 قضايا

محمد كريم ابراهيم: النظام والانتظام

محمد كريم ابراهيمالتفريق بين النظام والانتظام مهم جدا في رحلتنا نحو فهم العالم بشكل افضل. يعرف النظام ككيان معين ذات حدود جلية ووظيفة مأخوذة من هيئته، اما الانتظام فهو عبارة عن نظام متسلسل مرتب حسب معلومة او هيئة معينة وثابت في الزمان والمكان، حيث اي تغيير في تسلسل انظمته الصغرى تؤدي الى فوضى في ذلك الانتظام. علمًا ان الانتظام لا يمكن ان تقبل بالفوضى والعشوائية ولا يمكن أن تتبادل اجزائها اماكن بعضها مع بعض كاجزاء الماء التي تكون متشابهة في اجزائها فتكون مقبولة تبادلها مع بعض.

ومن هذا نستنتج ان اجزاء نظام منتظم تكون مختلفة عن بعضها سواء بجزيئة واحدة مختلفة عن الجزيئات المرتبطة بها مباشرةً أو تكون المجاميع من الجزيئات (بلوكات) مختلفة عن مجاميع اخرى. اي بمعنى إنه يجب  أن تكون هناك اختلافات بين اجزاء نظام منتظم حتى ينتظم على طريقة معينة. مثلا يمكن لنيوكليوتد ادينوسين ان ترتبط مع بعضها تستمر لسلاسل طويلة (AAAAAAA) وتحسب هذه مجموعة وحدها كجزيئة واحدة حيث ان اعادة ترتيب الادينوسينات لن تؤثر على الانتظام نفسه لانها تعتبر تغيرات داخل نظام اخر غير مشروط عليه الانتظام. كذلك الامر للواحدات والاصفار المكتوبة في الالكترونيات.

لو كانت جميعها متشابهة لما كان التبادل بين الاجزاء هكذا امر مهم (مثلا اجزاء الماء متشابهة مع بعضها فأي استبدلات في موقع جزيئة الماء مع جزيئة ماء اخرى في صفها لا تؤثر على الانتظام).

الارتباط هو كذلك شيء مهم جدًا في الانتظام حيث إن كل انتظام يجب ان يكون سلسلة من الارتباطات التي تتفاعل لعمل شيء معين. ويجدر القول إن الاختلاف الاخر فيما بين النظام والانتظام هو في هذه النقطة الضرورية، فإن اجزاء النظام غير ضروري لها ان تكون مرتبطة ببعضها ولا أن تختلف عن بعضها، لكن في الانتظام يُفرض ذلك الارتباط وذلك الاختلاف.

الانتظام بحد ذاته لا يعد ذات اهمية وفائدة لان اجزاءه اصغر من ان تهتم لانتظامه (جزيئة واحدة من السلسلة لا تعلم حتى كيف تستفاد من هذا الانتظام)، لهذا السبب على الارجح يتواجد في الطبيعة قارئ لذلك الانتظام وعادةً نظام منتظم يكون جزء من نظام اخر الذي يكون اكبر منه ليقرأ تسلسله ويستفاد منه. لكن هل هذا يعطينا قانونا صارما وقولا جازما بأن الانظمة المنتظمة تحتاج الى نظام قارئ اكبر منها لكي تتواجد وتستفاد؟ ربما ستترك الاجابة على هذا السؤال أعظم أثرًا في علومنا لو استطعنا ايجادها.

يمكن لنظام واحد ان يخلق انتظاما متسلسلا وذلك من خلال وجوده من عدم وجوده، ومن امثلة الشهيرة على هذا النظام هي نظام الالكترونيات التي تعمل بالصفر والواحد (اما الدائرة الكهربائية مفتوحة او مغلقة).

يعتمد النظام المنتظم على تسلسل الزمان او المكان او كليهما معًا، المقصود بالزمان هو تغييرات في داخل معلومات النظام التي تبين من خلال تغيراتها مختلف الاشارات. مثلًا إن الدنا الوراثية هي نظام متسلسل بالمكان وثابت بالزمان؛ اي ان النيوكلويتيدات الفردية تبقى معلومات التي في داخلها ثابتة لكن النيوكلوتيدات الاخرى التي ترتبط في مكان حواليها هي التي تجعل نظام الدنا منتظما في المكان دون الزمان (ويجب المعرفة ان النيوكلويتديات التي ترتبط بهذا النيوكليوتيد تكون نسخ متحورة منها. فمجرد تغير بسيط في نظام نيوكليوتيد الذي يجعله بشكل اخر يستقبله القارئ كجزيء اخر. وهذا يعطينا فكرة عما اذا كانت اجزاء نظام منتظم بالمكان تتشابه جدا مع بعضها، لعل ذلك يساعدها في بقاء اجزاء المرتبطة من الانظمة المنتظمة ثابتة والتغيير الوحيد هي جزء واحد فقط؛ اي لو كانت جميع اجزاء نيوكليوتيد متغيرة وغير متشابهة بشيء مع بقية النيوكليوتيدات في حواليها لما قدرت اولا على التعرف ببعضها بشيء وثانيا لما ارتبطت بها ربما وثالثا حتى لو كان هناك نظام اخر مستقل يعمل كقاعدة لربط النيوكليوتيدين المختلفين جدًا معًا لما كانت هناك اجزاء متشابهة بين النيوكليوتيدين ليستجيبان لهذا النظام المستقل الا لو كان داخل هذا النظام المستقل جزءان احداهما يستجيب لجزء من نيوكليوتيد الاول والثاني لجزء من نيكلويتويد الثاني لكن مع ذلك نرى ان اختلاف بسيط خير من الاختلاف الجذري بين النيوكليوتيدات).

اما النظام المنتظم المتغير بزمان فعادة لا يحتاج ان يكون سلسلة من الانظمة المرتبطة بها حواليها بل تستطيع ان تنجز الانتظام عن طريق تغيرات في داخلها (تغيير جزء واحد من نظامها او عدة اجزاء). وهذه التغيرات التي يجب ان تتبين في هيئتها الخارجية المتصلة مع النظام القارئ سوف تعطي انتظاما معينا مع مرور الزمن عليها. والمثال الابسط عليه هو كيبل واحد ناقل لشفرات مورس: فهذا النظام عن طريق تغيرات في التيار الكهربائي يعطي مع مرور زمن رسالة معينة او معلومة معينة على عكس الانظمة التي تحمل كل الرسالة في نفسٍ واحد (يجب عليك الانتظار لاستقبال كامل الرسالة).

ايهما احسان، المنتظم مكانيا ام زمانيا؟ لقول حقيقة، كلهما افضل لكن الامر يعتمد على البيئة والظروف التي تُفضل الاول على الاخر. بالطبع النظام المنتظم زمانيا سوف تستغرق طاقة اقل ومساحة اقل الا ان عطلات نظامها تكون كثيرة ومعقدة وبطئه هو مشكلة اخرى فيه، اما النظام المنتظم مكانيا فيستغرق طاقة اكبر ومساحة اعظم.

كلما كان اجزاء الانتظام كثيرة وطويلة السلسلة، كلما كان اكثر حساسية للتغيرات. لكن هذا ليس صحيحا بالكامل فان الانتظامات التي تكون اجزاءها قليلة جدا يكون فناءها كثيرة جدا لانه لو تغيرت جزء واحد منها سوف تفقد الكثير من هيئتها على عكس انظمة كثيرة الاجزاء وطويلة السلسلة التي اذا فقدت جزء بسيط منها لا تتغير الكثير من هيئتها و وجودها (المثال هو بين الانسان والبكتريا، الانسان الذي يمتلك سلسلة طويلة جدا من الانتظامات والذي يتحمل اخطاء كثيرة في نظامه على عكس البكتريا آلتي تنشل لو تغير جزء بسيط من انتظامه). بالرغم من ذلك فان الانتظام الكبير معرض اكثر للتغير بسبب اجزاءه الكثيرة (افتراضا لو وضعنا الانتظام الكبير والصغير في نفس البيئة)، وكذلك تكون استنساخ الانتظام الكبير والحفاظ عليه مكلفًا وبطيئا. البيئة التي فيها تغيرات متعددة وكثيرة تكون الانتظام الصغير سائد فيها اكثر لانها تكلف اقل للبقاء في هذه البيئة من الانتظام الكبير وكذلك هي مثالية في ذلك البيئة، اما البيئة التي فيها تغيرات كثيرة فإن الانتظام الكبير تستفاد اكثر من البقاء من الانتظامات الصغيرة لانها يمكنها ان تتحمل اخطاء عديدة من تغيرات البيئة، لذلك نرى ان الغابات تكثر فيها الحشرات والفايروسات والبكتريا عديدة اكثر من الحيوانات الكبيرة.

دراسة نظام منتظم مفيدة لفهمنا اكثر لسر الحياة والكائنات الحية بالاضافة الى التنظيمات الاخرى في الكون، لأن الحياة بنفسها هي عبارة عن نظام منتظم.

 

محمد كريم

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5615 المصادف: 2022-01-19 02:55:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5741 المصادف: الاربعاء 25 - 05 - 2022م