 مقاربات فنية وحضارية

4014 faik al aboudiإن ﺃﻫﻡ ﻣﺎ ﻳﻣﻳﺯ ﺗﺟﺭﺑﺔ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﺍﻟﺗﺷﻛﻳﻠﻲ ﺍﻟﻌﺭﺍﻗﻲ ﺍﻟﻣﻐﺗﺭﺏ ﻓﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻐﻭﺭ ﻓﻲ ﺍﻷﺳﻠﻭﺏ ﺍﻟﺗﺟﺭﻳﺩﻱ ﺍﻟﻣﺷﺑﻊ ﺑﺭﻣﺯﻳﺔ ﻋﺎﻟﻳﺔ ﻟﻠﻣﻭﺿﻭﻋﺎﺕ ﺍﻟﻣﺗﻧﺎﻭﻟﺔ، ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺭﻏﻡ ﻣﻥ ﺳﻧﻭﺍﺕ ﺍﻏﺗﺭﺍﺑﻪ ﻓﻲ ﺑﻠﺩﺍﻥ ﺍﻭﺭﻭﺑﺎ، ﺍﻻّ ﺍﻧﻪ ﻻ ﻳﻧﻔﺻﻝ ﻋﻥ ﻛﻳﻧﻭﻧﺗﻪ ﺍﻟﺷﺭﻗﻳﺔ ﺍﻟﻌﺭﺍﻗﻳﺔ ﺍﻟﻣﺗﺟﺫﺭﺓ ﻓﻲ ﺃﻋﻣﺎﻟﻪ، ﻓﻣﻬﻣﺎ ﺗﻌﺩﺩﺕ ﺭﺅﺁﻩ ﻭﺛﻘﺎﻓﺗﻪ ﻭﻟﻐﺗﻪ، ﺍﻻّ ﺍﻧﻪ ﻳﻁﺭﺡ ﻣﺷﺭﻭﻋﻪ ﺍﻟﻔﻧﻲ ﻭﺍﻟﺟﻣﺎﻟﻲ ﺑﺫﺍﺋﻘﺔ ﺗﺷﻛﻳﻠﻳﺔ ﻟﻬﺎ ﻓﻠﺳﻔﺗﻬﺎ ﺍﻟﺧﺎﺻﺔ، ﻭﻟﻌﻝ ﻫﺫﺍ ﺍﻷﺳﻠﻭﺏ ﻳﻌﺑﺭ ﻋﻥ ﻣﻘﻭﻟﺔ

ﻛﺑﺎﺭ ﺍﻟﻧﻘﺎﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻥ (ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻥ ﺍﻟﺗﺷﻛﻳﻠﻲ ﺍﻟﻌﺭﺍﻗﻲ ﺣﺎﺿﺭ ﻓﻲ ﻛﻝ ﺑﻠﺩﺍﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﺑﻣﻧﺟﺯﻩ ﻭﺣﺿﻭﺭ ﻭﻣﺷﺎﺭﻛﺎﺗﻪ ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﺔ)، ﻭﻻ ﺿﻳﺭ ﻓﻲ ﺫﻟﻙ ﺣﻳﻥ ﻓﻬﻡ (ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ) ﻓﻛﺭﺓ ﺍﻟﺣﺿﻭﺭ ﻫﺫﻩ ﺑﻭﻋﻲ ﻣﺿﺎﻑ ﺍﻟﻰ ﻣﺎ ﺗﻣﺗﻌﺕ ﻋﻳﻧﺎﻩ ﻓﻲ ﺯﻭﺍﻳﺎ ﺟﻣﺎﻟﻳﺔ ﺍﺧﺭﻯ..

ﻓﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ ﻓﻲ ﻛﻝ ﺗﺟﺎﺭﺑﻪ ﻧﺟﺩﻩ ﻳﻌﺎﺻﺭ ﺗﺣﻭﻻﺕ ﺍﻟﻣﺭﺣﻠﺔ ﺍﻟﺗﻲ ﻧﺷﺎﻫﺩ ﻣﻥ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻋﺎﻟﻡ ﺍﻟﻠﻭﺣﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﺍﻟﻣﻌﺎﺵ ﺑﺩﻗﺎﺋﻖ ﺍﻷﺧﺗﻳﺎﺭﺍﺕ (ﺍﻟﺛﻳﻣﻳﺔ) ﺍﻟﻣﻌﺑﺭﺓ ﻋﻥ ﻭﺍﻗﻊ ﻭﺣﺿﺎﺭﺓ ﻭﺭﻣﻭﺯ، ﻭﻣﺎ ﺍﻟﻰ ﺫﻟﻙ ﻣﻥ ﺗﻔﺎﺻﻳﻝ ﺗﺗﻣﺣﻭﺭ ﺣﻭﻝ ﻗﺑﻭﻝ ﺍﻵﺧﺭ ﻓﻲ ﺗﻠﻘﻳﻬﺎ، ﻭﻣﻥ ﺧﻼﻝ ﺗﻔﺣﺻﻲ ﺍﻟﺩﻗﻳﻖ ﻷﻋﻣﺎﻟﻪ، ﻧﻠﻣﺱ ﻭﺑﺩﻗﺔ ﻛﻳﻔﻳﺔ ﺍﺷﺗﻐﺎﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﺛﻳﻣﺎﺕ ﺍﻟﻭﺟﻪ ﻭﺍﻟﺷﺑﺎﺑﻳﻙ ﻭﺍﻷﻗﺑﻳﺔ ﻭﺍﻷﺑﻭﺍﺏ ﻭﺍﻟﻣﺭﺑﻌﺎﺕ ﺍﻟﺗﻲ ﺗﺭﻣﺯ ﺍﻟﻰ ﺑﻌﺩ ﻋﺭﻓﺎﻧﻲ، ﺑﺎﻷﺿﺎﻓﺔ ﺍﻟﻰ ﺍﺳﺗﺧﺩﺍﻣﻪ ﺍﻟﻰ ﺍﻷﺣﺭﻑ ﺍﻟﺗﻲ ﻣﻥ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻳﻣﺳﻙ ﺑﺎﺣﺳﺎﺳﻪ ﻏﻳﺭ ﺍﻟﻣﺑﺎﺷﺭ ﺑﻌﺭﻭﺑﺗﻪ، ﻛﻠّﻬﺎ ﻛﺎﻧﺕ ﻣﺷﺎﺭﻳﻊ ﺟﻣﺎﻟﻳﺔ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻷﻧﺿﺑﺎﻁ ﻛﻔﻧﺎﻥ ﻣﺣﺗﺭﻑ..

ﻭﻟﻡ ﺗﻛﻥ ﺍﺳﺗﺧﺩﺍﻣﺎﺗﻪ ﺍﻟﻠّﻭﻧﻳﺔ ﺳﻭﻯ ﻟﻌﺑﺔ ﻣﺎﺯﺟﺕ ﺑﻳﻥ ﻭﺣﺩﺓ ﺍﻟﻣﺿﻣﻭﻥ (ﺍﻟﻔﻛﺭﺓ) ﻭﺍﻟﻣﺗﺧﻳﻝ ﺍﻟﺷﻛﻠﻲ، ﻓﻣﺎ ﻛﺎﻧﺕ ﻁﺭﻳﻘﺔ (ﺍﻟﻛﻭﻧﺗﺭﺍﺳﺕ)، ﻭﻭﺟﻭﺩ ﺃﻟﻭﺍﻥ ﺣﺎﺭﺓ ﻭﻣﺿﻳﺋﺔ ﻭﻏﺎﻣﻘﺔ ﻓﻲ ﺩﺍﺧﻝ ﺍﻟﻠّﻭﺣﺔ ﺍﻟﻭﺍﺣﺩﺓ ﺳﻭﻯ ﺗﻧﺎﻏﻡ ﺷﻛﻠﻲ ﺍﻋﻁﻰ ﺑﻌﺩﺍً ﺟﻣﺎﻟﻳﺎً ﻫﺎﺋﻣﺎً، ﻭﻟﻡ ﻳﻛﻥ ﺍﻟﻣﻧﻅﻭﺭ ﻟﻠﺷﻛﻝ (ﺍﻟﻣﺗﺿﺎﺩ) ﺳﻭﻯ ﻣﻌﺎﺩﻟﺔ ﺷﻛﻠﻳﺔ ﻣﺗﻭﺍﺯﻧﺔ، ﻭﻟﻌﻝ ﺃﻫﻡ ﻣﺎ ﺍﻧﺗﺑﻪ ﺇﻟﻳﻪ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﻓﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ، ﺍﻥ ﺍﻟﺑﻳﺋﺔ ﻭﺗﻔﺎﺻﻳﻝ ﻭﺍﻗﻌﻪ ﺍﻷﻭﻝ ﻭﻣﺎ ﻳﺣﻣﻠﻪ ﺑﻠﺩﻩ ﻣﻥ ﺃﻋﺭﺍﻑ ﻭﺗﻘﺎﻟﻳﺩ ﻭﺣﺿﺎﺭﺓ ﺃﻡ، ﻫﻲ ﺍﻟﻔﻳﺻﻝ ﺍﻟﺫﻱ ﺟﻌﻝ ﻣﻧﻪ ﻳﻛﻣﻝ ﻣﺷﻭﺍﺭﻩ ﺍﻟﺟﻣﺎﻟﻲ ﻓﻲ ﺑﻳﺋﺔ ﺃﺧﺭﻯ، ﻭﻫﻲ ﺳﻣﺔ ﺗﺣﺳﺏ ﻟﻪ، ﻣﺛﻝ ﺍﻟﻛﺛﻳﺭ ﻣﻥ ﺍﻟﻔﻧﺎﻧﻳﻥ ﺍﻟﺫﻳﻥ ﻏﺎﺩﺭﻭﺍ ﺍﻟﺑﻠﺩ ﻭﺍﻗﺎﻣﻭﺍ ﻣﺷﺎﺭﻳﻌﻬﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺭﺙ ﺍﻷﻭﻝ ﻟﻬﻡ، ﻭﻫﻭ ﺃﺭﺙ ﻛﺑﻳﺭ ﻭﺣﺎﺿﺭ ﻓﻲ ﻛﻝ ﺍﻷﺟﻳﺎﻝ ﻭﻓﻲ ﻛﻝ ﺍﻷﺯﻣﺎﻥ..4016 faikalaboudi4

ﺍﺳﺗﻌﺎﺩﺓ ﺍﻟﺭﻣﺯ ﺍﻟﺷﺭﻗﻲ / ﺍﻟﺭﺍﻓﺩﻳﻧﻲ، ﻭﺍﻷﺷﺗﻐﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺩﺍﺕ ﻭﺣﻔﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺣﺱ ﺍﻟﺻﻭﻓﻲ ﻓﻲ ﺑﻌﺽ ﺍﻷﻋﻣﺎﻝ، ﻳﻭﻟﺩ ﺍﻧﻌﻁﺎﻓﺔ ﻛﺑﻳﺭﺓ ﻭﺑﺩﺭﺍﻳﺔ ﻣﻭﺿﻭﻋﻳﺔ ﺗﺣﻳﻝ ﺍﻟﻰ ﻣﺳﺎﺣﺎﺕ ﺍﻟﻔﻛﺭ ﺍﻟﺗﺄﻣﻠﻲ، ﺑﻣﻌﻧﻰ ﺛ ّﻣﺔ ﺗﺷﻛﻼﺕ ﻭﺗﻛﻭﻳﻧﺎﺕ ﻟﻬﺎ ﺩﻻﻻﺕ ﻭﺍﺳﻌﺔ ﻭﺑﻌﻳﺩﺓ ﺇﻧﻁﻭﻯ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﻓﻲ ﺟﻌﻝ ﻟﻭﺣﺗﻪ ﺫﺍﺕ ﺃﺛﺭ ﻭﺍﺿﺢ ﻳﺗﻧﺎﻏﻡ ﻣﻊ ﺍﻷﺣﺳﺎﺱ ﻭﺍﻟﺷﻌﻭﺭ ﺑﺎﻷﺯﻣﻧﺔ ﻭﺑﺎﻟﻁﻘﻭﺱ ﻭﻫﺫﺍ ﺭﺃﻱ الناقد الراحل ﻋﺎﺩﻝ ﻛﺎﻣﻝ رحمه الله ﺃﻳﺿﺎ، ﻟﺫﺍ، ﺟﺎءﺕ ﺟﻣﻳﻊ ﺍﻟﺗﺟﺎﺭﺏ ﻣﻌﺑﺋﺔ ﻭﻣﻌﻣﻘﺔ ﺑﺎﻟﺧﻳﻭﻁ ﺍﻟﻣﻣﺗﺩﺓ ﺑﺎﻷﺛﺭ ﺍﻟﻣﺳﺗﻌﺎﺩ، ﻭﺍﻷﺳﺗﻌﺎﺩﺓ ﻫﻧﺎ ﻟﻳﺳﺕ ﺑﻣﻔﻬﻭﻣﻬﺎ ﺍﻟﺣﺭﻓﻲ، ﺇﻧﻣﺎ ﺑﺎﻟﻁﺭﻳﻘﺔ ﺍﻟﺗﻲ ﻭﻅﻔﻬﺎ ﻟﻧﻔﺳﻪ، ﻭﺑﺎﻷﺳﻠﻭﺏ ﺍﻟﺫﻱ ﺍﺷﺗﻐﻝ ﻋﻠﻳﻪ، ﻭﻫﺫﺍ ﻣﺎ ﺟﻌﻝ ﺗﻔﺭﺩﻩ ﻭﺍﺿﺣﺎ، ﻭﻓﻲ ﺣﻘﻳﻘﺔ ﺍﻷﻣﺭ ﻫﻧﺎﻙ ﺍﻟﻌﺩﻳﺩ ﻣﻥ ﻓﻧﺎﻧﻲ ﺍﻟﻌﺭﺍﻕ ﺩﺧﻠﻭﺍ ﻫﺫﺍ ﺍﻷﺷﺗﻐﺎﻝ، ﻛﻝ ﻟﻪ ﻁﺭﻳﻘﺗﻪ ﺍﻟﺧﺎﺻﺔ، ﻟﻛﱠﻥ ﻓﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ، ﺁﺛﺭ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺳﻪ ﺃ ْﻥ ﻳﺻﻭﻍ ﻋﺎﻟﻣﻪ ﺍﻟﺗﺷﻛﻳﻠﻲ ﺑﻧﻔﺳﻪ..

ﺍﻟﻣﻠﻔﺕ ﻟﻠﻧﻅﺭ ﺍﻳﺿﺎ، ﺍﻟﺗﻧﻭﻉ ﺍﻟﺫﻱ ﺷﺎﻫﺩﻧﺎﻩ ﻓﻲ ﺃﻋﻣﺎﻟﻪ، ﻓﻣﻊ ﺭﺳﻭﻣﺎﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﻗﻁﻊ ﺍﻟﻘﻣﺎﺵ، ﻳﻧﺎﻅﺭ ﺫﻟﻙ ﺍﺷتغﺎﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﻗﻁﻊ ﺍﻟﺧﺷﺏ، ﻭﻫﺫﻩ ﺍﻟﻁﺭﻳﻘﺔ ﺗﺣﺗﺎﺝ ﺍﻟﻰ ﺗﻘﻧﻳﺔ ﺧﺎﺻﺔ، ﻟﻛﻥ ﻁﺭﻳﻘﺔ ﺍﻷﺩﺍء ﻭﺍﺳﺗﺧﺩﺍﻡ ﺍﻟﻠّﻭﻥ، ﺫﺍﺗﻬﺎ ﺍﻟﺗﻲ ﻋﺭﻑ ﻓﻳﻬﺎ ﻓﻲ ﺭﺳﻣﻪ ﻟﻠﻭﺣﺔ ﺍﻟﻘﻣﺎﺵ، ﺃﻋﻧﻲ ﻣﺎ ﺟﺎءﺕ ﺑﻪ ﺛﻳﻣﺔ ﺍﻟﻣﻭﺿﻭﻉ، ﻭﻓﻲ ﻛﻼ ﺍﻟﺣﺎﻟﺗﻳﻥ ﺑﺎﻧﺕ ﻫﻭﻳﺔ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﻭﺍﺧﺫﺕ ﻣﻛﺎﻧﻬﺎ ﺍﻟﻣﻌﻬﻭﺩ، ﻓﺎﻷﺳﻠﻭﺏ ﻫﻭ ﺫﺍﺗﻪ ﺍﻷﺳﻠﻭﺏ، ﺃﻭ ﻛﻣﺎ ﻳﻘﻭﻝ ﺍﻟﻔﻳﻠﺳﻭﻑ (ﺑﻭﻓﻭﻥ) (ﺍﻷﺳﻠﻭﺏ ﻫﻭ ﺍﻟﺭﺟﻝ)، ﻓﻛﺎﻧﺕ ﻫﻭﻳﺗﻪ ﻭﺍﺿﺣﺔ ﻭﺑﺎﺭﺯﺓ..

ﻭﻓﻲ ﺣﺩﻳﺙ ﻣﻊ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﻓﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ ﺍﻟﺫﻱ ﻳﺳﻛﻥ ﻓﻲ (ﺳﻭﻳﺳﺭﺍ)، ﺍﻭﺿﺢ ﺍﻥ ﺍﻟﺑﻠﺩ ﺍﻟﺫﻱ ﻳﺳﻛﻧﻪ ﻓﻳﻪ ﻫﺩﻭء ﻭﺳﻛﻳﻧﺔ ﻣﺎ ﻓﺗﺢ ﻣﺧﻳﻠﺗﻲ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﺳﺎﻙ ﺑﺎﻟﻌﺩﻳﺩ ﻣﻥ ﺍﻷﻓﻛﺎﺭ ﺍﻟﺗﻲ ﻧﻔﺫﺗﻬﺎ ﻭﺍﺷﺗﻐﻠﺕ ﻋﻠﻳﻬﺎ، ﻟﻛﻧﻲ ﺑﻘﻳﺕ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﺍﻟﻌﺭﺍﻗﻲ ﺍﻟﺫﻱ ﺗﺄﺳﺱ ﻋﻠﻰ ﺃﻳﺩﻱ ﻛﺑﺎﺭ ﺍﻟﻔﻧﺎﻧﻳﻥ ﺍﻟﻌﺭﺍﻗﻳﻳﻥ.. ﻭﻫﻲ ﻣﻳﺯﺓ ﺗﺣﺳﺏ ﻟﻪ ﻛﻭﻧﻪ ﺑﻘﻲ ﺇﺑﻥ ﺍﻟﺑﻳﺋﺔ ﺍﻟﺭﺍﻓﺩﻳﻧﻳﺔ، ﻣﻬﻣﺎ ﺗﻘﺎﺩﻣﺕ ﺳﻧﻲ ﺍﻟﻐﺭﺑﺔ، ﻭﻣﻊ ﻛﻝ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺗﺟﺎﺭﺏ ﺍﻟﺗﻲ ﺗﻛﻠﻠﺕ ﻓﻲ ﻣﻌﺎﺭﺽ ﺷﺧﺻﻳﺔ، ﻭﺍﺧﺭﻯ ﻋﺎﻣﺔ، ﻓﻬﻭ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺗﻌﺩﺍﺩ ﻷﻗﺎﻣﺔ ﻣﻌﺭﺽ ﺷﺧﺻﻲ ﻓﻲ ﺑﻠﺩ ﺃﻭﺭﻭﺑﻲ، ﻭﻳﺳﻌﻰ ﻷﻥ ﻳﺟﺩﺩ ﻣﺎ ﺟﺎء ﺑﻪ ﻣﻥ ﺃﻋﻣﺎﻝ ﺳﺎﺑﻘﺔ، ﻟﺫﺍ ﻓﻬﻭ ﻓﻲ ﺗﻭﺍﻅﺏ ﻣﺳﺗﻣﺭ ﻭﺍﺑﺩﺍﻉ ﺩﺍﺋﻡ..

***

زهير الجبوري

 

تملّكت حواسي نشوة ساحرة وأنا أهم الدخول منزل الفنان التشكيلي النحات صادق ربيع، مع سحر المكان والفضاءات المحيطة بالمنزل، ستظل البداية معلقة بدهشة التصميم، حين بدأت أنصت لأم ميادة (مي)، كريمة الشخصية الوطنية الشاعر محمد مهدي البصير،  تروي حكاية  طالب الهندسة المعمارية، الذي إختار بحثه للتخرج في تصميم بيت لفنان تشكيلي، تحديداً  لنحات، من المصادفة أن قطعة الأرض كانت جاهزة، فوضع الطالب خرائطه وتخطيطاته موضع التنفيذ، بتصميم باذخ الأناقة والجمال، في أواسط سبعينات القرن الماضي، ونجح بتفوق.

الفنان صادق ربيع سلك الطريق الصعب في الفن التشكيلي، لم يجد إلا النحت وسيلة تعبيرية لنوازعه الإنسانية، فإمتلك القدرة على إحياء مواد (الطين، الحجر، الحديد، الخشب) لتصبح رموزاً حية نابضة، إستطاع أن يكتشف في هذه الخامات تعبيريتها الجمالية، كما تمكن من إنتزاع إعتراف بقدرته على إضفاء المرونة والحيوية فيها.3843 صادق ربيع

عن البدايات يتحدث: كنا أطفالاً في إحدى مدارس الإبتدائية في الكاظمية، كانت أيادينا الصغيرة تحفر في الطين، تصنع أشكالاً لا معنى لها، كان لتشجيع معلم الرسم أثر في توجيهنا، فبدأنا نرسم بطريقة المربعات بعض الوجوه والمناظر الطبيعية، بما يجسد إنشغالاتنا الطفولية، التي تثير فرحنا من الأعماق، ونشارك في معارض المدارس، ثم بدأت الخطوط تزداد عمقاً كلما مرّت الأعوام، كما لو كانت من صنع فنان محترف، تشبّعت عينا الطفل بجمال الطبيعة، وغرست هذه الفترة في نفسه حب الجمال.

غير أن أفق البيت والمدرسة سيتسع كثيراً كلما تقدم الزمن، حتى الدراسة في معهد الفنون الجميلة عام 56-57، بعد إجتيازه إمتحان القبول بتفوق، فتعلم على يد أستاذه جواد سليم، نهل من إبداعه، مع عدد من زملائه (محمد مهر الدين، رافع الناصري، طارق إبراهيم، عبد الرحمن الربيعي)، ثم وجّهه بذات الوقت للدراسة في القسم المسائي من المعهد لتخصصه بفن النحت، بعد أن وجد له ميله الخاص، تلقى الفكرة بحماس، فأتاح له أستاذه كل إمكانات العمل والتجريب، كما وجدها فرصة جيدة ليلتقي بزملاء أخرين منهم كان طالب مكي، عبد الرحيم الوكيل، نداء كاظم، عيدان الشيخلي، عبد الجبار البناء، فخري رشيد، عبد الرحمن الگيلاني.3844 صادق ربيع

تلك كانت النفحة الأولى المفعمة بالتداعيات والذكريات التي نسجت تجربة صادق ربيع، حددت إتجاهاته، وأسلوبه، بعد أن نضج وعيه، وتمكنه من أدواته، بدخوله الفن من أوسع أبوابه، ليلتحق بزمالة دراسية في أكاديمية الفنون في روما، فإنتسب إلى النحت، دون أن يحصر همّه في الخضوع لظواهر الأشياء، ولا لكلياتها، فأبدع ورفض الدخول في أسر النماذج، ظل كذلك يطاول بجهد الباحثين عن الحلول لمعضلات المادة، ومعالجاته الإنسانية، شاعراً بأنه سيظل على الطريق، الطريق ذاته، المنقذ، المهلك في آن واحد.

يستيقظ (العراق)، ليتأمله من جديد في زحمة الحياة في روما، من بعيد إلى ذاك الإنشداد للطين الرافديني في أعماق لا وعيه، يأخذه للعمل  الذي بدأ جواد سليم بتنفيذه في فلورنسا، كان جواد بحاجة إلى من يعاونه في العمل من الطلبة العراقيين في المعاهد الفنية الإيطالية، لإكمال نصب الحرية، فعرض الفكرة على تلميذه، كانت فرصة مذهلة أن يكون مشاركاً لأستاذه في ملحمته الخالدة، فأستأذن أستاذه في روما بالسماح له بالذهاب إلى فلورنسا إلى جانب جواد، مع محمد غني حكمت، أحد معاونيه، فضلاً ان الفرصة تشكل مورداً مالياً تعين الطلبة  في مواجهة أعباء العيش.

في أعمال صادق ربيع جرأة بالأداء، بأسلوبه المتميز مما أضاف تنوعاً أدائياً في المنحوتات، عن ظاهرة الإستلقاء، (الوضع الأفقي) في أغلب أعماله إذ تبدو الأشكال مطروحة مسترخية، مبتعداً عن الأشكال  الرشيقة، يقول  انها حالة تعبيرية عفوية تلتف برداء مشروعيتها الذاتية، تأتي من إجتهاداته ورؤاه، وفرادتها من حرية الفنان ذاته، لكن غالباً ما تكون أعماله موحية بجسد المرأة، وظاهرة الإستلقاء هي العلامة التي تميز إسلوب النحات هنري مور، فهناك تأثيرات واضحة له على أعمال صادق ربيع في التعامل مع الكتلة بعناصر النحت الصلب، واستخدام التكور والأشكال المقعرة والمحدبة، التي تتخللها التجاويف والفراغات، ان الإعتقاد بهذا التأثر لا يعني إملاءً على تجربة الفنان، ولا يعد قسراً على حريته في إتخاذ أسلوبه الخاص  والبحث عن لغته في التعبير، هو وحده الذي يدفع المتلقي إلى رؤيتها مكتملة الصفاء كوحدة مضيئة، يسميها النحات بالسر المغلق.3845 صادق ربيع

بورتريت لصادق ربيع / تخطيط جواد سليم 1960

لقد قطع ربيع شوطاً طويلاً بالنحت في حوار متصل مع الخامات وما لها من دلالات خاصة، ووظيفة تشكيلية، ليخضعها لتصوره الذهني للشكل، وما يمنحه الملمس من قيمة فنية، لاسيما في منحوتاته الخشبية والمرمرية، على العموم فأن الشكل يشغل الجانب الأكبر من فكر ربيع، ذلك في تقديري بسبب إنهماكه في التجريب، ساعياً إلى التجديد.

إن تنوع الحساسية في الفن، يمنحنا حق التأمل والإستذكار، كيف نضع إشتراطاتنا لفهم أعمال الفنان،  كان منجزه الفني قد بني على النحت في المرمر والبرونز،  فذلك يعني التعبير عن عالم مختزل حد التجريد الصافي، لاتوجد لدى النحات إجابات عن معنى أعماله، حين تسأله عن ذلك يجيبك بوضوح ان بيكاسو قال لأحد الصحفيين هل يجوز لنا أن نسأل البلبل ما معنى تغريداتك، رداً على سؤالي عن معنى إحدى لوحاته.

ليس هناك من فنان يؤلف مشهداً ينهمك في تقريبه من إفهامنا كإجابة على الأسئلة، إلا إذا كان عارفاً بأنه سيجابه بها، كان (لامبيدوزا) قد رأى الحياة ليست إلا كومة من رماد عظمى، يستلّ منها المرء بلا إحساس بالتعب، بعض الجمرات الذهبية من لحظات سعيدة.

ان الجوهر الخفي في أعمال صادق ربيع، هو مذاقها الإنساني الخصب، بإرتكاز جميع الكتل والحجوم والجماليات في بؤرة منيرة واحدة، هي فكرة الحياة المطلقة، الوجد بالحياة يقود النحات عبر مصغراته النحتية إلى العالم الأرحب، ثم يعود ثانية إلى نحتيات تتآلف فيها كل الأنغام المتعارضة لتصبح صوتاً واحداً يهتف بإسم الحياة، دفاعاً عنها، و تجسيداً لإيقاعاتها، أو رصداً لحركتها. في أعماله نوع من وحدة الوجود تتبعها فكرة العناق والتعالق، إمتداداً لها وتواصلاً،  بدفقها المستمر.

الكشف عن رؤية النحات للعالم، لا بد أن تلبي الدعوة الخفية في البحث عن المنحى الشخصي لحياته الفنية، لن يتيسر لنا ذلك إلا من خلال قراءة تاريخ الحركة الفنية ذاتها، حين برزت أعمال الفنانين العراقيين في مرحلة الرواد وما بعدها، أن دارس هذه المرحلة يمكنه تلمس المتغيرات الروحية والنفسية التي طرأت على الذات الفنية، فأحدثت في دواخلها ما يمكن أن يؤلف بوادر حركة فنية صاعدة، وتحولاً عميقاً في الرؤى والأساليب، ولعل أياً ما يقال عن إغترافات هؤلاء الفنانين من محيط الفن العالمي الحديث تكتسب مشروعيتها الذاتية في إقتحام عالم الخامات بالرمز والإثارة في مرحلة عاصفة من تاريخ الفن التشكيلي العراقي.

النحات كان واعياً لهذا الفيض الذي يستغرقه الشرقي في حالة الرجوع إلى التراث بإستلهاماته، ومنحه نفحة جديدة من نفحات العصر.

وهو ما حدا به إلى مغادرة سطوح التجريد، ودفعه إلى أحضان النستولوجيا، كمتنفس من ضغوط عديدة، بدأت من توجّه الفنان كلما أمسك بأزميله ليجرح قلب الحجر  تسيل منه الحقيقة التي تختفي في الأعماق.3846 صادق ربيع

المتأمل لأعمال صادق ربيع سوف يجد نفسه مشدوداً بقوة فعل دينامية إلى هذه التكوينات التي تحمل هذا الدفين المكنوز الممتد إلى مرحلة الملحمية في أعمال جواد، والرحال، فإستطاع أن يبدع من خلال إسلوبه الشخصي المميز، فشكل إضافة نوعية للنحت العراقي. بطاقة حيوية متناسقةضمن وظيفة الأصل .

صادق ربيع لا ينكر تأثره في فترة من حياته بنحاتين عالميين، أو عراقيين، إلا أنه مطمئن بعد تجربته الطويلة أنه وجد طريقه الخاص بأسلوبه المتفرد، حواره المتأمل مع الخامات المختلفة، جعله متأنياً في الإنتاج، لا يسعى إلى الأضواء، مكتفياً بما ينتج، وتلك حالة نادرة بين الفنانين، لكنها ظاهرة تستحق التوقف عنده، تأخذنا إلى الجانب الأخلاقي في هذه الشخصية المتواضعة، الممتلئة، في صوته الخافت، وما يعلنه وما يخفيه يسر الخاطر، رقّته وحدبه على أزهار حديقته، مشغله الذي يمور بالوجوه والحركة، مكتبته التي تزدحم بإسطوانات أشهر كلاسيكيات الموسيقى العالمية.

أعرف ان صادق ربيع بهدوئه العميق المتأمل، يصبح تجربة لابد من الوقوف عندها، والتعلم من حرفية النحت التي يتقنها، غير مهتم بما تمنحه له أعماله، يكفيه انه راضٍ عنها، مستمتع بها، يتسلل إليك بلغة شفافة صافية، لا يضيع المستمع معها لحظة واحدة، انه فنان متعدد المواهب، يقرأ ويغني، وعاشق للموسيقى العالمية، أجمل وأعذب ما يتحدث فيه، رؤيته الإنسانية، التي تنعكس في بناء أعماله، فهو يرى الناس والأشياء بطريقته الخاصة، فالحب والوطن والحرية، كلها معان تمتزج إمتزاجاً كاملاً ذات ملامح متشابهة، هذا الإمتزاج بين الكتل والمعاني يحدث بترتيب ونظام دقيق، فكل شيء في عقل صادق منظم ومحسوب، في عالم مشرق رغم إختلاط عناصره ورؤاه.

ولد النحات صادق ربيع عام 1935، عمل مدرساً لمادة النحت، في معهد الفنون وأكاديمية الفنون الجميلة، شارك في معارض فنية عديدة، كما نفذ العديد من النصب والجداريات.

***

جمال العتّابي  

خلال تاريخنا المعاصر رست صورة في اذهاننا على عائلتين عراقيتين، كان يتمتع افرادها بالاحساس الجمالي والانتماء الفني وهما عائلة الحاج سليم علي عبد القادر واولاده جواد ونزار ونزيهه وسعاد ورشاد.. والعائلة الثانية هي عائلة الالوسي والذي خرج كل افرادها من محبي ومتذوقي ومحترفي للفن والادب والشعر. شوكت الالوسي، ناطق الالوسي، نشأت الالوسي وطارق الآلوسي وغيرهم.. وكان هؤلاء قد اثروا واغنوا الساحة العراقية والعربية فنا وثقافة وعلما وادبا.. وليس غريبا ان تمتهن هذه العائلة حقل الفن التشكيلي لان اصولها متأتية من جذور كان اجدادهم قد برزوا في العلوم الدينية والمعرفية واللغة العربية واسسوا مدارس لذلك. ولازال قبر احد اجداهم مزارا في مدينة حديثة شيد عام 1589 وهو الشيخ عبد القادر الطيار. وهم من اسر الاشراف وحسنيين يعودون في اصولهم الى الرسول محمد –ص- وذكر الاستاذ محمد بهجة الاثري في كتابه اعلام العراق: (والالوسيون سادة اشراف محبكوا الاطراف وضعوا الى زينة النسب حلية الادب فتفيؤا في الشرف مكانا عليا..).

(ان فاتكم اصل امرئ ففعاله... تنبئكم عن اصله المتناهي)3719 شاكر الالوسي

شاكر الالوسي

هو شاكر توفيق شاكر الآلوسي بكلوريوس وماجستير من كلية الفنون الجميلة في بغداد واستاذا فيها ومحاضرا في عدة جامعات عراقية واجنبية، من مواليد 1962 (مدينة آلوس التابعة الى محافظة الانبار) - كانت اطروحته توضيف الفلكلور الشعبي في اللوحة التشكيلية المعاصرة في الوطن العربي – وقد اشتغل على هذا الموضوع عدة سنوات في مطلع التسعينات، واقام معرضا شخصيا له عام 2009 في كالري الاورفلي في عمان عنوانه- شرقيات -و اصدر كتابا عنوانه – امراءة من وادي الرافدين – اما اول معرض له فكان عام 1994 ثم توالت بعد ذلك المعارض الفنية الشخصية والمشتركة في داخل وخارج العراق.

الفلكلور الشعبي

يقول شاكر (هناك رغبة في استقصاء خلفيات التراث المؤثرة فينا من خلال الالوان والرموز والواقع المعاش في مراحل معينة).. ويقول المؤرخ والناقد جبرا ابراهيم جبرا (ان شاكر الفنان الذي جعل من خفايا التراث ظاهرا وما اغلق عليه في بيوت بغداد القديمة معروضا ومتاحا..).

رسم الكثير من الفنانيين العراقيين موضوع البغداديات سواء كان ذلك في النساء او الشناشيل او التقاليد البغدادية، منهم عدد من الرواد في مطلع الخمسينات، ولكن الريادة لا تعني بالظرورة الافضلية فهناك من الفنانين المعاصرين قد فاقوا الرواد في حسهم وخيالهم وابداعهم الفني، مثل شاكر الالوسي. حيث نرى مشاهد للنساء البغداديات وهن في دردشات وحوارات ونسمع انغام موسيقية وضرب الدفوف تنسجم مع انغام الالوان وايقاعات الخطوط العفوية. ونتخيل حركة المشهد ودوي الصحون والاكواب ودخان الناركينة.. وهي مشاهد توثيقية لحياة الطبقة المترفة البغدادية واللقاءات العائلية الخاصة وما يقدم فيها من تناول مختلف الاطعمة وكذلك بعض الاغاني الشعبية مثل (خدري الجاي خدريه اعيوني المن اخدره..).3720 شاكر الالوسي

و يذكر المحامي طارق حرب من ان الاميرات من نساء بغداد في العهد الملكي عادة ما يجتمعن ويقيمن الحفلات الخاصة واحيانا يغنن اناشيد الاطفال (شعر البنات وين اولي وين ابات، ابات بالدربونة، والهيشة ازغيرونة، عتوي لحك بزونة..). وهكذا كانت جلسات العوائل البغدادية الخاصة يسودها المرح والمسرة.. ونرى مع هذه الزينة للمراءة البغدادية جدائل رقيقة تنزل من رؤسهن وتسقط في احضان صدورهن وطوق يحبس الشعر كانه تاج على الراس، ورغم هذا المظهر الجمالي الجذاب الا اننا نرى صمت مطبق يخيم على وجوههن، وربما متأتي ذلك من التربية الدينية والحشمة التي كانت سائدة في البيوت البغدادية. بينما تصف احد الاجنبيات السائحات التي زارت بغداد والتقت مع حريم الباشوات من انهن ثرثارات ضاحكات مليئات بالمرح والمزاج الغريب ويخلون من الجمال ما عدا الافراط في الزينة من ملابس وحلي...

و قد رسم شاكر المرأة البغدادية بوقار وبصيص من مفاتن الجسد فلم يهتك ستر المرأة البغدادية بل اعطاها حرمتها وحشمتها وادرك ان الجمال ليس بالتعري وانما بالستر والوقار، حيث يجعل جمالها ملائكي روحي يتناسب مع التقاليد العراقية، فرسم العيون كبيرة الحجم تأخذ احيانا ثلاثة ارباع الوجه والفم صغيرا والحواجب مقوسة شديدة السواد والوجة مدور، وكلها عناصر متأتية من تأثيرات مدرسة بغداد والمنحوتات السومرية.

و تظهر في رسوم شاكر الكفوف والمعاصم مزينة باسوار من الذهب المطعم وعلى رقابهن قلائد تشبه قلائد وزينة ملكة شبعاد السومرية وفي ارجلهن الخلاخل(الحجول)التي تحدث خرخشة ورنة موسيقية عند حركة الارجل. وكأنه يجسد لنا قصيدة امرأ القيس،(تنعموا بالديباج والحلي والحلل... لها مقلة لو انها نظرت بها الى راهب قد صام وابتهل لاصبح مفتونا معني بحبها.... عراقية الاطراف رومية الكفل..) والاطراف العين الجميلة الساحرة التي ترمق بها الاخر من طرف (ان العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحينا قتلانا.../ جرير)، كما نرى وجوه نساء شاكر ساطعة كانها لؤلؤة افرطت من عقدها وتناثر فاضائت ما حولها.. 

و يذكر ان زبيدة زوجة هارون ارشيد هي اول من لبس الخلخال حيث كانت وفرة الذهب عندها بكميات كبيرة وهائلة جعلها تفكر بزينة الارجل وصناعة الخلخال، وهو عبارة عن طوق مفتوح له قفل احيانا مزين بحبات متنوعة ومختلفة من الاحجار الكريمة الثمينة وقطع الذهب على شكل عناقيد او شراشيب، وله رنه رومانسية عند حركة الارجل تسري الى القلوب. ونرى هذا الخلخال يطوق معظم ارجل نساء شاكر حيث يعبر عن رقة المراة وجمالها وسحرها..3723 شاكر الالوسي

التقنية في اعمال شاكر

لم تختلف تقنيات العمل الفني عند شاكر عن غيره من الرساميين الا في مسألة الخصوصية، فهو يستخدم الوان الكريلك والزيت والكولاج والقماش والورق وغيرها، وهذه المواد الخام نجدها مستخدمة وموجودة عند غالبية الفنانين منذ العصور القديمة.. واليوم اختلطت وانتشرت الاساليب والتقنيات في كل مكان واصبح للفن صفة عالمية. ولكن بقى عنصر الخصوصية قائما يميز كل فنان عن الاخر. مثلا كلنا يعرف ان بيكاسو وبراك وخوان غريس هم رواد المدرسة التكعيبية وفيها نرى تشابها في اعمالهم بحيث لو حذفت الاسم من اللوحة لصعب عليك نسبة اللوحة الى احدهم. وكذلك يسري ذلك على فن المنمنمات الاسلامية حيث تحتاج الى تعمق في الدراسة لنسبتها الى هذه المدرسة او تلك.

تمتاز اعمال شاكر باللون والخط، فاللون ياخذ نغم واحد يطغي على اللوحة، بمعنى انه يغطي سطح اللوحة على الاغلب بلون واحد ودرجاته، او بلونين ثم يبدأ يخطط اشكاله عليها بخطوط انطباعية لينة طروبة، ونشاهد الاشكال محددة بخط معين له ايقاع خاص اكثر امتاعا للبصر وجاذبية للروح وهو ايضا يذكرنا بالمدرسة الوحشية لماتيس 1905. ولم نجد او نشاهد في اعمال شاكر فراغا الا اللهم خلق انطباع بالفراغ من خلال حصر بعض الاشكال في ركن من مساحة اللوحة وترك الاخر بخطوط مبسطة عفوية خالية من الالوان.. كان الفراغ في الاسلام مكروها فجاءت واجهات المساجد مليئة بالخطوط والاشكال الزخرفية، وكان قصر الحمراء مليئا بالزخارف والخطوط العربية. ويذكر الدكتور زكي محمد حسن بان كراهية الفراغ في الفن الاسلامي متأتي من العقيدة الاسلامية. واليوم نجد عنصر الفراغ سمة من سمات الفن الحديث كما هو ظاهر في اعمال خوان ميرو وانتونيو تابيس وغيرهم من اصحاب المدرسة المفاهيمية. والخط كان من صفات الفنان الشرقي فهو يمكن ان يعبر عن الحركة والكتلة ويعبر عن الشكل باكثر جمالية روحية، ويمكن لنا ان تخيل الخط يرقص على سطح اللوحة ولكنه احساس وشعور يطلق عليه هربرت ريد بتسرب الانفعال، وفي الواقع ان الخط لا يرقص وانما نحن الذين نتخيل ذلك نتيجة الى قوة الاحساس والمشاعر التي تندمج مع روح الفنان في لقاء جمالي على سطح اللوحة.. (الارواح جنود مجندة منها ما ائتلف ومنها ما اختلف).

والملاحظ في اعمال شاكر ان الضوء يشكل عنصرا اساسيا في تجسيم الاشكال وانه يأتي من جميع الجهات او ينبعث من داخل الشكل وهو ظاهرة متغيرة وليس كما كان عند رسامي عصر النهضة وما بعدهم كما هو عند رمبرانت او كرافيجيو حيث يوجه الضوء على الشكل من جهة واحدة.. ويمكن الايحاء بالضوء من خلال استخدام الالوان الحارة والباردة النقية وتحديدها بالخط كما هو في اعمال تابيس.3722 شاكر الالوسي

الرومانسية

اما الرومانسية في اعمال شاكر فهي الجمال كله فالاجسام سائبة جميلة والخطوط طرية والرؤس منحنية ورقة الاجسام التي توحي بالحب والهدوء والسلام، وهو يذكرنا بلوحة ديلاكروا 1698 نساء جزائريات حيث رسمهن باسلوب رومانسي بملابسهن الزاهية البديعة وبالوان جذابة وجو يعكس كونهن اميرات عربيات. وهو ما نجده في اعمال شاكر ونسائه البغداديات.

والملاحظ ان شاكر الالوسي من اكثر الفنانين العراقيين خصوبة وغزارة في الانتاج وهو يتمتع بقدرة فنية هائلة ولم يتوقف عن ذلك ابدا الا في فتراة استراحة يفر بها الى رؤية اصدقاءة لاحتساء الشاي او القهوة او زيارة معرضا فنيا.. زرته في الفترة الاخيرة في عمان 2022 ووجدت بيته قد حوله الى متحف يضم اعمال كثير من الفنانيين العراقيين والعرب، كما وجدته مشغولا بمشروع معرضا فنيا جديدا، لا اريد التكلم عنه حتى ان يقيمه.

***

د. كاظم شمهود

الفن.. تلك الرحلة المحفوفة بالذات في تجلياتها وما يعتمل في شواسعها من هواجس وممكنات تذهب بالكينونة الى أقاصي الرحلة..ثمة سفر وذهاب مفتوحعلى العناصر والأشياء والتفاصيل في حيز من الرغبات وهي تستبطن نظرها العميق في حالة من الوجد وشاعرية التلقي والتأويل..

هكذا هي الفكرة الملونة تستدعي ما به ترمم الذات ما تداعى من تفاصيلها وتتيح للآخرين ما به تسعد اللغة والأحوال والصور بكثير من شجن وحنين وتأمل حيث النظر بعين القلب لا بعين الوجه ..

الفن هنا تلوين أحوال وباطن يتحرك مع كل ذهاب وكلما تعددت وتنوعت الأمكنة والأزمنة صار للروح ما به تحلق في سمو ونزوع للأعالي..الأعالي هنا كون من تجريدية الحال وفسحة تتلاطم فيها أمواج النظر والقراءة والتأويل وفق نشيد انساني قديم متجدد.

هكذا نلج عوالم فنان هام باللون خبأ سحر قوله في دواخله مكتفيا بالاحساس والنظر في حله وترحاله مشيرا للآفاق حيث الكائن الحالم المتألم المتحول المعبر الساكن المتحرك القلق الشغوف...التلوين عنده بهجة لا تضاهى وسعادة متخيرة حيث الأسى يبرز في الأحوال والجغرافيا..

تعددت حالاته التلوينية وهو يزين القماشة بكثير من تجريدية الألوان قولا بالغرام الدفين الذي سكنه وهو ينشغل عنه بالعمل وما تقتضيه مسؤولياته الديبلوماسية حيث كان في ذلك متعدد المدن والعواصم وهنا عبرت لوحاته الفنية عن هذا التعدد المكاني فلكل مدينة نورها ودرجة ألوانها وأحوالها التشكيلية ..

لوحاته كون من عبارات جامحة وقلقة قلق الانسان والمكان في عالم متحول أرهقه السؤال الدفين...سؤال الحلم هذا الذي حمل الفنانين منذ أزمنة بعيدة الى جزر اتلوين الخالص والبهاء التشكيلي النادر ..

نعني هنا الفنان التشكيلي لسعد المحيرصي الذي تخير ألوانه ورسوماته وتيماتها وهو يتنقل بين عواصم هذا العالم لشؤن ومقتضيات الدراسة ثم عمله الديبلوماسي فكانت لوحاته بمثابة صفحات من كتاب الرحلة الملونة التي اطلعنا على حيز هام منها لتبوح لنا بما يعتمل في عالم صاحبها من أمنيات وأحلام وأحاسيس وتفاعلات ..هي بالنهاية تفاعلات فنان تجاه أمكنة..و عوالم وبلدان تختلف أجواؤها لتلتقي في دروب الفن..تلك الدروب التي أدت الى أعمال هذا الفنان .

الفنان التشكيلي لسعد المحيرصي يستعد لمعرضه الشخصي بفضاء صوفونيبه بقرطاج حيث الافتتاح يوم الجمعة 27 ماي عند الساعة السادسة مساء  ليتواصل هذا النشاط الى غاية يوم 7جوان 2022 وذلك ضمن عنوان لافت هو " رؤى متعددة ".

الفنان لسعد محيرصي وكما يقدم نفسه هو رسام تونسي و دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون نوفيل باريس 3 و دبلوماسي محترف وسفير تونس السابق باليونان والمدير الحالي لأوروبا بوزارة الخارجية.سمحت له مسيرته الدبلوماسية بالعيش في عدة دول من بينها فرنسا والأرجنتين وإسبانيا والسنغال ولبنان واليونان.و منذ عام 1998 بدأ الرحلة مع عالم الرسم.أقيم معرضه الفردي الأول في اليونان في عام 2019 في معرض بلدية ليا في أثينا.و شارك في المعرض الجماعي الأول في تونس في مايو 2022 بدعوة من جمعية الفنانين المغاربيين.و هو في هذا المعرض بصوفونيبه يعرض بصورة فردية 40 عملاً تجريديًا تغطي العديد من الأساليب والجوانب المتعددة بالنظر لرؤيته الخاصة للفن والتي من خلالها ينتصر الخيال.له كتاب بعنوان "تونس - إسبانيا من قرطاج إلى يومنا هذا" صدر عن دار الصدر في بيروت عام 2012.و هو حاصل على وسام الصليب الأكبر من وسام العنقاء للجمهورية اليونانية في عام 2021.

هكذا هي رحلته الفنية التي انتقل فيها بعد تجارب متعددة في الأساليب والنظر الفني الى عالم التجريد الذي رآه ساحرا وقابلا لقراءات متعددة و"...لطالما كان الرسم بالنسبة له مرادفًا لمتعة العيش في عمل يكاد يكون مفعما بالمتعة. إنه هذا العرض حيث تكون اللحظات الممتعة باهتة...تحوي لوحاته ألوانا شفافة وخطوطا تتقاطع حيث القماشة كون احساس وحركة وعبارات ضاجة بالمعاني المختلفة .. هذه الرغبة في بحث مفتوح عن الجمال، حيث فضاء اللوحة بستان من التشكيل فيه موسيقى وأشكال ناعمة وحادة في ذات الآن وفق ايقاع تلويني ينزع نحو عوالم من الجماليات التي يرنو اليه لسعد المحيرصي وهو يصغي للطفل الكامن فيه والذي يلون بدلا منه الأمكنة ليسعد بالنهاية في تحويل العالم الى علبة تلوين...اللوحة عنده عالمه المدهش المفعم بالغموض الذي يشمل الفضاء الحقيقي والفضاء "الافتراضي" إلى حد ما وكما رسمته الأنسجة المعروضة على خلفية بيضاء، مرايا متناقضة مع الأعماق الحقيقية والخادعة.و بحثًا عن نهجه الفني الخاص، يبني لسعد محيرصي الواقع  الذي يدركه بطريقته الخاصة بعد أن تشرب من أكثر الحركات الفنية تنوعًا من الانطباعية، والسريالية، ...هو يسعى من خلال عالمه هذا الى التعبير ضمن الرسم التجريدي بما هو كون دقيق وفيه تدفق للعواطف، واندفاع من العفوية الخالصة، وهروب إلى عالم رمزي مفعم بالحيوية.و هو  يلعب ويتلاعب بالألوان والنغمات والاهتزازات ..".

هي رؤى الفنان المتعددة داخل فكرة الرسم والتلوين لدى الفنان التشكيلي لسعد المحيرصي التي يقترحها على جمهور الفن ورواد فضاء صوفونيبة وأحباء الفن التشكيلي في هذا المعرض الشخصي الذي ينطلق مساء يوم الجمعة 27 ماي الجاري ليتواصل الى غاية.

***

شمس الدين العوني

 

عندما اتخذ الملك سرجون الثاني 722 . 705 ق م دور شروكيم عاصمة له والتي تقع على بعد حوالي 12 كم عن نينوى كان لا يثق كثيرا قي حراس المدينة من الرجال ولهذا ظهرة قكرة الثيران المجنحة لتكون المدينة محروسة من قبل الالهه المتمثلة بالثيران الاسطورية المجنحة ولطرد الشر والحسد يضاف الى ذلك فانها تمثل زينة للمدينة وابهه وشموخا ملوكيا عاليا، وقد نصبها الملك على ابواب المدينة .

من المؤكد ان الفنان النحات الاشوري قد عانى الويلات والصعوبات من نقل الحجر من الجبال الى ورشة العمل وان ذلك استغرق وقتا طويلا حيث تزن كل واحدة منها عشرات الاطنان وربما استخدم طريقة التدحرج في نقلها او طريقة السحب او الجر بواسطة البغال والثيران ..

وهو يذكرنا بالنحات مايكل انجلو حيث يذهب مع عماله الى الجبال ويختار الحجر المناسب ويقطعه ثم ينقله الى ورشة عمله . وهنا تتم دراسة العمل والموضوع وتصوره له . ويذكر ان مايكل كان ينظر الى كتلة الحجر ويتخيل او يتصور الشكل الذي يريده في داخلها كاملا وجاهزة فما عليه الا ان يزيل القشرة التي تحيط به، وهكذا كانت قوة وعظمة مخيلة مايكل انجلو .3699 الثور المجنح

الفنان الاشوري كانت عنده الفكرة جاهزة ومطبوخة حيث استعار مفردات عمله من الطبيعة ومزجها بمعتقداته الدينية فصور شكل مركب من جسم ثور وراس انسان وجناح نسر طائر، فالثور يرمز الى الخصب والنسر الى السماء ورأس الانسان الى الالهه، وبالتالي العمل يرمز الى ان الانسان سيد المخلوقات .

نرى طريقة العمل لا تختلف عن طريقة النحات المعاصر من ناحية استخدام الازميل والمطارق ومعالجات الكتلة بالحفر والنقش وازالة الحجر لاخراج صورة التمثال التي في ذهن الفنان . لكن الاختلاف يكمن في الصبر والوقت الطويل الذي يستغرقه العمل عند الفنان القديم، بينما نجد فنان اليوم قد استخدم الماكنة بالاضافة الى الادوات التقليدية والتي قصرت من نسب الوقت واسرعت في انجاز العمل .3700 الثور المجنح

قدم الفنان في عمل الثور الاسطوري المجنح معالجات متباينة من تعقيدات وتبسيطات فالاجنحة منفذة بزخرفة عالية الدقة والتناسق والوجه معبر بعيون واسعة وانف مقوس ولحية كثيفة مزخرفة وعلى رأسه تاج محاط بثلاثة قرون او قرنين ترمز للالهه، وهي تشبه القرون التي تحيط بتاج اله الشمس قي مسلة حمورابي . اما حركة الرجلين الخمسة فهي تذكرنا بالمدرسة المستقبلية التي ظهرت في بداية القرن العشرين 1909 على يد الاديب والفنان الايطالي فيليبو مارينيني، حيث من فلسفتها ان كل شيئ في الكون فيه طاقة حركية مستمرة . وحركة ارجل الثور تشعرنا باستمرار ايقاع الحركة .3701 الثور المجنح

وقد عاصر الفنان الاشوري الفن الاغريقي وبنفس المعتقدات الوثنية والاسطورية الا ان الفلاسفة الاغريقيين وضعوا مقاييس محددة للجمال والشكل وانهم فاقوا غيرهم في تمثيل الطبيعة والانسان، ويذكر ان احد الرسامين رسم حصان الاسكندر المقدوني، فلما اقترب الاسكندر بحصانه الى اللوحة، صهل الحصان، وكأنه عرف صورته من شدة الشبه والتمثيل .3702 الثور المجنح

و كان الفنان الاشوري كأنه اراد في عمله هذا ان يسجل تحديا كبيرا في اسطورية الشكل تضاف الى اسطورة الفكرة، واراد ان يخلد عمله كما هو عند بنائي الاهرامات والزقورات، كما ان الملوك كانوا يبحثون عن الخلود من خلال بناء الصروح العملاقة التي تشير الى حكمهم وحياتهم . وقد استطاع الفنان الاشوري من تجسيد القيم الجمالية في منحوتاته البارزة والمزخرفة والدقة والخيال الاسطوري الواسع . وكانت منحوتات الثيران المجنحة نفذت بطريقة النحت البارز، وهي طريقة كانت معمول بها في الفترة الحوثية في القرن الرابع عشر ق، م . وهي مسنودة على جدار مما يوفر لها الحماية وعدم السقوط ... وكانت غالبية القصور الاشورية مزينة بالمنحوتات البارزة على شكل افاريز تحيط بها الكتابات المسمارية، وقد اخذت اشكالا طبيعية في نسبها وتفاصيل الاجسام،،ويظهر الجسم بكل روعته والملك بجسمه الطبيعي وليس ضخما كما يفعل في السابق، وغالبا ما يظهر الفنان الاشوري تنوعا في اشكاله وموضوعاته، وقد حلت مواضيع الاحتفال بالانتصارات محل الماضيع التاريخية ... وكانت الدولة الاشورية دولة عسكرية انشغلت طيلة حياتها بالحروب والفتوحات، وكانت اكثر علمانية من سابقيها واكثر بعدا عن التقاليد الدينية القديمة .3703 الثور المجنح

في احد المنشورات الاخيرة قرأت بان البعثات الاجنبية التي كانت تنقب في العراق في منتصف القرن التاسع عشر عثرت على منحوتات ضخمة الحجم والوزن وكان من الصعب عليهم نقلها الى بلدانهم بسهولة في ذلك الوقت؟ فدفنوها تحت التراب، والان وبعد مرور اكثر من 150 سنة عادوا بخرائطهم وحفروا ما اخفوه ونقلوه الى بلدانهم ؟ . الله لك يا عراق .

***

د. كاظم شمهود

 

ما الفن.. ما اللغة.. وما الكلمات.. من أين تأتي الألوان حاملة شجنها ومواويلها.. ومن أي الدروب تجيئ الحروف وهي ترقص ترقص ترقص.. مثل زنجي قديم.. هكذا تقف الذات الحائرة مثقلة بالأسئلة لا تلوي على غير القول بالجمال تبثه في الجهات..

ثمة نشيد قديم وبهاء وأصوات كلما سافر القلب في الحرف يستكشف خباياه يعلي من شأن الروح في لهوها الجميل.. لهو الطفولة اليانعة تجاه الحرف.. الحرف المليء بالأسرار..

نعم هكذا نمضي في عوالم تجربة فيها الكثير من الحب والسفر والفن.. والأسئلة أيضا حيث الفنان المقيم في الحلم.. في مساحات من سحر الأمكنة.. وهل ثمة أمكنة غير تلك التي تحضن الأسرار والعلامات.

ولع بالفن وله حب جنوني للحرف تشكيلا وروحا وحياة.. وللشعر كوعاء للحروف تبدي ما علق بدواخلها من معان.. وحكايات.. وأسرار.

الفنان الحروفي التشكيلي عبد الرزاق حمودة المقيم بين تونس وسويسرا ظل على عناقه القديم للحرف يستمتع بممكناته الجمالية ويحصي موسيقاه ويتأمل ما ينسكب منه من معارف وآداب وفنون وثقافات.. وحضارة بالنهاية..

مسيرة مميزة في عشق الحرف وتثبيت ما بدا من فنة الحروف على البياض.. بألوانه المميزة والخلابة وبأقلامه من قصب الروح وغيرها.. بأدواته التي تعز عليه في هذه الدنيا.. يسكب أشياءه الجميلة لتتحول اللوحات والاعمال الى ما يشبه السير والملاحم..

فنان حالم ومتحرك وله حضوره الأنيق.. معارضه ومشاركاته تعددت في عديد المدن والعواصم من العالم.. احدث حراكا فنيا جماليا من خلال نشاط جمعيته وملتقاها النيابوليسي الدولي.. فضلا عن مبادراته الثقافية ومنها ما تم خلال شهر رمضان من لقاءات بين الفنانين حيث الفن والمحبة والسلام عناوين لافتة.

تجربة مميزة وحالة ابداعية في مسارات الخط والحروفية.. وحنين للقصائد والشعراء.. ومن ذلك ما حبره فنا على سبيل العرفان تجاه الشاعر الراحل نزار.. طبعا نزار العرب.. نزار قباني.. ".. تحية الى روحك صديقي نزار.كان لنا زمن جميل وسهرات لن أنساها في جنيف.أشعارك رافقتني منذ مراهقتي، واشعارك السياسية دعمت فني وخيالك مطبوع في لوحاتي ومرسمي ورفوف مكتبتي.لقد اخافتهم أشعارك.. لقد قتلوا القصيدة.. لقد دخلت التاريخ من بابه الكبير.. ما من يوم يمر ولا نسمع أغنية من كلماتك على اثير العرب.. فقط أذكرهم بما قلت في المرأة: " انت خلاصة كل الشعر" ، يا ليتهم يعون ويفهمون.. "فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً.. فالصمتُ في حَرَم الجمال جمالُ.. كَلِماتُنا في الحُبِّ.. تقتلُ حُبَّنَا.. إن الحروف تموت حين تقال..".

جمع عددا من الفنانين في لقاءات وهو الذي أحبهم وشحعهم وعمل على التغريف بابداعه في حالة كبرى من كرم قابسي نادر.. قابس ملهمته وارضه الأولى تجاه الرحلة الفنية والعالم.. من فكرة لمعت حكايات شتى حيث النظر بعين القلب تجاه الأحوال كشفا واكتشافا وقولا بالتفاصيل تبتكر حميمياتها في عوالم من تلوينات شتى.. ثمة ما يدفع باتجاه الأغاني فالحلم هو العنوان اللافت اذ يلتقي فتية الفنون والابداع والفكر تقودهم رغبة هائلة للاحتفاء.. الاحتفاء المتجدد بالتجارب وأهلها من العاملين في حقول الابتكار والفن والجماليات.. هي الأبواب تفتح حيث الورشات وعوالم الأتيلييه في هيجان الحركة والتلقي.. حركة الفن ودهشة من يزور وهو يتجول بين التفاصيل حيث يشرح الفنان شيئا كثيرا من تجربته وخصوصياتها وما الى ذلك من مناخات شغله الفني وصبره وعناده وكل طقوسه وهو يعارك المادة محتفيا بها يمضي بها الى أعماق نشيده والأحلام لتبدو بالنهاية على هيئات شتى.. لوحات ومنحوتات وخزفيات و.. وحروفيات.. نعم هي فكرة الطفل الحالم الفنان الحروفي المقيم بين سويسرا وتونس عبد الرزاق حمودة.. انطلق في هذا المشروع منذ أيام قليلة ليتخير في دورة أولى أربعة فنانين كان هو من بينهم لنذكر علي الزنايدي وزهير الزدام وهدى الهنتاتي.. فضاءات مختلفة وزوار من أهل الفن والأدب والثقافة في تنقل وفق برنامج مدروس نحتا لتبادل الخبرات والاطلاع والتواصل والاكتشاف.. هي بادرة وسابقة ثقافية تونسية وفعالية نوعية فيها حضور متنوع لأهل الفن والمعرفة والثقافة والابداع ومن الشخصيات الوطنية حيث حميمية اللقاء والتواصل وفق لقاءات تلقائية في جوهر المبادرة " première Porte Ouverte des ateliers d'artistes à Tunis ".. أبواب الورشات والمراسم المفتوحة لفنانين تونسيين في دورتها الأولى.. فعلا وبعد سنوات الجائحة كوفيد-19 التي ما تزال تداعياتها بين الناس وما تطلبه كل ذلك من حذر وحيطة وما شهده المجال الانساني عموما ومنه الثقافي من انقطاع جعل حكاية التواصل والالتقاء صعبة بالنظر للوضع الصحي الاستثنائي.. تجربة وفق مشروع وبادرة يقول عنها الفنان الخطاط عبد الرزاق حمودة باعثها ومنظمها ".. هي ضرب من التواصل الآخر بين الفنان والجمهور بعيدا عن التواصل المألوف عبر القاليريه والمعارض والفكرة من سويسرا " الباب المفتوح " فيها حضور مهم وتشفع بكتاب وهي تظاهرة لها شروطها التنظيمية وأردتها مبادرة تونسية أولى ومن خصائصها أن يطلع الناس على اللوحة والعمل الفني عموما قبل عرضه ويكتشفوا جانبا من حياة وحميمية الفنان.. لقد رغبت في أن أقضي شهر رمضان الكريم هذه السنة في بلدي تونس ورأيت انجاز هذه التجربة وقلت انها مناسبة لرؤية أصدقائي.. ".

نجحت الفكرة في طورها الأول ويعد لأنشطة جديدة ومنها ملتقى نيابوليس الدولي خلال الصيف المقبل وهو بذلك ظل الفنان الجوال المتحرك والأنيق.. مثل حرف الألف في وقوفه الدال..

***

شمس الدين العوني

 

تجربة الفنان التشكيلي التونسي ضو الشهيدي*

“إنّ الفنّ العظيم يدعو الإنسان دائما إلى ممارسة الحرية عن طريق المحاكاة”(ألكسندر إليوت).

مما لا شك فيه، أنّ النحّات يتفنّن في الإلتزام بواقعية الأشياء على نحو ما تبدو في الواقع وتختزلها صورة الذاكرة..

ولكن هذه الروابط التي تجتمع بها هذه الأشياء تبدو روابط لا معقولة وغرائبية، فقد يغرق النحّات في أدق تفاصيل الموضوع ولكنه يجري تعديلات على الوضع العادي للشيء.إذ يسري شيء من الرهبة والغموض في نسيج أكثر الأشياء إعتيادية.كأنّنا بالفنان يربك بهتة العالم ويبعث السؤال في هشيم المعنى المنسيّ. وفي مثل هذه النماذج لا يبدو الفن رسما لأشكال الحياة، بل يكون الفن بعثا للحياة في الأشكال بعد أن جمّدتها الحضارة وسطّحها الإستهلاك وحنّطتها الذاكرة..3515 ضو الشهيد

ولكن السؤال الذي ينبت على حواشي الواقع أثناء ولوجي العالم الإبداعي للفنان التشكيلي ضو الشهيدي: هل العمل الفني رهين لهاجس الإتقان، من حيث يصبح مجرّد إنعكاس لمراس عقلي وحسابي أساسه الفكر الهندسي المجرّد؟ أم أنّ العمل الفني لدى ضو الشهيدي** ثري بمعالم الحياة، وخصوصا إذا إنطلقنا من ظاهرة الحركية التي تميّز عمقه الإنساني المتوتر وهو ينكشف تدريجيا من خلا ل منحوتاته الخلاّبة..

قد لا أجامل إذا قلت أن هاجس الإتقان والصنعة لدى-ضـو-ليس أمرا عارضا، بل هو ظاهرة من الأهميّة بمكان وجديرة بالملاحظة، خصوصا في مثل هذه المرحلة الراهنة من تاريخ الفن، حيث تغلب على العملية الإبداعية ظواهر الإرتجال والتلقائية لدى العديد من الفنانين في العالم بإسم الفن واللاّعقلانية.. في منحوتات المبدع ضو الشهيدي، وهو أحد المعاصرين البارزين في فن النحت، تتباين الأشكال والأجسام والأحجام، كما يتعدّد أفق التعبير والأخيلة والمنطلقات الفكرية والفلسفية، ولكن تبقى نظرية واحدة تربط بين إبداعاته وقطعه النحتية مجتمعة، وهي لغة الفراغ والدوائر التي يقوم عليها اتجاهه وينسج منها عالمه الخاص جدا ويستلهم بفضلها أفكاره، المادي منها والإنساني والسيكولوجي، فهو يرى أن كل الأشياء مردها الأساسي المادة بتصنيفاتها المختلفة وما نتج عنها، سواء بالفن أو غيره، هو ظلال لتلك المادة القابلة للتطويع والتشكيل فلا يوجد شيء في الطبيعة غير قابل للتشكيل، هكذا يمكن قراءة واستنطاق القطع النحتية للفنان التشكيلي ضو الشهيدي في ضوء فلسفته لمعارضه المتنوعة، التي حوّل فيها الفراغ والدوائر إلى حوار وسجال مفتوح يسمح بتبادل وجهات النظر بين القطع النحتية والمتلقي، بإعتبار أن اللغة العقلية حاضرة والحوار ممتد لوجود منطق كوني يحكم عملية التواصل ويوفّر المفردات المطلوبة للتفاهم وترجمة كل ما هو صلب وجامد وإحالته إلى صور وتابلوهات غنية بالرموز وقادرة على فك طلاسم الكائنات الصخرية، التي هي أكثر بلاغة مما هو ناطق، حيث كل الشروط المطلوبة للتفاهم بين الطبيعة والإنسان متوافرة طالما وجدت السبل لإستنطاق المواد الصلبة المادة الخام للإبداع المنحوت.3516 ضو الشهيد

وتغلب خصوصية الدائرة والفراغ على معظم القطع المبتكرة لدى الفنان العصامي-ضو الشهيدي-النازع في كثير مما أبدعه إلى فكرة الطيران والنزول بها مجرد خيال إلى واقع حي قابل للتطبيق، فالطيران إن يحدث معنويا في أوقات النشوة والفرح الشديد فهو إذن متحقق على مستوى الخيال، ولا مانع من تصويره ليكون محاكاة خيالية لخيال أخر.

ويلعب - ضو الشهيدي- في محاكاته هذه على الطاقة الافتراضية في الإنسان التي تؤهله للتحليق بعيدا خارج مداره الطبيعي فتصله بالعالم الميتافيزيقي "عالم ما وراء الطبيعة” فيعيش بروحه حيث يشاء بينما يبقى جسده مسجونا في عالمه الأصلي، وهي سباحة في الخيال أشبه بالسباحة في أحلام اليقظة غير الخاضعة لأي منتهيات.وتأخذ معظم الأشكال الدالة على الحركة منحنيات و تلافيف يفهم منها أنها سرعة دوران الإنسان حول نفسه، فهو أينما ذهب يصل إلى نقطة البداية، أي أنّ العالم على اتساعه ضيق للغاية، وللتخلّص من هذا الشعور يلجأ الإنسان إلى الخيال وأحلام اليقظة لتعويض المساحة المفتقدة لطموحه بمساحات إضافية يصنعها هو بشكل هلامي، إذ لا حاجة له بالعالم الواقعي طالما هو قادر على الهروب إلى البراح في دنياه الافتراضية.إرهاصات نفسية ودوائر متداخلة من الوعي واللاوعي تتبدى في منحوتات ضو الشهيدي، يمكن قراءتها بأكثر من وجه ومستويات مختلفة من التلقي والاستيعاب، لأنها في النهاية حالة فنية افتراضية منطلقها الخيال المحض وقوامها الموهبة والمرجعية الفكرية والثقافية للمبدع الذي يقف في المنطقة الوسطى بين المعقول واللامعقول على امتداد الخطوط البيانية لموهبته.

على سبيل الخاتمة:

إنّ فن- ضــو الشهيدي- هو توق متواصل من أجل تحرير الشكل من وضعه الجاهز ومرجعيته المعطاة.فهو مسار مستمر لتفعيل الأشياء وإثراء آلياتها الإدراكية وذلك من داخل حوار حيّ بين الإنسان والمادة، بين الإنسان والمكان الممتد.لذا، لا عجب أن نرى-هذا الفنان-يعمل في منحته بتعبّد وإخلاص بعيدا عن ضجيج المعارض والأسواق، معتبرا في ذات الآن فعل النحت مشفى للذات، الذهن والجسد، وغاية منشودة لكلّ فنّان رفيع الوجدان، مشرئب العنق إلى الإنعتاق، البهاء، العطاء، والجمال..

ومن هنا نفهم-أوّلا وأخيرا-لماذا يجنح- ضــو-للصّمت ويعتبره في بعض الأحيان أفصح من الكلام..

نظرات ثاقبة تعرف طريقها نحو الوجدان لتسقط إنفعالاته على قطع الخشب الصغيرة الخاضعة لجبروت أصابعه القوية..مشاعر الفخر تنبض من كلّ شبر في المكان، فهذا الفنان على وعي تام بأنّه يعتبر من النحّاتين القلائل الذين تمكنوا من تطوير مهاراتهم وقدراتهم في هذه المهنة.نجاح شخصي نابع من تميّز الرجل في توجّهاته الفنية، والتي تلامس الثقافة التونسية في كامل تجلّياتها وفي مختلف الحقب التاريخية، لترسمها وتجسّدها في تلك المنحوتات الصغيرة، ولتنقلها، في النهاية، للأجيال القادمة.وليس مغالاة، ولا مبالغات إذا أعتبرنا أنّ النحات ضو الشهيدي، حقّق حضوره وبتميز وبراعة ضمن مسيرة النحت التونسي المعاصر، واضعاً لنفسه صفحة مستقلة في سفر الفن.وتلك هي خلاصة ما يطمح له كل فنان.أخيراُ، لقد استطاع –ضو-سبر أغوار فنية بعيدة تدلّ على عشق وحب ورؤيا وايمان وإبداع فني مليء بالحس الإنساني والذوق الرفيع فوصل الماضي بالحاضر، وأضاء على المستقبل من خلال شعلة الأمل التي تتجلى في معظم أعماله .

*ملحوظة: في نحت ضو الشهيدي تشكيل فنّي تتخلّله روح فنيّة تبحث عن مستقرّ لها في شكل ما..هو فنّ تصويري أكثر منه تجريدي، هكذا يراه النحات ضو الشهيدي، مشيرا إلى أنّه يسعى إلى الإنفتاح على العالم، وذلك من خلال الفنّ الحديث، حتى أنّ أعماله الفنية تلقى الكثير من التقدير والقبول لدى جزء كبير من الناس على إختلاف إنتماءاتهم الإجتماعية.

***

محمد المحسن - ناقد تونسي

.......................

* ضو الشهيدي: فنان تشكيلي من الجنوب التونسي وتحديدا من جهة تطاوين، أقام العديد من المعارض بمختلف ولايات الجمهورية التونسية، ومازال ينحت دربه الإبداعي على الصخر بالأظافر..يحدوه أمل في أن -تتكلّم-منحوتاته، بدلا عنه.. 

 

خلال القرون الماضية رسم الفنانون المسلمون رباعيات الخيام باسلوب عاطفي وبشاعرية عذبة طروبة. وقد تجلى اسلوب الرباعيات بتلك المواضيع الرومانسية حيث تشاهد النساء تسقي الشراب وتضرب العود وسط مناظر خلابة جميلة.. كما نجد ان اشكال الوجوه قد خرجت من تأثيرات الطراز المغولي. حيث العيون الكبيرة الكحلاء والقامات الطويلة الرشيقة.. وهي رسوم تذكرنا بلوحة مونية – نساء في الحديقة 1867 – من حيث الرومانسية وحب الطبيعة. وهذه الرسوم هي بمثابة دعوة الى التمتع بالطبيعة وجمال الحياة والابتعاد عن الهموم. ونجد هناك انسيابية في الخط ومتعة في الحركة وحسن وجمال في الوجوه. ونشاهد ايضا المشهد يسطع علينا مزخرفا بالنباتات والزهور والاشجار والغيوم. وبأداء وبذوق عالي وبالوان زاهية وبراقة مبهجة، يطغي عليها الاجواء الشاعرية والعاطفية النقية وحب الطبيعة.

ظهرت الحركة الرومانسية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر في اوربا وكان هدفها هو اطلاق حرية النفس والعواطف بعيدا عن مراقبة العقل وقد حمل لوائها في الادب فكتور هيجو وفي الفن ديلاكروا. ويذكر بعض النقاد بان الحركة الرومانسية في الفن والادب نهجت منهجا هروبيا من قسوة الحياة ووطئتها الثقيلة ومتاعبها التي لا تركد ولا تنقضي، ولهذا فان اصحاب هذا المذهب خرجوامن استوديوهاتهم الى الطبيعة وارادوا في مسلكهم هذا اخراج النفس الى الصفاء والنقاء والتغني بالحب وجمال الطبيعة.

يقول الفيلسوف ارين ادمان (ان الحركة الرومانسية انطلقت كثورة عاطفية لسكينة النفس وسلامتها وتحقيق رؤى حالمة وحساسة حيث لا تستطيع ان تعيش في الواقع بتناقضاته الاخلاقية وخصوماته المستمرة مما يدفعها للهروب منه. ولهذا فان هروب الحركة الرومانسية من الواقع الى الطبيعة كان قد تكرر في الفنون الحديثة حيث هربت من الواقع الظاهري الى عالم الميتافيزيق الى الروح الخالدة والغير فانية، الى المستتر ما وراء الاشكال..3494 الخيام

اصل الرباعيات

وقد اختلف المؤرخون والمحللون في نسبة الرباعيات الماجنة والفاحشة الى الخيام حيث ذكر الشاعر المصري احمد رامي في تعليقه على عمر الخيام..(انه مؤد فريضة الحج ومصل مما دعا الصوفية الى ادخال اشعاره في اورادهم.) كما ذكر الشاعر البحراني ابراهيم العريض : (ان كثير مما هو ساقط من الرباعيات ومبتذل ليس له علاقة به) اي بشعر الخيام. اما الدكتور المستشرق الروسي زوكوفسكي فيذكر : (ان الرباعيات نسبت خطأ للخيام). وكانت اشعار الخيام يسودها العرفان والصوفية ولكن البعض فسرها خطأ بالالحاد والزندقة. مما ادى الى حرق كتبه التي الفها في الرياضيات والفلك والفلسفة واللغة وغيرها. واليوم عند استطلاع الساحة الايرانية المثقفة نجد ان الجميع يعتقد ان عمر الخيام في شعره ينحو نحو العرفان والزهد وليس له علاقة بالاشعار الساقطة او الماجنة. وان ظاهرة العشق والشراب في اشعاره يراد منها العشق الالهي (وانهار من لبن لم يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين).

و الملاحظ ان ظاهرة التشويه طالت حتى الحكايات الشعبية والنكات التي تنسب الى جحا والتي تعد بالآلاف، وجحا من اكثرها بريء. ولهذا فان التشويه والتحريف كان ولازال واردا في التاريخ وحتى في - الحديث الشريف - بدوافع واسباب كثيرة يعرفها الجميع. واتذكر انني قرأت في احد الصحف العربية ولعلها - الشرق الاوسط – عن احد المشايخ وهو يتحدث عن زهد وتدين الحجاج بن يوسف الثقفي وصلاته ونسكه وانه كان يقرأ ويختم القرآن ؟ والتاريخ يذكر ما فعله في العراق من مذابح وانه ضرب الكعبة بالمنجنيق وهدمها. وفي حكاية اخرى يذكر ان رجلا كان يصلي في احد مساجد الشام فسمع خطيب المسجد ينال من علي ويسبه، فحزن وتألم كثيرا فالتفت الى احد المصلين الذي يجلس الى جانبه فسأله ما رأيك بذلك ؟، فبكى هذا الرجل وقال له : هناك ابشع واحزن من ذلك، انهم يسبون ابا محمد، فقال له من هذا ابامحمد، قال له : انه الحجاج بن يوسف الثقفي ؟؟. وهكذا تسرق وتشوه الحقائق وتزيف من اجل السلطة والمال. وبالتالي ليس بعيدا او غريبا ان يجعلوا من بعض حكام العرب اليوم الدكتاتوريين ان تشد الرحال لزيارة قبورهم وتقديسهم وربما تشيد عليها المساجد.3495 الخيام

مع كل ذلك كانت اشعار الخيام ميدانا خصبا للنقاشين والخطاطين والمذهبين بما تفيض عليهم من الهام وخيال وابداع راقي في التصوير. وليس من المعقول ان تمر هذه الاشعار على الرسام المعروف كمال الدين بهزاد 1455 مر الكرام دون ان يأخد له دورا براقا وفعالا في تزويقها. وهو المعروف عنه كان بارعا في تزويق اشعار المنظومات الخمسة لنظامي والشاعر سعدي وغيرهم. ولكن ان الكثير من المخطوطات الفارسية قد احرقت او سرقت او ضاعت ولم يصلنا الا القليل التي هي الآن موزعة بين مكتبات ومتاحف العالم.

 وقد انتقلت رباعيات الخيام الى اوربا في القرن التاسع عشر وترجمت الى جميع اللغات. وظهرت الرومانسية كمذهب في الغرب بعد عدة قرون من وفاة عمر الخيام وكان غياث الدين ابو الفتوح الملقب عمر الخيام (1040-1131م) شاعرا وفيلسوفا وفقيها وعالما في الرياضيات والفلك واللغة وله اختراعات كثيرة. ويقال انه لقب بالخيام لكون والده كان يشتغل في صناعة الخيام.

***

د. كاظم شمهود

 

حين يلتقط الفنان المبدع حادثة عادية، فانه يعالجها معالجة غير عادية.. في التضمين والأسلوب، وهذا ما حصل لجواد سليم في (الشجرة القتيلة). فالحادثة عادية جدا يمكن ان تقع في كل يوم، ولكن زمن وقوع الحادثة ولّد سخرية لفتت انتباه جواد.. فزمن وقوع الحادثة هو(عيد الشجرة- 31 آذار) ويوم العيد هو يوم الفرح، اليوم الذي تزرع فيه نباتات جديدة لتصبح أشجارا، وتكرّم فيه أشجار مزروعة لتنعم على الناس بفضائلها الكثيرة.. غير أن ما حصل هو ان الشجرة أهينت وذبحت حين رأى فلاحا يقطّع اغصانها ويرميها أرضا في يوم عيدها وتكريمها، وهذه هي السخرية التي لفتت انتباه جواد، ومنها التقط الفكرة.

والفنان المبدع لا يبدأ بتنفيذ الفكرة بعد التقاطها مباشرة، بل يتركها تتخمر في ذهنه، وتبدأ حالة الفنان ووعيه لواقعه ومجتمعه الأنساني تصب (أنزيماتها) على الفكرة لتلد موضوعا وأفكارا.3477 الشجرة القتيلة

والموضوع الذي تضمنته الشجرة القتيلة هو هذا الموضوع الازلي (استلاب الانسان) او (الانسان المستلب)، وكان جواد واضحا كل الموضوح في تجسيده لهذا الموضوع الذي نكشف عنه الان.

يمثل جذع الشجرة (انظر التفصيل) تجسيدا واضحا لجسم انسان محزوز الرأس، فيما الغصن الذي يخرج من صدر الجذع (الجسم) فهو يحمل رأس انسان.. قطع الآن!-الزمن المطلق- فهناك شريط دموي ينزف من الرقبة المحزوزة باتجاه الرأس، وقطرات دم لم تتخثر بعد.

هذا هو الموضوع اذن (استلاب الأنسان). فما هي الأفكار التي يطرحها هذا الموضوع؟

يمكننا أن نطرح افكارا كثيرة، ما دام الموضوع أزليا وغزير الأفكار، الا أن الفكرة الأصل فيه تتمثل بالآتي:

يمثل جذع الشجرة تجسيدا لجسم المرأة.. المرأة الأصل، ويمثل الغصن – الرأس، رأس رجل- الرجل الفرع. والمرأة شجرة طيبة تنبت ثمرا طيبا، ولا أطيب من الأنسان حين يكون طيبا. ولكن الطيبة والطيب مستلبان دائما من بني جنسهما.. البشر الوحوش. فالرجلان يحملان أدوات القطع والذبح هما شخصان يمثلان القوة الجسدية والخواء الفكري.. وقد أجاد جواد اجادة تامة بتجسيد هذين التعبيرين في الرجلين.

أليس هذا هو الموضوع الأزلي؟.فحين يمسك الأغبياء والمتوحشون بالسلطة.. بدءا من سلطة البيت الى سلطة الدولة.. فماذا يكون مصير الطيبين والمثقفين غير الخوف والقلق والأضطهاد والقتل والأغتراب؟

ان (الشجرة القتيلة)، في تقديري، هي أبلغ لوحة انتجها جواد سليم في التعبير عن قضية الأنسان. وتتجلى روعته في كونه التقط فكرة ذكية من حادثة عادية وحولها الى موضوع أزلي بمعالجة فنية تنطق بلغات كل الحضارات!.

***

د. قاسم حسين صالح

الفن عمل وجهد ومزهبة ونظر عميق كالنفس تجاه ما هو جدير بال قول وفق الترجمان حيث الابداع مجال شاسع للابتكار والامتاع والمؤانسة في ليل الأحوال والتداعيات المربكة.. هكذا فهم الفتى الجربي الفنان الطيب زيود فكرته الفنية ومضى مسافرا معها بما تتيحه له جزيئات الحجارة بتلويناتها المتعددة من رؤى وتهويمات وتفاعلات تقصدا للفن في ضفافه المعنونة بالموسيقى والشعر والسينما.. و غيرها.. كل ذلك في هذا السفر مع ما يحدثه من ولع وهيام .. مع الفسيفساء الفن واللون والاختيار والفكرة والتحدي و.. و الذهاب بالمهج على عبارة ابن الفارض في الحب.. فلا خير في الحب ان أبقى على المهج.. الفسيفساء ومهجة الفنان ابن الجزيرة الطيب زيود.. بأحلامه وضحكاته العارمة يعانق فن الفسيفساء وفق منزع الابتكار والتجديد .. المصمم المبدع والفنان الكبيرعلي الشيني هذا الذي يعمل جاهدا بطريقة فنية وعصرية ليكرم كل يوم المشاهير والمبدعين والتعريف بالموروث الثقافي والفكري للبلاد التونسية قدم الفنان اطيب زيزد في بورتريه عاكس لحاله وحلمه كفنان وذلك في ضرب من القول الفني من فنان تجاه فنان آخر لتكون اللمسات جميلة ومعبرة.. و قد كان للفنان الزيود مؤخرا نشاط حيث تم عرض أعماله بدار الثقافة أحمد خير الدين بباب العسل بتونس العاصمة بمناسبة تظاهرة ليلتقي عددا من الكتاب والشعراء والفنانين وصولا الى الحديث في شهادات عن تجربته الفنية وأعماله الأخيرة عن الشاعر الراحل محمود درويش وغيرها من المشهديات الجميلة عن أحوال جربة وغيرها من الأمكنة.. و ذلك ضمن فعاليات " باب الفنون: ملتقى أدباء على الطريق " ومن هذه الشهادات ما قدمته الروائية حبيبة المحرزي والفنان علي الزنايدي .. قالت عنه الكاتبة والروائية حبيبة المحرزي ".. الطيب زيود يرج الصخر وينطق الحجر ويقتنص العاصفة الهوجاء لتكون لحظة فنية فارقة .. لوحة العاصفة هي عاصفة بكل مؤثثاتها بعصفها واضطرابها وتشظي أجزائها بفوضى لم تخل من ترتيب بحكم عاصفي مرتج يتصاعد يعجن زرقة مياه البحر التي تتعامد مع جدران الصمود وبين كل الفجوات والشروخ. زرقة حاضرة بقوة تحتوي هيكلا مركبا مرتبكا مرتجا تعابثه العاصفة المطلقة المستبدة. الاضطراب يوحي بالدمار والاندثار لكن الخطوط العمودية الدقيقة والمربعات والمثلثات القائمة في انتظام وصمود نوعي، تعاند الضجة في تحد وثبات، لإقناع المتلقي بانفراج قريب. سيهرول ذهن المتلقي ليبني اللواحق. سيؤثث مشهدا تنسحب فيه المياه إلى مستواها السفلي وترمم الاشرعة المتخرقة وتتعافى القوائم المتصدعة والتي حافظت على البياض الناصع الموزع على المساحة كلها. لون الصفاء والنقاء.

الفنان وان غلب ألازرق والابيض فإنه جعل لبعض الالوان كالاحمر والأصفر والبني حضورا ،الوان تتوزيع بفوضى واضطراب قد يعني به الحياة والتنوع والاختلاف .. لكن العاصفة قد تكون بسبب حادثة حاصلة أو مفترضة وهو ابن الجزيرة السابحة في زرقة المتوسط من كل الجهات.والمتلقي سيفتقد الخضرة كمؤشر على غضب الطبيعة لأن اللحظة هي لحظة فارقة بين الحياة والموت بين التجدد والفوات ، بين البداية والنهاية. بين الانتصار والهزيمة.تلك هي فلسفة Taieb Zayoud حين يناور الطبيعة ويستفز قواها في لحظة فارقة تشبه عدسة مصور فوتوغرافي يتصيد لقطة مشهدية تنعتق من الغياب والنسيان لتخلد كقبضة زمكانية مقتنصة بحرفية عالية.هذا التحدي هو الذي به ينتصر الإنسان على العدم ويبني نظرة التحدي والانتصار حتى وإن كان في قلب العاصفة الهوجاء. تلك نظرته التي بها ينتصر على المعوقات بتفاؤل ورقي فني نوعي بمكعبات حجرية توثق فسيفساء الحياة بحلوها ومرها بهدوئها واضطرابها.. ".من أعماله المميزة مايقدمه عن تراث الجزيرة ذاكرة أم نسيان منذ يوم السبت 18 مارس الجاري بالمعرض الوطني للصناعات التقليدية بقصر المعارض بالكرم ليتواصل الى غاية يوم الأحد 27 مارس 2022.و مما قيل فيه كفنان مجتهد ".. فسيفساء الطيب زيود المكون في مجال الفضيات .. هو عشق الصخر والحجر وبعث مشروعه في سنة 2000 بمليتة بجربة حومة السوق ليفتح فيما بعد محلا لترويج منتوجاته بسوق الصناعات التقليدية بحومة السوق ،انطلق في مشروعه بعد مدة عاشها بمدينة الجم وآمن ان الحرفة ليس لها حدود بل هي "غرام" ورغم الصعوبات والعراقيل وقف بثبات بل واسس لتظاهرة كبرى "حرفي فنان" وفي السنوات الاخيرة خرج من التقليد ولامس الابداع والفن بلوحاته الفسيفسائية التشكيلية بشهادة خبراء وفنانين واظب على الحضور بصالون الابتكار بالكرم وساهم في تصدير منتوجاته، امنيته اليوم المشاركة بالمعارض بالخارج وفي الاروقة الفنية العالمية.. ".. في هذا الملتقى الثقافي الأدبي والتكريمي بدار الثقافة خير الدين بباب العسل تونس قدم الفنان الطيب زيزد لمحة عن تجربته وذلك خلال الندوة الفكرية العلمية للفنون التشكيلية تحت عنوان " جسور التواشج بين الفنون " كما تناول بالتحليل لوحة العاصفة الكاتب الصادق القايدي متحدثا عن مميزاتها وخصائصها كعمل فني .. كما تحدث الفنان التشكيلي علي الزنايدي عن لوحة العاصفة مشيرا الى جوانبها الجمالية كعمل فني ضمن التجارب الفسيفسائية .. و تم تكريم الزيود من قبل الأستاذة عايدة المهذبي i مديرة دار الثقاففة باب العسل والإعلامي والكاتب الهادي جاب الله منسق الملتقى .. هكذ .. نعم الفسيفساء فن عريق فيه ممكنات ابداعية شتى حيث الفنان يقترح وفق خياله الشاسع ما به تزدهر الحكاية لتنبت لها من التاريخ والقدم أجنحة لتحلق بالنهاية في عوالم الجمال والابداع.الفنان الطيب زيود يستعير من الموزاييك عناوين أخرى تنبت في الراهن بمياه الذاكرة وهواء النظر لتبرز في حالات من الجمال بها الزخرفة والتجريد وما يشي بالحلم.. هذا العنوان الكبير الكامن في شغل وحرفية فنان هام بالحجارة وجزيئاتها ينحت منها وبها هيئات مختلفة لأعمال فنية رائقة نظرا وتأملا وتقبلا جماليا.و من جربة الأعماق.. قادته شؤون الحرفة وشجونها الى عوالم الفن الفسيفسائي يزخرف ويزين مساحات عمله الفني وفق تصاميم متعددة ومواضيع بين المشاهد والتقاليد وغيرها من الأجواء الجربية.عمل لسنوات جاهدا وباحثا عن آفاق جديدة لعمله الفني فبدت في أطوار منه رغبات البحث عن التجديد والقطع مع الصورة النمطية لفن الفسيفساء .. هذا حيز من الشغف الجمالي للفنان الطيب زيود تجاه لون فني أحبه وسار في دربه

***

شمس الدين العوني 

الفن هذه الرحلة المحفوفة بالولع والمحبة والنشيد حيث لا مجال لغير القول بالذهاب بعيدا في أحوال يعنونها الحلم وما به تسعد الذات وهي في بهائها تعلن شيئا من رغباتها تجاه الأمكنة والأزمنة..انها لعبة السفر الملونة بالكثير من الطفولة المقيمة في الذات ..الفن كان دائما تلك العلاقة المخصوصة بين شواسع الذات وطفولاتها بما يحيل الى حالات من الجمال والابداع والعطاء وفق نظر بعين الروح واحساس دفين ...

و الرسم هنا هو هذه النظرة للاشياء وممكنات جمالها وسحرها حيث العبارة التشكيلية مجال تذكر وحنين ووعي بما ينطبع في الكينونة من شغف العناصر وجمال المشاهد وبهائها النادر لينعم عند ذلك صاحب التلوين بالسحر الكامن في المادة وهي تنسكب بفعل الأنامل على أرض القماشة لمحاورتها ومحاولتها نظرا وتشكيلا واستنطاقا ضمن لعبة الرسم والتلوين المدهشة..

من هنا نمضي مع عوالم الذات الفنية والجمالية للفنانة التشكيلية التي تخيرت علاقتها المميزة مع الرسم وعناصر عوالمه قولا بالجمال ينحت هبوبه ليقول ما يعتمل فيه من مكونات الامتاع والمؤانسة والابداع في فسحة الحياة وما تمنحه من تنوع وتعدد في النظر تجاه التفاصيل والآخرين والعالم..

نمضي هكذا مع تجربة الفنانة التشكيلية كوثر بوزيان التي هامت بالتلوين فصار حيزا من التشويق والامتاع والاكتشاف لديها وهي تروم التجدد مع كل عمل فني مشيرة الى لوحاتها الفنية وهي تحضر في المعارض الفرية والجماعية في تونس وخارجها ...لوحات بايقاع وموسيقى ونظرات صاحبتها الرسامة كوثر التي مضت خلالها بين المشاهد والمراة والطبيعة الميتة وغيرها من مشهديات أخرى سعت بها ومن خلالها الى ابراز مفردتها التشكيلية التي تدل عليها وتشير الى ذاتها وشجنها وحنينها ..

تنوعت مشاركاتها الفنية في تونس وخارجها حيث كانت الرسامة التونسية التي شاركت مؤخرا في مدينة سيول الكورية الجنوبية  مع عدد كبير من فناني العالم في سمبوزيوم دولي للفنون التشكيلية لتقول عن ذلك "...تمت دعوتي للمشاركة في معرض جماعي عالمي في كوريا الجنوبية وتحديدا في سيول في شهر ديسمبر2021 وكنت التونسية الوحيدة من بين 59 بلدا في العالم والحمد لله وقع اختيار لوحاتي لتكون في الكاتالوغ وصورتي في l’affiche ...الى جانب مشاركة أخرى هامة حيث تمت دعوتي  في شهر جويلية 2021  لاقوم بمعرض خاص بي في فرنسا وتحديدا في Chateauneuf en Auxois وقد تم ذلك فعلا وكرمني العديد من المسؤولين بالجهة وتحدثت عني التلفزة الخاصة بالجهة ..."هذا الى جانب العديد من المشاركات الأخرى وتضيف الفنانة التشكيلية كوثر بوزيان قائلة بخصوص تجربتها الفنية "...في ايطاليا بلاد الفن والجمال وتحديدا سنة 1985 تملكتني الرغبة الشديدة في التعلق بالرسم والفن التشكيلي وكان ذلك أيضا بمدرسة الفنون الجميلة بباريس عبر الرسم للطبيعة حيث اكتشفت ما لدي من طاقة في الرسم تجاه المشاهد بتنوعها وثقافاتها المتداخلة وصولا الى تنويع مواضيع وثيمات لوحاتي وبالتوازي مع ذلك كنت أعمل في ورشتي لأذكر تاطير أساتذة مميزين في الفن منهم الفنان التشكيلي الكبير محمد مطيمط حيث تمكنت من تقنيي الفنية التي أعمل بها ...الى حدود سنة 2018 حيث كانت ورشتي مفتوحة للتلاميذ من مختلف الأعمار ليتم عرض أعمالهم الفنية في معرض جماعي خاص بهم وبطريقة محترفة كالمعارض الكبرى ...في مسيرتي الفنية المتواصلة عديد المعارض الفردية وغيرها بأروقة معروفة منها رواق محمد علي السعدي بقرطاج ورواق سامية عاشور ومتحف قصر خير الدين ورواق صوفونيبه والمشتل ومع الرابطة التونسية للفنون التشكيلية ومعارضها السنوية الجماعية...كما نالني الشرف في مسيرتي المتواصلة ولمرات عديدة  لأكون كوميسارا فنيا لعدد من المعارض الفنية التشكيلية على هامش مؤتمرات طبية بين سنتي 2012 و2014 بما يمكن من ايجاد تنشيط ثقافي يتمن هذه الفعاليات وأعمال زملائي ...لدي أعمال ومعجبون بها وطلبيات عديدة لأحباء لوحاتي لتسوق اليهم هنا وفي فرنسا وأمكنة أخرى...هكذا هو الرسم والفن عموما بالنسبة لتجربتي ومسيرتي التي أواصلها بالعمل والانجاز للوحاتي التي هي جزء هام من كياني ووقتي واهتماماتي الحياتية...".

في تجربة الرسامة كوثر بوزيان تتواصل العلاقة مع الرسم والتلوين بشغف وحب ورغبات تبرز في تنوع لوحاتها وخصوصية التلوين فيها بين المشاهد والمرأة بتعدد حالاتها وهي تعد للجديد الذي يضمه معرضها الخاص في سياق نشاطها الفني التشكيلي في تونس وخارجها.

***

شمس الدين العوني

الفن هذه الرحلة المحفوفة بالولع والمحبة والنشيد حيث لا مجال لغير القول بالذهاب بعيدا في أحوال يعنونها الحلم وما به تسعد الذات وهي في بهائها تعلن شيئا من رغباتها تجاه الأمكنة والأزمنة..انها لعبة السفر الملونة بالكثير من الطفولة المقيمة في الذات ..الفن كان دائما تلك العلاقة المخصوصة بين شواسع الذات وطفولاتها بما يحيل الى حالات من الجمال والابداع والعطاء وفق نظر بعين الروح واحساس دفين ...

3426 العونيوالرسم هنا هو هذه النظرة للاشياء وممكنات جمالها وسحرها حيث العبارة التشكيلية مجال تذكر وحنين ووعي بما ينطبع في الكينونة من شغف العناصر وجمال المشاهد وبهائها النادر لينعم عند ذلك صاحب التلوين بالسحر الكامن في المادة وهي تنسكب بفعل الأنامل على أرض القماشة لمحاورتها ومحاولتها نظرا وتشكيلا واستنطاقا ضمن لعبة الرسم والتلوين المدهشة..

من هنا نمضي مع عوالم الذات الفنية والجمالية للفنانة التشكيلية التي تخيرت علاقتها المميزة مع الرسم وعناصر عوالمه قولا بالجمال ينحت هبوبه ليقول ما يعتمل فيه من مكونات الامتاع والمؤانسة والابداع في فسحة الحياة وما تمنحه من تنوع وتعدد في النظر تجاه التفاصيل والآخرين والعالم..

نمضي هكذا مع تجربة الفنانة التشكيلية كوثر بوزيان التي هامت بالتلوين فصار حيزا من التشويق والامتاع والاكتشاف لديها وهي تروم التجدد مع كل عمل فني مشيرة الى لوحاتها الفنية وهي تحضر في المعارض الفرية والجماعية في تونس وخارجها ...لوحات بايقاع وموسيقى ونظرات صاحبتها الرسامة كوثر التي مضت خلالها بين المشاهد والمراة والطبيعة الميتة وغيرها من مشهديات أخرى سعت بها ومن خلالها الى ابراز مفردتها التشكيلية التي تدل عليها وتشير الى ذاتها وشجنها وحنينها ..

تنوعت مشاركاتها الفنية في تونس وخارجها حيث كانت الرسامة التونسية التي شاركت مؤخرا في مدينة سيول الكورية الجنوبية  مع عدد كبير من فناني العالم في سمبوزيوم دولي للفنون التشكيلية لتقول عن ذلك "...تمت دعوتي للمشاركة في معرض جماعي عالمي في كوريا الجنوبية وتحديدا في سيول في شهر ديسمبر2021 وكنت التونسية الوحيدة من بين 59 بلدا في العالم والحمد لله وقع اختيار لوحاتي لتكون في الكاتالوغ وصورتي في l’affiche ...الى جانب مشاركة أخرى هامة حيث تمت دعوتي  في شهر جويلية 2021  لاقوم بمعرض خاص بي في فرنسا وتحديدا في Chateauneuf en Auxois وقد تم ذلك فعلا وكرمني العديد من المسؤولين بالجهة وتحدثت عني التلفزة الخاصة بالجهة ..."هذا الى جانب العديد من المشاركات الأخرى وتضيف الفنانة التشكيلية كوثر بوزيان قائلة بخصوص تجربتها الفنية "...في ايطاليا بلاد الفن والجمال وتحديدا سنة 1985 تملكتني الرغبة الشديدة في التعلق بالرسم والفن التشكيلي وكان ذلك أيضا بمدرسة الفنون الجميلة بباريس عبر الرسم للطبيعة حيث اكتشفت ما لدي من طاقة في الرسم تجاه المشاهد بتنوعها وثقافاتها المتداخلة وصولا الى تنويع مواضيع وثيمات لوحاتي وبالتوازي مع ذلك كنت أعمل في ورشتي لأذكر تاطير أساتذة مميزين في الفن منهم الفنان التشكيلي الكبير محمد مطيمط حيث تمكنت من تقنيي الفنية التي أعمل بها ...الى حدود سنة 2018 حيث كانت ورشتي مفتوحة للتلاميذ من مختلف الأعمار ليتم عرض أعمالهم الفنية في معرض جماعي خاص بهم وبطريقة محترفة كالمعارض الكبرى ...في مسيرتي الفنية المتواصلة عديد المعارض الفردية وغيرها بأروقة معروفة منها رواق محمد علي السعدي بقرطاج ورواق سامية عاشور ومتحف قصر خير الدين ورواق صوفونيبه والمشتل ومع الرابطة التونسية للفنون التشكيلية ومعارضها السنوية الجماعية...كما نالني الشرف في مسيرتي المتواصلة ولمرات عديدة  لأكون كوميسارا فنيا لعدد من المعارض الفنية التشكيلية على هامش مؤتمرات طبية بين سنتي 2012 و2014 بما يمكن من ايجاد تنشيط ثقافي يتمن هذه الفعاليات وأعمال زملائي ...لدي أعمال ومعجبون بها وطلبيات عديدة لأحباء لوحاتي لتسوق اليهم هنا وفي فرنسا وأمكنة أخرى...هكذا هو الرسم والفن عموما بالنسبة لتجربتي ومسيرتي التي أواصلها بالعمل والانجاز للوحاتي التي هي جزء هام من كياني ووقتي واهتماماتي الحياتية...".

في تجربة الرسامة كوثر بوزيان تتواصل العلاقة مع الرسم والتلوين بشغف وحب ورغبات تبرز في تنوع لوحاتها وخصوصية التلوين فيها بين المشاهد والمرأة بتعدد حالاتها وهي تعد للجديد الذي يضمه معرضها الخاص في سياق نشاطها الفني التشكيلي في تونس وخارجها.

 ***

شمس الدين العوني

3430 شغفتُؤثٌثه من 13 إلى 27 مارس2022  التشكيلية، الشاعرة  هاجر ريدان برواق الفنون "ريدار" بمدينة منزل تميم/ تونس 

هلع وخوف وانقلاب للعين  في عالم عجائبي مسكون

بكائنات مضغوطة في حراك مهموم يدفع بها التشظي في اتجاهات مختلفة . نازلة صاعدة في محاولة للانعتاق. بخثها عن الحرية افقدها السيطرة على الجسد الذي تحمٌل بشاعة محيطه فتشوٌه. بلا اذرع. مشلول القوى فلا يعمل: ضربت فيه قيمة العمل

بلا رأس، لا يُفكر، ضُرب فيه الإدراك والتفكير ووضوح الرؤى يُصارع من اجل ان يبقى. كيف وطريقه مقطوع وآفاقه بال رؤى ؟

اجساد تئن وإنسانية مسلوبة، منبتة، في إغترابها تبحث عن كونية متوازنة   تعيد انسنة الوجود في عالم مُعولم يزداد بشاعة. يطوٌقه المجهول والامرئي في عبثية تجعل الانا والآخر جحيما في عصر الحروب البيولوجية الامتكافئة ونظام دولي جائر اوحادي القطب شوٌه إنسانية الإنسان وضرب الهويات باتٌجاه إلغاء الخصوصية وضرب الذات في أعماقها وقولبتها وتشييئها  وطمس ملامحها،  صراع من أجل البقاء حضر في لوحات  رسمت بشاعة الإنسانية في واقعها المأزوم. انسان في شكل Silouhette .  ملامح مغيٌبة ، دون أعضاء دون جسد  نضِرٕ، متناسق، جميل:  دون هوية إمرأة كان او رجل في لازمان ولا مكان   يندفع في ارتطامه يبحث عن حرية مسلوبة عن هوية طُمست... لم تتوان الرسامة في التعبير عن هذا  الاستلاب الانساني النفسي والجسدي ولسان حالها يُبْطن: إنٌ الغريب هو المغترب في إنٌيَته  وفي غيريته... في ذاته وفي محيطه. عن كلٌ أبعاده، غريب.  فاعتمدت تقنيات عديدة : القواش،الاكواريل، الزيتي، احرف الابجدية العربية...3431 شغف

في لوحات مقاساتها متنوعة تترواوح بين الصغيرة والمتوسطة على محامل من ورق وقماش. اضفت عليها الوانا بين الاصفر والبرتقالي والازرق والابيض والاخضر والمُعتٌمِ والمضيء، لتوحي لنا ان زُخرفة لوحاتها في تناسقها التشكيلي الذي جمع بين التشخيصي والسريالي ينفتح على سماء تبتسم بزرقتها، تُناشد الامل بحياة افضل لعالم يطيب فيه العيش.  وانعكس بياض رواقها على الوانها في لوحاته الثمانية عشرة التي تعدنا ب :

"تمرٌد ليلي"، ب" امل "ب "صعود ما "ب"بوح"ب " سقوط الاقنعة" عن"الوان الحياة بعد " الفوضى"و" ركام"و"أبواب مغلقة "مكرٌرة و"شجون" و"الآلام"و"غموض"و " غروب"  فيراودنا  شغف بحلم تكون فيه " الوان الحياة " مُشرقة، حميمةٌ في انزياحات الالوان والإضاءة والاشكال الهندسية والحروف... التي رغم إنحرافاتها المقصودة، كانت رسالة تبعث بها إلينا الرسامة، تُبطن رفضا وتمرٌدا، في طوقها إلى التغيير نحو عالم يسوده السلام والامن. "شغف " حُلْمً يُراودنا3432 شغف

شكرا هاجر على متعة النظر وعلى تشريكنا فرحتك ب"شغفك" الذي حرمنا حضوره هذا الكفيد-19 اللعين. اللامرئي التي قيٌض راحتنا. فجعلتِ من الفن الشكيلي آلية مقاومة وانتصارٕ للانسانية في صراعها من اجل الإنعتاق.

***

بقلم الباحثة، الشاعرة نعيمة الحمٌامي التوايتي/ تونس.

3316 بيكاسورغم أن بيكاسو استقر في باريس وأمتصته الحياة الجديدة بلهوها وكابيريهاتها والحرية المفرطة في حي مونتمارت من مجون وانحراف ومخدرات وأنتشار العاهرات والذي لم يجده بيكاسو في بلده الام . فرغم كل ذلك بقي بيكاسو محافظاً على اصالته وقوميته ولم يتغير أبداً .

ويذكر الكاتب مستر اوهدى في كتابه – بيكاسو والتقليد الفرنسي – (ان هذا النوع من القومية هي ذات طابع الماني اكثر منه فرنسي ويذكر ايضا ان هناك تشابها خفيا بين العبقريات الاغريقية والاسبانية والالمانية حيث انها ترسم لها اتجاها مشتركا نحو التعبير عن اشتياق كبير الى اللانهائي والى العلو السماوي).

علما ان اسبانيا تعرضت الى هجرات اقوام حضارية قديمة قادمة من الشرق مثل الفينيقيين والايبيريين ثم الاغريق والرومان والغوط الجرمان ثم فتحها العرب عام 711 م وبنوا فيها حضارة كانت تسطع على الغرب المظلم .

ولهذا فأن جينات الماضي لازالت تسري في حياة بيكاسو وانه ابن الاندلس والبحر المتوسط المتلاطم بحضاراته المتنوعة والغنية بعطائها الفكري والفني .3317 بيكاسو

المورو

كثير من النقاد يصفون بيكاسو بالمورو el moro اي العربي او المسلم وكلمة مورو فضفاضة، بعض الكتاب الاوربيين يعنون بها - العربي - ولكن في القاموس الاسباني جاءت كلمة مورو بمعني (المسلم) او يقصد بها مسلمي موريتانيا .. كما أن بيكاسو نفسه يقول: أن التغيير ليس تطوراً فاذا ماغير الفنان وسائل تعبيره فأن هذا لايعني انه قد غير تفكيره) . ويعني ذلك انه باقي على اصالته واعتزازه بقوميته وتقاليده الاندلسية، وقد برزت هذه الخصائص في كثير من اعماله الفنية مثل مصارعة الثيران والاشكال الايبرية وغيرها . كما يذكر بيكاسو (بان الفن المصري والاغريقي لا يمتان الى الماضي بصلة، انهما اكثر حياة اليوم مما كان بالامس)، وهو ما يوكد لنا انتماءه الى حضارة وثقافة البحر المتوسط .. مما دفع اهل ملقا مسقط رأسه أن ينقلوا لعبة مصارعة الثيران الى باريس بجمهورها وثيرانها وخيلها وعرباتها، وعملوا له احتفالية خاصة لمصارعة الثيران تكريماً وتشريفاً لبيكاسو ابن ملقا .

ويذكر الدكتور المؤرخ والناقد السوري عفيف البهنسي في كتابه – اثر الجمالية الاسلامية في الفن الحديث –بان كلمة بيكاسو غير موجودة في اللغة والقاموس الاسباني وبالتالي هو يرجح الى ان اصلها عربي – بو كاسم – ابو قاسم – ثم عجمت .3319 بيكاسو

ويعتبر بيكاسو اكثر الفنانين تقلبا وتغيراً في اساليبه وعلاقاته خاصة مع النساء . وهو يملك طاقة هائلة فكرية وابداعية تكشف عن عبقريته وامكانياته الفنية التي ليس لها حدود ويقول الفنان الانكليزي بليك (ان الرجل العاقل وحده هو الذي يستطيع ان يصر على بلاهته) .

فكان ينتقل من اسلوب لاخر ومن النقيض الى النقيض . ورغم كل ذلك كانت الصحافة تهرول وراءه، والكتاب والنقاد منصبه انظارهم واهتماماتهم اليه، فهم يكتبون ويحللون وينشرون، طلبا للمال والشهرة . كما ان الفنانين اصبحوا يقلدون كل ما ابتدعه وركبه بيكاسو من نمط جديد من انماط الفن الحديث .

وبين اعوام 1953 و1954 استقر بيكاسو في مدينة Vallauris وهناك وجد ورشة للسيراميك فاخذ يتردد عليها لتعلم صناعة السيراميك، وفي هذه الورشة تعرف بيكاسو على فتاة جميلة ذات محاسن شرقية هي جاكلين روكي آخر- زوجات بيكاسو - وهي فتاة مطلقة كانت عائشة مع زوجها الذي كان يشتغل في الجزائر كمهندس، ثم طلبت منه الطلاق بعدما رأت انه خانها، وعادت الى فرنسا . وفي عام 1961 اشترى بيكاسو بيتا ريفيا جميلا في قرية تبعد عن المدينة الكبيرة – كانس او كان - الفرنسية Cannes حوالي 8 كم وتسمى Mougins وكان يحيط بالبيت الحدائق الغناءة والغابات ذات المناظر الخلابة، واستقر فيها مع آخر زوجاته جاكلين .

في عام 1955 رسم بيكاسو 15 لوحة زيتية وهي عبارة عن استنساخ للوحة ديلاكروا – نساء جزائريات 1832 – وقد رسمها باسلوبه التكعيبي والتجريدي الحديث، وتذكر زوجة بيكاسو فرانسواز خيلو بان بيكاسو كثير ما يتردد على متحف اللوفر لمشاهدة لوحة ديلاكروا ودراستها وكان مغرما بها وبموضوعها الشرقي، وهو ما يؤشر الى الحنين والى الجذور الاندلسية وتاريخه العريق، وقد زاده ذلك التعلق هو شكل زوجته جاكلين ذات الملامح الشرقية وعيونها السوداء الواسعة وحواجبها الشديدة السواد والمقوسة كالسيوف، وكذلك حرارتها النفسية والغيرة على بيكاسو حد المغالات . علما ان جاكلين عاشت في الجزائر فترة طويلة مع زوجها المهندس كما ذكرنا ذلك سابقا . واكتسبت كثير من العادات والتقاليد الشرقية والتي تشترك بها مع بيكاسو . وقد رسمها بيكاسو عدة مرات بملابس شرقية وتركية .3318 بيكاسو

باية محي الدين مع بيكاسو

 وتعتبر باية حداد فاطمة محي الدين 1931 من رواد الحركة التشكيلية في الجزائر بل من رواد الفن العربي الفطري، وهي من اصول قبلية . وقد عرضت اعمالها على الجمهور الفرنسي سنة 1947، والتقت مع بيكاسو عام 1952 وطلب منها ان تبقى معه ليعلمها الرسم وفعلا بقت معه عدة اشهر، وهذه لاول مرة يكون هناك تلميذا لبيكاسو شرقي الاصل، وما ذلك الا حبا وحنانا لجذوره الاندلسية .. وكلفتها بلدية باريس ببعض الاعمال الفخارية . اسلوبها فطري طفولي تنحو نحو المدرسة الوحشية في الالوان .. بعض المتابعين يذكر بان باية تناولت مع بيكاسو الاكلة الشعبية الجزائرية المغربية (ال – ك- ...)و انه قال في فنها انها كانت مصدر الهام لسلسلة رسومه التي حملت اسم – نساء جزائريات عام 1954 –، ولو انه قد استوحاها من لوحة ديلاكروا – نساء جزائريات 1832 – ولكن باية زادت من تعميق الفكرة والمشاعر نحو رسم تلك السلسلة .

وعندما مات ماتيس عام 1954حزن عليه بيكاسو حزنا عظيما فقال (لماذا لا نتبع اسلوب اصدقائنا في رسم المواضيع الشرقية ؟)، وهو يعني بذلك ماتيس الذي عاش فترة طويلة في بلاد المغرب ورسم كثير من اللوحات ذات المواضيع المغربية والتي يطغي عليها الطابع الفني الاسلامي، من الزخرفة والالوان الحارة الساطعة والخط الذي يحدد الاشكال . وقد كانت هذه البيئة ومؤثراتها الفنية العامل الرئيسي في ظهور المدرسة الوحشية التي تزعمها ماتيس، بعض النقاد العرب اطلق عليها اسم - المدرسة العربية – وكان ماتيس كثير ما يرتدي الملابس المغربية التقليدية وهو في باريس .

و في عام 1957 رسم بيكاسو لوحة – الاميرات – لفيلاسكس (الاندلسي) ونفذها بخمسين لوحة بين تخطيط ورسم بالزيت وباسلوب بين التجريد والواقعية التعبيرية والتكعيبية، ويذكر انه عمل لها تخطيطات تحضيرية (اسكيجات) وصلت الى اكثر من 150 تخطيطا، وهذه الاعمال نجدها اليوم معروضة في متحف بيكاسو في برشلونة وهي مثيرة ومدهشة، وتبين القدرة الهائلة والطاقة الفنية الكبيرة لعبقرية بيكاسو . يضاف الى ذلك ان انجذاب بيكاسو الى تكرار واستنساخ لوحة الاميرات، هو انجذاب روحي تاريخي وشعور بالحنين الى ارض وثقافة الاجداد ومثل ذلك الشعور تكرر مع لوحة – نساء جزائريات – ولهذا اطلق بعض النقاد عليه اسم المورو .

في احد زياراتي الى بغداد التقيت باحد الرسامين فشكى لي من مشكلة حلت به، انه رزق ولدا وسماه بيكاسو ولكن العائلة اعترضت ورفضت بشدة ذلك الاسم، فلما حكيت له قصة اصل بيكاسو واسمه طار فرحا وقال (بشرك الله بالخير) .

 

د. كاظم شمهود

 

في القرن الواحد والعشرين راينا انتشار ظاهرة عرض اللوحات الفارغة وهي التي تعرض القماش الابيض canvas بدون رسم او تخطيط او رمز له دلالة معينة. ففي عام 2018 اقيم في مدريد المهرجان العالمي للفنون التشكيلية ( ARCO 2018 ) وكانت غالبية الكالريات عرضت اعمالا فارغة لا تقول شيئا.. ومن ناحية تاريخية كان الفنان الفرنسي كلين الازرق 1928 KLEIN قد بدأ بهذا اللون من الفن حيث عرض اعمالا ذات لون واحد هو اللون الازرق الفسفوري وتبعه في ذلك الفنان الايطالي مانثوني MANZONI 1933 وغيرهم. وبهذا اصبحت اللوحة لا تعبر عن حقائق فكرية او تعبيرية ولا تظهر انفعالات ومشاعر الفنان. ولكن يوعز البعض على ان هذه الموجة من الفن هي عبارة عن اشارة الى عودة الحركة الدادائية من جديد الى الساحة الفنية بعد اكثر من قرن على ظهورها في باريس، وان فكرة الرفض لكل القيم الجمالية والشكلية والتاريخية اصبحت اليوم واقعا ملموسا في انشطة معظم الكالريات والمتاحف والمهرجانات الفنية العالمية.

و يذكر ان التقدم العلمي والتكنولوجية اليوم قد افقد الفن صلته بمهارة الفنان اليدوية وجمالية الصنعة فلم يعد الفن نتاج يد الانسان بل لادوات الانسان العلمية. وكانت مهارات الفنان في اطوارها السابقة يدوية بحته، حيث منحت الفن لون من الرقي التعبيري الانساني واصبحت اللوحة هي الفنان نفسه والناطق عن روحه ومشاعره.

الاسباب لهذه الظاهرة

من الاسباب التي يذكرها بعض النقاد لهذه الظاهرة هو الهروب من قسوة الحياة والبحث عن الحقائق المطلقة، وهو في الواقع هروبا من نوع اخر، قد يكون تخلصا من تلك الموضوعات السطحية التافهه التي اصبحت مالوفة ومتكررة الى حد اصبحت الحالة تستدعي الدعوة الى توجيه دفة الاتجاهات الفنية الى الموضوعات ذات القيم والابعاد الفكرية الانسانية، حيث يكون الفن معبرا عن الكون والحياة في صورها المتعددة... ثانيا، قد يكون من وراء هذه الظاهره هو الفراغ الفكري والتشكيلي حيث وصلت الامور الى حد لم يعد الفنان قادرا على الخلق والابداع، وهو يذكرنا بعصر النهضة والتي وصل فيها الفكر والفن الاوربي الى مرحلة الافلاس، فرجعوا الى الفكر اليوناني ليستنجدوا به للخلاص من الركود والتحجر الكنسي. ثالثا، ربما قد تعكس هذه اللوحات الفارغة الخروج من عالم الابصار الى عالم الميتافيزيق، وسبق ان طرد افلاطون الفنانين من جمهوريته واراد منهم ان يلتحقوا في عالم المثل وان الفن في رأيه هو سطحي ولا يمثل الحقائق الخالدة التي لا يصيبها الفناء.

وفي هذا الاتجاه، هناك مسألة مهمة في معنى تشكيل، والتي هي كلمة مترجمة حرفيا من مفردة لاتينية اغريقية الاصل وهي plasto او plástico، وفي القاموس الاسباني ظهر لها عدة مرادفات متقاربة المعاني ( plasto = formado، modelado، finjo، forjo ) وتعني تشكيل او (كون، صنع، شكل، عجن او كور). وبالتالي فهي تعني المادة المخلوطة والممزوجة والمعجونة من عدة مواد، مثل مادة الزيت والكريلك والمساحيق الاخرى. وتعني الفنون البصرية من تصوير ونحت وسيراميك وحفر والهندسة المعمارية وغيرها، وقد شاع استعمالها في بداية القرن التاسع عشر. ومن هذا المعنى والسياق لكلمة تشكيل المعبرة عن الفكر والغنائية في التصوير نجد ان اللوحة الفارغة تقع خارج دائرة الفنون التشكيلية.

ربما اصحاب اللوحات الفارغة يردون على معارضيهم من ناحية كيميائية اي دراسة المادة وتركيبها من ناحية خصائصها وتتضمن دراسة تحليلية لذراتها وتركيباتها وتفاعلاتها. وبالتالي فان كل مادة في الوجود هي مادة تتكون من ذرات متحركة. واللوحة الفارغة هي في حقيقتها العلمية ليس جامدة وانما متحركة سواء كانت بيضاء او بلون اخر. وقد طرح الفنان العراقي محمود صبري نظرية – الكم – وتطرق الى خصائص المادة اللونية في مطلع السبعينات من القرن العشرين، ولكن طروحاته لم تجد لها ارضية خصبة في العراق فقفل راجعا الى براغ.

كما لاحظنا ظاهرة اخرى في الفن الحديث وهي ان بعض الفنانين يكرر مفرداته او عناصره الفنية في كل لوحاته بحيث رؤية للوحة واحدة في المعرض تكفي لتمثيل كل لوحات المعرض. بمعنى ان الفنان في حقيقته يعرض لوحة واحدة؟ وربما يعود ذلك الى هناك حدث فراغ في الموضوعات والتأمل او ان الفنان يبحث عن هوية شخصية،. واتذكر احد الفنانين العراقيين كانت كل معارضه تمثل مفردات متكررة مثل فوهاة الانابيب (البوريات)..

كان ماتيس 1869 مستقرا ومتنوعا في مواضيعه وعلى خطى سيزان والحرية في الالوان والتخطيط والتي اكتسبها من الفنون الاسلامية عندما كان عائشا في بلاد المغرب فترة طويلة. اما بيكاسو 1881 فكان اكثر الفنانين تقلبا وتغيرا في الاساليب فكان يبحث عن كل جديد، فعندما يعرض اعماله في احد الكالريات نجد هناك مواضيع متنوعة من طبيعة صامته والموديل والواقعية الانطباعية والتكعيبية وغيرها. ورغم كل ذلك يبقى اسلوبه مميزا وواقعيا تعبيريا ومثيرا للدهشة. كما ان المتتبع لمعارض بعض الفنانين العراقيين مثل فائق حسن وجواد سليم يجد هناك اداءا مميزا وابداعا متنوع المواضيع بين الخيل العربية ومناظر الريف والازقة البغدادية وغيرها مما يجعل العرض غنيا وثريا في مواضيعه وتقنياته.

 ***

د. كاظم شمهود

 

جمال العتابيأسرار إكتشاف الرموز في تصاميمه

في 23 كانون الثاني من كل عام، وهو اليوم الذي بارح فيه الفنان جواد سليم ساحة الوجود، نستعيد هذه الذكرى، الإستعادة أصبحت تقليداً توارثناه من عادات وطقوس قديمة، أبلغ ما فيها أنها تعيد للحي هيبته الزمنية، ولكنها حين تصطدم بشاهد المرمر البارد ولا تعود برجعٍ مؤثر، تكون قد فقدت نضارتها الإنسانية، وأصبحت غاية في ذاتها، ونحن كلما تذكّرنا جواد سليم، والسياب، ومحمود عبد الوهاب، ومبدعينا جميعاً، أشفقنا على الأحياء، في أن تظل هذه العادة جارية بشكل لايردّ للمبدعين منهم إعتبارهم الفقيد، أو يمنحهم التقدير والإكرام إلا بعد مماتهم.

وبرغم إعترافنا بوجود هذه الظاهرة الأخلاقية، فإن مما لا شك فيه، ان تأنيب الضمير، سوف لن يكون وحده الذي يشفي وجداننا من برحاء بالشعور بالذنب تجاه المبدعين.

تحدث عن جغرافيته الفنية مئات النقاد والدارسين والباحثين، فشرنقوا تجاربه، وأوثقوها بحبال الكلمات، غير اننا نودّ أن يظل أبداً كنجمة الفجر، نراها ونفتقدها في آن واحد، لقد رحل الإنسان من بيننا، وبقي عمله الواهب المبدع، كل ما صبّه من جبس، وجسّده من خشب، وما نحته من حجر، وما خطّط، وما رسم، وما لوّن، أو صمّم.

كل ما جنحه من أخيلة، وما أحياه من أفكار ورموز تمثل حقيقتنا الزمني التي نحيى داخل أسوارها العجيبة مأسورين، غير ان الأسوار لا تفتأ حتى تمحى في فن جواد.

وكنا في مناسبة سابقة قد تناولنا إحدى تصاميم جواد لترويسة جريدة الاهالي العراقية، ضمن متابعتنا لأعماله  التي لم تنل عناية الباحثين، إذ أنجز سليم أعمالاً كثيرة لم يتعرف عليها الوسط الفني، أو الجمور، ومنها تمثالان، كان الأول لمحطة قطار بعقوبة، والآخر حصاناً لمضمار سباق الخيل في حي المنصور ببغداد، لم يحققا الإنتشار لقصور في وعي القائمين على تلك الجهات، غير ان الأهم والأكثر إنتشاراً وحضوراً، كان شعار مصلحة نقل الركاب في بغداد، الذي أنجزه جواد في منتصف خمسينات القرن الماضي، وفي نفس الفترة تقريباً، أنجز سليم منحوته برونزية للمصرف الزراعي في شارع الرشيد، عنوانها (الإنسان والأرض)، نفذها بإسلوب النحت البارز، وتميزت بغناها الرؤيوي، وتكاملها السردي. وجدارية أخرى عن الثروة النفطية لصالح شركة نفط العراق، يتضح فيها الأثر الآشوري أكثر من سواها بتكرار الثيران أسفل العمل، والمؤسف والمحزن في آن واحد ان مشروع متحف لأعمال جواد، ظل مجرد أفكار على الورق، وأماني لم تتحقق طيلة العقود الماضيةَ، وحتى الجهات التي نفّذ لها الأعمال لم تحترم هذا التراث، لا بل عبثت به وشوّهته، كما حصل مع شعار مصلحة نقل الركاب.

يذكر قحطان المدفعي في مذكراته، أنه أثناء عودته من كلية الطب ذات يوم، للتبرع بالدم، عندما كان طالباً في الإعدادية المركزية، إستوقفه مشهد شخص إعتلى سقالة، كان منظره مدهشاً وهو ينحت شعاراً لمصلحة نقل الركاب في الواجهة الأمامية للبناية، في وسط الجدار الذي صمّمه المعماري جعفر علاوي، حسب رواية الدكتور خالد السلطاني، يقول المدفعي: أدهشتني عملية تزيين العمارة بالزخارف والأشكال، وحين سألت عن هذا الشخص، قيل لي أنه الفنان جواد سليم، ومن ذلك التاريخ أحببت العمارة،  وقادني المشهد إلى التخصص فيها.3265 جواد سليم

المتأمل في الشعار، يستطيع أن يميز عدة عناصر مكوّنة لإنشاء الشكل، منها المثلث، و الجناحان، وتكنيك الشعار، فضلاً عن الألوان، ولكل من هذه العناصر الرمزية دلالات، بعضها ينتمي للمخيلة، والألغاز، كما أسبغ عليها جواد شيئاً من ذاته، ومن رؤاه، وتأثره بالفن الآشوري، فإستطاع بلغته الخاصة أن يجعل من هذه المفردات البسيطة في الشعار، سبيلاً للوصول إلى ذائقة الجمهور الذي تقبّل الشكل ووجد فيه متعة بصرية، ما تزال عالقة في الذاكرة. أو ليصبح في عداد الأعمال الفنية التي تميز عصراً بذاته.

لجأ جواد سليم إلى لونين أساسيين، هم الأحمر والأصفر، وهما أكثر الألوان حرارة، يأتي الأحمر في المقدمة، وسليم يدرك تماماً ان العين ستتجه الى هذه الألوان أولاً، وهو لون الباص ثانياً، بمعنى انه يستحث الرغبة لإنحياز المتلقي لمشاهد حرارة الحياة، في هذا التجانس اللوني بين الأحمر والأصفر المؤطر بالأسود، أما الإنطلاقة والحركة فتتمثل بالجناحين، نحو إتجاهي اليسار واليمين، أما المصابيح، وشكل جهاز تبريد محرك الباص، كأشكال مكًملة للتصميم، وهي في حدود التعبير الفني مشحونة بالمحسّنات البديعية، مضافاً اليها وتيرة التقنية الصناعية ليبدو الشكل في المحصلة على هيأة طائر في وضع تحليق .

ولعل أهم العناصر رمزية في التصميم يتمثل بالمثلث، ولابد للمتلقي أن يسأل عن معنى هذه المفردة على المستوى الروحي والرؤيوي، أو الجمالي، إذ غالباً ما يلجأ المصممون، ولا سيما في العمارة الى إستخدام المثلث، لما يحمله من رموز ودلالات مختلفة عبر التاريخ، تعود إلى بدايات الحضارة الإنسانية، وغالباً ما يمثل المثلث القوة التي يمكن تحقيقها في التوازن، وقاعدته تعد أساساً يسمح بالإنطلاق نحو فضاءات واسعة، لكن كيف نفسّر إستخدام جواد للمثلث المقلوب في التصميم؟ في هذه الحال علينا ان نذهب إلى ما يعنيه هذا الرمز من دلالة، لا تتوقف عند حدود السحر، والتأمل، والمرأة، والرحِم، وظواهر الطبيعة، والعقل والجسد، والروح، الماضي والحاضر والمستقبل، وغيرهها الكثير، إلا اننا وجدنا ان أقرب الدلالات في علاقة المثلث بوظيفة الشعار، تلك التي تتمثل بإحدى أساطير الأغريق التي وجدت في المثلث* عناصر الحياة الرئيسة (الهواء، الماء، النار، الأرض)،فالهواء، يمثله مثلث قائم مع خط أفقي من الأعلى، والنار، مثلث قائم، ويرمز المثلث المقلوب للماء، والمثلث المقلوب بخط أفقي من الأسفل، فيرمز للأرض، انه ليس إفتراضاً من لون ما، بل هي المخيلة التي أكدت وجودها الحي في تواصلها الزمني مع الحاضر.

ضمن التأليف التشكيلي للشعار وإستعارة العناصر، ( ضوء المصابيح، تقنيات الحركة والتشغيل، إيحاءات اللون) ، أقام جواد تصميمه وفق علاقات تأليفية وروحية تنتمي للماضي والحاضر ، المادة هنا تتحول إلى أثر فني جميل، بما يحمل من تراكم للخبرة، بهوية محلية، وتحقيق شخصيته المنسجمة وروح العصر، وهذا يحمل في حد ذاته قدرة جواد سليم على إحلال التواتر والتماثل في أعماله الفنية، وسر إكتشافه للرموز والأسرار الغامضة التي ينسج عليها تصميماته المبتكرة. كما يدعونا أن نتلقى أعماله بهدوء، نتأملها، ونتمهل في النظر إليها، والحقيقة في فن جواد هي ان الموت لم يستطع إغتياله، بل منحه القدرة على النمو والإنتشار.

 

جمال العتّابي

..........................

* حرف الدال الإغريقي على شكل مثلث متساوي الأضلاع، قمته إلى الأعلى، وفي الجغرافية نطلق إسم الدلتا على مصبات الأنهار عندما تكون قريبة الشكل من المثلث كما في دلتا نهر النيل. صورة داخلية

 

كاظم شمهودمن هو القلم؟:

في تراثنا الديني بان الله هو اول من خلق القلم وقال له اكتب فقال له ما اكتب قال له اكتب القدر، اكتب ماهو كائن الى يوم القيامة .. وبالتالي فالقلم كائن حي حسب راي بعض المفسرين منهم الطبري وتفسيره للآية الكريمة (ن والقلم ومايسطرون) . كما ورد في تفسير الميزان للطباطبائي انه يروى عن الامام جعفر الصادق –ع- بان القلم هو ملك من الملائكة .

ومهما كانت التفسيرات والتأويلات فان اهمية القلم تكمن في كونه يقوم في ضبط الحوادث الغائبة عن الانظار والمعاني المستكنة في الضمائر وبه يتيسر للانسان حل المشاكل الاجتماعية وان يستحضر كل ضروب الزمان او بعد المكان، وقيل (قيدوا العلم بالقلم) .

القلم وفرشاة الرسام:

من المعروف جيدا ان الصيني يكتب عادة بفرشاة، فالفرشاة عادية بالنسبة له، كما هي الريشة او القلم بالنسبة لنا، ولهذا فان الرسم الصيني هو امتداد للخط او الكتابة، فمن الممكن لحرف مكتوب جميل ان يتمتع بخصائص الجمال كلها بالنسبة للصيني، وبالتالي فاذا كان شخص يكتب جيدا فسينتج انه يستطيع ان يرسم جيدا ..و من هذا المفهوم قامت مدرسة الكرافيتي في عام 1968 مع حركة الهيب هوب الموسيقية حيث خلطوا في اعمالهم الاشكال مع الحروف باسلوب طفولي بدائي مبسط وحرية مطلقة في الانشاء . وانتشر تأثير هذه الجماعات الى العالم وقد اخذ البعض منهم يرسم على جدران الشوارع وعربات القطارات واشتهر منهم الفنان الفرنسي جون دو بوفيه -1901- . ..3254 خطوط

وهناك عملية يطلق عليها اسم - تسرب الانفعال- وهي تنشطر الى جزئين الاول هو تسرب الاحاسيس والمشاعر من الرسام الى اللوحة عن طريق الفرشة، وتسرب الافكارو المعارف والمشاعر من الكاتب او المثقف الى الورق عن طريق القلم، وبالتالي فان الفنان والمثقف يشتركان في عملية النقل من الداخل الى الخارج او من الذات الى العالم الموضوعي .

وهناك فرق ضئيل بين تسرب الانفعال والتعاطف وكلاهما يعني الاحساس، فاذا نظرنا الى لوحة فنية لرجال في زورق في خطر فاننا بالتأكيد سنتعاطف معهم وحينما نتأمل عملا فنيا نتذوقه سنزج بانفسنا داخل اطار هذا العمل وستتحد مشاعرنا مع مشاعر الفنان، واحيانا لا يحدث ذلك .3253 خطوط

انواع الاقلام:

يذكر ان الاقلام الشريفة في اوربا فجرت الثورات وحجمت الاستبداد وطوعت الحكومات لارادة الشعب فكانت كتابات برناردشو على سبيل المثال قد شقت لافكارها وآرائها الاجتماعية طريقا او اتجاها مضادا للفساد والظلم وكانت تتطابق هذه الآراء مع الثورة الفكرية للفيلسوف النرويجي هنريك ابسن والفيلسوف الامريكي جون ديوي حيث تتجه افكارهم جميعا الى مزيد من الحياة التي يجب ان يحياها الانسان بكرامة وسلام ...

بينما نجد الاقلام العربية على الاغلب لم تكن حرة انما هي اقلام مدفوعة الثمن حيث تزين الانظمة ورجال الساسة واصحاب الفن والادب وتجعل من الفاشل ناجح، والناجح فاشل ويصفها البعض بانها اقلام - مدجنة ومروضة – ويصفها ايضا بانها اعلام واقلام كاذبة ومضللة ومزورة ورخيصة . وهي اقلام منحازة ولا يمكن الثقة بها الا ما رحم ربي .. وبالتالي اصبح الانسان العربي فاقد الثقة بها وتعود على سماع الكذب .

اما الاقلام الكريمة فما اجمل كلماتها عندما تخرج من الاعماق لتعبر عن الوجد وذلك الانسان المحايد الصادق، وما اجملها عندما تخرج من القلب لتفيض حبا وجمالا وريحانا على الجميع، وما اجملها عندما تكون انسانية.3255 خطوط

قالوا في القلم:

قال الشعر المعروف احمد مطر (جس الطبيب خافقي، وقال لي، هل هنا الالم؟ قلت له نعم، فشق بالمشرط جيب معطفي واخرج القلم، هز الطبيب رأسه، ومال وابتسم، وقال لي: ليس سوى قلم، فقلت: لا ياسيدي هذا يد .. وفم، رصاصة.. ودم، وتهم سافرة تمشي على قدم ...)

قال المقفع: القلم بريد القلب يخبر بالخبر وينظر بلا نظر .

قال الجاحظ: الدواة منهل والقلم ماتح والكتاب عطن . (ماتح: يجذب . عطن: يروي) .

قال جالينوس: القلم طبيب المنطق ..

 

د. كاظم شمهود 

 

3242 غادة بن عامرفي حديث الجسد.. مسرحة تشكيلية تشكلها عوالم جسدية

الحديث واحد، لكنه يغيّر أرديته في كل مرة. ومهما تغيرت الأحاديث، يبقى الجسد هو الجسد.

حديث.. يتناقل على أعتاب أجساد

صوت وحركات وكثير من المرح

هو جسدي هو مركبتي الورقية  التي تحملني وتحمل أحلامي عاليا حيث الشمس

الجسد  هو السناء والجمال.. هو الفضاء الفسيح الذي تتلألا فيه الزهور والأماني الجميلة

تزهر الحياة كأنشودة حب ويبقى.. حديث الجسد.. نقوش على جدران الروح.

حديث الجسد هو معرض شخصي يعالج موضوع الجسد بشكل مباشر يتضمن سبع وعشرون لوحة عشرين لوحة بتقنية الاكريليك و سبع لوحات تتمثل في صور فوتوغرافية مأخوذة من إحدى عروضي الأدائية، لوحات فنية بمقاسات وأحجام كبيرة وبتقنيات متعددة.

 كل الصور والشخصيات الحاضرة في اللوحات لها مرجعية تراكمت في ذاتي فبدت في لوحاتي زائرة من الذاكرة او من مستقبل لم يحل بعد.131 غادة بن عامر

الجسد بالنسبة لي هو الاداة والموضوع وهو مادة ثرية جدا احاول من خلاله رسم الجسد الانثوي بعيدا عن ثقافة العري ولكن اريد رسم جسد بمفهوم تشكيلي مسرحي. هدفي أن أرسم هذا الكائن المتبدل، المتغيّر، المتجانس والمفكّك والمتشظي في بعض الاحيان. أعمالي تتمحور حول الجسد حيث قمت في السابق بالعديد من التجارب الممارسات التي اتخذت من الجسد مبحثا أساسيا في محاولة مني لمحاورة  المواد و الخامات واختلفت هذه المواد من تجربة الى اخرى فتعاملت خصوصا مع تقنية التغليف بخامة البلاستيك والخيوط  في عروضي الادائية ولكن هنا قمت بعملية تنقية حيث لا مكان ولا مجال في العمل الا للجسد الجسد في صوره المختلفة قد تكون واقعية او متخيلة حلمية او طيفية لذلك الجسد يتخذ في عملي أشكالا متعددة قد تكون واضحة المعالم أو غامضة .. متشظيا كاملا أو لا مكتمل .. عملي على الجسد ينبع من تمردي على نظرة المجتمع و موقفه و ربما ذاكرتي الجسدية ...انها لذة انشائية تتصاعد خطيا وتشكيليا على اللوحة. مشاهد يمكن بأن أوصفها بأنها مشاهد سينوغرافية لتصنع من الأجساد شخصيات ممسرحة حيث أني هنا شبهت نفسي بامراة مسرح في تعاطيا مع الجسد حيث لدي هنا شخوصي الخاصة التي أسيرها وأتصرف بشكلها وموقعها داخل فضاء اللوحة في محاولة مني لتحويل هذه الكائنات المصورة الى حقيقة نابضة بالحياة. وكأني في هذا المعرض وبهذه الاعمال بصدد الكشف عن لقطات من شريط مسرحي وعلى المتلقي أن يحدد ويتخيل مصير هذه الشخوص وهذه الحالات المصورة.

هنا لا مكان سوى للجسد وحالاته المختلفة، هذه الحالات المختلفة من التواصل بين شخوص لوحاتي تشير بدورها إلى حالات حسيّة للبعض منها مرجعية ذاتية وصور ذهنية في ذاكرتي وحالات عايشتها وتأثرت بها وأثرت فيا ـ ولاستعراض هذه الحالات وتبايناتها يتم استعراض الجسد نفسه، من خلال تفاصيل الأجساد، التي قد تظهر كاملة أو البعض منها، تفاصيل تبدو وكأنها توثق لحظة تجلي الجسد، هذه اللحظات هي التي تغيّب بدورها أي وجود للمكان، وبالتالي الزمن.

تتضمن لوحاتي العديد من الألغاز تنتظر من المتلقي فكها والبحث فيها والاقتراب منها خصوصا اني اشتغلت كثيرا على جدلية الحضور والغياب والمرئي ولا مرئي والظهور والتخفي كلها مصطلحات تتطلب من المتفرج التفاعل معها ومحاولة استنطاقها.131 غادة بن عامر 2

كل لوحة لها حديثها وكل لوحة لها أجواءها الخاصة منتقاة من جملة من الافكار التي تطرحها مخيلتي. لوحات تحمل الناظر الى فسحة من الجمال والابداع .

لا نرى في اعمالي مشاهد لامرأة وحيدة أو حزينة، بل مجموعات من النساء تتباين أجسادهن، ويشكلن في النهاية كتلة متداخلة، وكأنهن كائنات خرافية آتية من عالم الأساطير. وحتى عند لوحة تتمثل امرأة بمفردها، تبدو السيطرة من خلال الجسد الذي يشغل مساحة اللوحة بالكامل، وهنا تختفي تفاصيل المكان لصالح الجسد وعالمه، فلا مقاعد أو مناضد، وصولاً إلى المرأة المنشغلة بذاتها عن العالم ــ فلا يوجد عالم خارجها ــ فلا تواجه الآخر، بل فقط تعطي الجميع ظهرها، وهو وضع دلالي في التكوين الفني تشكيلياً أو سينمائياً، فصاحبه لا يهتم، ولا يريد التواصل، لا عن عزلة، بل عن عالم لا يرغبه، ولا يريد التورط فيه، فقط عالمه الذي يحياه "تنقية الجسد"

الحضور المُمسرح للجسد عبر تموضعات مختلفة وهيئات بشرية متنوعة تتداخل الطرق وتتمازج من خلالها الصور ليجد المتلقي نفسه أمام لوحة تشكيلية و كأنها مسرح من الشخوص حاولت من خلالها آن أقدم رؤية واقعية للأشياء ضمن تصورات عفوية حالمة فالتعبير الفني يبقى عملية امتزاج كامل بين الذات والموضوع.

مثلت لوحاتي بعُرس لاجتماع الهيئات الجسدية، إنها مساحة للتأمل والاندماج والانصهار،أشخاص في حركة وهيئات أخرى مستلقية وأخرى تتراقص وتتهافت في مشهد مُمسرح يحول مساحة اللوحة لمسرح نابض،  بأبعاد تشكيلية عن طريق البحث في تجليات هذه الأجساد وأبعادها التعبيرية.131 غادة بن عامر 3

مشاهد يمكن بأن أوصفها بأنها مشاهد سينوغرافية لتصنع من الأجساد شخصيات مُمسرحة حيث أني هنا شبهت نفسي بامرأة مسرح في تعاطيا مع الجسد حيث لدي هنا شخوصي الخاصة التي أسيرها وأتصرف بشكلها وموقعها داخل فضاء اللوحة في محاولة مني لتحويل هذه الكائنات المصورة إلى حقيقة نابضة بالحياة. وكأني في هذا المعرض وبهذه الأعمال بصدد الكشف عن لقطات من شريط مسرحي وعلى المتلقي أن يحدد ويتخيل مصير هذه الشخوص وهذه الحالات المصورة.

إن “ميسزانسان” الجسـد في لوحاتي يعمل كمنارة حدودية فيرصد حدود حضور الشخص تجاه الآخرين حاولت ترجمة الفكرة من خلال الرسم وتحويل رؤيتي إلى حركة، رقصة أو خطوط تنسدل في انسيابية ومرونة وهي خطوط مرسومة بعفوية وشجاعة على قماش اللوحة، خطوط تحضر تناجي هالة الجسد وهالة الألوان الحارة.

مثل حضور الجسد في لوحاتي مسألة أساسية حيث أنه العنصر الحاضر بقوة ليس كمجرد تفصيلة داخل عمل لا بل هو الركيزة في اللوحة والبطل مع كل حكاية كتبتها بفرشاتي، معرضي الشخصي " حديث الجسد" هو حديث وثرثرات باح بها الجسد ورهان تشكيلي إلى أي مدى أصبحت حركة الجسد لغة تعبيرية بدلا من اللغة الشفاهية؟ إلى أي مدى استطاعت هذه الأجساد البوح عبر تعبيريتها ومن خلال هيئاتها التي صورتها.  إنها دعوة للتفكير في الهوية الأنطولوجية التي تقود إلى هويات المسرح الصامت المعاصر وإلى التساؤل عن أنماط الحضور الصامت داخل اللوحة المسندية. إنها الرغبة في العودة إلى المصادر الأصلية للجسد المثير الفعال في صياغة المشهد. في الواقع يتعلق الأمر بالإخراج الفعلي للفضاء وأصل الكلام الجسدي، لإظهار الجسد المتحول/ المتراقص/ المهيكل/ المتشعب على سطح اللوحة.

إننا أمام حديثا و بوحا لونيا، في شتى الحركات و الحالات والهيئات لإبراز مضامين متعددة وتعابير ورؤى مختلفة. هو حديث متنوع متعدد ومتكرر باختلاف، متشابه، متقارب متباعدا يتيح للزائر حرية القراءة والتأويل".

 

د. محمد البندوري

 

مشاركات شتى حيث الجسد والوجه في أغلب اللوحات ضمن تعبيرية باذخة عن الأفكار والمشاعر..

لغة تشكيلية تمضي جاهدة تتقصد الإيماءات، للتعبير عن الفرح، الخوف، الغضب، المفاجأة والألم..

من فكرة متحركة تمضي العوالم الى دواخل الدات وشواسعها الجمة حيث لا مجال لغير النظر بعين القلب.. هي الفكرة تجترح تلوينها منذ طفولات عابرة حيق القص والكولاج والتركيب وما الى ذلك من فنون التلويف وفق عنوان لافت وهو اللعب باللون والابتكار ذات طفولة.. تأتي بعد ذلك رغبات الذات في النظر وفق زوايا مختلفة لهذه الذات في تعاطيها المختلف مع الآخرين.. مع العالم..

الوجه بتعبيراته الشتى نشدانا لحالات قوله بين البهجة والسرور والغضب والاحباط وما الى ذلك من شؤون وشجون العواطف والأحاسيس.. والجسد هذا المتحرك في فضاءات تعبيريته تقصدا للعبارة ومشتقاتها في كثير من التبدلات السانحة والمتغيرات الممكنة.

من هنا يبدو الفن عنوان تواصل لقول الذات واقتراح ممكناتها الجمالية تجاه الفضاء والآخر حيث العناوين الجمالية تمنح المتلقي الحيز الكبير من القراءات والفهم والتأويل.. هذه وجهو نظر حيث الفنان ذلك الطفل الذي يحرس لعبه ويحلم بمنح الآخرين عوالم ساحرة يسميها أحيانا الابداع والحنين.. وأحيانا أخرى يراها علبة تلوين.

هكذا نمضي في فسحة الفن بما هو تعبيرية باذخة وعنوان تواصل.. نمضي مع تجربة الفنانة التشكيلية والباحثة سوسن النيغاوي التي ترى الفن وسيلة للتعبير والتواصل من العواطف والأفكار.. حيث الجسد والوجه يمثلان العنصر الأساسي لأغلب اللوحات وهذا الاختيار تحول الى اختيارً شخصيً..3240 سوسن النيغاوي

هي فنانة تلبس بها الفن منذ البدايات حيث الطفولة في عنفوان رغباتها وأحلامها تقول "..أول لوحة لى كانت رسم وجوه مختلفة التعبيرات مباشرة داخل فضاء اللوحة عبر لطخات ولمسات أضعها بطريقة عفوية أو مدروسة لأستخرج ضمنها تركيبة الوجه وتمثلاته للتعبير عن الفرح والخوف والغضب والألم.. وكانت بخامة الأكريليك وشاركت بها فى معرض جماعي في المركز الثقافي والرياضي المنزه 6 في تونس.. بدأت الدخول في عالم الفن التشكيلي منذ الصغر حيث كنت شغوفة كثيرا بالألوان، كنت استمتعُ كثيرا بدفاتر التلوين، كنت أرسم، أقص، ألصق، ألون، وأبتكر عوالم خاصة بي.. بهدف واحد وهو إظهار إبداعاتي الى كل من حولي، هو عمل بسيط ولكنه بالنسبة لي كان عملا عظيما خاصة حين ألصق أعمالي على جدران غرفتي.وكان بداخلي شعورا قويا بأن هناك ارتباطا وثيقا يجمعني باللوحة والألوان، في حين كنتُ من الطالبات المتميزات في مادة التربية الفنية وأنا في المرحلة الابتدائية، وهذا ما دفعني بقوة نحو هذا العالم الذي بات جزءا لا يتجزأ من حياتي اليومية، فالفن هو وسيلة للتعبير والتواصل من العواطف والأفكار. وسعيت لكي اكمل حلمي بالدراسة في مجال الفنون التشكيلية الذي أهواه منذ صغري، وتحصلت على الأستاذية في الفنون التشكيلية اختصاص حفر.من بعدها عملت جاهدة لتنمية موهبتي فأخذت دورة في الرسم والتذهيب على الخشب في المركز الثقافي الإيطالي دانتي أليغييري "Dante Alighieri " تونس، ودورة تدريبية في ورشة عمل الفسيفساء في منوبة، تونس.أول لوحة لى كانت رسم وجوه مختلفة التعبيرات مباشرة داخل فضاء اللوحة عبر لطخات ولمسات أضعها بطريقة عفوية أو مدروسة لأستخرج ضمنها تركيبة الوجه وتمثلاته للتعبير عن الفرح والخوف والغضب والألم.. وكانت بخامة الأكريليك وشاركت بها فى معرض جماعي في المركز الثقافي والرياضي المنزه 6 في تونس. وتتالت بعدها المشاركات حيث شاركت في عديد من المعارض في تونس وخارجها، وكذلك في العديد من الملتقيات الثقافية.بدأ الجسد والوجه يمثلان العنصر الأساسي لأغلب لوحاتي وقد كان هذا الاختيار اختيارًا شخصيًا منذ أن تأثرت ببعض الرسومات التي كنت أطلع عليها في بعض كتب الرسم والذي بحث عن مختلف التقنيات التي أنشئ ضمنها مواضيع مختلفة كصورة الجسد الواقعية والخيالية، أبعاده التشكيلية، تعبيرية الجسد، حركة الجسد، فعل الحركة وحركة الفعل.وفد تأثرت خلال تجربتي الفنية ومنذ أيام الدراسة بالرسام " Francis Bacon" لأن لوحاته تلامس الجسد كعنصر أساسي مستقرًا داخل اللوحة من خلال اتساق المادة اللزجة التي يضعها التشويه العنيف على المحك من خلال هز الجسد وأحيانًا شده إلى أقصى حد، يتضح هذا من خلال مجموعة وفيرة من الانطباعات التي بلغت ذروتها من الشعور بالقبح أو الرهبة إلى الشعور بالاشمئزاز. إن إثارة الإحساس، بالمعنى المزدوج لإثارته واستدعائه، هو في الواقع هدف "فرونسيس بيكون"، لأن الإحساس يقع في صميم عمله بينما يشكل الجسد مركزه.من واقع خبرتي، فإن أفضل طريقة هي التواصل مع الناس. من خلال إظهار عملك، ومن خلال شرحه.. سوف تقنع أكثر، ذلك الي جانب الاجتماعات والمشاركة مع فنانين آخرين والتي ستتيح لك الاقتراب من عوالم أخرى، وبالنسبة لي فان الرسم والتلوين مجال للراحة والبهجة وبمثابة الحالة الفنية للعلاج المرجو من كائنات عوالمنا في شؤون ومشاغل ومتغيرات الحياة اليومية الضاجة بالحركة والسرعة، فإن ممارسة الفن تحول الطاقة السلبية إلى إيجابية ؛وما أحوجنا إلى طاقه إيجابية فى ظل هذا الزمن الصعب المحبط. وتعتبر الذات الإبداعية عند الفنان هى ذاته وخبراته وليس المدرسة التى ينتمى إليها، الفنان يبدع وحسب؛ ثم يقوم الناقد بتسمية الحالة الإبداعية ثم يصنفها لأي مدرسه تكون. أتمنى إقامة معرض شخصى يضم أعمالى وما أنجزته خلال السنوات الماضية، وأتمنى أن تجوب لوحاتى أنحاء العالم..".. هي هكذا ترسم وتحلم وتمضي في تجربتها حيث الجسد والوجه يمثلان العنصر الأساسي لأغلب لوحاتها..

مشاركاتها الفنية والدراسية والثقافية متعددة.. فهي، فنانة وباحثة تشكيلية تونسية، تحصلت على الأستاذية في الفنون التشكيلية اختصاص حفر من المعهد العالي للفنون الجميلة تونس 2006.وتحصلت على ماجستير بحث في التراث والمتحفية من كلية الآداب والفنون والعلوم الإنسانية بمنوبة 2018، حول أيقونات الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في مدينة تونس، جرد، تحليل وتثمين.تواصل حاليا دراستها لإكمال أطروحة الدكتوراه في التاريخ والتراث والآثار.كما شاركت في دورة في الرسم والتذهيب على الخشب في المركز الثقافي الإيطالي دانتي أليغييري "Dante Alighieri " تونس، ودورة تدريبية في ورشة عمل الفسيفساء في منوبة، تونس.شاركت عام 2018 في ورشة العمل التي نظمتها شبكة البحث "Re-Configurations" في برلين، ألمانيا لاكتشاف عن قرب البرامج التعليمية المطبقة في المتاحف وأماكن الذاكرة في برلين. كانت منذ صغرها شغوفة بالرسم، وقد اختارت التعبير الجسدي لإظهار أفكارها ومشاعرها من خلال لغة الجسد والوجه والإيماءات، للتعبير عن الفرح والخوف والغضب، المفاجأة، الألم..بدأت حياتها المهنية عام 2010 بالمشاركة في صالون الصناعات التقليدية في تونس، والمشاركة في معرض جماعي في المركز الثقافي والرياضي المنزه 6 في تونس.شاركت في عديد من المعارض في تونس وخارجها، وكذلك في العديد من الملتقيات الثقافية، ومن أهمه:من 12 إلى 22 نوفمبر 2014 المشاركة في التظاهرة الفنية شجرة الزيتون والتراث غير المادي"هذه ليست بطاقة بريدية 3" بمتحف : سوسة، قرطاج وباردو.مارس 2017 - المشاركة في معرض أمي عطر الربيع - لبنان طرابلس.جويلية 2018 - المشاركة في معرض بصمات ابداعية - مجمع الضنية للرعاية والتنمية - سير الضنية - لبنان.أفريل 2019 - المشاركة في المعرض السنوي لنقابة مهن الفنون التشكيلية - مدينة الثقافة - تونس.بين 12 و26 ديسمبر 2020 المشاركة في الصالون الوطني للفنون التشكيلية في دورته الرابعة بدار الثقافة الشيخ ادريس “المنّوبي بوصندل”.25 ديسمبر 2020 المشاركة في الدورة الرابعة للصالون الدولي للفن المعاصر في طنجة المغرب تحت عنوان "أمل".لديها تجارب كمدرسة في الفنون اتشكيلية والرسم والتعبير الجرافيكي والنقش والرسم على الخشب.. مع مدارس الفنون الخاصة، وفي المنزل.هي ناشطة في مختبر "الأقاليم والموارد التراثية في تونس".وهي عضو فريق البحث الذي يعمل على مشروع: مساحة التعايش الحضري "سلالم كرم الزيتون، بيروت وسلالم كرسي الصلاح، سيدي بوسعيد"، بالتعاون بين الوكالة الجامعية للفرنكوفونية، مختبر "الأقاليم والموارد التراثية في تونس وجامعة القديس يوسف (بيروت لبنان)، 2018-2021. وهي المنسقة، من بين ثلاثة فنانين، للنسخة السنوية الثانية لعام 2020 لمعرض المواهب الشابة داخل نقابة مهن الفنون التشكيلية.هي المنسَقة المساعدة لإقامة معرض وثائقي حول احياء مئوية بعث أول نواة شيوعية بالبلاد التونسية (مارس 1921 -مارس 2021) بالتعاون بين مخبر الجهات والموارد التراثية بالبلاد التونسية ومكتب التعاون الأكاديمي لمؤسسة روزا لوكسمبورغ، أيام 26 و27 و28 مارس 2021. وتعد الآن لمعرضها الشخصي برواق للفنون بالعاصمة..

هكذا هي لعبة التلوين والنظر والقول الفني لسوسن النيغاوي التي تتقصد الذهاب عميقا في دروب الفن حيث التلوين مجال سفر لأجل الذات وما تنعم به من شؤون الحلم وشجونه نحتا لعناوين شتى وأمنيات هي بحجم طفولتها المقيمة فيها الى الآن..

 

شمس الدين العوني

 

 

 

 3230 فن المجانينفي عام 1922 صدر كتاب في المانيا يعتبر واحدا من اكثر الكتب النارية جدلا وغرابة ودهشة في الفن الحديث عنوانه: فن المجانيين، سريالية وجنون. المؤلف شاب الماني يدعى هانس برينثون Hans Prinzhon درس تاريخ الفن والفلسفة في فينا ثم درس علم النفس وجراحة الطب. يضاف الى ذلك كان شاعرا وموسيقيا. ولد في مدينة وستفاليا Westfalia عام 1886 وتوفى مبكرا عام 1933.

 el arte de los enfermos mentales surrealismo y locura- -

يقول الشاعر الفرنسي باول ايوارد 1895 عن هذا الكتاب (انه الكتاب المصور الاكثر جمالا في العالم). ويعتبر الكتاب احد المصادر السرية والخفية للفنانين الطلائعيين الاوربيين وكان سببا في ظهور ونمو كثير من الحركات الفنية التقدمية مثل – الفن الوحشي – والفن الذهني – والمدرسة السريالية – والدادائية – وغيرها، وقد تأثر به كثير من الفنانيين الحديثين مثل بول كلي ودالي وبيكاسو ودوبوفيه وتابيس وماركس ارنس وشاجال وكاندنسكي، وفرانس بيكون وغيرهم.

الكتاب يحتوي على 5000 عملا فنيا تعود الى 500 شخص مختل العقل (مجنون) ويعتبر بالنسبة للسرياليين بمثابة الكتاب المقدس. ويذكر ان السبب الذي دفع هانس الى تأليف هذا المنجز الفني القدير هو اولا، ضرورة معرفة خاصية التعبير لدى هؤلاء مختلي العقول، ثانيا، الغريزة الفطرية كيف تلعب، ثالثا، نسبية عقل المريض، رابعا، معرفة الرموز التي يمستخدمها هؤلاء المجانيين في عملية الرسم. وقد نجح هانس في احداث رجة في صفوف الفنانيين الطلائعيين بقوة غير مألوفة، وكذلك في المشهد الفني الاوربي في الثلث الاول من القرن العشرين.3231 فن المجانين

و يذكر ان هذه الاعمال التي ظهرت في الكتاب هي عينة مختارة وان اصحابها رسموها اعتمادا على العقل الباطني وما اختزنه من معارف سابقة وما ورثه من ماضي الاجداد. وبالتالي فانها اعمال ثقافية، لها قوة تعبيرية ومضمون لا تختلف احيانا عن بعض الاعمال الفنية لكبار الفنانين المعاصرين المعروفين.

والرمزية احد العناصر التي يستخدمها المجانيين والتي نراها كثيرا في الاحلام او في خدع الخيال، وتنطلق السريالية من ذلك الفرع من علم النفس الحديث، وهي تجهد بصورة واعية لكي تخلق رموزا حية. مثل اعمال ماكس ارنست.

 ويذكر بعض علماء النفس ان الاتجاه الى الرمزية هو نوع من تفكك الذهن او العقل وتحلله هذا التحلل يعتبر مظهرا من مظاهر الرمزية، وان الفنان سواء كان شاعرا او صوفيا او مصورا لا يبحث عن رمز لما هو واضح وقادر على ان يفسر تفسيرا منطقيا. وانه يتبين ان الحياة والحياة العقلية بشكل خاص توجد في شكلين، اولهما محدد ذو تفاصيل وشكل خارجي واضح، والثاني هو ربما الجانب الاكبر من الحياة، خفي وغامض لا وضوح فيه. كما يذكر البعض بان الكائن البشري كجبل الثلج لا يطفوا منه الا جزءا صغيرا فوق الماء، والانسان يحاول ان يكتشف بعضا من ابعاد وجوده الخفي وخصائصه لهذا فهو يلتجئ الى مختلف انواع الرموز.3232 فن المجانين

و كانت اعمال الفنان الانكليزي وليم بليك 1757- 1827 يعتبرها البعض اعمال مجانين او ان البعض اعتبرها اكثر من نصف جنون، وبعد اكثر من قرن من الزمن وصلنا الى نقطة التي نعترف فيها بعبقرية بليك، حيث كان يستخدم حساسية شعرية كي يكشف عن رؤياه الرمزية. ويعترف بليك نفسه عن صلته بالفنانين المجهولين، وهو ما دعى بعض المؤرخين الى وضع اعماله في خانة المختلين عقليا.

 وفي عام 1937 اقام النازيون معرضا بمجموعة من اعمال هذا الكتاب وقد رحب السرياليون بهذه الفكرة ودعموها. وقد وجد الفنان الفرنسي دوبوفيه ضالته في هذا الفن البعيد عن المقاييس الاكاديمية، والحر في التعبير عن خلجان دواخل الانسان.3233 فن المجانين

 الكاتب يعترف بانه يقدم اول نص بصري وكتابي يتعامل مع تحليل دقيق عن اعمال فنية عملت من قبل بعض المجانيين. وتظهر في صفحات الكتاب حكايات طريفة لاشخاص رسموها على ورق المرافق الصحية ومنحوتات صنعوها من الخبز (عجينة الطعام) وتكثر فيها الرمزية وربما هم انفسهم ليسوا قادرين على تفسيرها لانها متأتيه من الاعماق الغامضة والخفية وخلفيات لم يتذكرونها.

 في هذا الكتاب نشاهد عالم آخر ينكشف امامنا مزدحم الافكار ومكثف الرموز والمعاني، كما نلاحظ وراء هذه الاعمال ضغوط نفسية ورزايا ربما هي التي ادت بهم الى ان يصلوا الى هذه الحالة من الحياة الحزينة.. فعندما نتمعن النظر فيها ندخل في مقاييس فنية اخرى ليس لها علاقة بالنظام الفني المتعارف عليه والذي نسير عليه في حياتنا الطبيعية. ويمكن ان تضع قدمنا في جهنم المجانيين. 3234 فن المجانين

كان هانس قد اختار عشرة اعمال لهؤلاء المجانيين وعمل عليها دراسة تحليلية واسعة، عن حياة الفنان واعماله وشروحا عن تاثيراته ووضعه النفسي والعقلي وانحداره العائلي او الجذور الاصلية له. وقد اختيرت هذه الاعمال من مئات الاعمال التي يتألف منها الكتاب. وكان هناك تنوع في الاعمال من تصوير ورسم ونحت وانشاآت رمزية وغيرها. وغالبا ما كان يكتب عليها بعض الاشعار والنصوص الادبية والدينية والجمل المبعثرة.

وبعد قرن من صدور الكتاب نعود اليوم لنتصفحه والتنقيب في معانيه ومضامينه وسنكتشف انه ينتمي الينا وانه يشكل جزءا من احلامنا. ثم تتكرر اسألتنا عن، ماهو الفن؟ ومن هو الفنان؟ هل هو العاقل او المجنون؟ او كلاهما؟.. ويبدو ان الفن تتوسع مفاهيمه ومعانيه ومعارفه في كل عصر ومع كل جيل وهذه هي سنن الحياة، ونعم الله على الانسانية وتطورها..

 

د. كاظم شمهود

 

الصفحة 1 من 3

العدد: 5817 المصادف: الثلاثاء 09 - 08 - 2022م