 قضايا

مريم لطفي: التقمص الوجداني

"أتمتع بحساسية غريبة، مايخدش الآخرين يمزقني"..فلوبير

التقمص هو عملية تلجأ النفس فيها الى ان تدمج داخل ذاتها دوافع واتجاهات وسمات خاصة بشخص اخر، لكي تصبح أصيلة في الفرد تقود بجذورها في أساس بناءه النفسي وهو عملية سيكولوجية يقلد (يتقمص) من خلالها الفرد جانبا معينا او سمة اوخاصية او سلوكا او حتى طريقة الكلام واللكنة لدى شخص اخر ثم يبدأ بالتحول تدريجيا ليكون نسخة ونموذجا من الشخص الاخر اي انه يصبح شبيها بالاخر الى حد كبير، ويحدث التقمص بين كل شرائح المجتمع ابتداءا من الاسرة التي تعتبر المادة الاولى التي يجري من خلالها تقمص الطفل لاحد الوالدين نتيجة تعلقه الشديد به وهذا التقمص الذي يسمى (التقمص العاطفي) لايعني ابدا انتقال الصفات من الابوين الى الطفل بحكم التعلم وهي ظاهرة طبيعية الغرض منها انتقال العادات والقيم كاللغة والسلوكيات العامة والخاصة، لكن الموضوع ياخذ أبعادا اخرى عندما يعشق الطفل احد ابويه او اي فرد من افراد الاسرة فيتقمصه بكل جوارحه ليكون إنموذجا مصغرا يشعره بالفخر لذلك وهذا مايطلق عليه في علم النفس بـ(التقمص الاولي).

ثم هناك تقمصا من نوع اخر وهو (التقمص النرجسي) وهو صورة من صور التقمص تقوم على اساس الهجر او الفقد الذي يجعل الفرد يتعلق بمقتنيات الشخص المفقود كارتداء ملابسه ومقتنياته وتقليد حركاته والنبش بتاريخه للحصول على اي معلومة او صورة او سلوك يرتديه المتقمص ليشعر بالراحة التامة لانه خلّد من يحب كنوع من العرفان والحب ويقول الفيلسوف" لاكان" ان ان الانا تتأسس في داخل أساسها من خلال مجموعة من التقمصات المغتربة.

اما (التقمص الجزئي) فهو يقوم على ميزة او سمة معينة في الشخص الاخر تكون نموذجا لموقف او حالة معينة يحتذى بها كأن تكون هذه الشخصية قيادية ونحن نتحدث عن الحياة بصورة عامة والافراد عموما وهذه الشخصية التي نطلق عليها (القدوة) قد تكون داخل الاسرة او احد المعارف او الجيران او المعلم في المدرسة او بين الازواج او اية شخصية عندها خصيصة متميزة تجعل منها موضعا للتقمص وهذا التقمص يعتبر شائعا وقد تمر به الاغلبية من الناس خصوصا اذا كان تقمصا ايجابيا لحالة ايجابية.

فالتقمص اذن هو لبس القميص، وقميص الروح هو الجسد اي ان التقمص يمثل عملية نسخ الروح من جسد لاخر!

 وهناك نوعا اخرا من التقمص يطلق عليه (التقمص الوجداني) وهو القدرة على فهم مشاعر الاخرين والاندماج معهم بمشاركتهم الفاعلة حزنا او فرحا، اي ان يضع الشخص نفسه مكان شخص اخر.

ويشمل التقمص الوجداني مجموعة واسعة من الحالات العاطفية والقابلية الجادة والفاعلة على مشاركة الاشخاص مشاعرهم واحاسيسهم وعواطفهم وافكارهم والفهم المسبق للسلوكيات وادراكها حسيا والذي يتضمن كلمات مواساة او كلمات تهنئة حسب الموقف.

ومن اسم التقمص نعرف باننا نتقمص الحالة ونستشعرها وكأن الموقف قد حصل معنا فنتعامل معه على هذا الاساس من خلال تفعيل سلوكيات عقلية تنتج سلوكا مشابها ينتقل الى حيز التنفيذ كنوع من الاستجابة العاطفية التي تعتمد على فلسفة العقل.

ومنذ اكتشاف النظام العصبي المرآتي اجريت دراسات عديدة لاختبار دور هذا النظام في فهم الفعل والشعور وغيره من الوظائف الاجتماعية.

وتشمل تعاريف التقمص الوجداني مجموعة واسعة من الحالات العاطفية بما في ذلك الرغبة بالاعتناء بالاشخاص ومساعدتهم واختبار عواطف وانفعالات مشابهة ومتطابقة لعواطف الاخر اي طمس التمييز بين تعريف الذات والاخر!

ويرى العالم النفسي هوفمان "ان البشر يمتلكون القدرة على التقمص الوجداني، مثل الشفقة والتعاطف"، وينقسم التقمص الوجداني الى نوعين:

-التقمص الوجداني العاطفي:وهو القدرة على الاستجابة بالشعور المناسب لحالة الاخر العقلية والتي تعتمد على عدوى المشاعر اي التأثر العاطفي والانفعالي .

-التقمص الوجداني المعرفي: وهو القدرة على فهم منظور الشخص الاخر وحالته الذهنية كنظرية العقل والتعقل.

 وبصورة عامة فان التقمص الوجداني يعتمد اساسا على التعاطف المفرط تجاه شخص بذاته والذي يتطلب الخروج من الذات والدخول والاندماج في الذات المقابلة ايا كانت وان تحل محلها وتشعر بشعورها، فالتعاطف بحد ذاته حالة صحية انسانية الهدف منها المساعدة والمواساة ولها دور كبير في رفع القيم المعنوية للشخص المتعاطف معه الذي قد يكون مريضا او فقد عزيزا او اصيب باي عارض او نكبة او حالة مؤسفة، لكن كل مايزيد عن حده ينقلب ضده، فالمغالاة والمبالغة تنتج امراضا نفسية واجتماعية تنعكس سلبا على الشخصية المبالغة والمفرطة بالتعامل، وهذا ينطبق على التقمص الوجداني المفرط الذي يجعل الانسان يتخلى عن حقه في الحياة ليرتدي قميصا لايناسبه ويعيش حالة من البؤس والاسى تجعله عاجزا عن التخلص منها، وهذا مايحدث غالبا مع الشخصية الحساسة او المفرطة الحساسية او الشخصية المضطهدة او المظطربة التي سرعان ماتجد شبيها لها فتتعاطف معها وبقوة، وتتقمص الدورالذي يصبح عصيا وصعب الانتزاع، والحقيقة ان خير الامور اوسطها والتطرف باي موضوع ياتي بعكسه، لذا علينا ان نتحلى بعاطفة صحية خالية من الامراض لننعم بحياة افضل.

واخيرا اقول: إن التعاطف مع الاخرين يشعرك بالرضا، لكن التعاطف المفرط يشعرك بالاسى.

 

مريم لطفي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5447 المصادف: 2021-08-04 03:39:24


Share on Myspace