه الدرجة وصل الطمع في الصدور .

وسيبقى عندهم العقل والعلم والحكمة هي التي تحكم مجتمعاتهم ونحن لم نصل ابدا ما وصلوا وسيصلون، فهل سنحول المبادىء التي جاء بها الاسلام "الوصايا العشر"الى تشريعات ام سنبقى نلطم وننوح ونحن وراء الجهل وخرافات الموروث نلهث ونصيح.. كما قال شاعرنا السوري:

بلدي عمائم كله.. أرأيت مزرعة البصل..

قليل من التعقل فلم يعد الزمن يرضى بالانتظار والوعد والوعيد، فلا طيارة صنعنا ولن نصنع، ولا مرض كافحنا ولن نستطيع، وليس لدينا مستشفى اسعاف واحدة بمستوى مستشفيات العالم من صنع أيدينا، وها هو الانسان حتى اضطررنا ان نعالج مرضانا في الهند على البخور.. العراقي والعربي المفكر والواعي يقتل او يموت في الشارع وبأيدي القتلة من الارهابين وليس لدينا من يحقق فيه "المفكر الهاشمي وغيره كثير مثالاً لما نقول"سوى عربات الدفع (مترو رافع العيساوي) لننقله لمركز تجميع الموتى من اللآأدميين.. يموت ولا احد ينقله لمركز الاسعاف، فلا عوز اصلحنا، ولن نصلح امرا فقدناه.. ولا كهرباء صنعنا ولن نصنع، ولاماءً صالح للشرب جهزنا المواطن ولن نستطيع، ولا شعب وحقوق احترمنا ولن نحترم.. حتى المعونات الأجتماعية نعطيها لغير المستحقين..

ان كل ما ندعية هو من البهتان المبين، العالم احسن منا الف مرة بالصدق المبين. اما بالكلام والشعرومحاورات الفضائيات الدعائية الكاذبة في معظمها كما في لعبة الكراسي وغيرها والتصفيط.. . فقبض من دبش عنهم عبر السنين.. . ولازلنا نهوس بأننا نحن المسلمون سنذهب الى الجنة وحور العين والولدان المخلدون غداً.. وهم كفرة سيذهبون الى النار والسعير.. هذه هي العقول التي ستصنع دولة وحقوق.. ؟

تافهة هي الحياة حين تخلوا من الآمال.. ومؤلم هو العيش حينما يصبح تعداد لأيامٍ. عذاب.. بلا.. .نهاية.. للمغفلين.. .

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5235 المصادف: 2021-01-04 02:45:13


Share on Myspace