 قضايا

علي الدباغ: الجذور الفقهية للإستبداد

علي الدباغتمهيد: تعرضت الدولة الإسلامية، كما هي الحواضر الأخرى لأزمة متلازمة للحكم إستنفذت كل قواها وتسببت بتخلف مستدام نلمس آثاره في تنآئينا عن معادلة حكم مستقرة يأمن بها الحاكم والمحكوم، ولَعلّ أخطر عامل أدى الى ترسيخ منهج الإستبداد في الحكم، الى جانب القوة والظلم هو المنهج التبريري الذي إتخذ شكلاً دينياً لُويت فيه النصوص وتخالفت معه، ولو كان الحديث عن تغلب أو شوكة لا علاقة لها بالدين كان بالإمكان تفهمها بأن ضغط وسياقات الوضع والواقع السياسي تفرض أمراً حاكماً وجبرياً، لكن تبرير منهج الحكم وتعسفه بأمر ديني ولصقِهِ وتغطيته بالدين، أحدث خللاً لم تقتصر تداعياته على زمنه وظرفه بل إمتد الى عصرنا الحاضر وإن إتخذ بعض اللبوس العصرية والمحدثة.

المبحث الأول: عناصر وعوامل التبرير التبرير الفقهي:

الآداب السلطانية

إرتبطت أنظمة وأشكال الحكم التي تعاقبت في حياة المسلمين بما يسمى بالآداب السلطانية حيث تم تفصيل نظريات لاحقة بعد الصدر الأول للإسلام لشرعيات مختلفة لتسلم الحكم والسلطة وأصبحت مصدرا تشريعيا في ما بعد، ولعل كتاب (الأحكام السلطانية والولايات الدينية) لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (ت 450 هــــ) والذي يعتبر مرجعا مهما في تفصيل نظرية الحكم وكذلك ابو يعلى محمد بن الحسين الفراء (ت 458 ه) الذي عاصره لكنه يختلف مذهبيا معه، اللذان أسهما أكبر مساهمة في صياغة التبريرات والشرعية التي كان الحاكم يحتاجها لشرعيته المنقوصة وبأثر رجعي.

أسهم الماوردي وعموم الآداب السلطانية في تعزيز سلطة الحكم وإن لم تكن تقارب في بعض منها الجانب الفقهي لكنها أضفت نوعاً من المشروعية المفقودة والمطلوبة بذات الوقت من الحكام، ويعبر عن ذلك بصورة واضحة "ابن طباطبا": "أمّا الكلام على أصل الملك وحقيقته، وانقسامه إلى رياسات دينية ودنيوية، من خلافة وسلطنة، وإمارة وولاية، وما كان من ذلك على وجه الشرع وما لم يكن ومذاهب أصحاب الآراء في الإمامة، فليس هذا الكتاب موضوعا للبحث عنه، وإنّما هو موضوع للسّياسات والآداب التي ينتفع بها في الحوادث الواقعة، والوقائع الحادثة، وفي سياسة الرعيّة وتحصين المملكة، وفي إصلاح الأخلاق والسّيرة".[1]

يحتوي الأحكام السلطانية للماوردي على عشرين فصلا أو باباً وهو في غاية الأهمية وجهداً عظيماً بذله الماوردي في تقنين وتفصيل الهياكل الادارية وتسلسلها وتراتبية المناصب والمواقع في هرم السلطة والدولة مثل الوزارة وتعيين الولاة والادارة المالية والخراج والاقطاع والحسبة والقضاء والدواوين بإعتبارها الاساس التنظيمي والإداري للدولة في تبويب وشرح قد يكون سابقا لعصره في الشرح والتفصيل معتمدا على العقل والقياس في معالجته وأحكامه، وهو جهد كبير قام به بإعتباره موظفاً في البلاط العباسي "وأقضى القضاة"، ويتضح تماما مَيلهُ الى حصر كل السلطات بيد الخليفة فهو وحده الشارع وهو مصدر السلطات كلها والتي يخول بعض منها للولاة أو لقادة الجيش أو لآخرين دون أن تكون له أي مجموعة يستنير برأيها ويستفيد من خبرتها في معالجة أمور الدولة وما يستجد منها من تعقيدات وتحديات، وبذلك يستبعد الماوردي مبدأ الشورى تماما في كل معالجاته وأحكامه.

جاء جهد الماوردي إنعكاسا وصدى للبلاط ويمكن القول انه إسترضاءاً لولي الأمر بل أنه فَصّل وصَمّم نظريات لكل الحوادث التي وقعت منذ وفاة النبي ولغاية عصره حيث يعتبر كل أشكال الولاية بدءاً من الخليفة الأول الى عهد القائم بأمر الله العباسي هي طرقاً شرعية لا ضَيرَ فيها ولا غبار عليها فكل خلفاء بني أمية وبني العباس يترحم عليهم ويبني أحكامه على ما قاموا به ويعتبرهم أمثلة معيارية وشرعية ونموذجا لا يخالف الشرع.

وعلى إفتراض حُسن مقاصد الماوردي، فإنها إنحصرت في التنظير لأمر وقع ويحتاج لتصميم هيكل شرعي له بِغَض النظر عن تطابقه مع الشريعة وسنة النبي والخلفاء الراشدين، ولم يتمكن باقي الفقهاء والمتكلمون من الخروج خارج الأمر الواقع بأن يستعيروا مثلا النموذج اليوناني الديمقراطي في الحكم، والذي كانت علومهم وفلسفتهم مؤثرة كثيرا في أبحاث علماء المسلمين.

أن الإطار الفكري والسياسي والديني لم يحدد وصفة محددة للحكم (على رأي الفقه السني) بحيث كان الفقهاء يجتهدون في إبتداع مخارج فقهية لمعالجة هوس السلطة وتسلطها وتم التنازل عن الكثير من الإشتراطات الشرعية والفقهية المطلوبة، وكذلك لم تنتج من كل النظريات الفقهية تفعيل لمبدأ الشورى بين المسلمين لأنه يختزل من سلطة الحاكم أو يقيدها أو يشرك معها عناصر أخرى، ونتيجة كل ذلك فإن كل تلك النظريات لم تستطع أو تردع إستبداداً وتسلطاً، لأنها كانت من مُخرجات السلطة ومنتجها وذلك يفسر كيف إن الإستبداد حالة مستدامة في الوضع السياسي لأغلب بلدان المسلمين ليومنا هذا، فهو متجذر وله تأريخ وعقد وتشابكات وتراكمات لم يتم التحرر منها.

إعتمدت شرعية الإستبداد على مفاهيم تشريعية دينية ملزمة إعتبرتها جزء من الدين والإيمان مثل نصوص السمع والطاعة ودرء المفاسد وأهون الشرين والتي تأصلت فيها هذه المفاهيم وأصبحت جذراً من جذور الإستبداد الديني، ومصدراً هاماً في هيمنة السلطة السياسية على الحياة العامة، وبات يعرف بما يسمى بـ”الأدب السلطاني”، وبلغت أكثر من خمسين كتاباً ككتاب نصيحة الملوك للماوردي ، وكتاب تاج الملوك  المنسوب للجاحظ، وكتاب سراج الملوك لأبي بكر الطرطوشي …، وهذه الآداب أسهمت وساعدت في إرساء الإستبداد الحديث وإكتساب الشرعية السياسية وفرضها بأدوات أكثر إنتهاكاً للإنسان، وأقدر على التحكم به، والسيطرة عليه، وتفكيك روابط المجتمع والقبيلة، والتدخل في كل شؤونه، وإحكام الرقابة عليه، وزاوجت بعض الدول مؤخراً بين المصادر، فأبقت على ثقافتها السلطانية، واعتماد المفاهيم الدينية في شرعية التفرد بالحكم، فأصبحت “دولة الإستبداد القديم بأدوات حديثة”، واستقوت ببعض مفاهيم الدولة الحديثة في تقسيم السلطة بطابع شكلاني ومجتمع مدني فارغ من معناه، مع الاعتماد الكلي على الأدوات التقنية الحديثة.

إلا أن دولاً عربية أخرى اعتمدت بشكل كلي على القاموس الحداثي ومفاهيم الدولة الحديثة، والاستغناء التام عن المفاهيم الدينية والآداب السلطانية، مع الإستخدام المفرط للحداثة التقنية في الإخضاع والسيطرة، وهو ما  أطلق عليه الدكتور رفيق عبدالسلام “الإستبداد الحداثي” وعرفه بأنه : تلك الحالة الإستبدادية التي تؤسس شرعيتها على المدونة الحداثية السياسية ، وتستعمل أدوات وأذرع سيطرة حديثة[2].

هناك أثرٌ واضح في تأثير الممارسات السلطانية الساسانية الفارسية على صياغة مفاهيم وأفكار الآداب السلطانية التي بررت لحكام المسلمين تسلطهم وإستبدادهم وإستخدامه للدين وللمدونات الفقهية.

سلطة وإسلام التأريخ

ما يلفت إنتباه الباحث هو إن العقل الفردي والجمعي السياسي الإسلامي قد شكله التأريخ الذي تدخلت السلطة كثيرا في صياغة أحداثه، فالمؤثر الأكبر هو إسلام التأريخ وهو مايسميه بعض المفكرين "سلطة التأريخ"، بإعتبار إن فقه القرن الأول والثاني هو الذي لازال مسيطراً والذي هو منتج من "تأريخ السلطة" التي كانت تصوغ الفقه السياسي وأحداث التأريخ. بمعنى إن المؤثر الأكبر ليس إسلام الوحي الذي أطلق العنان للعقل أن يتفكر في خلق السماوات والأرض وتكريم الإنسان وحقه بالحياة الكريمة دون قهر وتسلط، بل هو إسلام التأريخ والذي يسميه ياسين عبد الجواد "تنصيص التأريخ" والذي هو نتاج بشري وليس وحياني، الذي إبتدع من الأفكار ما يُمجّد دينياً للصوص وسراق الشرعية ويُبرر لكل فعل مشين يسلكه الحاكم، وكثر فيه التكفير والقتل والإلغاء، فعندما نطالع فقه القتل الذي تكرر في المدونات الفقهية لأبسط أنواع السلوك في الوقت الذي عصم فيه إسلام الوحي النفس وجعل حرمتها أقدس وأهم من أشرف بقعة ذكرها الدين وهي الكعبة.

إسلام التأريخ والذي لايزال يُمجّد أشخاص ويقدسهم ويستنير بفتاواهم والتي إستسهلت ليس قتل الكافر فقط، بل قتل المسلم الذي ترك فرضاً من الصلاة بينما سكتت عن الحاكم الذي كان لايصلي أصلاً، ويستسهل القتل بإشارة من إصبعه، علماً بأن هذه الفتاوى مما لا يتقبله منطق الدين الذي ينطق بالرحمة، لكن الحديث يدور عن تمجيد من أصدر هذه الفتاوى التي تعطي حق القتل وهو ما أنعكس على حاضرنا في مشاهد القتل الوحشية التي تقوم بها بعض الجماعات التي تدّعي الإسلام وتستهدي بتلك الفتاوى.

الغريب بالأمر إن تلك الفتاوى التي لم تجد فرصة تنفيذها في القرن الخامس خرجت علينا بعد عشر قرون ليتم تطبيقها في مشاهد عبثية، وما كان من ضرورة لذكرها ونبشها من قبلنا لولا أثرها وإنعكاسها على حياتنا الآن وما تتعرض له بلدان عديدة من مشاهد قتل عبثية وسلوك يندى له الجبين.

فقه الإستبداد

أنتج تضخيم الحاجة للحاكم والتوعد بالويل والثبور من الإعتراض عليه تبريرات فقهية تدعم المنحى الإستبدادي والتسلط الذي إنتهجه الحكام والذي أنتج مانسميه "بفقه الإستبداد"، وهو نوع من الفقه يستحق أن يصنف باباً من أبواب الفقه المختلفة التي تزخر بها المدونات الفقهية، وهذا النوع من الفقه إضافة لكونه تبريراً وتسويقاً للإستبداد فإنه تصورٌ وفهمٌ لعصورٍ ماضية نشأت في سياقات زمنية لها ظروفها ومتطلباتها وأدوات إصدارها وهي لا تعدو عن كونها إجتهادات بضغوطٍ من الحاكم بأمر الله، ونشير هنا الى نص غريب في تسويق للإستبداد في بعض الآراء الفقهية لندرك عمق الخلل الذي رافق تلك المدونات التي كانت تُضفي صفة إلهية على السلطان وتبرير إستبداده عبر استجماع آيات وأحاديث في صفات الله والحاكم والمماثلة بينهما، يقول الماوردي في كتابه نصيحة الملوك وهو أشهر فقهاء السلاطين أن  الله جل وعز أكرمهم بالصفة التي وصف بها نفسه، "فسماهم ملوكًا وسمى نفسه ملكًا"، فقال: مَلِكِ يوم الدين، وإنه (الله) فضل الملوك على طبقات البشر"[3]

وهكذا نرى ان الإستبداد له جذور وفتاوى وله أشخاص يصوروا للحاكم قدرات وملكات ليس فيه حيث تتعاظم وتتعملق عنده الأنا فيتصور بأنه لا مثيل له على الأرض وانه ظل الله في الأرض طالماً إن هناك نصوصاً فقهية تعطيه تلك الصفات وتلك البركات، ونشير أيضاً لخطبة أبو جعفر المنصور في خطبة له يوم عرفات، ففيها ما يؤكد طابع جنون العظمة الذي ترسخ في عقله الباطن، إذ يقول: " أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، قد جعلني الله عليه قفلا، إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني أقفلني"[4].

فقه الضرورة

يمكن فهم بعض الإجتهادات الفقهية والتخريجات والتفسيرات المتعلقة بالعبادات والمعاملات التي أنتجها فقهاء الفترات السابقة، لكن لا يمكن تبرير وقبول ذلك التماهي والذوبان في تبرير منح الشرعية الدينية والترويج والتسويق لفقه السلطة والحكم، مما يخرجها من كونها إجتهاداً فيه مصلحة للدين أو للمسلمين، بل تتحول وتنحصر لمصلحة الحاكم وحده وهدفها تبرير الخطأ وتحويله الى صحيح بما يتناسب والواقع السياسي، خصوصا في ما يسمى بفقه الإمامة، فمثلا فكرة "فقه الضرورة" والتي تم بموجبها التنازل عن الشروط الشرعية في الإمامة مثل أن يكون الإمام من قريش، وعلى الرغم من إن هذا الشرط لا علاقة له بالسنة ولم يرد فيه أي حديث من النبي - كما يستنتج محمد عابد الجابري -ولو كان شئ منه لأحتج به عمر بن الخطاب في السقيفة والذي بيّن فيها مكانة قريش وأحقية المهاجرين في الخلافة-، وإنما فرضته ظروف سياسية خلقت أمر واقع حيث إن الجميع كان من قريش، لذلك وضعه الماوردي كأول الشروط، وبعد أن تغير الوضع توجّب إسقاطه كشرط للإمام، وأجاز البعض تولية العبد أو الأعجمي تحت ذريعة أنه أقل عصبية من القرشي ويسهل خلعه، حتى الباقلاني أجاز ذلك بحجة إن العجم من الأتراك والديلم قد تمكنوا من الخلفاء وإستبدوا بهم عندما كانوا يعزلون خليفة وينصبوا من يرتضونه من الخلفاء العباسيين (كما يرويه ابن خلدون في المقدمة ص 205، ط1 الاسكندرية 2008، دار العقيدة)، خصوصا بعد خلافة المعتصم الذي استقدم الأتراك ومكّنهم وبعد ذلك قوُيتْ شوكتهم وأصبحوا هم الحكام الفعليين في القرن الثالث أو بحسب التصنيف في العصر العباسي الثالث، على إن فقهاء آخرين أبدوا تشددا صارماً في موضوعة أن يكون قرشياً، حيث كانوا يرون أن بقائها في قريش تحفظ الشريعة ووحدة الأمة بدل أن تتحول الى إمارات تتصارع على النفوذ. ومع بقاء الخلافة شكليا في قريش فإنها لم تحفظ شيئاً غير إسم الخليفة فقط الذي كان يتم الدعاء له في المساجد، ثم تلاشى ذلك حيث ظهر من يُسمّي نفسه خليفة بالأندلس وإستقل بالدعاء.

شرط القرشية للحاكم كما يتضح من البحث لم يكن شرطا دينيا، بل هو سياسياً بإمتياز منذ أحداث السقيفة، وقد ترسخت في قريش نتيجة عصبية العرب كما يراها أبن خلدون في نظريته حول نشأة الدولة في المقدمة، وحيث كانت هذه العصبية القرشية هي المتمكنة حيث هي عصبة مضر، وأهل الغلب منهم، مقارنة بالأقوام الأخرى فبقي شرط القرشية، وعندما إنتقلت الى غير العرب، وجب إسقاط الشرط، تبريراً للحاكم الجديد.   مثال ثان للتحول في فقه الضرورة هو عدم وحدة الإمام والتي رآها البعض مقبولة نتيجة ضعف الخلافة، بل إن الإمام الغزالي في "إحياء الدين" أسقط شروط الإمامة عند الضرورة خوفا من إندلاع الفتنة وانهيار النظام و"تهديد لمقاصد الشريعة".

على إن هذا الرأي الفقهي مع أخذه بمحمل النية الحسنة والغيرة على الدين، لكنه يفتح باباً ورخصة خطيرة في أعلى موقع في دولة المسلمين والتنازل عن الشروط تحت ضغط الواقع السياسي أنتج ما أنتجه من مصادرة لثوابت أساسية وأحدث خللا كبيرا في حياة المسلمين والدولة الإسلامية التي لم تكن في أي من حكامها تلتزم بالمباني النظرية التي وضعها الفقهاء.

ما يلفت الإنتباه إن كل الآراء التي أعادت قراءة الدين وإنتاج الفقه بما يتلائم والواقع الذي عاشته التجربة الإسلامية وسياقاتها التأريخية لم يكن أي منها يدعو الى إنتخاب الحاكم من قبل الناس وأن يتم تطبيق شورى مُلزمة للحاكم الذي يتم إختياره حيث يمكن إخضاعه لشروط عند البيعة مثلما حصل مع الخلفاء الراشدون، وهذا ما يرجح الإعتقاد بضغوط السلطة والتي لم تكن تقبل بأي طرح فقهي يصل الى أعتابها.

الفاضل والمفضول

منهج ثانٍ نهجه الفقهاء وهو إن الإمامة لا تنعقد للمفضول إذا أمكن عقدها للفاضل، كان رأياً فقهياً معمولا به عند أغلب الفقهاء وهذا الرأي يشكل أزمة كبرى مع معظم الخلفاء - إلا ما ندر منهم- الذين لا يمكن توصيفهم بأنهم الأفضل أو إدعاء أفضليتهم، وهنا يتضح الفقه السلطاني الذي تطلب إيجاد مخرج لهذه الأزمة حيث اًدخل عنصر جديد وإستثناء لتلك القاعدة وهو "الشوكة" كما بينها الماوردي: "كون المفضول أطوع في الناس وأقرب للقلوب انعقدت بيعة المفضول".

في نفس السياق فإن الأمر تطور واُسقط الشرط كما يبين ذلك الماوردي: "ولا يكون وجود الفاضل مانعاً من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصرا عن شروط الإمامة". وقد قادني البحث للعثور على حديث للرسول (ص): "مَنْ تَوَلَّى مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ اولَى بِذَلِكَ وَأَعْلَمُ مِنْهُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ"[5]. بسند عن الطبراني والحاكم في صحيحه، فيما لا تطبق هذه القاعدة على أصل ورأس الأمر فيما يتم الدعوة إلى تطبيقها على الولاة ووزارة التفويض ووزارة التنفيذ.

منهج القياس والإجماع

هناك أزمة كبرى نشأت في إعتماد المدونات الفقهية وكأنها نصوصاً مقدسة ملزمة، وهو مايطلق عليه لبعض "سلطة النص" فأصبح الحكم الفقهي وهو مُنتج تفسيري بشري بحيث أصبح يلازم النص في المدونات الفقهية التي كانت ترقى لصفة القداسة وكأنها نصوص غير قابلة للتفكيك والنقاش أو إجتهاد يعدلها لأنها نشأت على أحسن النوايا من تفسير النص في زمان ومكان وظرف وواقع معين وتأثيرات ذاتية وموضوعية وهي ملازمة له وبإنتهاء أثرها فلم يعد لأصل التفسير أو الرأي الفقهي أثر لأنه كان وليد زمانه ومكانه وظرفه. يعني أن الواقع بكل أشكاله هو جزء من المحيط الموضوعي للفهم.

إن إشكالية تنزيه المدونات أو حتى إبقائها حية ودائمة الإستخدام لقرون يجعلها مثل النصوص غير قابلة للتفكيك والمناقشة، ويغلق كل المنافذ عليها ويُحنطها، وهذا يخلق أزمة كبيرة في الفهم للدين وللنصوص والقول بأن النص والدين قادر على مواجهة الزمان بإمتداده والمكان بتغيره والتعامل مع كل عصر من العصور.

إن النص يكتنز قدرة كامنة على التعامل مع المتغير وهذا سر بقائه حياً، وهذا النص ينتج تفسيرات مختلفة كلما تعامل ويتعامل مع واقع جديد، وبديهي أن ينتج النص تفسيرات متجددة يتطلبها الزمان والمكان والظرف المستجد وطبيعة العصر.

إن الإحتكام الى القياس (وهو أمرٌ مختلفٌ عليه) كان ولا يزال من أدوات الحكم الفقهي الى جانب الإجماع، وقد جعله محمد بن إدريس الشافعي (150-204 ه) في كتابه "الرسالة" محصورا في القياس، دون الرأي أو العقل في أي أمر مسكوت عنه (وهو الذي لم يرد فيه نص أو حديث للنبي)، وهذا منهج قائم لحد الان وهو مما قلص كثيراً من دائرة المباح أو تطوير الفتوى لما يتطلبه العصر.

وكذلك إلى الإجماع الذي يلزم التابعين بإجماع الصحابة للأمور المسكوت عنها، ويلزمنا ومن جاء قبلنا ومن يأتي بعدنا الى يوم القيامة برأي التابعين.

تقديس الفهم والتفسير البشري والذي تم ضمه وكأنه متمم للنص ولا يفترق عنه ومتلازم معه، وهذا المنهج بقي متناقلاً لحد زماننا هذا ويتم التعامل معه وكأنه ذات النصوص، أنتج إشكاليات وتداعيات خطيرة تتطلب قراءة جديدة ومنفتحة لمعالجتها، يقول أبو الحسن الأشعري (ت 324 ه) في "الإبانة عن أصول الديانة"، ج1، ص20 : " قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل[6]....".

خاتمة

عانى المسلمون من أزمة عدم إستقرار لمعادلة الحكم التي أخذت اشكالاً مختلفة أغلبها تسلط وقهر وإستبداد يسندها ويغطيها آداب سلطانية تختلق التبريرات المطلوبة دينياً لسد نقصاً مروعا في شرعية الحكم وإستمرت هذه المعاناة ليومنا هذا، في وقت استقرت الكثير من الأمم والدول لمعادلة مقبولة وإنتقلت تلك الشعوب لإعمار الأرض وما ينفع مجتمعاتها،أما في الشرق فإننا نستجدي الآن من النموذج الغربي ما نحاول ترميم حياتنا السياسية ومحاولة الخروج من أزمة الإستبداد التي أصبحت مستدامة ومتلازمة مع حياتنا جيلا بعد جيل، ومن يكابد ويرزح تحت نير التسلط والإستبداد يدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه فقهاء السلطة في شرعنة وبذر بذور الإستبداد وتمكين الحكام الظلمة من التسلط والتجذر لينشأوا ما نطلق عليه حالياً بالدولة العميقة التي حاصرت المواطن في الدولة الاسلامية الذي تعايش على مضض مُكرهاً مع الحاكم الذي أعطاه الماوردي وغيره  وصفة شرعية للتسلط على الرقاب، وبدل أن يكون المواطن عبداً لله فإنه أصبح في أحسن التقديرات عبداً للدولة وأحيانا عبداً للحاكم، والدليل الأكبر على خطأ وخطل تلك النظريات هو ان معظم الدول الإسلامية تقتبس الآن من الغرب نظريات الحكم وتحاكي تجاربه في تقليدٍ يمر بمخاضات عسيرة وصعبة و ممانعات من شرائح اجتماعية وأحياناً رفضاً مما يخلق أزمات كثيرة حيث تفتقر المحاكاة لقواعد صحيحة، وصلاحيات الإستبداد سواءاً كانت فردية أو جماعية تمانع وترفض أن تتنازل عن ما تعتقده من أنه حقاً استولت عليه أو ورثته لذلك تتعثر التجربة لأنها تولد مشوهة لأنها تفتقر لاساسيات النجاح واستيلادها يمضي بطريقة غير صحيحة، وتبقى شعوب المنطقة تحرق الزمان وتدور حول نفسها وتتراجع فيها معدلات التنمية ويزداد فيها الفقر يوما بعد يوم.

 

الدكتور علي الدباغ

.............................

[1] محمد بن علي بن طباطبا، الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية، دار صادر بيروت، ص17

[2] محمد العبد الكريم، الاستبداد الحداثي، مقالة منشورة

[3] الماوردي، نصيحة الملوك، تحقيق الشيخ خضر محمد خضر، مكتبة الفلاح الكويت، ط 1، 1983، ص 50

[4] محمد بن جرير أبو جعفر الطبري، تاريخ الطبري، ج8، دار التراث – بيروت، ط 2، ص 89

[5] سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، ج 11، ص 114

[6] أبو الحسن الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، دار الأنصار – القاهرة، ط 1، 1397، ج 1، ص 20

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

بحث رائع وتحليل واقعي لأزمة الحكم التي لا نزال نتوجع منها
الأسباب الدينية والفقهية التي دعمت جهد الاستبداد ليست قليلة بل هي متراكمة ومجمعة وفي كل عصر تضيف حمولة جديدة عليها

عبد الله الدليمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5405 المصادف: 2021-06-23 01:59:08


Share on Myspace