عبد الجبار نوريالمقدمة: إنتابتني خاطرة مرّة وحزن عميق عند مشاهدتي للمرشحين لشغل البرلمان العراقي في أنتخابات تشرين المبكرة 2021 وهم يقدمون برامجهم ولم أرى أحداً منهم يتكلم ويطالب عن موضوع الخور العراقي المسلوب من باب الدعاية الأنتخابية أقل حد!!!؟، لذا كان دافعاً  لي للكتابة عنه لعلي أقدم تذكيرا وحثاً للنواب الفائزين بالمطالبة بألغاء الأنتفاقية المجحفة بحق العراق ورفض التنازل عنه للجارة الكويت.

رائد فهمي: أتفاقية خور عبدالله مجحفة ويجب إعادة النظر فيها عبر الدورين الدبلوماسي والقانوني، وأن حل هذه القضية يجب أن يكون ضمن المعطيات الدبلوماسية في جو حوار هادف وموضوعي (جريدة طريق الشعب في سبتمبر2019 )أنتهى

لكي تكون لنا قناعة ميدانية وطنية في ترابنا المقدس نحتاج إلى صورة موثقة من منظور وطني حول موضوع "الخور" يمكن أعادة نشر تحقيقين غاية في الأهمية نُشرتْ من قبل المهندس عامر عبدالجبار وزير النقل الأسبق ومن قبل السيدين (مزاحم كنعان التميمي) وهو ضابط بحرية سابق، و(نصير المهدي) كاتب معروف نشرا معلومات مفصلة ودقيقة حول موضوع "خور عبدالله" وعائديته وما حدث لهُ في السنوات الأخيرة، وجُمعتْ الأصوات الخيرة في 12-10-2020 من 100 نائب في البرلمان العراقي ومواطنين ذوي الهوية العراقية رافعين شعار عائدية الخور للعراق جغرافية وتأريخاً بأسناد وقائع تأريخية وجغرافية بأن الخور يرجع للعراق شكلا ومضموناً، وإن الخور أمتداد مائي يجري في الأراضي العراقية وصولا إلى أم قصر ثُم يضيق فيمتد بعدها شمالاً بأتجاه الزبير لذا سمي بخور الزبير وهنا يجب تسفيه المواقف الرافضة لهذا الموقف الوطني الشريف والنبيل، وللأسف الشديد يبدو إن حقنا في العائدية لهذا الممر الأستراتيجي المهم قد آل إلى الغرق في مياه الخليج لأسباب التالية :

- خيانة (بعض) نواب عراقيين في تأييد الكويت على حساب الوطن العراق .

- حقد تأريخي للدول الغربية المستعمرة على العراق وعلى رأسهم بريطانيا وأمريكا .

- تنازل نظام صدام حسين للكويت بمزارع سفوان والقاعدة البحرية في أم قصر وقسم كبير من خور عبدالله لغاية الدعامة 162 وفق القرار الأممي المشؤوم 833 .

بالوقت الذي تؤكد التقارير الدولية بعائدية الخور للسيادة العراقية، منذ الأحتلال البريطاني للعراق .

-النظام الأسلام السياسي الجديد بعد 2003 أستأنف مسلسل التنازلات وفي أبرز وثائق التخوين  هو (تنازل العراق عن حقه في قانون البحار المادة 70 بخصوص موقع ميناء مبارك الكويتي الكبير ) والذي سبب ضرراً فادحاً للعراق .

وبعيداً عن الأحباط واليأس "إن الحق لا يضيع طالما وراءهُ مطالب"!؟

إن النظام السابق تنازل عن منطقة الحياد للسعودية وتنازل عن نصف شط العرب وأراضي برية حدودية لأيران حسب معاهدة 1975 الجزائر، وتنازل للأردن عن أراضي برية في (طريبيل)، وتنازل للكويت في مزارع صفوان والقاعدة البحرية في أم قصر وقسم كبير من خور عبدالله لغاية الدعامة 162وفقاً للقرار الأممي المشؤوم 833 حيث تؤكد التقارير الدولية عائدية الخور للسيادة العراقية منذُ الأحتلال البريطاني، أما النظام الجديد بعد 2003 أستأنف مسلسل التنازلات وسط جيرانٍ لم يخلق الله من هم أكثر خبثاً وطمعاً في ظل من سلطهم القدر المشؤوم على مقدراتنا حيث طابت لهم دولارات السحت الحرام مقابل بيع الأوطان بأبخس ثمن مذل، حيث تنازلوا عن حق العراق في قانون البحار المادة (70) بخصوص موقع ميناء مبارك الكبير الكويتي يكون عقبة كأداء لحرية الملاحة  البحرية للعراق (لجنة الأمم المتحدة لترسيم الحدود العراقية – الكويتية)

وكان الخطأ الفادح في دفع ثمن الترسيم 600 ألف دولار والذي يعني أعتراف العراق بالوضع الراهن للحدود العراقية، وهذا كلهُ جرى في زمن حكومة المالكي للخروج من البند السابع، وبأعتقادي الشخصي :كان أرحم للعراق البقاء تحت طائلة البند السابع لكونه أفضل من خنق العراق وفقدهِ لسيادتهِ.

أتفاقية خور عبدالله أو أتفاقية تنظيم الملاحة البحرية وهي بالحقيقة أصبحت بحكم القوي على الضعيف أتفاقية دولية حدودية بين العراق والكويت  تنفيذاً للقرار الأممي رقم 833 والذي أصدرهُ مجلس الأمن الدولي عام 1993في ترسيم الحدود لذا تمت المصادقة عليها في بعداد "25 تشرين الثاني 2013 " الموقعون من الجانب العراقي (الحكومة المركزية) 

فكانت من مخرجاتها السيئة الصيت : تقسيم الخور بين البلدين الواقع في أقصى شمال الخليج العربي بين شبه جزيرة الفاو العراقية وكلٌ من جزيرتي بوبيان ووربه الكويتيتين، أي تمّ تقسيم الممر المائي  الملاحي المثبت في نقطة ألتقاء الخور بالحدود الدولية ما بين النقطة البحرية الحدودية رقم 156 ورقم 157 بأتجاه الجنوب إلى نقطة 162 ومن ثم إلى مدخل القناة الملاحية عند مدخل قناة خور عبدالله (نفس المصدر أعلاه)

إن الحكومة السابقة والبرلمان العراقي صادقا وتنازلا عن جزء من خور عبدالله وهو الممر الملاحي الوحيد المؤدي إلى معظم الموانئ العراقية، وكان التقسيم (بالتنصيف) وليس بناءً على خط التالوك (أي أعمق نقطة ممر يسمح للملاحة البحرية فيه)، وأن المشكلات الحدودية زادت تعقيداً بين الدولتين الجارتين، ومع الأسف الشديد أن الجارة الكويت أستغلت  أسقاطات الظروف العسكرية في العهد الصدامي في الأجتياح الخاطئ لدولة جارة والشروط الدولية المذلّة لخيمة صفوان والبند السابع الدولي جعلت حكومة الكويت تتمادى في الأبتزاز وأستغلال الأمر الواقع، إلى جانب الظروف السياسية التعسة بعد سني الأحتلال الأمريكي البغيض وهشاشة حكومتي المالكي والعبادي دفعت الجانب الكويتي أعتبار الأتفاقية أستكمالاً لترسيم الحدود بناءً لقرار دولي .

تفرغت الحكومة الكويتية حينها لبناء ميناء المبارك الكبير على الشاطئ الغربي لخور عبدالله في جزيرة بوبيان الكويتية، والذي من المفترض أن يربط بسكة حديد مع العراق مستقبلاً، حيث أنهُ سيكون أكبر الموانئ في الخليج بقدرته الأستيعابية، والذي سوف يضيف على الطين بلّة هناك اليوم تسريبات شبه أكيدة لم يعمق الجانب العراقي التحقيق فيها التي هي :سيطرة الجانب الكويتي على جزيرة وسط شط العرب ضمن المياه الأقليمية العراقية، لذا تأهبت لجنة الأمن النيابية بأستضافة القيادات البحرية العراقية بشأن صحة المعلومات الواردة، ولا نعلم بنتيجة التحقيق.

لماذا " أتفاقية خور عبدالله" مذلّة ؟!

- تنازل الحكومة العراقية عن جزء كبير من الخورسيؤدي إلى خسارتهِ الممر الوحيد المؤدي إلى معظم الموانئ العراقية سوف يضيّق بالعراق السبل مع أنهُ يعاني أصلاً من ضيق الجبهة البحرية الصالحة للرسو وأستقبال السفن .

- تنازلاً عن أراضي ومياه عراقية وساحلهِ البحري الوحيد لصالح الكويت.

- تقسيم الخور جاء بالتنصيف وليس حسب خط التالوك (أعمق ممر يسمح للملاحة البحرية فيه) .

- أفتقد العراق أي منفذ بحري وهي سابقة خطيرة ستضيق على الأقتصاد العراقي .

- أن الأتفاقية لم تكتفِ بتنظيم الملاحة بل تعدتْ ألى رسم حدود جديدة بين البلدين وهذا مخالف للقرار الأممي 833 .

- أطلاع الكويت على كل التحركات الأمنية لخفر السواحل العراقية، يكون العراق فقد الرقابة الوطنية على السفن الحربية .

- الأضرار التي لحقت بالصيد  البحري العراقي، ومنعت الجانب العراقي في الصيد في القناة التي تحوي ثروة بحرية زاخرة  والمعلوم أن العراق أصلا يعاني من ضحالة سواحله البحرية .

- حرمان العراق من المياه الأقليمية وعدم السماح لبواخره ضمن سيادته البحرية والحصة الظالمة بقى للعراق 46 كم طول ساحل بحري بينما للكويت 600 كم، أضافة أن الأتفاق يعطي الكويت الأولوية في التحكم بالقناة الملاحية .

- الأتفاقية تهدد بأعادة شبح التوتر في العلاقات بين العراق والكويت الجارين .

- وتعد بناء الجزيرة الصناعية في خور عبدالله مخالفاً لبنود والأتفاقية يعتبر الكويت شريكاً في الممر الملاحي الوحيد الذي يؤدي إلى أغلب المونئ العراقية، وتعد تفريطاً للسيادة العراقية ومنح الكويت قناة تعود ملكيتها للعراق منذ عشرينات القرن الماضي مما يؤدي إلى ألحاق  الضرر الفادح بلأقتصاد العراقي .

- تفعيل  الأتفاقية يجعل الكويت تشارك العراق في قيادة السفن القادمة إلى موانئه مالياً وأدارياً مع فرض تنزيل العلم  العراقي من السفن الداخلة للعراق، كما أنها ستستخدم القناة ملاحياً بعد أكمال ميناء مبارك الكبير .

-أما حكاية مشروع بناء ميناء "الفاو الكبير " يظهر أنهُ واقع بين كماشة بعض أجندات عراقية مرتبطة ببعض دول الخليج وخصوصاً الجارة الكويت التي أستثمرت عمالة بعض الخونة من الجانب العراقي بأثارة أزمة التقاطعات السياسية والأقتصادية أخرت الأنجاز منذُ 2004 ونحن اليوم في 2021، ومدير الشركة الكورية ينتحر مشنوقاً مشوباً بشكوك الحدث إذ لا مبرر لأنتحار مسؤول مشروع خاج بلده، وتبين خلال هذه الفترة لعقدٍ ونيّفْ إن الشركة الكورية تتعرض لضغوطات ودكات عشائرية ورشا وأتاوات وبالتأكيد مصدرها الجارة الكويت!!؟  (أقتباس الفكرة فقط من محاضرة –نيسان 2019 للمهنس عامر عبدالجبار وزير النقل الأسبق) .

الحل /لقد آن لنا أن نعيد النظرفي أتفاقية خور عبدالله " المذلّة " ونستعيد سيادتنا المنقوصة في حدودنا الدولية ومياهنا الأقليمية حيث مبادئ حسن الجوار السلمية وبدبلوماسية شفافة وعقلانية بالحوار الجاد بين الطرفين في النظر في القرار833، وأن أستعصى الحل نلجأ إلى قول الوزير الأسبق عامر عبالجبار: { مجرد تحفظ العراق على موضوع الربط السككي مع الكويت الذي يتعلق أقتصادياً بميناء مبارك الكبير، وهو حق العراق في القانون الدولي } وحين ترفض نلجأ إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وتعليق الموضوع لحين أسقاط العراق من العقوبات، أقامة دعوى قضائية في المحكمة الأتحادية للطعن بالأتفاقية، وأقامة دعوى قضائية أمام المحكمة الدولية تجاه موقع ميناء مبارك الكويتي الذي وصل أنشاؤه لخطوات متقدمة  في خور عبدالله كونه جاء مخالفاً للمادة ( 70) من قانون البحار، وعلى الحكومة العراقية عدم تفعيل  أتفاقية الربط السككي بين العراق والكويت ما لم  يتم ألغاء أتفاقية خور عبدالله، أن حقوق العراق ضاعت بسبب المجاملة، فعلى الحكومات العراقية أيقاف العمل باللجان المشتركة وعدم تفعيل الأتفاقية لحين تنفيذ توصيات اللجنة البرلمانية التحقيقية للدورة الحالية والسابقة (أقتباس موجزبتصرف : محاضرة سبتمبر2020 للمهندس ووزير النقل الأسبق عامر عب الجباربعنوان " هكذا يمكن للحكومة أستعادة خور عبدالله) .

وحتى لا نضيّع الخيط والعصفور بأعتقادي من مواطن عراقي : أن نسرع في تنفيذ ميناءالفاو الكبير بعمق 19 ولا غير ورفض ملحق المعاهدة الذي يتعلق بربط ميناء مبارك الكبير بالمد السككي مع أيران عبر العراق .

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

أكتوبر- 2021

...........................

مراجع وهوامش في البحث

- فيديو مهم جدا لوزير النقل السابق المهندس عامر عبد الجبار : هكذا يمكن للحكومة العراقية إستعادة خور عبدالله بكامله :

https://www.facebook.com/iq.twe/videos/391472527864019/?hc_location=ufi

- لجنة الأمم المتحدة لترسيم الحدود العراقية الكويتية

http://www.moqatel.com

- خطورة أتفاقية خور عبدالله على الملاحة العراقية عامرعبدالجبار

https://ar.wikipedia.org

 

فلاح المشعليشهد تاريخ العراق على ماقدمه الاحتلال البريطاني من تأسيس للبنى التحتية للدولة العراقية من مشاريع النقل مثل سكك الحديد والموانئ والطيران واستكشاف النفط وتصنيعه وتصديره، كذلك في الصحة والتعليم والطرق والجسور وقوانين الإدارة والماليةويطول الحديث عن منجزات مازالت شاخصة الى وقتنا الراهن، رغم انقضاض الطائرات والصواريخ الامريكية عليها في حربين أنتهت بإحتلال امريكي جارف للعراق .

جاء الإحتلال الامريكي حاملا لوعود واحلام الديمقراطية التي يشكو جفافها مناخ العراق السياسي  منذ سقوط نظام الملكية، واستبدل تلك الوعود بنظام سياسي هجيني يحمل عناوين ديمقراطية، لكنه يقوم على تفريق الآصرة الوطنية على أسس مكوناتية تحمل معها أسباب احترابها، وتضع نيران خلافاتها تحت رماد فسادها المتخادم بين أحزابها وشخوصها التي أوكل لها الإحتلال تمثيل طوائفها واعراقها بنحو شكلاني احتكاري زائف، سرعان ما فضحته الاحداث وأسقطته احتجاجات الجماهير العراقية من شمال الوطن الى جنوبه .

كشف الاحتلال الامريكي عن عدم امتلاكه لمشروع استراتيجي في العراق، وبات الأمر مترددا بين الادارتين الجمهورية والديمقراطية، مابين الانسحاب أو البقاء في العراق !؟ احتلال غير معني بالتحولات الكارثية التي اصابت العراق بوجود سلطة متشكلة من احزاب وتشكيلات تتبع ولاءها الطائفي، وتنتمي لعمقها الأثيني والقومي وتهمل كل مايعني بالمواطنية العراقية وحقوقها ، واقع سمح بإمتدادات وتدخلات ناعمة وصريحة لدول جوار العراق تحت انظار السفارة الامريكية، وبرغبة الاحزاب الحاكمة التي وفرت بيئات مستقبلة حتى غدا التواجد العسكري والميليشياوي لدول الجوار صارخا ومتحديا للنظام السياسي المسخ والهش وطنيا ، ماجعل دول الجوار تجد فرصتها التاريخية لتمارس النهش والتسليب الانتقامي من العراق الذي أرهبها طوال نصف قرن بقوة نظامه الدكتاتوري وسلاحه الفتاك واستعداده الدائم للحرب، مهما تعارضت الظروف ، وهو ماساهم بسرعة سقوطه المدوي عام 2003 .

نستطيع القول أن سياسة ايران في العراق نجحت أكثر من السياسة الامريكية، فالامريكي يتعامل مع القوي على الأرض، بينما الايراني يصنع القوي على الأرض تحت أكثر من عنوان، تارة بولاءات طائفية عقائدية، وأخرى تحت غطاء اسلاموي،وثالثة في حسابات النفوذ والمواقع المهمة في العراق، حتى صارت المواقع الرئاسية والوزارية والأمنية بالدولة لاتمر دون ختم موافقة طهران التي زحفت حتى الخط الثاني والثالث من مواقع المسؤولية بالعراق .

تفوقت سياسة ايران على امريكا بالعراق في سعيها لوجود نظام سياسي هش وضعيف ل"الدولة" والى جواره تشكيلات عقائدية مدنية وميليشياوية تمثل أذرع عسكرية لها، ومابين الأثنين تشتغل آليات اللادولة لتتوازن او تتفوق على الدولة ، وبهذا تستحكم بمراكز السلطة الفعالة ،المال والأمن والقضاء ، مستفيدة من الصناعة السياسية الامريكية لنظام سياسي عراقي مغترب وبلاحدود أو هوية مواطناتية عراقية .

السلطة القوية تكتسب طاقة استمرارها من الشعب وبالقدر الذي توفره له من حقوق وحريات ورفاهية عيش وخدمات، وتفقد طاقتها على الاستمرار مع قسوة الواقع وتضخم المعيشة وتزايد الأزمات وسقوط الاقنعة الطائفية والعرقية ، كيف يكون الحال ونحن نتحدث عن حكومة هشة فاسدة وضعيفة مراكز سلطتها تخضع لتبعيات طائفية واستقطابات دولية !؟ نعم انكشفت حقائق السلوك السياسي لاحزاب الفساد ونهب ثروات البلاد حتى أصبح العراق مثالا عالميا للتخلف والفساد القياسي !؟ عندها استيقظ الشعب على احتجاجات عارمة تواصلت منذ عام 2011 وتوجت بثورة تشرين 2019 التي رفعت درجة الغضب والرفض لأحزاب السلطة وتمدد دول الجوار، ولم تزل إرادة تشرين تمد جذورها في جميع أرجاء الوطن العراقي الذي صار يعلن صراحة بمقاطعة الانتخابات ورفض النظام السياسي إذا لم يُصلح من سلوكه ويخرج من بحر الفساد .

 

فلاح المشعل

 

مصعب قاسم عزاويقد يستقيم القول بإن منظومة توازن القوى في العالم قبل وبعد انهيار حلف وارسو والاتحاد السوفيتي وما بعده لم تتغير إلا في طبيعة تمظهرها وحدتها في بعض الأحيان دون أن يغير ذلك من جوهرها القائم تاريخياً على مبدأ «البلطجة»، وأن «القانون الدولي مسخر لتكريس هيمنة الأقوياء على الضعفاء»، وأن ذلك القانون الانتقائي «يسري بشكل حصري على المفقرين المستضعفين».

وذلك التوازن البربري يفصح عن نفسه بأن الأقوياء يستطيعون ضرب عرض الحائط بكل أوراق التوت التي سترت عورات الشرعية الدولية ممثلة في سلطة مجلس الأمن الذي هو بحد ذاته تعبير مصفى على إمساك الأقوياء بمفاتيح الحل والعقد؛ حينما لا يتفق الأقوياء فيما بينهم على كيفية اقتسام غنائم الهيمنة فيما بينهم، وهي السلطة التي لا يتمخض عنها أي عقابيل على الأقوياء الذين يجتاحون ويحتلون بلداناً ويغيرون حكوماتها ويعلنون أنفسهم قوى احتلال دون إلزام أنفسهم بأي التزامات تفرضها القوانين الدولية على المحتلين، كما كان الحال في العراق، وأفغانستان، وغوانتانامو في كوبا، وجزر الفولكلاند، وشبه جزيرة القرم، والضفة الغربية، والجولان، وسبتة ومليلة، والصحراء الغربية، وشمال قبرص والقائمة تطول ولا تنتهي، دون أن يسري على أي منها نفس الذي جرى على شعوب الضعفاء كما كان الحال البائس في عقابيل غزو نظام صدام حسين للكويت في العام 1990.

وفي الواقع فإن هناك تراجعاً جزئياً في قدرة الأقوياء على استخدام «البلطجة» العارية كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية أو الاقتصادية، وذلك ليس لتغير في آليات النظام العالمي، وإنما فقط لزيادة مقاومة الفئات الشعبية في دول الأقوياء لتحول دولهم إلى آلة للقتل والتدمير والتعذيب لا رقيب عليها أو حسيب؛ وهو ما اضطر القوى المهيمنة عالمياً إلى استنهاض المبدأ القديم الذي وطدته القوى الاستعمارية العريقة، وخاصة الإنجليزية منها، في استخدام المرتزقة كرافعة أساسية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية و التكتيكية على حد سواء، وهو ما يفصح عن نفسه في أن العدد الأكبر من القوة العسكرية الضاربة والتنفيذية لدول الأقوياء خارج دولها هي من فئة «المتعاقدين»، والذين يدعون باللغة الإنجليزية «Contractors»، كما هو  الحال حتى اللحظة الراهنة في العراق، وسورية، و الصومال، و غوانتانامو في كوبا حيث أن نسبتهم تصل إلى 80% من مجمل قوات الأمريكان ومن لف لفهم من دول وتشكيلات نظامية وشبه نظامية. وهؤلاء المتعاقدون يقومون بالواقع بكل ما تقوم به الجيوش النظامية، سوى أنهم غير ملزمين بالالتزام بقوانين وأخلاق الجيوش النظامية، وخاصة قوانين التعامل مع المدنيين وأسرى الحرب، بالإضافة إلى أن رحيل أي منهم عن الحياة خلال عمله لن يثير الرأي العام في دول الأقوياء حيث أنه ليس جندياً قُتل دفاعاً عن وطنه «في أرض غيره»، لا بد من إقامة المراسم الرسمية لنعيه، وما يترتب عنها و يرتبط بها من تغطية إعلامية، وإنما موظفاً توفي خلال عمله في حادث مهني لا يستدعي سوى وضعه في كيس أسود ورميه في أقرب حاوية للنفايات إن لم تكن عائلته قادرة على تحمل نفقات شحن جثته إلى بلده الأم.

و لا بد أيضاً من الإشارة إلى تغير موازٍ في مجتمعات الأقوياء فحواه التحول المتسارع لتلك المجتمعات إلى نموذج لا يختلف كثيراً عن مجتمعات العالم الثالث المفقرة المنهوبة، ممثلة بجزر من الثراء الفاحش محاطة ببحر من المجتمعات الذاوية على شاكلة مدن الصفيح والكتل الأسمنتية العملاقة من تجمعات مساكن علب الكبريت للمفقرين المهمشين في تلك المجتمعات. وهو تغير تسارعت حدته بعد زوال الخطر الإيديولوجي للاتحاد السوفيتي وحلف وارسو المتمثل بمجتمع قائم لأجل الطبقة العاملة دعائياً كحد أدنى، والذي كان يضطر مجتمعات الأقوياء للتعامل مع ذلك التهديد بزيادة إجراءات رشوة الطبقة العاملة في تلك المجتمعات عبر مفاعيل دولة الرفاه والتعليم والصحة المجانية من المهد إلى اللحد، لكي لا تسول لها نفسها التفكر بميزات ذلك النظام القائم نظرياً في دول حلف وارسو، والذي عقب زواله تبددت الحاجة لاستدامة تلك الرشوة، وهو ما تمثل في تآكل البنى التحتية في العالم الغربي إلى درجة مهولة، وطوفاناً من الخصخصة قزَّم دور الدولة بشكل كبير، وأدى إلى تصحر مريع في الخدمات التي لا زالت الدولة مسؤولة عنها في بعض الدول الغربية من قبيل الخدمات العمومية في مجال الصحة والتعليم وصيانة الطرق التي أصبحت في الكثير من الدول الغربية بمستويات هزيلة لا تكاد تختلف عن تلك القائمة في دول العالم الثالث المنهوبة المفقرة.

وكمثال على ذلك فإن تردي التعليم العمومي في العديد من دول العالم الغربي عقب زوال البعبع السوفيتي وخطره الإيديولوجي، أدى إلى تحول المدارس العمومية إلى ما هو أشبه بالحظائر المكتظة بساكنيها، وبنظم تعليمية هزيلة لا تهدف إلا للتعليم لأجل النجاح في الامتحان، والتي لا تنتج في المآل الأخير إلا أشباه أميين غير قادرين على التحول إلى عمال مهرة يلبون حاجة تلك المجتمعات من الأطباء، والمهندسين، والصيادلة، وخبراء تقنيات المعلومات وغيرهم من الفئات التقنية الراقية، إذ أن عدد خريجي مؤسسات التعليم الخاص من أبناء المحظيين الأثرياء لا يكفي لسد تلك الحاجة في المجتمعات الغربية، وهو ما تم حله عبر فتح أبواب الهجرة لأولئك المؤهلين من دول العالم الثالث بشكل وحشي بربري يهدف إلى سرقة العقول والخبرات النادرة أصلاً في العالم الثالث، وهم الذين أنفقت عليهم دولهم الأم من مواردها القليلة المحدودة لتصل بهم إلى مستوى التأهيل والخبرة والمعرفة التي توصلوا إليها، لتقوم بعدها دول العالم الغني بأخذهم جاهزين دون الإنفاق على تأهيلهم شيئاً وفق منهجية الإغراء بمستوى حياة أفضل لهم ولأسرهم في الغرب، بدل حضهم على القيام بواجبهم الطبيعي في تعزيز وتوطيد جهود التنمية في بلدانهم الأم التي يستحيل دون تراكم الخبرات البشرية والطاقات العلمية فيها تأصل أي نهضة فعلية يحتمل أن تقوم بتحسين مستوى حياة المفقرين المظلومين الذين يعيشون في تلك المجتمعات.

ولا بد من الإشارة في هذا السياق بأن العملية الدؤوبة في المجتمعات الغربية عقب انهيار جدار برلين لتحويل مجتمعاتها لتكون على شاكلة مجتمعات العالم الثالث، وتحويل طبقاتها العاملة إلى فئات مهمشة اقتصادياً واجتماعياً همها الوحيد إيجاد فرصة عمل مؤقتة لتفادي ويلات التسول في الشوارع والنوم على الأرصفة، وتحويل المدارس العمومية إلى حظائر لتخزين الأطفال في مواقيت عمل أهاليهم الرسمية، أسهمت في إنتاج نماذج فريدة من البشر الهائمين على وجههم، وأجيال فاقدة للتوجه والإحساس بهويتها، والتي أصبحت مرتعاً خصباً لكل أشكال التفسخ الاجتماعي من أشكال الإدمان على المخدرات الصنعية بمختلف تلاوينها، إلى التطرف اليميني العنصري الذي يظن بأن بؤس حياة مستبطنيه ناتج عن استجلاب المؤهلين من المهاجرين للقيام بدور تسيير مجتمعه بدلاً من إعطائه تلك الفرصة، وهو التفسخ  المجتمعي الجمعي الذي أسهم أيضاً في تحويل الارتزاق كمتعاقد عسكري ليصبح أحد أهم فرص العمل المتاحة لأولئك المهمشين المضيعين الجدد، ليقوموا بالأدوار الفاحشة لأدوات البلطجة الغربية للهيمنة على مقدرات المجتمعات والشعوب المفقرة المظلومة، في حلقة معيبة مبرمجة لا تخدم في المآل الأخير إلا توطيد مفاعيل النظام العالمي الأشوه القائم على أساس هيمنة الأقوياء الأثرياء على المفقرين المستضعفين في كل أرجاء الأرضين.

 

مصعب قاسم عزاوي

 

 

قاسم حسين صالحالمفاجأة الأولى: ان المقاطعين كانوا على خطأ في تقديرهم ان اجواء الانتخابات ستكون مهددة لحرية الناخب، فيما استطاعت القوى الأمنية التابعة للحكومة تحقيق الأمن الأنتخابي وتأمين حرية المواطن في التصويت، وتأكيد رئيسة بعثة المراقبين الأوربيين.

الثانية: ان المقاطعين والعازفين كانوا على يقين ان الانتخابات ستكون مزورة، واثبت الواقع انها المرة الأولى التي كان التزوير فيها يكاد يكون معدوما.

الثالثة: كانت الغالبية من العراقيين ترى ان النتائج محسومة سلفا، واللعبة مكشوفة ..فصدمتهم بعكس ما كانوا يرون.

الرابعة: فوز التيار الصدري بفارق كبير عن الآخرين (73) مقعدا، تقدم (43)، دولة القانون (37)، الحزب الديمقرطي الكردستاني (32)، والجيل الجديد( 9)، وفوز 97 امرأة، وخسارة: الفتح التي تضم بدر والعصائب واخرى(16)، و قوى الدولة الحكمة زائد النصر(4)مقعدا.

الخامسة: خسارة غير متوقعة لسياسيين كانوا يحتلون مراكز متقدمة في العملية السياسية.

السادسة: فوز مستقلين(20) وتشرينيين (15)

وتتعد الآراء بخصوص ما حصل، فهناك من يرى ان نجاح الانتخابات كان شكليا، وانها ليست مفاجئة ان يفوز عدد باصابع اليد وحتى عشرين او ثلاثين، فلن يحصل تغيير ما دام نصف الفائزين او اكثر هم من سراق المال العام، فيما يرى آخرون بأنه كان لابد من تطعيم نظام بريمر ببعض الوجوه الجديدة من اجل اطالة عمر العملية السياسية الفاسدة مع بقاء الكتل والحيتان، واشاد آخرون بما حصل، فيما علق آخرون بسخرية عراقية:

* بالمشمس...حتى الهواء راح يسرقونة..من ١٨ سنة لم يثبت ان احدا من تلك الزمرة نزيه..كلهم فاسدون للنخاع

* ماكو هجرة لليونان للكعبه بلكت نخلص

* بزازين هل وكت ماترضى بالشحم ادور حبال ظهر

*يعمي لا تروحون زايد كل واحد حجه كلمتين بالوطنيه انبطحتوا وسويتوا كاسترو العراق..لا تترجا خيرا من تيار ديني.

وما حصل تلخصه حقيقتان: حصول تغيير محدود يفترض ان يفتح الباب نحو تغيير ينقل العملية السياسية من سكة المحاصصة الى سكة الدولة المدنية الحديثة،

والثانية: ان نسبة المقاطعين والعازفين عن المشاركة في الانتخابات كانت بحدود (60%) ما يعني في التحليل السيكولوجي ان توالي الخيبات اشاع الأحباط والقهر بين العراقيين، واوصل غالبية الستين بالمئة الى ان يبقوا في بيوتهم قاعدين.

وسياسيا، كانت قراءة قوى تقدمية مقاطعة لما سيحصل..غير دقيقة، في مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي. وكنا دعونا الحزب الى المشاركة في مقالة موثقة بعنوان (الحزب الشيوعي العراقي مع التحية) نشرت في14 ايلول 2021، وقلنا بالنص (ما لم يكن هناك موقف يوحد قوى التغيير ويحظى بتأييد شعبي، فاننا نقترح دعوة الحزب الى كوادره بالتصويت لمرشحين مستقلين يضعف من نفوذ احزاب السلطة في البرلمان ويسهم في التغيير لصالح القوى التقدمية والوطنية، اذ ليس من المعقول ان لا يكون بين اكثر من ثلاثة آلاف مرشحا من هو كفوء وضد الفاسدين، و بينهم مرشحون من الحزب الشيوعي الكردستاني).

الأهم..هل سيحصل تغيير في العملية السياسية؟وما الذي سيحصل؟

ان تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان هي التي ستحدد شكل التحالفات..وما سيحصل هو ان الخصمين اللدودين (التيار الصدري ودولة القانون) سيتنافسان، وسيكون الحزب الديمقراطي الكردستاني.. بيضة القبان. فاذا استطاع التيار الصدري التحالف مع (تقدم) والتفاهم مع الكتلة الكردية، فانه سينجح في تشكيل الكتلة الأكبر، وسيكون للسيد مصطفى الكاظمي الحظ الأوفر في تشكيل الحكومة الجديدة، غير ان هذه الايام ستشهد مساومات، كثير منها سيكون على حساب الوطن والمواطن، وستعمد الكتل الموالية لأيران الى الطعن بنتائج الأنتخابات وقد تكون الفوضى والسلاح سيد الموقف في عدد من المحافظات الشيعية.

ومع ان اهم مكسب برلماني تحقق هو انه ستكون فيه جبهتان: جبهة مع الحكومة وجبهة معارضة، تراقب وتعارض لتخلق توازنا سياسيا لم تشهده البرلمانات السابقة. وبافتراض ان التيار الصدري استطاع تشكيل الكتلة الأكبر بصيغة تنويعية، فان اهم المعايير في حصول تغيير هي: 

*ان تعمل الحكومة على اقامة دولة مدنية حديثة تمتلك مقومات حضارية تنقل العراق من حالة التخلف الى حالة التقدم، وان تدرك ان العراق هو احد اغنى عشرة بلدان في العالم ما يعني، انه يمتلك كل المقومات التي تجعل اهله يعيشون بسعادة وكرامة هدرت وافقرت حكوماته 13 مليون عراقيا باعتراف وزارة التخطيط.

* انهاء حالة الخوف والقلق من المجهول والشعور بالأغتراب التي عاشها العراقيون عبر 18 سنة، واضطرت الملايين الى الهجرة، وضاعفت حالات الادمان على المخدرات والطلاق.

* الاستعانة بعلماء وحكماء البلد وتخليص الحاكم العراقي من سيكولجيا احاطة نفسه باشخاص يقولون له ما يحب ان يسمعه، وآخرين مصابين بالحول العقلي .

*تشكيل محكمة من قضاة مستقلين لمحاكمة حيتان الفساد باعتماد قانون من اين لك هذا، والاستفادة من تجربة سنغافورة التي اعتمدت عشرة مباديء في مكافحة الفساد يتصدرها مبدأ (عدم السماح للمفسدين بالتمتع بما حصلوا عليه من مكاسب غير مشروعة وفضحهم بجعل الناس تنظر لهم بوصفهم عارا على المجتمع).

تلك المعايير التي على الحكومة القادمة اعتمادها ليكون التغيير، وبدونها..ستكون افجع الخيبات!

*

أ.د.قاسم حسين صالح

 

 

ابراهيم أبراشاستطلاعات الرأي العام تقنية لقياس توجهات الجمهور تجاه قضايا عامة تهم الشعب، سياسية، اجتماعية ،اقتصادية، وهي أكثر انتشاراً في المجتمعات الديمقراطية ً. ارتباط قياس الرأي العام بالمجتمعات الديمقراطية مرده أنه لا يمكن قياس الرأي العام إلا حيث يوجد رأي عام حقيقي وهذا لا يكون إلا بوجود حرية التعبير عن الرأي دون خوف من متابعة أو عقاب، وهكذا نلاحظ ان استطلاعات الرأي والمراكز المتخصصة بها توجد في الدول الديمقراطية ويتناقص وجودها إلى درجة العدم كلما غابت أو تراجعت الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير.

حتى داخل الدول الديمقراطية توجه انتقادات لاستطلاعات الرأي بعضها يتعلق بعدم دقتها دائما وانتقادات أخرى تتهمها بأنها أداة للتلاعب بالعقول والتأثير على توجهات وآراء الجمهور وخصوصا قُبيل الانتخابات وانها اداة بيد الممولين والناخبين الكبار الخ. ومع ذلك لاستطلاعات الرأي العام فوائد كثيرة إن تم الالتزام بالمعايير الموضوعية، كما أنها غير مقتصرة على الجوانب السياسية بل تشمل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، وتساعد أصحاب القرار على وضع سياسات واستراتيجيات تتوافق مع رغبات وتوجهات الجمهور .

من بين دول العالم الثالث التي تعرف هذه التقنية تتميز فلسطين –مناطق السلطة الفلسطينية- بتعدد المراكز التي تقوم باستعمال هذه التقنية، ليس لأن هناك ديمقراطية متقدمة وحريات غير محدودة، بل لوجود مؤسسات مجتمع مدني متحررة نسبياً من سطوة السلطة وتتبع جهات خارجية تمول هذه المراكز ويهمها معرفة توجهات الرأي العام الفلسطيني في قضايا محل اهتمام عالمي كالمقاومة والإرهاب والسلام والتسوية السياسية والدولة وأداء الطبقة السياسية والأحزاب ومعرفة نتائج او مخرجات التمويل الذي تقدمه الدول المانحة، وحول النظام السياسي بشكل عام، أيضاً تعدد الجهات التي تجري استطلاعات رأي تابعة للأحزاب وهذه الاستطلاعات تفتقد للمصداقية غالباً.

نسبياً فإن عمل ومصداقية استطلاعات الرأي العام في الضفة الغربية أفضل مما هو في قطاع غزة حيث برزت في الضفة مراكز استطلاع مثل مركز استطلاع جامعة بير زيت والمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ومركز العالم العربي للبحوث والتنمية(أوراد)، ولكن هذه الافضلية لا تعني أن مراكز استطلاعات الرأي ومخرجات الاستطلاعات دقيقة وصادقة، ففي كثير من الأحيان تلعب عوامل أو مؤثرات عديدة دوراً في عدم مصداقية الاستطلاعات أو عدم تمثيلها لتوجهات الرأي العام تمثيلاً صحيحاً ويعود ذلك لعدة أسباب، بعضها عامة تخص كل استطلاعات الرأي في العالم وأخرى خاصة بالحالة الفلسطينية، وأهم هذه الأسباب بشكل عام وفي في الحالة الفلسطينية خصوصاً:

1- تأثير الجهات المموِلة لمراكز استطلاعات الرأي، فهناك قاعدة تقول (ابحث عن الجهات الممولة) حيث تكون نتائج الاستطلاعات ذات المضامين السياسية محل شك إن كان المركز مرتبط بجهات رسمية أو تابعا لحزب معين أو ممَول من جهات معادية أو ذات أجندة غير وطنية. 

2- فضاء الحرية المتاح في مكان إجراء الاستطلاع، غزة أو الضفة، والأمر يرتبط ايضاً بموضوع الاستطلاع فبعض القضايا المرتبطة بالدين أو بالجنس أو بالحياة الشخصية يرفض المستطلعون إبداء الرأي فيها أو يدلون بمعلومات غير صحيحة.

3- التلاعب بالعينة والتباس أسئلة الاستطلاع مما يؤدي لعدم مصداقية نتائج الاستطلاع ، والأمر قد يحدث لأن القائمين على الاستطلاع غير متخصصين في كيفية وضع الأسئلة واختيار العينة أو تقصُّد التأثير على مخرجات الاستطلاع من خلال وضع أسئلة مبهمة أو إيحائية أو التحكم في العينة كاختيار عينة من أشخاص معروفة انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية مسبقاً.

4- توقيت إجراء الاستطلاعات، مثلاً تلجأ بعض مراكز استطلاعات الرأي لإجراء استطلاع أثناء الصدامات المسلحة بين فصائل المقاومة في غزة وإسرائيل لقياس درجة التأييد لحركة حماس وفصائل المقاومة ونهج المقاومة أو تأييد حركة فتح والسلطة ونهج التسوية السياسية، وغالباً تكون نتائج الاستطلاع متأثرة بالحالة العاطفية والانفعالية وبجرائم الاحتلال ومشاهد القتل والتدمير في غزة وبالتالي تكون لصالح حماس ونهج المقاومة.

5- عدم استقرار الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما يؤدي لعدم ثبات نتائج استطلاعات الرأي حيث تتغير ما بين يوم وآخر ومع كل حدَث جديد، وهذا يجعلنا أمام مزاج شعبي غير مستقر ويعكس غياب الرؤية والتفكير الاستراتيجي عند الجمهور وتأثره بمجريات الأحداث اليومية.

من خلال متابعتنا لاستطلاعات الرأي في الفترة الأخيرة يمكن التوصل للخلاصات التالية بالنسبة لآراء وتوجهات غالبية المستطلَعين وما طرأ على المزاج الشعبي من تحولات:

1- ما زالوا يعتبرون إسرائيل العدو الرئيس للشعب الفلسطيني والخطر الذي يهدد امن واستقرار المنطقة.

2- يرون أن عملية التسوية السياسية التي عنوانها اتفاقية اوسلو قد فشلت وان إسرائيل لا تريد سلاما يؤدي لانسحابها من الضفة الغربية.

3- مع مبدأ وشرعية مقاومة الاحتلال ومستعدون للتضحية في سبيل الوطن ولكنهم غير متفقين على أسلوب المقاومة واستراتيجيتها.

4- تباين الانشغالات والاهتمامات العامة والمزاج العام ما بين الضفة وغزة مع زيادة الانشغال بمشاكل الحياة اليومية وبالسلم الأهلي على حساب الاهتمام بالقضايا الوطنية الكبرى، وهذا أكثر وضوحا في قطاع غزة .

5- يؤيدون المشروع الوطني وإن كانوا يختلفون حول ماهيته كما يعارضون أدواته التنفيذية ورموزه الحالية وطريقة توظيف الطبقة السياسية لهذا المشروع.

6- التباس وخلط في مفهوم الثوابت الوطنية والحقوق المشروعة والأولويات الوطنية.

7- حائرون ومنقسمون حول مفهوم وماهية الدولة الفلسطينية، هل هي دولة حل الدولتين – دولة على حدود 1967- أم الدولة حسب قرار التقسيم لعام 1947 ، أم الدولة الواحدة ما بين النهر والبحر، مع تزايد حالات القبول بدولة في قطاع غزة.

8- يريدون منظمة التحرير ويتمسكون بها كممثل شرعي ووحيد للشعب ولكنهم غير مطمئنين ولا راضين عن واقعها ويتحفظون على قيادتها الحالية واغلبيتهم لا يعرفون أسماء قيادة منظمة التحرير (اللجنة التنفيذية للمنظمة).

9- يحترمون حركة فتح ويراهنون عليها ولكنهم غير راضين عن واقع تنظيم فتح.

10- يؤيدون وجود سلطة وطنية تمهد الطريق لقيام الدولة ولكنهم غير راضين عن أداء السلطة.

11- مع الديمقراطية والتعددية السياسية ولكنهم يعارضون وغير راضين عن النظام السياسي القائم في الضفة وغزة ويشعرون بأنه بعيد عن الديمقراطية.

12- فقدوا ثقتهم بالأحزاب السياسية بكل توجهاتها ولا يرون فيها تجسيداً صحيحاً للتعددية السياسية الديمقراطية ويحملونها المسؤولية عن تردي الأوضاع .

13- تلمسهم لوجود حالات فساد في سلطتي غزة والضفة وغياب الشفافية في التوظيفات وصرف المساعدات وتزايد حالات التضييق على حرية الرأي والتعبير . 

14- باتوا على قناعة بأن الانقسام صناعة إسرائيلية أصلاً ويخدم مصلحة إسرائيل، وأن حركة حماس تتحمل أيضاً مسؤولية عن الانقسام واستمراره.

15- أكثر إدراكا من أي وقت سابق بوجود طبقة أو فئات سياسية في الضفة وغزة مستفيدة من الانقسام ومعنية باستمراره وهذه الطبقة في مركز القرار السياسي.

16- تزايد حالة عدم الرضا على أداء حكومة اشتيه، ولكنهم يعارضون ويرفضون سلطة وحكم حماس في نفس الوقت.

17- بالرغم من تزايد حالة اليأس من إمكانية إنهاء الانقسام وإعادة توحيد غزة والضفة في ظل حكومة واحدة من خلال التوافق وحوارات المصالحة إلا أنهم يرون أن الانتخابات هي الطريق الوحيد لإنقاذ ما يمكن انقاذه وإعادة بناء النظام السياسي.

18- تراجع ثقتهم بالشرعية الدولية وقراراتها وان استمرار مراهنة السلطة على الأمم المتحدة ومنظماتها وعلى محكمة الجنايات الدولية فقط لن يُعيد للشعب حقوقه المشروعة.

19- يعتزون بانتمائهم القومي العربي ولكنهم يتخوفون من الأنظمة العربية ولم يعودوا يراهنون عليها لنصرة قضيتهم.

20- الحضور القوي للدين في حياة الناس ولكنهم يعارضون الجماعات الإسلامية وتوظيف الدين في السياسة.

 

د. إبراهيم أبراش

 

فارس حامد عبدالكريمIgnorance lovers and patrons

الوضع الإجتماعي القائم يعاني من انتكاسة ليست في صالح الثقافة والمثقفين  فقد مضى ذلك الزمن الذي كان يقودهالجواهري ونازك الملائكة والسياب وجواد سليم وناظم الغزالي   ... فقد تبدلت البلاد ومن عليها ... وكأننا في بلد آخر وهذه من اسوء افرازات الدكتاتورية التي انهت الوجود الثقافي بكل مظاهره لتكتمل رسم صورة الجهل لاحقاً وعن عمد...

كم كنت حزيناً جداً عندما علمت ان وزارة الإعلام في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي قد اوقفت استيراد الدوريات والمجلات الثقافية والأدبية والعلمية بحجة الحرب وتكاليفها واستمر ذلك الوضع حتى التسعينيات وبداية الألفية الثانيةمنه بحجة الحصار وهكذا تمت ديمومة الجهل وتربيته.

ولاعجب فإن أعداء الثقافة الحرة أحباب الجهل ورعاته دائماً يجدون الأعذار لمحو الثقافة والفن والأدب ومطاردة العقولالتي تحملها حتى آخر نفس.

وأهم الأعذار لمكافحة الثقافة هي الحرب وحماية الشباب والجيل الجديد من الأفكار الهدامة والمستوردة!!!! وقد يستخدمالتدين الزائف لمطاردة الثقافة والمثقفين بحجج واعذار متنوعة غير قابلة للنقاش والجدل.

وكان افلاطون يؤكد كلما سنحت المناسبة الى أن  الطاغية (يستولي على السلطة عنوة، ويسعى للتخلص من خصومهبعد استيلائه عليها،لكنه يبدأ بكسب شعبية الناس ويوزع الأراضي، ويشن الحروب لكي يبقى الشعب بحاجة إليه، وهيوسيلة احتقار الناس، ومن مصلحة الطاغية استمرار الحروب. ويلاحق الطاغية جميع الناس الذين يمتازون بالشجاعةوكبر النفس والحكمة والثروة لأنهم يشكلون خطرا عليه،يحيط به جماعة مستعبدة تتقاضى أجورا عالية لكي تحميهوتمتدحه) فالتاريخ يعيد نفسه بالنسبة لذوي الحكمة!! إن الجهل أساس كل الشرور كما يؤكد أفلاطون ايضاً.

وقد قيل بحق أن (الجهل مع الدين إرهاب، والجهل مع الحرية فوضى، والجهل مع الثروة فساد، والجهل مع السلطة استبداد، والجهل مع الفقر إجرام، وهو أسوأ آفة قد تبتلى به أي أمة).

  وبالمقابل، وكغطاء لتجهيله للشعب، يحاول الدكتاتور الظهور بمظهر الراعي للثقافة والفنون وقد يؤسس وزراتمتخصصة بالثقافة والإعلام حيث يسعى الى توجيه النشاط الثقافي والاجتماعي للجماهير توجهاً أيدولوجياً لصالحشخصه، تشبهاً بالفرعون الذب كان يقول لقومه: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي)،  ومن ثم الاستخدام التعسفي لقوة الأجهزةالأمنية من أجل ترويع المثقفين وعموم المواطنين.

لذلك كان لزاما على المستبد في الحكم أن يكون مستبدا فكريا ايضاً حتى يحافظ على كرسي حكمه من الزوال. فهوباستبداده يعطل العقول ويسفه الأحلام ويمحق الإبداع.

 

ومن غرائب مظاهر الجهل والاستبداد انتقاله بالعدوى بين افراد المجتمع حتى أولئك الذين  لا يكون لهم أي منصب أو قرارفي الدولة، فيستبد الأب في بيته، ويستبد صاحب العمل على عامليه، ومن يصبح تغيير القناعات الراسخة بسببالجهل عملية تحتاج الى نضال حقيقي من المثقفين وخاصة معلمي ومدرسي واساتذة المدارس والجامعات.

والاستبداد لايقتصر وجوده في المجتمعات المتخلفة، وان كانت هي مزرعته التي يرتع وينمو فيها، ففي المجتمعاتالمتقدمة يكون الاستبداد فكرياً، وهو خضوع الإنسان لتوقيتات وآليات عمل لايستطيع عنها فكاكاً تجعل منه كالآلة التيتعمل ليل نهار (فهو لا يقتل الإنسان ويحفر مقابر جماعية، بل يقتل الروحية المتحركة والفكر المتطور بحجج وأساليبخفية تسبق الزمن الاني).

كيف نواجه الجهل والتجهيل

ان الطبقة المثقفة لاشك هي الأعرف من غيرها  بأعداء الثقافة وطبيعة الاستبداد وخاصة عند ممن كانوا سبب معاناتهمعبر التاريخ البعيد والقريب من الجهلة وناشري الجهل، ويقع عليها واجب الاستعداد لخوض المعركة الثقافية بكل ماأوتوا من قوة تأثيراً على الشعب، فاذا تمت محاربة الجهل والاستبداد ثقافياً وسياسياً، لن يجد الطغاة وأنصار الجهلوالتجهيل أي أرضية يقفون عليها لكسب الجماهير لصالح افكارهم المتخلفة.

ان نشر الثقافة والوعي بين المواطنين يعطيهم المناعة من  التجهيل، كاللقاح المضاد للأمراض تماماً.

ونحن نستذكر الجهلة والمجهلين والمستبدين بجهلهم ووسائل مكافحة الجهل وأهله  لايسعنا الا ان نذكر الشهيد المفكرعبد الرحمن الكواكبي رحمه الله  الذي كان أول من صرخ في العصر الحديث  بوجه الإستبداد والجهل وسبل مكافحتهوالذي مات مسموما بفنجان قهوة بعد أن كتب كتابه الشهر (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد).

 

فارس حامد عبد الكريم

استاذ جامعي - النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

  

احمد عزت سليموبدونهم فلن يكون إلهاً

استمرار الوجود الإنسانى منذ أن قرره الإله مرتبط باستمرار العهد الإلهى لبنى إسرائيل فى مستقبل محكوم بملك يهودى مقدس لا يحق مناقشته ولا ريب فيه، لامتناهى ولا نهاية له ولا آخر فى حكمه الإزلى غير القابل للفناء بالنسبة لجميع الموجودات بعد التمكن فهو مطلق غير مشروط إلا بعودته وإقامته للمملكة العبرية التى تحدد وجوده الثابت المستقل والجازم القاطع القائم بذاته المطلقة، والذى لا يرتهن بأى آخر فتتمثل حقيقته الأبدية فى تسلط مملكته بيهوديتها على المصير الإلهى والكونى والبشرى والذى لا وجود لهم إلا بهذا الملك اليهودى بهويته الخالصة الموسومة بالنقاء المزعوم تحقيقا لهذا العهد الإلهى الأبدى .

" يدور الفكر الصهيونى حول فكرة العهد هذه، فأحقية اليهود فى أرض فلسطين حسب تصورهم مسألة لا تقبل النقاش بسبب هذا العهد الأبدى، ويرى الصهاينة الدينيون أن العهد حقيقة تاريخية، ومن ثم فإنهم يرون أن مصدر المطلقية هو الإله، أما بن جوريون فكان يرى " أن أعضاء جماعة يسرائيل هم الذين اختاروا الرب إلهاً لأنفسهم وبدونهم فلن يكون إلهاً " (1) وفكرة الاختيار هذه التى يشير بن جوريون إليها هى التى يدور عليها الفكر العنصرى الإسرائيلى منذ بدايته الأولية، عندما أعلن الإله عهده لإبرام " فإذا تنور دخان ومصباح يجوز بين تلك القطع، فى ذلك اليوم قطع الرب مع إبراهيم ميثاقاً قائلاً: لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات (تكوين15:7-18)، فأمام إبرام أدى الإله الطقوس بكل دقة والتزام، " واستجاب للتقاليد الشرعية التى كان يتقبلها قانون العبرانيين القدماء للتصديق على العهد (2) وبين طرفين لا يبدوان متساويين فإبرام لم يؤدى هذه الطقوس أمام الرب وإنما أدها الإله أمامه، وذبح الضحية ثم أن تقطيعها إلى أجزاء ترمز إلى الجزاء الذى سيحل بالشخص الذى يخون العهد أو يحنث باليمين ويصير مصير هذا الشخص كمصير الحيوان هو القتل (3) وليس القتل فحسب ولكن تمثيلا بالتقطيع ، هكذا أعطى الإله العهد على نفسه وألزم نفسه وحده بالمرور بين الذبيحة وبالتالى أوقع على نفسه العقاب إذا حنث هو بالعهد، وأصبح هو الطرف غير الموثوق فيه، وأصبح إبرام فى موقع يفوق موقع الرب، ودون أدنى إلتزام عليه أو بمعنى آخر كما يقول بن جوريون " بدونهم فلن يكون هناك إلهاً "، ولن يكون هناك عهد أو ميثاق، وبالتالى فإن حتمية وجودهم هى الضرورة الوجودية للعهد وللإله والأرض .

هكذا تصير العناصر الثلاثة الإله/ الشعب/ الأرض ميثاقاً أبدياً قطعياً ذات طبيعة لاهوتية، تُدرك من خلاله الدعاوى العنصرية الإسرائيلية التى يرتفع فيها قدر الشعب فوق قدر الإله، وعليه فمن يقدر على حساب شعب تفوق على الإله وحل بدلاً منه فى العالم وأصبح يحدد مصير البشرية !! ولا عجب من ذلك فقد صورت التوراة الرب على هيئة إنسان وجعلت الإنسان على هيئته، وخلعت على الرب صفات إنسانية محببة إلى النفس البشرية، فقد طرد الرب آدم وحواء وفقاً لقصة التوراة لا لمجرد مخالفتهما للمحظور الذى حذرهما منه الرب، ولكن لأنهما سلباه صفة كان يود أن يستبقيها لنفسه دون البشر وهى معرفة الخير والشر، ومن ثم فقد أسرع الرب وطردهما من الجنة قبل أن يتمكنا من أن يسلباه صفات إلهية أخرى وبصفة خاصة صفة الخلود، وذلك إذا ما تهورا وأكلا من الشجرة الثانية المحرمة وهى شجرة الحياة، ولكن الذى يفصح عنه النص أن هذه الصفة قد اكتسبوها رغماً عن أنف الإله فقد رأوا وجهه ولم يموتوا، وأكلا من الشجرة ولم يموتا ثم يعطيهم الرب عهداً أبدياً بعد أن صار الأجداد من الآلهة " وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا " بل وقد عمل الإنسان على صورته، " سأسفك دم الإنسان، بالإنسان يسفك دمه لأن الرب الإله على صورته عمل الإنسان (تكوين 9: 5/6) هكذا انحدر الشعب المختار من الإله وحلت فيه الإلوهية التى ورثها هو، ليخلص الميثاق الأبدى، بين الإله وبين كل نفس حية فى كل جسد على الأرض (تكوين 9: 16) ، إلى الحفاظ على شعبه المختار وحده بعد أن لعن كنعان وجعله عبد العبيد لإخوته، فقال: مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبداً لهم (تكوين 9:20- 27) .

وهكذا أصبح سفك الدماء طبقاً للشريعة خصيصة ورثها الشعب المختار من أجداده ولازمة وجودية لبقائة وتكتسب منها العقيدة العنصرية الإسرائيلية شرعيتها الدموية وتتشكل منها الخلفية الدافعية التى تقف خلف هذه العقيدة وسلطتها وشعائرها، وهى تصبح بذلك أحد العناصر الأولية المشكلة لبنى الميثاق الأبدى الذى اكتسب سلطة الإله وتفوق عليه وأدى الرب طقوس العهد أمامه وحده، وأصبح بذلك السلطة الدينية التى تتحقق فيها صفات الوجود (من وجهة النظر اليهودية) والتى بنيت على الانتقاء والاختيار بين المخلوقات والشعائر والتصرفات والتزم الإله أن يعتنى بهذه الأرض التى وعد بها إبراهيم " الأرض التى أنتم عابرون إليها لكى تمتلكوها أرض جبال وبقاع من مطر السماء تشرب ماء، أرض يعتنى بها الرب إلهك، عينا الرب إلهك عليها دائماً من أول السنة إلى آخرها " (تثنية 11: 12) "، أحفظوا كل الوصايا التى أنا أوصيتكم بها اليوم كى تنشدوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التى أنتم عابرون إليها لتمتلكوها ولكى تطيلوا الأيام على الأرض التى أقسم الرب لآبائك أن يعطيها لهم ولنسلهم أرض تفيض لبناً وعسلاً " (تثنية 11: 8- 9) ويكون الرب لها سور نار من حولها ومجداً فى وسطها " والرب يرث يهوذا نصيبه فى الأرض المقدسة ويختار أورشاليم بعد " (زكريا 2: 5-12) " ويقوم فى الأرض البهية وهى بالتمام بيده " (دانيال 11: 16) .

هكذا الأرض بالعهد الإلهى تقع تحت الامتلاك والسيطرة والتشدد ويرث الشعب المختار نصيب الرب فيها، فهو الوريث الشرعى الذى يلتزم الإله أمامه فى هذه الأرض المقدسة البهية التى امتلكها الإله بالتمام، وأعطاها لورثته الذين عليهم أن يتشددوا ويسيطروا ويمتلكوها إلى الأبد كخصائص بنائية للميثاق الأبدى، وطبقاً لهذا العهد الإلهى يلتقى الإله بشعبه المختار كاملاً بعد حفلة العهد التى أقامها موسى وقص على جموع الشعب جميع كلام الرب وجميع الأحكام " فأجابه جميع الشعب بصوت واحد وقالوا: جميع ما تكلم به الرب نعمل به، فكتب موسى جميع كلام الرب وبكر فى الغداة وبنى مذبحاً فى أسفل الجبل ونصب إثنى عشر نصباً لإثنى عشر سبط إسرائيل، وبعث فتيان بنى إسرائيل فأصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة من العجول للرب فأخذ موسى نصف الدم وجعله فى طسوت ورش النصف الآخر على المذبح، وأخذ كتاب العهد فتلا على مسامع الشعب، فقالوا كل ما تكلم به الرب نفعله ونأتمر به، فأخذ موسى الدم ورشه على الشعب وقال هو ذا دم العهد الذى عاهدكم الرب عليه فى جميع هذه الأقوال ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شية صنعة من بلاط سمنجونى وشئ أشبه بالسماء فى النقاء، فعلى مختارى بنى إسرائيل لم يمدد يده فرأوا الإله وأكلوا وشربوا فتشارك الرب الإله والشعب فى الدم واللحم والرؤيا وأصبح المصير واحد، وتآخوا فى العهد الواجب الاحترام منهما .

 

بقلم:ـــ أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

....................

المراجع:

1) د عبد الوهاب المسيرى، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1999، ج 5، ص  77

2) نفسه جـ 8، ص  342

3) نفسه جـ 8، ص  349

 

 

بكر السباتينوما هو مصير اقتصاد الأفيون في ظل حكومة طالبان؟.. طالبان تختارُ دستورَ الملكِ محمد ظاهر شاه وأسئلةٍ أخرى

 الموقفُ الطالباني حرج جداً فهل وضعتها الضغوطات الدولية أمام خياري التشدد أو الوسطية والانفتاح على المجتمع الدولي!

دعونا نبحث في هذين الخيارين بالتفصل:

أولاً:-  تبني حركة طالبان للخيار الإسلامي الوسطي باعتماد دستور موضوعي فضفاض مستوحى نسبياً من الشريعة الإسلامية لكنه بالمجمل دستور علماني وضعي كان يسير الحياة المنفتحة إبان العهد الملكي عام 1965؛ وتم اختيار ذلك لطمأنة المجتمع الدولي الذي تسعى الحركة لبناء علاقة تشاركية معه كي تدور عجلة التنمية الطالبانية في سياق دولة ناجحة، ربما اقتداءًا بالنموذجين الماليزي والتركي على نحو ما؛ رغم أن الحركة تدرك بأنها بذلك قد تخسر جزءًا من قاعدتها الجماهيرية التي ما فتئت تعزز موقفها الداخلي وهي التي ساعدتها على  هزيمة المعارضة التي يقودها أحمد شاه مسعود في ولاية بنشجير، وبالتالي إسقاط  الأجندة الفرنسية الصهيونية التي يمثلها رجل المخابرات الفرنسي الصهيوني برنارند هنري ليفي.. ناهيك عن أنها أيضاً وقفت خلف طالبان في التصدي لإرهاب داعش- خرسان التي تسعي لتحويل أفغانستان إلى دولة فاشلة من خلال تنفيذها لسلسلة من الانفجارات تباعاً. وكان آخرها تفجير مسجد شيعي في ولاية قندوز لإشعال الفتنة الطائفية المبرمجة صهيونياً، وهي أهداف كشف عنها عميل الموساد أبو حفص الإسرائيلي المعتقل في ليبيا والذي تخرج من جامعة تل أبيب الإسلامية، واسمه الحقيقي بنيامين إفراي.

ثانياً: أن تتمسك حركة طالبان ببرنامجها الإسلامي المتشدد وغير الوسطي الذي نجحت جماهيرياُ على أساسه؛ فتخسر إزاء ذلك الشركاء الدوليين المحتملين لها، كأمريكا والصين على سبيل المثال، ولا يستبعد أن تتحول من جراء ذلك إلى دولة فاشلة وحاضنة للإرهاب، وأول المواجهات لها ستكون مع داعش التي تتهمها بالخضوع لشروط الاستعمار الذي ما خرج إلا بعد اتفاقه المسبق معها في الدوحة برعاية قطرية.

ويبدو أن طالبان بعد تروي وقع اختيارها على الوسطية التي تتيح لها المناورة في جميع الاتجاهات حتى تظفر بالكثير فيما تتكبد أقل الخسائر، ويكون سلاحُها التسويف وإطلاق الوعود.

 وسنبحث في هذا الخيار من خلال محوري الدستور الموضوعي والاقتصاد السليم.. والتخلص من أيَّة ازدواجية من شأنها أن تضع الفقهاء والخبراء في مأزق حقيقي قد يعوّق التنمية الشاملة من أساسها. وهما:

المحور الأول:- طالبان والدستور الموضوعي، ما بين الخيار الإسلامي والعلماني.

 فقد أعلنت حركة "طالبان" عزمها على استبدال دستور أفغانستان الإسلامي الموعود، بتشريعات تعود إلى العهد الملكي من القرن العشرين.

جاء ذلك في بيان وزير العدل بالإنابة في حكومة حركة "طالبان" عبد الحكيم شريعي نهاية أوغسطس الماضي،  قائلاً إن "الإمارة الإسلامية ستطبق القانون الدستوري للملك محمد ظاهر شاه الصادر عام 1964 لفترة مؤقتة، دون تطبيق أي محتوى يتعارض مع الشريعة الإسلامية، ومبادئ الإمارة الإسلامية".

وكلمة "مؤقتة" قد تكون تكتيكية للاستهلاك المحلي في سياق المضي بالمشروع الطالباني نحو الوسطية.. وبعد ذلك سيخضع الشعب لسياسة التسويف والتبرير حتى يتم ترسيخ الدستور الذي قد ينتهي بنظام ديمقراطي يقوم على الانتخاب الحر، وليس على التعيين في سياق مجلس شورى إسلامي، وهو احتمال ضئيل إلا إذا نجحت الوسطية الطالبانية بتحقيق أمن واستقرار؛ لبناء تنمية ناجحة ومستمرة في كافة النواحي تعود بالنفع على معيشة المواطن الضنكا. 

وأوضح شريعي أن "الحركة ستحترم القوانين والمعاهدات الدولية التي لا تتعارض مع الإسلام ومبادئها" إلى أن قال:... "وإن الحركة تعتزم إقامة علاقات طيبة وودية مع العالم.".

وأهم البنود التي انسجمت مع الخيار الطالباني، هي:

1 ـ أفغانستان مملكة دستورية، مستقلة وغير قابلة للتجزئة.

2ـ دين الدولة الإسلام وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة.

3ـ ضمان الحرية لكل من لا يدينون بالإسلام.

4ـ اللغة الرسمية: البشتونية والدَرية.

5ـ عاصمة أفغانستان، هي كابل.

6-علم البلاد مكون من ثلاثة ألوان، وهي: الأسود والأحمر والأخضر

ولا  أدري إن كانت طالبان ستلتزم بهذا البند أم ستجد صعوبة في ذلك، نظراً لأنها تمتلك علمها الخاص الذي يرفرف فوق مبانيها الحكومية، والمكون من اللون الأبيض كتبت عليه عبارة: "لا إله إلا الله ومحمد رسول الله" وفي تقديري أنها لو فعلت ذلك فإنها ستواجه مأزقاً مع المتشددين الذين يعتبرون هذه الراية شعار مشروعهم الإسلامي، بالمقابل فاختيار العلم الدستوري بألوانه الثلاثة، سيطمئن الأفغانيين المتمسكين به كرمز لدولة أفغانستان المستقلة والغير مجيرة لحركة طالبان.

بعد الانتهاء من محور الدستور الموضوعي، سنأخذكم إلى محور الاقتصاد السليم.

المحور الثاني: محور الاقتصاد السليم  والصراع بين المبادئ الإسلامية من جهة، ومصالح حركة طالبان من جهة أخرى، من خلال  مبدأ  الغاية تبرر الوسيلة، على نحو دعم اقتصاد الأفيون كوسيلة لتعزيز موقف الدولة المالي ومخصصات التنمية، إلى جانب دعم المشاريع الأخرى وبالتالي الانسحاب التدريجي من اقتصاد الأفيون لبناء قاعدة سليمة لاقتصاد نظيف مُهَيَّأ لأية شراكة دولية.

فهل تتوافق الشريعة الإسلامية مع الاستمرار في تجارة الأفيون وزراعة الخشخاش في إطار اقتصاد الموت وغسيل الأموال!؟

أم أن الاعتماد على دستور الملك محمد ظاهر شاه المعتمد لدى طالبان سيمنح الحركة مساحة أكبر للمناورة في تبني الخيارات وحذف المرفوض منها في الوقت المناسب على نحو ما ذكرناه آنفاً؟

وتجدر الإشارة إلى أن اقتصاد الأفيون يعتمد على تجارة المخدرات وانتشار مزارع الخشخاش على طول الأرض وعرضها وبخاصة ولاية بنشجير.. وانتشار  منتجات زهرة الخشخاش الأفغانية البيضاء من أفيون وهيروين في دول الجوار وصولاً إلى أوروبا.. وتوفر هذه التجارة عائدات مادية ضخمة تستفيد منها الدولة إلى جانب الحركات الإسلامية بما فيها طالبان وحركة داعش- خراسان، ناهيك عن مافيات المخدرات، والرقيق الأبيض وغسيل الأموال.. بإدارة تشاركية تحت إشراف الدولة العميقة في أفغانستان.. مع قبول جماهيري بهذه التجارة لأن زراعة الخشخاش يتولاها مواطنون أفغانيون من كافة الطبقات والأعراق، وتدرُّ عليهم أرباحاً طائلة في ظلِّ ظروف معيشية سيئة وفقر مدقع، تسبب بها الاستعمار إلى جانب التناحر العرقي والطائفي في البلاد.

وللوقوف على حجم هذا الاقتصاد، سنذهب بكم إلى تقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، حيث قدر الاقتصادَ الأفيونيَّ غير المشروع الإجمالي للبلد في العام 2017 بما يصل إلى 6.6 مليار دولار.

وتؤكد الأمم المتحدة وواشنطن أن طالبان متورطة في جميع الجوانب، من زراعة الخشخاش واستخراج الأفيون والاتجار به، وصولاً  إلى فرض "ضرائب" على المزارعين ومختبرات المخدرات، وفرض رسوم على المهربين عن الشحنات المتجهة إلى إفريقيا وأوروبا وكندا وروسيا ودول أخرى.

وفي دراسة ميدانية أجراها الباحث مانسفيلد لصالح الولايات المتحدة، خلص فيها إلى أن ما تكسبه طالبان من المواد الأفيونية غير المشروعة هو نحو 40 مليون دولار سنوياً، معظمها من الرسوم المفروضة على إنتاج الأفيون ومختبرات الهيروين وشحنات المخدرات.

وجنت طالبان منذ عام 2008 فصاعداً،  أكثر من نصف إيراداتها من المخدرات، وتنظيم زراعة الخشخاش، وحماية محاصيلها، وتأمين طرق الإمداد الإجرامية إلى آسيا الوسطى. فهل تتخلى طالبان عن كل ذلك بسهولة ما لم يتوفر البديل؟

وفي عام 2020 وفقا لآخر مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، كانت هناك زيادة بنسبة 37% في مساحة الأراضي المخصصة لزراعة الخشخاش.

إذن.. فما هي الخيارات البديلة أمام طابان ما دام اقتصاد الأفيون يؤدي إلى الفساد بكل انواعه، ويتسبب بقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومحرم دولياً؟

 ففي تقديري أن المجتمع الدولي منوط به دعم أفغانستان حتى تتمكن من تمويل المشاريع البديلة ولو من باب الشراكة الثنائية.. ومن ثم الانسحاب التدريجي المبرمج من تجارة الأفيون بعد إخضاعها للقوانين الصارمة التي تجرم كل من يتعاطاها ويتاجر بها .. وهذا مطلب دولي ملح حتى تتحول أفغانستان إلى حلقة وصل اقتصادية مع العالم بدلاً من تحويلها إلى مرتع للإرهاب الدولي ومزرعة للخشخاش الذي طالت أضراره كل المجتمعات في العالم.. لذلك لا بد من مد يد العون لطالبان حتى تتمكن من بناء دولة ناجحة واقتصاد نظيف.

فبعد سيطرة طالبان على أفغانستان ، قال المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد- على ذمته- : "عندما كنا في السلطة ، لم يكن هناك إنتاج للمخدرات".

وقال "سنوقف زراعة الأفيون مرة أخرى" ولن يكون هناك تهريب.

ولتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، لا بد من توضيب البيت الأفغاني على النحو التالي:

 أ-تحقيق الأمن وبناء أجهزة الأمن والجيش الأفغاني وتسليحه جيداً ورفده بالموارد البشرية المدربة.

 ب-بناء اقتصاد حقيقي يعتمد على استخراج المعادن واستثمارها وتحفيز الاستثمار في كافة القطاعات الصناعية والخدماتية.. وذلك بالتوازي مع وضع الخطط التقنية التي تشارك بها الأجهزة الأمنية للتخلص من زراعة الخشخاش وإعادة إحياء زراعة محاصيل بديلة مثل الفستق، وتطهير البلاد من الفساد.

ج-البحث عن شراكة إقليمية ناجحة. لاستخراج المعادن المتنوعة والثمينة وبخاصة مع الصين حيث ستكون الفرصة مهيأة لربط طريق الحرير الصيني بطريق الأزورد .

وكانت الحكومة الأفغانية السابقة قد أبرمت اتفاقاً لفتح طريق الأزورد مع الدول الواقعة عليه، وهي دول حوض بحر قزوين:-

 تركمانستان، جورجيا، أذربيجان، تركيا لتصل هذه الطريق إلى أوروبا عبر البحر الأسود أو بلغاريا وربما اليونان.

 فهل تشهد أفغانستان معجزة رواندية أسوة برواندا تلك البلاد الأفريقية التي دمرتها الحروب والمجاعات لتنهض بعد أن تخلصت من الفساد، وأصبحت سابع دولة في العالم من حيث السرعة في النمو الشامل.

هذا ممكن لو صدقت النوايا وأحسنت طالبان التدبير.

 

بقلم بكر السباتين

 

 

محمد تقي جونالمنامة السابعة والسبعون

حين لعبوا بكل الموازين لتختل الحياة، واتفاقاً مع مبدأ التعطيل الذي وسموا به ورسموا مستقبل العراق، انهدَّ سيل العُطل جارفاً قاصفاً. كان الشعب ممدداً كميَّت مؤجل لا ينقصه سوى الأجل. وتوغل الثلج في كل المفاصل فتجمدت وإذا بالعراق نهاره وليله نائم.

قال ابن سيَّا وهو يتأكد من تحول العطل كثرةً إلى نوع آخر من القتل:

" حين خلق الله (سبحانه) السماوات والارضين في ستة أيام، وجعل اليوم السابع يوم راحة، لم يكن محتاجاً للعمل والراحة، ولا هما يمتان لعالم قدرته بصلة؛ لأنه قادر أن يخلقها بكلمة واحدة (كن فيكون)، ولكنه (جل جلاله) أراد من ذلك أن يؤسس للسلوك البشري في الأرض حسب، فعلى الإنسان أن يتعب، ومقابل ستة أيام تعب يكون اليوم السابع للراحة. وهو ما كان؛ فكل ملة ودين وأمة لها عطلة بعد كدٍّ وعمل، الهدف منها ليس محض الراحة بل لينشط بها الإنسان ويعاود العمل".

"ولكن أمريكا أفشت فينا العطل لتعطيل الحياة، فأصبحت العطلة حاضنة وظرفاً لتحطيم الانسان والبلد. بل صارت العطلة تعدي ما قبلها أو ما بعدها من الايام، وصارت غير منضبطة بقرار، ومفاجئة احياناً، وقد يتعطل العراق لارتفاع طفيف في درجات الحرارة او البرودة، وأضافوا لجمعة المسلمين سبت اليهود!!!". فاصبحت العطل مانعة من اكتساب العلم للطلبة؛ فبسببها يموت نصف زمن التعليم، وبسببها يتأخر عمل الدوائر، وتصبح مشاريع البناء (شراميع). وشيئاً فشيئاً سادت البلادة وأصبح الاسترخاء عادة. ولأن الدولة لم تصنع ما يشجع العمل استشعروا الملل وصاروا يطلبون الراحة ويفضلون الاستراحة، وهكذا تخلصت امريكا من الإنسان بانيا والإعمار مبانياً.. ويستمر سيل العطل لتسود العطالة وتتأصل البطالة، وتشيع ثقافة الجمود والتوقف والخراب.. كان الناس في هستريا يستفسر بعضهم من بعض متى أقرب عطلة؟ وكم عطلة في هذا الشهر؟ لقد صاروا مدمنين على الراحة، مخدرين يُسار بهم وهم نيام.

ما لاحظوا أن الراحة لا تكون إلا بعد تعب. وراحة على راحة تؤدي إلى شلل وقتل كالأكل على أكل! وإذا أعطِيتْ الراحة فليس لذاتها او فائضة عن الحاجة، بل بقدر ما يستعيد به الإنسان نشاطه ليعود للعمل مجددا، وبهذا سعادة الإنسان، وقيام الحضارات، وإعمار الأرض. أما إطلاق الراحة فهي كالماء قليله مع الحاجة اليه يحيي، وكثيره مع عدم الحاجة إليه يميت. اذاً تحقق لابن سيَّا أن العطل وضعت وفق برنامج دقيق مدروس، فكانت طُعماً بلعه العراقيون وسيبلعونه حتى الموت أو ينتبهوا. فقال:

عُـطَلْ عُـطَلْ

عَـطَل عَـطَل

ما أكثر العُـطَلْ

ما أكثر العَـطَل

دون الشعوب والدولْ

نحن الذين كسلوا

وعلّموا الناس الكسلْ

ونحن أدمنا العطل

فصار عيشنا بدون

عطل لا يُحتمل

وصار في العقل

وفي الجسم شلل

قام بنا داعٍ يصيحُ

ناموا بعمقٍ واستريحوا

حيَّ على غير العمل

مهزلة...

تجاوزت حدَّ الهزلْ

عَطّلْ ولا تسلْ

عن سبب العـُطلْ

سوف ننامُ

وننام وننام للأجلْ

ما أكثر العطل

عُطَل عُطَلْ

مَلَل ملَلْ

***

الدكتور محمد تقي جون

...............

(من كتابي منامات ابن سيَّا)

 

 

مهند محمد البياتيتعتبر نينوى المحافظة الثانية الأكبر في العراق، ومن المحافظات المختلطة الكبيرة في العراق، حيث يشكل العرب السنة نسبة كبيرة من سكانها ثم الاكراد، وهنالك نسبة كبيرة من المسيحيين يتمركزون في بعشيقة وتلكيف والحمدانية، مع وجود عدد كبير من التركمان الشيعة وخاصة في تلعفر، إضافة الى مكونات كبيرة أخرى مثل الايزيدية والذين يقيمون في سنجار، إضافة الى الشبك، ومنذ تأسيس الدولة العراقية كان للمسيحيين مقاعد نيابية لهم في الموصل وبغداد والبصرة.

من المهم معرفة نتائج الانتخابات الماضية وخاصة الأخيرة في العام 2018، لأنها توضح التوجهات العامة للناخبين، ولو ان الاستحقاقات النيابية حسبت على اعتبار ان المحافظة منطقة انتخابية واحدة ووزعت المقاعد حسب نسبة التصويت للكتلة، حيث كان على الناخب ان يصوت للكتلة، لكي يُحسب صوته، ويمكن بعدها التصويت لاحد المرشحين للقائمة، وفي اغلب الأحيان كان التصويت يتم للرقم 1 في القائمة وهو الذي يكون عادة رئيس الكتلة في محافظته، وجرت العادة بين الناخبين ان تتم الإشارة في كثير من الأحيان الى رئيس الكتلة وليس للحزب، فيقولون كتلة الصدر بدلا من سائرون، او كتلة عمار الحكيم بدلا من الحكمة، او كتلة نوري المالكي بدلا من دولة القانون، وهذا بحد ذاته يؤشر الى اختزال الكتلة برئيسها بدلا من الحزب وأهدافه ومسيرته، ولأنه لم تتشكل لحد الان مؤسسات بحثية رصينة تقوم باستطلاع اراء الناخبين والذين يمثلون المجتمع العراقي بكافة توجهاته واطيافه، وتقوم باستطلاع اراء عدد كبير نسبيا، تعكس النتائج الانتخابية بشكل علمي ومدروس، وقد لا يزيد اعداد المستطلعين عشرة الاف من الناخبين، وهو لا يمثل شريحة يٌعتد بها، كما يحصل في البلدان الأخرى.

كان العدد الجمالي للأصوات الصحيحة في العام 2018 هو 940445 صوت، لانتخاب 34 نائب من ضمنها ثلاثة مقاعد للأقليات المسيحية والشبك والايزيدية، وكان عدد الكيانات المشاركة في الانتخاب العام هو 23 كيان، فازت عشر كيانات فقط بما مجموعه 31 مقعد، أي ان حصة كل مقعد هو 27660 صوت، وكان اعلى الأصوات من حصة ائتلاف النصر والذي حصل على اكثر من 168 الف صوت، وبسبعة مقاعد، تلاه الحزب الديمقراطي الكردستاني بستة مقاعد وبأكثر من 139 الف صوت، وحصلت تمدن على 28543 صوت وهو اقل الأصوات لكيان فاز بمقعد واحد، وتلتها تضامن بما مجموعه 14917 صوت، وتلتهم بالتسلسل التنازلي للأصوات كل من تيار الحكمة وسائرون، ثم كيانات أخرى حصلت على اقل من خمسة الاف صوت.

شارك جميع نواب ائتلاف النصر في هذه الانتخابات، ولكن انتقل خالد متعب العبيدي والذي حصل على اعلى الأصوات في نينوى وكانت تقريبا 73 الف صوت، وهو ثاني اعلى الأصوات لنائب في العراق، الى الأعظمية ليترشح هنالك معتمدا على اصوات أهالي الاعظمية واغلبيتهم من العبيد، تاركا مريديه الذين صوتوا له وكانوا يأملون ان يساعدهم في محنتهم بعد تحرير المحافظة من داعش، لينظم الى تحالف عزم، تاركا تجمع بيارق الخير وهو احد مؤسسيها، والتي انظمت وقتها الى كتل النصر، وبانتقاله كان يامل ان يتولى اما مقعد رئاسة المجلس النيابي القادم، بعد ان خسرها عام 2018 مقابل الحلبوسي رئيس تقدم، او يحصل على منصب وزير الدفاع ان فازت كتلة عزم  المدعومة من خميس الخنجر. وانتقل نائبان اخران من النصر الى تقدم، واخران الى العقد الوطني والذي هو تجمع يضم الاخوان المسلمين وبعض شيوخ العشائر، وانظم اخر الى عراق النهضة والسلام، وبقي فقط خليل محمد سعيد في كتلة النصر، ولو ان حظوظه قليلة لانه حصل على 4498 صوت على مستوى المحافظة، ومن الصعب الحصول على هذا العدد في الدائرة الرابعة، الا اذا كان الاعتماد على كونه شيعيا تركمانيا وهو مرشح عن تلعفر.

يشارك في هذه الانتخابات 3 من نواب الحزب الديمقراطي الكردستاني السته في هذه الانتخابات، ولم يشترك نائب الاتحاد الوطني الكردستاني في هذه الانتخابات علما بان الاتحاد حصل على 32845 صوتا مما اهله للحصول على مقعد نيابي، اما الأحزاب الكردية الثلاثة الأخرى والتي شاركت في انتخابات 2018 ، فقد كانت اصواتها قليلة جدا، واعلى شيء حصلت عليه كان 3139 صوتا، لذلك لا اعتقد ان لها الفرصة بالفوز باي مقعد نيابي في هذه الانتخابات. شارك جميع نواب الوطنية الاربعة في هذه الانتخابات لكن انتقل ثلاثة منهم الى تقدم، وأصبح الرابع وهو النائب نايف الشمري مستقلا ورشح عن الدائرة الرابعة والتي تضم تلعفر وربيعة، معتمدا على أصوات أهالي ربيعة.

اما نواب نينوى هويتنا فلقد شارك اثنان من ثلاثة نواب حاليين في هذه الانتخابات، أحدهم محمد اقبال الصيدلي وزير التربية السابق والمحسوب على تيار الاخوان المسلمين الى المشروع الوطني العراقي والذي يرأسه جمال الضاري، وترشح عن الدائرة الثامنة، وهي تضم بعض مناطق مدينة الموصل، وقد تكون له بعض الحظوظ حيث حصل على 7668 صوت عام 2018، اما النائبة الثانية محاسن حمدون والتي انظمت الى تقدم، وفرصتها متدنية لأنها جمعت 3542 صوت فقط وعلى مستوى محافظة نينوى.

حصل تحالف الفتح على ثلاث مقاعد نيابية، وترشح اثنان من النواب في هذه الانتخابات، لكن انتقل النائب مختار الموسوي الى تقدم ولديه 7449 صوت، اما النائبة الأخرى لليال العطو فترشحت عن الدائرة الرابعة والتي تشمل تلعفر. تغير اسم تحالف القرار العراقي والذي يرأسه أسامة النجيفي الى تحالف للعراق متحدون وكان لديه ثلاث مقاعد نيابية عام 2018، ولكن انسحب اثنان من النواب من قائمة القرار العراقي وانظموا الى عزم، وفرصتهم ضعيفة لان لديهم اقل من خمسة الاف صوت. وتحول نائبا الجماهير الوطني الى مستقلين في هذه الانتخابات، وكذلك نائب النهج الوطني ترشح كمستقل. وبسبب حل حركة تمدن انتقل نائبها الوحيد احمد عبد الله الجبوري الى حسم للإصلاح والمؤيدة للتظاهرات، وقد تكون فرصته جيدة لأنه ترشح عن الدائرة الخامسة والتي تشمل مناطق حمام العليل والشورة والقيارة والبعاج، وكثير من سكنة هذه المناطق اما من الجبور او من العشائر المتحالفة معهم.

عند تحليل الدوائر الانتخابية والمرشحين فيها، سنجد ان الدائرة الأولى والتي تشمل قضاء مخمور وغالبية سكانها من الاكراد بالإضافة لأقلية تركمانية، وقضاء الحمدانية وتسكنها غالبية سريانية، ترشح فيها 17 شخص للحصول على ثلاثة مقاعد نيابية، وهي من الترشيحات القليلة في نينوى، حيث معدل المرشحين لكل مقعد على مستوى المحافظة هو 13، في حين هي هنا اقل من 3 مرشحين لكل مقعد. وترشح في هذه الدائرة أربعة مستقلين، وترشح في هذه الدائرة النائبان طعمة حنظل اللهيبي وإخلاص الدليمي عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، واللذان لم يغيرا حزبهم، وقد تكون حظوظهم جيدة بالفوز، وخاصة ان الدائرة الأولى ذات اغلبية كردية، وتتنافس 11 تكتلا على المقاعد الثلاثة، منهم تسع تكتلات رشحت شخصا واحدا. وقد تحصل منافسة قوية بين النائبة اخلاص الدليمي واحلام رمضان المرشحة الوحيدة من تحالف كردستان، لان المنطقة ذات غالبية كردية، ومن الصعوبة تخمين الفائز الثالث، لان غالبية المسيحيين في هذه المنطقة قد يصوتون للمرشحين على قائمة الأقليات، مما يجعل تخمين الثالث صعبا، ومن الملاحظ ان الديمقراطي الكردستاني قد رشح أشخاصا ذوي أصول عربية، في منطقة كردية، وبذلك سيضمن أصوات قسم من العرب في هذه الدائرة.

اما في الدائرة الثانية والتي تشمل قضاء تلكيف وبعض نواحي الموصل ووانه والقوش بالإضافة الى نوحي بعشيقة وقضاء الشيخان ومناطق فايده وفاروق في مدينة الموصل ولها أربعة مقاعد ومعظم اهاليها من المسيحيين، وترشح فيها النائب شيروان  جمال خضر وحصل على 7997 صوتا عام 2018، وله افضلية بالفوز لمقعد نيابي جديد، وعدد المترشحين هو 23 منهم 3 مستقلين، ورشح الديمقراطي الكردستاني أربعة مرشحين ورشحت تقدم ثلاثة، وللعراق متحدون والذين كانوا سابقا تحالف القرار العراقي والتابع لأسامه النجيفي رشحوا اثنين، ورشح الفتح اثنان، ويأملون في الحصول على أصوات الحشد المسيحي، ولم يرشح تحالف كردستان، واعتقد انه هنالك اتفاقا ضمنيا بين تحالف كردستان والديمقراطي الكردستاني بعدم التنافس فيما بينهما قدر المستطاع كي لا تتفتت أصوات الاكراد. وقد يحصل الديمقراطي الكردستاني على ثلاثة مقاعد ويتنافس على الرابع الفتح وللعراق متحدون وتقدم.

ويتنافس في الدائرة الثالثة 15 مرشح على ثلاثة مقاعد، منهم أربعة مستقلين وليس بين المرشحين أي نائب حالي، وتشمل الدائرة قضاء سنجار والبعاج وقضاء الموصل، وهي تجمع اكرادا من سنجار وعربا من البعاج والقحطانية والقيروان، ورشح الديمقراطي الكردستاني 3 مرشحين وتحالف كردستان مرشحا واحدا وللعراق متحدون مرشحا واحدا وتقدم بمرشحين، وقد يحصل الديمقراطي الكردستاني على مقعدين والأخر قد يكون للعراق متحدون او لتقدم والتي قدمت مرشحَين، وهي لا تضمن مرشحا واحدا. ومعروف ان هذه الدائرة هي مقر الايزيدية، ومن غير المعلوم ماذا ستكون توجهاتهم في هذه الانتخابات.

اما الدائرة الرابعة والتي لها اربع مقاعد، وتشمل قضاء تلعفر ذي الغالبية التركمانية الشيعية، إضافة الى زمار وربيعة، وفيها العشائر العربية من شمر، وترشح في هذه الدائرة 40 مرشحا بينهم 17 مستقل ومنهم خمسة نواب سابقين، ورشحت سته أحزاب مرشحا واحدا، في حين رشحت ستة أحزاب أخرى 17 مرشحا، ونلاحظ ان الديمقراطي الكردستاني رشح مرشحين ذكرين، في حين رشح تحالف كردستان مرشحة واحدة فقط لكي لا يكون بين الأحزاب الكردية الكبيرة تنافس على أصوات الاكراد، ورشحت أحزاب الإسلام السياسي مرشحين عدة للحصول على أصوات التركمان الشيعة والحشد في تلعفر. اذ رشح الفتح اثنين والنصر نائبين، ولكن رشحت تقدم وكالعادة عددا اكبر من المقاعد حيث رشحت اثنين من النساء وثلاثة ذكور، في حين رشح للعراق متحدون مرشحا واحدا. وقد ترشح في هذه الدائرة خمس نواب حاليين، حيث بقيت لليال العطو مع الفتح، وكانت اصواتها 2672، وخليل جولاق مع النصر، وحصل على 4498 صوتا، والغريب انتقال مختار الموسوي من الفتح الى تقدم علما بان لديه 7449 صوتا، اما محمد فرمان الجبوري من الجماهير الوطنية وله 3975 صوتا فترشح كمستقل في هذه الانتخابات، ويأمل نايف الشمري والذي حصل على 7819 صوتا بالحصول على اصوات القبائل العربية والذي كان في الوطنية واصبح مستقلا. واعتقد ان مرشح الفتح مختار الموسوي ونايف الشمري لهما حظوظ بمقعد، وقد تحصل مرشحة تحالف كردستان عزيزة البريفكاني على مقعد منافسة لمرشحة الفتح، والمقعد الرابع صعب التخمين.

اما الدائرة الخامسة فتشمل نواحي الشورة وحمام العليل والقيارة والمحلبية إضافة الى اقضية البعاج والحضر، وقسما من مدينة الموصل وترشح عنها 71 شخصا، منهم سبعة نواب سابقين، وهذه الدائرة فيها اعلى رقم من النواب، واغلبية النواب غيروا كتلهم، فمثلا انتقل فلاح حسن اللهيبي من الوطنية الى عزم، وحصل على 12558 صوتا عام 2018، وانتقل منصور الجبوري 9055 صوت وعبد الرحيم المطلك 8290 صوت من النصر الى العقد الوطني، وانتقل احمد الجبوري من تمدن الى حسم للإصلاح، حيث ان تمدن قد حُلّت، واصبح ميزر حمادي وحسن خلف اللهيبي مستقلين في هذه الانتخابات، وانتقل احمد مدلول الجربا من القرار العراقي الى عزم. وفي هذه الدائرة رشح الديمقراطي الكردستاني وتحالف كردستان مرشحا واحدا لكل منهم، وحظوظهم قليلة جدا في هذه الدائرة، ورشح العقد الوطني أربعة مرشحين اثنان منهما نواب حاليين، ورشح للعراق متحدون ثلاثة مرشحين ومرشحة واحدة، في حين رشح تقدم 8 مرشحين، منهم أربعة نساء يتنافسن على مقعد واحد، ورشحت عزم أيضا ستة مرشحين وامرأتين، ويبدوا ان هاتين الكتلتين لا تعرفان الف باء الانتخابات، قد يكون فلاح اللهيبي احد الفائزين في هذه الدائرة، واتوقع حصول احمد الجبوري على مركز متقدم، لان كتلته حسم للإصلاح لم ترشح سواه عن مقعد الرجال إضافة الى امرأة ، وقد يحصل احد مرشحي العقد الوطني على مقعد، ولا اعتقد ان فرص عزم او تقدم كبيرة بسبب عدد مرشحيهم العالي جدا.

ترشح عن الدائرة السادسة وهي تشمل جزءا من مدينة الموصل ولها خمس مقاعد 97 مرشحا وهو اعلى عدد من المرشحين في أي دائرة لنينوى او حتى على العراق، منهم 34 مستقلا، و26 كتلة، منهم 11 كتلة رشحت شخصا واحدة، و15 كتلة رشحت 52 شخصا، ومن المرشحين 4 نواب سابقين، وهم انتصار الجبوري 3354 صوتا عن الوطنية وانتقلت الى تقدم، ومحاسن حمدون الدلي 3542 صوت وانتقلت من نينوى هويتنا الى تقدم، ونواف سعود 6667 صوت من النصر الى عراق النهضة والسلام، وأخيرا أسامة النجيفي 11650 صوتا والذي غير تكتله من القرار العراقي الى للعراق متحدون.

رشحت الجماهير الوطنية خمسة مرشحين من ضمنهم امرأة واحدة، والديمقراطي الكردستاني مرشحا واحدا، والعقد الوطني اربع مرشحين من ضمنهم مرشحة واحدة، وكذلك عمل للعراق متحدون، وتحالف كردستان مرشحين، اما تقدم وكعادتهم فقد رشحوا 6 رجال وامرأتين للتنافس على خمس مقاعد، وعزم 6 رجال وامرأة واحدة. وسوف تتنافس محاسن الدلي وانتصار الجبوري فيما بينهما وهن من نفس الكتلة، لذلك قد لا تترشح أي منهن وتظهر نائبة أخرى بدلا منهن، وقد يكون للأحزاب الكردية مقعدا واحدا، وسيحصل للعراق متحدون على الأقل مقعد واحد شبه مضمون لاسامة النجيفي، وهنالك احتمال ان تفوز الجماهير الوطنية او العقد الوطني او تقدم او عزم بمقعد واحد لكل منها من ضمن الثلاث مقاعد الأخرى.

اما الدائرة السابعة ولها 3 مقاعد وهي تشمل أجزاء من مدينة الموصل، وترشح عنها 63 مرشح بينهم نائب واحد وهي النائبة منى العبيدي من النصر وحصلت على 1815 صوتا وانتقلت الى تقدم، وترشح عنها 15 مستقل، وترشحت 23 امرأة في هذه الدائرة لذلك سيكون هنالك تشتت كبير لاصوات النساء، وقدمت عزم كعادتها مرشحتين، لذلك ستكون فرصة منى عالية نوعما للفوز بمقعد النساء. اما المقعدين المتبقين للرجال فقد يفوز بها احد مرشحي المشروع الوطني او النصر او تقدم او عزم او للعراق متحدون، ومستبعد جدا ان تفوز احدى هذه الكتل بأكثر من مقعد واحد، ومن الممكن فوز احد المستقلين بمقعد واحد.

والدائرة الأخيرة وهي الثامنة ولها 4 مقاعد وترشح عنها 74 مرشح بينهم 19 مستقلا و24 امرأة وترشحت فيها 5 مستقلات ونائبتين سابقتين وهما بسمة محمد بسيم 2871 صوت  وانتقلت من النصر الى تقدم، وهدى جار الله 1178 صوت وانتقلت من القرار العراقي الى عزم، وقد يكون لبسمة فرصة اكبر من غيرها من المترشحات، وكذلك ترشح فيها نائبان سابقان وهما محمح اقبال الصيدلي  وهو من الإسلام السياسي السني او الاخوان المسلمين وحصل على 7668 صوت وكان في نينوى هويتنا وانتقل الى المشروع الوطني، ولطيف الورشان 9266 صوت وانتقل من الوطنية الى تقدم، ولكليهما فرصة جيدة للفوز بمقعد، وسيبقى المقعد الثالث للرجال من حصة عزم او الوطنية او للعراق متحدون او احد المستقلين.

اما في محافظة صلاح الدين والتي لها 12 مقعدا ومقسم الى ثلاثة دوائر انتخابية كل دائرة لها اربع مقاعد نيابية، وتشمل الدائرة الأولى اقضية تكريت وسامراء وجزء من الدور وتقع هذه الدائرة في وسط محافظة صلاح الدين، ومعظم سكانها من العرب السنة، اما الدائرة الثانية فتشمل اقضية بلد والدجيل وطوزخورماتو جنوب وشرق المحافظة والقسم الاخر من الدور، ومعظم أهالي بلد والدجيل هم من العرب الشيعة، اما طوزخورماتو فيشكل التركمان تقريبا نصف القضاء والنصف الاخر من العرب السنة وتقع شرق المحافظة. وترشح احد عشر نائبا من نواب المحافظة عدا عن النائب علي عبد الله حمود.

قد فازت كتلة قلعة الجماهير بثلاثة مقاعد وبحوالي 78 الف صوت وتشكلت كتلة جديدة  باسم جماهيرنا هويتنا واحتوت على غالبية أحزاب قلعة الجماهير، وحصل النائب احمد عبد الله خلف الجبوري على اكثر من 20 الف صوت من قلعة الجماهير وترشح عن جماهيرنا هويتنا، اما النائب الاخر قتيبة الجبوري والذي حصل على ما يقرب من 9 الاف صوت فقد انظم الى عزم، والنائبة الأخيرة منار والتي حصلت على ما يزيد عن 3 الاف صوت فأنظمت الى الفتح.

اما الفتح والذي جمع ما يقرب من 65 الف صوت وحصل على مقعدين، الأولى للنائب مهدي تقي وحصل على ما يقرب من 14 الف صوت، والثانية لمحمد كريم عبد الحسين وجمع على اكثر من 12 الف صوت، وترشحا عن فتح أيضا.

حصلت كتلة الوطنية على ما يزيد عن 56 الف صوت وترشح عنها النائبان مثنى عبد الصمد والذي حصل على ما يقرب من 12 الف صوت وجاسم حسين والذي حصل على ما يقرب من 6 الاف صوت، فلقد انظما الى عزم في هذه الانتخابات.

حصدت نصر على ما يقرب من 51 الف صوت وكان لديها نائبان أيضا هما عمار يوسف مع ما يزيد عن 11الف صوت والنائبة كفاء فرحان وحصلت على 1320 صوت وانظم كليهما الى العقد الوطني. اما تحالف القرار العراقي والذي جمع ما يقرب من 39 الف صوت، فلقد انظم نائبه مقدام محمد وكان لديه 7 الاف صوت الى تقدم، اما خالدة إبراهيم وشمائل سحاب والتي حصلت كلتاهما على 621 صوت فلقد انظمت الأولى الى تقدم والثانية الى عزم. اما صلاح الدين هويتنا والتي حصلت على ما يقرب ما يزيد عن 26 الف صوت، فلم يترشح نائبها علي عبد الله حمود والذي جمع ما يقرب من 10 الاف صوت، ولكن ترشح شعلان عبد الجبار وكان الرقم 1 في قائمة صلاح الدين هويتنا، ولكن حصل على ما يقرب من 5 الاف صوت وترشح عن تقدم.

رشح عن الدائرة الأولى والتي تشمل اقضية تكريت وسامراء وجزء من قضاء الدور ومعظم سكانها من العرب السنة ولها اربع مقاعد وترشح 58 شخص بينهم 24 كمستقل، وتعتبر هذه من النسب الكبيرة للترشيحات أي 15 مرشحا لكل مقعد، ومنهم أربعة نواب، حظوظ اثنان منهم جيدة، وهم مثنى عبد الصمد وقد حصل على 11644 صوت، وكان في القائمة الوطنية وانتقل الى عزم وعمار يوسف وحصل على 11499 صوت وانتقل من النصر الى العقد الوطني، اما النائبان الاخران في النصر والوطنية، جاسم حسين مع 5580 صوت وذهب مع عزم وكفاءة برهان مع 1320 صوت وذهبت الى العقد الوطني ففرصتهم ضعيفة نوعما. ورشحت عزم سبعة اشخاص عن هذه الدائرة وهذا قد يؤثر على أصوات مثنى.

الدائرة الثانية لها تشمل اقضية بلد والدجيل والضلوعية وفيها غالبية من العرب الشيعة، إضافة الى جزء من قضاء الدور، وكذلك قضاء طوزخورماتو، والذي ينقسم أهلها الى تركمان وعرب سنة، وترشح عنها 60 شخص منهم 19 مستقل، ورشح 13 تكتلا مرشحا واحدا فقط، ورشحت 12 كتله ما مجموعه 29 مرشح، ومن ضمن المرشحين 4 نواب حاليين، وللفتح حظوظ كبيرة للفوز بثلاثة مقاعد، وهي للنائب محمد كريم العبادي وله اكثر من 12 الف صوت، ومهدي تقي إسماعيل وله 13619 صوت، وهما بقيا في الفتح، إضافة للنائبة منار عبد اللطيف وحصلت على اكثر من 3 الاف صوت وانتقلت من قلعة الجماهير الى الفتح، واحسنت الفتح بعدم ترشيح شخص اخر. ولقد رشح التحالف الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني وتركمان العراق الموحد شخصا واحدا، واعتقد ان فرصهم قليلة، لكن ترشيحهم يعطي فكرة جيدة عن تصويت الاكراد والتركمان في هذه الدائرة، وقد يذهب المقعد الرابع الى جماهيرنا هويتنا او الكتلة الصدرية، او لاحد المستقلين والذي لديه شعبية في طوزخورماتو.

الدائرة الثالثة والتي تغطي اقضية الشرقاط وبيجي والعلم وكانت تابعة أصلا للموصل، قبل الحاقها بصلاح الدين عام في العام 1976 بعد تحويل ناحية تكريت والتي كانت تتبع قضاء سامراء، الى مركز محافظه مستحدثة باسم صلاح الدين والحقوا بها اقضية سامراء وبلد والدجيل والتي اخذت من محافظة بغداد، واخذ طوزخورماتو من كركوك، والشرقاط وبيجي من الموصل، غالبية سكان هذه الدائرة من العرب السنة، ولهذه الدائرة أربعة نواب، وقد شارك اربع نواب حاليين في هذه الانتخابات، وللنائب احمد عبد الله الجبوري حظ جيد وخاصة ان لديه اكثر من 20 الف صوت في انتخابات 2018، وهو مرشح عن تحالف جماهيرنا هويتنا، وهو امتداد لكتلة قلعة الجماهير والذي هو نائب عنها، وقد أخطأت بترشيح 6 مرشحين عن هذه الدائرة التي لها اربع مقاعد.

اما النائب الاخر مقدام الجميلي والذي حصل على 7 الاف صوت وكان في تحالف القرار وانتمى الان الى تقدم، وله فرصة للفوز بمقعد، اما النائب الاخر في قلعة الجماهير قتيبة الجبوري، والذي حصل على ما يقرب من 9 الاف صوت وانظم الان الى عزم، فحظوظه مواتيه للفوز بمقعد، علما بان عزم وكالمعتاد رشحت 6 اشخاص، اما مقعد النساء فهو غير مضمون للنائبة السابقة شمائل سحاب لان ما حصلت عليه سابقا كان 621 صوتا، وستكون هنالك منافسة حادة لمقعد النساء، وقد تكون لمرشحة تحالف القرار العراقي لانها المرشحة الوحيدة للكتلة، وقد تفوز احدى المستقلات النشيطات بهذا المقعد.

 

د. مهند محمد صبري البياتي

اكاديمي مقيم في الامارات

 

 

كاظم لفتة جبريتطلع الفرد العراقي الى العاشر من تشرين الاول للانتخابات العراقية كمرحلة مهمة من تاريخ العراق المعاصر كونها مثلت تغيرا طفيفا في قانون الانتخابات تحت ضغط الشارع العراقي . ان المشكلة التي نرمي الى بيانها في مقالنا هذا تتمثل في نقد مفهوم الانتخاب، ومعنى الاختيار، وهذا الاختيار يخضع الى الارادة، وهذه الارادة تخضع الى الحاجة او الغاية التي نرمي الوصول إليها، فغاية الانتخاب التغير، وهذا التغير يمكن الحصول عليه إذا كان الانتخاب يخضع الى الارادة، بما ان الانتخابات التي يزاولها الفرد العراقي خاضعة الى قانون سن من قبل نظام الدولة السياسي الذي لازال ساريا في الحكم ويحاول البقاء الى مدى أكبر مهما كانت المعالجات التي تطرح لتغير سياسة هذا النظام تبقى محدودة لمصلحته . فنظام الاحزاب وتعدد كياناتها وطوائفها اختلاف مصالحها أدت الى خلق نظام توافقي يستند على الجماهير في بقائه . فبدل ان تكون ارادة الشعب هي التي تقرر بناء الدولة، اصبحت ارادة الجماهير هي التي تحقق أمنيات النظام الجمعي، فالشعب هو الذي يقرر صلاحية قانون الانتخابات من خلال ممثل الشعب، والجماهير هي التي تختار .فالشعب هو الذي يكوّن كل الوطن، والجماهير هي التي تكوّن الجزء منه، فإذا كان قانون الانتخابات قد تم ايجاده من قبل الجزء قوى الجماهير يصبح غير نافع للشعب . فالشعب حر كونه الكل، والجمهور مقيد كونه الجزء، فالكل أقوى من الجزء، والاول خاضع للإرادة الحرة، اما الثاني وهو الجزء مقيد بالأغلال وهي عديدة، سوى كانت معتقد ديني او سياسي او ثقافي، او طائفي . فالشعب عند الانتخاب يخضع اختياره لجانب اخلاقي كونه يفكر في مصلحة الافراد الاخرين الذين يشاركونه الوطن، وهذا لن يتحقق سوى بالفكر النقدي الذي يستبعد كل المؤثرات الخارجية والداخلية لدى الافراد عند اختيارهم لمرشحيهم، فالفرد التابع للجمهور لا يُخضع الأشياء للنقد سوى انه يلتزم بمقررات المجموع كونه يعتبرها مقدسة من خلال الوعي الجمعي للإفراد، فهناك من يقول لك كيف يكون للفرد ان يبقى من الشعب وفي حدود المواطنة؟. وهو سوف يختار، الا من الواجب ان ينتقل من الشعب الى الجمهور من الحر الى المقيد بالاختيار .هذا ليس فرقا، بل ان قانون الانتخابات هو الذي سوف يجعل الاختيار للجمهور ام للشعب . وهذا ليس مشكلا في الفرد، بل في القانون الذي ينظم طريقة الاختيار اما ان يجعلك حرا واما ان يجعلك مقيدا، فبناء الدولة يبدأ من القانون المنظم للاختيار وليس في الاختيار، وهذه ليست دعوة الى عدم الانتخاب، بقدر ماهي إلا غفوة تفكُر تدعو الجماهير الى التنصت الى صوت الوطن والعقل في الاختيار.

 

كاظم لفته جبر

 

مصعب قاسم عزاويلطالما كانت حروب الأشقاء مروعة في سياقاتها ومآلاتها على نهج نحر قابيل لهابيل وحرب داحس والغبراء العدمية. ولكن الحروب والخلافات والشقاقات العربية المعاصرة تميزت بشكل بربري وحشي يذكر بالبربرية والوحشية في تعامل الأوربيين مع بعضهم بدءاً من مرحلة ما بعد سقوط غرناطة في خواتيم القرن الخامس عشر ومرحلة صعود الإمبراطوريات الاستعمارية الأوربية والتي كانت أهم ثمارها العجاف الحربين العالمية الأولى والثانية وما ترتب عنهما من تقسيم اعتباطي للعالم العربي في دول خلبية لا يتجاوز الأساس في تكوينها سوى الخطوط المرسومة على رمال أرضها لتقسيمها حسب مصالح مستعمريها الفرنسيين والإنجليز آنذاك. وهو ما يعني أن كل الخلافات المصطنعة لاحقاً بين الدول العربية ليست خلافات بين دول حقيقية، وإنما بين محميات ومجتمعات مصطنعة يشرف على أمورها نواطير مكلفون بشؤون المفوضين السامين لحماية مصالح أولياء أمورهم من المستعمرين القدماء الذين لم يرحلوا إلا شكلياً عن البلدان العربية بعد حصولها على استقلالها الشكلي عن مستعمريها. ولأجل إدامة ذلك النموذج المؤوف الأشوه من علاقة التابع بسيده، لا بد لكل التابعين من أن ينخرطوا في خلافات بينية فيما بينهم تضطرهم للعودة إلى السيد ولي الأمر لفض النزاعات بينهم، أو تسليح كل منهم لإخضاع أشقائه أو حتى إعدامهم واستئصال شأفتهم وأي تهديد محتمل لمحميته. وذلك هو الأسلوب الذي تم اتباعه مع كل الدول العربية التي أصبح كل منها يستقوي بولي أمره من الأقوياء سواء كان الاتحاد السوفيتي والأمريكان قبل انهيار ذلك الأول وتحول الأخير إلى شبه ولي الأمر المطلق لكل المستبدين من النواطير العرب. والمخزي إلى درجات لا يمكن تخيلها هو السلوك النمطي لبعض الدول الأمنية العربية التي كانت التهمة الجاهزة بالعمالة لدولة عربية أخرى كفيلة بربط حبل المشنقة حول رقبة المتهم بها، بينما العملاء الحقيقيون للمستعمرين القدماء والجدد يصولون ويجولون ويتفاخرون بعمالتهم المعلنة جهاراً نهاراً، وخيانتهم لكل الحقوق الطبيعية البسيطة التي لا تموت بالتقادم كحق المظلومين الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم التي هجروا منها في نكسة ونكبة العرب وما تلاهما من نكوصات وصدمات حولت معظم الدول العربية إلى حطام وهشيم اجتماعي يجاهد فيه المقهورون المظلومون المفقرون المنهوبون للبقاء على قيد الحياة والهرب الدائم من حراب وأسنة الدول العربية الأمنية وعسسها وبصاصيها وجلاديها وأجهزة مخابراتها التي بزت كل نظائرها وأسلافها في درجة تغولها على المجتمعات التي تستأسد على أبنائها وحيواتهم وأحلامهم وأفكارهم.

 

د. مصعب قاسم عزاوي

 

 

عبد الجبار نوريإن وضع العراق المضطرب خصوصاً بعد عهد الأحتلال الأمريكي البغيض 2003 وتأسيس مجلس الحكم من المعارضة العراقية برئاسة اللص بريمر وحلول اللادوله وخلوها من المؤسسات الحكومية والأمنية وسلطة القانون طيلة الفترة جعلت هذه الشركات الأمنية الأجنبية تأخذ دور البديل وحققت أرباحاً خيالية من خلال عملها في العراق، وقد بلغت  أرباح الشركتين الأمريكية والبريطانية الأحتكاريتين ما يقارب 235 مليون جنيه أسترليني لافي غضون أقل من سنة فقط من العراق، وتوسعت نشاطاتها ومناهج عملها وبرامجها، حيث لم تعد الحراسات تقتصر على حماية المسؤولين والشخصيات السياسية والوزراء أنما أتسعت لتشمل حماية مؤسسات الدولة والشركات المتعاقدة والسفارات والمنظمات الدولية والأحزاب وقادتها وحتى رؤساء العشائروالمقاولين الكبار، ويعني بالقلم العريض {أن مهام الحكومه بمفهومها الأمني ومشؤولياتها الكاملة على جميع مواطنيها تحوّلت وحتى رؤساء العشائروالمقاولين الكبار، ويعني بالقلم العريض أن مهام الحكومه بمفهومها الأمني ومشؤولياتها الكاملة على جميع مواطنيها تحوّلت إلى  أيدي هذه الشركات منذ أصدار (بريمر) القرار رقم 17 عام 2003 الذي فرض هذه الشركات على الواقع العراقي المأزوم منذ البداية وعلى السيادة السلام،وقد وثق الكاتب الأمريكي Jeremy Scahill كتابه المعنون ( Black Water)حذر من خطرجيش المرتزقة المتخفي تحت ستار الشركات الأمنية ، وقد أشتهر صيت شركة بلاك ووتر على وسائل الأعلام العالمية بشكل ملفت للنظر وغير مسبوق بالمرّة لغياب  أسم دولة العراق التي تأسست في 1921 وضمور هيبتها وسيادتها ولأن أسم الشركة تردد في أكثر من حادث مرعب وعمل عسكري عدواني حيث كشفت الكثير من طبيعة عمليات الشركات الأمنية الأجنبية وكأنها مافيات أجرامية منظمة، وتجاوز الظالمون دورها لمهام توفير الأمن والحماية للشخصيات والمنشآت وأنتقالها إلى دور المشاركة الفعلية في العمليات العسكرية كبديل للقوات الأمريكية المسلحة .(يوكيبيديا بتصرف شديد) .

التعريف بشركة (Black Water) السيئة الصيت !؟ التي لها تسعة فروع (أذرع عنكبوتية) في العراق .

وهل ينسى العراقيون جريمة نفق الشرطة ببغداد في أبادة عائلتين بكاملهما عددهما 14 نفس عراقي عام 2005، وهي واحدة من تلك الشركات المشبوهة في التهريب والأغتيالات والتدخل في حرمة السيادة الخارجية والأمن الداخلي، والذي أثار قلق الشارع العراقي هو تعليمات السفارة الأمريكية في بغداد تعلن : عودة مؤسسة بلاك ووتر السيئة الصيت للعمل في العراق !؟ .

والكارثة أن العراق ألزم نفسه بقانون سنهُ بنفسه للأعتراف بتلك الشركات الأجنبية الأمنية في أقراره في البرلمان العراقي في 26 كانون الثاني 2017، وبناءً على ما أقرّهُ مجلس النواب وصادق عليه رئيس الجمهورية أستناداً إلى أحكام البند ((أولا) من المادة (61)  والبند (ثالثا) من المادة (73) من الدستور العراقي النافذ في 2005 بأسن " قانون الشركات الأمنية الخاصة " Private Military and Security Companies في 26 كانون الثاني2017 جرى التصويت في البرلمان العراقي على أقرار عمل هذه الشركات الأجنبية في مجالات عسكرية ومؤسساتية وخدمية أستناداً إلى القرار البرلماني، وهكذا قد أقرّ وشرعن من قبل العراقي نفسهً، وللأسف فتح باب الشركات الأمنية الخاصة ربما هو جرحٌ  جديدٌ غائر قد لا يندمل في جسم الوطن المثخن بالجروح من أسهم الغدر الأقليمي والدولي وحتى من (بروتس العراقي) الذي شارك في طعن وطنه العراق في زج أرضه وشعبه في الشبكات العنكبوتية لمتاهات المستعمرين بصيغة العولمة والحداثوية السياسية والعسكرية وممارساتها الوحشية التي يتستر عليها البيت الأسود الأمريكي، ومن أهم الشركات الأمنية الخاصة العاملة والتي جدد العراق عقود عملها في مطلع 2017 هي : بلاك ووتر الأمريكية، تيتان العسكرية، واين كرون، أنترنشنال تربيل كانوبي، وشركات بريطانية مثل : شركة آرمر كروب، ووايجيس ديفينس سيرفيس البريطانية، وقد دخلت هذه الشركانت الأمنية إلى العراق عقب الأحتلال الأمريكي للوطن عام 2003 وما رافقهُ من هشاشة أنهيار أمني، وخاصة حاجة الهيئات الدبلوماسية وشركات الأستثمار، لذا أن أكثر من 60 شركة أمنية أجنبية تعمل في العراق غالبيتها في بغداد والصرة وأربيل والسليمانية .

المخرجات التدميرية للشركات الأمنية الخاصة !!!

-الكل يعلم التأريخ الأسود لشركة بلاك ووتر الأمريكية السيئة الصيت والتي قتلت 14 مدني عراقي وجرحت 18 آخرين في أطلاق نار في 16 أيلول 2007 في أحدى ساحات بغداد على أناسٍ لم يكونوا أهدافاً مشروعة، ولم يكونوا يمثلون أي تهديد حقيقي بل هو الحقد الأسود والكراهية للمخابرات الأمريكية تجاه الشعوب المقهورة بدليل أعترافات العسكري المتهم بالقضية (سلاتن) أمام محكمة المحلفين الأمريكية والذي حُكم عليه بالمؤبد قال : أني غير نادم على ما فعلت لأني أثأر أنتقاماً من العراقيين المشاركين في أحداث سبتمبر 2011، بعد فضيحة هذه الشركة في العراق سُلطتْ الأضواء على دور الشركات الفاحشة والذي يتضح أن هذه الشركات وراءها أجنداتٍ أجنبيةٍ تروّج لها أعلامياً في أسواق نشر السلام على الطريقة الأمريكية وعلى ما يظهر أن هناك العشرات من المعاهد في أمريكا وبريطانيا وألمانيا تروّج لقوة هذه الشركات الأمنية الخاصة بأن لديها معدات ألكترونية في أستخدام الطائرات بدون طيار، وأن هذا الترويج الأعلامي هو ليس فقط لأغراض عسكرية بل لعقد صفقات تجارية مع تلك الدول التي تعاني من صراعات سياسية وأجتماعية وضعفٍ في البنية الأمنية والعسكرية، وان لها كيانات تجارية خاصة تقدم خدمات عسكرية وأمنية وهي أحدى تجليات العولمة الأقتصادية العسكرية والأمنية والسياسية .

- أنفاق هائل وكبير في أستهلاك الدخل القومي على حساب الموازنة التشغيلية، وغياب الرقابة الحكومية على هذه الشركات حيث يتخلل الغش والتلاعب في حساباتها لصالحها النفعي والربحي، وقد وصل أجور المرتزقة في الشركات الأمنية إلى ألف دولار في الساعة، والقناص المحترف من هؤولاء الميليشيات يتقاضى 15 ألف دولار يومياً . والكارثة الكبرى أن من بين بنود الأتفاقية الأمنية مع تلك الشركات هي (حصانة) الجنود من الملاحقة القانونية لأي جرمٍ يرتكبوه، وأن القضاء الأمريكي هو المرجع الوحيد وليس القضاء العراقي علما أن الحكومات العراقية بعد 2003 مسلوبة الأرادة تجاه المحتل ولا تستطيع محاسبة المحتل على جرائمها، وثبت أن لهذه الشركات معسكرات تدريبية وسجوناً داخل العراق لا تخضع للقوانين المحلية وهو ما يشكل تهديداً وخرقاً للسيادة الوطنية والتي هي هيبة الدولة لأفتقاد تنظيم قانوني لنشاط هذه الشركات، وأن الأعتماد على هذه الشركات الأمنية تؤدي بالتالي إلى أهمال الأمن الوطني وتدهوره وضياعهِ .

- تدخلات عسكرية بحجة تقديم خدمات عسكرية لوجستية بمثابتة تأثيرات سيادية على هيبة الدولة السياسية والدبلوماسية، أضافة إلى فقدان لأحتكار الحكومي للسلطة العسكرية جراء تدخل الشركات الأمنية في مهامها العسكرية، بل ذهبت أبعد والأبعد في أقحام نفسها في بؤر النزاعات المسلحة والتي تعتبر شركة بلاك ووتر أبرز مثال لهذه الخطوة الخطيرة حيث شاركت في الأعمال العسكرية في العراق وأفغانستان لصالح الجيش الأمريكي، وتمتلك هذه الشركات قاعدة بيانات نحو 21 ألف جندي سابق من القوات الخاصة فهي طبعاً تعتبر تهديداً للأمن القومي للعراق، علما أن هذ الشركات الأمنية لها صلات غير مباشرة وقد تكون مباشرة بقوات التحالف الدولي في العراق وسوريا وأفغانستان وغوانتنامو وهي حاملة فايروس الأنتقام من العراقيين الذين قتلوا أكثر من ستة آلاف من المارينز وجنود الأحتلال الأمريكي على يد رجال المقاومة الشريفة، ويمكن أن يذهب الحقد أبعد أنتقاماً من أحداث سبتمبر 2011 تحت شعار السي آي أي (التزوير السياسي) في تبرير أحتلال العراق وأفغانستان، وأن هذه الشركات الأمنية تنتشر ضمنها الميليشيات الصربية أصحاب الخبرة في الأبادة العرقية ضد الجماعات المسلمة في البوسنة والهرسك، وكذلك رجال من شرطة جنوب أفريقيا والتي لها خبرة في أبادة اللون الأسود، ومن شرطة ساوباولوا شركاء العصابات المنظمة في بيع البشر والمخدرات وترويج الدعارة عبر الموانيء الخطرة للعالم، وأن أغلب المشتغلين ضمن هذه الشركات الأمنية الخاصة هم من المرضى النفسيين أو المرتزقة ومن بقايا النظم العنصرية في أفريقيا فهم قتلة بالأيجار، وأن القوانين الدولية وأتفاقيات جنيف للحروب لا تنطبق عليهم أي ليس هناك ما يعرقل تصرفاتهم، وللعلم أن الشركات العسكرية الخاصة تحتل مرتبة متقدمة في أسهام العسكرة الأمريكية والبريطانية في العراق اليوم، وشهد شاهدٌ من أهلها (تصريحات أعلامية من جرية التايمس اللندنية 2006) .

- هذه الشركات لا تجند الأمريكيين والأنكليز فقط بل إنها تجند عناصر المرتزقة من كافة بلدان العالم، ربما من أبرز الموظفين الأمنيين (الكومندوز التشيليين المتدربين على الأجهزة القمعية السابقة لحكومة الدكتاتور (بينوشيت) وهذا يعني أن العراق تحت سطوة (مافيات) المال والسطو المسلح والأبتزاز .

- إنها سوق للمرتزقة أصبح في العراق 100 شركة أمنية أجنبية في العراق، وبعد مغادرة شركة بلاك ووتر العراق في 2009 حلت محلها عشرات الشركات بكارتل أتحادي بأسم (أتحاد الشركات الأمنية الأجنبية في العراق) جريدة الديلي ميل اللندنية في 2009 .

- أكثر من 10 شركات أمنية أجنبية تعمل في العراق ودول عربية (صحيفة معاريف الأسرائيلية في العام 2008 .

الخاتمة/ الكل يعلم أن هناك خاصية لأرض العراق التي ضمت بجنباتها عظماء الرجال كتبوا صفحات الظالمين والعتاة بوجوه متعددة، وأن وراء أحياء هذا القانون العدواني وفرضه هم  (بعض) من شلّة سياسيي الفرهدة ونهب المال العام بحجة أعمار العراق وهو بالحقيقة أفقار العراق وأهانتهِ وسلب ما تبقى من ملابسه الداخلية ليبرروا للمحتل بقاءهُ بعد تلميع صورته، (يا لهُ من وطني مضرج بأشعار محمود درويش ورؤى نجيب محفوظ وحزن كنفاني)، أو كما كتب الكاتب المتألق " عزيز دفاعي "{أن حكوماتنا اليوم أما هم خارج الحدث أو ينامون في كهفٍ معزول أو أنهم غير مدركين ما يرسم للعراق} .

وأضيف : السياسيون في العراق يفتقدون المشروع المستقبلي، وهم اليوم من يؤجج النعرات الهوياتية، ودخلوا إلى تبني هذه الشركات من باب المساومة والأبتزز وأستعمالها كورقة ضغط على الحكومة المركزية .

 

عبد الجبار نوري

كاتب ومحلل سياسي عراقي مغترب

أكتوبر2021

 

 

علي المؤمنلا يبدو أن الإنتخابات البرلمانية العراقية التي ستجري في 10 تشرين الأول/ اكتوبر الحالي؛ ستتميز عن سابقاتها من ناحية النتائج المتوقعة للمكونات القومية والطائفية أو ماستفرزه من برلمان وحكومة يستندان الى عرف التوازن والمحاصصة. ولكن؛ هناك ظاهرتان داخل المكونين الشيعي والسني، ربما تميزان الانتخابات الحالية، بشكل وآخر، هما:

1- طبيعة التنافس بين التحالفات الإسلامية الشيعية، وهو تنافس حقيقي بين ثلاث رؤى سياسية، وليس تنافساً برامجياً أو مجرد تنافس على السلطة، ويتجلى في انقسام هذه التحالفات الى ثلاثة تيارات متكافئة في القوة تقريباً:

الأول: التيار المنبثق عن الحشد الشعبي، والمدعوم مباشرة من قوى المقاومة الشيعية الإقليمية، ولا سيما الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويمثله: تحالف الفتح برئاسة هادي العامري، وتحالف العقد الوطني برئاسة فالح الفياض وحركة حقوق التابعة لكتائب حز ب ا لله. ويشوب علاقات هذا التيار بأمريكا والسعودية وأغلب البلدان الخليجية توتر شبه دائم؛ بالنظر للسلوك السلبي التخريبي لهذه الدول تجاه العراق. ويمتلك هذا التيار كتلة انتخابية شعبية كبيرة، ولاسيما مكونات تحالف الفتح.

الثاني: التيار الوسطي الذي يمثله ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي، وهو يحظى أيضاً بقبول قوى المقاومة الشيعية الإقليمية، لكنه غير مدعوم منها مباشرة، كما يمتلك علاقات جيدة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي الوقت نفسه علاقات دولية متوازنة، وإن شابت علاقاته مع السعودية وأمريكا توترات ملفتة أحياناً. ويعد هذا التيار نفسه المؤسس للحشد الشعبي والداعم له ولبقائه. وأهم ما يميز تيار دولة القانون أنه يحظى بدعم المساحة الانتخابية الرمادية والأغلبية الصامتة من الشعب العراقي، فضلاً عن امتلاكه كتلة انتخابية شعبية كبيرة ثابتة. ويعد تيار دولة القانون حليفاً تقليدياً للتيار المنبثق عن الحشد الشعبي، والأقرب اليه سياسياً.

الثالث: التيار الداعي لحل الحشد الشعبي ودمجه بالجيش، والمعارض لعلاقات متميزة بالجمهورية الإسلامية على حساب العلاقات بالسعودية وأمريكا وغيرها، وله علاقات جيدة بمنظومة الدول الخليجية، وهو ما يفقده دعم قوى المقاومة الشيعية الإقليمية. ويمثله: التيار الصدري برئاسة مقتدى الصدر، وتحالف قوى الدولة برئاسة عمار الحكيم، وتحالف النصر برئاسة حيدر العبادي. ويتميز التيار الصدري عن حليفيه بكتلة انتخابية شعبية كبيرة ثابتة.

2- انحصار التنافس في الوسط السني بين القوى الجديدة التي تمثلها أحزاب براغماتية تقودها شخصيات من الجيل الثالث، وغياب الأسماء الكبيرة، سواء على مستوى الشخصيات أو الأحزاب. وتتمثل القوتان السنيتان الجديدتان المتنافستان في تحالف العزم برئاسة خميس الخنجر، وتحالف تقدم برئاسة محمد الحلبوسي.

وربما يرى بعض المراقبين أن هناك ظواهر أخرى تميز الانتخابات الحالية، كإعلان التيار الصدري رغبته الأكيدة في أن يكون رئيس الوزراء القادم من داخل التيار، ودخول أحزاب جديدة منبثقة عن حراك تشرين، معارِضة للكتل الإسلامية الشيعية، رغم انتمائها للوسط الاجتماعي الشيعي، وأخيراً ظاهرة غياب الأسماء التقليدية الكبيرة عن الترشح، كالمالكي وعلاوي والعامري.

ولكن؛ لا أعتقد أن هذه الظواهر الثلاث تمثل مائزاً؛ لأن الأحزاب الشيعية الكبيرة؛ إنما تدخل الانتخابات ـــ عادة ـــ لتحصل على رئاسة الحكومة، وليس رغبة التيار الصدري بدعة في هذا المجال، وهو حق مشروع للجميع. أما مشاركة أحزاب علمانية معارضة ينتسب أفرادها الى الوسط الاجتماعي الشيعي؛ فهو الآخر ليس جديداً؛ لأن وجود هذا اللون من الأحزاب، كان أقوى بكثير في الفترة من 2003 وحتى 2010 مما عليه الأحزاب المنبثقة عن حراك تشرين. وإذا كانت الأحزاب العلمانية القديمة، كحركة اياد علاوي، تشكل خطراً على التيار الإسلامي الشيعي في السلطة؛ فإن الأحزاب الجديدة لا تشكل أي خطر عليه، ولا يمكنها أن تكون منافساً وأن تغير معادلات القوة في العملية السياسية. أما غياب الأسماء الكبيرة فليس مائزاً أيضاً؛ فقبلها غابت أسماء كبيرة أخرى عن الترشح، كالجعفري والبارزاني والطالباني، لكن أحزابهم بقيت فاعلة في السلطة.

 

د. علي المؤمن

 

جواد كاظم البيضانيفي لقاء لرئيس جمهورية اذربيجان السيد الهام علييف مع وكالة انباء الاناضول التركية اظهر فيه امتعاضاً شديداً من المناورات التي اجرتها ايران قرب حدود بلاده، معرباً عن استغرابه لمثل هذه المناورات، مبدي تسائلاً عن توقيتات هذه المناورات التي لم تفعلها ايران منذ (30) سنة وفقاً لقوله.

الوكالات الخبرية تحدثت عن مناورات مماثلة اجرتها تركيا مع اذربيجان عند الحدود الايرانية، ويبدو ان اذربيجان ارادت اخطار ايران انها: لم تكن وحيدة امام اي تحدي  تتعرض له من ايران مستقبلاً .

المرشد الاعلى للثورة الاسلامية نوه الى ان اذربيجان تضمر الشر لايران وانها تحوك مؤامرات كبيرة ربما تعرض امنها للخطر: "فمن حفر حفرة لاخيه وقع فيها" وفقاً لتعبيره. الوكالات الخبرية تحدثت عن استعدادات اجرتها اسرائيل لضرب المفاعلات النووية الايرانية، ومراكز ابحاث في طهران، وفي مدن ايرانية اخرى؛ واشارت التقارير الى اتفاق مبرم بين الولايات المتحدة واسرائيل يقضي بعدم السماح لايران بامتلاك السلاح النووي .

يبدو ان ايران استشعرت الخطر الداهم الذي يهددها . فاذربيجان لا تنكر تعاونها مع اسرائيل بل معظم محطات البث التلفازي، والصحافة الاذرية التي تسيطر عليها الدولة تحدثت عن هذا التعاون، حتى ان افتتاحيات الصحف الاذرية ابدت مديح لاسرائيل وموقفها من اذربيجان في حربها على شعب ارساخ. وبمقتضى هذا التعاون يكون لاسرائيل الحق في ادارة بعض المنظومات الهجومية والدفاعية في اذربيجان التي لا يفقه قادة جندها شيء من تقنية السلاح الاسرائيلي، وعليه ويكون بمقدور اسرائيل بموجب هذه الادارة الاطلاع على النظام الدفاعي الايراني وتحديد نقاط الضعف، واعتماد الالية الدقيقة في الوصول الى الاهداف المراد تدميرها ضمن بنك المعلومات الذي حددته اسرائيل.

تتحدث التقارير عن وصول طائرات مقاتلة الى اذربيجان ستستخدمها اسرائيل لضرب اهداف في ايران، ولعل هذه التقارير المهمة هي التي دفعت المرشد الاعلى الى الحديث بصراحة عن ما تضمره اذربيجان لجارتها الجنوبية . في نفس الوقت تدرك القيادة الاسرائيلية  حجم التهديد، فالطائرات الاسرائيلية خلال تنفيذ هجوم لها على ايران عليها ان تمر عبر اجواء الاردن او سوريا او السعودية وهي اجواء معادية، وتقطع مسافة كبيرة تحتاج خلالها الى التزود بالوقود، فضلاً عن احتمالية اكتشافها من قبل منظومات روسية، وهي لا تريد ان تضع حلفاءها في السعودية والاردن بموقف محرج وعليه بات من المنطقي ان تعتمد طريق اذربيجان لتحقيق غايتها في الوصول الى اهدافها. فهناك تحالف استراتيجي وفقاً لما عبرت عنه الصحافة الاذرية فبات من الضروري وفقاً لهذا التحالف ان تقدم اذربيجان الدعم لاسرائيل كما فعلت اسرائيل بدعمها المطلق لاذربيجان في حربه على ارتساخ،

وعليه فان ايران قدرت حجم التهديد وبدأت بالتحذير من تبعاته، فكل اذربيجان اهداف امام ايران، وايران تدرك جيداً نقاط الضعف في نظام علييف ورختوة اقتصاده الريعي، فضلاً عن الحالة المعنوية لجيشه الذي لا يقاتل عن عقيدة، كما ان لايران الخبرة في مقاتلة المرتزقة السوريين الذين يعتمد عليهم النظام التركي والاذري في حروبه الخارجية عند ذاك تكون اذربيجان طعما يمكن ابتلاعه فيما اذا قدمت التسهيلاً لاسرائيل لانها تكون في مواجهة روسيا وايران معاً  .

 

د. جواد كاظم البيضاني

 

من جديد، يثور الجدل، في العراق عن حقيقة حراك تشرين 2019، وفيما اذا كان انتفاضة شعبية مجهضة او ثورة مضادة " ملونة "، استثمرت في زخم وبؤس المعاناة العراقية المستمرة، وهذه مقاربة ضرورية لم تنبع عن الدرس النظري بقدر ما نبعت عن خلاصات معايشة يومية.

1- يمكن لشرارة صغيرة، او عقب سيكارة ماتزال فيه جذوة ان تتحول او يتحول الى حريق هائل لا يبقي ولا يذر، ولكن بالمقابل ثمة نيران، اكبر تشب وتخبو لتنطفيء دون ان تتوسع الى اكثر من دائرتها الضيقة. هذا مثال بسيط من حياتنا اليوميه، و كل هذا مرهون بالظروف المحيطة من توفر المادة القابلة للاشتعال او الانفجار، وطبيعة الريح، وكذلك الرغبة، في حينها، بمعالجة الحريق واخماده او اللامبالاة اتجاهه، او اية مستجدات او تطورات تدخل على الحالة فتخرجها عن اطار المألوف والمتوقع.... وغير ذلك كثير مما يعرفه العقل وتؤكده الخبرة.

2- ويمكن، في مضمار الحياة الاجتماعية وانعكاسها السياسي، ان يتحول " انقلاب عسكري " تقوم به زمرة منظمة من القوات المسلحة الى ثورة شعبية كبرى في غضون ايام او اشهر، وفقا لاستجابة هذه الزمرة لمطالب وحاجات اجتماعية كبرى واتخاذها او تبنيها من قبلها كبرنامج واهداف، وسعيها الصادق والحثيث الى تلبيتها وتوسيع مداها من جهة واستجابة جموع الشعب وقواه الحيّة الى ذلك والتفافها حول الثورة وبرنامجها من الجهة الاخرى. وبالمقابل يمكن لثورة شعبية عظيمة ان تخبو وتنطفيء لتجيّر لصالح زمرة او فريق من قادتها الذين ياكلون بعضهم البعض طمعا في بريق السلطة وحبا بالانفراد بسطوة القوّة، فيصح القول المأثور، عند ذاك، بان الثورة قد بدأت تأكل ابنائها، وقد تنتهي بنتيجتها الى اقل من " انقلاب "، بل الى مجرد كارت تفويض، بسلطة اجرامية مطلقة، في جيب طاغية متجبّر !

3- ولنستطرد قليلا فنقول، وكما يشهد سجل التاريخ، والوقائع المعاشة، يمكن لمشاجرة بين حيّين ان تتحول الى حرب اهلية تؤدي الى تمزق البلاد ومسيل انهار من الدماء بين ابناءه. وكذلك ثمة امثلة تاريخية على انهيار عواصم ممالك وامبراطوريات واسعة تحت ضربات جماعات منظمة صغيرة. وثمة امثلة، اخرى، معاصرة، على تحول تظاهرات مطلبية محدودة الى حراك سياسي جماهيري يستقطب قوى شعبية تحوله الى ثورة لا يمكن السطيرة عليها فتطيح بسلطات وانظمة لم تكن تبدو لتهتز امام اعتى العواصف !... وكل هذا وغيره مما سبق، مرهون بما يختزنه الظرف الاجتماعي القائم من عوامل وما تجره اللحظة القائمة من تفاعلات وما تقود اليه موازين القوى وتغيراتها في كل ساعة من مآلات. واذا كانت الامور، كما يقول المثل، بعواقبها او خواتيمها فأن هذه العواقب والخواتيم هي نتائج لما لا يقع تحت حصر من هذه العوامل.

4- في عشية تشرين 2019، كان الوضع الاجتماعي يمور بكل ما يمكن ان يؤدي الى ثورة عاصفة لا الاحتجاج فقط، وكان الانسداد السياسي قد بلغ مرحلة لم تعد معها المظاهرات المطلبية والاحتجاجية الصغيرة، المزمنة، في ساحة التحرير، مجدية او تشكل شيئا من التنفيس المجدي لحالة الاحتقان، وقد تركها، يائسا، في الواقع اكثر المتحمسين الحقيقيين لها، لكن هذا الوضع، والذي، يوصف في ادبيات مرحلة مضت، منذ فترة طويلة، من الادب السياسي بالوضع الثوري لا يتفجر لوحده ولا بد من قادح، لا بد من عود الثقاب لكي يتفجر عاصفا بكل ما يختزن من مرارة ومعاناة طوال سنين عجاف من التبعية والهيمنة والظلم والفساد والفشل والدوران في حلقة مفرغة من عدم القدرة على تقديم اية حلول واقعية للمشكلات الحقيقية المتفاقمة وتقويض اسس ونهب الثروة العامة... الخ مما لم يعد فيه قولٌ لقائل.

5- اذن من اشعل عود الثقاب ؟! وما الذي كان يريده ؟ وهل كان في تصورة او تخطيطه ان تحدث كل ما حدثت من تداعيات ام ان الامور قد خرجت عن السيطرة ولم يعد بالامكان توجيهها او تحديد زخمها ومآلاتها؟ وهل خرجت عن السيطرة فعلا، ام آلت الى النتائج المرجوة من قبل البعض من خطط ودبّر، بالفعل..

6- في تناول الحدث التشريني ثمة توجهان يطغيان على ما عداهما ويشكلان محورين رئيسيين في تناول هذا الحدث : الاول هو الذي يرى في احتجاجات تشرين حدثا ثوريا معجزا تجاوز فيه العراقيون انفسهم ويسبغ عليه من صفات الثورية والعفوية والاستقلالية والوطنية وربما حتى الوعي، الكثير مما ليس له، وانه انتهى الى نهايته الحالية بفعل عوامل شتى خارجية وذاتية، او انه لم ينته، على رأي البعض، ضمن اطار القائلين بهذا الرأي، ومازال يحمل ممكنات كثيرة ويتقّد مثل جمر تحت الرماد. ويتوجس اصحاب هذا الرأي من النقد ومحاولة فحص الحدث بما له وما عليه ويشككون في اغراضه. اما الثاني فينظر الى الحدث على انه مجرد مؤامرة نهضت بها مراكز وصفحات وقوى واشخاص، ذات مصالح مختلفة، ولكنها في عمومها معادية لمصالح الشعب العراقي و برعاية وتمويل من السفارات الغربية وبعض الانظمة العربية الموالية ويرون في تشرين و " التشارنة " شتيمة ومثلبة في السلوك والوعي والنتيجة !

7- ان كلا الموقفين، او الرأيين، باعتقادي، ينظر الى الحدث التشريني متجاهلا ما تؤكده وقائع ودروس التاريخ، مما اوردناه في الخلاصات والامثلة في 1و2و3اعلاه من ان اي حدث اجتماعي، لا تتقرر هويته عند بدايته او كيفيتها فقط وانما في تطوراته وتداعياته وكذلك في مآلاته ونتائجه النهائية.

(وللحديث صلة.... )

 

عارف معروف

 

 

محمد سعد عبداللطيففي عام 1977 م أعلن الرئيس المصري" السادات" أن حرب أكتوبر. هي أخر الحروب بين العرب وإسرائيل، وعلي الرغم من ذلك التصريح لم يكن مفوضاً من الدول العربية الأخرى باتخاذ هذا القرار، وفي خطابه التاريخي أمام (الكنيست الإسرائيلي) نفى أن يسعى إلى سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، لكن هذا ما حدث في اتفاقية “كامب ديفيد” التي وقعها مع رئيس الوزراء مناحيم بيجين في 17/9/1978. هو سلام منفرد وأن ماجري في فندق ميناهاوس في الإسماعيلية بدعوة الإتحاد السوفيتي. ومنظمة التحرير بقيادة "ياسر عرفات "والوفد الأمريكي للمفاوضات كانت مسرحية هل كذب "السادات "حين قال إنه لم يشاور أحداً من “إخوانه” قادة" الدول العربية، فقد زار كلا من: السعودية وسورية ولقي في الدولتين رفضاً حازماً للفكرة. قبل ألذهاب الي القدس .حتي قيل أن "حافظ الأسد' كان يريد وضع السادات تحت الأقامة الجبرية في دمشق ومنعة من السفر للقاهرة . أو تخلية عن الفكرة .هل السادات كانت لدية رؤية .وقارئ جيد لتوازن القوى بين العرب وإسرائيل، وأدرك أن خروج مصر من “الصراع” سيجعل من المستحيل أن يستطيع العرب الآخرون محاربة إسرائيل، هل صدق مؤسس الدولة العبرانية (بن جوريون) حين سئل عام 1955 عن الخطر والتهديد لإسرائيل قال لابد من خروج اولا :مصر من الصراع العربي الإسرائيلي حتي تستقر وهذا ما تحقق، هل رفض عبد الناصر اقتراح بعودة سيناء بدون حرب .شرط خروج مصر من الصراع مع إسرائيل ورفض. والمضحك المبكي في الأمر أن الذين رفضوه، عادوا يتفاوضون مع إسرائيل دون “شروط مسبقة”، وعندما أعلنوا “جبهة الصمود والتصدي” أخفقوا في تعويض غياب مصر، لأنهم لم يكونوا مهيئين لحمل هذه المسؤولية، ولم يعملوا بجد لتقوية تلك الجبهة.. لماذا تم تغيير الخطة (جرانييت 1) الي جرانييت 2) من حرب تحرير الي حرب تحريك. ما زالت الأسرار مدفونة وننتظر 3سنوات قادمة حتي يمر نصف قرن حتي يتم الافراج عن الوثائق الرسمية: هل صحيح أن المدلك للعلاج الطبيعي في داخل القصر الجمهوري للسادات (علي العطيفي) الذي تم القبض علية بالخيانة العظمي وأن مسؤولاً مصرياً كبيراً أبلغ إسرائيل بموعد الحرب وخطتها كما جاء في تصريح لضابط في جهاز الموساد من قبل وأكد منذ أيام عن كشف هذة الشخصية ؟ من هذا الجاسوس الذي لم يكن (أشرف مروان) وكان هذا عميلاً مزدوجاً؟ اللواء الليثي ناصف هل كان عميلا وقتل في لندن بنفس طريقة أشرف مروان .في نفس المدينة ؟ هل صحيح أن إسرائيل تلقت تحذيراً من أعلى المستويات لكنها ظنت أن الأمر خدعة؟ كما حدث من قبل وتم إستدعاء الاحتياط . لماذا لم يتم التنسيق مع الأردن في فتح جبهة مع إسرائيل . لماذا أصر السادات علي طرد الخبراء السوفيت قبل الحرب . ماهو الدور الحقيقي للسيد (هنري كيسنجر) في الحرب والسلم .وهل نجح في إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي لماذا غاب دور وزير الحربية المشير أحمد اسماعيل .وهل كان ضعيف الشخصية أمام السادات .في أتخاذ قرارات مصيرية أثناء سير المعركة لماذا: أوقف السادات الهجوم مختلفاً مع رئيس الأركان (سعد الدين الشاذلي . ولم يستمع الي رؤية سعد الشاذلي في تطوير الهجوم في الأيام الأولي للحرب والوصول الي المضايق . لطبيعة الارض المرتفعة من هضاب . وعدم الموافقة عن وقف أطلاق النار . وفك الأشتباك الأول والثاني الذي ترتب علية فتح الجبهة السورية أمام الضغط الإسرائيلي . الفريق الشاذلي كان يطالب تطويل مدة المعركة لنزف القوة الإسرائيلية من الحصار البحري والجوي . بسبب المعركة هل كان السادات يريدها حرب “تحريك” لا حرب “تحرير” وما حكاية “ثغرة الدفرسوار” التي قال عنها السادات حينها إنها “شوية دبابات وحنطلع نصيدها” هل كانت نتيجة تدخلة في سير المعركة واصدار الآوامر بعيدا عن رئيس الآركان وفي غياب دور وزير الحربية لماذا تدفقت القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة وإذ بنا نجد الجيش المصري الثالث محاصراً ومهدداً بالفناء جوعاً؟ هل السادات هو المسؤول عن ذلك كما جاء في شهادة الفريق الشاذلي ومذكراتة عن الحرب .ما زلنا حتى الآن لا نفهم ما حدث، ربما بعد عامين حين تكمل عامها الخمسين يتم الإفراج عن الوثائق، ونقرأ دراسات جدية مفصلة عن أسرار هذه الحرب، وربما إذا توفر قدر من الحرية والديموقراطية يسمح للباحثين بالتخلي عن الخوف المزمن .مايحدث الأن من عمليات أرهابية في المنطقة (ج) من رأس رفح الي طابا بطول 100 كم هي نتيجة لمعاهدة كامب ديفيد التي تركت منطقة رخوية بعيدة عن التواجد الامتي المصري المحدود عبر سنوات بسبب القيود المبرمة في الاتفاقية .ورغم ما يطلق من أن مصر .البلد العربي الاول الذي فتح المجال للعرب بالتطبيع والسفر .ترك قضية شائكة لحوالي 30 /الف شاب تم إسقاط الجنسية عنهم بسبب زواجهم من إسرائيليات معظمهم من عرب 48/ يحملون الجنسية الإسرائيلية .ولم يستطيعوا استرداد الجنسية المصرية حتي الأن .إن الجيل الثاني من أبناء هؤلاء سوف يشكل مشكلة في المستقبل القريب . وأخيرا من قتل السادات .ولماذا لم يحاكم اللواء نبوي اسماعيل وزير الداخلية .بعد وصول خطاب من مصدر أمني بعملية أغتيال في العرض العسكري .ولماذا لم يطلب من السادات الانصراف من العرض .وهذا بأعتراف الوزير في برنامج "الحقيقة" الذي كان يقدمة سابقا الإعلامي وائل الابراشي.ولماذا لم يتم أتخاذ قرار بإلغاء العرض العسكري.بعد زيارة السادات الي مدينة المنصورة واكتشاف محاولة اغتيالة هناك علامات استفهام كثيرة ؟ .ننتظر أن يكشف عنها .

لكن هذا كله لا ينفي أن ما تحقق في أكتوبر كان شيئاً عظيماً، فهل بالإمكان استعادة تلك الروح روح أكتوبر؟ جاهد العرب حق الجهاد “بأموالهم وأنفسهم” فهل نتوقع مثل هذا يوماً وصل العرب إلى ذروة من التضامن لم تتحقق من قبل ولا من بعد،

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

علاء اللاميهذه الانتخابات ليست إلا محاولة للتنفيس عن أزمة منظومة حكم طائفية عرقية محمية بتوافق دول أجنبية مهيمنة، منظومة حكم مناقضة لطبيعة المجتمع العراقي التعددي المتنوع والذي هو أحوج ما يكون إلى نظام حكم مواطني اندماجي على أرضية الهوية العراقية الرئيسية؛ والهدف الثاني لهذه الانتخابات المبكرة منذ طرحت فكرتها من خارج انتفاضة تشرين هو تفريغ الانتفاضة من محتواها الوطني الاستقلالي الذي لخصه أول وأهم شعاراتها "نريد وطنا"، وتحويلها إلى مجرد ذكرى لمجزرة!

* هي إذن ليست حلا لأزمة الحكم والدولة والمجتمع بل لإدارة هذه الأزمة / الأزمات بما يضمن بقاء العراق ضعيفا تابعا مفككا منهوبا من قبل لصوص الطوائف والعرقيات والعشائر بحماية وتوافق أميركي إيراني.

* الهدف الرئيس، إذن، هو إعادة انتاج المنظومة الحاكمة بعد أن تهرأت واجهتها وحوصرت مؤسساتها ورموزها بشعارات وتضحيات انتفاضة تشرين، وتثبيت صيغة الحكم القائمة على "المشاركة والتوافق والتوازن" بين زاعمي تمثيل المكونات الذين يجب أن يشاركوا في الحكم وتقاسم الغنائم جميعا فلا وجود للأغلبية الحاكمة والأقلية المعارضة.

* أما الأهداف الفرعية من هذه الانتخابات فكثيرة ومنها محاولة كل طرف طائفي تكبير حصته من كعكة الحكم على حساب حصص الأطراف الأخرى، دون السيطرة الفعلية على حكم العراق كله، لأن السيطرة الكاملة والفعلية لحزب أو تكتل واحد هدف مستحيل الحدوث؛ والسبب هو خطة "المتاهة" التي أقامت واشطن منظومة الحكم على أساسها والتي لا يمكن أن تخرج الفئران منها إلا بكسرها، ومعروف أن الفئران ليس من عادتها كسر المتاهات والمصائد.

* وقد نتج عن هذه الخطة / المتاهة تكريس وجود دولة مستقلة لا ينقصها سوى عضوية الأمم المتحدة وخارج سيادة الدولة فعليا وواقعا في شمال شرقي العراق "إقليم كردستان"، ومنطقة متمردة أخرى في الغرب والشمال الغربي وصولا إلى الحدود الإيرانية شرقا، حدث فيها تمردان مسلحان دمويان خطيران "القاعدة وداعش" تحت شعارات وقيادات تكفيرية وبعثية سابقة، ولكنها من حيث الجوهر ذات نزوع طائفي لا ينكر، هو في جزء كبير منه رد فعل ونتاج لتفرد زاعمي تمثيل الطائفة الأكبر بقيادة الحكم والسلطة التنفيذية ورفض للفتات الذي تقدمه. وأخيرا فقد نتج عن حكم هذه "المنظومة/ المتاهة" دويلة فاسدة ثالثة في الجنوب والوسط تزعم حكم العراق كله ولكنها تنازلت عن سيادة الدولة في الإقليم لحكم عائلتين عشائريتين مستبدتين، فيما تتفرد هي باسم الأغلبية السكانية الطائفية بسرقة ونهب ثروات البلاد ممثلة بالريع النفطي فيما جماهير الطائفة نفسها تعيش في مدن القرون الوسطى البائسة!

* الهدف الأميركي من الانتخابات العراقية بشكلها الحالي لا يختلف عن الهدف الإيراني، هو إنتاج نسخة حكم مُعدلة قليلا، ولا بأس - أميركيا - بأن تكون بواجهة صدرية مدعومة من قائمتي العبادي والحكيم، وتكون لهم رئاسة الحكومة وقد تعطى ولاية ثانية لكاظمي نفسه رغم ضعف هذا الاحتمال لانعدام كفاءة هذا الأخير وهشاشة شخصيته ومشبوهية ماضيه. أما الهدف الإيراني هو تقليل خسائر أصدقائه في أحزاب ومليشيات الفساد إلى الحد الأدنى بعد جرائم الفساد والقمع الدموي التي ارتكبتها ومحاولة اقتناص رئاسة الحكومة أو محاولة تقاسمها مع الطرف الآخر.

* الدوائر الانتخابية المتعددة وإجراءات الحيطة لمنع التزوير الداخلي قد تسمح بالحد من هذا التزوير الحزبي، ولكن التزوير والتحكم الخارجي بسيرفرات أجهزة فرز وعدِّ الأصوات وتقديم النتائج النهائية ونسب المشاركة فسيبقى الخطر الأكبر والأكيد.

* قرار مفوضية الانتخابات باحتساب نسبة المشاركة من أعداد الذين تسلموا بطاقات التصويت البايومترية وليس ممن لهم حق التصويت هو بداية علنية لا دستورية لتزوير نسبة المشاركة ويعني حذف بين ملونين إلى ثلاثة ملايين صوت انتخابي لمواطنين لم يستلموا بطاقاتهم أو حذفوا من المشاركة لأنهم في خارج العراق. وهذا يعني أن على المراقبين أن يحذفوا من عشرة بالمئة إلى 15 بالمئة من النسب الرسمية التي ستعلن والتي ستكون مبالغا بها كالعادة.

* يمكن من حيث المبدأ، في حال تم فعلا الحد من التزوير والتهكير الداخلي، توقع واستشراف انهيار انتخابي كبير لحزب آل الطالباني وتقدم معارضيه في السليمانية، وربما سيخسر حزب البارزاني جزءا من مقاعده الحالية في أربيل ودهوك، ويبدو أن سنجار والكتلة الناخبة اليزيدية قد خرجت تماما من عباءة البارزاني ولهذا يشن عليها إعلامه هجوما مركزا هذه الأيام، وقد يحافظ بصعوبة على المتحقق منها اليوم.

* النتائج التي ربما ستحصل عليها الأحزاب "الشيعية" وخصوصا الفتح ودولة القانون ستكون أقل مما توقعته كثيرا، وربما أقل من نتائجها في انتخابات 2018. وربما لن يحافظ العبادي والحكيم على ما لديهما من مقاعد مع احتمال أن يتقدم العبادي قليلا على الحكيم. أما التيار الصدري فنتائجه محكومة بأداء ماكنته الحزبية القوية وبنسبة المشاركة الحقيقية فإذا كانت المشاركة واسعة من جمهور الحاضنة الشيعية بعد دعوة السيستاني الى المشاركة الواسعة فسيفشل التيار الصدري في الحصول على ما كان يتمناه من عدد كبير من المقاعد يقترب من المئة كما قال بعضهم، وربما كان هذا هو سبب امتعاض الصدريين من بيان السيستاني، أما إذا كانت نسبة المشاركة الفعلية واطئة فحظوظ التيار ستكون أكبر بفعل انضباط وفاعلية مكانته الحزبية والمليشياوية.

* وضع الأحزاب والقوائم الانتخابية في مناطق العرب السنة غامض ومتداخل، ولكن المرجح أن يصعد حلفاء تركيا في نينوى -الموصل خاصة- وبعض جهات الأنبار، ويسيطر حلفاء دول الخليج على غالبية مقاعد الأنبار وصلاح الدين. ويبقى الانشقاق داخل كتل هذه المنطقة ليس بالتأثير المهم ويمكن إدارته بحركات وإجراءات وصفقات تصالحية كالعادة بين أطرافه.

* محتمل جدا أيضا أن تتمخض الانتخابات عن ولادة كتلتين شيعيتين متقاربتين في عدد المقاعد تحاول كل منهما أن تقصي الثانية وتنفرد بالحكم، وكل واحدة منهما تطمح إلى كسب بيضة القبان الكردستانية والعرب سنية. هذا السيناريو حدث بعد انتخابات 2018. وهذا يعني أن كل كتلة شيعية ستكون أكثر كرما في الوعود والهدايا من غنائم الحكم وفي مقدمتها كركوك وحقول نفطها من الكتلة المقابلة، بمعنى أن تحكم "بيضة القبان" بثروات البلد وقراراته السيادية المهمة سيستمر، ومحتمل أيضا أن تبالغ كتل "بيضة القبان" بمطالبها وعندها تتوحد الكتلتان الشيعيتان تحت ضغط خطر فقدان هيمنة ساسة الطائفة الأكبر للحكم! لا شيء مستبعدا، ولا شيء جديد تماما، تحت سماء الطوائف والهويات الفرعية!

* يبقى مصير ونتائج القوى والمجموعات المستقلة المناهضة لنظام المحاصصة الطائفية كتجمع "الفاو زاخو" بقيادة الوزير السابق عامر بعد الجبار محدودا جدا وقد تحقق نتائج متواضعة إذا كانت نسبة المشاركة الفعلية واطئة.

* وأخيرا فمن المرجَح أن نظام الدوائر المتعددة - الذي سيزيد من الشروخ والتمزقات المجتمعية - سيساعد على وصول شيوخ عشائر ومقاولين ووجهاء كثيرين الى البرلمان على أساس فردي أو مدعوم من قبل الأحزاب الكبيرة. وسيكون هذا الأمر سببا ودافعا لحالة اضطراب سياسي واجتماعي شديد في الفترة القادمة. فلنستعد لفترة الاضطراب الكبير التي قد تؤدي الى نشوب اقتتال بين أحزاب ومليشيات المنظومة الحاكمة أو إلى انتفاضة شعبية جديدة تضع حدا لهذا العبث الكارثي.. ولاحل إلابحلها.

 

علاء اللامي

 

محمد عرفات حجازيحدث يوم الاثنين الرابع من أكتوبر سنة 2021م، أن تعطّلت بعض مواقع التّواصل الاجتماعيّ (فيس بوك، واتس اب، انستغرام)، قُرابة سبعُ ساعات، لأسبابٍ مجهولة، وذلك في ظلّ استمرار جائحة كورونا لأكثر من سنة ونصف.

ولمّا كنتُ قد أبرمت اتّفاقًا مع التّسعة والثّلاثون الآخرون، فسأعمل على توثيق اللحظة بلسان مُحيطي، وهُم مثلي فاعلون..

يهدف المقال إلى تسليط الضّوء على التّهكُّم كإحدى طُرق النّقد الاجتماعي، ودوره في المُحافظة على الحالة النفسيّة في أحلك الظّروف، وأهمّيته في مُواجهة الكوارث والتّمسُّك بغريزة حُبّ البقاء..

وسنعمل جاهدين على تتبّع المنشورات الشّخصيّة والتّعليقات عبر صفحات الإنترنت؛ بحثًا عن أدلّة إلى السّياق الاستطرادي أو الأيديولوجي الذي حدثت ضمنه عمليّة التّلقيّ. بمعنى استعمال الاستراتيجيّات التفسيريّة السّائدة بين أفراد الشّعب/ روّاد مواقع التّواصل الاجتماعيّ في أيّة لحظةٍ ثقافيّة وسياسيّة مُفترضة. وبالتالي سنسعى إلى نقل استجابة المُتلقّي بدون منح الأفضلية لقراءة تحليليّة نفسيّة للموقف أو الحدث. أي، سنأخذ المُتلقيّ على محمل الجدّ كقوّة إنتاجيّة لا يُمكن ابتلاعها كليًّا من قِبل الموقف/ الخبر.

أسباب العطل..

فور انقطاع خدمات مجموعة فيس بوك، اتّجه الفكر العربيّ الشّعبي مُباشرة جهةَ الشّرق، وعلت أصابع الاتّهام نحو الصين.. قال ابن الدولار: "واحد صيني مقصوف العُمر"، وذلك بعد أن قرأ رأي البريء: "الصين بعثت لنا عيّل صغيّر وبتقول لو ما قتلتكمش بالمرض هقتلكم بالملل"..

ولكون شعبنا الأبيّ مُتديّنًا بطبعه، فقد سادت تفسيرات ذات صبغةٍ دينيّة. لقد ذهبت أصابع الاتّهام إلى الكتائب الجزائرية المُناهضة للوجود الإسرائيلي في المغرب.. بينما أكّد الشّامت: "حداد على المُتفحِّم المُسيء للرسول"، ليصرخ شايب الرأس غير مُستبعدٍ أن تتبنّى داعش المسئولية..

أوردت عاشقة السّهر: "شكله مارك كان نايم ونسي الفيشة"، بينما أقرّ المُفكّر "انتهاء اشتراك المُولِّد" وذلك فيما يخصّ الدول التي تُعاني انقطاع الكهرباء..

وأدلى خبير الأرصاد قائلًا: "السّبب هو الإعصار الأخير الذي ضرب السّلطنة"، بينما أفاد عالم الحيوانات: "فأر قرض السّلك، والحمد لله صلّحناه"، لتصرخ المُشاكسة: "دعوات أمّي"..

وعندما انجلت الحقيقة، وتبيّن أنّه عطل فنيّ يخصّ الفيس بوك، وليس لشركة (وي) علاقة، اعتذر السّاخر: "وأنا اللي ظلمتك يا طاهرة وقلت أنّكم تسرقون الرّصيد"..

عودة الحياة ـ الانترنت..

مرّت ستّ ساعات كأنّها أعوام، بلا فيس بوك.. مع عودة الخدمة كتب المُفكّر ناعيًا، وضحكت المُشاكسة، فقال: "هقول لمارك يقطع عنك اللايكات".. ثمّ أضاف: "أقصر عطلة في تاريخ البشرية: ست ساعات فقط" (بصوت السادات)..

التفت المُفكّر إلى صوت النّاعسة تقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور"، ليردّ صاحب الكهف: "وقالوا كم لبثنا؟ يومًا أو بعض يوم".. بينما أطرب الكدواني: "وحشتوني وحشتوني.. كنت حاسس إنّي ضايع في تويتر"، ليردّ المُفكّر: "احلف".. (بصوت المطرب الشعبي المصري بهاء سلطان)

لقد علت الزغاريد، وعمّت السعادة بعدما عاد فيس بوك إلى الخدمة.. وهنا أطلّ فيروس كورونا وأخرج لسانه: "عقبالي لما أرجع لكم مع بداية الدراسة وأفرحكم". لتتضارب الآراء بين مُرحِّبٍ به ورافضٍ له، ويكتب حارس المرمى: "هي ازاي الناس دي كلها بتكتب كومنتات في صفحة كورونا ومحدش لابس كمامة!!"..2885 صورة قطار

حالنا طوال ساعات الحرمان..

فور عودة الخدمة، طرح المجنون السؤال التالي: كيف قضيت وقتك خلال ساعات انقطاع فيس بوك وواتساب وانستغرام؟

تواترت الإجابات بين التّردد على مواقع أخرى كيوتيوب وتويتر وتلغرام، والصورة المُرفقة، هنا، وضعها السّاخر مُعلّقًا: "الشّعب في طريقه إلى تويتر وتلغرام"..

تنوّعت وسائل التّسلية بين ألعاب الكترونيّة، أو مُشاهدة مسلسلات أو أفلام على الحاسوب، وبين مَن خلد إلى النوم..

قال المُتحذلق: "عمّال ألفّ في الشّقة"، ردّت أم أحمد: "قضيته مع حماتي حببتي وأمي التانية على التلفون وما حسيتش بالوقت"، صاحبة الصمت: "والله قعدت عملت جميع أنواع المحشي ههه"، الغائب: "أول مرّة أشوف أهلي وأتعرّف عليهم"، صرخ الحاج متولي: "فرصة حلوة كي تتعرفوا على ناس البيت والأهل والجيران وتواصلوا الأرحام مباشرة بدل مواقع التواصل"، ليردف المفكر: "وبالمرة تخسّروهم حقّ الشاي والعشاء"..

وجاء المدخن باهرنا: "توقُّف الفيس بوك لمدة أربع ساعات، تعلّمت خلالها اللغة الفرنسية، قرأت أربعين كتابًا، حصلت على منحة لجامعة هارفارد الأمريكية، قابلت سبعة عشر صديقًا لم أقابلهم منذ عشرين سنة، تعلمت لغة الحشرات، تحدثت إلى نملة، وأدركت خلال فترة تأملي هذه أنّ الحبّ الحقيقي بيعيش يا حبيبي، بينسينا امبارح بيخلينا نسامح وبيعلمنا نفكّر دايمًا في أيامنا اللي جاية!.2886 صورة قطار

خسائر الشركة..

كثرت الأقاويل عن خسائر شركة فيس بوك جرّاء ساعات العطل، فأورد المُشاكس الحوار التالي بين عبد الغفور البرعي وفهيم أفندي.. (الحوار مستوحى من مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي"، وهو عمل درامي مصري، يحمل في طياته الكثير من الدلالات)..

- فهيم أفندي: بيقولك بقى يا حج الفيس ده لما وقع اخينا اللى عمله خسر 7 مليار دولار

= عبد الغفور: يا دين النبي يا فهيم أفندي، 7 ماليار في الفوسفوس!

- فهيم: ههههههه اسمه الفيس يا حج.. لا وكمان يا حج سعره في النازل والخواجة صاحبه ناوى يبيعه..

= عبد الغفور: تفتكر يسوى كام يا فهيم بعد وقعته المطينة دي؟

- فهيم: قول يخلص على 50 أرنب يا حج..

= عبد الغفور: خلاص يا فهيم اتوكل على الله في البيعة دي وشد للواد الخواجة ده تلافون وخليه يجي الوكالة ونكيشه ونخلص..

- فهيم: الله عليك يا حج نديها تكييش.. لكن عدم اللامؤاخذة يا حج هتسميه ايه لما تتم البيعة إن شاء الله؟!

= عبد الغفور: هسمّيه فاطنة بوك..

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

 

مهند محمد البياتياستكمالا لمقالتنا السابقة حول تحليلاتنا لبعض نتائج انتخابات عام 2018 توقعاتنا لهذه الانتخابات، سنتطرق لمحافظتين مشهورتين بتنوعها الديني والمذهبي والعرقي، وهما كركوك وديالى.

من البداية جابه توزيع الدوائر الانتخابية في كركوك والتي لها 12 مقعد وصوت فيها اكثر من 487 الف شخص، مشاكل عديدة واحتاجت لجلسات نيابية عديدة للتوصل الى التقسيم الحالي، حيث ان الدائرة الأولى تشمل مناطق رحيماوه وعرفة والشورجة وقورية الماس 2 في مدينه كركوك إضافة الى قضاء دبس وناحية التون كوبري التابعة لقضاء كركوك، وهذه المنطقة تسكنها اغلبية كردية سنية، ولها 5 مقاعد نيابية، في حين ان الدائرة الثانية تشمل محلات تسعين وقورية الماس1 والواسطي والقادسية، بالإضافة الى قضاء داقوق واغلبيتها تركمانية مع مجموعة لابأس فيها من الاكراد والعرب، وهم مقسمون ما بين سنة وشيعة، ولها 4 مقاعد انتخابية، والدائرة الثالثة وتشمل نواحي  الحويجة والزاب وتازة والعباسي والرياض وجميعها تابعة لقضاء كركوك، وغالبيتها عربية سنية ولها ثلاث مقاعد، حيث ان محافظة كركوك تشمل اقضية كركوك  ودبس وداقوق.

إذا تمعنا في نتائج انتخابات العام 2018 وكذلك النواب السابقين الذين ترشحوا الان، سنجد ان الاتحاد الوطني حصل على ستة مقاعد وعلى اكثر من 183 الف صوت، لم يترشح أي من نوابه الستة هذا العام عدا ديلان غفور لكن ترشحت هذا العام كمستقلة وحصلت على اكثر من 12 الف صوت عام 2018، ولها الفرصة بالفوز بمقعد النساء عن الدائرة الأولى في كركوك، ولكن لديها منافس قوي وهي الا طالباني مرشحة تحالف كردستان والذي يشمل الاتحاد الوطني وعلى نفس الدائرة، والنائبة الاء هي نائبة عن تحالف بغداد وكانت قد حصلت على 2904 صوت في بغداد، وحينها انسحبت من الترشح في كركوك وترشحت في بغداد، وقد تفوز كلتا المرشحتان، اذا تمكنتا من اقناع نساء الدائرة الأولى بالتصويت لهما بدلا من التصويت للرجال في هذه الدائرة، ومن المتوقع ان يحصد الاتحاد الوطني أربعة او خمسة مقاعد في هذه الدائرة، والتي ترشح عنها 35 مرشح منهم 19 مستقل، أي ان نسبة المستقلين هم اكثر من النصف، أي ترشح سبعة اشخاص عن كل مقعد، والمنطقة مغلقة للأكراد ولاتحاد كردستان حصرا، حتى ان الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يرشح أي شخص في هذه الدائرة.

اما في الدائرة الثالثة وفيها غالبية عربية، فلقد فاز التحالف العربي في كركوك بثلاثة مقاعد عن محافظة كركوك، وحصل على اكثر من 84 الف صوت عام 2018، ورشح الان نائبا واحدا في هذه الدائرة الثالثة، وهو راكان سعيد والذي حصل على اكثر من 10 الف صوت، وترشح النائب الاخر للتحالف العربي وهو خالد علاوي عن الدائرة الثانية والذي حصل على اكثر من 11 الف صوت، اما النائب الاخر للتحالف العربي محمد تميم والذي حصل على ما يقارب من 22 الف صوت، فلقد غير جلده والتحق بتحالف تقدم الوطني، والتابع لمحمد الحلبوسي، واعتقد بان تميم يأمل بالحصول على مقعد وزارة التربية اذا فازت تقدم بالانتخابات، حاله حال خالد العبيدي والذي غير جلده أيضا. ومشكلة تميم بان هنالك ثلاثة مرشحين لتقدم والذين قد يقللون اصواته وفرصته بالحصول على مقعد، وفي نفس الوقت احسن التحالف العربي بترشيح مرشحين فقط عن الدائرة الثالثة هما راكان وسهمي سعيد الجبوري والذي اعتقد انه يترشح لأول مرة ولم يرشح امرأة حتى لا تتفتت اصوات التحالف. وقد يفوز محمد تميم وراكان سعيد عن الدائرة الثالثة، ولا يمكن تخمين النائبة المرشحة عن الدائرة الثالثة، وخاصة ان عدد المرشحين عن هذه الدائرة والتي لها ثلاثة مقاعد وترشح فيها 39 مرشح منهم 18 مستقل و9 نساء منهن ستة مستقلات وثلاثة ينتمين الى تقدم والجيل الجديد والعقد الوطني، وقد تكون نبراس احمد والتي حصلت عام 2018 على 1230 صوت فقط ولم تفز بمقعد حينها، الامرأة الوحيد في هذه الدائرة والتي ترشحت سابقا، عندما كانت ضمن قائمة التحالف العربي.

اما في الدائرة الثانية والتي فيها اغلبية تركمانية مع عدد لا بأس به من العرب والاكراد، فلقد حصلت جبهة تركمان كركوك على ما يقارب 80 الف صوت و3 مقاعد، وتغير اسم الجبهة الى تركمان كركوك الموحد، وترشح عن تركمان كركوك الموحد ارشد رشاد النائب المخضرم والحاصل على ما يقرب من 39 الف صوت لوحده عام 2018، وهو ترشح عن الدائرة الثانية، ولكن النائبين الاخرين احمد حيدر والحاصل على ما يقرب من 10 الاف صوت وخديجة علي والحاصلة على 2161 صوت ترشحا كمستقلين، ولا استطيع تخمين وضعهما الحالي لان هنالك منافسة شديدة في هذه الدائرة لانه ترشح فيها 56 مرشح منهم 21 مستقل، ووضعت معظم الكتل الشيعية التوجه مرشحين فيها مثل الفتح ودولة القانون والنصر وحتى ائتلاف الوطنية،  علما بان النصر حصل على اكثر من 24 الف صوت على مستوى كركوك عام 2018 ولكن لم يوفق في الحصول على مقعد، وقد يحصل التركمان على ثلاثة مقاعد في هذه الدائرة، اما الرابع فقد يكون من حصة النائب خالد علاوي من التحالف العربي، ولو ان التحالف العربي اخطأ بترشيح ثلاثة مرشحين في الدائرة الثانية، لانه سيتسبب في تفتيت أصوات التحالف وقد لا يفوز أي واحد منهم ومن ضمنهم خالد.

هنالك 34 حزبا وتكتلا يشتركون في انتخابات كركوك، منهم 21 حزب اشترك بمرشح واحد، وعدد المرشحين 130 شخص يتنافسون على 12 مقعداي بنسبة 11 مرشح لكل مقعد وهو عدد كبير نسبيا.

عند الانتقال الى محافظة ديالى والتي فيها أربعة دوائر ولها 14 نائب، ثلاثة دوائر لها ثلاثة مقاعد نيابية، عدا عن الدائرة الأولى وتشمل المركز بعقوبة وخان بني سعد ونواحيها فلها 5 مقاعد وغالبيتهم من العرب السنة والشيعة، والمحافظة تشمل مناطق عربية سنية وشيعية وتركية بالإضافة الى الاكراد والذين غالبيتهم اكراد فيلية ويتجمعون في الدائرة الرابعة والتي تشمل خانقين وجلولاء والسعدية وقرة تبة، وهذه الدائرة فيها تركمان أيضا وعدد اقل من العرب، اما الدائرة الثانية والتي تشمل اقضية المقدادية وابي صيدا وبلدروز ومندلي، فهي أيضا خليط اكثريتهم من العرب السنة والشيعة مع اقلية كردية وتركمانية، والدائرة الثالثة والتي تشمل على الخالص والعظيم والمنصورية وهبهب ففيها غالبية من العرب الشيعه إضافة الى العرب السنة وعدد اقل من الاكراد والتركمان.

ومن ضمن النواب الأربعة عشر حاليا، انسحب من هذه الانتخابات خمسة نواب واحد من كل من الاتحاد الوطني الكردستاني والوطنية وسائرون، واثنان من الفتح، ثلاثة منهم من النساء واللائي ليس لهن فرصة بالفوز، لان الأصوات التي حصلن عليها اقل من 5 الاف صوت على مستوى محافظة ديالى. اما التسعة الاخرون فقسم منهم لديه فرصة جيدة للفوز وخاصة سبع مرشحين قد تكون فرصتهم جيدة لانهم حصلوا على اكثر من 10 الاف صوت، واهمهم ناهدة زيد من تحالف القرار العراقي سابقا والذي انحل الان، وترشحت الان عن عزم، وهمام علي من الفتح والذي حصل على اكثر من 18 الف صوت عام 2018  وترشح عن الفتح مجددا، اما عن النائب فرات محمد من تيار الحكمة، مثلا  ففرصته قليلة وخاصة انه حصل على خمسة الاف صوت. ونلاحظ ان النائب رياض عباس بقي في كتلة النصر، في حين تحول عبد الخالق من الوطنية الى عزم وكذلك مضر معن من القرار العراقي الى عزم أيضا، في حين انتقل احمد مظهر من تحالف القرار الى تقدم، اما برهان كاظم فلقد اصبح مستقلا بعد انسحابه من سائرون، وتحول رعد الدهلكي من الوطنية الى تقدم.

في الدائرة الأولى والتي تشمل بعقوبة وخان بني سعد وضواحيها، ولها 5 مقاعد احداها للنساء، نجد انه ترشح فيها 66 مرشح أي بنسبة 13 مرشح لكل مقعد، منهم 19 من النساء، اللائي يتنافسن على مقعد واحد، وهنالك فقط اثنتان من المستقلات، ومن الغريب ان هنالك اكثر من تكتل رشح امرأتين ليتنافسن على مقعد واحد، وهذا غريب جدا، لان هذا الامر يفتت أصوات الكتلة بينهن، وتخسر الكتلة فرصتها بالفوز بمقعد النساء وقد قامت أربعة تحالفات بهذا الامر، وهذا يدل على ان هذه الكتل لا تفقه مبدأ الانتخابات المبني على التصويت لشخص واحد، وهذه التحالفات هي عزم والتجمع الجمهوري وتصميم وتقدم، وهنالك 11 تكتلا ترشحت منه نساء، ومن الصعب جدا تخمين مَن مِن النساء ستفوز بهذا المقعد. اما عن المرشحين الذكور فقد ترشح 51 شخص منهم يتنافسون على أربعة مقاعد، منهم 12 مستقل، وتتنافس 26 كتلة مختلفة على هذه المقاعد الأربعة، منها 6 كتل رشحت ما مجموعه 16 مرشحا، وعشرون كتلة رشحت شخصا واحدا فقط، والغريب ان عزم رشحت أيضا 6 اشخاص يتنافسون على أربعة مقاعد، وهذه الحالة غريبة أيضا، وكأنما تتصور هذه الكتلة بان النظام الانتخابي يعتمد على التصويت للكتلة وليس لشخص واحد، وقد يكون لرعد الدهلكي النائب الحالي والذي حصل على 11 الف صوتا عندما كان ضمن ائتلاف الوطنية، والذي غير جلده الان واصبح ضمن تحالف تقدم الوطني فرصة جيدة للاحتفاظ بمقعده.

في الدائرة الثانية والتي تشمل اقضية المقدادية وبلدروز وناحية مندلي وأبو صيدا والوجيهية، ولها ثلاثة نواب منها واحدة للنساء، يتنافس عليها 23 شخص منهم خمسة مستقلين، وغالبية سكان هذه الدائرة هم من العرب، مع مجموعة لابأس بها من الاكراد الفيلية والتركمان، ومنهم خمسه مستقلين، و13 حزب وكتله، منها 8 كتلة رشحت شخصا واحدا فقط. لقد ترشحت في هذه الدائرة النائبة الحالية ناهدة زيد منهل، والتي كانت ضمن  تحالف القرار العراقي عام 2018، والان انضمت لتحالف عزم، ولها فرصة كبيرة جدا للفوز بمقعد النساء، بل قد تأخذ اعلى الأصوات في ديالى، لانها حصلت على اكثر من 25 الف صوت في عام 2018. في حين ان فرصة النائب فرات محمد والذي كان ضمن تيار الحكمة عام 2018 وحصل على 5021 صوت على ديالى قليلة جدا، بالإضافة الى انه غير انتمائه من تيار الحكمة وترشح الان على قائمة تكتل قوى الدولة.

ترشح عن هذه الدائرة سليم عبد الله الجبوري، رئيس مجلس النواب السابق، ولكنه لم يوفق في الحصول على مقعد في بغداد على قائمة العراقية وحصل على 5261 فقط على مستوى محافظة بغداد، وترشح سليم الجبوري على قائمة عزم، وهو أصلا من الحزب الإسلامي، او الاخوان المسلمون فرع العراق، والذين لم يوفقوا بعد انتخابات 2006 في الحصول على مقاعد لها تأثيرها، لذللك تفرقوا بين أحزاب وتكتلات أخرى .

وللنائب الحالي همام علي مهدي من تحالف الفتح فرصة كبيرة للفوز بمقعد، لانه حصل عام 2018 على 18582 صوت، ولكن في نفس الوقت أخفقت الفتح في ترشيح شخص اخر، لان هذا الامر قد يدفع بعض مساندي الفتح بان يصوتوا للمرشح هذا بدلا من ان يذهب صوتهم الى المرشح الأول همام، لانه من الصعوبة جدا ان يفوز الفتح بمقعدين في هذه الدائرة التي تضم ناخبي سنة وشيعة وباعداد متساوية تقريبا، إضافة الى وجود قوائم أخرى من الإسلام السياسي الشيعي مثل دولة القانون والكتلة الصدرية والنصر، والذي رشحوا أربعة مرشحين، والذين سيستحوذون على قسم من الناخبين الذين يصوتون على أساس مذهبي وهم ليسوا قلة. لذلك من الصعوبة معرفة من سيفوز بالمقعد الثالث.

اما الدائرة الثالثة والتي تشمل الخالص والعظيم والمنصورية وهبهب، فغالبية سكانها من العرب الشيعة، بالإضافة الى اعداد كبيرة جدا من العرب السنة، وللدائرة ثلاثة مقاعد نيابية ضمنها مقعد النساء، وقد ترشح على هذه الدائرة 39 شخص منهم 11 مستقل، والنائب الحالي برهان كاظم من سائرون-الكتلة الصدرية حصل على 16337 صوتا عام 2018، ولكنه ترشح كمستقل في هذه الانتخابات، وله فرصة جيدة بالفوز بمقعد عن هذه الدائرة.

وتبقى فرصة جيدة للنائب عبد الخالق مدحت العزاوي من ائتلاف الوطنية والحاصل على 11274 صوت عام 2018 وترشح الان عن عزم، وقد تأخذ مرشحة العزم الاخرى اشواق العزاوي جزءا من اصواته، ولذلك كان من الاجدر عدم ترشيح شخص اخر عن عزم في هذه الدائرة، وللنائب رياض عباس التميمي من ائتلاف النصر والحاصل على 11725 صوتا وهو المرشح الوحيد عن النصر فرصة جيدة للفوز بمقعد، لذلك قد يكون مقعدا الذكور محصورا بين النواب الثلاثة أعلاه، على انه يجب عدم نسيان ان للفتح فرصة جيدة ايضا، وخاصة ان رئيسها هادي العامري وكثير من بدر هم من هذه المنطقة. ولكن مقعد النساء يبقى غير محسوم، لصعوبة معرفة كيفية تصويت جمهور الناخبين للنساء.

اما الدائرة الرابعة والتي تشمل خانقين وجلولاء والسعدية وقره تبه، وفيها غالبية من الاكراد وخاصة الفيلية، إضافة الى عدد لا يستهان به من التركمان والعرب. من الملاحظ ان تحالف كردستان والذي حصل جزء من تحالفه وهو الاتحاد الوطني على 27423 صوت عام 2018، وله فرصة جيدة للفوز بمقعد عن هذه الدائرة، ولم يترشح نائبة عن ديالى شيركو محمد صالح في هذه الانتخابات، وكذلك حصل الديمقراطي الكردستاني على 10326 صوتا، ولكن لم يوفق في الحصول على مقعد نيابي.

علما بان عدد مرشحي هذه الدائرة هو 35 من ضمنهم 8 مستقلين، وهم من 22 تكتلا او حزبا، 18 تكتلا رشح شخصا واحدا، والغريب في هذه الدائرة، ان عدد مرشحي النساء هو 15 يتنافسن على مقعد واحد وعدد الرجال 20 يتنافسون على مقعدين، علما ان مستقلة واحدة فقط قد ترشحت في حين ترشح 7 مستقلين ذكور، والاغرب ان  الحزب الاشتراكي الديمقراطي الكردستاني رشح امرأتين تتنافسان على مقعد واحد، وعشرة أحزاب رشحوا امرأة واحد فقط من دون رجال، ورشح عزم 3 رجال يتنافسون على مقعدين، وهذا ضياع لأصوات تكتل عزم. واتوقع ان يفوز تحالف كردستان عن مقعد النساء في هذه الدورة، ولو ان هنالك منافسة قد تأتي من الديمقراطي الكردستاني، ولكن على الاغلب لن تؤثر في حظوظ تحالف كردستان، اما مقعدا الرجال فقد تكون احداهم من نصيب احمد مظهر والذي حصل عام 2018 على 10230 صوتا، او من حصة النائب مضر معن صالح الكروي وحصل على 9141 صوت عام 2018، وكان الاثنان في قائمة تحالف القرار العراقي عام 2018، وقد ترشح الأول عن قائمة تقدم والثاني عن قائمة عزم، ومن المحتمل أيضا فوزهما أيضا لكن فرص مضر الكروي اقل لانه يتنافس مع أربعة اخرين ضمن كتلة عزم نفسها. 

 

د مهند محمد صبري البياتي

اكاديمي مقيم في الامارات