عبد الحسين شعبانمشروع معهد العلمين وملتقى بحر العلوم للحوار

توطئة: حسناً فعل معهد العلمين وملتقى بحر العلوم للحوار، حين حاولا استشراف "أزمة العراق سيادياً" وذلك من خلال مناقشة رؤية خمسة رؤساء سابقين لمجلس الوزراء تعاقبوا على سدت المسؤولية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، العام 2003، وهم كل من: د. إياد علاوي ود. ابراهيم الاشيقر (الجعفري) وأ. نوري المالكي ود. حيدر العبادي  وأ. عادل عبد المهدي.

وكان سدى هذه المبادرة ولحمتها هو موضوع السيادة، سواء بإجاباتهم أو بمشاركة رؤساء مجلس النواب السابقين أيضاً، إضافة إلى  شخصيات أكاديمية وثقافية وسياسية، والهدف من ذلك تقديم رؤية نقدية تحليلية  للإجابات المذكورة، على أن تلتئم ندوة لجميع المشاركين للتوصل إلى استنتاجات وتوصيات ليصار إلى تعميمها على أصحاب القرار، ثم لنشرها كاملة باللغتين العربية والانكليزية.

المبادرة

تكتسب هذه المبادرة أهمية بالغة  للأسباب التالية:

أولاً- إنها تعيد طرح القضايا ذات الطبيعة الإشكالية النظرية والعملية في ما يتعلّق بالسيادة ارتباطاً بالنظام السياسي وآفاق العملية السياسية التي تأسست على قاعدته، خصوصاً بعد حركة الاحتجاج الشعبية التي بدأت في 1 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2019، والتي ما تزال مستمرة.

وثانياً- إنها تنشغل بموضوع السيادة ومدى تحققها عملياً بعد أكثر من 17 عاماً من الاحتلال، وهو أمر مهم ومطلوب، خصوصاً بعد تصويت مجلس النواب على إخراج القوات الأجنبية كافة، إثر مقتل قاسم سليماني رئيس فيلق القدس الإيراني وأبو مهدي المهندس أحد أبرز مسؤولي الحشد الشعبي  يوم 3 يناير (كانون الثاني) 2020 على يد القوات الأمريكية، مع الأخذ بنظر الاعتبار المواقف المتعارضة من وجود القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي بشكل خاص، والقوات الأجنبية بشكل عام، بما فيها توغل القوات العسكرية التركية المستمر والمتكرر، إضافة إلى قواعدها العسكرية التي أقامتها في العراق، ناهيك عن التغلغل والنفوذ الإيرانيين.

وثالثاً- إنها تضع هدفاً لهذه المراجعات يتلخص في إمكانية التوصّل إلى مشتركات واستنتاجات وتوصيات، لاستعادة السيادة العراقية التي ظلّت منقوصة ومجروحة ومعوّمة  منذ غزو قوات النظام السابق للكويت في 2 آب (أغسطس)  1990، وحرب قوات التحالف الدولي في 17 كانون الثاني (يناير) 1991 لتحرير الكويت، وما أعقبها من فرض حصار دولي شامل على العراق، حيث زاد عدد القرارات التي صدرت بحقه  أكثر من 75 قراراً دولياً (نحو 60 قراراً منها  قبل الاحتلال والبقية بعده) ويعدّ بعضها خرقاً سافراً للسيادة وبعضها الآخر تقييداً لها أو انتقاصاً منها أو تعويماً لممارستها.

ورابعاً- إنها تشتبك باتفاقية الإطار الاستراتيجي التي تم توقيعها في الوقت نفسه مع الاتفاقية العراقية - الأمريكية لعام 2008 والتي انتهى مفعولها في 31/12/2011، حيث اضطرّت القوات الأمريكية إلى الانسحاب من العراق لأسباب عديدة، منها ما تكبدّته من خسائر بشرية ومادية ومعنوية، ناهيك عن ضغط الرأي العام  الأمريكي والعالمي، إضافة إلى الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وانعكاساتها على الولايات المتحدة .

السيادة والقرارات الدولية

إذا كان موضوع السيادة وممارستها قد ورد مشوشاً في الإجابات المختلفة، سواءً عدم المجيء على ذكره أو الإتيان عليه بصفته موضوعاً "نظرياً"، وأحياناً اختلط مع مواضيع أخرى أو أنه ارتبط بمفهوم " المكوّنات" وبعض تفسيرات الدستور المختلفة، دون التوقف عند الجوانب العملية التطبيقية (البراكسيس)، فإن مثل تلك الالتباسات القانونية الفقهية والسياسية وردت هي الأخرى في القرارات الدولية التي أصدرها مجلس الأمن الدولي، بدءًا من القرار 1483 الصادر في 22 أيار (مايو) 2003، والذي أعلن انتهاء العمليات الحربية وتعامل مع الولايات المتحدة وبريطانيا بوصفهما دولتين قائمتين بالاحتلال، والقرار 1500 الذي صدر في 14 آب (أغسطس) 2003 الذي اعتبر مجلس الحكم الانتقالي "خطوة مهمة في تشكيل حكومة عراقية معترف بها دولياً وتتولّى ممارسة السيادة "، أو القرارات الأخرى بما فيها القرار الذي سبقه ونعني به القرار 1490 الصادر في 3 تموز (يوليو) 2003، أو القرارات التي تلته، ولاسيّما القرار  1511 الصادر في 16 تشرين الأول (اكتوبر) أو القرار 1518 الصادر في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 وجميعها صدرت ضمن الفصل السابع.

كما صدر القرار 1546 في 8 حزيران (يونيو) 2004 ضمن الفصل السابع أيضاً (بعد إلغاء مجلس الحكم الانتقالي ) ودعا إلى حكومة عراقية مؤقتة مستقلة وتامة السيادة لها كامل المسؤولية والسلطة بحلول 30 حزيران (يونيو) 2004، لكن القوات المحتلة استمرت في العراق بامتيازاتها وحصاناتها الكاملة بجيوشها والمتعاقدين معها، علماً بأن القرارات السابقة  تعاملت مع القوات المحتلة نظرياً على أقل تقدير، بوصفها المسؤولة عن إدارة العراق وضمن  الفصل السابع الخاص بالعقوبات (من المادة 39 إلى 42 من ميثاق الأمم المتحدة)، إلّا أن صدور القرار 1546 أعاد وضع الفصل السابع قيداً جديداً في عنق العراق المقيّد أساساً بنحو 60 قراراً كانت قد صدرت قبل الاحتلال كلّها كانت ضمن الفصل السابع، باستثناء القرار 688 الذي صدر في 5 نيسان (أبريل) 1991 وهو القرار اليتيم والتائه والمنسي من سلسلة القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي، وهو القرار الخاص بوقف القمع الذي تتعرض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق وكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين.

إذا كان العراق قد استمر في الرضوخ مكرهاً لتنفيذ الالتزامات الدولية، فإن المحتل تحرر من التزاماته بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها وأصبح حرّاً طليقاً من القيود، بزعم مطاردة الإرهاب الدولي الذي فتحت الحدود أمامه، حيث تم تمديد مهمة القوات الأجنبية بالقرارات 1637 في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005  و1723 في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 والقرار 1790 الصادر في 18/12/2007 الذي مدّد بقاء القوات الأجنبية إلى 31 كانون الأول (ديسمبر) 2008.

وقد تغيّرت الوضعية القانونية للقوات الأمريكية التي ضغطت لتوقيع اتفاقية العام 2008 لتكريس شرعية وجودها، فبعد أن كانت "قوات محتلة" تحولت إلى فريق في قوة متعددة الجنسيات بقيادتها متعاقدة مع الحكومة العراقية، أي أن "الاحتلال العسكري" تحوّل إلى "احتلال تعاقدي" أو تعاهدي، وامتلكت القوات الأمريكية حرّية استخدام الأراضي والأجواء والممرات المائية لمواجهة أي خطر يتهدّد السلم والأمن الدوليين، أو يعرض الحكومة العراقية أو دستورها ونظامها الديمقراطي للتهديد، فضلاً عن مواجهة الإرهاب الدولي.

وهكذا أنشأت عدداً من القواعد العسكرية وتصرّفت بحرّية بما فيها القيام بارتكابات شنيعة لحقوق الإنسان، سواء في السجون أو من خلال المواجهات المباشرة تحت زعم ملاحقة الإرهابيين دون الحاجة إلى اتباع الإجراءات التي يتطلبها وجود قوات عسكرية في أراضي دولة أجنبية متعاقدة معها، الأمر الذي يتنافى مع قانون المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ولاسيّما اتفاقية فيينا حول قانون المعاهدات لعام 1969 التي تفترض أن يكون الاتفاق بين طرفين متكافئين وعلى أساس الإرادة الحرة دون أن يشوبه أحد عيوب الرضا، وليس كما هو واقع الحال بين طرفين أحدهما قوي ومحتل والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه.

وبالطبع فقد تجاوزت الولايات المتحدة على قواعد القانون الدولي بما فيها المتعلّقة باتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لبروتوكولي جنيف لعام 1977 المتعلقة بالحرب وآثارها؛ الأول- الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني- الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، مستندة بذلك إلى قواعد القانون الدولي التقليدي الذي أصبح من تراث الماضي والذي يقوم على مفهوم "الحرب الوقائية" أو " الحرب الاستباقية"، علماً بأن القرار 1373 الذي صدر في 28 أيلول (سبتمبر) 2001 عقب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة إثر تفجير برجي التجارة العالميين، قد أعاده إلى الواجهة، بأن أعطى الحق في شن الحرب فيما إذا شعرت الدولة أن ثمة تهديداً إرهابياً وشيك الوقوع أو محتمل.

واستندت واشنطن إلى ذلك حين احتلت أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003، بزعم العلاقة بالإرهاب الدولي، إضافة إلى امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، بما فيها غاز الانثركس، الذي اتضح زيف تلك الدعاوى، وهو ما كشف عنه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش  بعد أن مشّطت القوات الأمريكية العراق طولاً وعرضاً.

السيادة الداخلية

وإذا كان ذلك يشمل مفهوم السيادة الخارجية للدولة العراقية،  فإن من يمتلك السيادة الداخلية في العراق أخضع لتوزيع طائفي وإثني منذ مجلس الحكم الانتقالي وكرّس للأسف قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الصادر في 8 آذار (مارس) من قبل 2004 والذي ثُبّت في الدستور الدائم المستفتى عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) العام 2005، والذي تحدث عن ما يسمى بالمكوّنات، وذلك في المقدمة (مرتان) وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142، وليس ذلك سوى نظام سياسي يقوم على مبدأ المحاصصة والتقاسم الوظيفي.

وأعتقد أن ذلك بدأ يتحسّس منه العديد من القوى والشخصيات، بل إن بعضهم يعلن براءته منه ويحاول البحث عن الممكنات لتغييره أو لوضع حد له، لأنه في الواقع أوقع البلاد في ورطة حقيقية أنتجت نظاماً مشوّها يقوم على الزبائنية السياسية والحصول على المغانم، لاسيّما في ظلّ ضعف مرجعية الدولة وعدم تطبيق حكم القانون وولّدت هذه المحاصصة:  الفساد المالي والإداري واستشراء العنف والإرهاب، لاسيّما بشيوع ظواهر التعصّب ووليده التطرّف التي لعبت سنوات الاستبداد والدكتاتورية في ظل النظام السابق، إضافة إلى الحروب والحصار دوراً كبيراً في تغذيتها، خصوصاً بانتشار السلاح والاستقواء به عبر ميليشيات وقوى مسلحة باستخدام أجهزة الدولة أحياناً أو قوى منفلتة من خارجها.

وبالطبع كلّما كانت الدولة صاحبة سيادة كاملة كلّما تمكنت من اختيار نظامها السياسي والاجتماعي بحرية كاملة بما فيها السيطرة على الموارد الاقتصادية، والعكس صحيح أيضاً كلما كانت الدولة مثلومة السيادة أو منتقصة أو مبتورة، كلّما اضطرّت للرضوخ للقوى المتنفّذة فيها، سواء على المستوى الخارجي الإقليمي أم الدولي أم على المستوى الداخلي، دون أن يعني ذلك الانعزال عن المحيط الدولي والعلاقات الدولية، التي ستترك تأثيراتها سلباً وإيجاباً على سيادة الدولة واستقلالها.

ما السبيل لاستعادة واستكمال السيادة؟

لاستعادة السيادة كاملة على المستوى الخارجي يحتاج الأمر إلى إعادة النظر بعلاقتنا الدولية، فعلى الرغم من وجود قوات أمريكية ودولية بطلب من الحكومة العراقية إثر هيمنة تنظيم داعش الإرهابي على الموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014، فإنه بانتهاء هذه المهمة ينبغي انتهاء وجود هذه القوات، خصوصاً وأن البرلمان اتخذ قراراً بذلك بتاريخ 5/1/2020، ولا بدّ من تحديد سقف زمني لتنفيذه وإلّا بقي الأمر مفتوحاً، علماً بأن القوات الأمريكية مارست منذ العام 2003 وحتى الآن أعمالاً تتنافى والسيادة العراقية، بما فيها القيام ببعض الأعمال العسكرية بالضد من إرادة الدولة العراقية التي لم تحسب لها أي حساب، كما حصل في تحليق طائرات فوق مطار بغداد وتعقب عناصر تعتبرها إرهابية، منهم من له مسؤوليات في أجهزة الدولة العراقية .

وللأسف فإن الموقف من وجود القوات الأمريكية ليس موحداً، فالتحالف الكردستاني لم يحضر في التصويت على جلاء القوات الأجنبية، وكذلك التحالفات والقوى السنيّة بأسمائها المختلفة، بل على العكس من ذلك، فإنها تعتقد أن وجود القوات الأمريكية ضرورة لمواجهة داعش من جهة وتدريب القوات العراقية من جهة أخرى، فضلاً عن وجودها سيكون عامل تقليص للنفوذ الإيراني في العراق، وغيابها سيعزز من دور ما يسمى بالقوى الشيعية والنفوذ الإيراني المتعاظم، سواء أعلنت ذلك أم لم تعلن لكن ذلك واقع الحال، في حين أن القوى القريبة من إيران والتي يسمى بعضها بالولائية  تصرّ على خروج هذه القوات، بل ويقوم بعضها بقصف مواقع للقوات الأمريكية بما فيها السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، خارج إطار القوانين والأعراف الدبلوماسية والتزامات الحكومة العراقية التي يدخلها في حالة حرج وتناقض.

ومن مظاهر انخرام السيادة العراقية هو زيارات مسؤولين أمريكان بمن فيهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقاعدة العسكرية الأمريكية في عين الأسد شمال بغداد في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2018 دون إشعار الحكومة العراقية، ناهيك عن طلب إذنها، وكما زار وزير الخارجية مارك بومبيو القاعدة يوم 28 ديسمبر (كانون الأول) 2019، والأمر مستمر ومتكرر منذ العام 2003 ولحد الآن.

ولاستكمال السيادة العراقية على جميع الأراضي العراقية فيتطلب الأمر أيضاً الطلب من تركيا مغادرة الأراضي العراقية وتفكيك قواعدها، وليس حجة وجود قواعد حزب العمال الكردستاني PKK  سوى ذريعة لا يمكن قبولها لأنها تتعارض مع مبادئ السيادة، ولابدّ من إعادة النظر بجميع الاتفاقيات التي تسمح للقوات التركية بالتسلل داخل الأراضي العراقية منذ العام 1984. كما إن استكمال السيادة يتطلب إعادة بحث الاتفاقيات المائية مع تركيا بما يضمن تأمين حقوق العراق وحصته وفقاً لقواعد القانون الدولي فيما يتعلق بالأنهار الدولية، ومثل هذا الأمر ينطبق على إيران، وبسبب استفراد الدولتين واستغلالهما ضعف العراق وتعويم سيادته قامتا بعدد من الإجراءات التي من شأنها حرمان العراق من موارده المائية بما يلحق ضرراً بالغاً بالسيادة والمصالح الوطنية العراقية.

أما بشأن التغلغل الإيراني الناعم  والنفوذ السياسي الهادئ، فلا بدّ من اعتماد استراتيجيات جديدة وفقاً للمصالح العراقية أولاً لكي لا يكون العراق ساحة للصراع الأمريكي - العراقي، وثانياً لكي لا يكون جزءًا من المحاور الإقليمية والدولية المتصارعة، وثالثاً  يستطيع أن يقيم علاقات متوازنة مع دول الجوار غير العربي من جهة ومع الدول الأجنبية الأخرى، فضلاً عن إعادة بناء العلاقات العربية على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وبروح السلم والأمن والإخاء وعدم الاعتداء وحل المشاكل العالقة بالطرق السلمية والدبلوماسية وفقاً للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

أما بخصوص السيادة الداخلية، فيتطلب إعادة النظر بالنظام السياسي ككل والخطوة الأولى تبدأ من الدستور، إما بإلغائه وسنّ دستور جديد أو بتعديله جذرياً، علماً بأن ما ورد فيه من حقوق وحريات واعتماد مبادئ المواطنة هي أمور جيدة ومتقدّمة، لكنها تقدّم بيد لتقيّد في اليد الأخرى، فضلاً عن العديد من القوانين التي شرّعها البرلمان، والجانب الإجرائي في ذلك اعتماد الآليات الواردة فيه، خصوصاً بإجراء مراجعة شاملة كان لا بدّ من القيام بها خلال أربعة أشهر بعد انتخابات العام 2005 .

والأمر يتعلق أيضاً بعلاقة السلطة الاتحادية بالإقليم من حيث الصلاحيات، بما فيها المواد الخاصة بالنفط وتنازع القوانين على أساس قواعد النظام الفيدرالي المعمول به دولياً في أكثر من 40 بلد، وقد تحتاج هذه الأمور إلى حوار وطني شامل يشارك فيه الجميع من قوى ومنظمات وشخصيات أكاديمية وثقافية وحقوقية ومن مختلف التوجهات الفكرية والاجتماعية، والهدف هو تحقيق السيادة الكاملة وبناء نظام سياسي على أساس المواطنة العابرة للطوائف والإثنيات والحاضنة للتنوّع والقائمة على أساس التكافؤ والمساواة والشراكة والمشاركة والعدل الاجتماعي، وهنا لا بدّ من تحديد الأولويات والتدرج فيهان خصوصاً في ظل إرادة وطنية شاملة .

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

......................

* نشرت هذه المساهمة في كتاب من إعداد وتقديم د. إبراهيم محمد بحر العلوم الموسوم "أزمة العراق سيادياً"، دار العلمين للنشر والعارف للمطبوعات، إصدار ملتقى بحر العلوم للحوار، العراق، الكوفة - النجف الأشرف، 2021 .

والبحث  جزء من مشروع يناقش 5 رؤساء وزارات هم : إياد علاّوي وابراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومنظورهم للسيادة، كما يناقش منظور 5 رؤساء برلمان هم : حاجم الحسني و محمود المشهداني و إيّاد السامرّائي و  أسامة النجيفي و  سليم الجبوري، وشارك في الحوار شخصيات أكاديمية وفكرية وثقافية وسياسية في  5 محاورٍ شملت النظام السياسي والوعي بأهمية العوامل الإقليمية والدولية وإدارتها  والمصالح الوطنية والتّوازن الإقليمي الدولي وكيف تعاطت حكومات ما بعد العام 2003 مع مبادئ السيادة.

 

شاكر كريم القيسيبعد 16 عاما تقريبا على أول تجربة انتخابية بعد الاحتلال، شعب العراق ارتضى في بادئ الامر هذا التنوع في نسيجه من مختلف الأحزاب، رغم ما يراه البعض منهم خطورة هذا التنوع الذي قد يهدد وطنيتنا واستقرارنا  ووحدة وطننا  وصيانة كرامة المواطن وعدالته وحريته،وهذا ما أكد صحة  رأي هذا البعض الذي عارض تعدد الأحزاب لاختلافها سياسيا وفكريا وعقائديا وحتى وطنيا . وكما ان ديمقراطيتنا المسلفنة لايضرها نقد علماني  او إسلامي ، الا إنها تضرها المبالغة بالتنازلات التي تمارسها الحكومات بزعم طلبا للسلم الاجتماعي وتحقيق الأمان والازدهارو العدالة والمساواة ، حين تحاول إرضاء الحزب الفلاني على حساب الحزب الأخر حتى لوكان الثمن ضياع هيبتها كسلطة. حيث لايوجد استيعاب حكومي عقلاني لهذه المتناقضات من الأحزاب والكتل، وليست الحكمة في محاولة جعلها أحزابا وسطية معتدلة، في حين أنها أحزاب نجحت بها الطائفية والقبلية والعرقية والمصالح الخاصة .

 والسلام الحقيقي الذي تبحث عنه الحكومة جاهدة، لن يأتي دون أن تكون لها مرجعية منطقية موزونة بميزان العقل والحكمة، تؤول إليها في كل ما تصدره من قرارات، ولابد من قانون لإشهار الأحزاب وتنظيمها ،وهو ان يؤسس الحزب على برامج وطنية مدنية، ويمنع بقانون إنشاء حزب على أساس قبلي أو طائفي او عرقي، ثم لا حزبية بلا حرية، ورغم ذلك فشلت الحزبية في هذا البلد الجريح، وهذا مرده ان الغالبية منها أسس على أساس عائلي أو عرقي او طائفي، وان تسمّت بأسماء براقة كالإسلامية والوطنية، لكنها بالمحصلة تجمع عائلي أو طائفي بالغالب يستغلها من له أجندة خارجية او مصلحية عائلية أو طائفية، ومن خلال التتبع الدقيق لسير مختلف مراحل العملية الانتخابية يمكن رصد جملة من الاختلافات البنيوية والوظيفية التي ادت الى حدوث انتكاسة حقيقية في المسلسل الديمقراطي الذي يزعمونه  بفعل سطوة المال الانتخابي والفساد المتعدد الاشكال والتزوير، والخاسر الأكبر شعب العراق  ومصالحه وحرياته والوطن وكيانه وازدهاره، وهذا لا يحتاج الى شرح بل يرى بالعين، كم من القوانين التي حققها من برنامجه الذي لأجله تم اختياره. ونتخلص من هذه التشرذمات المسماة كتلا وأحزابا بعد ان تحولت إلى دكاكين، والتخلص من الاختيار الشخصي الذي تفشت بسببه الواسطة والتجاوز على حقوق الآخرين وتكديس الناخبين في الوزارات، لهدر الجهد والمال نتيجة تعيينات الأحزاب وتابعيها في الوزارات التي هيمنت عليها، نتيجة المحاصصة الطائفية المقيتة ، ليس الا ليوم الانتخاب!

 وان كان يوجد أقلية تحمل فكرا ومشاريع، لكن السؤال هل تملك أغلبية لتمرير أي مشروع إلا بتشويهه بتكتيكات تفقده محتواه؟

 وهكذا أربع سنوات تلتها أربع واربع  ضاعت بلا مشاريع وتنمية، ومزيد من الحريات بل مزيد من التراجع والتخلف التشريعي والسياسي واختلاق الأزمات وترحيلها الى اربع سنوات قادمة وهكذا.

 ان اختلاف الاحزاب وتطاحنها يؤدي عادة الى الفرقة والتنابذ والتفكك. وكما يقول افلاطون:" ان لاشر لحيق بمدينة اكبر من ذلك الذي اذا نزل بها مزقها شيئا وأحزابا ولاخير تنعم به مدينة اعظم من ذلك الذي حل فيها  ربط اجزائها بعضها ببعض وجعل منها وحدة متماسكة".

ان  تعدد الأحزاب  والروح الحزبية  بهذا الكم الهائل في العراق بات واضحا تفضيل الصالح الحزبي على الصالح الوطني العام.

من هنا نؤكد ان ارتفاع جديد بعدد الأحزاب والتكتلات السياسية التي تستعد للمشاركة في الانتخابات القادمة ،سواء كانت مبكرة او في موعدها المقرر وفق القانون و في ظل غياب قانون واضح ينظم ذلك. فان هذا العدد الذي تجاوز400 حزبا وتشكيلا ،غايته التشويش على الناخبين ،وان ذلك يمثل ظاهرة سلبية وأظن ان بعض الأحزاب المسجلة هي مرحلة تلاشي بعد الانتخابات ،وان الأحزاب الكبيرة التي فشلت طيلة 18 عاما تتجه اليوم الى سرقة" تظاهرات تشرين" على الرغم أنها حاربة تلك التظاهرات بكل قوة ،ولكنها تهدف لسرقة أصوات الناخبين المؤيدين لانتفاضة تشرين.

 وعليه فان ان تلك الأحزاب لن تنجح في سرقة الجهود، عبر أحزاب وهمية لم تشارك بشكل فعلي في حراك تشرين . من هنا  يجب دعم الشباب الثائر الواعي لان يأخذ فرصته للظهور، كونه الحامل لمبادئ وافكار وقيم وطنية صادقة، من خلال التضحيات التي قدمها في انتفاضة تشرين المباركة . فما زال العراق في حاجة ماسة الى هؤلاء الشباب وطروحاتهم وتضحياتهم من قبيل العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية والكرامة الإنسانية لا الى الاستجداء المخجل لمناصب حكومية غير مستحقة!!

 

 د. شاكر كريم عبد القيسي

 

 

كَتَبَ الاستاذُ والاعلاميُّ المُتَأَلِقُ "محمد عبدالجبار الشبوط"، مقالَيْنِ مُهِمَّيْنِ حولَ الارهاب هما: " دينُ الإرهابِ"، والاخَرُ " الارهابُ... اسلامِيّاً "، ولا اختلفُ معَ الكاتبِ على مضمونِ مَقالَيْهِ، وانما اختلفُ معهُ على العباراتِ واستخدامِ الأَلفاظِ . أَنا لا أَرى انَّ عبارة " الارهابُ لادينَ لهُ" عبارةٌ مُضَّلِلَةٌ بل اراها عبارةً صحيحةً . وهنا يجبُ أنْ أُفَرِقَ بينَ الدِّينِ والْتَدَيُّنِ، والاسلامَ والتَّأسْلُم . ممارساتُ داعشَ واخواتِها ليست ديناً، بل تَدَيُّناً مُشّوَّهاً مريضاً اجرامِيّاً هو اسقاطٌ لنفوسهم المريضةِ، ولنزعاتِ الحقدِ والاجرامِ القابعةِ في نفوسِهم، وليستْ اسلاماً بل تَأَسْلُماً في فهمِ الاسلامٍ وممارستهِ، . سَلْ ايَّ انسانٍ مهما كان مستواه الثقافي، هل انَّ ماتمارسُهُ داعشُ ديناً؟ سيكون جوابُهُ لا كبيرةً وقاطعةً . ولذلك يجب أَنْ أُفَرِّقَ بينَ الدينِ الذي هو نصوصٌ يعتقدُ من يدينُ بها أَنّها مُقَدَّسَةٌ وبينَ الْتَدَيُّنِ الذي هو فهمُ وَممارسَةُ الدين . فهمُ داعشَ للدينِ وممارستُها لهُ ليس ديناً . الدينُ برئٌ من فهمِ داعشَ وممارساتِها الاجراميةِ . نعم : لداعش مرجعية ولكنها مرجعيّة تدينيّة أنشأها هذا الفهم المشوه للدين .هذا التمييزُ بينَ الدينِ والتديّنِ ضروريٌّ جداً لتبرِئَةِ الدين مما يُنْسَبُ اليهِ.

فَهْمُ الْخَوارجِ للدينِ وممارستُهم لهُ ليسَ ديناً بل هو تَدَيُّنٌ مُشّوَّهٌ ؛ ولذلكَ النبيُّ (ص) أَخرجَ هذا الفهم َ المُشَوَّهَ والممارساتِ الاجرامية عن الدين، فقد وصف النبيَّ (ص) الخوارجَ بِأَنَّهُم:

(إِنَّ فيكُمْ قَوْمًا يَعْبُدونَ ويَدْأَبونَ، حتى يُعْجَبَ بهمُ النَّاسُ، وتُعْجِبَهُمْ نُفوسُهم، يَمْرُقونَ منَ الدِّينِ مُروقَ السَّهْمِ منَ الرَّمِيَّةِ) (رواه أحمدُ بسنَدٍ صحيحٍ). يمرقون من الدين اي: يخرجهم فهمُهم هذا وممارساتُهم تلك عن الدينِ .

فهمُ داعِشَ وممارساتُها الاجراميّةُ ليستْ اسلاماً بل هي تَأَسْلُمٌ ناتجٌ عن مرجعيتهم التأسلميّة في فهم وممارسة الاسلام .

واشارَ الاستاذُ الشبوطُ الى ارهابِ محاكمِ التفتيش ووصفه بأنّهُ " كانَ دينيّاً مسيحيّاً " واعتبر ارهاب طالبان في افغانستان بِأَنَّهُ :" كان دينيّاً اسلاميّاً سنيّاً"، في حين انّ ارهابَ محاكم التفتيش كان تديناً مشوهاً للمسيحيّةِ الكاثوليكيّة، وارهاب طالبان كان تديناً مشوهاً للاسلام السنيّ الذي اختطفته الوهابية وتدثت باسمهِ .

واحياناً من يمارسونَ الارهاب لاعلاقةَ لهم بالدينِ ولا بالتديّن، وانما يوظفون الدين اسوأ توضيفٍ لتحقيق اهدافٍ سياسيّة . فقادةُ الكيان الصهيوني لاعلاقةَ لهم بالدين ولابالتديّنِ ولكنَّهم يُوظفون التوراة والديانة اليهوديّة من اجل اهداف سياسية ومصالح ايديولوجية ضيّقَةٍ .

واحياناً يكون الارهابُ لادينيّاً، ليس لهُ مرجعيّة دينيّة، ولامرجعيّة تدينيّة، كإرهاب ستالين ومجازره، وارهاب ماوتسي تونغ وقمعه للحريّات، وارهاب هتلر لم يكن ارهاباً باسمِ الله ولاباسم الدين، وانما كان باسم الداروينيّة الاجتماعيّة، والتي هي رؤيةٌ كونيّةٌ تقوم على استبعاد الله من حياة الانسان . الداروينيّة ومبدأ تنازع البقاء وبقاء الاصلح وظَّفَها هتلُر في القول بتفوق الجنس الالماني على بقيّة الاجناس وتبرير قتل الضعفاء بحجة بقاء الاصلح . هذا الارهابُ لم تكن مرجعيتُهُ دينيّةً، فكيف يقالُ انَّ الارهابَ لهُ دينٌ ؟

 وفي الختام : الارهاب العالمي لاعلاقة له بالدين، وانما سببهُ التديُّنُ المشوه، وممارسات طالبان والقاعدةُ وداعش ليست اسلاماً وانماهي تأسلماتٌ أَفرزَها الفهمُ السقيمُ وَأَدّتْ الى ممارسات اجراميّة، الاسلامُ بريءٌ منها ولايتحملُ مسؤوليتها .

 

زعيم الخيرالله

 

2169 الكسندر شيبكوفبقلم ألكسندر شيبكوف

المصدر: مجلة الحياة  الدولية الروسية

ترجمة عادل حبه

الكسندر شيبكوف

تم إعداد المقال بمساعدة إليزافيتا أنتونوفا، رئيس قسم إعداد المواد الموضوعية لمجلة الحياة الدولية الروسية

في سياق الأزمة العالمية المرتبطة بفيروس - COVID 19، يمكن بالفعل التحقق من بعض التغييرات التي طرأت على العالم. بالأمس عشنا تحت شعار "نعيش معا في مجتمع بلا حدود"، واليوم نعيش تحت شعار"ابقوا في المنزل، لا تتصلوا ببعضكم البعض". ويعمل كل بلد لحسابه، كانوا يقولون لنا إنكم بحاجة إلى القليل من دور الدولة والمزيد من السوق. أما الآن يجري العكس، فهم يطلبون المساعدة والحماية من الدولة. في وقت سابق، كانت المستشفيات تعمل على تحسين أدائها وتوفر الأدوية لجني الأموال ألرباح. واليوم انهار مبدأ الربحية المقدس، واتضح أنه لا يعمل. وأهملت المستشفيات قيد الإنشاء، و تم إغلاقها في كانون الثاني الماضي. من ناحية أخرى، لم تتضح بعد عواقب الوباء بشكل كامل، نحن نعيش في عملية غير مكتملة. فلم يتم توضيح العديد من البيانات حول المناعة واللقاحات والطفرات الفيروسية. ولا نعرف ما إذا كان الوباء سيمر علينا مرة واحدة طوال حياتنا أم أنه سيتكرر بانتظام. في سياق الوباء، تجري إعادة هيكلة عميقة للاقتصاد إذا ما انتهى كل شيء في الأشهر المقبلة.

 ها هو ألكسندر شيبكوف، أستاذ كلية الفلسفة بجامعة موسكو الحكومية -لومونوسوف، ونائب رئيس مجلس الشعب الروسي العالمي، وعضو الغرفة العامة في الاتحاد الروسي يورد وجهة نظره على الوجه التالي:

إن فيروس كوفيد -19، هو رأسمالية الكوارث، و تطور العتبة والليبرالية. سيكون هناك تكيف مؤقت، ولكن إذا ما استمر لسنوات، فسيؤثر على الأسس الرئيسية للنظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. لقد تصدرالوباء كل الأعراض الأخرى للأزمة العالمية، بما في ذلك الأزمة المالية.  ولذلك وعلى خلفية COVID-19، يجب على المرء التفكير في كيفية بروز التأثيرات المرافقة. إن تطور العتبة تسعى إلى بلورة صورة التاريخ "قبل الجائحة وبعدها" وإلى تحديد "عتبة" تاريخية، كما لو كانت تدعو إلى بدء الحياة بصفحة جديدة. من وجهة النظر هذه، لا يعنينا فقط الجانب الطبي للوباء، وهو المهم بالنسبة لنا، ولكن رد فعل النخبة السياسية والفكرية تجاهه، حيث يمكن للقوى الاجتماعية المختلفة أن تستغل هذا التحول ليصب في مجرى مصالحها المختلفة نوعاً ما. وهذا يذكرنا بفكرة "رأسمالية الكارثة" التي تم تطويرها منذ فترة طويلة في إطار النقد اليساري لليبرالية. وقد تم التعبير عن الفكرة نفسها تقريباً، ولكن من منطلق مواقف يمينية من قبل أرليك بيك Ulrich Beck الذي إعتبر أنها انتقال إلى "مجتمع خطر"، وإنشاء "فريق خطر عالمي" والحاجة إلى "تنوير جديد". المعنى العام لفكرة العتبة هو أن النخب تقدم عذراً مقبولًا للتخلي عن نموذج المجتمع الذي يزداد سوءًا. ويعرض هذا النهج القرارات السياسية على أنها تقنية وحتمية موضوعياً ؛ ويمكن استخدامها للضغط من أجل طرح أية مبادرة تتجاوز الإجراءات الديمقراطية والمناقشة العامة.

وهذا ما يسبب القلق المشروع. في المحيط الكنائسي، يصبح التفكير الأولي أيضاً محسوساً، ويرد إلى أسماعنا المزيد والمزيد من العبارات الخرقاء بأن الكنائس الخالية من خدمة الأبرشية ليست ضرورة طبية فحسب، بل أنها "إشارة من السماء"، وإن الرب بمساعدة الفيروس، "يخرجنا من الكنائس، لأننا أغضبناه"، وبشكل عام فإن نهاية الضوء على المسيرة.

تتحول لاحقاً هذه الباطنية الصريحة بسرعة إلى مستوى عملي وتعرض علينا كتعويض عن ذنوبنا الجماعية أمام الله الغاضب لإصلاح الكنيسة على وجه السرعة. لقد تم بالفعل وضع قائمة بالإصلاحات الضرورية: إلغاء المؤسسة البطريركية، وانتخاب الأسقفية، ونقل الموظفين والسياسات المالية إلى مستوى العمداء، وترويس العبادة، وما إلى ذلك. كل هذا هو الخطاب النموذجي لفكرة العتبة. لقد ظهرت عبارة "اللاهوت بعد الجائحة" في الأوساط الكنسية. وهي ليست المرة الأولى. قبل ذلك، كان هناك "لاهوت ما بعد أوشفيتز"، و"لاهوت ما بعد 11 أيلول"، و"لاهوت ما بعد ميدان(أحداث "ميدان" في كييف عاصمة أوكراينا-المترجم)،" وما إلى ذلك.

ويرافق مثل هذا الخطاب نظام طوارئ. ففي سياق الوباء، تجري إعادة هيكلة عميقة للاقتصاد، وإذا ما تم ذلك في الأشهر القريبة، فسيكون ذلك عبارة عن تكييف مؤقت، ولكن إذا ما استمر لسنوات، فسيلامس أسس المنظومة الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية القائمة الآن.

الأوضاع في إطارها الليبرالي تطرح مطالب حول إتخاذ بعض الإجراءات غير المشروطة والتي لا تتحمل أية اعتراضات. ويتم اليوم وبإستمرار التعبير عن أيديولوجية تطوير العتبة بصوت عالٍ. فهناك أسباب اجتماعية - اقتصادية لذلك، تتمثل في التآكل والتلف الشديد للنموذج الليبرالي للمجتمع ومحاولة الأوصياء عليه الاحتفاظ بمناصبهم بأي ثمن.

لقد أشرنا إلى موضوع العلاقة بين العمليات الاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية السياسية، في كتابنا المشترك "الاقتصاد والمجتمع" مع الأكاديمي سيرجي جلازييف، الذي ننتظر نشره. وهناك العديد من الأسئلة التي ظهرت اليوم وتم التعامل معها في هذا المؤلف. فالتحول هو كعملية الشفاء من الوباء، أدت إلى تراكم عملية "الكشف" عن المشاكل، التي استمرت لفترة طويلة، ولكن اليوم يتحدث عنها الجميع تقريباً. حتى أليكسي كودرين اعترف بأن الأزمة "غير دورية". ومن ثم فهي هيكلية وأساسية لا يمكن أن تنتهي دون تغيير النموذج الاقتصادي والأيديولوجي القائم الآن.

إن المتحدثين الليبراليين يعيدون البناء بالفعل، لأن شروط اللعبة قد تغيرت. وعلى سبيل المثال، أصبح إنتقال رأسس المال والعمالة حول العالم في ظل الوباء مشكلة بحد ذاتها. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع علم الاجتماع الحديث شرح العديد من العمليات الحالية، على سبيل المثال، الانحدار الوشيك وتفكك الطبقة الوسطى، وهو ما يحذر منه حتى الآن ممثلو الصحة والسلامة والبيئة. الطبقة الوسطى، التي ولدت بالفعل في المختبر - من أنبوب اختبار اقتصادي - لم تعد مهيمنة. وينتقل ممثلوها إلى فئة الطبقات الاجتماعية الدنيا.

ويحدث هذا بسبب تراجع الاقتصاد القائم على تحفيز الطلب، ومعه تتقوض أسس "المجتمع الاستهلاكي" الذي اعتدنا عليه. سوف تتقلص الحالة الإستهلاكية  (دواء من الطبقة الوسطى)، والإنتاج، بشكل أساسي سوف لن يخدم إلا للاحتياجات الحيوية غير المشروطة. في الدين المسيحي يطلق عليه الزهد. والحجر الصحي يعلمنا بالضبط هذا النمط من الحياة.

يمكن أن تؤدي هذه الوجهة إلى تعافي المجتمع. إن إستعراضات رجال الأعمال وترفهم ومشاريعهم الرقمية - كل هذا يجب أن يدخل في بوابة ترفيه باهظ الثمن، ولكنه غير ضروري. كان من الصعب علينا السير في هذا الطريق من التعافي، لكن فيروس كورونا أجبرنا على ذلك. لقد أظهر لنا انتشار COVID-19، على وجه الخصوص، عجز الأساليب الإحصائية الحديثة. فلا يزال من المستحيل تكوين صورة واضحة لما يحدث بالرغم من البيانات والأرقام الكثيرة. فالبيانات غير منسقة. واتضح أنه لا يوجد أي قدر من "النجاح" يمكن أن ينقذك من الالتهاب الرئوي الفيروسي، وأن الأثرياء أيضاً يلقون حتفهم.

يلاحظ أن هناك شلل تام في علم الاجتماع الإحصائي. ولنا في ذلك مثال آخر هو قصة "التحسين" في الميدان الطبي. فبعد التحسين، انخفض عدد المؤسسات الطبية بشكل حاد، وأصبح الوصول إلى الأخصائي المناسب مشكلة حقيقية. ولم تكن البنية التحتية اليوم جاهزة لاستقبال مثل هذا العدد من المرضى المصابين بأمراض خطيرة. وعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة، حيث يعمل الطب الخاص بشكل أساسي، وبالتالي فإن الحلول المركزية مستحيلة، وبشكل عام كان هناك فشل كامل في التعامل مع فيروس كورونا. ومن الواضح أنه سيتعين علينا إعادة النظر في الموقف تجاه المعلومات وقيمتها. وأسعار المعلومات الدقيقة والجيدة آخذ في الازدياد. كنا نعتقد أنه في محيط فرص المعلومات يمكن أن نضمن حلولاً وخيارات عقلانية. ولكن هذا ليس هو الحال. سيتعين علينا التخلي عن المعلومات غير الضرورية، ومن "ضوضاء المعلومات" بلغة علم التحكم الآلي، والتعامل مع إنتاج المعلومات فقط ذات التطبيق العملي العالي - وتلك التي تقلل، ولا تزيد من عدم اليقين.

وتطهر أيضاً مسألة المساواة في المعلومات أو عدم المساواة، لأن الحق في الحياة يعتمد الآن على هذا. لقد أماطت الأزمة اللثام عن بعض الضلال حول القيم. على سبيل المثال، اتضح أنه لا يوجد قدر من "النجاح" يمكن أن يخلصك من الالتهاب الرئوي الفيروسي، وأن الأثرياء يموتون أيضاً. واتضح أن الأشياء الأساسية حقاً هي ليست على الإطلاق تلك الأشياء التي فكرنا بها وتحدثنا عنها مؤخراً. في المستقبل القريب، سوف ينكشف الصراع من أجل "إرث" الوباء. فخدمات التوصيل والتجارة المتسلسلة تجني بالفعل ثمارها، ولكنها مجرد أشياء صغيرة  وتمثل أدنى أرضية للاقتصاد.

سيبدأ صراع جدي من أجل شبكات معلومات وأنظمة تحكم جديدة. وهذا الأمرمحفوف بتهديدات تتعلق بالحد من عناصر الديمقراطية، التي لا تزال بقاياها موجودة في مجتمع الرأسمالية المتأخرة. عندما يتم تمرير الحلول الأيديولوجية على أنها تقنية وضرورية، فهذا بالضبط ما يحدث. في مثل هذه اللحظة، ترتبط التقنيات الاجتماعية الرقمية بأساليب إدارة المجتمع، والتي لا يمكن اختبارها من حيث ملائمتها وكفايتها، لأنها ليست في عداد اليشر.

لا يمكن النقاش حول الأرقام، فهي أصيلة على غرار الطبيعة نفسها. ومن السهولة بمكان الاختباء وراءها من قبل أولئك الذين بيدهم عتلات التحكم الذين يتظاهرون بأن الأرقام تعمل بمفردها، في سعي للتخلي عن طائلة المسؤولية. ولذلك فإنني على خلاف مع أفكار الفيلسوف فيودور جيرينكو، التي صاغها في إطروحته المثيرة للاهتمام بعنوان "فيروس كورونا: الحرية أم المصير؟"، وإننا سنكون سعداء لو انتقلنا من مجتمع التخيل والتأمل في المعاني إلى مجتمع "الرقمنة" و "الضرورة". بهذه ال الطريقة ييتم النظر إلى الإطار الاجتماعي والسياسي الجديد  التي عززت العزلة الذاتية القسرية بفعل دور الإنترنت في حياة الناس. وهذا اتجاه مقلق للغاية، الذي سيجلب معها قادة الصين والشرق بأجمعه بعد إنهيار قيادة الغرب. أعتقد أن الغرب يتبنى التقنيات الرقمية من أجل إعادة تشكيل المجتمع في نظام من مجتمعات ألغوراثمية يمكن إدارتها بسهولة. بهذا المعنى، لا يهم على الإطلاق من سيفوز. لأن هذا هو مسار شمولي يمكن استخدامه من قبل النخب ذاتها التي تتعرض للخسارة الآن وتسعى جاهدة للحفاظ على مواقعها، والتشبث بها، أي النخب المالية العابرة للقوميات في الغرب، وليس التجمعات المجتمعية في الشرق.

إن العولمة أو تعددية الأقطاب في الوقت الحالي، ينطوي على صراع محتدم بين أنصار تعدد الأقطاب، أي عالم الأقاليم الكبيرة وأنصار المساواة بين الثقافات، وبين مؤيدي استمرار العولمة بأي شكل وبأي ثمن، أي مؤيدي المعايير الموحدة. وبعبارة أخرى، صراع بين الديمقراطية المحافظة وبين الاستبداد الليبرالي. وأخشى أن تقف التكنولوجيا الرقمية والتكنولوجيا العضوية إلى جانب الأخير. لكن هناك عامل واحد يجمد الوضع، ويدفع صوب أزمة طويلة الأمد، أو إلى خيار آخر هو ترميم قاعدة مصادر العالم القديم، وترميم فعالية إعادة إنتاج رأس المال. إن الاتجاهات البعيدة الأمد لا تصب في صالح أنصار العولمة. وإن تجزئة العالم المعولم هي مسألة وقت. في بعض الأحيان يسمى هذا تعدد الأقطاب أو تعدد المراكز، وأحيانًا تعدد المناطق، وتشكيل المناطق الكبيرة. وأحيانًا يتم استخدام مصطلح "العزلة الذاتية" أيضاً.

ومن المفارقة إن الجديث لا يدور حول عزل شخص ما عن الآخرين، بل عزل الجميع عن الجميع. إن المنطق يوضح أنه: إذا كانت جميعها أجزاء منعزلة، فأين الكل؟ أين هذا "العالم المتحضر"؟ إنه غير موجود، إنه عالم خيالي. لنأخذ الولايات المتحدة كمثال، وهي نادراً ماتحجم عن الدخول في اتفاقيات دولية، وعلى سبيل المثال، الإتفاقيات بشأن البيئة أو حول الحقوق. ولكن على العكس من ذلك، فإن الولايات المتحدة تسعى جاهدة لتطبيق قوانينها خارج البلاد. فهل هذه هي العزلة؟

نحن لا نسميها على هذا النحو لسبب واحد فقط: لقد كان لديهم على الدوام مواقع قوية. وهذا يعني أن المسألة ليست في العزلة بحد ذاتها، بل في الوزن السياسي وتوازن القوى. ومثال آخر هو: عندما يتحدث الليبراليون عن حقوق الإنسان الأساسية، فإنهم ينطلقون من موقف ذاتي مستقل، وليس عن ما هو مشترك. وهذا موقف انعزالي تماماً. كل ما في الأمر أنهم في هذه الحالة يصفون الاستقلالية بشكل إيجابي والكلية بشكل سلبي كلي، بينما يفعلون العكس تماماً في العلاقات الدولية. إن كل هذا يتوقف على التفسير الأيديولوجي لمفهوم "العزلة". اليوم ليس من المناسب استخدام مفاهيم مهترئة وعفا عليها الزمن ومثقلة أيديولوجياً، فهي لا تقدم لنا أي شيء . إننا بحاجة إلى إلقاء نظرة على الوضع الحقيقي للأمور. إن ازدهار التنوع الثقافي والتاريخي للمناطق هو، في رأيي، اتجاه إيجابي. ويجب أن يكون للتعددية أساس تاريخي. ومن الأفضل دائماً التفاوض حول مواجهة التحديات المشتركة بشكل علني وعلى قدم المساواة، وليس في ظل ظروف هيمنة أي طرف من الأطراف.

تصحيح الليبرالية بالمعنى الأخلاقي

تراجعت قيم الليبرالية حتى عندما بدأت في التقليل من أهمية القانون الدولي، ودعمت علناً "الثورات الملونة" والأنظمة اليمينية المتطرفة والنضال ضد التراث المسيحي. وبدأت الآن عملية تداعي قاعدتها الاجتماعية والمالية والاقتصادية. لقد قلت بالفعل أنه بعد تراجع آلية تحفيز الطلب في الاقتصاد، برزت أزمة الطبقة الوسطى – القوة المهيمة للرأسمالية الليبرالية. ونتيجة لذلك أصبح نظام القيم الليبرالية لما بعد المادية موضع سؤال. وسوف يفسح مفهوم "ما بعد المادية" الطريق للتقسيم الكلاسيكي للقيم إلى مادية وروحية. وتظهر الأزمة أنه لا يوجد "مجتمع تكافؤ الفرص" في الواقع ولم يكن موجوداً في ظل ظروف نموذج القيمة الداروينية الاجتماعية. إن المساواة الاجتماعية ممكنة فقط في ظل ظروف الحق الأخلاقي، وليس في ظل القانون "الطبيعي"، أي الأداة التي تصر عليه الليبرالية. ونتيجة لذلك، ستخضع الفلسفة الاجتماعية لليبرالية لبعض التصحيح، وستعود إلى الواجهة الأوصاف الاجتماعية للمجتمع، وإن كان ذلك في ظل ظروف جديدة، إلى القطبية الكلاسيكية - القمة والقاع والعلاقات بينهما. وستتحرر العلوم الاجتماعية من التسييس الذي خدمته من خلاله فكرة تفوق الأيديولوجيات الحديثة والعلمانية والوضعية. وسوف تفقد وظيفتهم الوقائية، وسوف نكون قادرين على الابتعاد عن تفسير أحادي الجانب لمفهوم الحقوق الأساسية للفرد. في هذا الصدد، وتصبح القضية الرئيسية هي أولوية مجموعة أو أخرى من الحقوق. كما سبق أن كتبت في كتاب "التقاليد الاجتماعية"، الذي نُشر عام 2017، في إطار الليبرالية، تعتبر الحقوق السياسية لها الأولوية.

في الواقع، يمكن أن تكون هذه الحقوق مفيدة فقط لمجموعة اجتماعية ضيقة وطبقة من السياسيين المحترفين والمقربين لهم. فهم لم يقدموا شيئاً لغالبية أفراد المجتمع. فالحقوق الاجتماعية والاقتصادية تعني توفير الخبز لمعظم أفراد المجتمع.  لكن في ظل ظروف الرأسمالية الليبرالية، فهي تحتل المكان الأخير ويتم تقليصها إلى الحدود الدنيا بكل طريقة ممكنة، مما يخلق ظاهرة الديمقراطية المزيفة الليبرالية. إن الديمقراطية الحقيقية تولي الأولوية للحقوق الاجتماعية. و أصبحت اليوم الأجندة الاجتماعية أكثر إلحاحاً في العالم.

في ظروف تفشي البطالة، يطالب الناس بتقديم إعانات إضافية عشوائية والتي يطلق عليها أسم "أموال الهليكوبتر"( Helicopter money). وهذا يفترض مسبقاً دوراً نشطًا للتعليم العام عبر الإنترنت،  ولكن لو إستمرت هذه الممارسة فستؤدي بلا شك إلى تدمير التعليم الوطني. ومع ذلك، فإنني أسمي هذا الاتجاه مجرد تعزيز للديمقراطية، لأنه يخدم مصالح الأغلبية الاجتماعية. ومن الأمور الأخرى أن البيروقراطية الاقتصادية في روسيا ليست في عجلة من أمرها باتخاذ تدابير اجتماعية وتحول البلاد إلى احتياطي من الليبرالية المتوحشة. للأسف، هذه ليست المرة الأولى التي نسعى خلالها إلى العثور على موضع قدم في قطار يسير في الهاوية.

فيما يتعلق بالاشتراكية، فإن السؤال برمته يدور حول إطار هذا المفهوم، أية إشتراكية. على أي حال، لن أقوم بربط أفكار دولة الرفاهية بشكل مباشر بهذا النموذج الاشتراكي التاريخي أو ذاك، ولكن من المرجح أن يزداد تأثير هذه المجموعة من الأفكار على خلفية الأزمة الليبرالية الراهنة. فليس من قبيل الصدفة أن يقرن الرئيس فلاديمير بوتين قراراته بخطاب "يساري" على نحو متزايد، وفي بعض الأحيان يتخذ طابعاً عاطفياً بشكل يلفت الإنتباه.

إن الحياة على الإنترنت إذ تعزّز العزلة الذاتية القسرية، فإنها تزيد من  دور الإنترنت في حياة الناس. وهذا اتجاه مقلق للغاية. فهو قادر على تحفيز ما يسمى بعمليات "التحسين"( optimization)، وفي جوهرها، تدنيس العديد من الممارسات المفيدة وذات الأهمية الاجتماعية. ويتعرض مجال التعليم بالفعل إلى التدمير من أجل تابية مصالح الإحتكارات، التي تحتاج إلى سوق عمل بدائي في روسيا ذي كفاية محدودة ونقص في المعرفة الواسعة والنظامية وفي المكون القيمي والتربوي في التعليم.

لأن أية قيم جدية تعرقل وعي السوق، تولد دوافع زائفة. من وجهة نظرهم، نحن أذكى مما ينبغي. وليس من قبيل المصادفة أن أناتولي تشوبايس قال ذات مرة: "إنني أعيد قراءة دوستويفسكي. ولدي كراهية جسدية تقريباً لهذا الشخص.إنه بلا شك فرد عبقري، لكن فكرته عن الروس كشعب مقدس مختار، وعبادته للمعاناة والخيار الخاطئ الذي يعرضه تجعلني أرغب في أن أقطعه إرباً إربا ".

لقد أدت محاولات الإنتقال المؤقت (في إطار الحجر الصحي) لأطفال المدارس إلى أشكال العلاقات الألكترونية مع المدرسة بالفعل إلى الزيف والإلتباس والاختراق المباشر للعمل. وسيؤدي التعليم عبر الإنترنت كممارسة مستمرة بلا شك إلى تدمير عملية التعليم الوطني على هذا النحو. يحتاج التعليم إلى بيئة تواصل عادية، وحواراً كاملاً مع الطلاب، والتواصل بين الطلاب أنفسهم في ظروف طبيعية، وهناك حاجة إلى علاقات معينة داخل الفريق، وأن يكون التعليم ونهجه قائم على القيم المعرفية. لن يتعلم الأطفال عبر الإنترنت أي شيء، ستنزلق الأمة إلى حالة القبائل الأصلية البرية. ومن السهولة بمكان التلاعب الاقتصادي مع مثل هؤلاء السكان. في الواقع، إنها حرب أعلنتها المؤسسة الرقمية والشركات على الدولة والمجتمع وتقاليدنا الإبراهيمية، تقاليد الكتاب والكلمة والشعارات. نحن نعيش بالفعل في حالة "عدم وجود حقيقي"، وصفو مؤلفو "ضد اليوتوبيا" في القرن العشرين شيئًا مشابهاً له.

يجب القول إن فكرة نقل التعليم إلى الإنترنت تعود إلى أكثر من عام، وبرزت الآن اللحظة المناسبة لتطبيقها في حالة وبائية طارئة. وهناك  إقتراح حتى في المدارس الإسلامية والسيمينارات الأرثوذكسية في السنوات الأخيرة بالإستفادة من تجربة الأنتقال الجزئي إلى الإنترنت. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى التدمير التدريجي للمؤسسة الروحية. لقد طرحت في أعقاب الوباء، مقترحات للإنتقال إلى الخدمات عبر الإنترنت وإجراء القربان المقدس عبر الإنترنت. أريد فقط أن أسأل هؤلاء الناس: "هل أنتم مستعدون أيضاً للذهاب إلى الجنة عبر الإنترنت؟". إن نموذج المجتمع المنقسم هو النموذج الاجتماعي للليبرالية، والذي يعني منذ البداية التفتيت وإغتراب الناس، و "حرب الكل ضد الكل". ومن هنا تبرز الصعوبات الوجودية والنفسية عند الكثير من الناس.

إن الوباء و وما رافقه من العزلة بهذا المعنى لا يضيف شيئاً جديداً على حياتنا، إنهما يؤكدان فقط على المشكلات القائمة. في الواقع، إن المصدر الحقيقي لأي مظهر من مظاهر الخوف يكمن في داخل الشخص. ففي الخارج لا يوجد سوى أشباح المخاوف، ثقوب الأوزون والأسلحة النووية والفيروسات والإرهاب والجريمة. وإن أية محاولة لدحر الخوف عن طريق البحث عن الأسباب الخارجية لا طائل  منها لأنها خاطئة، فالخوف "يكمن في دواخلنا". إنها معركة أشبه بمعركة دون كيشوت ضد طواحين الهواء. ينبغي البحث عن السبب الحقيقي في دواخلك. عندما تجده سيكون من السهل إزالة حالات الخوف واليأس، أو بالأحرى استبدالها بحالة أخرى، مثل الحب والسعادة. إن المخاوف، والاستياء، والغيرة، والحسد، والغرور، والإدمان على المخدرات أو أي إدمان آخر، والتساهل في المشاعر - كلها أشياء قريبة جداً. إنها الشروط الأساسية لتشكيل الاحتياجات غير المشروطة والحد الأصمى من التبعية الاقتصادية والسياسية للفرد. ومن المستحيل حل مشكلة الرعب الوجودي باستخدام علم النفس أو بالقدرات الخارقة للإنسان. فلا يمكن استبدال الخوف إلا بالفرح ("بالسعادة والهناء"، على حد تعبير مصطلحات الإنجيل).

 

...............................

*ولد الكسندر فلاديموروفيتش شيبكوف في عام 1957 في مدينة لينينغراد، إنه فليسوف سياسي روسي وشخصية إجتماعية وعالم في علم الاجتماع الديني ومتخصص في في ميدان العلاقات الدولية. حصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية وشهادة الدكتوراه في العلوم الفلسفية. ويشغل الآن كبروفسور في قسم  فلسفة الدين في جامعة لومونوسوف في موسكو.

 

 

 

عدنان ابوزيدخاض مقال سابق في تصنيفات اليسار واليمين في العراق، بين تيارات محافِظة، أغلبها يمتلك النفوذ، واتجاهات مدنية وجماعات شعبية، شعبوية، تعتقد بالتغيير، في أسلوب إدارة الدولة، وممارسة السلطة.

اللافِت في المسألة العراقية، اختفاء الأيديولوجيا، والنظريات العقائدية الملهمِة للأطراف الفاعلة، ولم يعد يسيرا تبويب محاور الصراع في خانة اليسار أو اليمين، على الرغم من حدّة الاشتباك والتضاد النوعي بين "سلطة" و"معارضة".

يبدو جليّا، أنّ العراك السياسي والفكري توجبه العوامل المادية المرتبطة بمستويات المعيشة، والخدمات والبنية التحتية، والتي تحل محل المعجّلات العقائدية التي تدفع الأفراد الى الانتفاضة.

لنعود الى تصنيفات انحسرت الان وكانت قد سادت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فنضع الكتل السياسية والأحزاب الفاعلة، واغلبها محافِظة، أو تقودها نخبويات عشائرية أو رأسمالية، في خانة اليمين، ونجعل من الحركات الميدانية في الشارع التي تقود التظاهرات في اليسار، كما يمكن تسمية الحركات والافراد الداعمين الى نظام ليبرالي ديمقراطي حقيقي منفتح على العالم لاسيما الغربي منه، باليساريين، فيما خصومهم هم أولئك اليمينيون.

اللافت أيضا ان الحالة العراقية بعد 2003، تنحسر عنها، الأحزاب المنظّمة، التي يتنادى افرادها بصورة دورية، ويتلقون الأوامر المركزية، ويُحاسَب افرادها على سلوكياتهم، ويعدّون التقارير عن انجازاتهم، وهو أمر عملت به الأحزاب التقليدية العراقية بطريقة التنظيم الحزبي منذ عقود طويلة، فيما التكتلات السياسية الجديدة، هي تكدّسات بشرية مؤقتة تحرّكها المناصب والانتخابات.

واحدة من التفسيرات لهذه الظاهرة، هو التأثر بالعولمة التي انجبت جيلا جديدا يؤمن بالمتبدلات المتسارعة في الأفكار والماديات، وأصبح تدجينه في عقيدة معينة، وتعطيل العقل عنده، امرا صعب المنال، وقد جعله الانفتاح على تواصل شديد واختلاط عظيم مع ثقافات وحضارات العالم المختلفة، الامر الذي يفسّر هذا التبدل الشديد في الشارع لصالح الشباب المتحرر الليبرالي، المتجاوز للسلوكيات المؤدلجة.

الأحزاب التاريخية، والأيديولوجيات النمطية حتى اليسارية منها، لم تعد تشكّل حتى قيمة رمزية أمام الجيل الجديد، وتكاد تتبعثر المنظومات الفكرية التي تستطيع جذب الشباب الى حقولها المغناطيسية، واذا كان هذا الامر حدث في أوربا من قبل، حيث الأحزاب، زمر انتخابية على درجة عالية من الوعي بالمشاريع والأهداف، لفرض منهج معين على إدارة البلاد عبر الفوز بالانتخابات، فان ذلك حريّ ان يُلتفت اليه في العراق، وان تدرك القوى النافذة ان التغيير يجب ان يستمد الدراية من تجارب الدول الناجحة ديمقراطيا، والتي انقلبت فيها رموز السلطة والجاه، الى متغيرات وليست ثوابتا مقدّسة. 

على اليمين واليسار في العراق إذا صح هذا الوصف، تجاوز العصبية الفكرية واستيعاب عصر العولمة ونهاية عصر الأيديولوجيات، وأن يسارع الى اللحاق بجيل التطور السريع في التكنولوجيا ووسائل التواصل، وتقنيات الاقناع الجديدة، ولن يحدث ذلك الا باستبدال الذهنية السياسية التقليدية التي تدير برامجها بأسلوب الدكتاتوريات الراسخة وأفكار القرن التاسع وحتى القرن العشرين.

قد يبدو مُستغربا في نظام ديمقراطي، حدوث القطيعة بين ساحات التظاهر والقوى السياسية، ففي الديمقراطيات المعروفة لا يحدث ذلك، وسبب ذلك هو الاستقطاب الحاد، الذي يؤشّر على ولادة جمهور متطرف، متزمت، من معارضين وموالين، بينما راحت الصرامة الاعتقادية والسلوكية التي يمثلها أولئك الذين يصفون أنفسهم بـ"الثوريين المخلّصين"، يتبنى رؤية أحادية في وضْع سبل النجاة، تقوم على قاعدة فشل الطبقة السياسية برمّتها في الحكم، من دون الخوض في أسباب الإخفاق.

رغم ذلك، فان قواعد اللعبة الديمقراطية، يجب أن تتوالى، على رغم الاستعلاء والتشامخ في الاستقطاب الفكري والسياسي بين الطرفين. 

 

عدنان ابوزيد

 

 

عبد الجبار نوريإن خيباتنا الأقتصادية والسياسية والسيادية كثيرة ربما جراحاتنا بسعة جغرافية وطننا المبتلى، فيها أصحاب القرار السياسي طلاب سلطة وليسو طلاب دولة، ووضع أقتصادي مُعقد بسبب سوء أدارة الحكومات المتعاقبة بعد 2003 يسودها الفوضى والعشوائية وغياب التخطيط المبرمج والممنهج مع عدم الرجوع إلى وزارة التخطيط وخاصة في مشروع موازنة 2021 لغياب مؤسسات الدولة وتدخل الأحزاب والكتل المتنفذة في مفاصل الأقتصادية للدولة والتي أوجدت الدولة العميقة التي تضيف نكوصاً وفشلاً على الوضع الأقتصادي للبلاد.

وحرصتُ أن أحصل على مسودة " موازنة 2021" درستها بأستفاضة وشخصت  بعض مخرجاتها السلبية أرى:

أنها موازنة بائسة معتمدة على القروض الداخلية والدولية، وإنها أعدت على عجل، بأرقام غير دقيقة، ولم تعرض على وزارة التخطيط، وأشارات بزيادة الأنكماش الأقتصادي، وتخلو من برامج تحفيزية حقيقية جعلت الشعب العراقي يستذكر العودة إلى زمن الحصار الأقتصادي، ويا سادة ويا كرام إن موازنتكم البائسة هذه سوف تزيد الفقراء فقراً واللصوصية ثراءاً وفحشاً، وأن الوطن المنكوب ذاهب إلى الهاوية، وهذه بعض الملاحظات:،

-الأرتفاع المفاجيء لسعر الدولارفي مسودة الموازنة، مما أدى إلى خفض القوّة الشرائية للمواطن والتسبب في كساد السوق.

- أستقطاع من رواتب الموظفين، وفر ض رسوم على البنزين .

- وفي مشروع موازنة 20-21 تضمنت الأقتراض من أكثر من 50 جهة لتأمين الكهرباء فقط والكارثة بضمانة سيادية .

- وفي الموازنة هناك دوائر ووزارات لم تقدم بعد حساباتها الختامية منذ سنوات ربما منذ سنة 2012 .

- أحتساب أيرادات النفط الخام على (التخمين) وذكر رقم 42 دولار للبرميل الواحد، بالوقت الذي صعد اليوم إلى أكثر من 50 دولار .

- التوزيع الغير عادل للثروات بين المحافظات مثلا البصرة المغبونة التي تضخ الميزانية العراقية بأيرادات النفط بنسبة 90%، وفي

محافظات الوسط والجنوب هناك عشرة ملايين مواطن تحت خط الفقر .

- مشروع موازنة 2021 تفرط بعقارات الدولة، كما ورد في المادة 60 من قانون الموازنة: " تجيز بيع الأصول المالية للدولة وشركاتها العامة " (طريق الشعب).

وأعتقد أن الموازنة المطروحة للمناقشة تحت قبة البرلمان سوف تمرر على علاتها وألغامها فهي كارثة في تحميل الأجيال المستقبلية نتائجها الكارثية .

وهذا وصف موجزللحالة المزرية للأقتصاد العراقي

لما بعد الأحتلال الأمريكي البغيض في 2003 ولسبعة عشر عاماً عجافاً غاب فيه الأنتاج وزاد فيه الأستهلاك وساد الفوضى والعشوائية والأبتعاد عن التخطيط الممنهج أوجزه بما يلي:

-وصول نسبة الأغراق في نظام السوق إلى 95% والذي أصاب الصناعات الداخلية بالشلل التام وللقطاعين الخاص والعام، كما أتت سياسة السوق المفتوحة إلى أغراق العراق بسلع رخيصة ومبتذلة كمالية وربما الطامة الكبرى تكون مسرطنة وملوّثة طالما يفتقد المستهلك ثقافة السوق وأتباعه هوساً شرائياً .

- أنخفاض النقد الأجنبي لموجودات البنك المركزي الذي يعتبر غطاءاً للعملة المحلية .

- إن العراق دولة ريعية وتبقى رهينة الريع الطبيعي تختفي فيها الأنشطة الأقتصادية المساهمة في مداخيل الميزانية، ومن عيوب الأقتصاد الريعي: أمتلاك الدولة فوائض من رأس المال تحاول البيروقراطية الأقتصادية أن تجعل أساليب الأنفاق العام تحت هذه الظروف الملتوية وبالتالي تؤدي إلى نتائج وخيمة عكسية في تعويق عملية التقدم والتطور للنظام الأقتصادي المجتمعي، ومن كوارث الأقتصاد الريعي إنها تضخ الأموال الطائلة تستعملها الحكومة (كمخدر) لأمتصاص غضب الشارع، بينما وجههُ الآخر يؤدي إلى تشجيع الأستيراد وطرد العملة الصعبة التي حصلت عليها الحكومة من أيرادات بيع النفط الخام من نتائجها تعرض الدولة لأضطرابات أقتصادية ما دامت متصلة مشيمياً بالسوق العالمية وخير مثال على ذلك هبوط سعر البرميل من النفط الخام عالمياً من 110 دولار للبرميل الواحد إلى 41 دولار وأقل .

- ولم تكن لسلبيات الأقتصاد الأحادي سياسية وأجتماعية بل شملت (أخلاقيات) العمل في أنتشار الأتكالية وتضخم الجهاز الأداري المؤطر بالبيروقراطية، وتولي دكتاتوريات وراثية عائلية كما هو الحال في دول الخليج للسيطرة الأسرية على الثروة.

- ظاهرة غسيل الأموال Mony Laudering الشائعة اليوم في مزاد العملة للبنك المركزي العراقي إن الأصطلاح عصري بديل للأقتصاد الخفي أو الأقتصاديات السوداء أو أقتصاديات الظل، فهذه الأموال الغير شرعية المكتسبة من الرشوة والأختلاس والغش التجاري وتزوير النقود ومكافئات أنشطة التجسس والسرقة ونهب المال العام وتسهيل الدعارة وتهريب المخدرات وتهريب النفط وتهريب الآثار وتهريب الأطفال والأتجار بالأعضاء البشرية وأختطاف وأحتجاز الأشخاص وريعية نوادي القماروتصنيع النباتات المخدرة (تخلط) بأموال مشروعة لأخفاء مصدرها الحرام والخروج من المسائلة القانونية بعد تظليل الجهات الأمنية.

وليس هناك عصاً سحرياً في معالجة مشكلة هذا الأقتصاد المريض سريريا لأنها بمجملها قضية أخلاقية وللأسف الشديد أن هذه المنظومة الأخلاقية قد خربها المحتل الأمريكي العدواني المتغطرس، ويجب عدم الأستهانة بهذه الظواهر الكارثية المرعبة التي من مخرجاتها التدميرية تخريب الأقتصاد الجمعي المهزوز أصلاً، والخاضع اليوم إلى نظام ألكتروني رقمي فائق السرعة في أتصال تلك المافيات العراقية الوبائية والأقليمية وحتى الدولية ضمن شبكة عنكبوتية بظل بركة الديمقراطية الأمريكية العرجاء، وربما هذه الميليشيات المليارية محمية من قبل (بعض) أصحاب القرار السياسي أو ما يسمون بجحوش السلطة، وهذه العشوائية الأقتصادية والتخطيط الغير مدروس والغير مبرمج وممنهج حسب نظريات سوق (عريبه) بمدينة الثورة الأشتراكية الرشيدة أو الحميدة التي أدت إلى هذا النكوص المرعب في أقتصاديات العراق الذي وصل إلى عجز الحكومة بدفع رواتب الموظفين وفقدان ثقة الناس بالحكومة مما سهل أختراق أرض وسيادة العراق من قبل عصابات خارج الحدود دفع الشعب فواتيرها دما ومالا وخبزا ومديونية .

وأن تطوير الأقتصاد العراقي بكافة قطاعاته الأنتاجية والخدمية مرهونة بتفكيك الأقتصاد الأحادي الريعي وأشاعة ثقافة المواطنة والولاء للوطن فقط ولا للأنتماءات الفئوية أو الكتلوية أو الشعبوية أضافة الى (الرقابة والحوكم)، وتخفيض الأنفاق الكلي وتفعيل القطاعين الزراعي والصناعي.

ولا تزال أعادة أعمار البلاد بعد عام 2003 جسيمة زادت صعوباتها بسبب التوجهات الطائفية وأعمال العنف التي أمتدت لفترات طويلة، ولم تكن أعادة أعمار العراق تتطلب أعادة أنشاء بنيته التحتية وحسب، وإنما تطلبت أيضاً أعادة بناء مؤسساته الأقتصادية والأجتماعية وتهيئة مناخ للأعمال من شأنهِ جذب رؤوس الأموال مع التكنلوجية والمهارات الحديثة لها حتى يتسنى تحديث هذا الأقتصاد الآيل إلى الأفلاس، وكان بمقدور العراق أن يرمم بيتهُ الأقتصادي لولا الهجمات الأرهابية وأنفلات السلاح وتعدد دكاكين الأحزاب والتي بعضها مرتبط بأجندات أقليمية ودولية !؟ .

وتشير التقديرات على أمتلاك العراق ثاني أكبرأحتياطات نفطية في العالم، وتشير رقم التقديرات ب (143)مليار برميل وفقا لمسوح جيولوجية حديثة، فكانت سنين السبعينات من القرن الماضي سنين رخاء أقتصادي في بنى تحتية حديثة ونظم جيدة في التعليم والصحة، غير أن العراق خاض ثلاثة حروب عبثية مدمرة وخضوعهِ لعقوبات دولية والحصار أقتصادي ظالم ومدمر وخانق دفع الشعب العراقي فاتورته الثقيلة خسر فيها منظومته الأقتصادية وحتى الأخلاقية فعطلت تقدمها (مقتطفات من مذكرة برنامجية صادرة من المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي 2010) .

وهنا الكارثة المرعبة عندما يضطر العراق إلى صندوق النقد الدولي أو قلْ (الصندوق الأسود) في أرتهان أجيال المستقبل لديون ثقيلة بسبب العجز المالي الذي قُدر ب(130) مليار دولار .

ثم أنّ العراق يفتقد (الصندوق السيادي) وهو صندوق توفير تمتلكه الدولة كعنصرأستدامة في توفير السيولة النقدية وهي من فوائض الدولة من أجل الأستثمار، فهو صندوق ليس بجديد بل تستعمله بعض دول الخليج مثل قطر والكويت، فهذا الصندوق يؤمن حاضر ومستقبل الشعوب، وأتساءل: كيف يكون عندنا مثل الظاهرة الأيجابية والنفعية ؟! والمال الفائض عرضة للسرقة والنهب !!، وحينما تصل الحكومة اليوم عاجزة عن دفع رواتب الموظفين كان بأمكانها تأسيس الصندوق السيادي وينهي بها ظاهرة الفساد المستشري في جميع مفاصل المؤسسات الحكومية .

نرجع إلى صندوق النقد الدولي هو وكالة متخصصة من وكالات منظومة الأمم المتحدة، أنشيء بموجب معاهدة دولية عام 1944 للعمل على تعزيز سلامة الأقتصاد العالمي، ويقع مقر الصندوق في واشنطن العاصمة، ويديرهُ أعضاؤهُ الذين يمثلون جميع بلدان العالم تقريباً بعددهم البالغ 189 بلد، وأهداف الصندوق -(المفترض)- يشمل تشجيع التعاون الدولي في الميدان النقدي وتيسير التجارة الدولية والعمل على أستقرار سعر الصرف وتدعيم الثقة بين المصارف العالمية، ومصادر أمواله من أشتراكات تلك الدول بشكل حصص نفعية ربحية من نسب الفوائد المضافة على القروض الدولية (الموقع الرسمي لصندوق النقد الدولي - بالعربية بتصرف) .

العراق في أحضان هذا الصندوق الأسود

كان أجتماع خبراء بعثات صندوق النقد الدولي والسلطات العراقية في العاصمة الأردنية عمان في 17 إلى 21 تشرين الثاني 2017 وكان الهدف من هذه الأجتماعات الحوارية لأكثر من أسبوع للوصول إلى ما يسمى دوليا (بالأستعداد الأئتماني) الذي أعطى للحكومة دفعة في التهيؤ لأعداد موازنة 2018 لتكون متوازية ومتماشية مع الأستعداد الأئتماني الذي هو مفتاح رضا صندوق النقد الدولي، ورفض صندوق النقد الدولي للموازنة المالية الأتحادية للعام 2018 والتي صوّت عليها مجلس النواب العراقي في تمريرها مؤخراً، وكانت ردود الصندوق حول الرفض هي:

1- يلزم العراق بتنفيذ مجموعة من الشروط منها ألغاء الوظائف، وعدم أضافة أعباء مالية على الموازنة .

2- رفض الصندوق تضمين الحكومة للموازنة بقرارات تثبيت العقود وأعادة المفسوخة عقودهم، ومن تداعيات عبودية قساوة  الشروط الأستلابية للصندوق هو تدخلهُ السافر ببعض الأمور السيادة بممارسة ضغط دولي ولا تعجب أن تكون الضغوط ربما من أمريكا أو من بريطانيا، كما تبين قبيل كتابة مسودة مشروع الموازنة للعام 2018 أشترطت على الحكومة دفع 10 ترليون دينار لحكومة الأقليم لفك ضائقتها المالية وتفكيك مظاهرات الشارع الكردي المطالبين لحقوقهم في رواتبهم الشهرية والمقطوعة منذ مدة طويلة بحجة الأدخار الأجباري .

الشروط التعسفية لصنوق النقد الدولي؟!

والعجز في الميزانية هو الذي دفع العراق لأحضان صندوق النقد الدولي والرضوخ لشروطها التعسفية والموجعة بحجة أنخفاض سعر البرميل من النفط الخام إلى أقل من 40 دولار منذ 2011 والسنوات اللاحقة وافق الصندوق على أقراض العراق 4-5 ملياردولار وعلى مدى ثلاث سنوات وبهذه الشروط:

- تسديد كل المستحقات المتاخرة لشركات النفط الأجنبية العاملة في العراق منذ 2016 .2- مدة القرض على مدى ثلاث سنوات .

- وتشمل شروط الأصلاحات الأقتصادية في العراق، التي تشمل زيادة في الضرائب والرسوم الكمركية ورسوم الكهرباء والرقابة المصرفية في مكافحة الفساد الأداري والمالي وغسيل الأموال .

–وضعت الحكومة تحت ضغط من هذه الشروط التعسفية فأتجهت إلى التقشف وفرض الضرائب التي تلهب الأسعار والتي تقود إلى الفوضى والأرباك المجتمعي والأقتصادي .

- خفض دعم السلع التي كانت مدعومة بنسب كبيرة والذي كان من تداعيات هذا الشرط هو التحرش بخبز المواطن فرفع الدعم عن المخابز حيث وصل إلى 100% بدل أن كان يأخذ اربع صمونات بالألف دينارعراقي اخذ يحصل على صمونتين فقط .

- تحرير أسعار الوقود بأنواعه البنزين والنفط الأبيض والأسود والغاز السائل .

- زيادة أسعار الخدمات المدنية في مقدمتها المياوالكهرباء والأتصالات تمهيداُ لتحريرها بالكامل، وبيع أصول الدولة وتطبيق برنامج الخصخصة في أغلب المجالات الخدمية كخصخصة الكهرباء والماء ومجاري الصرف الصحي .

- فرض ضريبة قيمة مضافة 15% على أسعار السلع والخدمات . 10- الضغط على قانون الخدمة المدنية الذي يتم من خلاله الأستغناء عن مئات الآلاف من العاملين بالجهاز الأداري للدولة  .

- تعويم العملة المحلية*: بدل أن تنصح في معالجة الأسباب التي أدت إلى حدوث العجز في الميزانية فهو يلجأ إلى أخبث الطرق الذي هو تعويم العملة المحلية، أو معالجة الأقتصاد الأحادي الريعي المعتمد على بيع النفط بنسبة 97% ودون أن يقدم دراسة مستفيضة أو يشجع على طلب تلك الدراسات التنموية في النهوض بالقطاعات الأقتصادية كالزراعة والصناعة والسياحة، ولم نجد خطة صادقة لدى صندوق النقد الدولي لزيادة أنتاج صادرات البلاد التي تعاني من مشاكل وأزمات مالية وأقتصادية وتحسب أيرادات البلاد من النقد الأجنبي، ولم نلمس خطة في محاربة الفساد والفقر والبطالة، ولم نسمع من أصحاب قرار الصندوق عن خطورة عدم فصل موازنة الدولة والموازنات الشخصية المصرفية في البنوك الخارجية، ولا تطرقت إلى كوارث وألاعيب البنك المركزي في عملية  " مزاد بيع العملة " المفضوحة من تحت عباءة أصحاب المصارف الأهلية وبعض من الحكومة في تبييض المليارات بشكلٍ علني وأخراج العملة الصعبة ولو على حساب غطائها النقدي لموجودات البنك المركزي .

وأن هذا العجز وهدر المال العام والعشوائية في البرامج الأقتصادية لا يمكن أن نعلقها على شماعة الصندوق الدولي بقدر ما تفرض الضرورة المكاشفة الواقعية والحقيقية في السياسات الحكومية الخاطئة وسوء الأدارة هي التي دفعت الحكومة إلى لجوئها  لصندوق النقد الدولي، والحرب الداعشية الظلامية حتماً تبدو حرباً أستنزافية أحرقت اليابس والأخضر بأرقام مليارية مرعبة، وكان لسنة 2011 و2013 وأنخفاض سعر البرميل إلى أقل من 40 دولار، وحتماً يرجع السبب إلى نكوصات الحكومة في سوء الأدارة المالية وغياب التخطيط ولا ننسى أن الذي سيدفع فاتورة هذه العثرات هو المواطن، والكارثة أن الخروج من أخطبوط الشبكات والمتاهات الملتوية لسطوة الصندوق الدولي ليس سهلاً بل سيستغرق سنواتٍ طويلة وعجاف .

أسباب العجز والأستدانة:

الأرتهان للأستيراد، الأقتصاد الريعي، التلاعب بمصير الأحتياط النقدي، غياب الضوابط الضريبية والكمركية على البضائع المستوردة، عدم خضوع المنافذ الحدودية و بعض المطارات إلى سلطة الحكومة الملركزية، قلة مساهمة القطاعين الصناعي والزراعي في عملية التنمية، ربما تكون نسبة مساهمة الصناعة 1% والزراعة 3%، غياب العامل الأستثماري في البلاد عموماُ، البيروقراطية والمحسوبية والمنسوبية والفساد الأداري والمالي، أرتفاع مؤشرات التضخم النقدي بسبب الكساد الأقتصادي والبطالة والفقر، الأرث الثقيل من النظام البائد في أقتصاد منهك غارق في حروب عبثية ومديونيات ثقيلة للجارة الكويت مما أوقع العراق تحت البند السابع ذلك الثقب الأسود الذي أبتلع المليارات من أموال الشعب العراقي الذي لا ناقة له ولا جمل، وغياب الولاء الوطني وتجيرهُ للولاء الكتلوي والفئوي والحزبي الذي كان ضحيته الأقتصاد العراقي الذي يشكل ديمومة من الأزمات على المواطن العراقي .

*تعويم النقد المحلي: هو جعل سعر الصرف محرراً بالكامل عن سلطة الدولة والبنك المركزي، ويتم أقراره تلقائياً في سوق العملات من خلال ألية العرض والطلب، وهو ألعن شرط مأساوي حين يكون النقد تحت رحمة حيتان المضاربين الجشعين والذي سوف يؤثر سلباً على قيمة الموجودات النقدية في البنك المركزي والنتيجة الكارثية الفقر والبطالة والغلاء الفاحش .

 

عبدالجبارنوري

....................

هوامش

سمير شعبان/جريمة تبييض الأموال 2016/ الكتروني

محاضرة للدكتور عبد المنعم سيد علي / أقتصاديات السوق الجامعة المستنصرية 1976

محاضرة للكتور أبراهيم كبه /السياسة النقدية في الأشتراكية العلمية /1977 الجامعة المستنصرية

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

في كانون ثاني 2021

 

 

 

 

محمود محمد عليفي الأيام الماضية تصدر مواقع التواصل الاجتماعي إعلان وفاة "محمد صفوت الشريف"، وزير الإعلام، ورئيس مجلس الشورى الأسبق، والأمين العام للحزب الوطني المنحل في عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك .. وشيعت جنازة صفوت الشريف، يوم الخميس الماضي، من مسجد آل رشدان أو المشير طنطاوي بجمهورية مصر العربية، ودفن الجثمان في مقابر العائلة بمنطقة مصر الجديدة، وهي قريبة من مدافن عائلة الرئيس الراحل مبارك.

كان صفوت الشريف من رجال الرئيس حسني مبارك المقربين، ومن أهم أعمدة نظامه الذي حكم البلاد لسنوات طويلة، وهو ما جعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي ينعونه بـ«له ما له وعليه ما عليه»، وهو نفس النعي الشهير الخاص بمبارك، والمأخوذ من خطابه الشهير.

بيد أن الحقيقة كما يقول طارق الشناوي ، هي ما نراه نحن بزاوية إطلالتنا المحدودة، فهو نسبى، بينما الحق مطلق لأنه قراءة بمختلف الأبعاد تتجاوز حتى حاجز الزمن، لا يمكن لأحد مثلا أن يكتب عن وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف موقنا من كل التفاصيل، خاصة أن بعضها يستحق توصيف سرى للغاية.. صفوت فى حياته كان لا يسمح بأن يدفعه أحد للبوح بشىء هو فقط الذى يحدد السؤال وليس فقط الإجابة، تلك هى تركيبة رجل المخابرات، التى ظلت ملازمة له، كما أنه لا ينسى أدق التفاصيل.

يذكر أن صفوت الشريف ولد بمحافظة الغربية فى 19 ديسمبر 1933، وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية، وفي 1957، التحق بالاستخبارات العامة بعد سنوات قليلة من تأسيس هذا الجهاز الأمني المصري المتنفذ، وتولى فيه عددا من الوظائف. بيد أن أهم عمل تولاه والتصق به بعد ذلك رئاسة ما عرف بقسم "الأعمال القذرة" المتخصص في توريط فنانات وطلاب مصريين، وساسة عرب في أنشطة لا أخلاقية وابتزازهم بها كي يقبلوا العمل كعملاء. وأسهبت وثائق قضية ما عرف بانحراف جهاز الاستخبارات التي قدمت للقضاء المصري بعد نكسة يونيو 1967 في الحديث عن هذا النشاط المشبوه لصفوت الشريف الذي كان يحمل في ذاك الوقت اسما مستعارا هو "موافي". وفي 1968، أصدرت المحكمة التي نظرت قضية انحراف الاستخبارات أحكامها على المتهمين في القضية ومن بينهم الشريف الذي قضت بطرده من العمل بجهاز الاستخبارات.

وظل الشريف بعد ذلك بعيدا عن مجال العمل بمصر إلى أن سلطت عليه الأضواء مجددا في 1975 بعد توليه منصب رئيس القسم الداخلي في الهيئة العامة للاستعلامات التي تعد واجهة التعامل مع الإعلام الأجنبي، والمؤسسة الثالثة في المنظومة الإعلامية المصرية بعد وزارة الإعلام واتحاد الإذاعة والتلفزيون. وتولى بعد ذلك منصب وكيل الهيئة العامة للاستعلامات قبل أن ينجح لاحقا حسب صحيفة مصرية في إزاحة رئيسها مرسي سعد الدين، وتولي المنصب بدلا منه.

وعند تشكيل السادات الحزب الوطني في 1977، انضم الشريف إلى لائحة المؤسسين، ثم ما لبث أن أصبح في 1980 رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري ، ثم تولى منصب وزير الاعلام، ويعد أبرز من تولى الوزارة وأكثرهم بقاء في المنصب، حيث تولى الوزارة في 1 فبراير 1982 واستمر بها حتى 13 يوليو 2004، حينما تم انتخابه رئيساً لمجلس الشورى، وهو المنصب الذى بقى فيه حتى عام 2011، كما شغل صفوت الشريف منصب الأمين العام للحزب الوطني، خلال الفترة من 2002 وحتى 2011.. وبعد ثورة يناير 2011 مثُل الشريف، بين عدد من رموز حقبة نظام مبارك، للمحاكمة في عدد من التُهم، وحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات لإدانته في قضية تتعلق بالكسب غير المشروع.. توفي صفوت الشريف في 13 يناير 2021 عن عمر يناهز 87 عاماً بعد صراع طويل مع المرض. كانت وكالات الأنباء قد تناولت إصابته بفيروس كورونا، وهو الأمر الذي تم نفيه، والتأكيد على أنه كان مصاباً بسرطان الدم منذ 6 سنوات، وتوفي نتيجة هذا المرض.

واختلفت وجهات النظر في صفوت الشريف بين مادح وقادح ، فنجد من المادحين له الكاتب والنائب مصطفي بكري الذي قال عنه في عدد من التغريدات له عبر حسابه على تويتر: "كان صفوت الشريف صديقا للجميع بغض النظر عن مواقفهم السياسية، وكان دوماً حمامة سلام بين الجميع، رحم الله السيد صفوت الشريف والهم اسرته ومحبيه الصبر والسلوان".. وتابع: «رحم الله السيد صفوت الشريف، كان رجل دوله من طراز خاص، لا أحد يستطيع أن ينكر دوره في الاعلام والحوار مع المعارضين، لقد اتخذ قرارا جريئا بإنشاء مدينة الإنتاج الإعلامي وتحمل مسئوليته، وكان قراره صائباً".. وأضاف بكري خلال تقديمه برنامج حقائق وأسرار عبر فضائية صدى البلد أنه كان للراحل بصمة كبيرة في الإعلام المصري لسنوات طويلة أهمها إنشاء مدينه الإنتاج الإعلامي وإطلاق القمر الصناعي النايل سات.. وتابع مقدم برنامج حقائق وأسرار أنه خلال فترة توليه وزيرا للإعلام أطلق التليفزيون المصري العديد من الروائع وكان رجل دولة بمعنى الكلمة.. وأشار إلى أنه كان جسرا للتواصل بين رجال النظام والمعارضين وسعى كثيرا لاحتواء العديد من الأزمات.

ولذلك عندما شرع الكبير مجدى مهنا فى تقديم برنامجه (فى الممنوع) عبر قناة (دريم)، وهو عنوان بابه اليومي الذى انتقل به من جريدة (الوفد) إلى (المصري اليوم)، كان صفوت الشريف من أوائل الذين استضافهم مجدى، ولم يضع مجدى مهنا أبدًا محاذير تمنعه من الغوص فى أعماق الأعماق، وسأله مباشرة (هل تكتب مذكراتك)؟ أجابه صفوت: من المستحيل، شعرت من طريقة نفى صفوت القاطعة، حيث أضاف أيضًا حركة يديه التى أكدت كلمته، أنه يقدم رسالة للجميع ممن تقاطعت حياتهم فى عشرات من التفاصيل معه، منذ أن كان مكلفا من صلاح نصر بتجنيد عدد من الفنانين ليصبحوا عيونًا للدولة على ما يجرى فى الداخل والخارج، حتى تواجده وزيرًا للإعلام، من (1982 إلى 2004) فهو صاحب مقولة (أنا آخر وزير إعلام)، جاء بعده بالمناسبة خمسة وزراء، ولكن ظل هو صاحب البصمة الأهم.

بعد رحيل صفوت قرأنا بوست لشقيق عازف الجيتار الراحل عمر خورشيد، ألمح إلى أنه سيتقبل اليوم عزاء شقيقه بعد 40 عاما، وكأن صفوت تم استدعاؤه للخدمة فى آخر زمن أنور السادات لتخطيط عملية الاغتيال، حكايات متعددة أوجدت دافعا يصلح لفيلم سينمائى، ولكن من الصعب تصديقه.. خيال يتجاوز حدود الخيال، ليس فى الأمر أدنى دفاع عن صفوت الشريف، ولكن علينا فقط أن نُعمل المنطق .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

1- محمد أباظة : «له ما له وعليه ما عليه».. صفوت الشريف يرث نعي مبارك.. مقال منشور بجريدة الوطن المصرية..

2- مصطفى بكري عن صفوت الشريف: «كان دوماً حمامة سلام».. تقرير بجريدة المصري اليوم.

3- طارق الشناوى: صفوت الشريف (سرى للغاية).. مقال..

4- طارق الشناوى: صفوت من سعاد إلى خورشيد.. مقال..

5- صفوت الشريف.. ويكبيديا..

 

 

ابراهيم أبراشالانتخابات العامة في الحالة الفلسطينية ليست مجرد استحقاق ديمقراطي كما هو الحال في الدول المستقلة، لأن الشعب يخضع للاحتلال والاحتلال نفيٌ للسيادة، وعندما تغيب سيادة الشعب وسيادة كل المؤسسات الرسمية القائمة في مناطق السلطة الوطنية فإن الانتخابات الفلسطينية تخرج عن سياق الديمقراطية وتصبح تحدياً وطنياً لوقف انهيار النظام السياسي ولإنجاز الوحدة الوطنية لمواجهة الاحتلال وللخروج من حالة العدمية السياسية، وليس مجالاً للصراع والتنافس على منافع ومكاسب سلطة خاضعة للاحتلال.

نعم الانتخابات أصبحت ضرورة ليس لأنها استحقاق ديمقراطي ولا لأن اتفاقية أوسلو نصت عليها والدول المانحة تريد جهة شرعية للتعامل معها وإدارة بايدن طالبت بها، بل لأن هناك مصلحة وأسباب وطنية بإجرائها وخصوصاً بعد فشل كل محاولات التوافق الوطني وهذه الأسباب هي :-

1- لأن الأمور وصلت لحد لا يطاق على كافة المستويات شعبياً ورسمياً وعربياً وأصبح التغيير ضرورة وطنية.

2- لمواجهة العدمية السياسية ومنح الشعب أمل بالمستقبل وبالتغيير.

3- لأنه لا يمكن التغيير من خلال خروج الشعب بثورة تطالب بإسقاط النظام أو بالانقلاب على السلطة القائمة سواء في غزة أو الضفة كما جرى في الحالة العربية.

4- لأن المخلصين والوطنيين في الطبقة السياسية وصلوا لقناعة بأن بقاء الأمور على حالها ستؤدي لدمار القضية الوطنية.

5- لأن هناك ضرورة ومصلحة وطنية لتغيير الطبقة السياسية التي وصلت لطريق مسدود.

6- لأن هناك معركة تسوية سياسية ومفاوضات قادمة ومطالب دولية لتجديد شرعية النظام السياسي قبل الدخول في التسوية.

7- لأن الانتخابات ستؤدي لوحدة وطنية أو تمهد لها وهذا ضروري لمواجهة مخطط الانقسام.

8- لأنه لا يمكن مواجهة الكيان الصهيوني ومشاريعه الاستيطانية إلا بالوحدة الوطنية.

9- كما أن الانتخابات وما سينتج عنها من تشكيل حكومة وحدة وطنية ستنزع الذرائع من الدول المُطبِعة أو التي تريد التطبيع مع الكيان الصهيوني وتبرر تدخلها في الشؤون الفلسطينية وكأنها المنقذ للفلسطينيين من فشلهم في إدارة أمورهم الداخلية كما صرح بعض المسؤولين الخليجيين.

10- ولأن الانتخابات تعيد ثقة الشعب بنفسه وتشعره بأنه شريك وفاعل في النظام السياسي ويستطيع التأثير فيه.

لكل هذه الأسباب ومع إدراكنا لتعقيدات وتحديات المسألة الانتخابية في فلسطين الخاضعة للاحتلال، لا بد من الانتخابات. 

ولكن تحقيق الأهداف المُشار إليها أعلاه من الانتخابات لا يتم إلا بانتخابات تجري في إطار وضمن شروط تضمن ما يريده الشعب وتؤدي لتغيير ملموس في النظام السياسي، وفي هذا السياق نبدي الملاحظات التالية ليس بهدف التشكيك بالانتخابات، بل لقطع الطريق على من يريد توظيفها لأغراض شخصية أو المبالغة في المراهنة عليها، وقد سبق وأن كتبنا عن رأينا في الانتخابات أكثر من مرة وبعض الملاحظات التالية إعادة وتأكيد عليها:-

1- كنا نأمل لو تم البدء بمنظمة التحرير والمجلس الوطني سواء من خلال الانتخابات أو التوافق حتى تكون منظمة التحرير جامعة للكل الفلسطيني ويتم وضع حد للصراع حول الشرعية العليا للشعب الفلسطيني وحتى تكون منظمة التحرير الجديدة ضمانة في حالة فشل الانتخابات التشريعية والرئاسية أو تم إنهاء السلطة الوطنية لأي سبب من الأسباب .

2- الانتخابات التشريعية والرئاسية لن تنهي الانقسام وتداعياته مباشرة لأن سبب الانقسام ليس خلافات فتح وحماس، بل هو مشروع إسرائيلي إقليمي حتى وإن شاركت فيه أطراف فلسطينية.

3- لا قيمة لانتخابات إن لم تُحدث تغييراً جوهرياً على الطبقة السياسية، وفي حالة تصدُّر نفس الوجوه والقيادات للقوائم الانتخابية فستفقد الانتخابات قيمتها لأن لا قيمة لانتخابات لا تجدد الطبقة السياسية .

4- كانت الانتخابات مجرد ملف من عدة ملفات أو قضايا محور حوارات المصالحة، وأن يتم القفز نحو الانتخابات دون التفاهم أو حل القضايا الخلافية الأخرى مثل الأمن والجماعات المسلحة والأراضي والموظفين والقضاء والموقف من المفاوضات مع إسرائيل والبرنامج السياسي الخ قد يقطع الطريق على استكمال مسلسل الانتخابات وقد يؤدي إلى فشل حكومة الوحدة الوطنية التي سيتم تشكيلها بعد الانتخابات .

5- حتى الآن يتم تجاهل أو الهروب من مسألة البرنامج السياسي سواء للأحزاب أو للحكومة التي سيتم تشكيلها بعد الانتخابات.

6- بسبب حالة الفقر وربط حياة الناس بالرواتب والمساعدات فسيكون للمال السياسي دور كبير في التأثير على خيارات الشعب.

7- نؤكد مرة أخرى على ما كتبنا عنه في مقال لنا عن الانتخابات في شهر أكتوبر والذي كان بعنوان (حتى لا تتحول الانتخابات لملهاة جديدة للشعب) حيث حذرنا من فكرة القائمة المشتركة بين فتح وحماس لأنها تقفز على الواقع وتسيء استراتيجياً لحركة فتح وإن كان لا بد من تحالفات فلتكن بين فصائل منظمة التحرير.

8- مع تفهم حق غير المنتمين للأحزاب (المستقلين) في تشكيل قوائم خاصة بهم لخوض الانتخابات إلا أنه يجب الحذر من تمييع الحالة السياسية وتشتيت الأصوات وتسلل بعض الانتهازيين ومن يملكون المال والدعم الخارجي للمجلس التشريعي الجديد.

9- النجاح في الانتخابات التشريعية وفي تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس برنامج سياسي مشترك هو الذي سيحدد إن كان مسلسل الانتخابات سيتواصل بالانتخابات الرئاسية وفي إعادة بناء منظمة التحرير أم تعود الأمور أسوأ مما كانت.

10- النظام السياسي المُجدَد بالانتخابات والحكومة الجديدة ستكون في مواجهة مرحلة جديدة من التسوية السياسية والمفاوضات مع الكيان الصهيوني، وهي مرحلة غير مسموح بها اللجوء لأي عمل عسكري فلسطيني أو التهديد به وخصوصاً من طرف المشاركين بالانتخابات وفي الحكومة التي ستنبثق عنها، الأمر الذي يتطلب التوافق على استراتيجية للمقاومة الشعبية السلمية حتى تتضح معالم التسوية السياسية الجديدة، والتي في رأينا لن تكون أفضل حال من تسوية أوسلو.

11- سيعترض طريق إجراء الانتخابات اشتراطات إسرائيلية وأوروبية وأمريكية وعربية، وإن لم تبرز بوضوح حتى الآن فمن المتوقع أن تطرح هذه الجهات اشتراطاتها قبيل إجراء الانتخابات.

12- هناك التباس إن كانت انتخابات لسلطة حكم ذاتي مقيدة باتفاقية أوسلو أو انتخابات لمجلس تشريعي للدولة وخصوصاً أن القيادة قررت التراجع عن قرار سابق بوقف العمل بالاتفاقات مع إسرائيل؟ وكيف تكون الانتخابات الرئاسية لرئيس دولة فلسطين والتشريعية لانتخاب مجلس تشريعي لسلطة حكم ذاتي؟ وإن كان رئيس السلطة هو نفسه رئيس الدولة فما هو وضع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية؟ وهل رئيس الرئاسات الثلاثة سيخضع للقانون الأساسي للسلطة أم للنظام الأساسي لمنظمة التحرير !.

كلنا أمل أن تنجح الحوارات القادمة في القاهرة في تفكيك كل أو بعض القضايا العالقة وأن يصاحبها اتصالات مكثفة مع الجهات العربية والدولية لضمان نزاهة الانتخابات من جانب وضمان قبول الكيان الصهيوني والعالم بنتائجها من جهة أخرى، وفي جميع الحالات فإن اللجوء للانتخابات أفضل من بقاء الأمور على حالها.

 

إبراهيم ابراش

 

 

منى زيتونرأى كثير من الأصدقاء والمتابعين في اهتمامي بنتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية وتعويلي على فوز جوزيف بايدن إقرارًا بالهيمنة الأمريكية على دول العالم، وقبولًا بها، وأفرطوا في الحديث عن أن الأمريكان قد فعلوا بدولنا العربية كذا وكذا، حتى أنني لمست من بعضهم الفرحة التي لم يفلحوا في مداراتها عندما اقتحم الرعاع من أتباع ترامب مبنى الكابيتول؛ أن أراهم الله تعالى يومًا أسودًا في أمريكا!

وعن نفسي فأنا أرى أن الإقرار بأن رئيس أمريكا يلعب دورًا أساسيًا في قيادة العالم المعاصر هو إقرار بالواقع، وهو حال الأرض الذي لم يتغير عبر الأزمنة أن تكون هناك دول كبيرة محورية لمن يملكها سطوة على ما عدا دولته، ودول أصغر تتفاوت درجة قوتها وقوة تأثيرها في محيطها وفي العالم أجمع. والإقرار بقوة أمريكا وروسيا والصين وغيرها من الدول الكبرى ليس بالضرورة انبطاحًا ولا خيانة ولا تسليمًا دائمًا بكل ما يأمر به رؤساؤها، مع الأخذ في الاعتبار أن كل رئيس تكون له عهدة رئاسية ومسئول عن سياسة الدولة في فترة عهدته، ولا يُعقل أن تكره بايدن لأن جورج بوش الابن قد خرّب العراق أو لأن نظام أوباما قد دعم وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر، علمًا بأنه لا أوباما ولا بايدن من ساهم في تزوير الانتخابات لصالح مرشحهم.

وعلى كثرة المساوئ السياسية التي كانت لبعض الأنظمة الأمريكية السابقة في حق العرب فلا يُقاس أي عهد منها بعهد دونالد ترامب؛ فترامب –وعلى عكس غيره من الرؤساء الأمريكيين- ديكتاتور بكل ما للكلمة من معنى؛ يريد أن يأمر فيُطاع، وهذا ما لم يستطعه مع حكام أوروبا أو الصين، فساءت علاقة بلاده بهذه الدول إلى أسوأ درجة في تاريخها، ولم يجد من يستطيع أن يمارس معه هيمنة المتسلطين إلا الخانعين الضعفاء من حكامنا، فأجبرهم على الهرولة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، ونهب ما شاء من أموال دولنا التي يديرونها كعزبهم الخاصة، وكان المقابل أن يغض الطرف عن مصائب هؤلاء الحكام، فكانت مقايضة لم نر لها مثيلًا من قبل، وبئست المقايضة!

وفي خلال حوالي سبعين سنة هي عمر دولة إسرائيل لم نر تسارعًا في وتيرة القرارات الأمريكية التي تصب في صالحها وكأنها طرقات فوق رءوسنا مثل ذلك التسارع في عهد دونالد ترامب، والقول بأن هذه عادة جميع رؤساء أمريكا وأنه لا يختلف عنهم هو ادعاء يدل على انعدام تمييز.

ولكن الأنكى –من وجهة نظري لأنه فاتحة شر علينا لم نعهدها من قبل- هو أن حكامنا الخانعين لم يكن لهم رادع طوال فترة عهدته الرئاسية؛ ففعلوا بنا من الأفاعيل ما كان يُعد ضربًا من الخيال لو تنبأ به أحد قبل سنوات لاتهم بالخرق والخرف؛ ومن كان قد نسي فليتذكر كيف وصل الحال إلى التجرؤ على خطف الأمراء ورئيس وزراء لبنان في السعودية، ومرشحي الرئاسة في مصر وأحدهم رئيس وزراء سابق والآخر رئيس أركان الجيش السابق، وكيف تم سجن المعارضين والحقوقيين والعلماء واختلاق القضايا لهم حتى وصلت أعدادهم للآلاف، ثم التبجح أمام جماعات حقوق الإنسان في العالم بأنه ليس لدينا سجناء رأي! وبلغ السيل الزبى بتقطيع أوصال المعارضين البارزين كجمال خاشقجي، وتعذيب وقتل الباحثين الأجانب في مجال حقوق الإنسان كريجيني، وما تبع ذلك من التستر دون خجل على مرتكبي هذه الجرائم.

لذا أرى أن تعشمي في رئاسة بايدن لها ما يبررها لأن هناك فارقًا كبيرًا بين أن يوجد بلطجي أبوه بلطجي مثله يشجعه ويؤازره وبين أن يكون للبلطجي أب محترم وقوي وبإمكانه أن يردعه ويرجعه عن حمقه وأفعاله الخرقاء البلهاء التي لا تليق بالعقلاء. والحوادث الأخيرة في أمريكا ذاتها تثبت أن المشكلة الرئيسية ليست في أن يحكم أخرق أحمق بل تكمن في أن يجد هذا الأحمق مساندة ودعمًا، فإن لم يجد من يسانده تم تحجيم حمقه وأمكن السيطرة عليه، وهو ما لم يجده حكامنا من ترامب ولا من جميع أشكال الحثالة البشرية التي تحيط بهم؛ وأعني فئة الطبالين والزامرين من السياسيين والإعلاميين في بلادنا، ولنتذكر ما جرى في انتخابات الرئاسة في مصر عام 2012 ثم في عام 2018 ونتحسر على حال بلادنا.

وعودة إلى يوم تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد جوزيف بايدن، وكنت في مقالي الأخير "بذرة الديكتاتورية التي لم تجد لها منبتًا" الذي كتبته بعد ساعات من اقتحام الرعاع أنصار ترامب مبنى الكابيتول قد تنبأت بأن ترامب سيحاول تجهيز مفاجأة جنونية قبل مغادرته البيت الأبيض، وكعادته لم يخيب ظني، فحاول رفع مقطع فيديو على موقع اليوتيوب يثير به أتباعه من جديد قبل يوم التنصيب وتم رفضه، وأوقف الموقع حسابه مؤقتًا لمدة أسبوع، ثم قرر اللعب بآخر ورقة في يده فتصرف كطفل يخبئ ما يعتبرها لعبته كي لا يُجبر على إعطائها لغيره! وقد شاهدت وشاهد معي العالم كيف سارع ترامب بترك البيت الأبيض قبل انتهاء فترة عهدته الرئاسية بساعات في طائرة رئاسية مصحوبًا بالحقيبة النووية التي يحق له الاحتفاظ بها كرئيس حتى الثانية عشرة من ظهر يوم تنصيب خلفه بتوقيت واشنطن، ولا يملك أحد مطالبته بها حتى ذلك الوقت، وكأنه أراد أن يهرب بها إلى بيته في فلوريدا، مانعًا من تسليمها إلى بايدن في حفل تنصيب الأخير! وإن كانت وكالات الأنباء قد ذكرت أن مسئولًا دفاعيًا قد رافقه لاستعادة الحقيبة منه على أن يتم إعطاء حقيبة بديلة لبايدن ضمن مراسم التنصيب، فإن هذا التصرف كافٍ وحده لتحديد مستوى النضج الانفعالي المتدني لهذا الطفل الكبير!

وقد عرّض بايدن بترامب في خطاب تنصيبه رئيسًا، وشبهه بهتلر –مع عدم التصريح بالمشبه به- عندما تحدث عن إثارة النعرات العرقية، وأنه كرئيس لكل الأمريكيين لن يسمح بتلك الدعوات العنصرية التي تتحدث عن سيادة العرق الأبيض في أمريكا، واستعان بقس أسود ليلقي كلمة في حفل التنصيب، وغنت كل من ليدي جاجا البيضاء وجنيفر لوبيز السمراء في الحفل، فالرجل لا يفوت فرصة دون التذكير بضرورة تقدير التنوع واحترام الآخر، وهو منفتح ثقافيًا مع درجة عالية من التدين، ومشكلتنا الوحيدة معه كعرب ستكون في أنه ككاثوليكي –ولا شك- مقتنع بأن الله قد كتب الأرض المقدسة لبني إسرائيل، وأن هذا الحكم الإلهي لم يُنسخ، ومع شديد الأسف أن لا يوجد سياسي أو مفكر عربي مقرب من الدوائر الأمريكية يحاول إفهام رؤساء أمريكا أن هذا الحكم قد نُسخ عندما خالف بنو إسرائيل أمره تعالى بدخول الأرض المقدسة ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: 22] ثم أكثروا الجدال حتى قالوا: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]. ولكن مع ذلك –ومن خلال فهمي وتحليلي لشخصية الرجل- أثق أن بايدن سيحاول الحفاظ على حقوق الفلسطينيين، وهو ما رأينا بوادره في تغيير مسمى منصب سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل إلى سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة، وعودة المساعدات للأونروا.

في القرن العشرين لم يصل هتلر إلى منصبي المستشارية والرئاسة في ألمانيا على ظهر دبابة، وعانى العالم بأسره ويلات بسببه، وأمثال ترامب وهتلر يثبتون أن للديمقراطية مساوئها التي قد لا تقل عن مساوئ أعتى الديكتاتوريات، والخوف الآن أن يعود ترامب للتأثير على الرعاع من أنصاره وإثارتهم من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، ودفعهم إلى العودة لإحداث الشغب، والمفترض أن يتم حظر هذا الرجل تمامًا من استخدام جميع أشكال هذه الوسائط، لا أن يُسمح له بإعادة استخدامها بعد أسبوع من يوم التنصيب ليتسبب في زوبعة جديدة، وهو الذي خرج من البيت الأبيض مرددًا لمن وقفوا في وداعه أنه سيعود بطريقة أو بأخرى!

 

د. منى زيتون

الجمعة 22 يناير2021

 

 

عبد السلام فاروقذهَب ترامب.. وانتهى عصر الحقبة الترامبية الطويلة على قصرها..

وماذا يضيرنا نحن؟.. دعونا نقول قولة العقل: (مات الملك عاش الملك)، وننصرف لمصالحنا. مصلحتنا لم تكن مع مسئول أمريكي بل مع أمريكا. وأمريكا كدولة أكبر من مجرد شخص سوف تحكمه سياسات وقوانين.

تداعيات واقعة الكابيتول

يوم واحد كان كافياً ليغير التاريخ..

إنها أحداث 24ساعة تبدَّل فيها كل شئ فى أمريكا مع الحدث الهائل والصادم: (متمردون أمريكيون يقتحمون الكونجرس)، كيف لو قيل لك منذ 3 شهور فقط أنك توشك أن تقرأ مانشيت كهذا؟ ذاك أمر يتجاوز أقصى خيال أعداء أمريكا!

وها هى التداعيات تترى تباعاً: ترامب انتهى سياسياً وتنتظره محاكمات بلا نهاية، ونواب الحزب الجمهورى سارعوا بالتبرؤ من اللعنة الترامبية لإنقاذ الحزب، ومساعدو ترامب قفزوا من يخته الغارق، وموقع تويتر أوقف حساب ترامب وحملته الإنتخابية لمنعه من التواصل مع أنصاره الذين أصابتهم عدوى التهور.

واقعة الأربعاء الأسود بالكونجرس هى حادثة فاصلة فى التاريخ الأمريكي المعاصر. وردود الأفعال ما زالت ساخنة فى أمريكا وخارجها: نانسي بيلوسي رئيسة البرلمان هددت نائب الرئيس مايك بنس إن لم يتحرك لاستخدام تعديل المادة 25 من الدستور لعزل ترامب فسوف تتحرك هى لمحاكمته برلمانياً!  زعيم الأقلية الجمهورية حذر من مغبة الانقسام المجتمعى لو تمت محاكمة ترامب قبل حفل التنصيب. السياسيون ضغطوا على ترامب لدفعه للاستقالة. وهناك 12 مليون عامل أمريكى طالبوا من خلال نقاباتهم باستقالة ترامب أو عزله فوراً.

خارج أمريكا حالة من الذهول عمت أرجاء المعمورة: قادة أوروبا فغروا أفواههم وتساءلوا عن المشاهد الغريبة فى أمريكا نموذج الديمقراطية الأمثل، كيف تم تدمير صنم الديمقراطية بها بتلك البساطة والغرابة؟ جمهوريات الموز شامتة ، وشعوب العالَم مذهولة مما رأته يجرى فى أرض الأحلام.

رؤساء أمريكيون سابقون سارعوا بالتعليق الفورى على الأحداث المؤسفة. فقال جورج بوش الإبن: (أهكذا يتم الاعتراض على الانتخابات؟! إننا لسنا فى جمهورية موز. هالنى السلوك غير المسئول لقادة سياسيين وقلة الاحترام تجاه مؤسساتنا وتقاليدنا وقواتنا الأمنية). فيما قال أوباما:( إن التاريخ سوف يتذكر أعمال العنف التى حدثت اليوم فى الكابيتول بتحريض من رئيس كذب بلا هوادة بشأن نتيجة الانتخابات. أعتبرها لحظة خزى وعار على بلدنا).

مصير ترامب..

فيما يتساءل المحيطون بترامب مندهشين: ما الذى دفع ترامب الذى كان يعتزم الترشح فى انتخابات الرئاسة 2024 للانتحار السياسي بهذه الطريقة المخزية؟ إلا أن ترامب نفسه ما زال على عناده وتمسكه بتهمة تزوير الانتخابات ورفضه لحضور حفل التنصيب وتأكيده على أنه وحده على حق، وأن الجميع مخطئون !

الأغرب أن ترامب يعتزم الإقدام على خطوة لم يسبقه لها أحد أبداً. فقد كشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أن ترامب ناقش مع نائبه مسألة منح عفو رئاسي لنفسه، حتى يمنع أى مساءلة محتملة له بعد ترك منصبه!! فهل سيفلح فى منع مقاضاته؟

المؤكد أن ترامب نفسه قد كتب نهايته سياسياً للأبد. خاصةً وأن حاشيته وبطانته انفضوا من حوله. وأن لائحة الاتهام للمحاكمة البرلمانية سوف تتضمن تأكيداً على منع ترامب من تقلد أى منصب حكومى فى المستقبل.

الخوف من ديمومة الحالة الترامبية بعد ذهابه هو. وهى حالة غريبة من انتهاج العنف والرغبة فى التدمير. إن أحداث الكابيتول شهدت عنفاً غير مسبوق: أربعة سقطوا قتلَى من مقتحمى البرلمان، ورجل شرطة قضى نحبه، وشباب تسلقوا الجدران، وآخرون سرقوا متعلقات من البرلمان وابتسموا للكاميرات! واعتلى آخرون صهوة الخيول كأنهم فى غارة حربية! الأدهَى من هذا كله ما تم اكتشافه بعد انقشاع سحب المعمعة..

لقد اكتشفت وزارة العدل أن متظاهرين التقطوا صوراً للمكاتب، واطلعوا على ملفات سرية بعضها تمت سرقته. وهو ما استدعى تحقيقاً فيدرالياً لكشف أهداف السرقة التى تمس أمن أمريكا القومى. الأنكَى من ذلك ما تم إعلانه من القبض على رجل بحوزته شاحنة مليئة بالأسلحة والمفرقعات المتطورة، والتى إذا انفجرت كان لها تأثير قنابل النابالم الحارقة. كل هذا من كلمة تحريض خرجت من فم ترامب غير مدركٍ لعواقبها.

ما يبدو أن ترامب سينجو من الملاحقات القضائية حفاظاً على قدسية منصب الرئاسة، وأن حوادث العنف سيتم احتواءها، وأن حفل التنصيب سوف يقام واضعاً نهاية لكل تلك الفوضى. فهل سيهدأ الشارع؟ أم ستبقَى الحالة الترامبية كنوع من المعارضة الشعبوية القائمة، بعد أن استولَى الديمقراطيون على الساحة السياسية بأكملها: الرئاسة والنواب والشيوخ؟!

حزب ثالث..

تجربة ترامب وضعت سائر التجربة اليمينية الشعبوية على حافة الهاوية. لا فى أمريكا وحدها بل فى أوروبا أيضاً. وبات الناخب الأمريكي متشككاً فى سياسييه وطريقتهم فى إدارة الأمور. إذ كيف يخاطر الجمهوريون بمستقبل أمريكا على هذا النحو، فيضعون رجلاً كترامب على قمة هرم السلطة؟

مثل ذلك التساؤل إذا طاف بذهن الناخبين الأمريكيين فسيكون من تداعياته البحث عن حزب ثالث يتم تصعيده للمنافسة على الانتخابات. وهو ما سيغير منهج السياسة الأمريكية برمته. وقد تتغير طريقة إجراء الانتخابات نفسها؛ تلك التى كان من جرائها حدوث انقسام حاد فى الشارع الأمريكي، وعدد من القضايا بلغ 60 قضية تشكك فى نزاهة الانتخابات وتطعن فى ديمقراطية العم سام.

إن السياسة الأمريكية فى السنوات الأربع القادمة ستكون بالكامل فى قبضة الديمقراطيين فكيف ستدار الأمور حينئذ؟

السياسة الأمريكية بين الأب الروحى والمرأة الحديدية

وجوه نسائية كثيرة فى السياسة الأمريكية التى تغيَّر وجهها بالكامل..

وأهم تلك الوجوه المرأة الحديدية (كامالا هاريس) التى تحمل فى صوتها وأدائها جذوة القيادة وكاريزما السياسة كأنها الرئيس ذاته لا نائبته. إن(جوزيف بايدن) المخضرم سياسياً رجل ثمانيني محدود الحركة، وهو لم يظهر كثيراً طوال الفترة التى صال فيها ترامب وجال رغبةً فى تغيير نتيجة الانتخابات. وربما نجد بايدن بعد تنصيبه يكتفى بالبقاء فى البيت الأبيض لاستقبال ضيوفه كأب روحى للسياسة الجديدة. بينما يترك الفرصة للشباب الكثيرين المحيطين به من حكومة انتقاها بحكمة رجل يحفظ كتاب السياسة الأمريكية بطناً لظهر. تلك الفرصة سوف تستغلها هاريس لتحوذ موقعاً أكبر من مجرد نائبة للرئيس. وهو ما سيستدعى انتباهاً لتلك الحالة الجديدة..

نانسي بيلوسي سيكون لها اليد الطولَى على قرار الكونجرس. وكامالا هاريس ذات تأثير قوى على قرار البيت الأبيض. ثم البنتاجون الذى سيترأسه وجه أمريكي ملون انتشله بايدن من ركود ما بعد انتهاء الخدمة وأعاده على قمة الهرم العسكرى، فلمن سيكون ولاؤه؟

السياسة الأمريكية الجديدة تتطلب فهماً عميقاً ومرونة فى التعامل مع أدواتها ومداخلها ومفاتيحها. سيكون على مَن يريدون نيل رضا الأب الروحى وإعجاب المرأة الحديدية ودعم البنتاجون أن يتحلوا بالمرونة الكافية لتغيير أسلوبهم السياسي وآلياتهم الدبلوماسية لتلائم الوضع الجديد.

إن بايدن وبطانته يتميزون بما لم يكن يتحلى به سابقه ترامب. فالأخير كان متهوراً ولا يمكن توقع ردود أفعاله، وهو ما جعل التعامل معه محفوفاً بالمخاطر. بينما سيكون التعامل مع إدارة بايدن تعاملاً سياسياً ودبلوماسياً خالصاً، والسياسة لها ألف باب.

مصر لا يعنيها أن يكون رئيس أمريكا يمينياً أو يسارياً. لكن يعنيها أن يحقق لها مصالحها. ولكى يحدث هذا فلا بد من خطاب دبلوماسي مختلف. وهو ما سيستدعى تغييراً جذرياً فى الخطاب الدبلوماسي المصري ليتلاءم مع اللون الجديد للسياسة الأمريكية.

 

عبد السلام فاروق

 

 

عبد الخالق الفلاحالملاحظة التي جلبت النظر المواجهة بين الرئيس الامريكي المغادر للبيت الابيض  دونالد ترامب ونانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الامريكي التي صرحت امام العديد من السياسيين في واشنطن العاصمة في المسؤولية التي يتحملها الرئيس الامريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، في اثارة الاحداث التي جرت وبعد مغادرته المكتب البيضاوي من الابواب الخلفية وعدم مشاركتة في حفل التنصيب للرئيس الجديد خلافا للعرف الذي يعمل عليه منذ اكثر من 150 عام، ليحل محله بعد فوزه الرئيس الجديد جو بايدن وما قامت به الجموع المعارضة  في اختراق الحواجز بتشجيع من الرئيس المهزوم دونالد ترامب والدخول الى الكونغرس المؤسسة الدستورية الاولى في الولايات المتحدة الامريكية لاول مرة في التاريخ واثارت أعمال الشغب فيه كانها صور من العالم الاخر، ولم تكن إلأ حقيقة في ظل الديمقراطية المزيفة التي يتشدقون بها منذ عقود طويلة وشنت الحروب والغزوات على دول عدة بما فيها العراق وأفغانستان وسورية واليمن وفلسطين وليبيا وبلدان عديدة اخرى مباشرة بتواجدها وغير مباشرة في فتح ترسانات اسلحتها المختلفة في دعم المعتدين وليست التنظيمات الإرهابية الموالية لواشنطن بما فيها تلك التي يطلق عليها تسمية القاعدة وداعش والمجموعات الارهابية الاخرى في سورية والعراق إلا البعض من الأمثلة على الوسائل والاساليب الملتوية التي تتبعها الولايات المتحدة لتحقيق اهدافها وتدمير الدول ذات السيادة التي ترفض الرضوخ لها وبشعارات مبهرة عن تحرير الشعوب ونجدة الضعفاء ونصرة الديمقراطية وإعادة الشرعية وقتلت وما زالت تقتل آلاف البشر من اجل الهيمنة والسيطرة على صناعة القرار العالمي بسياسات إعلامية قوية للتبشير بمبادئها وأفكارها وإشاعتها في صفوف أبناء الشعوب الاخرى، وكشف ترامب كل معاييرها  وبروتوكلاتها  السياسية وفضح الكثير من الممارسات السلبية بكل اريحية، وأخضع كل القضايا والمصائر لمزاداته العلنية، في ظل تفكك واضح في بنية المؤسسات الديمقراطية الأمريكية وتراجع دورها، وعدم قدرتها على تقييده أو كبح جماحه ليتجاوزها ويتجاوز صلاحياته، ويحدث شرخاً واضحاً بينه وبين هذه المؤسسات، في ظل جو يسوده الصراع الحاد، وتتطاير فيه اتهامات التخوين والعداوات، وتُنتهك القوانين دون قيد أو رادع، ويظهر وجه السياسة الأمريكية كما هو بالفعل.

فهل من حق الولايات المتحدة بعد الان للترويج للقيم الديمقراطية والحرية والعدالة التي طرشت اذاننا طول القرون الماضية  بها، في استخدام  الرعب والتخويف تارة، والحصار الاقتصادي تارة، لتفرض اجندتهاالمزعومة على الدول، بذريعة تخليصها من الظلم واستبداد أنظمتها الحاكمة، باتت مكشوفة للشعوب، التي على الرغم من معاناتها والحروب المختلفة المفروضة عليها، إلا أنها قادرة على خلق حريتها الحقيقية بعيداً عن كل المسرحيات والمزادات.

هل يحلوا بعد الان للمثقفين الذين يرون فيها حلماً طالما عاشوا مدافعين عنه ، وهم يرون فيها نموذجاً للحكم الحلم الذي يجب أن يحتذيه العرب خصوصاً والمسلمون عموماً إذا ما أرادوا التطور واللحاق بركب الغرب ويستمروا في نهجهم ذلك،ان المولعون بالحديث عن هذه الديمقراطية المزيفة في نمطها الغربي لا يخفون أبداً إعجابهم التام بذلك النموذج بل يتجاوزون ذلك إلى أن بعضهم يرى أنها هي المخلص من مشاكلنا وعقدنا التي جعلتنا في الصفوف الخلفية في هذا العالم المليء بالتحديات كما نسمعُ بالكثير من مصطلحات الحرية والعدل والمساواة والإخاء والوفاق الإنساني التي تقترن بالديمقراطية ، ولكن هل هذه المصطلحات البراقة والجميلة تم تحقيقها على أرض الواقع الغربي أصلاً قبل أن يطالب بها للغير.

وقد أكد الكاتب والبروفيسور الأمريكي بول كريغ روبرتس أن الولايات المتحدة ما زالت تستخدم شعارات الحرية والديمقراطية المزيفة للتدخل السافر في شؤون دول غيرها وشنها الحملات العسكرية والغزوات على الدول فضلا عن قيامها بعمليات التجسس الواسعة ليس فقط على الأمريكيين بل على المدنيين في جميع أنحاء العالم.

وفي تناقض واضح وتام للادعاءات التي تتشدق بها حول السماح لمواطنيها بالتعبير عن آرائهم والحصول على حقوقهم وحرياتهم المدنية أعطت واشنطن لنفسها الحق في قمع الاحتجاجات الشعبية المناهضة لها والأصوات المطالبة بالإصلاحات الديمقراطية كما عملت على تأسيس وإنشاء تنظيمات إرهابية خارجية على غرار تنظيم داعش الإرهابي في سورية من أجل تحقيق اهدافها وأجنداتها التوسعية.

ولفت روبرتس في سياق مقال نشره موقع غلوبال ريسيرتش الكندي الى أن الولايات المتحدة “دولة بوليسية” تمارس التجسس غير المشروع وتضرب عرض الحائط بالقوانين والمعاهدات الدولية عرض الحائط وكل ذلك خدمة “لفئة نخبوية” قليلة تسيطر على الإدارة الأمريكية. بتطبيقه في عالمنا المنهزمون من أبناء الشعوب العربية.

 لقد شرعت الولايات المتحدة في نهج سياسة إعلامية قوية للتبشير بمبادئها وأفكارها وإشاعتها في صفوف أبناء شعوبنا، ففي شهر مايو 2001 تقدم السيناتور الأمريكي تيد كيندي لمجلس الشيوخ نيابة عن عشرة آخرين من أعضاء المجلس بمشروع يحمل اسم (الجسور الثقافية لعام 2002)، ترصد له ميزانية إضافية تبلغ 75 مليون دولار، هدفه احتواء شباب العالم الإسلامي ثقافياً، وصناعة قادة المستقبل في الدول الإسلامية من داخل المؤسسات الثقافية الأمريكية، ضماناً لاستمرار مسلسل التبعية الحضارية، وقال مستشار الأمن القومي في ولاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في شرحه لأهمية اقتناء قناة فضائية اسرائيلية ناطقة بالعربية وموجهة الى العالم العربي:”إن نصف الشعب في السعودية مثلاً تحت سن 30 عاماً، وإن هذه الأجيال ليس لها معرفة بالاستعمار ولم تجربه، كذلك لم تجرب الحرب مع اسرائيل، ولم تعرف للقومية العربية انتصاراً أو تحقيق آمال وطموحات..

وقد كشفت تسريبات سنودن الموظف السابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية برامج سرية تقوم بها وكالة الأمن القومي الأمريكية للتجسس على الاتصالات والبيانات الشخصية داخل الولايات المتحدة وخارجها وحاول كبار المسؤولين في إدارتها الدفاع عن هذه العمليات في مواجهة الانتقادات الدولية ولجؤوا إلى الحجة القديمة نفسها التي تستخدمها واشنطن في تبرير ما تقوم به من انتهاكات ألا وهي “حماية الأمن القومي”.

وبعد هذه كله اليس من حقنا  كشعوب منطقة لمستقبل افضل أن نعي لما يحاك لنا في مطابخ الإعلام الأمريكي من مخططات ومؤامرات دنيئة تستهدف عزتنا واستقلالنا وحريتنا ومقدساتنا وتسعى لنهب ثرواتنا وما علينا إلأ ان نكن يقضين ونتسلح بالعلم والمعرفة والتفكر بمستقبلنا ومستقبل أجيالنا الصاعدة وندق ناقوس الخطر لما يعدونه في تلك المطابخ لسلب عقول الشباب وإلهائهم بشبكات التواصل والفيسبوك والموضة والأفلام الخلاعية والمحطات الهابطة التي تشتت عقولهم وتحرفها عن العلم والمعرفة…

 

عبد الخالق الفلاح -  باحث واعلامي

 

 

نبيل عودةأشار تقرير صادر عن الجامعة العربية قبل عدة سنوات، وصدر تقرير دولي مشابه أيضا من الأمم المتحدة، (الواقع اليوم اكثر سوء) الى مخاطر اتساع الفجوة التكنولوجية والعلمية بين العرب وإسرائيل، يؤكد التقرير اهتمام اسرائيل بتنمية قوتها الذاتية على خلفية علمية وتقنية جبارة، تنفق اسرائيل علي البحث العلمي بصورة لائقة تعكس تطلعاتها ورؤيتها الواعية لأدوات المعركة، بما يعد خطرا داهما على الأمن القومي للعرب، وتستقدم العلماء اليهود من مختلف أنحاء العالم وبخاصة أوروبا وأمريكا كل عام لمدة 3 شهور، للاستفادة من أبحاثهم العلمية ولحل مشكلاتهم، حيث استقدموا حتي الآن 78 ألف مهندس و16 ألف طبيب و36 ألف معلم و13 ألف عالم مختص بالتكنولوجيا المتقدمة وفقا لتقرير جامعة الدول العربية. العالم أحمد زويل عالم كيميائي مصري، أمريكي الجنسية، حاصل على جائزة نوبل في الكيمياء سنة 1999 لأبحاثه في مجال الفيمتو ثانية.  بالطبع لم تتوفر له فرصة ليقوم بأبحاثه في مصر.

تكتفي الدول العربية في علاقاتها مع العلماء العرب المنتشرين في بقاع الأرض بالطابع التشريفي، حيث تقوم مراكز الأبحاث باستضافة عدد من العلماء المصريين المهاجرين بالخارج إلي مؤتمراتها السنوية حتي يكتسب المؤتمر طابعا براقا لا أكثر، وكأنه مهرجان سينمائي مثل " كان " أو "أوسكار" الذي يتلألأ بنجومه.

تقول د. غادة الخياط- خبيرة الفضاء المصرية وكبيرة مهندسي الأنظمة المتعددة بجامعة هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية، التي زارت مصر في مهمة علمية في مجال تصميم سفن الفضاء متعددة الأنظمة والاتصالات والتدريب في مجال الأنظمة الهندسية لسفن الفضاء- : إن الحكومات المصرية المتعاقبة اكتفت في تعاملها مع العلماء بإرسال خطابات للمحافظات التي ينتمي إليها هؤلاء العلماء لدعوتهم في احتفالات الأعياد القومية لكل محافظة حتى يحدث نوع من الربط بينهم وبين بلدهم!

اوصت د. غادة بتخصيص ميزانيات في السفارات المصرية بالخارج للاجتماع بهؤلاء العلماء المتميزين بصفة دورية ودعوتهم للمؤتمرات العلمية، مشددًة علي أن لهم أسبقية الدعوة عن غيرهم من علماء العالم كافة ، مطالبًة بأن تقوم شركات السياحة الوطنية بدعوتهم في رحلات سياحية متخصصة، وأن تسعي كل أجهزة الدولة إلى تدعيم إحساس هؤلاء العلماء بمصريتهم حتي يمكن أن يشكل منهم "لوبي" في الخارج يدعم موقف مصر والأمة العربية في أي قضية نكون طرفًا فيها، خاصةً أن هؤلاء العلماء يحتلون مراكز مرموقة في البلاد التي يعملون بها، مع اعتبارهم سفراء لوطنهم في الخارج.

وقالت إن تعامل الحكومة المصرية مع هذه العقول كان بمنطق المشاركة الشرفية في الاحتفالات القومية، وكانت النتيجة تدني مركز مصر بين الدول في مجال البحث العلمي حتي أصبحت الهوة واسعة بيننا وبين أشد منافسينا بالمنطقة : اسرائيل، إذ تراجع ترتيب مصر بين الدول في مجال البحث العلمي عام 2007م إلي المركز 135، بينما قفز ترتيب اسرائيل إلي الـمكان ال 14، بل تقدمت علينا دولة عربية أخري وهي الإمارات التي احتلت المركز 65 بين دول العالم، أما عام 2000م فقد كانت مصر في المرتبة الـ 114 بينما كان ترتيب الإمارات الـ 70 في حين كانت اسرائيل في المرتبة الـ 21، والسبب معروف هو أن مصر تخصص 0.8% من ميزانيتها للبحث العلمي في حين تخصص اسرائيل 5% (الحديث اليوم عن 7% على الأقل) من ميزانيتها للغرض نفسه، بالإضافة لميزانية وزارة الدفاع التي يخصص منها جزء للأبحاث العلمية العسكرية، طبعا عدا الدعم المالي الأمريكي للأبحاث العسكرية والدعم الاقتصادي.

وصف وقتها الدكتور عصام حجي حال البحث العلمي بمصر بأنه غير صحي برغم ما تتمتع به مصر من كفاءات متميزة ونادرة جدا ووجود علماء في كثير من المجالات، مشيرا إلى أن مصر فيها عقول لا تقل عن أي دولة متقدمة لكن الفرصة ليست متاحة لهم، ومن ثَمَّ فنحن في حاجة إلى إصلاح مالي، بالإضافة إلى ضرورة ربط مراكز البحوث بمواقع الإنتاج مع استثمار النبوغ الفطري الذي يتمتع به الشعب المصري من خلال الاهتمام بالعلم قبل كل شيء.

مصر لديها مئات الآلاف من التخصصات القادرة على تغيير صورة الحياة على أرضها، حسب المعلومات التي نشرت وقتها، مثلا في الطب كان يوجد بالولايات المتحدة 47 جراحا وطبيب قلب متميزين جدا، وفي كندا 11 طبيبًا، وفي أستراليا 7 أطباء، و66 طبيباً بالاتحاد الأوروبي، أما في مجال الطب النووي يوجد ثلاثة بالولايات المتحدة واثنان بكندا ومثلهم بأستراليا وستة في الاتحاد الأوروبي، وفي تخصص العلاج بالإشعاعات يوجد بالولايات المتحدة 10 علماء متخصصون وبكندا واحد، وفي أستراليا ثلاثة أما الاتحاد الأوروبي فيوجد به ستة، هذا بالإضافة لباقي التخصصات مثل علم المناعة والسموم

ويوجد بمجال هندسة المؤثرات الميكانيكية بالولايات المتحدة 42 عالمًا مصريا و7 بكندا وواحد بأستراليا، و7 بدول الاتحاد الأوروبي، وفي هندسة المدن والسدود يعمل بالولايات المتحدة 31 عالمًا وبكندا 14 و10 في الاتحاد الأوروبي، وفي مجال المايكرو إليكترونيات يعمل بالولايات المتحدة 52 عالمًا، و14 بكندا، و8 بأستراليا، 19 بدول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تخصصات الهندسة النووية واستخدامات أشعة الليزر، وتكنولوجيا الأنسجة.

أما رجال الأعمال المتميزون بالخارج فمنهم 44 في بيوت الخبرة الأمريكية، و41 ببيوت الخبرة الكندية، و8 في أستراليا و132 بالاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تخصصات السياحة والتصدير والاستيراد، وتخطيط الصناعة.

ملاحظة: هذه الأرقام نقلتها من تقرير صدر قبل عدة سنوات، وتقديري الطبيعي ان الواقع اليوم أكثر سوء، وإذا اضفنا تقرير مستوى الجامعات السنوي سنجد ان العالم العربي في الحضيض. لذا نشهد اليوم تفكك الكتلة العربية، والتخلي عن كل الروابط القومية والانسانية، بل والتحالف مع أخطر قوة انيط بها شل تقدم وتطور العالم العربي، وأكثر من ذلك، نهاية للفكر القومي العربي الذي لم يتطور أصلا، ولن يتطور بغياب تطوير اقتصادي وعلمي اسوة بالبلدان المتطورة وإسرائيل في مقدمتهم!!

 

اعد التقرير: نبيل عودة

 

 

سامان سورانيمن الجدير بالذكر أن إقلیم كوردستان منذ عام ١٩٩١، أي بعد إبعاد النظام السابق من بعض المناطق الكوردستانية، شاهد تطور تدريجي بحيث إستطاع إحداث شبكة مصالح إقتصادية تربطە بدول المنطقة والعالم، بعد أن تجاوز الماضي وقام بالتركيز على ما هو مطلوب، حتی أصبح الإقليم اليوم وبعد مرور ثلاثين عاماً علی تجربته الناجحة وبسبب الإستقرار الأمني فیه وتطورە الإقتصادي والسعي الدؤوب من قبل حكومته المنتخب بشكل شرعي في إفساح المجال أمام التنافس السياسي الحر، وعدم تسخير المجال الديني لأغراض سياسية، قبلة لكل ابناء العراق والمنطقة في سياحتهم اليه بكمال الحرية واقامتهم فيه.

هكذا تبلورت الهوية الكوردستانية وتحولت اللغة والثقافة الكوردستانية الی لغة وثقافة حية والفضل عائد الی السياسة الحكيمة للقيادة الكوردستانية المعتصمة بقيم الديمقراطية والمؤمنة بالدبلوماسية الهادئة لغرض تنمية ثقافة السلام.

لاشك أن مجتمعاتنا هي محصلة تواريخه والتاريخ البشري عبارة عن مشاكل وقضايا وسعي نحو حلها، فنحن لاننسی بأن الإقلیم واجه أزمات سياسية وإجتماعية في علاقته مع دول الجوار علی مدار الثلاثين سنة الماضية، لأن طفرته الحضارية وإندماجه في المعادلات السياسية والإقتصادية في المنطقة تغضب بالتأكيد الاعداء وتسر الاصدقاء، لکن لا أحد يستطيع أن ينکر المسألة الكوردستانية، والتي أصبحت مع التحولات والتغيرات السياسية والإقتصادية مطروحة علی المشهد السیاسي والاجتماعي لا فقط في المنطقة بل في جغرافية أوسع.

الهدف الأساسي من إستخدام الدبلوماسية الهادئة، التي يتميز بها الإقليم، هو التوفيق بين المصالح المتعارضة وخدمة المصلحة البشرية بالطرق والأدوات السلمية والسعي الی تجنب التوتر أو تخفيفە.

إن هندسة الأمن الداخلي والإقليمي يجب أن ينبع من الحوار ولا شيء سوى الحوار ويجب أن يتم تبني صوت الاعتدال المبني على المقاربات الأسرع لتحقيق الإجماع بين الجهات المتنازعة، هکذا نستطيع أن نكسب إحترام الشركاء والعالم من حولنا. وبالتالي على السياسة أن تلعب الدور الأمثل في تقريب وجهات النظر في كل الخلافات سواء داخل الإقليم أو في العلاقات البينية بعيداﹰعن إستعمال لغة العنف والسلاح.

وما يُسجل للسياسة الخارجية للإقليم  بشهادة دول وجهات عالمية وقوفها على مسافة واحدة من جميع ملفات النزاعات الإقليمية والدولية، لا تحيد عنها في عصر صارت كثير من الدول تغذي دبلوماسيتها بالنهل من أجندات معلومة لقاء مصالح آنية ولو كان ذلك على حساب الأمن الاقليمي.

ولحسن الحظ تقف الجغرافية السياسية للشرق الأوسط اليوم الی جانب الكوردستانيين، فإقليم كوردستان من الناحية الأمنية هو بالتأکید القطب الهادیء في هذه المنطقة.

وإن التواصل المستمر للرئیسان نجیرفان بارزاني (رئيس الإقليم) ومسرور بارزاني (رئيس الحکومة) وإستخدامهم النمط الفکريّ النابع من الإیمان العمیق للرئیس المناضل مسعود بارزاني بالسلام، کأفضل طريق للوصول الی حقوق شعب كوردستان وإعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة، إستطاع أن يحوؔل لغة العنف السياسي في كوردستان الی لغة إنسانية للحوار وأدی هذا التواصل الی أرتقاء إقليم كوردستان وإعلاء قيم الإنتماء والولاء لە ورفع رايته في كل المحافل رمزاً للحكمة والسلام والخير والعطاء.

فالرئیسان يسعيان بکل جرأة وثبات الی تشكيل حقل معرفي لتنمیة ثقافة السلام، تتحول معه الأزمات والمآزق الي مواضيع للدرس والتحليل أو التشريح والتفكيك وذلك لتقوية أسس فلسفة السلم ومذهب اللاعنف، فنری تلقيح العناوين والمفاهيم والقيم القديمة والحديثة بعناصر ومقاصد وأبعاد جديدة، علی سبيل التطوير والتجديد أو الإغناء والتوسع، سواء تعلق الأمر بالأدارة والديمقراطية أو بالحرية والعدالة أو بالتنمية والعولمة، هکذا نستطيع أن نقوِّض جدران الكراهية ونمدُّ جسور السلام والمحبة، فالمصالح المشتركة والمنافع التجارية هي مَن تجمع الدول، لا الابتزاز السياسي، والمراهقات الدبلوماسية.

وأخيراﹰ يمکننا القول وبکل وضوح بأن الإقليم لم يدخل في متاهة سياسة ردة الفعل على كل ما واجهه ولم ينجر وراء سياسة المحاور، فالدبلوماسية الهادئة أعطت الإقليم بعداً خاصاً في ترجمة القول إلى الفعل وإستقطاب دول الجوار، بعيداﹰ عن التوترات والخلافات السياسية، للوصول الى حلول للقضايا التي تهم السلام والأمن والاستقرار في الإقليم والمنطقة.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

 

محمدـحسينـ الداغستانيمأساتُنا نحن العراقيين تكمن في تضاءل الأمل يوماً بعد يوم في تحسن اوضاعنا، ووقف تفاقم مشاكلنا ومعاناتنا الحياتية في كافة المجالات، ومنع إنهيار قيمنا الاخلاقية والإنسانية نتيجة العوز والحاجة والإهمال وعدم رؤيتنا لأي بصيص نور في نهاية النفق العتيد.

وقد يبدو الكلام مغرقآً في اليأس والقنوط، لكن المعطيات الراهنة تقودنا الى هذا الإحساس الموجع للأسف الشديد، فالماسك بالسلطة (أيّ كان موقعه وصفته) كما هو معلوم مهووس بالعصبية والقبلية وجمع المليارات ومضاعفة أرقام أرصدته الخرافية في البنوك والمصارف سراً وعلانية، وهو في شغلٍ شاغل عن حاجة المريض الحائر الباحث دون جدوى عن دواء مرض مزمن نآدر ينقذه من موت محقق، أوعن تطلع الشاب العاطل عن العمل أو المعيل لأسرة الى فرصة توفر له أسباب الاستمرار في الحياة وتحفظ له بها كرامته الإنسانية وتدرء عنه ذل السؤال، أو عن أمل اليتيم والأرملة الى من يحميهما من غدر الزمان وكوارث الحاجة وإنقاذهما من براثن تجار الأعضاء البشرية والمتاجرين بالدم والجسد وهكذا...

في ميدان الصحافة أيضاً لا يبدو الحال بأفضل من غيره، فالكلمة الحرة تنوء تحت أثقال ضريبة باهضة، والحياد ليس سوى نكتة في مفهوم المتسلطين، وإصرار الصحفي المستقل على التمتع بفرصة ممارسة الرأي الآخر يعني تعرضه الى التغيب القسري عن المهنة التي يؤمن بها بل وعن الحياة ذاتها احياناَ !

في ظل هذه المعطيات فإستمرارالإعلام والصحافة المستقلة في أداء وظيفتها غير المنحازة والبعيدة عن سطوة الأحزاب والتيارات المهيمنة على تقاليد الأمور ضرب ٌمن الخيال، وحتى الدولة التي دخلها القومي من ثروات البلاد ومن المواطن ذاته لم يتسن لها في المراحل السابقة، وعقب سقوط النظام الشمولي الفردي من إنتشال أي صوت مستقل وحر من معاناته الأليمة أو توفير فرص تطويروسيلته الاعلامية لخدمة الوطن بنزاهة وحيادية بعيداً عن التعصب الأعمى والقسر والإقصاء والضنك المقيم، فضلاً عن أن نواب الشعب في البرلمان لم يفكروا لحد الآن في إقرار تشريع يحمي الكلمة المستقلة ووسائلها وتوفير اسباب ديمومتها وتطورها.

والى أن يطل التغيير في الطباع والمفاهيم ‏السائدة وضمان سيادة القانون والنهوض بمرافق الحياة في بلادنا، فالإعلام والصحافة المستقلة تبقى وحيدة في الميدان بإنتظار قدوم الفرج المستحيل !

 

محمد حسين الداغستاني

عمانوئيل خوشابابعد الأحتلال 2003، واِمكانية استقطاب الاستثمارات الأجنبية والوطنية

تعرض العراق الى العديد من الأزمات الأقتصادية خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث أثبتت الوقائع على اٍن الدولة العراقية لم تكن لها القدرة في مواجهة هذه الأزمات بالرغم من ما تمتلكه من أمكانيات هائلة من مواد وعناصر الأنتاج كانت مادية او بشرية. أعتمد النظام السابق على النظام الأقتصادي المركزي الريعي، وتفاقمت الأزمة الأقتصادية العراقية بعد الغزو الأميركي عام 2003 لأسباب عديدة، وتغيرحينها النمط الأقتصادي الى النظام الأقتصادي الريعي ـ الليبرالي، بحيث أعتمد في نتاج عائداته النقدية على المصدر الوحيد الطبيعي وهو الريع النفطي، في ظل تلاشي الفعاليات الأنتاجية الأقتصادية الأخرى، بحيث يكاد يكون الناتج الأجمالي القومي صفراً خارج المجال النفطي.

بعد تدمير البنى التحتية للعراق بعد عام 2003 ومن خلالها أنهارت المنظومات السياسية، الأقتصادية، الأدارية، المالية،الخدماتية وكذلك المؤسسات الأمنية، أصدر حينها المحتل عدد من التشريعات والقوانين لتمشية أمور الدولة طبق مواصفاته، بحيث خلق من بعدها أزمة حقيقية وهي غياب مفهوم الوطنية، والذي أستطاع أن يجسد مفهوم التباين بين أبناء المجتمع الواحد، ووضعت البلد تحت نيران النزاعات الدينية، الطائفية والعرقية، وأمسى العراق بلد المكونات خلال دستوره اللاوطني. وأنعكس نتائج الوضع أعلاه على معيار توزيع الثروات الأقتصادية العراقية على شكل معيار طائفي مقيت خاصة بعد جلاء قوات الجيش المحتل عام 2011، وأنعكس بدوره على آداء الأقتصاد العراقي. حيث عمدت الولايات المتحدة الأميركية الى عملية تحرير شامل للأقتصاد العراقي وأستخدام التجارة الحرة بدون وجود أسس وضوابط معينة يستطيع مواجهة اقتصاديات دول الجوار والعالم، بحيث سمح بفتح الأسواق العراقية بمصراعيها أمام البضائع الأجنبية، وأدت هذه العملية الى تدهور القطاع الصناعي والزراعي الوطني.

أزدادت العائدات النقدية العراقية مابين عام 2003 ـ 2010 وذلك بسبب أرتفاع أسعار النفط ، وأثبتت الوقائع بأرتفاع  مؤشر النمو الأقتصادي فقط بدون أي أثر فعال في مجال التنمية و ذلك تبين الأحصائيات اٍن العائد النقدي العراقي تجاوز الــ 900 مليارد دولار من العائدات النفطية فقط، ولكنها تلاشت في النظام الأداري والمالي الفاسد من خلال أكبر عملية فساد منهجية ظهرت في تاريخ العراق المعاصر، والذي أعتبر العراق خلالها  من أسوأ الدول المتعاملة في مجال التجارة والأستثمارات، واٍن مجمل أستثمارات الدولة لاتذهب الى مشاريع التنمية الوطنية بسبب هذا الفساد ضمن الأقتصاد المنفلت ،وهذا ما أكدته منظمة الشفافية الدولية في تقاريرها الدورية، وتم خلالها تصنيف العراق في المرتبة 170 من بين 175 دولة أكثر فساداً في العالم، وكذلك تم تصنيف العراق بالمرتبة 156 من بين 185 دولة سيئة في مجال ممارسة الأعمال التجارية والأستثمار.

ونود التطرق الى أهمية عامل الأستثمار في دفع عجلة التنمية الأقتصادية الى أمام، حيث يعمل على زيادة السلع والخدمات المنتجة، يعمل على تخفيض نسبة البطالة، رفع المستوى المعاشي، وتوفير العملة الصعبة وغيرها.  ومن هنا عندما يشهد العراق أي أزمة أقتصادية، نلاحظ هرولة النظام السياسي نحو الحديث عن ضرورة جلب الأستثمارات الأجنبية والمحلية من تصحيح الوضع الأقتصادي، ودعواتهم هذه تكاد فاشلة وليس لها أرضية خصبة بفضل تضاربات القانونية، العامل الأمني والفساد البيروقراطي الأداري والمالي. وكما هو معلوم بأن العراق أقرعام 2006 قانون الأستثمار رقم (13)، والتي تأسست من خلاله الهيئة الوطنية للأستثمار، والتي نصت أهم بنوده على تشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي والمختلط للأستثمار في العراق، من خلال توفير كافة السبل والتسهيلات للمشاريع الأستثمارية، ومن ثم تنمية عوامل الأنتاج وتوفير فرص العمل للعراقيين. وبالنتيجة توسيع الصادرات وتعزيز عملية التبادل التجاري وأخيراً توفير الحماية الكاملة لأمن وحقوق وممتلكات المستثمر.

بالرغم من مرور أكثر من 14 عاماً على أصدار هذا القانون اٍلا اٍنه لم يرى النور  وبقي حبراً على الورق ولم يتم اٍكمال اٍلا الجزء الضئيل في بعض المناطق. ويرجح عدد  من الأسباب التي أدت الى عدم تفعيل القانون أعلاه :

1 ـ عدم وجود شروط الدولة السيادية في العراق، والتي من خلالها يمكن فرض سيطرتها على مجمل الأمور، فغياب القانون ومن ثم سيطرة الميليشيات والأحزاب الطائفية والعرقية على القرار السياسي والأقتصادي للبلد، مجمل العوامل أعلاه سوف تعرقل بدورها مشاركة اي مستثمر بالدخول الى السوق العراقية المظطربة.

2 - تفشي الفساد داخل بدن الدولة العراقية والمسبب الرئيسي له هو الأحزاب المسيطرة على القرار الأداري والمالي ضمن الدوائر والوزارات المتعلقة بهذا الشأن ،والتي تنتج حالة تضارب القوانين مابين الدوائرالمعنية ومن ثم كثرة الأتاوي والرشاوي والذي يؤدي الى نفور الشركات المستثمرة الدولية التي تؤدي بدورها يدفعها المستثمر للأحزاب المسيطرة على الدوائر والوزارات المختصة ضمن مجال الأستثمار.

3 ـ قانون الأستثمار العراقي المرقم 13 لعام 2006 لايوفر البيئة المناسبة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية ولم يواكب أسس الأستثمار والتشريعات المطبقة في أغلب بلاد العالم، مثال الضمانات والتسهيلات المالية والخدمية، الأعفاءات الضريبية والكمركية المقدمة للمستثمر الأجنبي، حيث يترنح المستثمر بسبب بيروقاطية القوانين والتشريعات والتي تسيطر عليها الأحزاب والميليشيات المتنفذة وتسييرها حسب هوائها، وبهذا لم تتكن الدولة العراقية في حماية المستثمر من الناحية الأمنية، المالية والأدارية.

4 - عدم وجود نظام مصرفي مثالي ومؤهل لخلق أرضية خصبة يمكن من خلالها جذب رؤوس الأموال المستثمرة، حيث تبين الأحصائيات بأن العراق لديه حوالي 45 بنك خاص، اٍضافة الى 7 بنوك حكومية وغلبيتها لاترتقي الى المستوى والكفاءة المطلوبة من مواكبتها للتطور التكنلوجي المتوفر في المصارف العالمية، بالأضافة الى المشكلة الأكبر والمتمثلة بعمليات الفساد الكبري والتي يؤديها البنك المرطزي العراقي من عملية غسيل الأموال وتهريبها.

5 - عدم الأستقرارالأمني والسياسي وسوء واقع الخدمات المتمثلة بعوامل الأنتاج كالكهرباء والماء والطرق وغيرها.

علماً بان الدولة أنفقت الملياردات من الدولارات على عمل الهيئة الوطنية للأستثمار ودوائرها الفرعية في المحافظات وايفادات الكثيرة لوظفيها داخل البلد وخارجه، ولم تنجز الحد الأدنى من المشاريع ، لذلك وبذلك وفق العراقيل أعلاه، تبين بأن العراق خسر العديد من فرص الأستثمار والتي كان يمكن أن تؤدي الدور الكبير في أعادة بناء العراق .

لذلك يواجه العراق اليوم في ظل حكومة الكاظمي أزمة أقتصادية خانقة من خلال تفشي جانحة كورونا وهبوط أسعار النفط، مع تفشي الوضع السياسي الهش من خلال عدم قدرة الدولة في فرض قبضتها على زمام الأمور وتواصل هيمنة الميليشيات التابعة للأحزاب الطائفية بكافة تلاوينها المذهبية على القرار السياسي والأقتصادي والتي خلقت من خلاله أقتصاد مريض والذي أدى بدوره على تراجع كبير في نسبة الخدمات المقدمة للمواطن العراقي، وارتفاع قياسي في نسبة البطالة وخاصة في شريحة الشباب، والتي أدت الى زيادة الأحتجاجات والمظاهرات السلمية في جميع أنحاء العراق. وتظهر الأحصائيات الأقتصادية بحصول أنكماش في الريع النفطي بنسبة 12% ، يقابله أنكماش في الناتج الوطني الغير نفطي بنسبة 5% ، ومن خلاله أنكمش معل النمو الكلي للناتج الوطني بنسبة 10 % لعام 2020 وهو الأسوأ منذ عام 2003، وبذلك أدى التراجع الأقتصادي أعلاه بحدوث أزمة أجتماعية ألقت ظلالها على الأسر العراقية بحيث أزداد معدل الفقر الى نسبة 14 %  ليصبح أجمالي عدد الفقراء اليوم تقريباً 10 مليون شخص.

 

عمانوئيل خوشابا

20-10-2021

 

قاسم حسين صالحيعني (الأنا).. الفكرة او الصورة التي يحملها الفرد عن نفسه، وتكون على ثلاثة انماط:موضوعية، تكون فيها احكام الفرد عن نفسه وقدراته مطابقة لما يمتلكه فعلا.. وهذا ما يتصف به الأفراد الذين يتمتعون بالصحة النفسية.وتبخيسية، يتم فيها الحط من قيمة الفرد وقدراته ويصل فيها الحال الى ان يصف نفسه بأنه (تافه) في الأكتئاب الحاد. وتضخيمية، يحصل فيها ان الفرد ينظر الى نفسه بانه يمتلك قدرات استثنائية، ويعتبر نفسه بأنه (فلتة زمانه) ان وصل مرحلة النرجسية المرضية.

والغريب في شخصية "الأنا المتضخم" إنها تجمع صفات في "توليفة" من ثلاث شخصيات مختلفة هي: النرجسية والتسلطية والاحتوائية . فهي تأخذ من الشخصية النرجسية حاجتها القسرية إلى الإعجاب.. أي إنها تريد من الآخرين أن يعجبوا بها بالصورة التي هي تريدها، وأن لا يتوقفوا عن المديح والإطراء، فحالها في الإعجاب كحال جهنم، يسألونها: هل امتلئت؟ تقول: هل من مزيد !. وتأخذ أيضا منها شعار النرجسي: "أنا مميز"، وخاصيتها الأساسية المتمثلة في الإحساس بتفخيم أهمية الذات، والتظاهر بامتلاك قدرات فريدة، وان على الآخرين أن يتعاملوا معه على أساس أنه مميز. وتأخذ من الشخصية التسلطية، انفعالاتها الغاضبة واندفاعيتها، وتصنيفها الناس بثنائيات، في مقدمتها ثنائية الأصدقاء مقابل الأعداء، أي من كان معي فهو صديقي وما عداه فهو عدّوي. وتأخذ من الشخصية الاحتوائية السعي إلى السيطرة على الآخرين واحتواء وجودهم المعنوي وأفكارهم، سواء بالإبهار أو بأساليب درامية أو التوائية.

 وواضح لدينا نحن المهتمين بدراسة الشخصية ان ترامب لديه تضخم أنا عال، ولكنه ليس من النوع المرضي او الذي يدّعيه الفرد بل ناجم عن انجازات استثنائية في ميدان المال والشركات والعقارات وناطحات السحاب.. اوصلته الى ان يكون مليارديرا مميزا واستثنائيا فعلا. وبالتعبير العراقي فان الرجل حقق ما عجز عنه آخرون (بزوده) وليس ادعاءا او هبة من آخرين.فضلا عن ذلك فأنه يمتلك جسما رياضيا بمواصفات (البطل) الأمريكي في السينما الأمريكية، ويتصرف بطريقة البطل الخارق الهوليودي!

والخطر في المصاب بتضخم الأنا يتعلق بـ(المعتقد) الذي يعني الفكرة التي يكّونها بخصوص شيء او موضوع ما اذا كانت عقلانية ام غير عقلانية، واقعية ام وهما. ولأنه يتصف بالعناد فانه يرى في معتقداته غير العقلانية وافكاره غير الواقعية بأنها حقائق مطلقة. ومن هنا كان خوف العالم.. ان يتخذ ترامب قرارات غير عقلانية ويجبر الآخرين على تنفيذها. والأشكالية، ان القائد المصاب بتضخم الآنا يكون مستبدا برأيه، واذا ما اضفنا لها أن مزاج النرجسي لا يراهن عليه، وان من يحاول عقلنة ترامب لم تلده أمه بعد!، وانه لن يكترث حتى بالمؤسسة الأمريكية، فان المتوقع أنه لن يهنّأ بايدن على فوزه، ولن يحضر مراسيم تنصيبه كما تقتضي الديمقراطية الأمريكية.. وستبقى (الحرب) مفتوحة بين رئيس يرى في نفسه انه الرئيس الشرعي لأمريكا الفائز بأكثر من سبعين مليون صوتا، مدعوما بيمين متطرف، وبين ديمقراطية لا تصلح سوى لأميركا!

 * كنا، بعكس كبار المحللين السياسيين، تنبئنا بفوز ترامب .. ووضع غوغل صورتنا بين صورتين لترامب، وحللنا شخصيته في ثلاثة مقالات، وصدرت ايضا في كتاب .

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

باسم عثمانفكّت رسالة بعث بها رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والأمناء العامين للفصائل، "عقدة" كانت تعترض طريق الانتخابات الفلسطينية الغائبة طويلا، هذه العقدة تتمحور حول تنازل "حماس" عن شرط "تزامن" الانتخابات التشريعية والرئاسية والوطنية، والقبول بإجرائها وفق مبدأ "التتابع"، بحيث تبدأ بالتشريعية ثم الرئاسية فالمجلس الوطني... لكن هنية، بحسب مضمون الرسالة قد أضاف إليها كلمة "الترابط"، ما يعني أن القبول مشروط أيضاً.

ويؤكد رئيس شبكة الأقصى الإعلامية التابعة ل "حماس"، وسام عفيفة أن هنية أرفق كلمة "الترابط" مع "التتابع"، كاشفاً عن أن ليونة موقف "حماس" الجديد جاء نتيجة متغير إقليمي هامّ، قد تمثل بدور وسيط من قطر ومصر.. ويشدد على أن البُعد الإقليمي ودور الوسطاء الذي كان مفقوداً في الفترة الماضية قد تمّ تداركه نتيجة المتغيرات الإقليمية وارتباطاً بنتيجة الانتخابات الأميركية التي أفرزت فوز الديمقراطي جو بايدن. ويؤكد عفيفة أن إطلاق هنية رسالته من الدوحة بحكم تواجده هناك، أيضاً له اعتبار مهم، مع تشديده على مسألة "الترابط" بين الانتخابات، مشيراً إلى أن إضافة الكلمة يعني أن لموقف "حماس" إطاراً ضامناً لحدوث الانتخابات "رزمة واحدة "وألا تتوقف عند محطة انتخابية معينة، ويضيف أيضا، إن "فتح" و"حماس" ستعودان إلى ما تم التفاهم عليه في حوارات إسطنبول التركية في الأشهر الاخيرة، مبيناً أن أهم عنصر هو إمكانية الذهاب إلى الانتخابات "بقائمة مشتركة" كضمانة للطرفين بأن "كلاهما رابح لا خاسر". وفق عفيفة.

مما لا شك فيه أن إجراء الانتخابات الفلسطينية حاجة أساسية لبناء نظام ديمقراطي يحظى بالمشروعية الوطنية والسياسية، كما باتت ضرورة لتجاوز أزمات "الاستعصاء " الفلسطينية على الصعيدين البنيوي المؤسساتي والسياسي، وللحفاظ على مشروعية النظام السياسي الفلسطيني.

ومما لا شك فيه أيضا، ان الانتخابات الفلسطينية الثلاثة، بالإضافة إلى كونها استحقاقا دستورياً وديمقراطيا، فلا بد لها ان تأتي كنتيجة طبيعية لضرورة وطنية استكملت شروطها الداخلية: في أسس استعادة الوحدة الوطنية وانهاء الانقسام ومن ثم العمل على تشريع مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، وشروطها السياسية: في التوافق على الحل السياسي واستراتيجيته الوطنية في إيجاد مخرج وطني كحل لمأزق سياسي عصف بكل مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني وشرعيتها.

في هذا السياق، تكون الانتخابات الفلسطينية جزء من الحل، ونتيجة طبيعية للحل الوطني العام والرزمة الشاملة لتحديات الحالة الفلسطينية وتعقيداتها، استنادا الى خصائصها وسماتها المرحلية، وليست كل الحل، وليست ايضا وسيلة لتقويم المسار السياسي، بل ممكن ان تكون اداة لتكريس الانقسام وتبعاته بغياب الحل السياسي والتنظيمي كرزمة شاملة، هي الأداة والوسيلة لأهداف وطنية وسياسية وبرنامجية كبرى وليست هدفاً بحد ذاته، لذلك، فان الانتخابات في الوضع الفلسطيني الحالي - بدون انهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات، والتوافق على رؤية وطنية والشراكة السياسية - مغامرة غير محسوبة العواقب وقفزة في المجهول، الّا اذا كان الهدف منها إدارة الانقسام وإعادة انتاج الذات المأزومة سياسيا،واضفاء شيء من المشروعية الشعبية عليها امام الرأي العام العالمي والرهان من جديد على المتغيرات الإقليمية والدولية.

ان "التفاهمات الثنائية الفوقية" بديل عن "التفاهمات الوطنية العامة" والحوار الوطني الشامل والفاعل، شأنها ان تكرس نهج "الأبوة" السياسية واحتكار المسؤولية، وإدارة انتكاسات الحالة الفلسطينية" صورياً"، والامعان في إدارة الظهر لإرادة الجمهور الفلسطيني واغترابه الوطني والسياسي عن حالته الوطنية ومرجعيته السياسية.

وكما أكدنا في أكثر من مناسبة، ان مفهوم الوحدة الوطنية الفلسطينية في مرحلة التحرر الوطني، يقوم على اساس الاستراتيجية الوطنية التوافقية للكل الفلسطيني، بمختلف اطيافه وقواه السياسية والاجتماعية والجماهيرية، من خلال حوار وطني جاد ومسؤول، تحت راية (م.ت.ف) باعتبارها الوعاء والإطار الوطني الذي يجمع كل الفلسطينيين والكيان السياسي له، وباعتبارها الإطار المفترض الذي يُوحّد كل القوى في معركة التحرير والاستقلال.

ان تجاهل متطلبات النهوض الوطني الفلسطيني والياته، وتجاهل تحديات مشروعه الوطني وقضايا الخلاف الأساسية، والتركيز على بعض الجوانب دون غيرها، بمعزل عن التوافق والاتفاق الوطني العام، سنغرق مجددا في دوامة من الانتكاسات الوطنية، ولن نرتقي بالورقة الفلسطينية الى مستوى المخاطر والتحديات الراهنة،حيث ان الدعوة الى اجراء الانتخابات بمعزل عن اليات المواجهة والتصدي للمخاطر المحدقة بالمشروع الوطني الفلسطيني كرزمة كاملة، بالتوافق الوطني والشراكة السياسية للكل الفلسطيني، سيعمق ترسيم ما هو قائم وشرعنته سياسيا ومؤسساتياَ، ليتناسب مع رؤية الاخر الإقليمي والدولي ودهاليزه السياسية.

لا يمكن أن تكون الانتخابات خطوة إيجابية الا إذا كانت النتيجة وليس المدخل، لأن العملية الوطنية ليست انتقائية او تجريبية، الحل في التوافق والاتفاق على استراتيجية وطنية تتجسد بأدواتها والياتها، ومن ثم تأتي الانتخابات لتُكمّل الحل السياسي والعملية الوطنية وليس العكس، وحركة التحرر الوطني الفلسطينية ليست باستثناء عن حركات التحرر العالمية، بل استمرارا واستكمالاً لها ولتجاربها وادبياتها.

اضف الى ذلك، وهذه النقطة في غاية الأهمية،ان حصلت الانتخابات كنتيجة طبيعية للحل السياسي والتوافق الوطني، يجب أن تجري في القدس والضفة الفلسطينية وقطاع غزة باعتبارهم وحدة جغرافية واحدة غير قابلة للتجزئة، واعتبار القدس أولوية : وذلك لكونها عاصمة الدولة الفلسطينية هذا من جانب، ومن جانب اخر تجديد التأكيد على موقف الشعب الفلسطيني الرافض لكافة الاجراءات الأحادية التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال، بهدف تغيير الوضع القانوني للقدس وطمس هويتها الوطنية، كما يمثل هذا الموقف بمثابة تأكيد جديد أيضا على الموقف الفلسطيني الرافض للمواقف والاجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية باعتبار القدس عاصمة لكيان الاحتلال، وما تبعه من إجراء في نقل السفارة الأمريكية إليها.

ان الحالة فلسطينية ومتطلباتها، بحاجة الى ثورة على وقائع وتفاصيل سياسات باتت مسيطرة على العقل القيادي الفلسطيني وفلسفته، تجاه مختلف قضايانا الأساسية والجوهرية، وبهذا السياق لابد من اعادة تموضع جديد في سياسة النخبة الفلسطينية وفلسفتها، فلسفة تقوم على ديمومة المقاومة وابتداع ادواتها والياتها، ونبذ "فن التكتيك" والمراوغة في احتراف العمل السياسي ودهاليزه، التي اصبحت تُثقل كاهل قضيتنا وتحملها ما لا يمكن احتماله.

ان السؤال المطروح الان، هل بإمكان الانتخابات الفلسطينية وحدها وبمعزل عن الحل السياسي العام، ان تنتقل بالحالة الفلسطينية الى ما يجب ان تكون عليه؟!، ام هي محاولة لإعادة ترسيم النظام السياسي وترسيخ منهج السلطة القائمة على أوسلو واستحقاقاته وبالتناغم مع المتغير الإقليمي والدولي؟!. حيث لا يبدو في الافق ان ثمة مخارج وطنية متبلورة لدى طرفي السلطة الفلسطينية لطالما التعامل قائم على أساس خيارات التسوية والاجندات الخاصة!!.

خلاصة القول:

إن المقاومة الشعبية بكل أشكالها النضالية، وتوفير مستلزمات الصمود للشعب الفلسطيني فوق ارضه في ظل قيادة وطنية موحدة، وتحت سقف القرار السياسي الوطني بالمجابهة الشاملة والميدانية، هي السُبُل التي من الممكن لها أن تدافع عن المصالح الوطنية، وهذه كلها تستدعي استراتيجية وطنية شاملة تغادر الرهان على الغير وخيارات التسوية العقيمة، وعلى ما يسمى بالتحالف الدولي المزعوم،ومغادرة الرهان على انتخابات لا تبدو في الأفق أو ذات نتائج وطنية (سياسية وتنظيمية) تكفل مصالح شعبنا وحقوقه الوطنية الكاملة، والعمل على إحداث ميزان قوى جديد في الميدان، من شأنه هو وحده أن يضع المجتمع الدولي أمام وقائع جديدة لا يستطيع تجاهلها.

 

بقلم: د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

 

محمد مسلم الحسينيأربع سنوات خلت، أدار فيها "دونالد ترامب" دفة الحكم في أقوى بلد في العالم، حملت كثيرا من المفاجآت والأحداث التي لا يمكن للمرء ان يتصورها أن تحصل وتصبح واقعا حيّا في بلد يدعي التألق في الحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان!. سنين عجاف مضت قلبت كثيرا من الموازين والأعراف والقيم على جميع الأصعدة الداخلية والخارجية " الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والأخلاقية والمعنوية" في هذه البلاد وهي أم الحدث، وفي بلدان أخرى ومؤسسات ومنظمات مسّها الضر. منذ أن تسنم ترامب مقاليد الحكم في بلاده بدأ ولم ينته من توجيه صدمات مختلفة في تأثيرها وأثرها على العالم حققها قولا وفعلا، ففي أولى أيامه أغلق أبواب بلاده بوجه عدد من الدول المسلمة التي لا تربطه بها مصالح مرسلا إشارة مفادها أنّ "المسلمين غير مرغوب فيهم في بلدنا"، فكشف عن حقيقته العنصرية. كما كشف أيضا عن شخصيته النرجسيّة التي برهنها بتصرفاته اللاإنسانية الأخرى حينما قطع مساعدات أمريكا المالية عن الدول الفقيرة والمحتاجة من جهة، وعندما فرّق الأطفال عن أمهاتهم من اللاجئات القادمات الى بلده من جهة أخرى. لم تقتصر إشارات غياب الرحمة عنده على الأجانب فحسب بل تعدتها الى أبناء بلده حيث جاهد وأجتهد في محاولة إلغاء قانون الرعاية الصحيّة الأمريكي المسمّى بـ "أوباما كير" فبيّن بوضوح غياب القيم الإنسانية عنده التي كان السياسيون الأمريكيون يتبجحون بها. في هذا التوجه وافقه الكثيرون من الجمهوريين وبدون تردد، مما يوحي بأن ترامب لا يتصرف وحده في هذا المسار الغريب !

رفع ترامب شعار"أمريكا أولا" وترجمه بعدم إحترام المعاهدات والعهود والإتفاقيات الدولية التي أرتبطت بها الولايات المتحدة الأمريكية من قبل، فراح يلغي بها الواحدة تلو الأخرى أو يهدد بإلغائها أو بتغيير صيغتها، حيث ألغى إتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادىء، وإتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية الـ " نافتا" التي تربطه مع المكسيك وكندا. إنسحب من إتفاق" إيران النووي"، ألغى المعاهدة الدولية لتجارة الأسلحة التقليدية، ألغى معاهدة القوى النووية متوسطة المدى مع روسيا، وأوقف إلتزاماته المادية لمنظمة الصحة العالمية وأنسحب منها ومن منظمة " اليونسكو" ومن مجلس حقوق الإنسان التابع لهذه المنظمة. شنّ حربا إقتصادية على الصين دامت طوال فترة حكمه مما جعل الإقتصاد العالمي في حالة خوف وعدم إستقرار وترقب مستمر. ضيّع ثقة حلفاء أمريكا من الأوربيين ومن غير الأوربيين الذين كانوا يعتبرون أمريكا المثل الأعلى لهم بما تقول وتفعل ويتبعونها ظالمة أو مظلومة، فأجبرهم على دفع الأموال وهددهم بفرض الضرائب والتخلي عن حمايتهم العسكرية سواء أكان ذلك على صعيد حلف " الناتو" أو على صعيد القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة هنا وهناك في شتى بقاع العالم. إنسحب من " إتفاق باريس للمناخ" وألغى إلتزامات بلاده المتعلقة في المحافظة على سلامة البيئة والحد من الإحتباس الحراري الذي أصبح تهديدا صريحا للبشرية ولسلامة مستقبل الحياة على الأرض.  كلّل أخطاءه الخارجية بنقل سفارة " إسرائيل" من تل أبيب الى القدس ضاربا عرض الحائط مبادىء الحياد والحق ومخالفا للقوانين الدولية والنهج العالمي بهذا الصدد فتصرف تصرفا أحاديا منتهجا نهج القهر والقوة ونهب حقوق الآخرين. هذه الأفعال والإجراءات أفقدت ثقة المجتمع الدولي في هذا البلد الذي برهن أنه من الممكن أن ينقلب في ليلة وضحاها على المواثيق والأعراف الدولية من دون سابق إنذار. كما بينت الأحداث بأن ليس لأمريكا حليف دائم أو صديق حقيقي تخلص له وتهتم فيه أمام مصالحها.

أما على الصعيد الداخلي فخرابه لا يقل عن خرابه الخارجي، حيث فصم عرى الشعب الأمريكي وشطره الى نصفين، فكرّس التفرقة وكبّرهوة الكراهية بين أبناء شعبه بعد أن إتبع سياسة التباعد بين من يواليه ومن لا يواليه، حتى أصبح بلده متأهبا لصراع داخلي بين أبنائه!  طعن الديمقراطية طعنة ماكنة بأسلوبه الدكتاتوري المتميز وبتصرفاته الغريبة التي أتسمت بتحفيزأعوانه ومناصريه في التمرد على أسس الديمقراطية وأخلاقها، فوصل به الحد الى تحريضهم على مهاجمة رموز الدولة التشريعية ومقراتها مثل " الكونغرس الأمريكي"! طارد الصحف ووسائل الإعلام التي لا تواليه ووصفها بعدوة الشعب. قوّض ثقة الشعب بمؤسسات الدولة العميقة والعريقة حين أتهمها بالفساد والتحيز والضعف كتوصيفاته وإتهاماته المستمرة لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي المسمّى بالـ " أف بي آي" وللمحاكم والنظام القضائي والدوائر الإنتخابية ونظامها الإنتخابي الذي أتهمه باطلا بالتزوير والإنحياز. تبنى " نظرية المؤامرة" ضده ووجهها ضد كل من لا يشعر بولائه له ذاهبا بشعار" إن لم تكن معي فأنت ضدي" !. شجع وحفز القوى المتطرفة والعنصرية ورفض في الكثير من المناسبات إدانتها وإنتقادها ورفض شجب أعمال العنف والإرهاب التي مارستها هذه القوى. كل هذه الأعمال والتصرفات خلقت تأثيرا وأثرا في حالة المجتمع وبينت مكامن موجودة فيه وأعطت إنطباعا واضحا بأن الديمقراطية في هذا البلد هشة ضعيفة قابلة للإنقلاب والإنهيار إن توفرت الظروف !

الدمارالأكبر الذي سببه ترامب لبلاده هو إهماله وتهاونه في التصدي لوباء "كوفيد19 " الذي لم يكن مؤمن بخطورته وقوة مراسه، بسبب إعتقاداته الباطلة، إذ أعتبره مزحة وضلالة يصنعها الديمقراطيون ضده. تهاونه هذا بإتخاذ ما يلزم في المراحل الأولى للسيطرة على الوباء وإنتشاره رغم نصائح أهل الإختصاص، أدى الى إنتشار الوباء بشكل متميز حتى صارت الولايات المتحدة الأمريكية الأولى في العالم بعدد الإصابات وبعدد المرضى والمتوفين. عدم سيطرته على وباء كورونا الجديد كان العامل المؤثر الأكبر في خسارته للإنتخابات وفوز الرئيس المنتخب "جو بايدن" عليه.

رغم كل هذا الخراب على الصعيد الداخلي والخارجي لدونالد ترامب غير أن قاعدته الشعبية بقيت مخلصة له على طول الخط، حيث  أثر فيها بخطاباته وأفكاره وإفتراءاته من جهة، وبشخصيته التي أتصفت بـ " كاريزما الضلالة" التي أثر فيها على نفوس وعقول غير المثقفين وبسطاء الناس والمتطرفين منهم من جهة أخرى. هذا يعني أن تأريخ الديمقراطية الطويل وخبرة ممارستها لدى الشعوب قد لا تمنع الرجوع للدكتاتورية في حالة غياب الوعي والثقافة عند أبناء المجتمع وبتوفر الشخصيّة الدكتاتورية المؤثرة، مما يجعلنا نعيد النظر في أدبيات الديمقراطية ومستقبلها !

تصرفات ترامب الغريبة التي أتسم بها كانت مبنية على نقص الخبرة السياسية والدبلوماسية وعلى أساس مرض نفسي تربوي واضح، خلقت منه شخص يتسم بالمصلحية واللامبالاة والعناد والصلف وقهر المقابل وإستنزافه.  شخص الأطباء ترامب على أنه رجل يعاني من " النرجسية الخبيثة"، غير أن أعراض إضافية أبداها ترامب خلال فترة حكمه تشير الى أن النرجسية الخبيثة ما هي الاّ عارض من أعراض مرض نفسي إجتماعي أعمق يعاني منه الرئيس وهو مرض الـ " السايكوباثية". السياكوباث يتسم بصفات غير طبيعية جميعها متواجدة في شخصية ترامب ومنها : تبلد المشاعر والعواطف، العنف والقسوة الشديدة، الكذب، كاريزما الضلالة، جنون العظمة، شبق السلطة والقيادة، قابلية الإقناع، التناقض في الرأي، خلق الوهم والإبتعاد عن إقرار الحقائق للهروب من مسؤولية الأخطاء، غياب مفهوم الصداقة الحقيقية عنده، حب المغامرة، إضافة الى النرجسية الخبيثة المشخّصة مبدئيّا. هذه الصفات المرضيّة المثيرة للجدل  يبدو إنها راقت لحوالي نصف الشعب الأمريكي وكأنه كان يبحث عن هذه الصفات في شخصيّة من يقوده، هذه مسألة مهمة  تتحمل الدراسة والبحث لما لها من دلالات قد تكون خطيرة على المستقبل!

الرئيس المنتخب جو بايدن قد يختلف في تصوراته وأهدافه وسياساته وشخصيته عن دونالد ترامب، فهو شخص ذو خبرة سياسيّة طويلة، سويّ في التصرف والنفسيّة بشكل عام، لا يتفق مع السواد الأعظم من إجراءات ترامب وتصرفاته على الصعيد الداخلي والخارجي، بل يناقضه تماما. هذا يعني أنه سيحاول أن يبني كل ما هدمه ترامب، لكن عملية البناء أبطأ من إجراءات الهدم بشكل عام، فهل يستطيع أن يُرجع الأمور الى نصابها كما كانت من قبل...!؟. قد ينجح في إصلاح الخلل في كثير من الأمور حيث سيحاول ومنذ الوهلة الأولى إلغاء الكثير مما ألغاه ترامب من عهود ومواثيق ومعاهدات وإتفاقيات وسيوقف الحرب الإقتصادية المحتدمة مع الصين بشكل أو بآخر. لكن تبقى الهوة التي صنعها ترامب بين السياسيين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي من جهة، وبين الأمريكيين أنفسهم من جهة أخرى، هي التحدى الكبير الذي سيواجهه في قابل أيام حكمه، حيث يخشى المراقب أن تبقى آثار ترامب السلبية على حالة المجتمع الأمريكي قائمة الى أجل بعيد وزمن أطول ! من جانب آخر فإن الإرث الثقيل، الذي ينتظره بما يتعلق  بطامة وأزمات وباء كوفيد19 وآثاره المادية والإقتصادية والإجتماعية والنفسية، يبقى الهم الأكبر له، إذ عليه أن يسرع في تحجيم الوباء والسيطرة عليه بكل الوسائل والسبل وأهمها توفير وتوزيع اللقاح بالسرعة الممكنة، كي يتفرغ لمعالجة مضاعفات ومخلفات هذا الوباء الثقيلة. طريق طويل وشاق محفوف بالمتاعب والعقبات يجب أن يسلكه رجل أتعبته السنون، خصوصا إذا بقى دونالد ترامب أمامه حرا طليقا يعبث في ساحة المقالب بين أعوانه ومؤيديه دون أن يُحجّم ويلاحق قانونيا وسياسيا، لأن مقالبه ومتاعب أفعاله في طريق بايدن ستبقى قائمة ببقائه....!

 

د. محمد مسلم الحسيني

بروكسل

 

محمد ناجيإريك بيريگران

تقديم وترجمة: محمد ناجي

لا يزال حادث اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن، وهو مقر السلطة التشريعية الأمريكية، يثير ردود أفعال متسارعة ومتباينة، تجاوزت مكان الحدث وامتد صداها ليصل مختلف دول العالم، من بينها الدول العربية، التي تتفاعل مع الحدث بصورة مختلفة، تتناسب مع أنظمتها السياسية ومصالحها، وطبيعة وواقع شعوبها .

في هذا المقال للكاتب (إريك بيريگران)، المنشور في مجلة سويدية متخصصة بالصحافة الثقافية، وجهة نظر تستحق الاطلاع والمتابعة، فهو وغيره ممن يشاركه الرأي، وبناءا على مايذكره من معطيات، يرى الحدث كظاهرة (فاشية) .

ومع أن (الفاشية) كحركة منظمة أسسها موسوليني في إيطاليا عام 1920 ووصلت بقيادته إلى السلطة عام 1922، وأخذت اسمها من رمز روماني، فإن أفكارها وقيمها واساليبها لا تنحصر بزمان ومكان معين، بل نرى الكثير من سماتها ومعالمها موجودة في موروثنا السياسي والثقافي، خاصة في العقود الأخيرة، ولذا فاطلاع القراء على (الفاشية) لا يخلو من فائدة، فهي في الجوهر والمضمون، وبدون مبالغة، واقع يومي، وان اختلفت التسميات، بحكم اختلاف الموروث /الاجتماعي/ الثقافي/ الديني.

 

محمد ناجي

..................

انقلاب ! كان رد الفعل المثير للدهشة لسماع خطاب ترامب التحريضي، والهجوم على مبنى الكابيتول الأسبوع الماضي . لقد كان متوقعًا وسبق ووعد به ترامب بوضوح قاعدته الصاخبة والمتطرفة بشكل متزايد،  لكن رغم ذلك يبقى الحدث مثير للذهول. يبدو وكأننا لم نتمكن حقًا من استيعاب كل الإشارات الواضحة بأن فاشيًا كان جالسًا في البيت الأبيض منذ أربع سنوات .

ربما يحتج البعض على مثل هذا الوصف، بينما يهز البعض الآخر رأسه بقلق . "فاشية"، الكلمة مرنة . قد يكون هناك تمتمات عرضية حول رئيس مفرط الحماس . لكن من النادر أن تستخدم في الوقت الحالي عن الفاشيين الحقيقيين : السياسيين الذين يخرجون إلى الشارع كعصبة قتال فاشية ويلوحون بالقضبان الحديدية، والوزراء الذين يبنون الجدران والمخيمات، ويصنفون الناس حسب أعراقهم، أو الرؤساء الذين يهاجمون الصحافة ويدافعون عن قوات الشرطة العنصرية . حتى الآن، لم تُستخدم الكلمة حتى لوصف من يرفضون قبول نتائج الانتخابات، لكنهم بالمقابل يحبذون الانقلاب - أسلوب فاشي بامتياز. يتم استخدام هذه الكلمة بشكل عشوائي وبلا مبالاة وقليل جدًا . وفي تحليل السياسة المعاصرة، اعتدنا بدلاً من ذلك على سلسلة من العبارات الملطفة : الشعبويون، والشعبويون اليمينيون، وأحزاب الاستياء، والسلطوية أو القومية فقط . 

ربما ترجع صعوبة التعرف على الفاشيين عند ظهورهم، بشكل كبير الى الصدمة النفسية  الأوروبية . فالقبول بعودة الفاشية بعد الهولوكوست هو أمر مزعج للغاية، باعتباره انتهاكًا لقيمنا وكرامتنا . لذا تم رفع سقف ما يمكن اعتباره فاشية بعد الحرب العالمية الثانية . التعريف العام لإرنست نولته، في ستينيات القرن الماضي، كاد أن يقيد المفهوم بنماذج هتلر وموسوليني . حينذاك كانت الصورة الأوروبية بحاجة للترميم . وظهرت في السياسة والأوساط الأكاديمية، نظريات حول "موت الأيديولوجيات" و"نهاية التاريخ". أفكار تقول إن الغرب شبه كامل . الآن يمكن فهمها بشكل أفضل على أنها كانت ضمادات نفسية على جرائم يجب نسيانها: معاداة السامية والامبريالية والاستعمار والفاشية والإبادة . حلم نهاية التاريخ هو بالطبع حلم صمت الذاكرة .

يبدو أن هذا التوق إلى النسيان قد خلق عمى فعالا لعودة الفاشية، والذي ساعدته التعريفات التي تقول أن الفاشية هي ما يحدث خارج النظام الديمقراطي، بهدف تدميره . لقد واجه علماء الاجتماع وضعا صعبا في تصور أن الفاشيين في عصرنا يتصرفون ضمن النظام الديمقراطي، وهم على استعداد لتدميره إذا لزم الأمر . بدلاً من ذلك، تم تصنيف الفاشيين الذين عملوا داخل النظام على أنهم "شعبويون". إحدى مزايا ترامب تتمثل في أنه أكثر وضوحًا من العديد من "الشعوبيين" المرحبين به، فقد جعل البناء المعقد واضحا مرئيًا من خلال تحريضه، وسلسلة أكاذيبه اللامتناهية، ونرجسيته وكراهيته المميزة للضعفاء و"الخاسرين".

 ولكن على الرغم من حقيقة أن كلمة الفاشية تطوف في جو كل اجتماع جماهيري، حيث يتم الدفاع والإشادة بإطلاق الشرطة النار على السود، وانتقاد المعارضين، وأن البلاد ستصبح عظيمة مرة أخرى، إلا أن القليل من المعلقين استخدمها لوصف ما يحدث . بعد أن أصبح ترامب رئيسًا، ربما واجه الصحفيون الذين غالبًا ما يرغبون في إعطاء الرئيس الأمريكي لقب "زعيم العالم الحر" صعوبة في إضافة عبارة "فاشية"، ليس لأنها تحدت صورة ترامب، ولكن لأنها ستنال منهم ايضا، فالكلمة ستشوه الصورة أمام العالم  وبالتالي صورتهم الشخصية أيضا .

ربما كان هناك أمل آخر بعملية نضج متأخرة : قد يكون قادرًا على أن يصبح "رئاسيا". لكن خلال السنوات الأربع التي مرت، انتهت هذه الآمال بعمل مخزي . ومع ذلك، لم يأتِ ما يسمى بوسائل الإعلام الجادة بفكرة وصفه بالفاشي، وكأنها لم تعد موجودة في مفرداتنا السياسية - النظرية .

ابتعد منظرو الفاشية اليوم عن فكرة التعريف المعياري الصارم للفاشية . استنتج روبرت باكستون في كتابه (Anatomy of Fascism) تشريح الفاشية، ومايكل مان في كتابه ( Fascism) الفاشية (كلاهما صدرا عام 2004) من تحليلات تاريخية من القرن العشرين أن فاشية اليوم لا تشبه فاشية الأمس . وذكرا كيف أن الحركات الفاشية غالبًا مانمت في ظل الديمقراطيات، وطوّرت أسلوبها الخاص على وجه التحديد، لأنها كانت بحاجة إلى كسب الرأي العام . وهذا بعبارة أخرى، يشير إلى الشعبوية في الفاشية .

يقدم تحليل كاترين فيشي للجبهة الوطنية الفرنسية (1) فكرة مماثلة في كتابها Fascism, Populism and The French Fifth Republic: in the Shadow of Democracy (2004 الفاشية والشعبوية والجمهورية الفرنسية الخامسة : في ظل الديمقراطية (2004) . بالنسبة لفيشي، فإن أجندة الجبهة الوطنية هي تعبير عن حركة فاشية تريد البقاء على قيد الحياة في ظل الديمقراطية الفرنسية : "توفر الشعبوية جسرًا بين المثل العليا المتكافئة والمساواة والنخبوية للتفكير الفاشي . "الشعبوية تجعل الناس يتخيلون أنهم جزء من نخبة، في بلد يُنظر إليه على أنه متفوق على البلدان الأخرى ." (ترجمتي) (2)

على الرغم من أن هؤلاء المنظرين يتجنبون التعريف الحاصل على براءة اختراع للفاشية، إلا أنهم يسلطون الضوء على بعض سماتها المتكررة، ومفاهيم القومية العضوية وفكرة بعث الأمة . وغالبًا ما يقدم الفاشيون وعودًا وتهديدات بالتطهير السياسي و/أو العرقي بتحريض كبير وعدواني بشكل لا يضاهى، وعجز تام عن قبول النقد . وغالبا ما يحبذوا النظام شبه العسكري من خلال ثنائية كلاسيكية بين الفرع البرلماني وقيادة الشارع، مع أنهم ينكروا الترابط بينهما مرارًا وتكرارًا، وهذا حتى يتمكنوا من الاستمرار في تعزيز عبادة قوة الفعل والرجولة .

هناك اتفاق كبير حول هذه السمات الفاشية . لكن الشيء المهم هو أنه ليس كلها يجب أن يتحقق . فيمكن للحركات والسياسيين أن يكونوا فاشيين إلى حد ما، حتى لو كانوا جميعًا متحدين في ترديد النغمة الأساسية "إنهم سيخرجون". وإذا طبقنا هذه السمات على ما يسمى بالشعبويين اليمينيين، فإنها ستبين أيضًا اللائحة المثيرة للقلق من أيديولوجية وأساليب هذه الأحزاب .

لا، بالطبع لم ينجح ترامب في إعادة تشكيل الولايات المتحدة في اتجاه فاشي . لكن الخطاب والديماغوجية والجريمة موجودة، والتكهنات عن الحرب الأهلية والانقلاب العسكري استمرت لفترة طويلة، وقد حاول تحويل قوة الشرطة إلى ميليشيا شخصية، وتجذرت نظريات المؤامرة التي ابتدعها ونشرها، وبالكاد أعطي انطباعًا بالرغبة في العمل ضمن النظام الديمقراطي . على العكس من ذلك، فقد دأب على تنظيم انقلابات مجهرية تحدّت المؤسسات العامة وقواعد اللعبة الديمقراطية . كان الغرض، كما هو الحال مع الثنائية الفاشية، ووفقًا للمنطق الذي كتبته فيشي عن الجبهة الوطنية بأنه - في نفس الوقت الذي يشغل فيه أعلى منصب في الدولة، أرسل إشارة "شعبوية" بأنه ليس جزءًا من النظام، ولكنه واحد من الشعب . "قف للخلف واستعد " .

هل هذا حقيقة أم مسرح ؟ الجواب مهم . ولكن بنفس القدر من الأهمية فهو غير مؤكد . لأنه في عالم الفاشية يندمج المسرح والواقع، بالنسبة لهم ولكل المشاهدين والمتضررين . والنفور من الكلمة وعدم القدرة على تحديد الفاشية بمجرد عودتها،  فهو في الواقع، يخدم اتباعها . ولكن بالنسبة للمترددين، من الضروري أن يلاحظوا النغمة الأساسية - "سيطردون خارجا !" . في هذه النقطة، الفاشيون صادقون دائمًا .

على الرغم من النفور من الكلمة بين المعارضين وفي وسائل الإعلام، فإن السؤال عما إذا كان ترامب يمثل الفاشية في عصرنا قد أثير بالطبع . في عام 2018 صدر كتاب How Fascism Works. The Politics of Us and Them (كيف تعمل الفاشية . سياسة نحن وهم) للفيلسوف جيسون ستانلي . كتب ضد تطبيع العنصرية والشوفينية، الذي حدث في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، وربط الفاشية في الولايات المتحدة بحركات أخرى مشابهة في العالم . في نفس العام، نشرت مادلين أولبرايت أيضًا (Fascism: A Warning) (الفاشية : تحذير) . هذه الكتب والتي هي مجرد تحذيرات، انطلقت بسبب الرئيس الحالي .

ومع أن الجميع ليسوا مقتنعين . فقد أثار روس دوثات السؤال حول ما إذا كان ترامب فاشيًا في عمود في صحيفة نيويورك تايمز في وقت مبكر من ديسمبر 2015 . وحين قارن بينه ومرشحين سابقين كانت عليهم شبهة الفاشية - بوكانان وبيرو و والاس - وجد دوثات أنه بينما كان من سبق ذكرهم أبرياء من الشبهة، فمن المحتمل أن ترامب يستحق التسمية . ومع ذلك، وجد أن الكلمة لم تكن دقيقة، أو بالأحرى لم تكن صحيحة من الناحية التكتيكية . كانت الأسباب هي أن ترامب (آنذاك) لم يكن قد أسس أي حركة بعد : "فهو لم يفز حتى في الانتخابات التمهيدية ! وفيما يتعلق بقوله حينذاك في احدى لقاءاته الجماهيرية إن أحد ناشطي (3) BLM يستحق الضرب ، قال دوثات أنها كانت لا تزال "درجة قليلة من" القبح " وإشارة لفاشية فعلية،  تتطلب تنظيم قوة شبه عسكرية تخرج في الشوارع ". والسبب الآخر هو حتى لو ان ترامب لم يجرِ تلقيحه ضد الفاشية، "فمن المحتمل جدًا أن يتم تلقيح الحزب الجمهوري ضده". كان ذلك قبل خمس سنوات، اليوم نحن نعرف أفضل .

ترامب جاء من عالم صناعة الاستعراض والترفيه  . أعماله مربحه إلى حد كبير، ونجاحه الأكبر - The Apprentice - هو عرض واقعي مبني على خيال القائد الاستبدادي العظيم . تلفزيون الواقع هو الشكل الأكثر فاشية في الثقافة الشعبوية . تستند كل من Robinson و The Farm و Big Brother و Paradise Hotel وغيرها إلى دغدغة المشاعر والإذلال والإقصاء والجنس بشكل متكرر . جزء لا يستهان به من الإنتاج هو ازدراء الجمهور لأولئك الذين يفشلون في المشاركة . لا أحد يهتم حقًا باللعبة أو القواعد أو الفائز . لكننا سنكون غوغاء لبعض الوقت ونشاهد "الخاسرين".

تنبأ بيير باولو باسوليني بالإذلال التلفزيوني بفيلم Saló أو Sodom's 120 Days . وفيه يتطرق لبعض الرجال من البرجوازية العليا يختطفون مجموعة من الشباب و يحبسونهم في منزل . هناك، يتم إجبارهم على ممارسة طقوس مهينة مختلفة، ويتعرضون للتعذيب والاغتصاب، ويتعرضون لمحاكمات صورية وطقوس زواج تنتهي بالاغتصاب . وإذا حاولوا الهرب، يتم قطع رقابهم . كل ذلك يحدث في جمهورية سالو الصغيرة، والتي كانت آخر تجسيد للنظام الفاشي الإيطالي تحت حكم موسوليني . نظم باسوليني المعسكر باعتباره لعبة ومسرح لسلطة منحرفة، لإظهار كيف تبني الفاشية المجتمع وفق رؤيتهم الخاصة.

أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب "المجتمع كمسرح" وهو ما كتبه انگمار كارلسون وأرني روث في كتاب كلاسيكي . ” امنعها من الدخول ! امنعهم !" كانت صرخته المسرحية (؟)، خلال حملته الانتخابية وفترة ولايته، مزوقة بأكاذيب ووعود كاذبة، وتشويه وهجمات لا معنى لها ضد كل من لم يصفق، وحتى مقترحات أشد بالاغتيالات السياسية والعنف من قيادات الشارع التي تبناها . لكنه كرئيس، قام ايضا بفصل أكثر من 4000 طفل عن آبائهم المهاجرين . أجبرته الاحتجاجات على إنهاء ذلك رسميًا، مع مطالب بإعادتهم لعوائلهم في غضون 30 يومًا . لكن إدارة ترامب رفضت صرف أي أموال، لذلك حتى اليوم يُحتجز مئات الأطفال دون طعام مناسب أو اتصال مع اشخاص بالغين أو ملابس نظيفة .

 

ايريك بيريگران - Opulens

2021-1-11

..................

ملاحظات من المترجم :

(1) تغيّر اسم  الجبهة الوطنية منذ عام 2018 إلى التجمع الوطني .

(2) كلمة ترجمتي تعود لكاتب المقال ايريك بيريگران، الذي ترجم النص بين القويسات .

(3) BLM هي الحروف الأولى لاسم منظمة Black Lives Matter التي تأسست سنة 2013، وهي تدافع عن حياة الزنوج وحقوقهم ضد التمييز العنصري .

 

ابراهيم أبراشحالة من العدمية السياسية الهوياتية والانتمائية تتمدد في العالم العربي وتملأ فراغ انهيار وتفكك الأيديولوجيات والانتماءات الكبرى خصوصاً في الدول التي عصفت بها فوضى ما يسمى (الربيع العربي)، وأبرز تجليات هذه العدمية حالة من التيه الفكري والأيديولوجي والهوياتي وفقدان الثقة بالدولة وبكل الأيديولوجيات الوطنية والقومية والأممية دون طرح بديل توافقي أو رؤية للمستقبل.

العدمية Nihilism فلسفة قديمة يمكن التأريخ لها منذ فلاسفة المدرسة الكلبية أو التشاؤمية Cynicism في اليونان القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد وأبرزهم (Diogenes ديوجين) مروراً بالفيلسوف والشاعر الإسلامي أبو العلاء المعري (363 هـ - 449 هـ) (973 -1057م) إلى الفيلسوف الألماني نتشيه (1844 – 1900) وتيار الفوضوية Anarchism في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع ميخائيل باكونين الذي كان ضد الدولة ومؤسساتها وضد القانون، وقد صدرت كتب ودراسات عديدة عن العدمية في أبعادها وتمظهراتها الفلسفية والفكرية والأدبية والسياسية.

يمكن تعريف العدمية بأنها نزعة أو تصور سلبي وتشاؤمي للحياة في كل أبعادها ومستوياتها من الأخلاق والدين إلى الفكر والأدب والسياسة، نزعة تقوم على ألا معنى وألا يقين وألا ثقة بأي شيء، وهي تعبير عن حالة رفض للواقع ورغبة قوية في تدميره أو على الأقل عدم الاعتراف به، بحيث لا ترى في الواقع إلا سواداً بدون نقاط مضيئة ولا تلمس شيئاً يمكن البناء عليه ولا تعترف بالانتماءات الجامعة الكبرى الدينية أو الوطنية أو القومية أو الأممية.

والعدمية بهذا المعني ليست مجرد نقد للواقع، لا نقد موضوعي ولا حتى نقد هدام، لأن النقد بشكليه السالفين يطرح البديل ويُنظِّر للمستقبل أما العدمية وخصوصاً في بُعدها السياسي فهي تنتقد بشراسة وتنسف المعنى الكامن وراء أي شيء موجود دون أن تطرح حلولاً أو منافذ أمل بالمستقبل.

موضوعنا في هذا المقال ليس التأصيل أو شرح النزعة أو الفلسفة العدمية بل تغلغل هذه النزعة في العقل والفكر السياسي العربي وعند كثيرين من المثقفين والكُتاب بل وتغلغلها في الأدب والفن، وخصوصاً في ظل حالة الفوضى الناتجة عن ما يسمى الربيع العربي وتفكك وتراجع الأيديولوجيات الوطنية والقومية والأممية وانكشاف الأيديولوجية الإسلامية وضعف مؤسسات الدولة الوطنية، بحيث سادت حالة من اليأس والاحباط وألا يقين بكل ما هو قائم .

نزعة العدمية السياسية على المستوى الشعبي وفي مجتمعات ترتفع فيها نسبة الجهل والفقر تؤدي إلى التطرف والإرهاب والرغبة في تدمير كل شيء دون أن يكون لدى الإرهابيين رؤية أو تصور عقلاني وواقعي للبديل عما يتم تدميره، كما تكمن وراء عصبويات ما قبل الدولة من عائلية وقبلية وطائفية ومذهبية ضيقة، لأن فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها وقوانينها وبالأحزاب والأيديولوجيات يفكك رابطة الوطنية والقومية الجامعة ويدفع الأفراد لطلب الحماية والتعبير عن ذاتهم من خلال الانتماءات التقليدية، هذا إن لم يهربوا نحو التطرف والإرهاب كما سبق ذكره.

خطورة العدمية السياسية عندما تنتقل من المواطنين العاديين إلى المثقفين ومجال التنظير الفكري ،ليس بالكتابة المباشرة عن العدمية أو الدعوة لها، ولكن من خلال  المبالغة في نقد الواقع بكل تجلياته الرسمية والشعبية والحزبية ونقد كل مَن يحاول أن يكتب متلمساً بارقة أمل أو فرصة متاحة في بعض تفاصيل الواقع العربي القائم أو في التجربة التاريخية، فكل شيء في نظرهم عدمٌ لا أمل أو رجاء منه، فالوطنية شوفينية وأكذوبة، والقومية العربية سراب ووهم، والإسلام إرهاب وفتنة وتخلف، مستشهدين في ذلك بأسوأ النماذج والتطبيقات،  دون تقديم إجابة عن السؤال: من نحن؟.

 هذه النزعة لا تعبر عن واقعية سياسية أو فكر ثوري أو شجاعة كما لا يمكن إدراجها في سياق الطُهرية أو المثالية السياسية ما دامت لا تطرح البديل عن الواقع ولا تناضل لتغييره، إنها أقرب إلى حالة اسقاط العجز والفشل والإحباط الشخصي والفكري على كل شيء والهروب من عمل أي شيء جديد أو تجديد قديم يمكن البناء عليه. هذا النمط من التفكير العدمي يريدها قطيعة مع كل شيء دون وصل مع أي شيء أو رؤية تؤسس لبداية واعدة بشيء

عندما نخص الحالة العربية في الحديث عن العدمية السياسية على مستوى الهوية والانتماء  لأنه ما بين المحيط والخليج وهي الحيز الجغرافي الذي يسمى العالم العربي نجد شعوباً وقوميات وثقافات فرعية تستنهض قواها وتستحضر تاريخها بل وتسعى لبناء دولتها القومية، سواء تعلق الأمر بالأمازيغ أو البربر في بلاد المغرب العربي أو الأكراد في المشرق العربي وهم محقون في ذلك، بالإضافة إلى نزعات قومية ودينية أخرى، كما أن دول الجوار – إيران وتركيا بالإضافة إلى الكيان العنصري الصهيوني- تسعى لإحياء مشاريعها القومية والدينية والتمدد على حساب العالم العربي، بينما العرب وهم الأكثر عدداً في المنطقة لا يوجد لهم الآن مشروع قومي عربي ولا نلمس أي حراك لإحياء هذا المشروع، وعندما يتحرك أو يكتب البعض مطالباً باستنهاض القومية العربية والمشروع القومي العربي يتصدى لهم العدميون مشككين بالعرب والعروبة معتبرين أن من يتحدث في هذا الموضوع إما حالم وغير واقعي أو عنصري معادي للقوميات الأخرى، حتى حديث الوطن والوطنية أصبح ممجوجا وغير مقبول عند العدميين العرب.

العرب الذين يشكلون أكثر من 80% من السكان ما بين المحيط والخليج ليس لهم دولة قومية ولا مشروع قومي ولا زعيم أو زعماء قوميين ولا أمن قومي ولا اقتصاد قومي ويعتمدون على الخارج لحماية كياناتهم الهزيلة كما غاب عن مجال التنظير المفكرون القوميون إلا قلة قليلة، بينما كل القوميات الأخرى في المنطقة لها مشروعها القومي وزعماؤها القوميون وتسعى لتأسيس دولتها القومية وبعضا قطع شوطا طويلاً في هذا السياق ويعتمدون على قوتهم ووحدتهم القومية ولا يترددون في النضال المسلح لتحقيق وجودهم القومي، فلماذا يجوز للآخرين ما لا يجوز للعرب؟ ولماذا غير مسموح للعرب دون غيرهم أن يكون لهم مشروعهم ودولتهم القومية؟ !!! .

***

إبراهيم ابراش