 أقلام فكرية

محمد لمعمر: الأجهزة الإيديولوجية للدولة وصراعات السلطة

محمد لمعمر"ستالين ليس غلطة ماركس، وبونابرت ليس غلطة روسو، وهتلر ليس غلطة نتشه".  نيكولاس بولانتزاس

1- مشكلة نظرية الدولة

إن التحولات الجيوسياسية الكبرى التي حدثت في أوربا على المستوى السياسي، غيرت الرؤية السياسية للراهن الأوروبي، الامر الذي يستدعي فهما سياسيا جديدا للربط بين الدولة والسلطة في عملية التحليل، والتوفر على أليات لفهم واستيعاب ماهية العلاقة الحميمية بينهما، بغية تفكيك التشابكات بين الدولة والسلطة، والطبقة الاجتماعية، خصوصا في زمننا المعاصر حيث توطدت السلطوية في الواقع، وانغرست في النفوس، وتضخمت الأنانيات. لذلك، لا بد من إبداع  نظريات سياسية تأخذ بعين الاعتبار التحولات الجيوسياسية الكبرى، أو إخراج بعض النظريات من عزلتها وغربتها، كالاشتراكية مثلا، وتوظيفها لتقديم تفسيرات للراهن السياسي المشوب بشوائب التبدل والتغير، آن أوان الماركسية لمساعدة العقل على الفهم والاستيعاب، في أفق بلورة نظريات سياسية واضحة المعالم حول الدولة، خصوصا، وأنه منذ ماكس فيبر كان التعامل مع الماركسية يتم بالتحاور معها بهدف نقدها لا إبراز جوانب القوة فيها، بهدف توظيف مفاهيمها وألياتها التي تساعد على التحليل السياسي في زمن تقوت فيه مكانة الدولة، وتوطدت المقاربة الأمنية، وتوسعت السلطوية، فانعكس ذلك سلبا على فئات عريضة، وطبقات اجتماعية[1].

وظيفة النظريات السياسية التساؤل عن طبيعة العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، والجواب دائما نفسه؛ الدولة أولا، ثم بعد ذلك القوى الاجتماعية الفاعلة والمجاورة لها؛ كالطبقات الاجتماعية، جماعات الضغط، الاستراتيجيات التي تلجأ إليها الدولة للتحكم في بقية القوى المؤثرة في الفضاء العمومي[2]. بمعنى؛ يصعب الحديث عن نظرية سياسية حول الدولة في غياب المفاهيم الضرورية المساعدة على التحليل السياسي، وتفكيك منطق السلطة المتجلية في أجهزة  ومؤسسات  كقوى وإمكانات لضبط الجماهير وتوجيه الطبقات والاجتماعية والمؤسسات الفاعلة، ذلك هو هدف النظرية السياسية كنسق من المفاهيم والمبادئ المنظمة قليلا أو كثيرا والمطبقة في ميدان مخصوص، إنه المجال السياسي.

الدولة كمؤسسة، وفق تعبير ماكس فيبر، وككائن عاقل حسب هيغل، تتكون من نواة مركزية أساسية هي ذاتها، ومن عناصر أخرى يمكن أن تؤثر فيها الطبقات السائدة أو تتسلل إليها محدثة تغييرا وتأثيرا كبيرين. فالدولة، تتضمن في ذاتها عناصر صامتة خفية مضمرة يصعب فهمها وإدراكها، أما العناصر الأخرى، فيمكن للعقل إدراكها والوعي بها، وتحديد طبيعتها وعلاقتها التفاعلية مع القوى الاجتماعية[3]. لكن، الصعوبة هنا تتمثل في علاقة الفرد بالدولة، كيف يمكن للفرد أن يندمج في الدولة بشكل دقيق وصحيح، وبناء على أية أسس منطقية واجتماعية؟ بمعنى أخر أشد وضوحا، هل اندماج الفرد في الدولة يجعله يحقق مصلحته الخاصة معتبرا الدولة مجرد وسيلة أم أنه يحقق مصلحة الدولة كغاية في ذاتها؟

هناك من يجيب على هذا السؤال من وجهة نظر الماركسية، معتبرا أن أساس الدولة هو السلطة التي تمارس تأثيرها على الأفراد، وهي سلطة مرتبطة بطبقة سائدة ومسيطرة على بقية القوى المبثوثة في المجتمع، فهي التي تصنع الدولة وفق إرادتها، إنها هنا دولة الطبقة السائدة المسيطرة والمحتكرة للإنتاج المادي، وكل دولة بموجب التحليل السابق هي ديكتاتورية طبقة سائدة،[4] وهو الفهم الذي يجعل الدولة مجرد أداة لخدمة طبقة متحكمة، هذا التحليل يذكرنا بتحليل فريديريك إنجلز الذي يعتبر فيه أن الدولة ليست نظاما طبيعيا؛ فهي نتاج المجتمع في مرحلة معينة من تطوره، وليدة تناقضاته وصراعاته التي لا يمكن التوفيق بينها، فانقسام المجتمع إلى طبقات تتوسل المنفعة، وخوفا من ضياع الكل، فإن الضرورة فرضت وجود سلطة عليا من داخل المجتمع، تضع نفسها فوق الجميع، لكن، العيب أن الدولة التي من المفروض ، أن تفرض النظام والعدالة الاجتماعية، ستصبح شيئا غريبا، ومتناقضا، لأنها لا تحقق الحياد الاقتصادي والسياسي، إنها في الحقيقة تكرس دولة الطبقة القوى، الطبقة المسيطرة على الاقتصاد والسياسية، بحيث تبتكر وسائل لاستغلال واضطهاد الطبقة الضعيفة، ، بمعنى أن الدولة ليست نقطة توازن بين مصالح ومنافع، وإنما هي الأداة التي تستخدمها الطبقة المسيطرة لحماية مصالحها.[5]

الرؤية السابقة للدولة تنظر إليها كأداة ووسيلة، وليس كغاية في ذاتها، والمشكل المترتب على ذلك ليس مشكل الطبقية في الدولة، وإنما مشكل الدولة في علاقتها بثنائية الغاية والوسيلة. إن الدولة شيء خاص ومميز ومعتبر، وله قيمة معتبرة، فهي بنية مادية، لا يمكن إخضاعها في نمط سلطة معينة ومحددة بدقة، وكأن هناك تمييز بين الدولة والسلطة، فالبورجوازية تلجأ إلى الدولة لتوظيفها واتخاذها وسيلة للسيطرة عليها أولا، والتحكم في مؤسساتها الفاعلة والحيوية لتحقيق المنافع والمصالح الطبقية ثانيا. هناك أيضا تفسير أخر للماركسية حول النزعة الاستبدادية للدولة، التي هي تعبير عن إرادة الطبقة السائدة أو إرادة السياسيين المأجورين، دون إهمال أن هناك تفسير ماركسي ثالث للدولة، يتمحور حول وجود نواة داخل الدولة، تعمل إلى جانب الطبقة السائدة، بحيث تصبح الدولة مزدوجة، فهناك الدولة الخاصة، التقنية، ذات الوظائف الاجتماعية، وهناك دولة أخرى، ما فوق الدولة، لنصبح في منطق دولة في دولة، فالدولة الفوقية، دولة البرجوازية والسلطة السياسية، التي تتحكم في الدولة الخاصة، وتجعلها وسيلة لتحقيق أهدافها. ذاك هو تفسير النزعة التكنوقراطية للدولة، حيث التركيز على المهام التقنية للدولة، خاصة المجتمعات الما بعد الصناعية.[6]

بمعنى؛ أن التفسيرات الماركسية المختلفة للدولة تشترك في كون الدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة ووسيلة تستخدم من طرف قوى ما (الطبقة البورجوازية، التكنوقراط..) لجعل الدولة أوليغارشية، تحمي مصالح طبقة معينة، وفي ذلك نزوع نحو الاستبداد أو التسلط والهيمنة، لتحقيق مصالح فئوية، وفي هذه الحالة تصبح الدولة تابعة للطبقة السائدة والمسيطرة اقتصاديا وسياسيا. كل من ينظر إلى الدولة بناء على التوصيفات السابقة، يعرفها انطلاقا من وظيفتها الأداتية كجهاز يحتكر من طرف فئة ما، وليس بناء على كونها غاية في ذاتها.

إن الدولة كيان مادي لا يرتبط بالسيطرة السياسية، لأن مفاهيم السيطرة والقمع والتحكم مرتبطة بأجهزة الدولة وليس الدولة، أجهزة تتموضع عبر مؤسسات الدولة، أي أن الدولة ليست كيانا يمكن التحكم فيه ببساطة من طرف طبقة سائدة، علما أن هناك طبقة معينة داخل الدولة تترك أثرها في مؤسسات الدولة. الأمر الذي يتطلب البحث عن أسس البناء المادي للدولة والسلطات التي تبث الرعب والخوف وتؤثر في علاقات الإنتاج، وفي التقسيم الاجتماعي،[7] بهذه الكيفية يمكن أن يتشكل جهاز الدولة، ويعبر عن ذاته في المؤسسات، وفهم الأساس المشكل للرابطة النوعية بين الدولة والطبقات.

عنصر الربط بين الدولة والطبقات الاجتماعية يجد أساسه في علاقات الإنتاج والصراع الطبقي، فكل تصور للاقتصاد، يرتبط بنمط الإنتاج أو نوع النظام السائد في مجتمع ما، وهو عنصر ثابت يوجد في جميع أنماط الإنتاج، يجعل الدولة تعيد إنتاج وتنظيم ذاتها بمساعدة تركيبة داخلية محددة، تتجلى في عنصر الاقتصاد. فهذا الأخير هو أساس التناقض أو الصراع كنتيجة للاستغلال وعلاقات الإنتاج السيئة المؤدية إلى سوء العلاقات الإنتاجية، حيث بزوغ الصراع الطبقي، وكأن المشكلة في جميع أنماط الإنتاج اقتصادية بالضرورة، وهنا يجب تحديد علاقة الدولة بالاقتصاد[8].

لو كانت الدولة هيئة مستقلة بذاتها، لتشكلت نظريات حولها، لكن، في ظل التباين بين المفاهيم السياسية حول الدولة ومفاهيم الاقتصاد، يصعب بناء نظرية أو التنظير للدولة، خصوصا وأن النظرية بناء مفاهيمي ومنهجي مؤسس على تعيينات ضرورية وعامة، تختلف من نمط إنتاج إلى أخر، الأمر الذي لا يساعد على تبلور نظريات للدولة، عكس الدولة الرأسمالية، حيث الفصل بين الدولة والاقتصاد، فصار بالإمكان الحديث عن نظرية حول الدولة، ومعها تتحدد معالم نظرية للاقتصاد الرأسمالي، وبموجبها يصوغ الانسان أسسا نظرية عامة للدولة[9].

وعليه، وفي ظل تباين المفاهيم، يصعب الحديث عن نظرية حول الدولة، تخص الماركسية الكلاسيكية. غير أن البعض يعترض على ذلك، بأنه توجد مقومات وأسس يمكن استثمارها لبلورة نظرية عامة حول الدولة، شريطة الابتعاد عن التصورات الميتافيزيقية للفلسفة السياسية، والابتعاد عن التنظيرات المجردة والعامة والفارغة من المعنى[10].

يعتبر نيكولاس بولانتزاس، أن للماركسية نواقص حول الدولة والسلطة، وهي نواقص يجب البحث عنها في المجالات التي تفتقر إلى تكوين نظرية، نواقص تتعلق بالدرجة الأولى، بالأسس النظرية العامة، مقدما مثالا على ذلك، الدولة في البلدان الاشتراكية التي يغيب فيها التحليل الملموس والمتطور للدولة. بمعنى أن بناء نظرية للدولة يتطلب تطوير المقولات العامة، وفي سياق تحليل الدولة الرأسمالية[11]. هذا هو المنهج الذي اتبعه بولانتزاس مبتعدا عن التحليل الهيغيلي والماركسي للدولة، حيث عدم الانطلاق من الدولة الرأسمالية في ذاتها كدولة، وكأنها النموذج الفريد والوحيد الذي يمكن الاستناد عليه، لبناء نظرية حول الدولة. بحيث يدعوا إلى ضرورة الوقوف عند الظروف التاريخية للرأسمالية، لا الدولة الرأسمالية، بهدف صياغة المقولات السياسية العامة ودراستها. لكن، هل يمكن للمقولات السياسية الرأسمالية حول الدولة أن تساعد على الفهم والبناء، وفي سياق مغاير؟

حسب بولانتزاس أن نظرية الدولة الرأسمالية يمكن أن تقدم عناصر مهمة بخصوص الدولة، التي هي في طور الانتقال إلى الاشتراكية، علما أن تلك المقولات النظرية تختلف من مجال إلى أخر، لذا، تعتبر تلك المقولات المستوحاة من الدولة الرأسمالية توصيفات نظرية استراتيجية في وضع عملي، يساعد على ردم الهوة بين النظرية والممارسة، والنظرية والواقع؛ فالنظرية، هي الخيط الرفيع الذي يربط الممارسة بالواقع، وإذا كان البعض يعتبر أن فلاسفة التنوير مسؤولين عن الدولة الشمولية، فإن البعض الأخر يربط وضعية الدول الاشتراكية بالماركسية، وذلك مجرد وهم، لأن المشكل، أن  البلدان الاشتراكية تميز وتفصل بين النظرية والواقع[12].

الكلام السابق ليس دفاعا عن الماركسية وإنما يمكن تفسير ذلك أيضا بكون كل نظرية، لا تحوز النقاء المطلق، وإنما تتضمن عيوبا يمكن استثمارها لممارسة سلطة معينة، وانشاء خطابات ودول شمولية فستالين ليس غلطة ماركس وبونابرت ليس غلطة روسو، وهتلر ليس غلطة نتشه، فبولانتزاس يوجه اللوم للفلاسفة الجدد الذين يتبنون نظريات كارل بوبر حول انبثاق عالم المعسكرات من المنظومات النظرية المعتبرة، ومن الجوانب الاستبدادية للمفكرين. علما أن هناك مسافة شاسعة بين النظرية والواقع، والمفارقة، أن الأنظمة الاستبدادية التي تستند في ممارستها للسلطة على مفكرين كانوا في الأصل مبتعدين عن الدولة.

وفي معرض تبيان علاقة الدولة بالاقتصاد، يرى بولانتزاس أن هناك عدة تفاسير حول علاقة الدولة بالاقتصاد. التفسير الأول، يعتبر أن الدولة مجرد تابع وانعكاس للاقتصاد، وهو تصور ميكانيكي تقليدي للدولة، وهناك التفسير الثاني الذي يؤكد على أن أنماط الإنتاج المختلفة، مرتبطة بتجل الكل الاجتماعي، في شكل هيئات مستقلة ذاتيا، ومؤثرة في البنى الفوقية (الدولة والايديولوجيا)، فالهيئات المستقلة ليست انعكاسا للاقتصاد، ولكنها جوهرية وضرورية لأنماط الإنتاج[13].

مجال الاقتصاد، هو مجال علاقات الإنتاج والاستغلال، خاصة في النظام الاشتراكي، علاقة لم تكن ميكانيكية ومغلقة في الأنظمة الأخرى، بحيث لم تكن الدولة محايدة. بل، لعبت دورا مهما في علاقات الإنتاج، ومن ثمة التدخل في الاقتصاد لخلق البنية التحتية المادية، لذا، يمكن القول مع بولانتزاس، أن دور الدولة مهم في المجال الاقتصادي، بحيث تتدخل في الاقتصاد بمختلف الوسائل، وبأشكال متنوعة، تتدخل في علاقات الإنتاج بغية التوغل والتحكم في المجال الاقتصادي، أو تبقى خارجة، لكنها، تنشط بشكل حيوي على هامشه[14]. فالدولة بناء على مضمون الكلام السابق ليست غاية في ذاتها، ولكنها وسيلة للتحكم والتوجيه والتأطير والتأثير في علاقات الإنتاج وإعادة الإنتاج.

الدولة والاقتصاد لا يؤثران بنفس الكيفية في نفس المجال، لأن جميع أنماط الانتاج ليست مجرد أشكال اقتصادية ناتجة عن تراكيب متفاوتة لعناصر ثابتة، وملازمة لمجال مغلق، على عناصر أخرى مميزة للدولة، بمعنى أن نمط الإنتاج ليس انعكاسا لعناصر ثابتة ومعطاة بشكل قبلي، تتخذ شكل ضرورات، تتجلى في الاقتصاد الذي هو تلاقي تلك العناصر، فنمط الانتاج وحدة تتداخل فيها عدة عناصر تحتية، كالاقتصاد مثلا، وفوقية كالسياسة والايديولوجيا، فحوى ذلك، أن هناك علاقة وطيدة بين الدولة والاقتصاد، ووجود السلطة لحظة أساسية في علاقات الإنتاج[15].

الرأسمالية نظام ينبني على الانخراط المباشر في الإنتاج، ووجود ملكية، بغض النظر عن علاقتها بوسائل الإنتاج، وتلك هي سمة العالم الحر، حيث قوة العمل وتدخل المالك، بحكم عقد يتحكم في قوة العمل، التي تصبح سلعة، ويصبح فائض العمل قيمة، وهنا يتم الفصل بين الدولة والمجال الاقتصادي، فصل مميز للرأسمالية التي تجعل للدولة والاقتصاد أدوارا ومجالات جديدة. فالغاية هنا هي الرأسمالية، بينما الدولة وسيلة لخدمة الرأسمالية، هذه الأخيرة محددة ومحركة للفعل السياسي للدولة ومعه الاقتصاد.

خلاصة القول في هذا الباب أن التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى، استوجبت ضرورة بناء نظرية حول الدولة، نظرا لبزوغ رعب السلطوية، رغم صعوبة تأسيس نظرية ماركسية، بإمكانها أن تفسر رعب الأنظمة الشمولية والتحكمية والديكتاتورية، لأن الشمولية نظام مرعب واقعيا، منفلت سياسيا، يصعب وضعه في تعميمات عامة، خاصة في البلدان الاشتراكية التي تحتاج إلى تعميق وتطوير المقولات النظرية العامة حول الدولة، وذلك بالانطلاق من ظروف تشكل  المفاهيم المتعلقة بالدولة الرأسمالية، خاصة ما يتعلق بعلاقات الإنتاج وتقسيم العمل الاجتماعي. لكن، ما يعاب على نيكوس بولانتزاس في نظريته حول الدولة، أنه ربط الجوانب الشمولية في الدولة الاشتراكية بجوانب رأسمالية تسللت وأثرت في البناء والممارسة السياسية، خاصة علاقات الإنتاج والعمل الاجتماعي والاستغلال، أو تأثير المحيط الرأسمالي على البلدان الاشتراكية، وكأن الدولة الاشتراكية لا تتضمن في ذاته عيوبا ونواقص قد تفضي إلى شكل من أشكال الرعب والسلطوية. فخذ بنا إلى المبحث الثاني لتفكيك الأجهزة الإيديولوجية للدولة، وإبراز علاقتها بالقمع.

2- الأجهزة الإيديولوجية للدولة:

الدولة كجهاز أو مؤسسة تلعب دورا حيويا في علاقات الإنتاج وإعادة انتاج الطبقات الاجتماعية، متوسلة بالقمع المادي المشروع، بغية تنظيم الروابط الاجتماعية، لذلك فقد  ركز بولانتزاس في مبحثه على الحديث عن وضعية القمع والايديولوجيا بالنسبة للدولة، معرفا الأيديولوجيا بكونها ممارسات مادية وأعراف وعادات وأسلوب حياة، وليست فقط منظومة من الأفكار والتصورات، وهو الأمر الدي يجعل من الأيديولوجيا أداة تأثير وقوة ، لأن الروابط الأيديولوجية تلعب دورا مهما في الملكية الاقتصادية والتملك، وتقسيم العمل الاجتماعي داخل علاقات الإنتاج. فالدولة تستعين بالأيديولوجيا وتتخذها وسيلة لإضفاء الشرعية والمشروعية على العنف والقمع وإعادة انتاج وتوطيد السيطرة السياسية، وخلق توازن بين طبقات وأقسام المجتمع، علما أن الأيديولوجيا هنا، ليست محايدة ولكنها تعبير عن سيطرة فئة أو طبقة داخل المجتمع، فالأيديولوجيا ليست مجرد فكر نظري، ولكنها تمظهرات واقعية، في أجهزة الدولة ومؤسساتها[16].

فإعادة الإنتاج والتقسيم الاجتماعي، تضطلع بهما أجهزة معينة هي جزء من مجال عمل الدولة، لأنها أجهزة أيديولوجية للدولة، بما في ذلك تلك التي لها طابع قانوني، كالكنيسة مثلا والمدرسة والاعلام الرسمي والجهاز الثقافي، وأيضا أن الأيديولوجيا تتدخل في تنظيم الجيش والشرطة والقضاء والسجون، بعض هذه الأجهزة مكلف ومختص بممارسة العنف المادي الشرعي[17].

وحسب بولانتزاس أنه يجب التمييز بين الأجهزة القمعية والأجهزة الأيديولوجية، وفهم الدور القمعي للدولة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، او عبر أجهزتها، فالقمع بالنسبة للدولة شيء طبيعي ومسلم به قانونيا، ولا شك في ذلك، لأن كل دولة تلجأ إلى شكل من أشكال القمع، للحفاظ على وجودها واستمرار فرض النظام، لكن، المشكل هنا، هل القمع غاية الدولة أم أنه مجرد وسيلة لحظية عابرة؟ هنا جوهر الاختلاف ببين الدولة الديموقراطية، دولة الحق والقانون وفصل السلط والكرامة الإنسانية، حيث القمع والعنف المادي المشروع مجرد وسيلة، استثنائية، تضطر إليها الدولة مكرهة، وبين الدولة الديكتاتورية حيث العنف والقمع غاية الدولة، فالأنظمة الشمولية والتحكمية والديكتاتورية تجعل من العنف بمختلف اشكاله أداة رعب وقهر وتعذيب وترويع للناس، فهناك فرق ما بين أن يكون الأصل هو القانون والقمع فرع استثنائي، وبين أن يكون القمع أصل والقانون فرع. فما معنى العنف الفيزيائي المنظم؟

العنف الفيزيائي المنظم؛ عنف ضد الجسد، وجه أساسي للسلطة، وشرط ضروري لترسيخ سياستها وممارستها، فهو عنصر إكراه وتهديد ومذل للجسد، على اعتبار أن الجسد ليس مجرد عنصر طبيعي، ولكنه مؤسسة سياسية، وهذا ما يفسر العلاقة المعقدة بين الدولة/ السلطة والجسد، فالدولة تمارس سلطتها بالتأثير في الجسد، باستخدام وسائل فيزيائية، وجعله أداة في أفق الاستيلاء عليه، إما عن طريق المؤسسات السجنية أو من خلال فرض نظام جسدي بواسطة الدولة، بهدف إضفاء طابع مؤسسي على الجسد، فالدولة، تقولب الجسد وفق مؤسساتها وأجهزتها، لذا، فهي كيان احتقار وإبعاد واستهلاك لأجساد المواطنين. إنها تجسيد للعنف والقمع والترويع وجعل المواطنين موضوعات لا ذوات حرة ومستقلة. فالجسد صيغ بشكل ساسي جديد، جسد السلطة والدولة، ووفق خطة استراتيجية لقتل الشخصية الجسدية أولا بالتحكم في الجسد، ثم قتل الشخصية المعنوية ثانيا.

في ظل دولة الرعب والقمع، لم يعد هناك حديث عن الجسد الطبيعي، وإنما الجسد السياسي، الذي تم ترويضه بمساعدة أجهزة ومؤسسات فيزيائية خاصة، تفننت الدولة الرأسمالية في إبداعها، علما أن بولانتزاس يتحفظ على التصورات التي تميز بين أجهزة الدولة القمعية وأجهزتها الأيديولوجية، فإذا كان غرامشي يعتبر أن هناك علاقة بين الجهازين القمع والايديولوجي، فإن لوي التوسير مجدد الماركسية يقيم تمييزا بين أجهزة القمع حيث تنشط الدولة بشكل فعال، وبين المذهبية الأيديولوجية حيث التأثير والمنع والاعاقة والكذب والتزوير والكتمان والانحجاب[18].

ألتوسير، يعتبر من الفلاسفة الفرنسيين الذين جددوا الفكر الماركسي  عن طريق استثمار مفاهيم وأدوات نظرية مستمدة من التحليل النفسي، ففي معرض حديثه عن نظرية الدولة، يعتبر أن الدولة هي عبارة عن مجموعة من الأجهزة تضم إلى جانب الأجهزة القمعية التي تحدثت عنها الأدبيات الماركسية  التقليدية، أجهزة أخرى أيديولوجية، يقول التوسير:" نقصد بالأجهزة الأيديولوجية للدولة عددا من جوانب القمع التي تمثل أمام الملاحظ المباشر على هيأة مؤسسات متميزة ومتخصصة سنقترح بصددها لائحة تجريبية تتطلب بالطبع ان تفحص في تفاصيلها وأن يتم اختبارها ومراجعتها وتعديلها[...] إذا كان هناك جهاز واحد قمعي للدولة، فإنه توجد عدة أجهزة أيديولوجية للدولة، والوحدة التي تشكل هذا التعدد من الأجهزة الأيديولوجية للدولة في أجسام إذا ما كانت موجودة، فإنها ليست منظورة بشكل مباشر، في لحظة ثانية يمكن أن نلاحظ أنه في حين أن الجهاز القمعي للدولة جهاز موحد وينتمي كله إلى المجال العمومي، فإن أغلب الأجهزة  الإيديولوجية للدولة في تشتتها المظهري تنتسب على العكس من ذلك على المجال الخاص، الكنائس، والأحزاب، والنقابات، والعائلات، وبعض المدارس، ومعظم الصحف والمؤسسات الثقافية"[19].

إن الفصل بين ألية القمع والمذهبية الايديولوجية لن يفضي إلى تحليل وتحديد جيدين للدولة، ولا يساعدان على فهم دور الدولة في علاقات الإنتاج، وكيفية الانتقال من الاقطاعية إلى الرأسمالية، ولا يساعد على فهم الدولة الراهنة، التي تتدخل بالخصوص وبكيفية نوعية في إنتاج رأسمال الدولة، باعتباره المحدد الأساسي وعنصر تغيير الواقع، أي أن دور الدولة الراهنة لا يتمثل في القمع والمذهبية الأيديولوجية. فمثلا؛ يصعب فهم علاقة الدولة بالجماهير والفئات المضطهدة، بالاعتماد على عنصر القمع فقط. إذ لا بد من الانفتاح على جوانب أخرى مهمة، كالمفهوم المثالي للشرطة، كونه أداة ووسيلة الدولة للتحكم في الجماهير عن طريق خطط استراتيجية معينة، فبجانب القمع تحضر أليات أيديولوجية تعمل من خلال بنيات تقوم على الخداع والتمويه وتتمظهر في شكل تصرفات وسلوكات[20].

بناء عليه، يصعب تحديد عمل الدولة بشكل دقيق وواضح، لأنها تنشط بكيفية منلفتة وغير مباشرة، داخل حقل اجتماعي معين لخلق التوازنات بين الطبقات الاجتماعية السائدة والمسودة، متخذة جملة من الإجراءات المادية والرمزية، تلعب فيها الأيديولوجيا دورا كبيرا، حيث التأثير القوي دون اللجوء إلى القمع، فتفسير سلوك الدولة يتطلب الحضور المكثف لثنائية القمع والايديولوجيا، والوعي بهما معا في بعض الأحيان، فيقال مثلا: لقد قمعت الجماهير، وخدعت بالإيديولوجيا الفاشية.

إن الدولة مهما كانت طبيعتها، حتى ولو كانت فاشية تجد نفسها مكرهة على اتخاذ مجموعة من التدابير ذات الأولوية، كالقمع والايديولوجيا لصالح الجماهير، علما، أنه ليس هناك ربط ميكانيكي بين التدابير وتجويد ظروف العيش، فيمكن لتلك التدابير أن تؤدي إلى تفاقم الاستغلال، بحيث تصبح تدابير مرتبطة بالتضليل الأيديولوجي الذي هو وجه من وجوه إنتاج أليات مادية ولا مادية لحصول الاجماع الشعبي حول السلطة. وبالتالي؛ فنشاط الدولة، يتجاوز ما هو متعارف عليه، أعني القمع والايديولوجيا، فربط الدولة بهما، يؤدي إلى فهم سطحي ومغلوط للدولة، نظرا لعدم معرفة الأهداف المتوخاة من ذلك، بحيث ينظر إلى الدولة، نظرة أحادية الجانب، وتختزل في كونها دولة القمع، ولا يلتفت إلى الأدوار الأخرى للدولة، كالوظيفة التنظيمية الخاصة بالطبقة السائدة، والكشف عن سلطتها الإنتاجية بشكل مكشوف يفضح تأثيراتها الاجتماعية، فالدولة لا تنتج خطابا واحدا، وإنما أنواع متعددة تناسب كل طبقة على حدة، إنها استراتيجية السلطة[21].

الدولة عندما تلجأ إلى خطط استراتيجية وتكتيكات معينة، فإنها لا تخفي ذلك. لأن تصرفها جزء منها كدولة ومتضمن في كيانها، باعتبارها الممثلة لجميع الطبقات، وكمثال على ذلك، فهتلر لم يخفي يوما برنامجه السياسي، يعلن عنه، وفي ذلك إعلان عن سلطته، واضعا الخطط الاستراتيجية للتنفيذ. بإنتاج المعرفة والتقنيات، متجاوزا لما هو إيديولوجي، إلى درجة أن الدولة تستعين بالطبقات لمدها بعناصر ضرورية لتحديد الأهداف والخطط وليس الخداع والقمع[22].

وعليه؛ فإرجاع سلوك الدولة إلى ثنائية القمع والايديولوجيا، يفضي إلى القول بأن ممارسة السلطة تتمركز في جهازين: واحد قمعي، وأخر إيديولوجي، وانصهار بقية الأجهزة الأخرى خاصة الاقتصادية في القمع والايديولوجيا، الأمر الذي ينعكس على علاقة الجهاز الاقتصادي بالقمع والمذهبية الأيديولوجية، مما يشكل عائقا أمام الانتقال إلى الدولة الاشتراكية. بمعنى يجب التمييز بين الجهاز القمعي والجهاز الأيديولوجي، لكن، هذا لا يعني الفصل التام بينها، فيمكن للجهاز القمعي كالجيش أن يتحول إلى جهاز ايديولوجي خصوصا الديكتاتورية العسكرية التي تتحول إلى حزب سياسي له أيديولوجية معينة، وكل تمييز بينها يلغي نفسه بنقسه[23].

3- روابط وصراعات السلطة:

هناك مسلمة سياسية أساسية تتمثل في أن الدولة تلعب دورا حاسما في علاقات الإنتاج والصراع الطبقي، فهي قوة فاعلة وحاضرة منذ بداية التكوين وإعادة الإنتاج، وهذا ما يفسر اهتمام الماركسية بالمجال السياسي الحيوي الضروري للحديث عن الدولة، علما أن الماركسية تعرضت لانتقادات بدعوى أنها أهملت الحديث عن الدولة والتركيز على الاقتصاد، وعندما تحدثت عن الدولة اعتبرت بكونها نزعة استبدادية، نقد للماركسية لم ينطلق من ممارسة ستالين السياسية، ولكنه شمل النظرية الماركسية في ذاتها، مع العلم أن الماركسية لا تساوي بين الدولة والسلطة، ولكنها تقيم تمييزا بينهما، فيصعب ربط كل سلطة قمعية بالدولة، فالقوى المنتجة وعلاقات الإنتاج المحددة لسيرورة الإنتاج راجعة إلى السلطوية السائدة حيث هيمنة طبقة مستغلة قد تتحكم في الدولة، وتتخذها وسيلة فاضطهاد، فتنشأ الملكية الاقتصادية والتملك، أي أن الصلاحيات السلطوية تسيطر على وسائل الإنتاج وتخلق شبكة من الروابط بين المستغلين والمستغلين[24]. لكن، ما تأثير تمركز الإنتاج في طبقة سائدة؟

يجيب نيكولاس بولانتزاس، بأن تمركز الإنتاج في يد طبقة، إعلان عن بزوغ فجر الصراع الطبقي والتناقض. لأن المشكل هنا، ملتصق بالممارسة السيئة للسلطوية، حيث افرزت شبكة معقدة ومتداخلة من الصلاحيات السلطوية، مما يوحي بارتباط علاقات الإنتاج بالروابط السياسية والأيديولوجية. فعلاقات السلطة بالنسبة للماركسية ليست بعيدة عن العلاقات الأخرى، خاصة الاقتصادية والاجتماعية، على درجة أن السيرورة الاقتصادية هي الصراع الطبقي الذي هو الأخر مرتبط بالسلطوية أو الجانب السياسي، علاقات متشابكة فيما بينها، مفضية إلى التناقض والصراع الطبقي. إن السلطة في المجتمعات الطبقية تشير إلى المواقع الموضوعية المؤثرة في تقسيم العمل، بحيث تتحدد وظيفة كل طبقة ساعية لتحقيق مصالحها الخاصة في مواجهة الطبقات الأخرى، بحيث يمتد التأثر على العلاقات الاقتصادية، علاقات سلطوية تدخل في الإنتاج خصوصا عندما ترتبط بالبنى السياسية، المتجسدة في أجهزة ومؤسسات خاصة كالمصالح مثلا، التي هي مجال السلطوية حيث الابتزاز والاستغلال[25].

وفي معرض حديثة عن علاقة الدولة بالسلطة يفند بولانتزاس نظرية أن السلطة متطابقة مع للدولة، كما ادعى فوكو وجيل دولوز، حيث يعتبران أن السلطة استمرار للدولة، وعبر أجهزتها ليحصل التطابق بينهما، في مقابل الماركسية التي ترى أن السلطة تتجاوز في ممارستها الدولة، متحكمة في تقسيم العمل الاجتماعي والصراع الطبقي، بمعنى أن أجهزة الهيمنة مرتبط بالسلطة لا الدولة، وفي ذلك تمييز ذكي للماركسية. غير أن بولانتزاس يرى من وجهة نظره، أن المجالات الحيوية كالصحة والضمان الاجتماعي وجهاز الاهتمام بالرياضة، هي مجالات رغم غياب عنصر القمع فيها، فهي سلطة، ومجالات حيوية لتبلور السلطة، حيث إمكانية التأثير في الأفراد والجماعات، لذا، فالسلطة عندما تتوغل وتتغول في مفاصل الدولة، تتجاوزها، تصبح الصراعات السلطوية المنصبة على الطبقات الاجتماعية والصراع الطبقي داخل الدولة، منفلتة من قبضة الدولة. لكن، هناك تصورات أخرى ترى أن الدولة بمفهومها الحديث، هي مركز للأشكال السلطوية، حيث توغلت في المجالات الاجتماعية، واستولت على سائر مجالات السلطة، وعلى كل سلطة طبقية. إن الدولة بناء على البعد الأيديولوجي تلجأ لتكتيكات معينة لترسيخ خطاب خاص بها، بموجبه تتدخل في الاستهلاك الجماعي (النقل، الصحة، السكن، مؤسسات تمضية أوقات الفراغ)[26].

إن السلطة الايديولوجية المعبرة عن ايديولوجية طبقة، تتجاوز الدولة بمختلف أجهزتها التي تصبح أداة مسخرة لخدمة طبقة معينة، متوسلة بأليات السيطرة والاخضاع الأيديولوجي، فالأجهزة الأيديولوجية تقوي من سلطة الطبقة السائدة، وكمثال على ذلك، فالدين لا تخلقه الكنيسة، وإنما الروابط الأيديولوجية التي تتجاوز الأجهزة الأيديولوجية، لذلك، فالعلاقات السلطوية الأيديولوجية لا ترد هنا على الدولة، بل، تتجاوزها في أفق الارتباط والتحكم في تقسيم العمل الاجتماعي مستغلة قوى الإنتاج، بحيث تصبح لها الأولوية على أجهزة الدولة. فمجالات الصراع والاستغلال وعلاقات الإنتاج، مجال خصب للسلطة. لكن، هنا نتساءل أي دور للدولة في هذه الحالة؟ هل الدولة غاية في ذاتها وتتجاوز جميع الطبقات والسلط الناتجة عنها أم أنها وسيلة لترسيخ الوجود المادي لسلطة طبقية معينة؟

يجيب  نيكولاس بولانتزاس، بكون دور الدولة حيوي في عملية إنتاج علاقات الطبقات السلطوية، خاصة الصراع الطبقي، فهي حاضرة في علاقات الإنتاج، بالقوة والفعل، متحكمة ومؤثرة في المجال الاجتماعي وليست تابعة له، كما ذهبت إلى ذلك بعض التصورات السياسية، خاصة في فرنسا، حيث تم نقد الماركسية، وهو الخطأ نفسه الذي ارتكبته الماركسية الأداتية التي تفهم كون الدولة وسيلة وتابعة للصراعات الاجتماعية والسلطة، تصورات مردها إلى تقاليد الفوضوية في الحركة العمالية الفرنسية، حيث السعي لتوطيد دعائم الإدارة الذاتية التي تجد أساسها وعنصر قوتها في الديموقراطية القاعدية المباشرة، وإهمال الدور الفعال للدولة. حالة غذت هي الواقع الفعلي بالنسبة للفكر القاعدي، حيث استخلاص السياسة والممارسة الاجتماعية المضادة للدولة، وفي ذلك إضعاف للدولة[27].

وبناء عليه، ولتجاوز تلك التصورات ومعرفة الدور التكويني للدولة يجب أن نفهم ونستوعب ونتجاوز السؤال التالي: من وجد أولا: الدولة أم الصراع الطبقي؟

يرى نيكولاس بولانتزاس، أنه لا معنى للقول بوجود حقل اجتماعي متحكم في تقسيم العمل الاجتماعي وسلطة سابق عن الدولة، وأيضا، لا معنى للحديث عن بنية تحتية (الاقتصاد) هي أساس الدولة، مدافعا عن تصور سياسي حول الدولة مفاده، حيث يوجد تقسيم طبقي وسلطة توجد الدولة، بمعنى لا وجود لسلطة سياسية أو اجتماعية ذات طابع مؤسساتي، ولا وجود لصراع طبقي، ولا وجود لأي وضع طبيعي أو اجتماعي سابق عن الدولة. وتبني عكس ذلك، سقوط في التصورات الشائعة، حيث التأثر بالفلسفة السياسية لعصر الأنوار، خاصة فلاسفة العقد الاجتماعي الذين أكدوا على أن العقد أو الاتفاق الحاصل بين الأفراد هو أساس الدولة. والحاصل، أن الدولة هي الأصل والمحدد منذ البداية لحقل الصراع الطبقي، سواء تعلق الأمر بعلاقات الإنتاج، أو تنظيم السوق والملكية، أو توطيد السلطة السياسية. فالدولة هي التي تعين وتقنن وتهندس جميع أشكال تقسيم العمل الاجتماعي، بحيث يصعب قول، أن هناك واقع اجتماعي سابق عن الدولة، لأن الواقع من صميم وجود الدولة ذاتها، ملازم لها، لكن، هذا لا يعني أنه لا يوجد واقع اجتماعي او سلطة دون وجود الدولة، بمعنى يمكن أن توجد روابط اجتماعية سابقة عن الدولة، لكنها ممهدة كرابطة تكوينية مع الدولة[28].

خلاصة القول لهذه القراءة، أن كل فهم للدولة، يقتضي استحضار ثنائية الغاية والوسيلة، هل الدولة غاية في ذاتها أم أنها مجرد وسيلة؟ فالنظر للدولة كوسيلة، معناه السقوط في نزعة تشيء الدولة وجعلها وسيلة وأداة مسخرة لخدمة أجندة طبقة معينة، صحيح، أن الدولة هي المالكة للسلطة، بل، ولجميع السلط، و تقسيم العمل الاجتماعي، ووضع الخطط المناسبة للتنمية الاقتصادية، لأنها مسيطرة على جميع المؤسسات والأجهزة الخفية والمعلنة، الإيديولوجية والمادية، وبموجب ذلك، تلجأ إلى استعمال شكل من أشكال العنف المادي المشروع بعبارة ماكس فيبر لترسيخ سلطتها، ولا عيب في ذلك من وجهة نظرنا، لأنه لو وجدت دولة لا تمارس العنف المادي المشروع لا ختفى مفهوم الدولة من الوجود حسب ماكس فيبر.

فالدولة كيان قوي، متجسد في الجيش والشرطة والمحاكم والسجون، إلى جانب المؤسسات الأخرى، فمن حق الدولة امتلاك السلطة، لكن، وفق التعاقدات القانونية والتشريعات الوضعية التي تحترم الشعب، كي لا تتحول إلى دولة ديكتاتورية مطبوعة بالرعب والقمع والتخويف والتطويع الأيديولوجي.

إن الممارسة السياسية الحديثة نزعت عن الدولة الكثير من الأقنعة والتصورات الأخلاقية، بحيث صارت الدولة ألية وجودية ضرورية لممارسة الحكم، وتنظيم الفضاء العمومي، ومن ذلك استمدت مشروعية وشرعية وجودها. ومادامت الدولة موجودة بالفعل في الواقع، فإن بناء نظرية سياسية حولها يرتبط بوظيفتها كدولة، والمتمثلة في السهر على استتباب الأمن الداخلي ولو بالعنف المشروع، وتحقيق السلم، وأن تكون دولة العنف المعقلن والمنظم والضروري، لا دولة تكرس انحيازا لطبقة محتكرة لجميع وسائل وقوى الإنتاج، الدولة يجب أن تكون معبرة عن عقل المجتمع وإرادته في العمل والإنتاج والتطوير.

 

محمد لمعمر - المغرب

أستاذ الفلسفة، وباحث في فلسفة القانون

.....................

الهوامش:

[1] نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، ترجمة مشيل كيلو، (التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت)، الطبعة الثانية، ص.7.

[2] الصفحة نفسها.

[3] المصدر نفسه، ص، 8.

[4] المرجع نفسه، ص، 8.

[5] - F. Engles, L’origine de la famille, trad. J, éd, Stern, éd. Sociales, paris,1983, pp.281-28 (بتصرف طفيف)

[6] بولانتزاس، مصدر سابق، ص، 9.

[7] المصدر نفسه، ص، 10.

[8] المصدر نفسه، ص، 12.

[9] المصدر نفسه، ص،16.

[10] المصدر نفسه، ص، 17.

[11] المصدر نفسه، ص، 18.

[12] المصدر نفسه، ص، 19.

[13] المصدر نفسه، ص، 20.

[14] المصدر نفسه، ص، 21.

[15 المصدر نفسه، ص، 22.

[16] المصدر نفسه، ص، 25.

[17] المرجع نفسه، ص، 26.

[18] المصدر نفسه، ص،27.

[19] محمد سبيلا، وعبد السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية، الإيديولوجيا، دار توبقال، 1999، ص، 46-48.

[20] بولانتزاس، مصدر سابق نفسه، ص، 27.

[21] المصدر نفسه، ص، 29.

[22] المصدر نفسه، ص، 30.

[23] المصدر نفسه، ص،31.

[24] المصدر نفسه، ص، 32.

[25] المصدر نفسه، ص، 33.

[26] المصدر نفسه، ص، 34.

[27] المصدر نفسه، ص، 35.

[28] المصدر نفسه، ص، 37.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5346 المصادف: 2021-04-25 03:18:19


Share on Myspace