قاسم حسين صالحتعني (الدوغماتي: Dogmatism) الجمود العقائدي، الجزمية الفكرية، القطعية، العقيدية.. غير ان اكثرها تداولا هو اصطلاح الجمود الفكري.ولقد انشغل الفلاسفة بتحديد مضمونها، فمنهم من وصفها بانها طريقة منغلقة للتفكير، يمكن ان تصاحب اية ايديولوجية بصرف النظر عن محتواها ما اذا كانت دينية او علمانية.ومنهم من وصفها بانها تنظيم معرفي مغلق نسبيا خاص بمعتقدات ولامعتقدات الشخص بخصوص الحقائق والوقائع والسلطة المطلقة، فيما حددها آخرون بعدم قدرة الفرد على تغيير افعاله او اتجاهاته حتى لو تطلّب الموقف ذلك، وحددها آخرون بأقوال مطلقة من غير سند او برهان، وصنفها آخرون بانها صفة الأفراد الذين يسعون الى فرض آرائهم بالسلطة، او بالنفوذ، وانتهى آخرون الى انها الاعتقاد الجازم واليقين المطلق المستند الى مباديء تقليدية راسخة دون البحث عن وجه الحق في التسليم بها.

و(الدوغماتية) تعدّ احد أهم واخطر اسباب الأزمات السياسية والاجتماعية في العراق والعالم العربي.ومع ذلك فان السياسيين والاعلاميين يتعاملون معها كتعامل من ينشغل بوصف اعراض المرض ولا يلتفت الى تشخيص سبب العلّة.. التي نكشفها لكم الآن.

جمود فكري

نرى نحن المتخصصين بعلم النفس والأجتماع ان (الدوغماتية = الجمود الفكري) هي السبب الرئيس للخلافات السياسية التي غالبا ما تنتهي بحروب، وأنها (مرض) خالقي الأزمات من القادة السياسيين. ولهذا ظهرت حولها نظريات اشهرها نظرية (روكيتش ) التي تناولها في كتابه (العقل المنفتح والعقل المنغلق). وعلى وفق هذه النظرية فأن الافراد منفتحي العقول (غير الدوغماتيين، غير المتطرفين)، هم الذين يقبلون التخلّي عن بعض معتقداتهم اذا ما اقتنعوا بخطئها، ويقبلون الافكار الجديدة اذا ساندتها ادلة قوية. اما الافراد منغلقي العقول (الدوغماتيون، المتطرفون) فهم الذين يرفضون الافكار الجديدة مهما كانت قوة الادلة التي تساندها، ويتشبثون بمعتقداتهم القديمة حتى ان ثبت خطؤها.

وعلى وفق نظرية التصنيف الاجتماعي فان الناس ينزعون الى تصنيف عالمهم الاجتماعي الى صنفين "نحن" (أو الجماعة الخاصة بالفرد) و"هم" (أو الجماعة الاخرى). وانهم يتحيزون لجماعتهم ويبالغون ويعظّمون ايجابياتها ويغمضون اعينهم عن سلبياتها، فيما يعمدون الى تضخيم سلبيات الجماعة الاخرى وغضّ الطرف عن ايجابياتها، وهذا ما كنّا نحتنا له مصطلحا جديدا بعلم النفس بأسم (الحول العقلي)، واثبتنا ان حكّام العراق.. حولان عقل وفكر في السياسة.

لقد توصلت الدراسات السيكولوجية الى ان الدوغماتي (الجامد فكريا) لا يسمع الا نفسه ولا يرى غيره ولا يتقبل الرأي الاخر، وليس هذا بسبب عدم كفايته الشخصية وانما بسبب شعوره بأنه منبوذ من قبل الآخرين، وهذا ما حدث لقادة احزاب الأسلام السياسي في العراق في انتخابات 2018 التي عزف عن المشاركة فيها اكثر من 80% من الناخبين العراقيين.. وتكرر الحال في انتخابات 10 اكتوبر 2021 وما اعترفوا الخاسرون بخسارتهم مع أن من اخلاق الديمقراطية ان يهنأ الخاسر خصمه الفائز.

ولك ان تراقب حكّام العراق تجد أن اغلبهم يسارع الى رفض أي دليل او مناقشة تتعارض مع معتقداتهم، وينظرون الى الامور الجدلية على انها ابيض واسود فقط، وغير قادرين على التخلي عن ارائهم حتى لو بدا لهم خطؤها، بعكس صاحب الفكر المنفتح الذي يتشوق لمعرفة الجديد سواء كان موافقا لما يرى ام مخالفا له.

الدوغماتي.. غير عقلاني

والمفارقة ان صاحب الفكر المنغلق لا يشعرك بأنه شخص عقلاني منطقي، كقول من كانت امور العراقيين بيده بأن العلمانية كفر وزندقة، لأنه متخندق مع نفسه ومتبرمج على معتقدات ومفاهيم جاهزة وقطعية.. يحفظها عن ظهر قلب، دون ادنى اعتبار لمشاعر الآخرين، سيما اذا كان الشعب متنوع المكونات والمعتقدات كالشعب العراقي الذي يحتاج الى حاكم منفتح عقليا.

والدوغماتية تفضي الى التعصّب وتعمل على تشكيل شخصية بمواصفات معينة، اوضحها.. صلابة الرأي التي لا تسمح له بأن يتزحزح عنه، والميل الى التسلط والعدوان الذي يسقطه على الجماعات او الاشياء التي يتعصب ضدها. وسيكولوجيا، يجد المتعصبون في احقادهم على الاخرين تفسيرا مبررا عن دوافعهم ورغباتهم المكبوته بما فيها الانتقام، ويعدون التسامح مع الخصوم ضعفا او جبنا، ولك ان تتذكر ما حدث بين عامي (2006 و2008) التي راح ضحيتها الآف الأبرياء من العراقيين بسبب دوغمايتهم.

وللتاريخ، كانت الدوغماتية هي التي اسقطت (الأخوان) في مصر، وحركة النهضة في تونس، وهي التي ادخلت في نفق مظلم فريقي الصراع في اليمن (الحكومة والحوثيون) اللذين تفاوضا في الكويت (نيسان-ايار 2016) والى الآن(2022) ما اتفقا!. والمفارقة ان الدوغماتية كانت هي السبب في بقاء سياسيين عراقيين في السلطة ثمانية عشر عاما برغم انهم افشل وافسد من حكم العراق في تاريخه السياسي، بأن نجحوا في ايصال معظم العراقيين من ذوي الاصابع البنفسجية الى ان يكونوا في دوجماتيتهم مثل حصان العربة.. لا يرون الا الذي امامهم، حتى اذا كان في حساباتهم احتمال ان يكون طريقهم الى.. المقبرة!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

عبد الخالق الفلاحمعرفة أنواع الهويات والفهم الواعي لها وإنسانية الإنسان التي لا تتحقق إلا في بيئة إنسانية حقيقية وهي من المفاهيم المهمة التي يجب أن يسعى لها الإنسان الواعي لادراكها، ومثل هذه البيئة لا تكون إلا عندما تكون منظمة بشكل اجتماعي متكامل، فتكون بذلك مجتمعاً ودولة ووطن وتعكس الهوية الوطنية روح الانتماء لدى أبناء الوطن الواحد وهي التي عليها يرتفع شأن الأمة وتزدهر، ومن دون الهوية الوطنية تفقد الأمة معنى الاستقرار، ما لم يمتلك جميع أبناء الوطن الواحد الحقوق نفسها، وهذه الحقوق ما هي إلا تجسيد لمعاني الهوية الوطنية، وهي ما قد تميز المواطن عن غيره من الأفراد، ومن هذه الحقوق حق التعليم وحق العلاج، وحق التعبير عن الرأي بحرية، وحق ملكية الأراضي والممتلكات، وحق العمل، وحق البناء، وحق العيش بعزة وكرامة على أرض المواطن.الهوية هي أحد أشكال القومية الوطنية التي يختار الفرد طواعية أن يعيشها.، وهي لا تنفصل عن مصلحة الإنسان الإنسانية وهويته الإنسانية التي اضحت اليوم ضرورة حياتية، هناك من يعرف الهوية و يُطلق العنان لنفسه ولعقله، وهناك من يلجأ إلى دين من الأديان كي يحقق له التوازن النفسي، وهناك من يُغلّب جانب العلم للوصول إلى إجابات عن هذه الأسئلة، وهكذا لكل إنسان طريقته في البحث عن إجابات لأسئلة تُشكّل هويته، وبقدر حصول الإنسان على إجابات مُقنعة وكافية يكون استقرار هويته، وبقدر بعده عن الإجابة المريحة والمنطقية تحدث له حالة من التشتت، التي تُسبب له الاضطرابات النفسية وتُوصله إلى ما يُعرف بأزمة الهوية

وقد يكون السبيل الواضح للتفاعل الاجتماعي السليم والتعايش السلمي وأيضاً للإصلاح الإنساني ولاشك أن الهوية " اسم نسبة إلى هو، ومن معانيها في اللغة العربية البئر بعيدة القُعر، وهوية الإنسان هي حقيقته وأوصافه التي تميّزه عن غيره من الأفراد" وتعد من بين أهم الأعمدة الاجتماعية التي يتميز بها الإنسان على مر التاريخ، وحينما نتحدث عن مصطلح الهوية نعطي الانطباع منذ الوهلة الأولى، أو يتبادر إلى ذهن الجميع أننا بصدد معالجة ظاهرة اجتماعية قد ترتبط بأشكال التمييز بين عرق شمالي أو جنوبي أو من ناحية أخرى تقاطب مصطلحي البيض والسود. بحكم الحركات الاجتماعية والثقافية وما تفرزه خنادق الصراع الطبقي التي تحرم وتحلل بين هوية وأخرى، وتطالب بتأصيل هوية معينة، أو إسقاط غيرها من جانب آخر، والهوية اليوم اصبحت من القضايا الاساسية في تكوين وحياة الإنسان، ويمكننا القول أن جُلَّ نشاط الإنسان يدور بين الهوية والمصلحة، وهما فعلياً لا ينفصلان، فالمصلحة عملياً ترتبط بضرورات الإنسان ككائن حيّ، لكن وفق شرطه الإنساني، والهوية هي الصورة التي يتخذها الإنسان ببعده الإنساني وصفته الإنسانية، اللذين يميزانه عن كل الكائنات الأخرى. ان الهوية الوطنية العليا مقترنة بشكل مباشر بهوية الإنسان العليا كإنسان في المقام الأول ولكن من دون الأخلاق يحدث هبوط بليغ، حيث تنعدم قيم كثيرة، لن تجد الرحمة، ولا التسامح، وأيضاً ستبحث كثيراً عن الدفء في قلوب خالية من أعظم القيم. نحن بحاجة إلى أن نعمل دوماً، لنكون على مستوى عظيم من القيم الأخلاقية التي نريدها موجودة، والتي قد تكون مرتفعة ت عند البعض، وتكون عالية، وقد تكون منخفضة لدى آخرين أو متواضعة. هناك بعض العناصر والمقومات الأساسية التي نستطيع من خلالها تحديد الهوية الوطنية، هذه المقومات هي ما تميز الفرد عن غيره من دولة لأخرى، فكل دولة تمتلك هوية و مقومات خاصة بها مثل اللغة او اللغات المشتركة وهي العامل الأساسي لتكوين أي أمة، و وسيلة التواصل المشتركة بين أبناء الوطن الواحد و الثقافة الإجتماعية المشتركة من خلالها يستطيع الفرد إظهار عواطفه لمن حوله، واللغة تنمي عند الأفراد شعور مشترك بالوحدة الوطنية فيما بينهم، و تعبر عن وجود انتماء واحد لأمة واحد يجمعهم وكذلك تاريح مشترك فيما بين اطيافه ومكوناته، وتعتز كل أمة بماضيها، فالأمة لا يتم توحيدها إلا من خلال تاريخها، فالتاريخ هو الذي يأخذ بيد الدولة نحو مستقبلها.

العلاقة بين الفرد والدولة في الدولة الوطنية الحديثة تقوم بصفة فردية خالصة، وعلى أساس الهوية الإنسانية ومبدأ المواطنة، الدولة تتعامل مع الفرد المنتمي إليها كإنسان وكمواطن، وإنسانية الفرد هي الأساس المطلق الذي يحدد موقف الدولة منه، وطريقة تعاملها معه والحقوق التي يجب أن تضمنها له، وكل ما يرتبط بهذا البعد الإنساني الجوهري للفرد وينبثق عنه، هو أمر غير مشروط قطعا ولا محدود أو محدد بالدولة التي ينتمي إليها هذا الفرد، ولا يحق قطعا للدولة تحديد حقوق فردها الإنسانية. وفي ما يلي هذا المقام يمكن للهويات والصفات الأدنى درجة أو الثانوية أن تتواجد أو ألا تتواجد، ويمكنها أن تتموضع وفقا لأهميتها بالنسبة لصاحبها بشرط ألا يكون بينها وبين هويته الإنسانية والوطنية أي تناقض، وهي تأخذ معنى وبعدا شخصيين محضين، ولا علاقة لهما ببنية الدولة، ولا بالعلاقة بين الدولة والفرد، إلا على مستوى واجب ضمان الدولة للفرد حقه الفردي بالحفاظ على هذه الهويات والصفات، وما يترتب عليها من مفاعيل سلمية وغير متعارضة مع مصلحة المجتمع والدولة والفرد نفسه، وليس بصفتها الخاصة كهويات أو كصفات خاصة ولكن بصفتها حقوق إنسانية محضة.

 

عبد الخالق الفلاح

 

ليس جديدا او غريبا ان تتجاذب مواقف الاحزاب والقوى سواء في السلطة او خارجها حول العديد من القضايا كواقع حال مفروض لحماية مصالحها العقائدية والذاتية، دون ان تتدارك هموم المواطن ومصالح الوطن ومجتمعاته التي باتت على حافة الهاوية. ويبدو ان التغيير الطاريء في مواقف الاطراف الاقليمية والدولية خاصة إيران والولايات المتحدة الامريكية، جعل القوى العراقية المتصارعة على السلطة وفقا لما افرزته النتائج الانتخابية حاد المظاهر وغير محسوب العواقب. فيما القضايا المجتمعية التي افرزتها "إنتفاضة تشرين" وطالبت بوضع حلول جذرية لها، بقيت عالقة، بل تجري محاولات لجرفها نحو غياهب النسيان. والعراقيون على ما يبدو، في ظل هذه الازمات المفتعلة، وانقسامهم المجتمعي والسياسي، غير قادرين لوحدهم على التغيير ووضع حد لمعاناتهم ومعاناة بلدهم ما لم تتكون لديهم القناعة والموقف الوطني "الجمعي" لتحمل المسؤولية الاخلاقية لكسح هذه الطبقة المافيوية المتجذرة في مؤسسات الدولة والسلطة عن المشهد السياسي.. السؤال: من ذا الذي يستطيع تحريك الطبقة الصامتة منذ ثمانية عشر عاما لتقوم بتغيير هذا الواقع المرير وهي بموقفها السلبي هذا منحت الفاسدين فرصة الهيمنة على البلد ومصالح شعبه بالكامل؟.  

أكثر من شهر ونصف مضى على اجراء الانتخابات وصولة فرسان "الاطار التنسيقي الذي تشكل مؤخرا لاغراض فئوية" من مواقعه، يهدد ويتمرد ويحرض على انتزاع ما ليس له فيه من حق من جبة "القضاء" بالقوة. وهو ما لا يمكن ان يتأتى حتى اذا ما انتزع القانون بعضا من النتائج التي حصل عليها المستقلون لصالحه.. الغريب في الامر ان هذه القوى لم تكن في الانتخابات السابقة 2010 ، 2014 و 2018 ، تسمح  لنفسها بالتنازل للاخرين ورفضت كل الطعون التي شككت بنزاهة الانتخابات معتبرة نتائجها سليمة رغم انها تعلم علم اليقين بانها مزورة.. من جانبه اكد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر التزامه باحترام نتائج الانتخابات وتصميمه على تشكيل "حكومة أغلبية وطنية" لا حكومة توافقية، كما ينص الدستور على ان "الكتلة الحائزة على أكثر المقاعد وليس الاصوات" هي من تقوم بتشكيل الحكومة. بمعنى آخر حكومة مسؤولة تقوم بإدارة الدولة وشؤونها لاربع سنوات، ومعارضة تراقب عملها كما هو متعارف عليه في دول العالم ومنها الدول الجارة للعراق وليس على طريقة دولة القانون عندما فاز علاوي بانتخابات 2010 سحبتها منه تحت ضغط طائفي. ودعا الصدر الى رفض أي تدخل أجنبي في شأن الانتخابات، بما في ذلك إيران. كما طالب بحل الحشد وحصر سلاحه بيد الدولة، وتوجه للاطراف الراغبة للمشاركة في الحكومة ان تنظف صفوفها من الفاسدين وحل ميليشياتها المسلحة واعلان ولائها للعراق ارضا وشعبا.

مع الاعلان بحسب النتائج الأولية لمفوضية الانتخابات عن فوز تيار الصدر في الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت في العراق نتيجة الغضب على نطاق واسع ضد كبار السياسيين واتهامهم بالفساد والثراء على حساب الشعب والوطن، وتحول ذلك الغضب الى احتجاجات حاشدة في تشرين 2019 أطاحت بحكومة عبد المهدي آنذاك. حاليا أقدمت احزاب الاسلام السياسي الشيعية على تشكيل منظومة جديدة سميت "بالاطار التنسيقي" لمواجهة الصدر الداعية الشعبوي لتياره. اضطره ذلك للتفاوض مع الاحزاب الكردية والسنية "البرزاني والحلبوسي" لتشكيل حكومة اغلبية وطنية معهم، انتهت دون نتائج إيجابية، تحسب لصالح الصدر كما يقول المثل الدارج: رب ضارة نافعة.   

فشل محاداثات الصدر في رايي أنقذه من مآخذ ومناكفات سياسية وعقائدية ومجتمعية ووطنية لا ترحم. اذ ان مسالة التحالف مع الاكراد والسنة امر غير منطقي، اذ ان مصالحهم لا يمكن ان تستقر الا وفق نظام المحاصصة التوافقية، كما انهما سيشكلان في التحالف مع الصدر ان تحقق اغلبية قادرة على الابتزاز لتحقيق مصالحهم المناطقية والعقائدية دون غيرهم، وهو ما كان يغفله الصدر بالتأكيد. ثم ان الطرفين، الحلبوسي والبرزاني، لا تهمهم مصالح العراقيين بقدر ما تهمهم مصالحهم الفئوية والحزبية على حساب الدولة العراقية ومساحاتها الجيوديموغرافية والاقتصادية، الامر الذي سيجعل الصدر عرضة للحرج الشعبي، ولن تنتهي الا بقضمهم الاتفاق عمدا، دون قطرة حياء كما هو معروف عنهم. وتجدر الاشارة الى ان رفض البرزاني والحلبوسي للاتفاق بحجة ان على الاطراف الشيعية ان تتوحد وتتفق فيما بينها على ترشيح من تراه مناسبا لتشكيل الوزارة، ما هو الا مناورة لحصاد مزيد من الحقوق والمكاسب والامتيازات.   

ما ينبغي على الصدر القيام به ان كان جادا في نقل المشهد السياسي والمجتمعي نحو الافضل. بعد ان اتجه الوضع العام برمته نتيجة موقف جميع الاطراف سيما الشيعية من نتائج الانتخابات، نحو الانسداد السياسي على الرغم من الضغوط الايرانية عليهم لتفادي السقوط في المستنقع. ومن ثم تصريحه في 24 تشرين الثاني لحل أزمة تشكيل الحكومة بالقول (اما يشكل الآخرون "حكومة أغلبية وطنية" ويذهب تياره الى المعارضة، او يشكل هو "حكومة اغلبية وطنية"، وتذهب الاحزاب الاخرى لتشكيل معارضة برلمانية، مؤكدا غير ذلك لن يحصل، ولن تعود لعبة الدكاكين الى سابق عهدها! ).. 

وبغض النظر عن موقفنا من أحزاب الاسلام السياسي ونوايا السيد، أقول اذا ما أصر الصدر بثبات على هذا الموقف الوطني في ظل ظروف تفتقر إلى اجواء سلمية تسمح لكتلته النيابية الفائزة انجاز مهام العملية الانتخابية، فانه سيضع الجبهة الكردية ـ السنية من جهة، وتحالف الاطار التنسيقي ـ الشيعي من جهة اخرى امام معادلة مربكة جديدة، تُسقط كل ما لديها من خطط غير معلنة للبقاء في السلطة، كما وتحرجها لمواقفها الفئوية التي تتعارض مع مصالح الشعب والبلد امام المجتمع العراقي والدولي. وسيفضي الى جملة احتمالات من شانها ان تؤسس لصراع سياسي سلمي لتداول السلطة وانقاذ البلد، أو تتحول المناكفات السياسية التي ادت وتؤدي الى تعطيل الحياة المدنية والادارية والاقتصادية والامنية، الى غضب شعبي، يعود من جديد للمطالبة باجراء انتخابات جديدة رديفة للسابقة. ستؤدي الى مشاركة نوعية واسعة لمن قاطعوا في المرة السابقة، لادراكهم بانها لن تغير الوضع في العراق بشكل جوهري، ولانعدام الثقة في السياسة وتدني الإقبال إلى مستوى قياسي شكل علامة واضحة على إحباط الكثير من العراقيين من الوضع السياسي في بلادهم.

اذن اذا ما توفرت الارادة المخلصة لاجراء انتخابات نزيهة ومنضبطة اداريا وامنيا على غرار تجربة الانتخابات السابقة، فانه لمن المؤكد ان تكون مشاركة من يتوقون لنظام حكم يسوده القانون والعدل والمساواة واسعة بالشكل الذي يسمح لهم لعب دور فعال في الحياة العامة على المستوى الاداري والسياسي والاقتصادي مستقبلا، بعيدا عن اي تدخل اجنبي في شؤون بلادهم. والاهم، اجراء مراجعة شاملة للاوضاع العراقية وإعادة النظر ببنود الدستور والقوانين المتعلقة بالاحزاب والانتخابات واللجان، وتصحيح كل ما نتج عن الحكومات الطائفية السابقة التي هيمنت على مؤسسات الدولة وجعلتها مؤسسات تابعة لاحزابها وعوائلها، كذلك محاربة الفساد وتقديم كل الفاسدين للقضاء وانهاء ماضي العراق الدموي.

 

عصام الياسري

 

محمد عمارة تقي الدين"لم تكن أرضًا بلا شعب، لشعب بلا أرض تلك واحدة من المقولات التي تترد عن البروفسير الإسرائيلي البريطاني آفي شلايم، مُكذِّباً الرواية الصهيونية الشهيرة التي رفعت شعار (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، والتي تضمنت طرحاً زائفاً عمقته الصهيونية وقتها في الوعي العالمي بحجة أنه طالما أنهم شعب بلا أرض (اليهود) فهناك أيضًا أرض بلا شعب (فلسطين) وعلى العالم أن يساعد اليهود لكي يستوطنوا تلك الأرض الخالية!

ومن ثم يؤكد شلايم، أن الحركة الصهيونية لاتعدو كونها حركة استعمارية ذات نزعة عدوانية توسُّعية إحلالية، إذ تقوم على استراتيجية: الخلاص من السكان الأصليين لفلسطين: قتلاً وتهجيراً، وتوطين الصهاينة مكانهم.

وآفي شلايم هو أحد المؤرخين الإسرائيليين فيما يُعرف بمجموعة (المؤرخين الجدد)، الذين قاموا بإعادة فحص ودراسة تاريخ الحركة الصهيونية ووضع ما قدمته من أطروحات تحت مجهر البحث العلمي الجاد، تلك الأطروحات التي دارت في معظمها حول التاريخ اليهودي ومدى صدق الرواية الصهيونية حوله وكذلك التاريخ الصهيوني وصولاً لاستيلاء الصهاينة على فلسطين وما ارتكبوه من مجازر بحق الفلسطينيين وقتها، ومن ثم اكتشفوا أن الصهيونية زيفت الحقائق بشكل جذري واخترعت تاريخاً مُلفقاً في محاولة لتسويغ أطروحاتها.

لقد نسف هؤلاء المؤرخون كثيرً من المرويات التاريخية التي تأسس عليها الكيان الصهيوني، ومن ثم قدموا قراءة مغايرة تمامًا لما زعمته الحركة الصهيونية في هذا المضمار.

وآفي شلايم، والمولود في بغداد لعائلة يهودية عام 1945م، يعيش الآن خارج إسرائيل، وهو بروفوسير في العلاقات الدولية بجامعة أكسوفورد البريطانية، ومن أهم مؤلفاته " الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي".

ويوجه شلايم نقده بصفة مركزية للأساطير التي عمقتها الصهيونية في الوعي اليهودي بل والعالمي للترويج لأطروحاتها الأيديولوجية ذات الصبغة الاستعمارية.

وهو أحد الموقعين على بيان إدانة المذابح ضد الفلسطينيين في غزة في عدوان 2009م، وهو البيان الذي وقعه أكثر من 300 أكاديمي ونشرته الجارديان في يناير 2009م.

ويحدثنا شلام عن كمّ الخداع الذي تعرض له في الصغر بسبب البروباجندا الصهيونية، إذ كان مؤمناً بطهارة السلاح الإسرائيلي، وأن إسرائيل كانت هي الضحية طوال الوقت مقابل زيف الرواية الفلسطينية حول حقيقة ما جرى من جرائم واسعة النطاق، غير أن البحث العلمي الدقيق أكد له كذب كل هذه الادعاءات الصهيونية.

وبعد اندلاع ثورات ما يسمى بالربيع العربي هاجم آفي شلايم الحكومات الإسرائيلية لأنها تحول دون قيام حكم ديمقراطي في المنطقة على عكس ما كان يروج له بن جوريون بأن إسرائيل جاءت لنشر قيم الديمقراطية في الشرق الأوسط.

في أكتوبر من العام 2015م، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد هاجم الحاج أمين الحسيني مفتي القدس الأسبق زاعمًا أنه من حرّض الزعيم النازى هتلر على إبادة اليهود، إذ قال نتنياهو: " لقد أخبر هتلر الحسيني أنه يريد طرد كل اليهود من القارة الأوروبية، فأجابه الأخير: سينتقلون إلى فلسطين بل أحرقوهم "، وقد هاجمه يهود كثيرون مؤكدين أن كلامه لا يقوم على أي سند تاريخي، فالوثائق التاريخية تدحض ذلك الادعاء، كما أن المحرقة قد بدأت قبل هذا اللقاء بكثير.

هنا تدخل آفي شلايم مدافعًا عن الحاج أمين الحسيني حيث قال: " لم يكن الحسيني لديه أدنى تعاطف مع أيديولوجية ألمانيا النازية، وإنما جاء تحالفه معهم أثناء الحرب كتصرف براجماتي ولصالح شعبه، فالصهاينة كانوا العدو وألمانيا كانت عدوًا لليهود ، وهناك مقولة تذكر أن عدو عدوي هو صديقي".

يؤكد شلايم أن ما ارتكبه الصهاينة بحق الفلسطينيين هو تطهير عرقي بكل المقاييس كما أن أكثر من 700 ألف فلسطيني وهو ما يعادل نصف السكان العرب أصبحوا لاجئين بسبب تلك الممارسات الإجرامية.

لقد تم ذلك ضمن ما يعرف بالخطة (داليت) تلك الخطة الإجرامية التي وضعتها العصابات الصهيونية في فلسطين إبان أحداث عام 1948م، والتي بموجبها تم طرد الفلسطينيين من أرضهم عبر إعمال التدمير والقتل وارتكاب المذابح بحق هؤلاء الفلسطينيين لدفعهم للفرار من القرى تاركين منازلهم وأرضهم خلفهم ليتأسس واقع جديد يكون اليهود فيه هم واضعي أيديهم على الأرض ومن ثم يأتي المجتمع الدولي المنحاز دائمًا لإسرائيل ليعترف بهذا الواقع.

كما أدان شلايم الهجوم الصهيوني المتكرر على غزة واعتبره هجوماً بربرياً، ورأى أن شارون كان يمثل النمط الإجرامي ذو النزعة الاستعمارية الاستيطانية الكامن في الفكر الصهيوني، فهو جنرال إسرائيل الدموي، وأن فلسطين كانت بمثابة (تعويض) إذ قدمتها أوروبا لليهود تكفيراً عن جريمة الهولوكوست.

يرى شلايم أن إسرائيل هي آخر كيان استعماري على وجه الأرض، بل وتحولت إلى دولة مارقة ومُهدِدة للسلم العالمي تحكمها عصابة مجرمة من فاقدي الإنسانية ومنزوعي الضمير.

كما أكد أن انتفاضة الشعب الفلسطيني عام 1987 هي حرب استقلال فلسطينية حقيقية للحصول على حق الشعب في  تقرير مصيره، ومن ثم إقامة دولة فلسطينية مستقلة، كما أن المقاومة الفلسطينية المتصاعدة جعلت إسرائيل تؤمن بأن القوة العسكرية لن تحسم الأمر، وأن الجيش يمكنه أن يهزم جيشًا، ولكنه لا يستطيع بأية حال أن يقهر شعبًا يطالب بحقه في إقرار مصيره.

يذهب شلايم إلى أن إسرائيل تسير في الاتجاه الخاطئ وأنه يوماً ما سيدرك الإسرائيليون أن أمن دولتهم لن يتحقق عبر اللجوء للقوة المفرطة والممارسات المتوحشة بل بالسلام العادل، مؤكداً أن سياسات إسرائيل العدوانية هي ما منعت وأحبطت أي فرصة لتحقيق سلام حقيقي مع جيرانها العرب.

يعترف شلايم أن لليهود تاريخ طويل من الألم والمعاناة عبر العصور، لكن الذي حدث في العام 1948م أنهم قاموا بدور الجلاد الذي تصرف بوحشية مفرطة ضد الفلسطينيين الأبرياء، فقد تبدل موقعهم من الضحية إلى المجرم.

من هنا سجل شلايم إعجابه الشديد بمقولة إدوارد سعيد بأن:" الفلسطينيين هم ضحايا الضحايا".

أعلن شلايم تأييده للمبادرة العربية التي تنص على اعتراف عربي شامل بإسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة في 1967، والسماح بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة عاصمتها القدس.

رفض آفي شلايم الانحياز البريطاني المطلق لإسرائيل وبرره بأنه بسبب دعم المحافظين البريطانيين للصهاينة، بل وطالب بمحاكمة السياسي الصهيوني بيني غانتس كمجرم حرب، فهو المسئول الأول عن العدوان على غزة عام 2014، وهو ما أدى إلى استشهاد أكثر من ألفين ومئتين وخمسين فلسطينياً، من بينهم أكثر من خمسمائة وخمسين طفلاً.

كما وجه رسالة إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن يطالبه فيها بضرورة تقييد الدعم الأميركي لإسرائيل لإجبارها على الانخراط في عملية سلام حقيقية، إذ أن الانحياز الأمريكي التام لإسرائيل، هو أحد أسباب فشل عملية السلام، فإسرائيل لا يمكنها الاستمرار في سياستها من دون وجود دولة عظمى تساندها بشكل مُطلق.

يرى شلايم أن سياسة التهجير(الترانسفير) والإحلال(طرد الفلسطينيين وإحلال صهاينة مكانهم) التي يتبعها الكيان الصهيوني بشكل ممنهج ليست جديدة بل هي سياسة كامنة في الفكر الصهيوني منذ تيودور هرتسل، وها هو حاييم وايزمان، وقد اقترح فكرة ترحيل الفلسطينيين أكثر من مرة على الجانب البريطاني، وكان ديفيد بن جوريون، يرى أن فكرة الترحيل هي الطريقة المثلى لإنهاء الصراع، كذلك جولدا مئير التي كانت تري أنه من أجل إقامة دولة يهودية يتحتم الخلاص من الفلسطينيين ولا خيار آخر بل كانت تردد قولتها الكاذبة"لا وجود للشعب الفلسطيني"، كما بررت المجازر بحق الفلسطينيين بقولها :"العرب كانوا يجبرون الإسرائيليين على قتلهم".

أشاد آفي شلايم باتفاقية أوسلو لكنه حمَّل الكيان الصهيوني مسؤولية فشلها بسبب سياسية التوسع التي تتبعها إسرائيل عبر قضم المزيد من الأراضي ومن ثم بناء مستوطنات جديدة عليها لخلق واقع على الأرض يصعب تغييره، ومن ثم فإسرائيل تعمد إلى قتل حل الدولتين عبر هذه الفعلة الشنعاء.

وفي التحليل الأخير، فتلك هي أطروحات البروفسير آفي شلايم التي من شأنها دحض الرواية الصهيونية المكذوبة للصراع العربي الصهيوني، في مقابل تأكيد الرواية الفلسطينية التي تتطلب منا نحن العرب تعميقها في الوعي العام العالمي عبر عمل فكري وإعلامي شامل ومضاد للبروباجندا الصهيونية الكاذبة، فقد قصَّرنا في هذا الحقل كثيراً، إذ تبقى القضية الفلسطينية هي أعدل قضية في يد أفشل محامٍ بحسب قول آفي شلايم نفسه.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

علجية عيشمن هو أول سجين في التاريخ؟ من الذي اخترع السجن؟ سؤال طرحته الكاتبة رغدة حسن وهي ناشطة سوريَّة، وتعرضت لعدة اعتقالات من قبل النظام السوري في عهدِ حافظ الأسد وكذا في عهدِ ابنه بشار الأسد وهذا السؤال كما تقول يرد كثيرا في مقالات وروايات وبحوث دون أن يلقى إجابة محددة له، مثله مثل باقي الأسئلة الوجودية، وقد عادت الكاتبة إلى الأسطورة التي تقول أن أول سجين في التاريخ هو بروميثيوس الحكيم، وكما جاء في الأساطير فبروميثيوس واحدا من حكماء التايتن وكان يملك المقدرة على التنبؤ بالمستقبل، ومن هنا جاءت فكرة السجن، وتقارن الكاتبة بين السجون في العهود القديمة وبين السجون في العصر الحديث، كان النفي هو العقوبة لكل من ارتكب جريمة أو خطيئة، وتصف السجون والمعتقلات وما اشتهرت به من سمعة سيئة ، إذ ترافق تاريخها بالأوضاع الصحية والإنسانية الرديئة التي يعيشها السجين، وتلازم تاريخ السجون بأساليب التعذيب، التي يتعرض لها المعتقل، كما تشير إلى الكتّاب والشعراء الذين تعرضوا للإعتقال ممن كتبوا عن تجاربهم الخاصة، أو التي سمعوا عنها في معتقلات بلدانهم، لذلك أخذ أدب السجون حيزًا مهمًا في ساحة الأدب، نال من اهتمام القارئ نصيبًا جيدًا، فكان أن وصلت معاناة السجين للعالم عبر روايات انتشرت، ثم أن بعض الكتّاب عاش تجربة الاعتقال السياسي، ونقل لنا أوجاع ذاكرته، وبعضهم حاول أن يتخيل حالة السجين، وما عاشه من عتمة وقهر، وما تسببه التعذيب من كسر لروحه وجسده، فهل نجحوا؟

طبعا لن نمارس ثقافة "الاجترار" أو "العنعنة "و نعيد ما جاء في مقال الكاتبة الذي نشر في موقع "الانطولوجيا" ولكن يكفي الوقوف عند قولها أن عالمنا الحافل بالمعتقلات السرية، يحتاج لجهود الكثير من الكتّاب والمنظمات المختصة، ليتمكن التاريخ من ترجمة ما كان يحدث للإنسان في عالمنا، يضيء أوكار الظلام، ويجفف مستنقعات الموت. ولندرك نحن أبناء هذا الزمن وهذا الواقع، ما علينا فعله لاحقًا، حتى ينكسر قيد السجين، ويشفى من ذاكرة القهر والرعب، إذ لا أشك للحظة بأن سجينًا قد تحرر من سجنه بعد الخروج إلى الحياة من جديد، فذاكرة السجن تسكنه أينما ذهب، طالما للجلاد عمل وقرار، إلا أنها تنتقد بعض الكتابات عن أدب السجون والمعتقلات وكأنه كاتبها يناقش فكرة الجمال ، وتقول أن مثل هذه الكتابات أصحابها لم يتذوقوا حياة السجون ولم يعانوا خطر المعتقل وإن كان صوت المعتقلين همهم في إيصال صوت المعتقل أو السجين للعالم.

وعلى غرار باقي النساء المقاومات اللاتي ذقنا ويلات الاستعمار والأنظمة الفاسدة الدكتاتورية، سواء في العالم العربي أو في جنوب إفريقيا فقصة رغدة حسن التي توفيت في مارس 2021 بفرنسا عن عمر يناهز 50 سنة وهذا يعني أن ولادتها كانت عام 1971 ، وقد بدأت نشاطها السياسي في سن العشرين ، وعاشت حياة السجن والمعتقل يوم تم اعتقالها عام 1992 ضمن حملة شنها حافظ الأسد على أحزاب المعارضة وتزوجت بعد خروجها من السجن من الفلسطيني عامر داود الذي كان معتقلا في السجن نفسه وتعرفت عليه في ظروف صعبة بالمعتقل، ثم اعتقلت في سنة 2010 أثناء سفرها إلى لبنان على خلفية روايتها "الأنبياء الجدد" التي تروي قصة السجون السورية وتعرضت للاعتداء الجسدي، لتعلن موقفها الداعم لحراك الشعب السوري المعارض لنظام الأسد، فعبرت عن ذلك في كتاباتها وفي مواقفها، حيث اعتقلها النظام السوري في بداية الثورة.

فقصة الناشطة السورية رغدة حسن تشبه إلى حد كبير كثير من النساء إلا أن هناك من سبقتها للكتابة في هذا المجال ونذكر على سبيل المثال لا الحصر المناضلة عائشة عودة وتجربتها الكتابية عن أدب السجون، كونها واحدة من الأسيرات اللاتي ذقن مرارة السجن وعائشة عودة من مواليد 1944 في قرية دير جرير التابعة إدارياً لمحافظة رام الله، انتظمت في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني بعد انتهاء حرب1967 مباشرة، وتم اعتقالها في ( مارس) آذار 1969 وحكمت عليها محكمة الاحتلال الصهيوني العسكرية بالسجن المؤبد، وقد عانت عائشة عودة مرارة الإعتقال والتعذيب وظلم السجود الإسرائيلية طيلة عشر سنوات، ثم تحررت في عملية النورس لتبادل الأسرى بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في آذار 1979، وقد اشترطت إسرائيل إبعادها خارج فلسطين، فأقامت في الأردن حتى عودتها إلى فلسطين بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة كوادر منظمة التحرير الفلسطينية وتأسيس السلطة الفلسطينية في عام 1994.

 وبالنظر إلى تجربتها في المعتقلات والسجون الإسرائيلية، قررت المناضلة عائشة عودة الكتابة عن وضع الأسرى الفلسطينيين وبخاصة النساء، وفي كتاباتها نقرأ عن أدب السجون من خلال تجربتها النضالية، وثَّقَتْهَا في كتابين "أحلام بالحرية" و"ثمنا للشمس"، وتأتي كتابة تجربتها في الأسر من باب الالتزام الوطني في توثيق معاناة الأسرى وما يتعرضون له، والمتتبع لأراء النقاد، نرى أن عائشة عودة في كتاباتها رسمت حروفها بقلم أحمر، وبلغة دامية كتبت تجارب شعب كامل عانى وما يزال يعاني القسوة والظلم، فقد نقلت عائشة عودة مشاهد كثيرة عاشتها في السجون الإسرائيلية، عن محاولة الاغتصاب التي تعرضت إليها في السجن وكيف قاومتها وانتصرت فيها، وقليل طبعا من اللاتي لهن الجرأة في الكشف عن تعرضهم للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب، حيث فضحت ممارساتهم وعنصريتهم ووحشيتهم.

ويكفي أن نقف على تفاصيل التحقيق معها وتعذيبها بالعصا، من خلال هذا السرد المؤلم، يمكن لمن لم يجرب حياة السجون أن يعيش ولو افتراضيا هذه التجربة ويطلق العنان لمخيلته ليرى مشهدا من مشاهد التعذيب على يد جندي صهيوني، إلا أنها تعارض مصطلح أدب السجون وترى مصطلح أدب المقاومة هو البديل، وبالعودة إلى الكتابات في هذا المجال نرى أن كثير من الباحثين يرون أن أَدب السجون والمعتقلات في فلسطين جزء لا يتجزأ من الأدب العربى، الذي يتطلع للحرية، حيث ذهب البعض لتسميته بأدب الحرية، أو الأدب ألاعتقالي، وحرص آخرون على صبغه بمفاهيم إيديولوجية، فأطلقوا عليه " الأدب الأسير"، وذهب آخرون إلى تسميته بأَدب السجون، ولكن الجميع مجمعون على أنه يندرج تحت عنوان أدب المقاومة، فيما يرى بعض النقاد أن الكتابة عن أدب المقاومة بعيد المنال، لأن الكتابة عن المقاومة لا يكون إلا بعد الانتقال بها إلى حيز الفعل والتطبيق، ويجري التأسيس لها ذهنيا ووعيا ويقينيا في ثقافة تقوم بتنظيم الذاكرة الجماعية وتعزيزها والحفاظ عليها.

 

علجية عيش

 

ابراهيم أبراشمع أن حوارات المصالحة الفلسطينية فقدت مصداقيتها كما فقدت الفصائل المعنية بالأمر مصداقيتها، ومع ان الغالبية الساحقة من الشعب والمحللين السياسيين غير متفائلين بنجاح المبادرة الجزائرية، وربما بعض الأحزاب والفصائل المتوجهة إلى الجزائر هيأت مسبقاً بيانات تبرير فشل الحوارات واتهاماتها للطرف الثاني بالمسؤولية عن الفشل، ومع إدراكنا بأن الحديث حتى الآن ما زال يدور حول مبادرة جزائرية للمصالحة ولم تبدأ حوارات أو لقاءات مباشرة بين الفصائل.. إلا أن هذه المبادرة الجزائرية للمصالحة تختلف عن سابقاتها وسيكون لفشلها انعكاسات خطيرة على مجمل القضية الفلسطينية لدرجة يمكن معها القول إن عدم إجراء حوارات جديدة للمصالحة سيكون أقل ضررا من إجرائها ثم الإعلان عن فشلها.

 نقول ذلك لأن الجزائر ليست كغيرها من الدول التي استضافت حوارات مصالحة ولأن وضع الشعب الفلسطيني الآن والمخاطر التي تتعرض لها قضيته الوطنية هو الأكثر خطورة في تاريخه، وفي هذا السياق نضيف الملاحظات التالية إلى ما كتبناه قبل ذلك حول نفس الموضوع:

1- المبادرة كانت من الرئيس الجزائري وليس من الأطراف الفلسطينية وهذا يعني أن هذه الجولة من الحوارات تعبير عن إرادة ورغبة جزائرية لتحقيق إنجاز في هذا الملف تمهيداً للقمة العربية التي ستستضيفها الجزائر، بالإضافة إلى اعتبارات لها علاقة بما يجري في المنطقة المغاربية، ولكن ليس من المؤكد حتى الآن وجود إرادة عند الأحزاب للخروج من مربع الانقسام وانجاز الوحدة الوطنية، والأحزاب تذهب للجزائر تجنباً للإحراج ولتسويق نفسها كحريصة على المصالحة ولكسب الوقت حتى يعزز كل طرف سلطته في مناطق نفوذه، ولو كانت الأحزاب جادة فمصر لم تغلق أبوابها أمامها، بل لكان من الممكن أن تتحقق المصالحة في رام الله أو غزة ولا داع لهذه الفضائح من الفشل في عواصم العالم.

2- ما يميز المبادرة الجزائرية لاستضافة حوارات المصالحة أن هناك تجربة مشتركة أو متشابهة حيث شهدت الجزائر استعمارا فرنسيا امتد 132 سنة ومقاومة شرسة تواصلت حتى الحصول على الاستقلال 1962، كما أن الحركة الوطنية الجزائرية قبل الاستقلال شهدت خلافات ما بين الوطنيين والإسلاميين والشيوعيين والليبراليين، بل كان داخلها فصائل تعاملت مع الفرنسيين وطالبوا بتسوية سياسية معهم بدلاً من الكفاح المسلح، ومع ذلك وحدوا جهودهم في مواجهة الاحتلال الفرنسي.

3- المبادرة ما زالت في مرحلة استكشاف مواقف مختلف الأحزاب الفلسطينية ولن يتم الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي دعوة الفصائل للجلوس معا على طاولة الحوار إلا إذا تأكدت الجزائر بوجود أرضية مشتركة للتفاهم وإمكانية إحداث اختراق مهم في بعض الملفات.

4- تستطيع الجزائر بسبب ما سبق وبما لها من فضل على الفلسطينيين بشكل عام إحراج الأحزاب الفلسطينية ودفعها للتوقيع على تفاهمات على الورق كما حدث في مصر عامي 2011 و2007 وفي الدوحة 2012 واسطنبول 2021، وربما تفكيك وانجاز بعض ملفات المصالحة ، ولكن هناك ملفات أخرى تحتاج لدولة وسيطة مثل مصر لها علاقات مع إسرائيل والجهات الدولية الأساسية وخصوصاً اللجنة الرباعية.

5- ستكون المبادرة الجزائرية ناقصة إن اقتصرت الدعوة على الأحزاب، لأن هذه متمترسة حول مواقف مسبقة بل تراجعت عن القضايا التي سبق وأن اتفقت عليها كما أنها مقيدة بعلاقات وأجندة خارجية، وعدد المنتسبين لها فعليا لا يزيد الآن عن 35%، لذلك نتمنى على الإخوة في الجزائر دعوة ممثلي المجتمع المدني وشخصيات وطنية مستقلة، وإن لم يحدث ذلك فإن أي تفاهمات ستكون شكلية أو محاصصة بين نفس الأحزاب المأزومة.

6- إذا ما فشلت حوارات الجزائر فلن تغفر الدولة الجزائرية والشعب الجزائري للفلسطينيين ما سببوه لهم من إحراج، ولن تكون الجزائر قادرة على الدفاع عن القضية الفلسطينية في القمة العربية القادمة خصوصا في مواجهة الأنظمة المطبِعة، وقد تتجاوز ردة الفعل الغضب على الأحزاب إلى إعادة نظر في دعمهم ومساندتهم للفلسطينيين، وقد يشجع الفشل الأصوات النشاز في الجزائر التي تطالب بالتطبيع مع إسرائيل .

7- في حالة فشل هذه الجولة من حوارات المصالحة سيتعزز الانقسام أكثر ويتعزز حضور حركة حماس في المشهد السياسي المحلي والإقليمي والدولي وتتزايد القناعة خارجياً بأن حركة حماس هي الجهة الرسمية التي تمثل قطاع غزة وهذا يعتبر انتصار لحركة حماس.

8- كل جولة مصالحة فاشلة ستزيد من تشويه صورة الشعب الفلسطيني ومن إحباطه كما تسيء لمكانة منظمة التحرير وقيادتها التي تمر بأسوأ الأوقات.

9- فشل هذه الجولة من الحوارات بالإضافة إلى أنه سيُفقِد حركتي حماس وفتح ما تبقى لهم من مصداقية فإنه يضعف جهود السلام الفلسطينية وسيجعل القيادة الفلسطينية ضعيفة في أية مفاوضات مع الإسرائيليين أو مؤتمر سلام قادم، كما أن استمرار الانقسام سيضعف من فاعلية مقاومة الاحتلال سواء كانت مقاومة سلمية أو مسلحة.

10- إن فشلت هذه الجولة من الحوارات لن تُقدِّم أية دولة عربية على استضافة جلسات مصالحة فلسطينية في المستقبل، ولكن قد يتم تدويل مشكلة الانقسام والخلافات الفلسطينية وتتدخل أطراف دولية، ليس لإنهاء الانقسام وتوحيد الفلسطينيين بل لتنظيم العلاقة بين كياني غزة والضفة وتنظيم توزيع المساعدات الدولية، وربما يتم استدعاء قوات أو مراقبين دوليين للمرابطة على حدود غزة.

11- هناك مفارقة غريبة وخطيرة، فبالرغم من التداعيات الخطيرة للانقسام على القضية الفلسطينية بشكل عام وعلى حياة غالبية الشعب المتضررة من الانقسام، إلا أن هناك غياب لأي حراك شعبي فاعل للمطالبة بإنهاء الانقسام والضغط على الأحزاب التي يتهمها الشعب نفسه بأنها مسؤولة عن الانقسام و منتفعة من استمراره!!!

12- مع إدراكنا لتعقد ملف المصالحة وتعدد أطرافه إلا أننا نأمل نجاح المبادرة الجزائرية ولو نسبيا، كما نأمل من الأخوة في الجزائر وفي حالة فشل الحوارات أن يعلنوا عن الجهة أو الجهات المعطِلة للمصالحة؟

 

د. ابراهيم أبراش

 

 

 

 

عبد الخالق الفلاحكثر الحديث هذه الأيام عن تبني مشروع وطني للعراق وفي حقيقة الأمر أن في لغة الإدارة العامة، فإن اي مشروع يقوم على مجموعة من الأهداف التي يتم تحديدها، وتصمم النشاطات فيه ضمن خطة تنفيذية تتضمن خطوات عملية تؤدي لتحقيق غاية عامة يستهدفها المشروع وتوصل لإنجاز رؤية جديدة تتمثل على أرض الواقع. وعندما تتطور وثيقة أي مشروع بمزيد من المهنية، فلا بد من ربط الخطوات بالأهداف والنتائج بحيث تكون موصلة فعلا، ولا بد من تحديد بعض مؤشرات الإنجاز أو معالم في الطريق تؤكد وتضبط السير حسب الخطة المعدة وتسهم في مراقبة تحقق التقدم. فأيّ من هذه البنود يتوفر في عنوان فضفاض جعله أرباب المشروع مقدسا ومنزل ؟وفي باب السياسة والفكر فإن "المشروع الوطني" هو فكرةأساسية، تتضمن تنظيما خاصا ومنسجمة لحياة الناس الذين يحلمون بها بحيث تترجم إلى تشريعات وقوانين تنضبط بالفكرة المراد للتأسيس عليها، ويسعى القائمون عليها سياسيا لإيجادها عمليا في دولة تطبق تلك الأنظمة وترتقي بالناس او تنتكس فيها أوضاعهم فتعتمد  على طرق العمل المعنيّة التي توصل لتحقيق ذلك. ويرتقي مستوى المشروع السياسي-الفكري أو الحضاري بارتقاء الفكرة الأساسية، بأن تكون مثلا، والأنظمة والتشريعات المنبثقة عن ذلك الفكر والطريقة الموصلة إلى تحقيق ذلك المشروع، تحفظ للمواطنين حقوقهم الشرعية على أساس العدل والمساواة، بدون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة،والحديث عن المشروع الوطني العراقي ليس كما يتحدث عنه بعض الساسة حينما يجلسون في مناظرات تلفزيونية يحاولون من خلال تلك الأحاديث إقناع البسطاء من الناس أنهم سيغيرون وجه العراق،لقد غدا المشهد السياسي في العراق قاتماً ويحتاج الى مزيداً من الوقت لقراءة مايحدث والوقوف أمام السياسة الإقليمية التي تحاول جاهدةً للقضاء على العملية السياسية  وافراغها من مضمونها وهناك دلائل  على أن  قادم الأيام سيشهد تغييرأً كبيراً فى الخارطة السياسية العراقية ولعل تقارب قوى سياسية لم تكن فاعلة بالمستوى المطلوب  ومؤثرة ويكاد يكون العنوان الأبرز فى المشهد السياسى المبهم تحركات متشبثة، الأمر الذى يحتم على شعبنا اعادة بلورة الأمور ووضعها فى سياقها السليم لحماية المشروع السياسي على علاته وانتشاله من محاولات تهميش مكانة الوطن.إننا أمام مشاكل معقدة حقا، تتمثل بسيطرة البعض من الساسة الغير مبالين بمستقبل البلد وعلى مقدراته، فهناك فرق واضح بين السياسي الذكي والسياسي الطفولي، فالأول لديه مشروع كبير ينطلق من خلاله لبناء الدولة المدنية وتغيير المجتمع نحو الافضل، وفق آليات فكرية عملية، يشرف على تنفيذها أشخاص بقدرالمسؤولية، ويساعده مقربون أمناء، في التخطيط والتنفيذ، فيجعل من مصالحه الفردية والعائلية ووالعشائرية في غير أهدافهم واهتماماتم، بل ربما يلغونها من قاموسهم  أو يخضعها لضوابط تنطبق على عموم الشعب، بمعنى يجعلون من انفسهم والمنضوين تحت وظائفهم أناسا لا يختلفون عن غيرهم في الحقوق والواجبات، يتحقق هذا ليس في الادّعاء والقول وحده، بل يتجسد من خلال العمل المرئي والملموس، وهو بذلك يسعى لنقل شعبهم الى مصاف أرقى وأرفع، ولكن حتى الآن بقيت امورالسياسيين تتراوح بين التراجع  والفساد والتجاوز على أموال الشعب.اما الاخر (اي السياسي الطفيلي) فليس له مشروع ولا يفكر بذلك أصلا،سوى انهماكه بجباية الفوائد وتشريع الامتيازات له وذويه وحاشيته، ولا يعلم أن بهذا السلوك يحفر قبره تحت قدميه بنفسه، لكي يسقط حتما، في حفرة الطمع والشراهة والفساد، وحتما هو يجهل حتى أساليب المراوغة والخداع التي ينتهجها كطرائق عمل في حياته السياسية البالية، ومنصبه وصلاحيته أيا كان نوعها، هي الداء الذي سينقضّ عليه ويطيح بمستقبله وربما برأسه، كما حدث لجميع الساسة الذين تجاوزوا على حقوق شعوبهم كما فعل (صدام حسين العراق، ومعمر قذافي  ليبيا، وحسني مبارك بمصر،وبن على بتونس، وعلي صالح باليمن ... وآخرين)، إذ لم يحدث أن أفلت سياسي واحد من العقاب على ما اقترفه بحق شعبه،  للخلاص من هذه المعاضل فإن هذا الأمر يتعلق بدور النخب المثقفة وسواها، من اجل ان تبادر بتوجيه المسارات نحو الافضل، ومقارعة جميع الذين يشتغلون السياسة من أجل المال، كما هو الوضع الآن، حيث يلهث كثيرون نحو السياسة والعمل فيها، وهم ليسوا من اهلها ولا اصحابها ويدعون بالاهلية، وكان الشعب لا يعرف بفعل سنوات الممارسة أن هذا كله هراء. وتنطلق،التزاماً بالعقد الإجتماعي المشوه، إلى تحقيق مصالحها المجتمعية، وتعميق ثقافة الخلاص الفردي، برعاية هكذا تحليلات، التي تستند في مبناها إلى “المشروع السياسي“الواهي الذي كان ولما يزل، المصدر الرئيس والحصري للهزائم المتكررة. كل هذا يدفع للتفكير داخل مساحة العماء الذي تقودنا اليه تلك المناقشات والحوارات والكتابات،حول تلك “المشاريع السياسية”، التي يتم اعتبارها مشاريع نموذجية، تشبه إلى حد التطابق، النماذج المعتمدة عالمياً، دون أي إعتبار للاستثناءات التأسيسية التي قامت عليها هذه المشاريع في حين يغيب عنها أهل الاختصاص، من ذوي المشاريع الحقيقية القادرة على إصلاح الأوضاع الخطيرة في العراق، ولكن يبقى الأمر الحاسم بمن يحق له اختيار السياسي الناجح الذي يمكنه إنقاذ البلاد في هذه المرحلة الشائكة والحاسمة.

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

لا يستطيعَ أي محللٍ سياسي أن يتنَبأ ماذا سيحل في العراق في قادم الايام؟ وماذا يُمكن أن يطرأ على السياسة العامة للدولة؟ والصراعات العرقية والطائفية بين جميع الكتل المهيمنة على مجالس السلطات الثلاث قائمة على قدم وساق. والتي لا هدف لها سوى البقاء على راس السلطة.  بالرغم من مرور ثمانية عشر عاما على نظام توافقي محاصصاتي وخمس انتخابات برلمانية، لم تجلب الا البلاء للعراقيين وبلادهم. بيد ان القضايا المصيرية الهامة التي تعني بالدرجة الأولى المواطن العراقي منذ تشكيل أول إدارة حكم في البلاد على يد الاحتلال، لا تزال موضع خلاف شديد. الأمر الذي ادى ويؤدي بين الحين والآخر إلى مناكفات سياسية، تكاد أن تقوض مصير العراق وتؤدي به نحو المجهول. ومن بين هذه القضايا الحساسة التي لا تزال تراوح على حالها، ليس الإفتقار إلى الماء والكهرباء والبطالة والنهب والسرقات والتفريط بثروات العراق واراضية ومياهه النهرية والبحرية وخراب الصناعة والزراعة فحسب، انما اتساع الهجرة والتهجير وتصاعد عدد الأرامل واليتامى وتفشي الإرهاب والقتل على الهوية. والى جانب افتقار مؤسسات الدولة الى مرجعيات قانونية وقضائية يمكن الاحتكام إليها، آلياً وحرفياً، وابتلاء الدستور بالثغرات القابلة للتأويل الافتراضي والتحريف والتخريج لغير صالح الدولة، فان مسألة نظام الحكم الذي جاء به الاحتلال وفق مبدأ ما يسمى بنظام "المحاصصة الطائفية التوافقية"، برمته فاشل. فقد عطل تحت غطاء العملية السياسية المزعومة وبإسم الديمقراطية الزائفة كل أمرٍ في البلد وجعل مصالح ألاطراف "الطائفية والقومية" فوق مصالح الشعب والوطن.   

 والخطير في الأمر ان جهاز الدولة التشريعي منذ اول دورة له لم يشرع قانونا عادلا ومعاصرا للانتخابات يمثل ارادة المجتمع، ويتبنى تحديثه، فبالرغم من ضغط انتفاضة تشرين 2019 فما تمّ من إنجازات حتى الآن لم يكن الا على قياس احزاب السلطة. كما لم يقر لحد الساعة "قانون احزاب" وفق احكام الدستور، الذي يحظر اجازة الاحزاب التي تمتلك مليشيات مسلحة، كما لا يسمح لها بالعمل السياسي او المشاركة بالانتخابات. والخطير ايضا، ان سلاح العشائر غير المنضبط قد اصبح وسيلة ضغط، ورائه احزاب وارادات متنفذة لممارسة اعمال التهريب والتهديد والسيطرة على واردات الدولة ومنافذها الحدودية. اما عناصر الميليشيات المسلحة التي تشكلت جميعها على أساس الولاءات والمحاصصات الطائفية والعرقية، فضمها إلى القوات العسكرية وقوى الشرطة والأمن العراقية لا زال موضع جدل مستمر. وفي الضفة الاخرى هناك قوة عسكرية كردية منظمة ترفع العلم الكردي فقط "البيشمركة"، تتسلح وتتقاضى رواتبها من الحكومة الاتحادية الا انها لا تخضع لاوامرها انما لاوامر الاقليم. فيما الصراع بين الطرفين حول العديد من القضايا المصيرية ومنها المناطق المختلف عليها التابعة للدولة العراقية وتقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة نينوى والتي تحاول الأطراف الكردية انتزاعها بالقوة وجعلها مثل كركوك وسيلة ضغط ومساومة مسبقة للحصول على مكاسب جيوديمغرافية ومادية وسياسية أوسع. كل ذلك بات يهدد الدولة ويشكل عرضة لانفجار مزيد من الصراعات العرقية والسياسية ومزيد من التناقضات التي تضر بالنسيج الثقافي والمجتمعي العراقي.   

ومن المثالب التي تواجه العراق ومكوناته ومدى تاثيرها على عجلة البناء والاصلاح، يتحدث خبراء عن مخاطر سيطرة احزاب (شيعية وسنية وكردية) ومتنفذين في السلطة على المنافذ الحدوية والاستحواذ على وارداتها وتهريب النفط وبيعه داخل العراق وخارجه، مما يؤثرعلى مستقبل العراق وتطوره. كذلك توجهات الحكومات المتعاقبة وتنازلها لدول الجوار (الكويت والسعودية والاردن وايران) عن اراض عراقية حدودية ـ مليئة بالثروات المعدنية والنفطية والغازية بوتيرة تبعث على التساؤل والقلق تحت ذريعة تسوية النزاعات مع غياب أي حديث عن تشريع قوانين خاصة بتلك الحالات المشبوهة. ان استمرار التفريط بثروات العراق وأراضيه وتقاسم إيراداته وثرواته بين الطبقات المتنفذة والاحزاب الحاكمة، يتطلب ايضا إضاءة الحقائق والكشف عما يجري في اقليم كردستان من خطط وابرام عقود نفطية مع شركات اجنبية تحت أقنعة كاذبة دون أي علم للحكومة المركزية.

إن تأجيج الصراع في الأسابيع الأخيرة بسبب نتائج الانتخابات، وجه الأنظار إلى مدى خطورة الوضع وعدم استقراره منذ الغزو الأمريكي للعراق. فأحزاب "الاطار التنسيقي الشيعي" ترفض حكومة الاغلبية الوطنية التي يدعو اليها الصدر. والتآلف "السني الكردي" رفض التفاوض مع الصدر لايجاد مخرج بهذا الشأن. فالبرزاني من جهته، عندما دعى الشيعة الى التوافق فيما بينهم على رئيس للوزراء، فهو يدرك انه بذلك سيحرج الجميع، مستهدفا فيما لو تعذر تشكيل "حكومة توافق" طائفي، أمرين: فرض شروطه لاجل مزيد من المكاسب الاقتصادية والجغرافية، وفرصة عودة التهديد لتحقيق هدف الانفصال عن العراق كما سعى إليه سابقا. اما الحلبوسي فانه يطمح الى ضمان ولاية ثانية لرئاسة البرلمان، فإن تحقق له ذلك فسيكون قد قطع نصف الطريق نحو الاستئثار بالسلطة على كامل مساحة المناطق السنية. انها محاولات لاعب النرد، لكنها بالتاكيد ليست سهلة المنال او خالية من الخطورة. اذ ان الاطار التنسيقي الشيعي يبحث عن مخرج "توفيقي"، يكفل مشاركته في السلطة كما يقيه شر ملاحقة منتسبيه قانونيا وتقديمهم للقضاء لما اقترفوه من خطايا، الا ان ذلك من غير الممكن دون حلحلة الامر مع الصدر، لكنه مأزق لا تُحسم جدليته الا انتفاضة جديدة. 

 

عصام الياسري

 

علجية عيشكثير من المفكرين والمنظرين والعلماء والمصلحين جذروا من تفشي المظاهر الفاسدة التي شوهت صورة الإسلام، فهذا الإنحراف سببه الدعوات إلى التمدن المزيف، هذا التمدن لم يرفضه الإسلام وإنما المسلمون فهموه خطأ، لأنهم أخذوا القشور وأهملوا اللب والمضمون، وهو التقدم العلمي والتحضر الفكري،كما أن الأمة الإسلامية التي غرقت في سباتها ولم تنهض نهضة حضارية شاملة لم تضع مخططا لمشروع المجتمع المسلم، لأنها انشغلت بحبها للسلطة وصراعاتها من أجل الوصول إلى الحكم، وأهملت الجانب الدعوي الذي يغرس الوعي من اجل التغيير الحقيقي والبناء.

 الإصلاح له مفاهيم عديدة فهو يعني إصلاح الإعوجاج والأخطاء وإعادة النظر في المسائل التي تثير اهتمام الأمة برؤية عقلانية بعيدة عن كل اشكال التعصب، فالحاكم يرى الإصلاح من زاويته والمحكوم كذلك، فالإصلاح بالنسيبة للحكام كما يرى بعض الباحثين هو تحديث الدولة من خلال تحديث أجهزتها (الجيش) والإدارة وتنمية الموارد المالية، وهو بالنسبة للمحكومين تحديث المفهوم السياسي للدولة، أما عند المفكرين والمنظرين وحتى العلماء فهو يعني حضور العدل عند أمة ويرون أن ظهور الفساد في الأمة الإسلامية وضعفها مرده ابتعادها عن الدين وقبولها للجور والظلم، يقول الباحث سعيد بنسعيد العلوي أن ما نراه اليوم مما نسميه إسلاما فهو ليس بإسلام، وما يعاب على المسلمين ليس من الإسلام وإنما هو شيئ آخر سمُّوه إسلاما، والدليل هو التأخر والجمود الذي عليه المسلمون اليوم ومستوى الإنحطط الذي بلغوه.

فما الحروب الأهلية التي تعيشها الأمة الإسلامية وما حل بها من شرور سببه عدم تطبيق الشريعة الإسلامية والعمل بالقوانين الوضعية، إذ كيف تنجح أمة تدين بالإسلام ودستورها ينص على أنها دولة إسلامية وشبابها غارق في المخدرات وأوكار الفساد من زنى وسرقات والنهب لمال الشعب، الغش في التجارة وفي الصفقات، الشهادة بالزور والصمت عن قول الحق من أجل خدمة مصلحة فردية، فساد في المنظومة السياسية وفساد في المنظومة التربوية والتثقيية، أمّة ينتشر فيها الفقر والأمراض والجهل والأمية، دون الحديث عن الظواهر الأخرى كالتشرد والتسول وانتشار الأطفال الغير شرعيين، ظهور المذاهب الباطلة في الساحة ولا أحد يحرك ساكنا من الغيورين على الدين والبلاد وهو يشاهدون يوميا نساء يبتن في الشورع ويتسولن، وأطفال قُصَّرٌ عرضة للأخطار.

لقد حذر كثير من المفكرين والمنظرين وكذلك العلماء والمصلحين من تفشي المظاهر الفاسدة التي شوهت صورة الإسلام، فهذا الإنحراف سببه الدعوات إلى التمدن المزيف، هذا التمدن لم يرفضه الإسلام وإنما المسلمون فهموه خطأ، لأنهم أخذوا القشور وأهملوا اللب والمضمون، وهو التقدم العلمي والتحضر الفكري، كما أن الأمة الإسلامية التي غرقت في سباتها ولم تنهض نهضة حضارية شاملة لم تضع مخططا لمشروع المجتمع المسلم، لأنها انشغلت بحبها للسلطة وصراعاتها من أجل الوصول إلى الحكم، وأهملت الجانب الدعوي الذي يغرس الوعي من اجل التغيير الحقيقي والبناء، والتغيير لا يعني تغيير الحاكم واستبداله بحاكم آخر، أو وزير بوزير آخر، و...و...والخ، وإنما بناء الرجال، رجال يعون الواقع الراهن ومستوياته ( السياسية، الإقتصادي، الإجتماعي، الثقافي والمستوى الإيديولوجي) ولكل واحد من هذه المستويات منهجه الخاص به.

ثلاث زعماء عرب أخفقوا: المهدي بن بركة جمال عبد الناصر وأحمد بن بلة

من خلال قراءة قصيرة لفكر العروي، فهذا الأخير يرى أن فشل الأمة الإسلامية وتأخرها وانحطاطها سببه الخيبة التي عرفتها الحركات التحريرية الوطنية في الدول العربية، واستدل العروي بثلاث زعماء عرب وهم: (المهدي بن بركة في المغرب، جمال بن عبد الناصر في مصر، وفي الجزائر أحمد بن بلة)، وقدم الأسباب وشرحها شرحا مفصلا، ويفهم من تحليله أن الأول كان يغلب عليه الخوف والتردد في إظهار مواقفه وإصدار الأحكام والقرارات التي تتعلق بشؤون الرعية، فكان كما يقول العروي يتجنب الموضوع أو يقول: "إن الوقت لم يحن بعد"، والثاني يكشف النقص الإيديولوجي وضعف الأفق في الميثاق الذي كان زبدة تفكير النخبة المثقفة المتعاونة مع النظام المصري، وهنا يلاحظ خيانة النخبة المثقفة للجماهير وتسليم نفسها ورقبتها للسلطة.

 والثالث وهو الرئيس الجزائري أحمد بن بلة يقول العروي أن هذا الأخير لم يهتم أدنى اهتمام ولم يقتنع ابدا بأرضية القرارات التي عرضت عليه ولم يقبل المقترحات إلا على اساس النتائج الوقتية واستمالة الرأي العام في الداخل والخارج، ويرى العروي ان هذه الإخفاقات علامة على الإخفاق الذي منيت به الحركات الوطنية في العالم العربي، فرغم أنها حققت النجاح بطردها الإستعمار من أرضها لكنها يقول العروي أخفقت في أن تحقق ما يكون المجتمع العربي في حاجة إليه من تحرر في المستويات السالفة الذكر، ويرى العروي أن هذا الإخفاق سببه كذلك العجز الإيديولوجي ونقصه أو الخلط الإيديولوجي، بل ربما هي الخلاعة الإيديولوجية، يضاف إليها تخلف الذهنيات،و غياب الفكر اللاتاريخي والوعي الساذج.

 إن الإخفاق الذي وقع فيه المثقف أيضا هو ظهور مفاهيم عديدة للمثقفين، منها ما أطلقوا عليه اسم المثقف "السلفي" والمثقف الذي يعتبر نفسه خصما للسلفية وثقافتها، كيف نسمي هذا المثقف؟ لا ندري كلما كان الحديث عن الإيديولوجية والثقافة الليبرالية تقحم فيها "السلفية" ولا ندري أنه كلما كان الحديث عن نقد المثقف العربي يراد به مثقف العالم الثالث، هذا المثقف الذي هو مطالب بمحاربة الفكر التقليدي كفكر يُجَسِّدُ السّلبية والتواكلية والإنهزامية، يجسد كل ماهو مرفوض أو غير مرغوب فيه، وهذا يستدعي أن يضع المثقفون العرب التجارب في الميزان وإخضاعها للدراسة والتحليل، كالتجربة الألمانية أو التجربة الفرنسية، والتجربة الفيتنامية أو تجارب دول العالم الثالث الذي ما تزال شعوبه في طريق النمو كما يدعي الغرب، أو حتى التجربة السوفياتية لاسيما والعروي كما تقول الكتابات ارتكزت رؤيته التحليلية على الإيديولوجية الماركسية باعتبارها عقيدة، إذ يقول: إن المثقف العربي كمثقف من العالم الثالث في حاجة إلى "الماركسية التاريخانية" ولهذا يدعوا عبد الله العروي إلى تحديث العقل العربي.

الثورة الإيرانية الإسلامية كانت ثورة ضد الحداثة على النمط الغربي

و إن كان هذا راي العروي فماذي يقول الرأي الآخر المضاد؟  فمنطق الغرب في رأي المفكر والمنظر اللبناني مهدي عامل (حسن عبد الله حمدان) في نقده الفكر اليومي مختلف عن منطق الشرق وهذا للتناقضات الموجودة بينهما (حضارة/ بربرية، ديمقراطية/ استبداد، تطور/ جمود، غرب/شرق) والماركسية تاول تجاوز هذه التناقضات جاعلة من أوروبا قوة توحيدية مثالا للعالم بقفزها على الصراعات الطبقية، فالآخر إما نقيض (بربري استبدادي) أو متشابه أي نمط رأسمالي مُشَوَّهًا، إنه كما يقول مهدي عامل منطق مغلقا يعبر عن استحالة التحول في زمن متواصل، وهو بهذا المعنى نقيض المنطق افسلامي الإستيعابي المتواصل، منطق الجماعة التي تتوسع تدريجيا، ويقارن مهدي عامل العلاقة بين المجتمع الأصلي والمجتمع المحدث، وذلك من مبادأ الثنائية، فالحاضر يكرر الماضي، والإسلام كما يرى مهدي عامل حين يبقى في قلوب الناس يشكل حالة مقاومة مستمرة، فالمجتمع الأصلي القائم في راهن المجتمعات العربية الإسلامية ظل هو هو المجتمع الأصلي الذي كان فيها قبل الغزو الإستعماري ولم يتغير فحدث الصراع بين الذات والآخر، بل وقع "الإغتراب".

و يستدل مهدي عامل بثورة إيران الإسلامية التي خابت فيها الليبرالية الرأسمالية والماركسية الشعبوية فلم تستطع كل منهما ان تُثَبِّتَ قدمها على أرض الإسلام، السؤال الذي طرحه مهدي عامل هو كالتالي: هل يستطيع العقل الإسلامي أن يقدم صيغة إسلامية معاصرة لمعالجة المستويات التي تحدث عنها العروي (الإجتماعية، اقتصادية، الثقافية والسياسية؟ ..الخ) ما حدث هو تغيير المصطلحات والمفاهيم ( ثورة إسلامية ضد التغريب والحداثة) أي صدّ الغرب، فالثورة الإيرانية الإسلامية في رأيه كانت ثورة ضد الحداثة على النمط الغربي حتى لا تدمر الجذور الثقافية للشعب الإيراني أو الأمة الفارسية إن صح التعبير، فكانت نهايتها سقوط نظام الشاه الذي اتبع سياسة التحديث وفق النسق الغربي.

و يستخلص مهدي عامل إلى أن الصراع هو صراع بين الذات والآخر، اي بين الفكر الظلامي والفكر العدمي بدليل أنه يوجد إسلام سُنِّي وإسلام شيعي، هذا الأخير الذي ظل راسخا يقاوم (العلويين والشيعة الإمامية في جبل عامل) فكان شكلا من اشكال المقاومة ضد حركة "الترسمل" وهي علاقات الإنتاج التقليدية السابقة على الرأسمالية يبقى الإسلام بوجود هذه الحركة ويزول بزوالها وهكذا تستمر المقاومة لكن يظل الإسلام منغلقا على ذاته، ولهذا يدعو العروي إلى تحديث العقل العربيأو كما يقول بنسعيد العلوي إعادة النظر في الخطاب العربي المعاصر، اي الممارسات النظرية التي يحيلها الفكر العربيء المعاصر لذاته منذ حملة نابليون بالنسبة إلى مصر وحلول الإستعمار الفرنسي في الجزائر وبداية إعلان الحماية في تونس وإعلان الحماية الفرنسية على المغرب بعد واقعة إيسلي على الحدود الجزائرية المغربية في صيف 1844 وأحداث اخرى ساهمت في بلورة الوعي العربي المعاصر بكييفات تختلف في الشكل وتتفق في الجوهر.

 

علجية عيش بتصرف

 

 

هاشم نعمةترجمة: د. هاشم نعمة

تعترف الولايات المتحدة بأن غارتها بطائرة بدون طيار في كابول قد انحرفت عن هدفها. قرأت كارولين رويلانتس* في تقارير جديدة عن عدد القتلى المدنيين في حروب أمريكا.

العودة إلى الموت والدمار. كما لاحظت، اعترفت الإدارة الأمريكية يوم الجمعة بأن الضربة الأخيرة بطائرة بدون طيار في أفغانستان لم تقتل أي من المتطرفين على الإطلاق، ناهيك عن منع هجوم جديد "وشيك". وبدلاً من ذلك، لقي عشرة مدنيين، بينهم سبعة أطفال، مصرعهم في 29 أغسطس / آب 2021، وتولى الجنرال ماكنزي، قائد القيادة المركزية الأمريكية، الإقرار بـ "المسؤولية الكاملة".

عادة، تحتاج واشنطن إلى وقت لا نهاية له للاعتراف بمثل هذا "الخطأ" – قتل موكب زفاف في اليمن بدلاً من طابور من المتطرفين- إذا أقر الاعتراف به على الإطلاق. الأمريكيون ليسوا وحدهم بأي حال من الأحوال في هذا الأمر، خذوا قتل المدنيين في هجوم شنته القوات الجوية الهولندية على الحويجة (العراق) في عام 2015**، والذي تمت مناقشته في هذه الصحيفة في تشرين الأول| أكتوبر 2019، وقد اعترفت الحكومة بالتورط به في وقت لاحق فقط. لكن بعد عشرة أيام من هجوم  الطائرة بدون طيار، قدمت صحيفة نيويورك تايمز صورة لما حدث بالفعل - لم يكن متطرفًا يحمل القنابل، ولكن قتل عامل طوارئ بالماء وغاز الطهي - ولم يكن لدى واشنطن من مخرج.

قُتل الكثير من المدنيين في "الحرب على الإرهاب"، الحرب التي شنها الرئيس بوش الابن على الإرهاب الإسلامي رداً على هجمات القاعدة في 11 أيلول| سبتمبر. أكثر بكثير مما كنت أعتقد، وربما أنت أيضًا. في تقرير جديد (1 أيلول| سبتمبر)، يُحصي مشروع "تكاليف الحرب" بجامعة براون ما مجموعه 363,939 إلى 387,072 حالة وفاة لمدنيين نتيجة الحرب المباشرة (ليس بسبب المرض أو الجوع) منذ 11 سبتمبر في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن وغيرها من مناطق الحرب ما بعد 11 سبتمبر. هذا هو على الفور أكبر عدد من قتلى الحرب؛ أكثر ممن قتلوا من مقاتلي المعارضة الذين جاؤوا في المركز الثاني (296,858 – 301,933) أو قتلى الشرطة والجيش الوطنيين أي حلفاء الولايات المتحدة الذين احتلوا المركز الثالث (204,645 – 207,845).

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُنسب جميع الوفيات وسط المدنيين إلى الطائرات الأمريكية بدون طيار. أيضًا هناك أعمال عنف أخرى مرتبطة بالحرب - فكر في القصف الجوي الذي طال الدولة الإسلامية - والمعارضين أو الحلفاء (انظر الحويجة). إذ في وقت سابق من هذا الشهر، قدرت مجموعة أبحاث "الحروب الجوية" Airwars عدد القتلى المدنيين الناتج من الهجمات الأمريكية بنحو 22000، وربما ضعف ذلك.

تمنح السلطات الأمريكية العليا الإذن على نحو متزايد لما تعتبر في الواقع عمليات قتل خارج نطاق القضاء. في ولايته الثانية، ضيق الرئيس أوباما من معايير استخدام القوة المميتة ضد الإرهابيين المشتبه بهم في أماكن أخرى. ثم جاء ترامب، الذي وسّع هذه المعايير على الفور مرة أخرى. وقد أدى ذلك إلى جعل عمليات الإعدام هذه طبيعية وزيادة في عدد القتلى المدنيين. ووفقًا لمكتب الصحافة الاستقصائية في لندن، سمح أوباما بـ 1878 هجوم بطائرات بدون طيار خلال السنوات الثماني التي قضاها في السلطة. بينما كان ترامب مسؤولاً عن 2243 هجوم بطائرات بدون طيار في العامين الأولين من رئاسته.

كان بايدن يدرس المعايير لفترة من الوقت - هل يجب أن تكون أكثر صرامة أو حتى أكثر مرونة مما هي عليه الآن؟ يتم الآن تنفيذ الهجمات في حوالي عشر دول - هل ينبغي أن يكون هناك المزيد من الهجمات، ربما في إفريقيا حيث أصبح أيضًا تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة أكثر نشاطًا؟ وقد دعا عدد كبير من منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الأخرى بايدن إلى إنهاء هذه الهجمات والتي لا تحل في نهاية المطاف أي شيء كما ثبت في أفغانستان.

ومنذ ذلك الحين، اتبعت المزيد من الدول خطى أمريكا: إسرائيل وتركيا وإيران على سبيل المثال لا الحصر.

* كارولين رويلانتس، هي خبيرة في شؤون الشرق الأوسط.

**  بحسب التقديرات الأمريكية قُتل 70 مدنيا في الحويجة، وكان القصف قد استهدف مخزن قنابل تابع لداعش كما ذكر، لذلك قررت هولندا إجراء تحقيق مستقل عام 2020، لكنه مازال بطيئا ويتعرض إلى معوقات.( المترجم)

 

...........................

* الترجمة عن: NRC Handelsblad 20 September 2021

 

عبد الخالق حسينمقدمة: قبل 15عاماً، وتحديداً يوم 19/5/2007، نشرت مقالاً بعنوان: (توني بلير سيخلده التاريخ بمداد من ذهب). ورأيت من المفيد أن أعيد نشره اليوم بعد إضافات قليلة لتحديثه بمناسبة تكريم السيد بلير من قبل الملكة إليزابيث الثانية بوسام الفروسية، وما أثار هذا التكريم من احتجاجات ظالمة ضده من قبل بعض المتياسرين والمتباكين على سقوط نظام البعث الدموي.

والجدير بالذكر أن في بريطانيا تقليد متعارف عليه أن تقوم الملكة إليزابيث الثانية بتكريم المتميزين والمبدعين بوسام الفروسية (Knighthood) وغيرها مرتين في السنة، الأولى عند حلول العام الجديد، والثانية في عيد ميلادها يوم 12 حزيران. ولكن من دون غيره، ولأول مرة، تقوم ضجة مفتعلة من قبل تحالف غير مقدس يضم مجموعات سياسية متطرفة منبوذة وغير متجانسة أصلاً، لم يجمعها أي جامع سوى العداء والحقد على توني بلير لسبب واحد، ألا وهو مساهمته الفعالة مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش (الابن)، في إسقاط أبشع نظام دكتاتوري فاشي حكم العراق. ويقال أن عدد الموقعين على عريضة الاحتجاج بلغ نحو مليون توقيع. فمن هم هؤلاء المحتجون؟ ولماذا الاحتججاج؟

هؤلاء هم اليسار البريطاني المتطرف المندس في حزب العمال، والذي لعب دوراً كبيراً في فشل الحزب في العديد من الانتخابات البرلمانية العامة، وذلك بسبب تبنيها شعارات ومطالبات تعجيزية ترفضها الغالبية العظمى من الناخبين البريطانيين الرافضين للتطرف و من أي كان، يميني أو يساري، مثل نزع السلاح النووي من طرف واحد، وتأميم المؤسسات الاقتصادية وغيرها، وبالتالي فنتيجة أعمال هذا اليسار كانت في خدمة اليمين المتطرف. إذ كما قال لينين: "اليسار المتطرف واليمين المتطرف يلتقيان ولكن عند حوافر الفرس". وكذلك يضم هذا التحالف ضد بلير بعض الاعلاميين البريطانيين والعرب الذين اشتراهم صدام حسين بكوبونات النفط المعروفة، إضافة إلى نسبة من المهاجرين العرب والمسلمين المقيمين في بريطانيا الذين كانوا من المستفيدين من بقاء حكم البعث.

ولحسن الحظ، انبرى عدد من الكتاب العراقيين الأخيار في الدفاع عن السيد بلير، وفضح المتباكين على ما حل بالشعب العراقي من تداعيات سقوط الفاشية من أعمال إرهابية، من بينهم مقال الدكتور حميد الكفائي، بعنوان: (المحتجون على "فروسية" توني بلير)(1)، ومقال السيد رعد الحافظ: (وسام الفروسية لتوني بلير صفعة لأدعياء الوطنية الأنذال!)(2)

 نسي هؤلاء أو تناسوا، ما حل بالشعب العراقي وشعوب المنطقة على يد النظام البعث الصدامي من ظلم وجور، وتبديد الثروات على عسكرة المجتمع، وشن الحروب العبثية، ومن ثم الحصار الاقتصادي بعد جريمة غزو الكويت، حيث تسبب النظام بقتل الملايين في حروبه العبثية، الداخلية والخارجية، إضافة إلى تدمير الاقتصاد العراقي، والقضاء شبه التام على الطبقة الوسطى، وإفقار الشعب، مما دفع إلى هجرة نحو 5 ملايين مواطن عراقي من اجل الأمن والعيش بكرامة في دول الشتات.

أما الذين عارضوا إسقاط النظام فهم بالإضافة إلى من ذكرناهم أعلاه، كانوا من المستفيدين في العراق من النظام، وهم فلول البعث الساقط، وكذلك غالبية دول الجوار التي استفادت من بقاء النظام الصدامي في الحكم وذلك ليواصل اضطهاده للشعب العراقي، وإبقاء الحصار عليه، لأن هذه الحكومات كانت مستفيدة من إيقاف تصدير النفط العراقي، وتعويض السوق بمنتجاتهم النفطية، وما در عليهم هذا الحصار من إيرادات النفط الإضافية التي بلغت قيمتها مئات المليارات الدولارات التي حرِّم منها الشعب العراقي لثلاث عشرة سنة.

وراح هؤلاء المحتجون ومن يدعمهم، يرددون كذبة كبرى مفادها أن غرض بوش وبلير من إسقاط حكم صدام هو نهب ثروات العراق، وإفقار شعبه، وتدميره لمصلحة إسرائيل!!! بينما الواقع يؤكد أن الذين دمروا العراق هم أيتام حزب البعث الذين خسروا حكم البلاد، وبالتالي خسروا مصالحهم المادية وجميع امتيازاتهم، وكذلك دول الجوار التي أصيبت بالهلع خوفاً من نجاح الديمقراطية في العراق، ووصول عدواها إلى شعوبهم. لذلك أثاروا الفتن الطائفية في العراق، وراحوا يحشدون التنظيمات الإسلامية الإرهابية المتطرفة، وإرسال القتلة لقتل العراقيين وتدمير ممتلكاتهم، ليقولوا لشعوبهم، أنظروا ما فعلت الديمقراطية الغربية بالعراق.

وهذا يعني أن المحتجين على منح بلير وسام الفروسية يفضلون بقاء حكم صدام والحصار الاقتصادي على العراق إلى أجل غير معلوم، وتحت مختلف المعاذير الباطلة. يجب أن يعرف هؤلاء أن سبب الاضطرابات ما بعد سقوط النظام هو ليس بوش وبلير، بل العراقيون أنفسهم الذين استقووا  بدول الجوار ضد بعضهم البعض في صراعات طائفية واثنية، وبدوافع الأنانية والمصالح الفردية والفئوية. أما بوش وبلير فقد نجحا في إسقاط دولة المنظمة السرية وجمهورية الرعب، وأقاما نظاماً ديمقراطياً لم يعرفه العراق من قبل، وإذا حصلت الأخطاء ما بعد السقوط فالمسؤول عنه هم العراقيون الذين أساؤوا  التصرف نتيجة فسادهم وعدم خبرتهم في الحكم، وكذلك الحكومات الخارجية التي تدخلت في الشأن العراقي وساهمت في إفشال العملية السياسية، لأسباب أشرنا إليها أعلاه.

والآن أترك المجال للقراء الكرام لقراءة المقال الذي نشرته بتاريخ 19/5/2007، ويحكموا ضمائرهم فيما إذا كان توني بلير يستحق وسام الفروسية أم لا؟

****

توني بلير سيخلده التاريخ بمداد من ذهب

د.عبدالخالق حسين

19/5/2007

من المفارقات الكبرى المعروفة في كل زمان ومكان أن الأبطال العظام في التاريخ دائماً يكونون مثيرين للجدل والخلاف، فينشق حولهم الناس إلى فريقين، موال ومحب بشدة، ومعادي ومبغض بشدة. وكلما كان البطل التاريخي واضحاً وملتزماً بمواقفه المبدئية كان الخلاف والجدل حوله أشد و أعنف. فهكذا كان الإمام علي بن أبي طالب الذي وصفه الدكتور علي الوردي بأنه أكثر من شق المسلمين، لأنه لم يساوم على مبدأ العدالة الاجتماعية، وتشدد في تطبيق مبادئ الإسلام كدين يطلب العدل والمساواة بين الناس، بينما رؤساء القبائل وبعض الصحابة أرادوا منه أن يميِّز بينهم وبين أبناء قبائلهم، وعبيدهم في توزيع الغنائم. لذا فكان الإمام علي شريراً وكافراً في نظر خصومه وبالأخص الخوارج، وقديساً عند أتباعه وخاصة الشيعة.

وهذا ما يجري الآن للسيد توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق الذي أعلن في الأسبوع الماضي أنه سيستقيل يوم 27 حزيران/يونيو القادم عن رئاسة الحكومة بعد عشر سنوات في قيادة السلطة و 13 عاماً في قيادة حزب العمال الحاكم. والرجل كغيره من المصلحين، اختلف الناس حوله، فمن يراه شريراً ومن يراه بطلاً تاريخياً يستحق كل التقدير.

لا أفشي سراً إذا قلت أني من المعجبين جداً بهذا القائد السياسي اللامع الذي ساهم مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في إسقاط أبشع نظام دكتاتوري عرفه التاريخ ألا وهو النظام البعثي الدموي الصدامي في العراق.

لقد تبوأ السيد توني بلير قيادة حزب العمال عام 1994 على أثر وفاة الراحل جون سميث زعيم الحزب المفاجئ بسكتة قلبية. وكان الحزب يتعافى آنذاك من مشاكل مزمنة كالانشقاقات في صفوفه والصراعات الفئوية بين جناحيه اليسار واليمين حول سياسات معينة جعلته في حكومة الظل لمدة 18 عاماً ، حيث رفضت غالبية الشعب البريطاني حزب العمال طيلة تلك الفترة عقاباً له على هيمنة اليسار الطفولي على سياساته، والإضرابات المتوالية التي شنتها نقابات العمال، والتي شلت الحياة في بريطانيا وخاصة في شتاء عام 1979 الجليدي القارص، والذي أطلق عليه البريطانيون (Winter of discontent)، أي شتاء التذمر في عهد رئيس الوزراء العمالي الراحل جيمس كالاهان. إضافة إلى تمسك هذا اليسار بسياسات ومبادئ قديمة ومتطرفة في نظر معظم الناخبين البريطانيين، ولا تلائم تطورات العصر مثل سياسة نزع السلاح النووي من طرف واحد، وهيمنة اتحاد النقابات على قرارات الحزب، والتمسك بالمادة الرابعة من دستور الحزب، التي كانت تقضي بتأميم المؤسسات الاقتصادية وفق الاشتراكية الماركسية، حيث صارت المؤسسات التي أممها الحزب بعد الحرب العالمية الثانية عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على خزانة الدولة لما كانت تسببه من خسائر مادية بدلاً من الأرباح والنمو الاقتصادي...الخ.

وبعد فشل الحزب في الانتخابات البرلمانية عام 1979، وفوز حزب المحافظين بقيادة السيدة مارغريت تاتشر، تنحى جيمس كالاهان زعيم الحزب آنذاك عن قيادة الحزب وتم انتخاب الزعيم اليساري المعروف (مايكل فوت) زعيماً للحزب رغم تقدمه في السن، والذي واصل تأييده لليساريين.

فكانت النتيجة كارثة ماحقة على الحزب، حيث أصيب بهزيمة تاريخية مذلة في الانتخابات البرلمانية العامة سنة 1983، مما اضطر مايكل فوت إلى الاستقالة مدحوراً مهموماً، ليفسح المجال للجيل الجديد من قادة الحزب حيث تم انتخاب السيد نيل كينوك زعيماً للحزب. وقد تميَّز نيل كنوك بالشجاعة والكفاءة والحيوية والحكمة وفن الخطابة والتواصل المؤثر مع الجماهير، ورغبته في تغيير سياسة الحزب وتحويل اتجاهه، من حزب مرفوض من قبل غالبية الناخبين إلى حزب قابل لنيل ثقتهم والحكم. إلا إن مشاكل الحزب كانت كثيرة وعميقة ومزمنة لا يمكن معالجتها في فترة قصيرة وذلك نظراً لثقل اليسار المعارض للإصلاح داخل الحزب. فرغم نجاح السيد كينوك في إجراء بعض التغييرات ولكن هذه التغييرات لم تكن كافية ولم يكن بمقدوره الذهاب إلى أبعد مما ذهب في غضون ثمان سنوات من زعامته للحزب، لذا فشل في انتخابين متتاليين آخرين إثناء زعامته للحزب، مما اضطر هو الآخر إلى الاستقالة، وجاء بعده الراحل جون سميث، وهو سكوتلندي وسياسي بارز، وخطيب برلماني مفوه ومؤثر، واصل عملية الإصلاح التي بدأها كينوك، ولكنه توفي فجأة بسكتة قلبية عام 1994، أي بعد عامين من توليه زعامة الحزب مما فسح المجال للشاب اللامع والمحامي القدير توني بلير لزعامة الحزب والذي حصد ثمار الإصلاح الذي تم على أيدي كينوك وسميث اللذين مهدا له طريق الفوز.

يتميز توني بلير بالكارزمائية والشجاعة الفائقة والذكاء الحاد، وحيوية الشباب النشط وجاذبية نجوم السينما اللامعين، وهو نفسه كان عازف كيتار ومغنياً طويل الشعر مثل الهبيز عندما كان طالباً جامعياً، وكان يحلم أن يكون نجماً في إحدى فرق الروك أند رول. لقد جمع بلير بين الحظ والكفاءة فحصد ثمار جهود كينوك وسميث في تحويل حزب العمال إلى حزب قابل لنيل ثقة الأغلبية لاستلام السلطة. كان محظوظاً لأن كينوك وسميث قد قطعا شوطاً بعيداً في إصلاح الحزب وتخليصه من هيمنة اليسار المتشدد، والمبادئ التي أكل الدهر عليها وشرب ومهدا له الطريق لقطف الثمار.

كذلك قامت السيدة مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء وزعيمة حزب المحافظين، بتقليم أظافر اتحاد نقابات العمال (TUC) خلال حكمها، فقلصت من نفوذهم وواجهت إضراباتهم بالشدة غير المعهودة، كما ونفذت سياسة خصخصة المؤسسات الاقتصادية الكبرى مثل شركة النفط البريطانية (BP)، وشركة التلفونات (BT)، وشركة الطيران البريطانية (BA) والمؤسسات الكهربائية وشبكات توزيعها وغيرها من المؤسسات الاقتصادية الخدمية والانتاجية، وحققت نجاحاً باهراً في هذا المجال. ونتيجة لهذه النجاحات أصاب حزب المحافظين نوع من الغرور بعد نحو عشر سنوات في الحكم عندما أصدرت السيدة تاتشر قانوناً مجحفاً بحق الأغلبية مثل قانون ضريبة السكن الذي كان حسب حجم الدار وثمنه، فجعلته السيدة تاتشر حسب عدد الأفراد الساكنين في الدار (pole tax)، الذي خفَّف الضريبة على الأغنياء، وضاعفها على الفقراء. وكان هذا القانون هو الذي أدى إلى سقوط السيدة تاتشر وتذمر الشعب البريطاني من حزب المحافظين، فأرغم المتنفذون في قيادة الحزب السيدة الحديدية على الاستقالة عام 1992، وجاء بعدها السيد جون ميجر الذي استمر في الحكم لست سنوات أخرى. وعندها مل الشعب البريطاني من حكم المحافظين، فتولدت لديه الرغبة في التغيير بعد 18 عاماً من الحكم بيد حزب واحد، خاصة وإن جون ميجر اتصف بالضعف، حيث وصفه الصحفي الإنكليزي المعروف أندرو مار (Andrew Marr) في صحيفة الإندبندنت آنذاك، أن جون ميجر لم يترك أي أثر في التاريخ السياسي البريطاني، وكان كل دوره محصوراً في منع حدوث الأشياء، وإذا أراد التاريخ أن يذكره بشيء فسيقول عنه أن "جون ميجر هو رئيس الوزراء البريطاني الذي جاء بعد تاتشر وقبل بلير".

لذلك لعبت كل هذه الظروف في صالح توني بلير، إلا إن الرجل كان مؤهلاً بالفطرة والكفاءة لاستثمار هذه الظروف، ويجعل منها فرصة ذهبية لتحقيق المزيد من التغيير والإصلاحات في حزب العمال فنجح في إلغاء المادة الرابعة المشار إليها أعلاه من دستور الحزب، كذلك ألغى سياسة نزع السلاح النووي من طرف واحد، وغيرها كثير من الإصلاحات التي بدأها نيل كينوك في الثمانينات. وبذلك فقد نجح بلير في تجديد الحزب وجعله بحق يستحق اسم (حزب العمال الجديد New Labour).

لقد حقق توني بلير بزعامته فوز الحزب بالسلطة لثلاث دورات برلمانية لحد إعلان استقالته، وهذا نجاح غير مسبوق لحزب العمال منذ تأسيسه عام 1900. كما حقق الكثير من الإنجازات للشعب البريطاني، فبنى أقوى اقتصاد لأطول مدة لحد الآن، مع أقل نسبة تضخم العملة، كما وأجرى تحسينات كبيرة غير مسبوقة في الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية، وضاعف عدد طلبة الجامعات، ووفى بجميع التزاماته وتعهداته التي قطعها على نفسه للشعب البريطاني.

ولكن أعظم منجز حققه توني بلير، والذي سيذكره له التاريخ، هو نجاحه في حل مشكلة آيرلندا الشمالية التي بقيت مستعصية على الحل لعشرات السنين وأودت بحياة الألوف من الأبرياء. لقد حقق توني بلير السلام لهذه البقعة، ونجح في جمع الأعداء للمشاركة في حكومة واحدة، تمخضت مساعيه عن توقيع اتفاقية الجمعة الحزينة (The Big Friday) عام 1998، التي حققت السلام في هذه المقاطعة بعد عشرات السنين من الحرب الأهلية بين الكاثوليك الجمهوريين الموالين لجمهورية إيرلاندا، وبين البروتستانت  الموالين لبريطانيا. وهذا المنجز يعتبر عظيماً وفق جميع المقاييس.

وفي السياسة الخارجية، دافع بلير عن الشعوب المضطهدة وخاصة تلك التي واجهت إبادة الجنس، مثل شعوب البلقان، فأقنع الرئيس الأمريكي بيل كلنتون لإنقاذ هذه الشعوب من الإبادة على يد الفاشية الصربية رغم معارضة الأمم المتحدة والوحدة الأوربية لشن حرب على نظام ميلوسوفيج، وبذلك أنقذ بلير هذه الشعوب. كذلك في تيمور الشرقية حيث أنقذ بلير مع بيل كلنتون هذا الشعب من الإبادة على يد حكومة إندونيسيا في عهد سوهارتو. كما وبذل بلير قصارى جهوده مع بيل كلنتون وخليفته بوش في سبيل حل الصراع العربي-الإسرائيلي، وإقامة الدولة الفلسطينية ولكن دون جدوى. كما ونجح بلير في إقناع الدول الصناعية الكبرى في إسقاط الديون عن الدول الأفريقية الفقيرة، والتي كانت تقدر بخمسين مليار دولار... وهكذا ترك بلير بصماته على مجالات كثيرة سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية.

مشكلة بلير بدأت بعد الحرب العراقية وإسقاط نظام المقابر الجماعية في العراق. فمن الناحية الإخلاقية، لقد أصر بلير على التزامه بإنقاذ الشعب العراقي من الفاشية البعثية كما أنقذ شعوب البلقان وتيمور الشرقية من قبل. ولم يكذب بلير حول ملف أسلحة الدمار الشامل كما يدعي البعض. بل هذه هي المعلومات التي وفرتها له الاستخبارات البريطانية والأمريكية. كذلك يجب أن لا ننسى أن صدام حسين نفسه كان يتباهى بقرب امتلاكه للسلاح النووي، وكان يسعى لتحقيق ذلك. وكان صدام يمتلك سلاح الدمار الشامل من نوع آخر مثل الكيمياوي الذي استخدمه ضد الشعب الكردي في حلبجة، وكذلك في الحرب مع إيران. وغني عن القول، أن سلاح الدمار الشامل لا يعني النووي فقط، بل ويشمل الكيمياوي والجرثومي أيضاً.

والكل يعلم أنه خلال الأشهر الأولى من سقوط الفاشية كانت غالبية الرأي العام البريطاني والأمريكي والعراقي مع الحرب على صدام، ولكن بعد أن تكالبت قوى الشر على الشعب العراقي، والمعادية للديمقراطية في العراق خوفاً على عروشها، ولكي لا تصل رياح التغيير إلى بلدانهم فتكتسح أنظمتهم الجائرة، لذا راحوا يجندون الإرهابيين ويرسلونهم زرافات إلى العراق لقتل العراقيين و وأد الديمقراطية الفتية فيه. وعندما تصاعد عدد ضحايا القتل الإرهابي في العراق، راحوا يبشرون بفشل الحرب ويلقون اللوم على بلير وبوش مدعين أنهما ارتكبا خطأً كبيراً في إسقاط صدام حسين وأن الحرب كانت غير شرعية...الخ.

والمشكلة أنه لم يسأل أي من هؤلاء نفسه السؤال التالي: ماذا لم يتم إسقاط حكم صدام؟

وجواباً على هذا السؤال يرجى مراجعة مقالنا بهذا العنوان (الرابط رقم 3 في الهامش).

لم ينتقد أحد بلير وكلينتون على إسقاط نظام ميلوسوفيج رغم عدم حصول قرار موافقة الأمم المتحدة، لأن العملية نجحت، ولأن ميلوسوفيج لم يمتلك المليارات من الدولارات لشراء الذمم والمنظمات اليسارية واليمينية للدفاع عنه، وعن نظامه كما فعل صدام حسين وحزب البعث اللذان نهبا ثروات الشعب العراقي والتي تقدر منهوباتهما بنحو 60 مليار دولار (مالية الحزب)، والتي مازالت تعمل في إدارة الإرهاب في العراق. فكما قال بلير عن الحرب العراقية خلال زيارته الأخيرة لواشنطن يوم 19/5/2007 "اتخذنا قرارا صعبا للغاية، واعتقدنا حينئذ ومازلتُ أعتقد أنه كان القرار الصائب".

اعتقد جازماً أن قرار توني بلير وبوش كان صائباً وسوف يقيِّمه التاريخ لصالحهما. لقد دخل بلير التاريخ من أوسع أبوابه، وسيذكره أنه الزعيم السياسي الشجاع الذي عمل وفق ما كان يمليه عليه ضميره الحي، وإخلاقيته الراقية، فأسقط الطغاة من أمثال صدام حسين، وميلوسوفيج، وناصر الشعوب المغلوبة على أمرها، الزعيم الذي قاد حملة واسعة لمساعدة الشعوب الفقيرة بإسقاط ديونها، ومحاربة الفقر في العالم. أما التحسينات التي أجراها على حياة الشعب البريطاني فلا تقدر.

وفي الختام، من الجدير بالذكر التطرق إلى علاقة بريطانيا بأمريكا. إن العلاقة بين البلدين هي علاقة إستراتيجية وجودية ومصيرية غير قابلة للمساومة بغض النظر عن أي حزب أو أي شخص يقود السلطة في كلا البلدين. إنه في منتهى السذاجة من يعتقد أن توني بلير كان خاضعاً لجورج دبليو بوش. فهذا التحالف البريطاني- الأمريكي له جذوره في عمق التاريخ منذ استقلال أمريكا في أواخر القرن الثامن عشر وإلى الآن، وهكذا كانت العلاقة المصيرية في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي عهد تشرتشل، وعهد تاتشر وعهد توني بلير، وستستمر هذه العلاقة بهذا التلاحم والتحالف الاستراتيجي إلى أجل غير معلوم. وهذه السياسة ليست في صالح الشعبين الأمريكي والبريطاني فحسب، بل هي في صالح البشرية جمعاء أيضاً. وهذا ليس تطرفا أو مبالغة مني كما يتصور البعض، بل أذكرهم بما كان سيحل بالبشرية لولا هذا التحالف الإستراتيجي بين أمريكا وبريطانيا، لكان العالم اليوم غابة يحكمها الطغاة من أمثال هتلر، وموسوليني، والعسكرتارية الفاشية اليابانية، ومعمر القذافي، وصدام حسين وأبنائه.

لقد تقاعد توني بلير مرفوع الرأس مكرماً ومعززاً وهو في أوج نشاطه وعنفوان عطائه الفكري والسياسي، يمتلك طاقة فكرية هائلة وحيوية فائقة، وهكذا شخص لامع ونشط لا بد وأن ينتظره مستقبل رائع وسيخلده التاريخ بمداد من ذهب.

19/5/2007

***

د.عبد الخالق حسين

..........................

روابط ذات صلة

1- د. حميد الكفائي: المحتجون على "فروسية" توني بلير

https://akhbaar.org/home/2022/1/290739.html

2- رعد الحافظ: وسام الفروسية لتوني بلير صفعة لأدعياء الوطنية الأنذال!

https://akhbaar.org/home/2022/1/290646.html

3- د.عبدالخالق حسين: ماذا لو لم يتم إسقاط حكم صدام؟

http://www.akhbaar.org/home/2016/7/214312.html

 

محمد عمارة تقي الدين"إذا كان هرتزل هو ماركس الصهيونية فإن هتلر هو لينينها"، كثيراً ما تتردد تلك المقولة في الأوساط الثقافية، وهي تذهب إلى أنه إذا كان تيودور هرتزل هو واضع الأساس التنظيري للأيديولوجية الصهيونية مثلما وضع كارل ماركس الأساس التنظيري للأيديولوجية الشيوعية، فإن هتلر هو المُطبِّق الفعلي للصهيونية في الواقع الفلسطيني مثلما أن لينين هو من غرس الشيوعية في الواقع الروسي وجعلها تمشي على قدمين.

فالحقيقة أن هتلر هو من أعطى الحركة الصهيونية قبلة الحياة، فلولا ما ارتكبه من بشاعات لما توجه يهود أوروبا بهذا الكم إلى فلسطين ولاندمج أغلبهم في المجتمعات الأوروبية، ومن ثم فشل ذريع للإستراتيجية الصهيونية.

يرى البعض أن العامل المشترك بين النازية والصهيونية هو كراهية الآخر، كل الآخر، مقابل المبالغة في تمجيد الذات، وهم مُحِقّون في ذلك إلى حد بعيد، لكن هذا ليس كل شيء.

فالغوص في أكثر مستويات التحليل عُمقًا هو أمر من شأنه أن يُخبرنا أن كلتا الأيديولوجيتين(النازية والصهيونية) تُعدان توأمان فوتوغرافيان بشكل مخيف.

فقط ما يُفرقهما هو اتكاء الصهيونية على عقائد دينية استطاعت ليّ عنقها وتسخيرها لحشد الدعم لأيديولوجيتها ذات النزعة العنصرية الغارقة في عنفها، ومع ذلك فهناك من يحلو له الحديث عن وجود نزعة دينية كامنة داخل الأيديولوجية النازية وفي عمق نسقها الفكري، حيث إضفاء القداسة على كل من الزعيم والأرض والشعب.

كلتاهما(الصهيونية والنازية) ابنتا الحضارة الغربية، فمن رحمها خرجتا، ومن فلسفتها المادية انبثقتا بكل حمولتها النفعية الموغلة في لا إنسانيتها، حيث البقاء للأقوى، وأن قانون الحياة هو : حيتان كبيرة تلتهم أسماكاً صغيرة ولا مجال للشفقة أو الرحمة الإنسانية.

كما أن الصهيونية والنازية، لم يكونا أعداء يومًا ما، كما ادعت بعض المراجع التاريخية التي تناولت الأمر بشيء من السطحية، بل تعاونا من أجل تحقيق هدفهما المشترك، وهو إخراج اليهود من أوروبا، سواء أكان خروجًا اختياريًا أم جبريًا، فلولا القدر الهائل من العنف النازي ما توجه اليهود بهذه الأعداد الكبيرة لفلسطين ولربما سقط المشروع الصهيوني في هوّة العدمية.

أن الإثنين (النازية والصهيونية) أسهمتا في إحداث دمار مادي وروحي هائل لليهود: النازية على المستوى المادي، والصهيونية على المستوى الروحي، وهو ما يؤكده اليهود من غير الصهاينة، يقول الحاخام أمنون يتسحاق:"إذا كان هتلر قد حطَّم الشعب اليهودي جسديًا، فإن هرتزل حطَّمه روحيًا"، فالصهيونية عمدت إلى تفريغ الدين اليهودي من كل أبعاده الروحية لينتهي به الحال كأيديولوجية قتل وإبادة.

كلتاهما(الصهيونية والنازية) اعتمد إستراتيجية من خطوتين: القتل أو الترحيل لأناس كانوا مستقرين في أوطانهم ولم يكونوا يومًا ما أعداء مقاتلين لهم، اليهود (في المثال النازي)، والشعب الفلسطيني (في المثال الصهيوني).

فمثلما لجأ النازيون للإبادة الجماعية لأعراق أخرى فعل الصهاينة ذات الشيء، يقول المفكر اليهودي توم سيجيف (Tom Segev): " تعد الإبادة الجماعية واحدة من أهم الذرائع التي اختلقتها الصهيونية لإنشاء دولة إسرائيل تماماً مثلما الوعد الإلهي في التوراة".

والحقيقة أن المجازر وجرائم الإبادة لعنصر من البشر داخل كلا النسقين(النازية والصهيونية) على بشاعتها مبررة تمامًا باعتبارها الآلام التي تسبق مرحلة المخاض (الولادة)، فلا بد منها إذن، ولا بديل عنها، بل هي بشارات وإرهاصات الخلاص الديني/العلماني وتحقق الفردوس الإلهي/البشري على الأرض.

هنا مجتمع وجنة السوبرمان( في الحالة النازية)، وهناك مجتمع وجنة ما بعد الخلاص أو العصر المسيحاني (في الحالة الصهيونية).

هنا شعب يهودي مُختار تجري في عروقه دماء مقدسة والتاريخ يتشكل من أجله، وهناك شعب ألماني متفوق تجري في عروقه دماء زرقاء وعليه عبء إنقاذ البشرية من واقعها المرير عبر القتل الرحيم لكل من يعطل مسيرتها تلك.

وتتحدث الكثير من المراجع عن تأثر هرتزل الكبير بأطروحات الحضارة الألمانية المُمجِّدة للقوة، وهو ذات النبع الذي استقى منه هتلر أفكاره.

يرى روجيه جارودي أن الصهيونية ليست ابنة اليهودية بل مثلها مثل النازية هي ابنة النزعة القومية والاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر، ومن ثم فإسرائيل هي ابنة مشروع الحداثة، هي منتجه الأكثر رداءة، مثلما النازية تمامًا.

وهو ما أعاد عبد الوهاب المسيري تأكيده من بعده، إذ يقول:"الفكر الصهيوني مثله مثل الفكر النازي ترجمة للرؤية الداروينية، فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين كممثلين للحضارة الغربية يحملون عبء الرجل الأبيض وهم نظرًا لقوتهم العسكرية يملكون مقدرة أعلى على البقاء، أي أنهم جاءوا من الغرب مسلحين بمدفعية أيديولوجية وعسكرية داروينية ثقيلة، وقاموا بتسوية الأمور من خلال الموقع الدارويني النيتشوي، فذبحوا الفلسطينيين وهدموا قراهم واستولوا على أرضهم، وهي أمور شرعية تمامًا من منظور دارويني".

لقد أشار الفيلسوف وعالم الاجتماع اليهودي زيجمونت باومان لهذا التماثل بين النازية والصهيونية، بل وأدان سياسة الكيان الصهيوني، مؤكدًا تقويضها لأي عملية سلام جادة، لأنها من دون الحرب والتعبئة العامة لا تعرف كيف تعيش، في المقابل تقوم بتوظيف الهولوكوست لشرعنة جرائمها ضد الفلسطينيين، بل ورأى أن جدار الفصل العنصري هو تقليد للجدران التي أقامتها النازية في مدينة وارسو البولندية وقت أحداث الهولوكوست.

وها هو موشيه تسيمرمان البروفسور بالجامعة العبرية الإسرائيلية وقد أكد أن ممارسات الكيان الصهيوني الإجرامية ضد الفلسطينيين هي متطابقة تماماً ممارسات النازيين الإجرامية ضد اليهود قديماً.

فالحركة الصهيونية كما النازية هي في حقيقتها ابنة الحضارة الغربية، ومثلما ظهرت الأيديولوجيات والنعرات الاستعمارية بها ظهرت الحركة الصهيونية هي الأخرى منادية بأن يكون لليهود وطن قومي عبر عمل استعماري إحلالي يجري من خلاله طرد الفلسطينيين من أرضهم وتوطين يهود مكانهم.

وفي ذلك نتفق مع الدكتور عبد الوهاب المسيري فيما يذهب إليه بأن"الصهيونية ليست انحرافًا عن الحضارة الغربية، وإنما هي إفراز عضوي لهذه الحضارة ولما نسميه بالحداثة الداروينية، أي الحداثة التي تهدف إلى تحويل العالم إلى مادة استعماليه لصالح الأقوى" فأوروبا قررت الانقضاض على بلدان العالم الثالث لحظة ضعفها الحضاري لنهب ثرواته واستيطان أراضيه، وهكذا فعلت الحركة الصهيونية.

وها هي حركة ناطوري كارتا اليهودية المناهضة للصهيونية، إذ دائمًا ما تتحدث عن وجود علاقة حميمة ووطيدة بين الصهيونية والنازية بعكس ما يُشاع، فالصهاينة وفقًا للحركة قد تعاونوا مع النازيين ودفعوهم للقضاء على يهود شرق أوروبا الذين كانوا يرفضون الحركة الصهيونية، وهو رفض من شأنه نزع الشرعية الدينية عن الصهيونية، وأنهم بهذا العنف ضد اليهود قد دفعوهم للهجرة إلى فلسطين ومن ثم إقامة إسرائيل مجسدة في ذلك الحلم الصهيوني.

ومن ثم فكلتا الأيديولوجيتين (الصهيونية والنازية) من أطروحات القتل والتهجير انبثقتا، فالفكرة الصهيونية عنصرية تمامًا كما الفكرة النازية، بل الأولى تستمد بشاعتها من اتكائها على أسس عقائدية محرَّفة، ومن ثم يبدو القتل في نسقها الفكري وكأنه فعل مقدس يتقرب به المرء لله.

بل تزداد بشاعة الأيديولوجية الصهيونية في كونها توجِّه جرائمها نحو شعب لم يعتدي عليهم يومًا ما، فماذا فعل الشعب الفلسطيني الذي كان يكِّن كل مودة واحترام لليهود الذين يعيشون معه في الأراضي المُقدَّسة؟!

في حين أن النازية تبرر جرائمها بأنها تريد الخلاص من العناصر الغير منتجة في المجتمع الألماني، والتي تمثل بحسب زعمها عناصر كبح لتقدمها الحضاري، وعلى رأسها اليهود الذين اتهمتهم بارتكاب وإشاعة كثير من الجرائم أللأخلاقية في أوروبا: كالربا والدعارة، وإن كان هذا أيضًا لا يبرر المجازر بحقهم مطلقًا.

الدرس الذي يجب أن نعيه هنا أن أطروحات الإبادة لشعب أو عرق ستظل إمكانية كامنة داخل النسق الفكري الصهيوني، مثلما هي في النسق النازي ولولاها لما قامت إسرائيل، يقول توم سيجيف:"الإبادة الجماعية شأنها شأن الوعد الإلهي في التوراة، هي أحد الذرائع الأيديولوجية لإنشاء دولة إسرائيل".

وكان بن جوريون يقول عن مناحم بيجن:"إن بيجن هو نسخة أخرى من هتلر، فهذا العنصري لن يتورع عن إبادة جميع العرب من أجل حلمه بإقامة إسرائيل الموحدة ".

وفي السنوات الأخيرة نجد الإرهابي الصهيوني موشيه فيجلين وقد عبَّر عن شديد إعجابه بشخصية أدولف هتلر ونزوعه نحو القتل والتطهير العرقي، فهو إذن فكر الإبادة النائم في أعماق الأطروحات الصهيونية ومن ثم أضحى يشكل قناعات الصهاينة التي تتمركز حول حتمية الخلاص من الفلسطينيين قتلًا أو تهجيرًا.

والحقيقة أن أطروحات الإبادة لديهم ليست مقصورة على الفلسطينيين فحسب، بل لكل جنس بشري يعتقد الصهاينة وقوفه حائلًا دون تحقُق الحلم الصهيوني، فها هو المُنظِّر الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي وقد عبر عن رغبته في إبادة الجنس الألماني ذاته فيقول:"إن مصالحنا اليهودية تقتضي إفناء ألمانيا تمامًا، فالشعب الألماني بأكمله يمثل خطرًا علينا".

من هذه الرؤية الإجرامية انبثق العنف الصهيوني في بيئة لم تعرف العنف، وهو العنف الذي عبر عن نفسه في شكل المذابح وعمليات التهجير والطرد التي تم إتباعها في تأسيس الكيان الصهيوني كإستراتيجية ترهيب وتفريغ وإحلال: ترهيب السكان الفلسطينيين عبر إحداث أكبر قدر من العنف ضدهم، ومن ثم تفريغ الأرض من هؤلاء الفلسطينيين، وفي النهاية يجري إحلال صهاينة مكانهم، وهي الإستراتيجية التي عبّر عنها مناحم بيجين بقوله : " لولا دير ياسين وأخواتها لما قامت إسرائيل" .

فمذبحة دير ياسين والتي ذهب ضحيتها نحو 250 شهيداً وأخواتها من المذابح التي تم ارتكابها بحق الفلسطينيين في عامي 1947م و1948م أدت لتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الفلسطينيين ممهدة الطريق أمام إعلان قيام الكيان الصهيوني، وكما تؤكد الكثير من المراجع التاريخية فإن عدد القرى التي هُجِّر أهلها في تلك الفترة الزمنية القصيرة بلغ نحو 531 قرية.

لقد تم ذلك كله بفعل العصابات الصهيونية المتطرفة مثل الهاجاناه، وشتيرن، والأرجون والتي اقترفت من المجازر ما يندى له جبين الإنسانية، والجدير بالذكر أنه من تلك العصابات الصهيونية تأسس الجيش الإسرائيلي، هنا ينتفي الاستغراب حول ما يرتكبه جنود هذا الجيش من بشاعات طوال تاريخه وصولا لوقتنا الراهن فهم أبناء وأحفاد الجيل الأول من المجرمين الصهاينة.

لقد اعترف أهارون زيسلينج وزير الزراعة الإسرائيلي في عام 1948 بتلك المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين، إذ كان عضوًا في عصابات الهاجاناه الصهيونية، حيث قال: " لم أستطع النوم طوال الليل، ما كان يجري يؤلم روحي بشكل عميق، فقد أخذ اليهود يتصرفون كالنازيين وهو ما يفجرني من الداخل".

وإذا ما حاولنا سرد بعض الوقائع التاريخية التي تؤكد وجود علاقة تعاون بين الصهيونية والنازية، فتتحدث المراجع التاريخية عن توقيع اتفاق بين رودولف كاستنير عضو لجنة الإنقاذ التابعة للوكالة اليهودية والقائد النازي الكبير أدولف إيخمان لتهجير ستمائة يهودي صهيوني مقابل التغاضي عن إبادة عدد ضخم من اليهود المعارضين للصهيونية.

كما سبق ذلك توقيع اتفاقية هعفراه (أي النقل بالعبرية)( Haavara Agreement) عام 1933م بين الصهيونية والنازية، وبموجبها تراجعت الحركة الصهيونية عن مقاطعتها للبضائع والمنتجات الألمانية مقابل السماح بنقل أموال اليهود المهاجرين إلى فلسطين قادمين من ألمانيا.

وبحسب كثيرين فقد اعتبر الصهاينة وجود الحكم النازي في ألمانيا هو فرصة تاريخية لن تتكرر لتحقيق الأهداف الصهيونية، وبالفعل فقد شكّل النازيون في برلين مكتبًا للإشراف على تهجير اليهود الألمان إلى فلسطين.

لقد كان الإرهابي الصهيوني دافيد بن جوريون يرفض إنقاذ الأطفال اليهود من الهولوكوست عبر إرسالهم إلي انجلترا مفضلًا أن يُذبح نصفهم على أن يُنقل النص الآخر إلى فلسطين، فالغاية لديه تبرر الوسيلة مهما بلغت بشاعة تلك الوسيلة وانحطاطها.

من هنا فقد اعتبر البعض هتلر صهيونياً، بل إن موسوليني عرَّف نفسه بأنه صهيوني غير يهودي.

فالحقيقة التاريخية التي أكدتها الكثير من الوثائق التاريخية هي حدوث تعاون بين الصهاينة والنازيين من أجل قمع اليهود الرافضين للحركة الصهيونية وإرسالهم إلى معسكرات الموت حتى لا يتفشى هذا الرفض بين اليهود، وهو ما يعني وأداً مبكراً للدعوة الصهيونية لوطن قومي يهودي في فلسطين.

إذن وفي التحليل الأخير، يمكن القول أن الصهاينة هم الإصدار الجديد للنازيين في عصر ما بعد الحداثة، حيث الذهاب في الإبادة والقتل إلى حده الأقصى، فقد تسلحت الصهيونية بأيديولوجية دينية عبر استدعاء كل نصوص العنف في العهد القديم وإسقاطها على الواقع المعاصر ومن ثم أضحى عنفها مزدوجاً ومضاعفاً مقارنة بالأيديولوجية النازية.

يقول المؤرخ الكبير أرنولد توينبي بهذا الشأن:" الحقيقة أن جرائم النازية ضد اليهود، أقل انحطاطًا من جرائم اليهود ضد الأبرياء العرب".

فالأمر الباعث على الاستغراب أنهم، أي اليهود وبفعل الأيديولوجية الصهيونية، قد انتقلوا من وضع الضحية لوضع المجرم، فما ارتكبه هتلر بحقهم ارتكبوا أبشع منه بحق الفلسطينيين.

لقد ظلت نظريات علم النفس القديمة تؤكد أن المعاناة تقود حتمًا إلى التطهر، بحسب الطرح الأرسطي، وأن من يقع عليه الظلم لن يقبل بممارسة ذلك الظلم على آخرين، غير أن واقع الصهاينة ينفي ذلك نفيًا تامًا.

فالمعاناة وفق ما ذهب إليه زيجمونت باومان قادت إلى العنف والانتقام في أعنف تجلياته، يقول باومان:"كان الاعتقاد القديم أن المعاناة تصهر ضحاياها ليخرجوا منها أطهارًا مثل القديسين، لكن الواقع غير ذلك تمامًا، إذ يترقب الضحايا أول فرصة للانتقام من مضطهديهم، وإذا وجدوا صعوبة في ذلك فإنهم يهرعون إلى التنفيس باتجاه آخرين".

ومن ثم فلن يتخلى الصهاينة عن عنفهم الموجه ضد الفلسطينيين طواعية، وإنما عبر إحداث قدر هائل من الضغط عليهم على الأصعدة المحلية الفلسطينية والعربية والدولية لإجبارهم على التراجع عن ممارساتهم الإجرامية بحق الفلسطينيين.

ما يبعث على الأمل أننا أمام شعب فلسطيني يزيده الوقت صلابة وتمسكاً بحقوقه التاريخية، وتضخُّم الإحساس لديه بقيمة فعل الرفض والمقاومة، بل وأضحى كثير من أحرار العالم يثنون على هذا الشعب وينظرون إليه بإعجاب كبير باعتباره واقفاً على تخوم الكرامة الإنسانية.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

 

كريم المظفرأهم المخاطر التي كشفت عنها أحداث جمهورية أخرى من جمهوريات رابطة الدول المستقلة عن الإتحاد السوفيتي السابق، هي جمهورية كازاخستان، التي كانت حتى وقت قريب من أهدأ جمهوريات المنطقة، ولديها علاقات وطيدة مع العالم الغربي وفي المقدمة منها مع الولايات المتحدة، تلك العلاقة التي ساعدتها على الحصول على ثقة واشنطن، وجعلها محل ثقة لديها، وكذلك جعلها مقرا لأحد مختبراتها المهمة في المنطقة .

وكشفت الإضرابات الأخيرة التي شهدتها الجمهورية، والتي بدأت على خلفية رفع أسعار الوقود، وتوسعت مطالب "المتمردين" والمطالبة بإسقاط الحكومة، بعد استيلائها على المرافق الحكومية وحرقها ونهبها المباني الحكومية، كشفت هذه الإضطرابات، تعرض المختبرات البيولوجية السرية التي تم إنشاؤها بمشاركة الجيش الأمريكي في كازاخستان للهجوم، ولكن ليس هناك ما يؤكد أن شيئًا ما كان مفقودًا من هناك هذه المرة، وتؤكد سلطات المدينة أن المختبر لم يترك دون حراسة.

وتنتقد روسيا بشدة بناء شبكة واسعة من هذه المرافق على أراضي رابطة الدول المستقلة،  وفي عام 2020 قالت وزارة الخارجية الروسية إن أنشطة مركز لوغار تثير القلق لأن واشنطن لا تشرح ما يفعله المتخصصون هناك في الجوار المباشر للحدود الروسية، وهذا النشاط قد ينتهك التزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاقية الأسلحة البيولوجية والتكسينية (اتفاقية الأسلحة البيولوجية والتكسينية)، وتتعرض أنشطة المنشآت المماثلة الأخرى في دول ما بعد الاتحاد السوفيتي لانتقادات منتظمة من قبل الدائرة الدبلوماسية.

ولم يخف الخبراء نشاطاتهم، وأنهم يجرون بحوثًا هناك، وبسبب القيود التشريعية، فإنه غير ممكن إجراءها في أراضي الولايات المتحدة نفسها، في الوقت نفسه، فإن أنشطة هذه المؤسسات بالقرب من حدود روسيا غير شفافة تمامًا، مما يخلق تهديدًا خطيرًا، وحذر علماء سياسيون من أن الفيروسات والبكتيريا الخطيرة المسروقة من هناك يمكن أن ينتهي بها الأمر في أيدي الجماعات الإرهابية.

وعلى مدار العقد الماضي، وبدعم مالي وتنظيمي من وزارة الدفاع الأمريكية، تم نشر ما لا يقل عن عشرين مختبرًا بيولوجيًا في جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي، ويعمل في بعضها موظفون أمريكيون يحملون جوازات سفر دبلوماسية، وبسبب الافتقار إلى الشفافية في أنشطة المؤسسات، فقد أصبحت مرارًا وتكرارًا مصادر للشائعات حول إجراء تجارب بيولوجية خطيرة فيها، ولم تعلق الولايات المتحدة أبدًا على أنشطة هذه المختبرات في سياق ارتباط محتمل بتفشي المرض.

ويوضح الأمريكيين أنفسهم أن بناء مثل هذه المختبرات في بلدان رابطة الدول المستقلة أرخص مما هو عليه في الولايات المتحدة، وفي أمريكا يتم وضع مثل هذه المطالب الكبيرة على نظام حماية هذه المرافق التي تلتهم ببساطة مبالغ ضخمة من المال، والتي تشكل الجزء الأكبر من الميزانية، بالإضافة إلى ذلك، قامت الولايات المتحدة ببناء مثل هذه المنشآت في رابطة الدول المستقلة، ولأنها كانت هادئة حتى وقت قريب، باستثناء أوكرانيا، لا يعرف ما يحدث في مثل هذه المواقع، ويمكن أن يفترض أن بعدهم عن أمريكا هو ضمان إضافي بأن بلادهم لن تتأثر في حالة وقوع حادث، في ظل هذه الظروف يكون من السهل نفسيا إجراء تجارب مهما كانت درجة الخطر، هناك فارق بسيط آخر، يجب أن تؤثر الأسلحة البيولوجية الحديثة على جينومات معينة، وبالتالي على الأشخاص من جنسية معينة، في هذا، يعطي الموقع القريب من حدود روسيا ميزة إضافية.

وفي بداية شهر كانون الثاني (يناير) الجاري، ظهرت معلومات على الشبكات الاجتماعية تفيد بأنه في ذروة المذابح، استولى الإرهابيون على مختبرات بيولوجية أمريكية سرية ونهبوها تركت دون حراسة في العاصمة ألما آتا، حيث كانت تتم دراسة الفيروسات القاتلة وسلالاتها، وأكدت مصادر مطلعة على الوضع أنه خلال أعمال الشغب في ألما آتا في 5-6 يناير، وتعرضت إحدى المنشآت الأمريكية الثلاثة في المركز العلمي الوطني للعدوى الخطيرة بشكل خاص، وكانت بها نوافذ وأبواب مكسورة، وعلى الرغم من أن المسلحين لم يتمكنوا من الاختراق هناك، إلا أنهم فشلوا في تأكيد عدم وجود أي شيء مفقود من هناك.

وبحسب وسائل الإعلام الكازاخستانية فأنه في عام 2016، وفي المركز الوطني Masgut Aikimbayev، أفتتح المختبر المرجعي المركزي، حيث استثمرت وكالة البنتاغون للحد من التهديدات (DTRA) حوالي 160 مليون دولار، وقد تم تجهيز المؤسسة بأحدث المعدات بأموال أمريكية، وتم اعتماده للمستوى الثاني والثالث من السلامة الأحيائية، وهذا جعل من الممكن دراسة الأمراض التي تشكل خطورة خاصة على البشر وكيفية انتشارها عن طريق الحيوانات المحلية - حمى الكونغو القرم والجمرة الخبيثة وداء البروسيلات -، وفي عام 2017، أجروا بحثًا عن فيروسات كورونا في الخفافيش، ويشير الموقع الرسمي للمركز إلى أنه يشارك بنشاط في برامج التعاون الدولي مع وكالة الحد من التهديدات بوزارة الدفاع الأمريكية، والمركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض المعدية والوقاية منها، ومعهد باستير الفرنسي، ومؤسسات أخرى معروفة لمكافحة الأوبئة، وفي الولايات المتحدة .

وعلى مدى السنوات الثماني الماضية، تم تنفيذ ما لا يقل عن 28 مشروعًا بتكليف من الجيش الأمريكي في كازاخستان، ولم يقتصر الأمر على المتخصصين المحليين فحسب، بل شمل أيضًا الأفراد العسكريين من المركز الطبي للبحرية الأمريكية (ماريلاند) وموظفي معهد Bundeswehr لعلم الأحياء الدقيقة (ميونيخ) والمختبرات العسكرية في بورتون داون (بريطانيا العظمى)، وبالإضافة إلى المنشأة التي تضررت في العاصمة الجنوبية، مولت وكالة الحد من التهديدات العسكرية الأمريكية (DTRA) بناء خمسة مختبرات بيولوجية أخرى في الجمهورية، بما في ذلك في مركز العدوى الخطرة بشكل خاص في ألما آتا (TSOOI) ومعهد أبحاث مشاكل السلامة البيولوجية في قرية Gvardeisky (NII PBB).

وفي نوفمبر من العام الماضي، ظهرت معلومات على الموقع الإلكتروني لحكومة كازاخستان أنه بحلول نهاية عام 2025، في جنوب الجمهورية، في قرية جفارديسكي، مقاطعة كورداي، منطقة زامبيل، سيتم إنشاء مختبر بيولوجي آخر ذو أعلى مستوى رابع BSL-4 للسلامة البيولوجية، والذي يسمح بالعمل مع أخطر الفيروسات والبكتيريا المعدية التي لا يوجد علاج لها، ويتضمن المرفق مخزنًا تحت الأرض لمجموعة من السلالات الخطرة والخطيرة بشكل خاص، وعارض السكان المحليون، والشخصيات العامة والسياسية المعروفة، خوفًا من تسرب فيروسات قاتلة، بناء المختبر ونظموا اعتصامات سلمية، لكن على الرغم من احتجاجات المواطنين العاديين، لم يتم تأجيل بناء المختبر.

وتشير صحيفة "إزفستيا" إلى أنه تتواجد شبكة من المعامل على أراضي أوزبكستان، ظهر أولها في طشقند عام 2007، فقد تم دفع تكاليف البناء بالكامل من قبل وكالة DTRA التابعة للبنتاغون، وفي عام 2013، وظهر مرفقان أمنيان آخران من الدرجة الثانية في أنديجان وفرغانة، وفي عام 2016، تم تشغيل مختبر التشخيص الإقليمي في خوريزم في أورغينش، وفي عام 2010، افتتحت الولايات المتحدة شبكة من 13 مختبرًا من هذا القبيل في أوكرانيا، بما في ذلك معهد متشنيكوف الأوكراني لأبحاث مكافحة الطاعون، الذي يدرس الجدري والتسمم الغذائي والجمرة الخبيثة.

وفي عام 2012، مولت الولايات المتحدة، في إطار برنامج المشاركة البيولوجية المشترك، افتتاح مختبر وزارة الدفاع الأذربيجانية لرصد الأمراض المعدية، وبعد عام، تم الانتهاء من بناء مرفق من المستوى الثالث للسلامة البيولوجية في باكو، وهو متخصص في دراسة مسببات الأمراض في العينات البشرية والحيوانية، وفي جورجيا، وعلى بعد 17 كيلومترًا من قاعدة فازياني الجوية بالقرب من تبليسي، تم إنشاء مركز ريتشارد لوغار لأبحاث الصحة العامة، وفي عام 2018، ادعى وزير أمن الدولة السابق للبلاد إيغور غيورجادزه أنه يمكن إجراء تجارب سرية على الأشخاص في هذا المركز، وأوضح أوليغ زيلتونوزكو، المتخصص في مجال الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ان ثل هذه المختبرات تظهر كجزء من التطوير العسكري الأمريكي لأراضي ما بعد الاتحاد السوفيتي.

ويؤكد المختصون انه يتم دعمهم رسميًا من خلال المنح الأمريكية، وانه تم تشكيل برنامج أبحاثهم أيضًا من قبل الأمريكيين، وفي وقت من الأوقات، قدم إيغور جورجادزه (ضابط سابق في المخابرات السوفياتية الجورجية ووزير أمن الدولة في جورجيا - إيجور جورجادزه) مجموعة كاملة من الوثائق حول التطورات الجارية في أحد المنشآت الأمريكية في جورجيا، وكان الأمر يتعلق ببعض الأدوية، ولكن في الواقع تمت دراسة الوسائل الأمريكية للتأثير على الجسم، مع مراعاة الخصائص البيولوجية للسكان المحليين والأمريكيين والقوقازيين والأوروبيين، ويمكن الافتراض أن هناك تطورات في بعض الوسائل للتأثير بشكل هادف على السكان المحليين، لكن هل يمكن تسميتها أسلحة بيولوجية؟ هذا المصطلح غير واضح الآن، ولا يزال من الصعب فهم ما قد يظهر في النهاية، وعلى سبيل المثال، كانت هناك شكوك بأن حمى الخنازير الأفريقية، والحمى النزفية، التي انتشرت بين الحيوانات، أتت من أراضي جورجيا إلى شمال القوقاز، لكن لم يكن من الممكن تحديد مصدر العدوى.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

محمد سعد عبداللطيفأصوات طبول الحرب تدوي عاليا، ولهجة الخطاب أصبحت أكثر حدة"!!

هل تنوي روسيا حقا غزو أوكرانيا وتشعل الشرارة الٱولي لحرب عالمية ثالثة؟

مع وصول المحادثات بين موسكو والغرب بشأن الأزمة الأوكرانية إلى "طريق مسدود"، وفق التصريح الروسي، وهل فشل المساعي الدولية لنزع فتيل الأزمة، تزداد يوماً بعد يوم، تنبٱ بحدوث مواجهة عسكرية قد تطال كل الغرب؟

وسط تصعيد في اللهجة العسكرية المتبادلة، كما ذكر  مستشار البيت الأبيض للأمن القومي، "جيك سوليفان  إن خطر الغزو العسكري بات كبيراً. كذلك تصريح وزير خارجية بولندا قال نحن علي ابواب حرب بدٱت شرارتها،

ماهي توقعات الخبراء إذا اندلعت المواجهات في ظل عالم تحت صفيح ساخن،  وشتاء ساخن للغرب، حرب بدٱت بالفعل الحرب الالكترونية المعلوماتية وتوقف الٱجهزة في بعض الدوائر الحكومية  في اوكرانيا،  هل تصريح بوتن صدق  حين قال  سوف يرد علي التهديدات الغربية، "تقنيا وعسكريا". هل الحرب التقنينية بدٱت ٱمس الجمعة. !!

هل يشعل فتيل الصراع في اوكرانيا  مناطق آخري ساخنة من الصراعات في شبة جزيرة. "كوريا وايران، واسرائيل .ووسط ٱسيا، وشرق اوروبا، هل يصبح الطريق مسدود في مفاوضات نزع فتيل حرب بعد فشل الجهود الدبلوماسية، هل الحرب هي البديل التي سوف تدمر حوالي 70%من البنية التحتية في العالم وتقطع كل الاتصالات وشبكات الإنترنت .ويصبح سماء العالم  نار من  جهنم  يحمل غبار نووي يقضي علي الٱخضر. واليابس، هل الضربة الٱولي ستنطلق من الحشود العسكرية الروسية .علي حدود اوكرانيا،او من داخل المحيط الاطلسي عن طريق غواصة نووية روسية،الاستخبارات الٱوكرانية لديها معلومات بنشوب الحرب هذا الشهر  صراع الٱفاعي والقوة النووية هل. تكون نهاية العالم !" في ظل هذا التوتر  عقد مجلس حلف "الناتو "في مقره ببروكسيل، يوم الأربعاء الماضي، محادثات مع" موسكو". بشٱن تخفيف حدة التوتر علي الحدود الأوكرانية، من الحشود العسكرية الروسية الضخمة التي تقدر بحوالي/ 150 الف جندي /، وقد صرح ٱمين عام حلف الناتو في المؤتمر الصحفي ٱن الناتو سيعزز وجودة شرق أوروبا إذا تعرضت أوكرانيا للهجوم من قبل روسيا، هل يعيد التاريخ سيناريو  الٱزمة في البحر الكاريبي في جزيرة، (كوبا) في نشر صواريخ  من قبل الٱتحاد السوفيتي في ستينيات القرن المنصرم ٱبان الحرب الباردة هل يتوقع ٱن تكون زوبعة في فنجان  من ارتفاع سقف  الطلبات الروسية  المستحيل قبولها من الغرب،هل (بوتن)عازم بالفعل علي غزو ٱوكرانيا في حالة الاعلان عن ضمها هي وجورجيا الي حلف الناتو؟ 

هل اصبح الوضع في البحر الٱسود مزعج للآمن القومي الروسي علي حد تصريح الرئيس الروسي الذي كان بحيرة روسية وصار به لاعبيين دوليين علي الحدود الروسية؟ روسيا لن تتوانى فى حال قبول عضوية اوكرانيا في حلف الناتو، حدوث هجوم عسكرى أن يتم فصل أجزاء كبيرة من شرق أوكرانيا، تحت ذريعة وجود نسبة كبيرة من السكان من أصول روسية هناك، تكراراً للنموذج الذى جرى فى جنوب جورجيا بإقامة (كيانين خاضعين)  للنفوذ الروسى، بل وبما قامت به من ضم شبه جزيرة «القرم» إلى سيادتها قبل ثمانية سنوات، وفصلها كلياً عن الدولة الٱم،ليصبح هذا الطلب الروسي في كل دول الامبراطورية السوفيتية السابقه لضم اجزاء من دول وسط وشرق اسيا،من وجود اقليات عرقية روسية  تخوفات بحدوث ذلك !!:)

غير أن هذا  الٱجتماع الٱخير في بروكسيل  قد يكون فقط تكرارًا لمحادثات (جنيف  وفينيا) التي اعتزم كلّ فريق خلالها التمسّك بمواقفه.

ويعتبر الملف الأوكراني، بمثابة "الشوكة" في خاصرة الروس، الذين يشككون دوما في نوايا " كييف"، فيما تتخوف الأخيرة باستمرار من تكرارا تجربة ضم جزيرة القرم (عام 2014) واجتياح أراضيها، مكررة في الوقت نفسة أن لها الحرية المطلقة بالانضمام للناتو، مما يشكل حساسية كبرى للكرملين. بعد الٱعلان عام (2013) عن طلب الرئيس الاوكراني  بطلب انضمام بلادة  الي الناتو، وفي خضم هذا الصراع كانت المحاولة لنزع فتيل الأزمة،في مقر حلف الناتو وجرت

تلك المحادثات بين "الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين "مع موسكو في مقرّ الحلف في بروكسيل، لمحاولة تجنيب المنطقة ما تعتبره واشنطن تهديدا روسيا باجتياح أوكرانيا، بعد أن أعلنت  " نائبة وزير الخارجية الأميركي "ويندي شيرمان " يوم الثلاثاء من الٱسبوع الماضي ممثلي الدول الثلاثين الأعضاء في حلف  الناتو بفحوى المفاوضات التي أجرتها في "جنيف مع نائب وزير الخارجية الروسي ''سيرغي ريابكوف."

فيما مثّل روسيا نائب وزير الخارجية ألكسندر غروشكو الذي وصف الاجتماع بأنه لحظة الحقيقة في العلاقات بين بلاده والناتو.

على أن تمثّل شيرمان الولايات المتحدة فيما أرسلت فرنسا (فرانسوا دولاتر) وهو المدير العام لوزارة الخارجية الفرنسية. في المقابل كان هناك عدم ارتياح من الجانب البولندي لقيادة فرنسا المفاوضات،وتطلع فرنسا الي قيادة اوروبا في هذة الٱزمة وكانت تخوفات بولندا من اجتياح روسي لباقي الدول الٱوروبية بعد اجتياح اوكرانيا،فقد أكد الأمين العام للناتو "ينس ستولتنبرغ "أن الحلف قد ينشر قوات إضافية في الدول الأعضاء به في شرق أوروبا إذا استخدمت روسيا القوة ضد أوكرانيا.

خطر حقيقي لنزاع مسلح جديد في أوروبا" لكنه قال إن الحلف "سيبذل كل ما في وسعه لمنع" أي سيناريو من هذا القبيل. !!"

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري. وباحث في الجغرافيا  السياسية

 

 

عبد الجبار العبيديان أخطر ما تواجهه الشعوب من حكامها هي نظريات التبرير.. حين يعمدون الى تحويل الحق الى باطل والعدل الى ظلم.. تساندهم قوة السلطة والمنتفعين منها رغم ان النظرية مستمدة من نظرية المعرفة،لكن المبررين سرعان ما يُكشفون،فتسقط هيبتهم لدى الناس كما نراهم اليوم.من هنا فأن هذا التوجه يفسد نظرية الحكم ويصيب الدولة بالشلل في حقوق الناس.. والتبرير يختلف من شخص الى اخر حسب قوة القدرة التجريبية او المنطق او الشهادة.وعلى العموم قاومت الحكومات المخلصة لشعوبها هذ النظرية كي لا تنتشر بين المواطنين.. لتصبح وسيلة من وسائل الدفاع عن الوضع الراهن ومبرراته لحماية النظام المجحف بحق الشعب.. والمواطنين.

الانسان العراقي رغم حضارته الضاربة في القدم منذ عهد السومرين، وتاريخه الناصع المشحون بكتب الشرائع منذ عهد آورنمو السومري (2212 -2095ق.م )الكبير.. والدساتر على عهد حمورابي البابلي (1750 ق.م صاحب الدستور الاول في العالمين.. والوثائق الاشورية التي حددت المفاهيم.. والكتابة التي ساعدتهم على اختراع التدوين فتولدت عندهم الحضارة التي علمتهم نظريات ربط الظواهر قبل الاخرين.. لكن النظرية التبريرية منذ القدم رافقت الحاكمين.. هنا يأتي دور المؤرخين..

ورغم هذه المظهرية الحضارية والبعد الزمني لا زال انسان الحضارة القديمة جاهلا بادوات الاستخدام لها،لان الظروف السياسية التي واكبته خلقت منه انساناً مضطرباً مبررا لكل خطأ يرتكبه دون الأعتراف به.. وكأن نظريات التبرير التي خلقت من نظرية المعرفة قد لا زمته.. لذا لم يعد يدرك ما يحيط به من كثرة ما تلقى من الصدمات التاريخية التي لم يعد بامكانه مقاومتها نتيجة الحروب المتكررة وغزوات الشعوب الاخرى الطامعة بوطنه، وسيطرة الدكتاتورية المقيتة عليه.التي أستنزفت طاقته المبدعة فحولته الى انسان عاجزا على قدرة الاستفادة والتطوير..

لكن أصالته الحضارية قد تغلبت على عجزة فكان ثورة عارمة كلما واجهته الصعاب لاسترداد الحقوق.. وهكذا كان ولا زال.فالانسان له طاقة وقدرة على التحمل،ليس باستطاعته ان يتحمل اكثر من طاقته.. هذا الأنسان لا يُغلب ان توفرت له القيادة الناجحة.. ولكن أين له من ذلك.. على مر السنين ؟ نأمل من قيادة تشرين 19 ان تخلق لنا قيادة التحقيق.

ولأن الانسان العراقي نشأ علمانيا لم يرتبط بدين منذ عهد اورنمو واكد وبابل ونينوى،حين حشر في الاساطير والخرافات الذي اعتبره احيانا نوع من الدين كما في ارتباطه بآله الشمس والمعابد والزقورات وايتام المواخيروالتي حينما نقرأ تاريخه القديم نراه هو شيء والدين الذي فرض عليه شيء اخر. فظل مع ما نؤمن به اليوم من مصطلحات التقدم والتأخر بعد ان آمن بفكرة الحركة التي نادت ان الزمان والاشياء في تغير وتحول دائمين ولهم في ذلك مذاهب شتى.والانسان العراقي هو الوحيد الذي امن بالفكرالحر ولم يعرف الدين والبعث بعد الموت، فكانت له مدرسة لتعليم الكتابة والقراءة وليست مخصصة لمواخيرالرذيلة والبغاء. والمرأة كانت عنده معلمه وقاضيه في المعابد محترمة لا مسترخصة كما هي اليوم، وكان له قانون وشريعة لا تخترق كما في شريعة حمورابي.ولم تكن للآله بغايا معابد وقصور، بل حكم مطلق يستمد قوته من عدالة القانون.. بينما الاله الفرعون كان في الحضارة المصرية القديمة.. يعتقد في البعث بعد الموت لذا كان يدفن احتياجات الميت معه املا في عودة اللقاء من جديد.لذا عرف منذ البداية دفن الموتى كأنه خيال في وجود.

ويبدو ان الحضارات وان اختلفت مساراتها،لكنها تشترك في اهدافها وفلسفتها الحياتية.فاليونانيون ومنهم هرقليط أمنوا بالحركة الدائمة،وسبب هذه الحركة هو الصراع الذي يؤدي الى تحول الاشياء بعضها الى بعض،فالوجود عنده موت يتلاشى،والموت وجود يزول.فالخير والشر والكون والفساد امور تتلازم وتنسجم في النظام العام.. لذا كان ليس بحاجة الى فلسفة التبرير.

والعراقيون في حضاراتهم السابقة من سومرية وكلدانية وبابلية وحتى الاشورية كانوا على علم ويقين بحركة الزمان وانتقال الاشياء من حال الى حال.ومن يقرأ مدونة اصلاحات أوركاجينا وآورنمو وقانون حمورابي يدرك ذلك تماماً، لكنهم كانوا لايؤمنون بالبعث واليوم الاخر،لذا حتى موتاهم كانوا يدفنون في حفر بلا لحود ولا اشياء ترافقهم كما كان عند المصريين القدماء. هذا هو الذي طبع الفكر العراقي بالابداع وربط الظواهر والابتعاد عن الخرافة والشعوذة وغيرهما.. كثير.

لذا ترى العراقي الى اليوم رابطاً للظاهرة لا تفوته الفكرة المقابلة ابداً حتى سرت بين العراقي منذ القدم مقولة(أمفتح باللبن،ويقرأ الممحي) وهي حقيقة وليست وهماً، حتى ان مؤرخينا المُحدثين قد اقروا في ذلك كما كنا نقرأ للمرحوم المؤرخ الاثاري الدكتور رضا الهاشمي في ارائه المعمقة والبرفسور طه باقر مؤرخ الحضارة العراقية القديمة، لكن عيبهم الوحيد انهم كانوا منذ القدم لايتفقون على رأي معين.. رغم كونهم يقولوا بالحركة الدائمة للحياة والموت معا.. ويبدو انها خصلة تركزت فيها نتيجة تغير الظروف الحياتية بأستمرارعندهم.. لكن اذا ما توفرت الظروف الملائمة سرعان ما يتفقون.

لقد ادخل الاسلام على الفكر العربي عمقا بالغاً،فأزداد احساس العربي بالوجود والموت،وجاءت النظرية القرآنية لتؤكد ذلك في سورة الملك اية (2) "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" ومن القرآن الكريم نعلموا ان الوجود حياة والموت حياة، فأصبحوا كيف يفكرون بامور الحياة المعنوية حين احسوا بالخير والشر. وقد عبر شعراؤهم حين قالوا:

لكل شيء اذا ماتم نقصان      فلا يغرك بطيب العيش انسان

هي الامور- كما شاهدتها- دول من سرَهُ زمن ساءته أزمانُ

وفي وثيقة اردشير الفارسي المسماة (عهد آردشير) مؤسس الدولة الساسانية أكد وجود هذه الفكرة،حين حذر الملوك والسلاطين من الاغترار بالدنيا والجاه والسلطان وان الزمان في تغير لااحد يستطيع رده.. لكن الحاكم الفارسي لازال بعيدا عن هذا الاعتقاد.. فهو نرجسي لا يعتمد عليه في شدة.. لماذا.. ؟

ثم جاءت نظريات ابن خلدون حين حاول تطبيقهاعلى تاريخ دول المسلمين فسماها دورة العمران.

وعلى الجملة ان الانسان واحد والفكر واحد لكن الذي يتغير فيه هي ما تمليه عليه الظروف من تقلبات واحداث لتصهره وتكيفه كيفما تشاء. لذا فالعلم ليس هو الوحيد الذي يرقي عقل الانساني وانما جملة عوامل اخرى التي تعمل على صقل فكره وتغييره من حال الى حال منها البيئة الحرة التي تربى فيها.. لذا لايمكنه من المحافظة على توازنه امام مغريات الترف او الحضارة فيظهرعليه التباين بين مستواه الخلقي والسلوكي كما نرى الحاكم اليوم ،اما الثقافة فهي التحول الداخلي للانسان التي تجعل منه انسانا يستطيع اتخاذ موقف سليم من الحضارة وادواتها والترف واشكاله.

هنا يستدعي الامر ان نقارن بين الانبياء وقادة الدول،بين محمد (ص) وابو سفيان، وبين عمربن الخطاب والاسكندر المقدوني، وبين ماو تسونغ وهتلر وموسليني بعد الحروب.،لنرى كيف ان الثقافة الملتزمة قد خلقت منهم انساناً يؤمن بالقيم المعنوية وبحقه وحقوق الاخرين في قيادة الوطن والامة والأخر، يؤمنون بانفسهم وادوات الحياة.. لكن عندما اساء الحاكم القيم ضيع نفسه وملكه وشعبه دون ان يدركوا مخاطر نظريات التبرير.فتأصلت بمن جاء بعدهم ولا زالت.. تشعل العروق.

هنا تبقى المبادىء والقيم هي الاساس في حكم الناس وليس قوانين التبرير،وهوان الحاكم النقي يبقى محتفظا بها وبكرامته ونبله امام الناس، اذا ما بقيت المبادىء في رأسه شذرة من شذرات القوة ليواجه الباطل ونظرية التبرير، بكل مغرياتها المادية والمعنوية ليقول لها محمد(ص) بايمانٍ مطلق :(والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان اترك هذا الامر ما تركته او اهلك دونه) ويقصد هنا الدعوة الاسلامية ومُثلهاومبادؤها العتيدة،وهو الذي انتقل الى جوار ربه ولا يملك من الدنيا المادية شروة نقير،لكنه ملك الحياة والناس والرب معاً، وسيبقى ذكره خالداً محفورا في عقول الناس والتاريخ.. فهل من يدعون الاسلام اليوم يطبقون.. ؟ لا أعتقد..

فهل من يدعون بالدين والانبياء والرسل وأهل البيت والصحابة اليوم كذبا وزورا.. مدركين ما فعلوا ويفعلون حين أرتدوا نظريات التبرير في حكم الشعوب بقصد التظليل والمظلومية الكاذبة فخانوا الوطن.. بعد أن اضاعوا مشروع الحكم الوطني في التطبيق.. وهاهم يعيشون اليوم في نظرية الخوف المستمر نتيجة التبرير الخاطىء في التطبيق رغم الرفاهية والمال المسرق الكثير.. وما دروا ان العدل هو أقوى جيش.. والآمان أهنىء عيش.. فمن يعش في خوف مستمر.. لن يكون حراً ابدا.. حكام الغدر والخيانة وسرقة اموال الشعوب مثالا اليوم.. فهل يتعضون..

ان أفضل مايفعله الفاشلون اليوم هو ان يصنعوا من أنفسهم رجال دين، ونقول لهم: ما قيمة الناس الا في مبادئهم  فلا المال يبقى ولا الألقاب والرتب.

كن يا حاكم الوطن المستباح اليوم للأغبياء.. كالاحجار الكريمة التي لا تصنع.. بل يصنعهم القدر أبحث عنهم فلا تغرك الدنيا وتبقى تبحث عن المال فأصحاب الاموال.. بلاقيم يبقون عبيدا لها.

الحاكم هو الذي يحدد قيمة نفسه كما في غاندي الهند.. ومهاتير محمد ماليزيا فلا تصغر من شأنك حين ترى فخامة الاخرين من خونة الاوطان والشعوب يتظاهرون.. فلو كانت القيم والمبادىء تقاس بالأوزان.. لكانت الصخورأغلى من الماس.. فأطلب الحق ايها المواطن المخلص وان قل..؟

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

ابراهيم أبراشبصمت وبدون ضجيج إعلامي أو اهتمام شعبي كبير بدأ ممثلو  الفصائل الفلسطينية بالتوافد إلى الجزائر العاصمة تلبية لدعوة وجهها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون  للفصائل الفلسطينية لجلسة حوار في محاولة لرأب الصدع وإنجاز مصالحة وطنية، وفي هذه الجولة ستكون لقاءات منفصلة تجريها اللجنة الجزائرية المُكلَفة بملف المصالحة مع كل فصيل على حدة، وبعدها ستقرر الجزائر ما إن كان هناك حاجة لجولة ثانية تجتمع فيها كل الفصائل لاستكمال الحوارات أم سيتوقف الأمر عند الجولة الأولى، والأمر هنا لا يتوقف على الجزائر بل على مدى توفر الإرادة عند الأطراف الفلسطينية على إنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام، لأن المكان الذي كانت تجري فيه حوارات المصالحة سابقا لم يكن السبب في فشل المصالحة، بل غياب الإرادة عند الأحزاب بالإضافة إلى التدخلات والاشتراطات والضغوط الخارجية على الأطراف الفلسطينية، وهنا نُذَكِر بأن عشرات جولات الحوار الفلسطيني والتي آلت كلها للفشل لم تكن فقط في مصر بل سبقها وتلاها حوارات مصالحة رسمية وغير رسمية في السودان واليمن والسنغال وقطر وتركيا وسويسرا وروسيا، ولا نعتقد أن كل هذه الدول كانت متواطئة لإفشال المصالحة الفلسطينية!!! .

لقد سبق وأن كتبنا أكثر من مرة أن إنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام بما يحقق توحيد الضفة وغزة في سلطة وحكومة واحدة لم يعد شأناً فلسطينياً خالصاً، مع أنه مطلب وأمنية لكل الشعب ويحقق مصلحة فلسطينية عامة، ففي هذا الملف تتدخل أجندة عربية وإقليمية ودولية بالإضافة إلى إسرائيل التي صنعت الانقسام الجغرافي وتتحكم بنقاط العبور والتواصل بين غزة والضفة، كما أن طول أمد الانقسام خلق وقائع على الأرض زاد من صعوبة إنهاء الانقسام. إلا أن الصعوبة لا تعني الاستحالة بل تعني الحاجة لمزيد من الإرادة مع ضغط شعبي على الأحزاب والطبقة السياسية التي استمرأت بعض مكوناتها حالة الانقسام بسبب ما تمنحهم من منافع ومصالح.

نعم، المصالحة ممكنة في حالة تفكيك ملفاتها والاشتغال على ما هو ممكن الآن ولا تستطيع إسرائيل أو الأجندات الخارجية إعاقته، وفي هذا السياق يمكن تحقيق اختراقات في ملف التوافق على إستراتيجية عمل وطني تحدد الهدف الوطني النهائي وأدوات تحقيقه، شكل وحدود الدولة المنشودة، شكل المقاومة المتناسب مع طبيعة المرحلة، توحيد المنظومة القانونية في الضفة وغزة، وقف الاتهامات والتراشق الإعلامي ولغة التخوين والتكفير، اتمام الخطوات التي تم التوافق عليها فيما يتعلق بملف منظمة التحرير، التوافق على إجراء الانتخابات العامة.

وفي هذا السياق يأتي دور الجزائر لإنجاز هذه الملفات أو بعضها، أما لماذا الجزائر؟ ولماذا الآن؟ .

لماذا الجزائر؟ لأن للجزائر، شعباً وحكومة، علاقة خاصة مع فلسطين تعود لزمن انطلاق الثورة الفلسطينية حيث استلهمت هذه الأخيرة تجربة الثورة الجزائرية في مواجهة الاستعمار الفرنسي وكانت الجزائر بعد الاستقلال من أول وأهم الدول التي ساندت الثورة الفلسطينية ودعمتها عسكرياً ومادياً وأقامت قواعد للثورة على أراضيها واستمرت الجزائر تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني بالرغم من تغير القيادات والأحوال في الجزائر وفلسطين، وبالتالي فهي صادقة وجادة في تحقيق ولو بعض الانجازات في ملف المصالحة دون أن يكون لها أي أغراض سياسية خاصة بها، ولأنها أيضاً متحَرِرة من أية ضغوط خارجية عليها.

أما لماذا الآن؟ فلأن الأمور في فلسطين رسميا وشعبيا وصلت لحد الكارثة و استنزف الصراع الداخلي الشعب والأحزاب والسلطتين وانكشف مأزق الجميع، مأزق دعاة التسوية السياسية والمراهنة على اتفاقية أوسلو وتوابعها حيث تنكرت إسرائيل لكل الاتفاقات والوعود وجارتها في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى محدودية قدرة الأمم المتحدة وقراراتها على فرض سلام عادل، أيضاً مأزق دعاة المقاومة حيث آلت أربعة حروب وأربعة عشر عام من السيطرة على قطاع غزة تحت عنوان حماية مشروع المقاومة إلى مزيد من المعاناة والبؤس وحصار قطاع غزة ومساعي توقيع اتفاقية هدنة يتم فيها التنازل عن المقاومة مقابل مساعدات مادية وتثبيت سلطة واهية لحماس في غزة.

حوارات الجزائر بمثابة بصيص نور وبارقة أمل حتى وإن كانت واهية بإمكانية أن تُعيد جميع الأحزاب النظر في مواقفها ونهجها ويلتقي من تبقى من عقلاء فيها، برضاهم أم كُرهاً، لإنقاذ القضية الوطنية من الضياع، وإن لم يفعلوا فالشعب الفلسطيني سيواصل نضاله بالأحزاب أو بدونها وبالمصالحة بينها أو بدون مصالحتها، فالشعب الفلسطيني وقضيته العادلة موجودان قبل أن تتواجد الأحزاب السياسية الراهنة، ومستقبل ومصير القضية ليس رهينا بالأحزاب التي هي حالة عابرة على شعب يضرب بجذوره في أرض فلسطين منذ حوالي خمسة آلاف سنة.

وعلى الأحزاب أن تعلم أنها إن عادت من الجزائر دون توافق ولو في الحد الأدنى فلن يغفر لها الشعب وسيحملها المسؤولية عن كل المصائب، بل سيكون غضب الشعب على الأحزاب أشد من غضبه على الاحتلال، وقد لا تكون مستقبلا أية فرصة أخرى للمصالحة والوحدة الوطنية.

 

إبراهيم ابراش

 

 

قاسم حسين صالحشهد يوم افتتاح الجلسة الاولى للبرلمان العراقي، الأحد (9/ 1/   2022) دخول الفائزين من التيار الصدري.. بالأكفان، ودخول الفائزين من التشرينيين ب(التك تك).. فكتبت في اليوم الثاني اصبوحة كانت بالنص:

(لا تبنى دولة بارتداء الأكفان وركوب التكتك،

بل تبنى بحكومة نزيهة تستقطب عقولا كفوءة ومستقلة).

وكنت انوي كتابة مقالة عما حدث ، لكنني وجدت في تعليقات العراقيين ما يستوجب توثيقه ،  اليكم نماذج منها كما كتبت بالنص:

* عماد فاخر

الدولة تبنى بالفكر الحر وفق أطر وقوانين  تستهدف خدمة المواطن ورقيه،  وليس بمجموعة أحزاب همها الأول والأخير الصراع على السلطة والسيطرة عليها مهما كان الثمن.. الدولة تحتاج إلى تخطيط سليم وبناء فكري ممنهج.

قيس حميد فرحان*

احسنت استاذنا الفاضل دكتور قاسم..  لا تبنى الدول بالمظاهر المزيفة.

*  عزيز يوسف

دكتور حبيبي همه ليش مايعرفون،  وللعلم اجو من ارقي دول العالم،  بس ذوله محكومين من دول تريد للعراق ان يصبح ضيعة لايران وتركيا ودول الخليج.

ابو حسين الربيعي*

مشكلتنا انه لا احد يفكر بالوطن بل بمصالحه ومشاكله مع الاخر والتي برزت بشكل واضح في الجلسه..  تشّفي وغيض وشماته.. وهذا لايبشر بمستقبل زاهر.

* مكي حداد

ومتى نرى هكذا دولة وقد عبرنا ال ٦٥ من العمر عتيا!

* هدى العزاوي

ضحك على ذقون الناس الجهلة

* هاشم حسين ناصر المحنك

بين الشكليات والحقائق شيطان أشر

* ميمون ترك

دكتور سابقا ذكرت هلشي. مفروض مايقبلون حزب للترشح في انتخابات مالم يكن لديه ملف وخطه عمل كامله للمدة اربع سنوات.التقيت اكثر من 5 مرشحين وهم من احزاب كبيره قبيل الأنتخابات.. ماعدهم اي معلومه او فكره للمستقبل،  ماعدهم اي رؤيه للمستقبل مثلا.. في قطاع تعليم وصحه وبلديات ونفط وغاز.. الاف الأستثمارات في انتظار محافظات عراقيه محد مطرق. للموضوعه بناء دوله يحتاج ناس اكفاء

*  دكتور سلام جبار جياد

رسالة واضحة للاحتفال بالفوضى القادمة - كتب على العراق الشقاء - ولن تقوم للبلد قائمة - ولو اتيحت الفرصة لهجرة امنه لن يبق بالعراق من يحمله جوازه وحتى هؤلاء الذين يخدمون الوطن من برلماني الاكفان والتكتك كلهم امنوا او سيؤمنون حياتهم وحياة عوائلهم خارج البلد فيما يذكرون الفقراء بطمري علي ابن ابي طالب ويطلبون منهم ان يزهدوا حتى بالتنفس.

* سمية زكي

وكذلك بالتخطيط للمستقبل اقتصادياً وثقافياً واحترام الشعب وحفظ كرامته.

غانا * نصرت

وبالكفاءة والتعاون وخدمة الناس والاحترام والنزاهة وحب الخير.

* نهى عبد الله

بعد هذه السنوات باتت الدولة بجميع مؤسساتها طاردة للعقول والكفاءات المستقلة

زهير العبدلي

طريقه اخرى مبتكره للضحك على ذقون الحمقى من الناس.

* ندى طالب رمضان

كلها مظاهر خداعة تخفي ورائها النفاق والظلم

* عماد علو

مؤشرات على وجهتنا إلى المستقبل المنشود.!؟

كان الغرض من ذكر هذه النماذج من التعليقات ان يفهم السياسيون ان العراقيين يعرفون أمرين :أن الدولة تبنى بحكومة نزيهة تستقطب العقول العراقية الكفوءة والمستقلة.. تخطط للمستقبل اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وتحترم الشعب وتحفظ كرامته.  والثانية: ان ما يجري هو ضحك على الذقون ومظاهر خداعة ونفاق وان لا احد (منكم) يفكر بالوطن.

لكنهم كما قال الأخ عبد المطلب محمود (عزيزي دكتور.. لن يقرأها احد منهم!)

ما هكذا يكون البرلمان!

يعني البرلمان، هيئة تشريعيه تمثل السلطة الأعلى في الدولة، المخول بموجب دستورها باصدار تشريعات وقوانين تعبر عن ارادة الشعب واولياته، وتمثيل الشعب امام حكومة نيابية يراقب أداءها بتأيدها ان اصابت ومحاسبتها ان اخطات، وهو السلطة الأقرب للمواطن واهتماماته. وما حصل ان البرلمان تحول في (الأحد 9 كانون) الى ساحة لصراع خصوم وأخذ ثأر وتباهي بفوز لأذلال الآخر. ومن طريف ما حصل أن التشرينيين الذين دخلوا البرلمان بـ(التكتك) خرجوا منه بـ(الجكسارة!).

ومع ذلك فان البرلمان بدورته الخامسة حقق ما لم تحققه الدورات السابقة، ففيه حصل تجاوز للطائفية والمحاصصة، وشكل خطوة باتجاه معارضة حقيقية.. وفيه حصل أن (الكعكة) التي كان يتقاسمها كل الفرقاء.. سيتقاسمها الآن الفائزون فقط!

لقد صرح الصدر بعد يومين من انعقاد جلسة الأحد بأنهم (ماضون لحكومة الأغلبية).

فان نجحت فانه يجب ان تكون (حكومة حلول) تعالج الآتي:

تأمين الخدمات ، فعلى مدى (18) سنة تحولت مدن العراق الى خرائب، بما فيها  العاصمة بغداد التي صارت من  اسوأ عواصم العالم.

تشكيل محكمة من قضاة مستقلين تتبنى مبدأ (من اين لك هذا؟) واسترداد ما نهب من ثروات العراق التي يكفي نصفها لأعمار دولة خرجت من حرب كارثية.

ان تؤسس لسيادة القانون.. بحصر السلاح بيد الدولة وانهاء نفوذ الفصائل المسلحة(وبعضها تقاسمت السيطرة على احياء بغداد).

خفض رواتب وامتيازات اعضاء البرلمان العراقي.. فما يتقاضونه يفوق رواتب اقرانهم في بلدان العلم بما فيها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا.

بهذه تبنى الأوطان.. وليس بركوب التكتك وارتداء الأكفان.

 

د. قاسم حسين صالح

 

 

كريم المظفرالمفاوضات مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بشأن الضمانات الأمنية، والتي انتهت مؤخرا في جنيف وبروكسل و فيينا، كانت المحور الرئيسي للمؤتمر الصحفي التقليدي السنوي لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حول نتائج عمل الدبلوماسية الروسية، واستمر ما يقرب من ثلاث ساعات، بالإضافة إلى قضايا العلاقات مع الغرب وحده هذه المرة، رغم أنه في كل إجاباته تقريبًا ذكر الأميركيين، بالاتجاهات التي ستطور بها روسيا سياستها الخارجية في عام 2022 .

وكجزء من الحوار الروسي الأمريكي حول قابلية الاستقرار، وفي بروكسل وعلى هامش مجلس روسيا والناتو، وفي فيينا كجزء من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، المجلس الدائم، وموسكو لديها ثلاثة مطالب رئيسية: عدم توسيع الناتو، وإعادة أسلحة الحلف إلى مواقع عام 1997، وعدم نشر قواتها الضاربة بالقرب من حدود الاتحاد الروسي، ورفض التحالف المطلبين الأولين رفضا قاطعا، معلنا استعداده لمناقشة النقطة الثالثة، وأوضح سيرغي لافروف أن هذا الخيار لا يناسب موسكو، وأكد مرة أخرى أن المقترحات الروسية "ليست قائمة، بل حزمة"، في الوقت نفسه، أشار الوزير الروسي إلى أن موسكو تعول على استمرار المفاوضات، وإذا تلقت روسيا رفضًا، فقد يكون رد فعلها مختلفًا تمامًا، وقال " الأمر يعتمد على المقترحات التي سيقدمها للرئيس الروسي له خبراؤنا العسكريون ".

وفي معرض تعليقه على احتمال انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أشار إلى وجود "خطين أحمرين" بالنسبة لموسكو فيما يتعلق بأوكرانيا، محذرا في الوقت نفسه من مغبة تدخل عسكريين من الناتو بالنزاع الدائر في دونباس، وإن روسيا ترفض رفضا قاطعا اقتراب الحلف من حدودها وتعتبر ذلك "خطا أحمر حقيقيا"، وحتى لو بقيت أوكرانيا خارج الناتو، فإنه قد تكون هناك اتفاقيات ثنائية محتملة مع الأمريكيين والبريطانيين والدول الغربية الأخرى التي تقيم منشآت وقواعد عسكرية على ضفاف بحر آزوف، وشدد الوزير لافروف "هذا أيضا غير مقبول بالنسبة لنا، لأن نشر أسلحة هجومية على أراضي جيراننا مثل أوكرانيا، يشكل تهديدا لروسيا، هو خط أحمر آخر".

وزير الخارجية الروسي لفت إلى أن "المئات" من العسكريين الأمريكيين والبريطانيين موجودون في أوكرانيا، في حين يمثل قيام الغرب بتزويد أوكرانيا بالأسلحة "إغراء إضافيا" لكييف للجوء إلى استخدام القوة لحل النزاع في دونباس، وحذر لافروف في الوقت نفسه من أن مشاركة المدربين الغربيين في الصراع في دونباس غير مقبولة إطلاقا، وستكون "تجاوزا للخطوط الحمراء"، كما أنها ستعني "صداما مباشرا بين الروس من أصحاب الجنسية الأوكرانية من جهة، وعسكريي الناتو، من جهة أخرى".

وحمل لافروف أيضا الناتو المسؤولية عن محاولة جر أعضاء جدد منهم أوكرانيا إلى صفوفه بشكل اصطناعي، مؤكدا أن موسكو ستواصل العمل كي تكون مستعدة لأي سيناريو، محذرا في الوقت نفسه من أن الغرب يعمل على تقويض قواعد العلاقات الدولية المبنية على ميثاق الأمم المتحدة ويحاول إملاء نهجه على الآخرين، مشددا على رفض روسيا لهذا النهج، وقال إن دول الغرب تسهم في تطور الأمور بطريقة سلبية، مشيرا إلى أن مخاطر اندلاع المواجهة في العالم تتصاعد.

وتنتظر روسيا من الغرب ردا خطيا مفصلا على اقتراحاتها بخصوص الضمانات الأمنية، لأن "الشركاء " الغربيين برأي وزير الخارجية الروسية سبق أن خالفوا وعودهم السابقة إزاء موسكو، وقال "بودي الإشارة خاصة إلى أننا نحتاج إلى ضمانات قانونية ملزمة "، لأن الشركاء الغربيين لم يفوا أبدا بالاتفاقات السياسية التي تم إبرامها في التسعينيات، ناهيك عن تعهداتهم الشفهية.

ورجح الوزير الروسي أن الغرب يحاول تنحية الولايات المتحدة عن المسؤولية عن اتخاذ قرار بخصوص الرد على المبادرة الروسية وإطلاق مشاورات مبهمة بخصوص هذه المسألة بدعوى ضرورة التشاور مع الشركاء الغربيين، مبديا قناعة موسكو بأن رد الغرب على مبادرتها يتوقف غالبا على موقف واشنطن، وأوضح: "بصراحة، يدرك الجميع طبعا أن أفق التوصل إلى اتفاق تتوقف على الولايات المتحدة، ومهما قالوا لنا عن ضرورة التشاور مع الحلفاء، إن ذلك مجرد حجج واهية ومحاولات لعرقلة العملية، وإن الغرب أقدم على تصعيد الأمور في تجاوز لكل الحدود والمنطق السليم"، مشددا على أن "صبر موسكو استنفذ".

ودعا الوزير لافروف الغرب إلى تقديم اقتراحاته ردا على المبادرة الروسية على وجه السرعة، مضيفا: "في الوقت نفسه سنواصل العمل كي نكون مستعدين لأي سيناريو، ونحن بشكل عام مقتنعون بأنه يمكن دائما التوصل إلى حلول مقبولة للجميع في حال وجود حسن نية واستعداد لحلول وسط "، وتابع أن التنبؤ بكيفية رد روسيا في حال رفض الغرب اقتراحاتها الأمنية يمثل أسلوبا غير بناء، وشدد على انه "إذا تم رفض مقترحاتنا، فإننا بطبيعة الحال سنقيم الوضع وسنبلغ الرئيس به، وسنتخذ قرارا مع أخذ جميع العوامل في عين الاعتبار، بالدرجة الأولى بغية ضمان أمننا بشكل موثوق به"، وإن روسيا ستنطلق من مصالح الاستقرار العالمي في دراسة إمكانية توسيع تواجدها العسكري في دول أخرى.

تصريحات الوزير لافروف جاءت متزامنة مع ما أعلنه البيت الأبيض من أنه يتوقع "اجتياح" روسيا لأوكرانيا خلال الفترة ما بين منتصف يناير الجاري ومنتصف فبراير المقبل، وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي  "نحن قلقون لأن الحكومة الروسية تستعد للاجتياح"، وأعادت الى الأذهان ما جرى عام 2014، بما في ذلك " التخريب وحملات الإعلام لاتهام أوكرانيا بالتحضير لهجوم حتمي على القوات الروسية في شرق أوكرانيا، والخطط العسكرية الروسية لإطلاق مثل هذه الأنشطة قبل عدة أسابيع من بدء الاجتياح الذي قد يتم ما بين منتصف يناير ومنتصف فبراير" وادعت بساكي أن روسيا قد "تفبرك الذريعة" لشن هجوم على أوكرانيا.

تصريحات بساكي و ما نشرته مصادر إعلامية غربية مجددا حول "استفزاز روسي وشيك في دونباس" جنوب شرق أوكرانيا، وصفها الكريملين بأنها "ادعاءات باطلة لا أساس لها "، وقال المتحدث بأسمه ديميتري بيسكوف تعليقا على ما نشرته شبكة "سي إن إن" نقلا عن مصدر في الإدارة الأمريكية: "حتى الآن، كل هذه التصريحات لا أساس لها من الصحة ولم يؤكدها أي شيء".

ونقلت الشبكة عن مصدر في الإدارة الأمريكية أن الولايات المتحدة لديها معلومات تفيد بأن روسيا كانت تستعد لاستفزاز في شرق أوكرانيا، وأنها نشرت مجموعة من النشطاء لتنفيذ عملية سرية في شرق أوكرانيا، وصدرت منشورات مماثلة من قبل "واشنطن بوست" و"رويترز" و"وكالة الأنباء الفرنسية" و"بلومبيرغ"، وصفها ديميتري بيسكوف بأنها "تصعيد للتوتر لا أساس له من الصحة"، مؤكدا أن "روسيا لا تشكل أي خطر على أحد"، ولم يستبعد بيسكوف احتمال وقوع استفزازات لتبرير مثل هذه التصريحات، محذرا من أن "محاولات حل الأزمة في جنوب شرق أوكرانيا بالقوة سيكون لها عواقب وخيمة.

الخارجية الروسية بدورها حذرت من وجود مؤشرات على أن الحكومة الأوكرانية تستعد لشن هجوم عسكري جديد على منطقة دونباس، ومن أن الوضع في أوكرانيا لا يزال في طور التدهور المستمر، لا سيما عند خط التماس في منطقة دونباس بجنوب شرقي هذا البلد، ولفتت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، ولفتت زاخاروفا إلى أن بعثة المراقبة الخاصة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا رصدت خلال الأسبوعين الماضيين قرابة سبعة آلاف خرق لنظام وقف إطلاق النار في دونباس، ما يتجاوز بخمسة أضعاف ما تم تسجيله في الفترة المماثلة من العام الماضي، موضحة في الوقت نفسه إن انفجارا أو إطلاق نار يحصل في دونباس في كل ثلاث دقائق تقريبا، مضيفة "بدلا عن وضع حد للحرب الأهلية التي دخلت عامها الثامن، تستعد كييف على ما يبدو لحسم قضية دونباس بالقوة".

دعوات وزير الدفاع الأوكراني، أليكسي ريزنيكوف، دول الغرب إلى إمداد كييف ليس بأسلحة دفاعية فقط، بل وهجومية، استقبلتها موسكو بأسف شديد إزاء وقوف دول حلف الناتو بالكامل إلى جانب السلطات الأوكرانية في "مخططاتها المجنونة عموما، لإطلاق حملة صليبية ضد مواطنيها"، كما حذرت من رفع مستوى التواجد العسكري الأجنبي في أوكرانيا من سنة إلى أخرى، وإن نحو 10 آلاف مستشار عسكري من حلف الناتو يتواجدون في هذا البلد حاليا، أربعة آلاف منهم أمريكيون، وبرأي موسكو أن تواجد هؤلاء المستشارين لا يسهم على ما يبدو في تحسين الظروف على الأرض .

تواجد المستشارين في أوكرانيا بمهام مساعدة حكومة كييف في ضمان الأمن القومي و"ردع العدوان الروسي"، ووصف موسكو هذه التبريرات بأنها "مجرد كذب"، تؤكد إن الغرب يمارس التحريض ويقود بشكل مباشر الأحداث التي تتطور في دونباس على مرأى روسيا، وإعلان الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبيرغ أن حلف شمال الأطلسي وافق مبدئيا على انضمام أوكرانيا وجورجيا إليه، غير أنه لم يحدد موعدا زمنيا بعد لذلك، ما يبشر بجولة جديدة من " الإستفزازت " الغربية تجاه روسيا، ولكن بأيدي أوكرانية، لأن الغرب حسم أمره بعدم التدخل عسكريا في أوكرانيا لأي سبب كان .

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

كريم المظفرالاجتماع الأول لمجلس روسيا والناتو  بعد عامين ونصف من التوقف كان "صعبًا، لكنه مهم" للحلف، وفي موسكو، تم وصفه بأنه "حديث من القلب إلى القلب"، وأصبحت المفاوضات التي استمرت أكثر من أربع ساعات أكثر المحادثات صراحة بين الجانبين، وأظهرت التناقضات العديدة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي وعدم استعدادهما لتفاقم الصراع، ورحب التحالف بالمشاورات الثنائية بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة بشأن الضمانات الأمنية، مشيرا إلى أنه من أجل الأمن في أوروبا، لا ينبغي تفويت فرص التفاعل البناء، بالإضافة إلى ذلك، أعرب الناتو عن استعداده لمناقشة القيود المتبادلة مع روسيا بشأن الصواريخ وقضايا السياسة النووية.

اجتماع مجلس "روسيا - الناتو" هو المرحلة الثانية من الحوار الروسي الغربي حول موضوع ضمانات الأمن، بعد مشاورات روسية أمريكية أجريت في جنيف يومي11 و 12 يناير الجاري، واستمرت لأكثر من سبع ساعات، وقبل اللقاء الذي تم  عقده في فيينا الخميس ضمن إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، كان بمثابة محادثات غير حاسمة خيمت عليها خلافات عميقة وجوهرية، بهذا العنوان العريض يمكن تقييم مخرجات اجتماع مجلس روسيا-الناتو، وهو الأول منذ عامين ونصف، أما في التفاصيل فقد رفضت موسكو تقديم أي تنازلات أو حلول وسطى بمسألة الضمانات الأمنية، وعلى الضفة الأخرى أقر الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ بالحاجة إلى الحوار مع روسيا لمنع اندلاع نزاع مسلح في أوروبا، وأكدت نائبة وزير الخارجية الأمريكي رفض بلادها لمطلب عدم توسع الناتو شرقا.

ووفقا لنتائج هذه المفاوضات بين روسيا والغرب، يبرز تساؤلا ملحا  هل تراجعت فرص الدبلوماسية لنزع فتيل أسوأ التوترات بين الشرق والغرب منذ الحرب الباردة؟ وما هي البدائل؟، فقد أكدت الخارجية الروسية أن الرئيس فلاديمير بوتين يطلع على خيارات مختلفة من الخبراء العسكريين للتعامل مع تدهور محتمل للوضع حول أوكرانيا، وهذه القضية معقدة ولا يجب تسريبها بأي شكل من الأشكال إلى الفضاء العام لأن ذلك بحد ذاته سيقوض الوضع " ينبغي منح الدبلوماسية فرصة "، بحسب وزارة الخارجية الروسية .

الكريملين  يرى في سلسلة المفاوضات التي جرت مؤخرا مع الولايات المتحدة والناتو، حول الضمانات الأمنية لروسيا، لم تكن ناجحة، ويشير إلى أنه تم خلال المشاورات في جنيف وبروكسل بين روسيا من جهة والولايات المتحدة والناتو من جهة أخرى، حول القضايا الأساسية، تسجيل وجود خلافات، وهذا أمر سيء، وأكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف أن روسيا لم تفتقر أبدا إلى الإرادة السياسية فيما يتعلق بمواصلة المفاوضات مع الولايات المتحدة، لكن لا يمكن لحلف الناتو أن يملي على روسيا كيف وأين تحرك قواتها العسكرية على أراضيها .

أجواء المفاوضات وكما عبر عنها نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو، بأنها أتسمت بالصراحة، وكانت  بعيدة  عن أي تلطيف أو استخدام عبارات اللياقة السياسية، إلى أن تدهور الأوضاع المتواصل قد يؤدي إلى التداعيات الأقل قابلية للتنبؤ والأكثر خطورة بالنسبة للأمن الأوروبي، وأضاف الدبلوماسي الذي ترأس - إلى جانب ألكسندر فومين، نائب وزير الدفاع الروسي - وفد بلاده في المشاورات مع ممثلي الناتو "روسيا غير موافقة على هذا السيناريو، والتدابير التي نقترحها اليوم، وعلى النحو التي تم عرضها في مسودة الاتفاقية (بين روسيا والناتو) تسمح بتغيير الوضع تغييرا جذريا.

كما إن الحوار في الإجتماع بين الطرفين  كان عميقا وجديا لكنه في الوقت نفسه كشف عن خلافات كثيرة حول قضايا محورية ومن أهم هذه القضايا أن الناتو يفهم مبدأ عدم قابلية الأمن للتجزئة فهما انتقائيا، إذ أن هذا المبدأ من وجه نظر الناتو لا ينطبق إلا على الدول الأعضاء في الحلف ولا يخطط الناتو في نشاطاته العملية لأخذ مصالح أمن الآخرين بعين الاعتبار، وشدد غروشكو على ان  "اليوم لا توجد لدينا أي أجندة إيجابية مشتركة إطلاقا".

كما أكدت روسيا، أن محاولات الولايات المتحدة لابتزازها وترهيبها  غير مقبولة ولن تؤدي إلى النتيجة المرغوبة، وقال سيرغي ريابكوف، "نسمع دائما عن ثمن ما... سيكون على روسيا دفعه في حال قيامها أو عدم قيامها بما يريده أو لا يريده هؤلاء الأشخاص، كما لو أن التاريخ لا يعلمهم أي شيء، مثل هذا الحديث غير مقبول على الإطلاق بالنسبة إلينا، وتابع: "أفهم أنه فضلا عن العقوبات والابتزاز لم يبق الكثير في ترسانة السياسة الخارجية الحديثة للغرب، يجري فقدان حتى القدرة على التوصل إلى الاتفاقات، لكننا سنحاول إعادتها أو حتى زرع هذه القدرة".

وتحمل روسيا، الولايات المتحدة المسؤولية عن تصعيد التوترات عند حدودها، والتحذير  من أن الحكومة الأوكرانية بدعم مفرط من الغرب تحلم في "الانتقام" من موسكو وتبحث عن ذرائع للتهرب من تنفيذ اتفاقات مينسك الخاصة بتسوية النزاع في منطقة دونباس، وشددت روسيا على طلب موسكو لوقف تمدد حلف الناتو شرقا وتخليه عن فكرة انضمام أوكرانيا إليه، وقال نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف  "أي استفزاز قد يحدث، لن نسمح بتحميلنا المسؤولية عن تبعات وخيمة للغاية قد تنجم عن ذلك، نحذر فقط من أنه يتعين على الناتو التراجع".

وترفض وزارة الخارجية الروسية، تأكيد أو استبعاد إمكانية نشر بنية تحتية عسكرية روسية في كوبا وفنزويلا، ردا على الأنباء التي ترددت بعد أخفاق إجتماع روسيا – الناتو  في إيجاد لغة مشتركة في التحديات التي يواجهها العالم أزاء الخلافات والتوترات بين كتلتي الشرق والغرب المتمثلة في روسيا من جهة وبين العالم الغربي والولايات المتحدة من جهة أخرى، وأكد ريابكوف "لا أريد تأكيد أي شيء، ولن أستبعد أي شيء أيضا"، لكنه أشار في الوقت نفسه إن كل شيء يتوقف على تصرفات "زملائنا الأمريكيين" .

الإستنتاج الروسي عن نتائج جولات المفاوضات، هو إن  الولايات المتحدة والناتو غير مستعدين لتلبية المطالب الروسية بشأن الضمانات الأمنية، وإن موقف الناتو من قضية عدم توسع الحلف شرقا "غير قابل للاختراق"،، وتشير  إلى أن ذلك "أمر مثير للقلق "، وأن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي مستعدان للتحدث فقط عن تلك الضمانات الأمنية التي تناسبهما، وتقول روسيا  أنها ليست على ثقة بأن الولايات المتحدة والناتو سيقدمان تنازلات بشأن الضمانات الأمنية، لكن الحوار مستمر على مختلف المستويات.

وأمام هذه المعطيات عن نتائج المفاوضات الروسية الغربية، شددت موسكو، على أن روسيا ستنتقل إلى سياسات "الردع المضاد" تجاه حلف الناتو في حال إتباع الحلف سياسة ردع روسيا، وتحذير الناتو  من أن تدهور الوضع سيؤدي إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها بالنسبة للأمن الأوروبي،  في حين أوضحت وزارة الدفاع الروسية أن ثمة 3 قضايا محورية يجب التركيز عليها، وتشمل هذه القضايا أولا "ضمانات لعدم توسع الناتو شرقا على حساب أوكرانيا وأي دول أخرى"، وثانيا "تحمل التزامات بعدم نشر الصواريخ الأمريكية الجديدة متوسطة وقصيرة المدى في أوروبا، لأن نصب مثل هذه الأسلحة يمكن أن يؤدي إلى تدهور جذري للأوضاع الأمنية في القارة"، وثالثا ترتكز المقترحات الروسية، بحسب بيان الوزارة، على "الحد من الأنشطة العسكرية في أوروبا واستبعاد زيادة ما يسمى بمجموعات قوات المرابطة الأمامية".

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

عامر صالحمخرجات الأنجاز المتدني للعام 2021 في العراق هي امتداد طبيعي لتراكمات الفشل في تجارب بناء دولة المواطنة والرفاه والأستقرار الأجتماعي ما بعد 2003، وهي بالتأكيد امتداد نسبي لحقبة عبثية سبقتها، تجسدت في سياسات النظام السابق في تخريب واهدار للموارد البشرية والثروات المادية على خلفية عسكرة مؤسسات الدولة ومواردها وتوظيفها في خدمة الدكتاتور وطموحاته واحلامه المريضة في ظل نظام شمولي عانى منه شعبنا الأمريين.

ولكن حقبة ما بعد 2003 هي حقبة تسلطت فيها قوى "سياسية معارضة " للنظام السابق عملت على خلفية افتعال ما يسمى بالمظلومية المذهبية الطائفية والأثنية والعرقية، تحول فيها فعل المعارضة المشروع للنظام الأستبدادي الى متلازمة مرضية ما بعد سقوط النظام " وخاصة في ذهنية الأسلامويين وبعض من القوى الأخرى الأثنية الشوفينية والطائفية المناطقية، وكانت ابرز ملامح ذلك التحول هو الانتقال من سلوك المعارضة الى سلوك العداوة والحقد على الدولة والتعامل مع مؤسساتها كغنائم ما بعد السقوط وأحلال الخراب فيها وسرقتها وعدم التمييز المطلق بين النظام السابق وبين الدولة ومؤسساتها، وكذلك الطفح المزمن لتلك لرغبات تلك القوى في بناء دولة بعناوين دينية او مظلوميات مخادعة واحكام السيطرة على العام والخاص في حياة الناس والمجتمع. 

وقد أوغلت تلك القوى في تخريب وتحطيم الدولة ومؤسساتها ونهب المال العام وكان ذلك متزامنا مع خراب منظم للقطاع الخاص وتدميره والحيلولة دون نهضته وانهاء دوره، الى جانب تغول القطاع العام وتضخمه دون مخرجات او انتاجية تذكر وغص بالبطالة المقنعة الكلية والجزئية واصبح من قلاع الفساد الأداري والمالي والنهب العام، عبر تحاصص قطاعاته من قبل احزاب السلطة وتحوله الى ميادين مربحة للأحزاب او ما يسمى بظاهرة " الريع السياسي " حيث الحزب المالك للوزارة يحول وزراته الى ميدان خصب للأستثمار الفاسد من منتسبي الحزب وعناصره وتتحول الوزارة الى " باب رزق " ومصدر لتمويل للحزب التي يملكها، فلا نستغرب من تضخم اجهزة الدولة ومؤسساتها والذي تجاوز 7 ملايين موظف في دولة تبيع النفط لتأكل به وتسدد رواتب منتسبيها، وهو ما يسمى اختصارا " بالدولة الريعية ".

فكانت البطالة والفقر وانعدام الخدمات الانسانية في الصحة والتعليم والكهرباء والماء والتدهور الاجتماعي المتواصل وتفكك المنظومة الاخلاقية وانتشار الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وتعاطي المخدرات الى جانب التدين الزائف الذي يثقل الحياة اليومية ويشرعن الفساد وسرقة المال وينشر الخرافة كثقافة يومية ويضعف مكانة العلم، الى جانب انتشار السلاح المنفلت الفردي والميليشياوي والعشائري، وفقدت الدولة بوصلتها في السيطرة على مجريات الاحداث وفقد القانون قوته وقيمته التأثيرية في الحد من الجرائم والانفلات الاجتماعي والافلات من العدالة وجميعيها مشاهد يومية تهدد حياة المواطنين، واصبحت قوى اللادولة هي اليد الطولى في فرض اجندتها التخريبية على الدولة والمجتمع، بل ان جزء لا يستهان به من قوى اللادولة محسوب على الدولة ويتقاضى مصادر تمويله منها، وبأختصار فأن ما مافقده العراق واهدره من المال العام تجاوز الألف واربعمائة مليار دولار.

كثيرة هي انتباهات العام 2021 والبدء من خاتمته قد تؤشر على الكثير من بداياته: الأنتباهة الأولى هي الانتخابات البرلمانية المبكرة والتي اجريت في اكتوبر الماضي ثم مصادقة المحكمة الاتحادية العليا عليها، وفتحت المصادقة الباب على مصراعيه لمختلف السيناريوهات في تشكيل الحكومة المقبلة، وان القوى المتصارعة هي نفسها القوى التي قادت العراق منذ 2003 بشكل مباشر او غير مباشر، باستثناء ظهور قوى معارضة مستقلة نسبيا لا نعرف عن قدراتها الفكرية ورؤيتها المستقبلية في لعب دور المعارضة الفعالة، وقد مثلت قوى انتفاضة تشرين في البرلمان الخامس تمثيلا لا ينسجم مع حجم الانتفاضة التي اندلعت في العام 2019 لأسباب عديدة منها عدم الثقة بالنظام السياسي ومقاطعة الانتخابات في ظروف انتشار السلاح المنفلت وعدم محاسبة قتلة المتظاهرين وعدم تطبيق قانون الأحزاب وغيرها، ومن الجدير بالذكر ان المشاركة كانت في الانتخابات ضعيفة ولا تتجاوز 30% حيث من استلم البطاقة الألكترونية بحدود 40% في ظل عزوف كبير عن المشاركة. ان رفع شعارات الاصلاح من قبل قوى فائزة وفي مقدمتها التيار الصدري وغيره وبعيدا عن نوايا الصدق في ذلك والقدرات الفكرية وآليات التنفيذ واستخدام الشعارات لأغراض التعبئة والتجييش، فأن الأصلاح لن يبدأ فعلا إلا بفك عقدة منظومة المحاصصة الطائفية والأثنية والعرقية ولن توجد اي مؤشرات لذلك وان السباق على الرئاسات الثلاث" البرلمان، رئيس الجمهورية ورئاسة الوزراء " وما يتبعها لاحقا من توزيع للمناصب حسب الاستحقاقات الاثنية والمكوناتية هي ملامح بارزة في المشهد القادم وبالتالي فأن المحاصصة الطائفية والمذهبية والعرقية باقية وستعيد انتاج نفسها استمرارا للنهج السابق.

الأنتباهة الثانية في نهاية مشهد العام الماضي هو تصريح وزير المالية العراقي علي عبد الأمير علاوي والذي قال فيه أن: "مستقبل العراق مرتبط عضوياً أو كلياً مع قطاع النفط ولا توجد دولة في العالم تشبه العراق في هذا الجانب بما فيها الدول النفطية، ورأى أن العراق يواجه تهديداً حقيقياً وخطيراً خلال السنوات العشر المقبلة نتيجة التقلبات العالمية والنوعية في سوق النفط واعتماد القطاع الحكومي كلياً على تمويل الكشوفات المالية من عوائد النفط. وأضاف " إذا حدث ذلك فستضطر الدولة إلى تسريح أعداد كبيرة من الموظفين لعدم إمكانية الدفع لهم". ورغم ان تصريحات الوزير كانت مصدر قلق وامتعاض للشارع العراقي وللعديد من المحللين والسياسيين، ولكن الحقيقة يجب ان تقال وإن كانت مرة: أن الدول الريعية التي تعتمد على النفط كمصدر وحيد للتمويل ولم تذهب الى تنويع مصادر الدخل القومي من الصناعة والزراعة والأستثمارات الخاصة وقطاع المعلومات والخدمات هي دول هشة لا تقاوم ما يتعرض له قطاع النفط من هزات وازمات عالمية، بل هي هي دول زائلة، وهناك الكثير من تجارب الدول بما فيها الجيران الخليجية وصلت الى حدود كبيرة من الموازىة بين النفط والقطاعات الأخرى في التمويل وصل بعضها الى المناصفة.

الأنتباهة الثالثة وهي تنبؤية ومشروطة، فقد اعلنت شركة "سومو" العراقية لتسويق النفط أن الإيرادات المتحققة من مبيعات النفط الخام خلال العام 2021 بلغت 68 مليار و995 مليون دولار، بمعدل 5 مليار و749 مليون دولار شهرياً، موضحة أن معدل سعر البيع الشهري للنفط الخام بلغ 68 دولاراً و366 سنتا للبرميل" طبعا سعر البرميل عبر ال80 دولار. وعلى افتراض استمرار تدفق البيع بنفس المنوال للعشر سنوات القادمة والثبات النسبي للأزمات فأن العراق سيكون له تراكم مالي يقدر من 700 مليار الى 800 مليار دولار، فأذا ما استمرت طبيعة الحكم ذاتها وبنفس سياق السنوات السابقة فأن العراق مقبل على اهدار الأموال المذكورة الى جانب الأموال التي اهدرت في الأعوام ( 2003ـ2020) والتي ذكرناها سابقا والتي بلغت ما يقارب الألف واربعمائة مليار دولار.

الأنتباهة الرابعة هي محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في بداية نوفمبر الماضي والتي استهدفت منزل اقامته في المنطقة الخضراء بطائرات مسيرة محملة بالصواريخ، والعجيب وفي الوقت الذي لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم فأن رئيس الوزراء العراقي يؤكد في خطابه بعد الهجوم أنه يعرف المنفذون حق المعرفة" وسيتم محاسبتهم وتقديمهم للعدالة " وهو خطاب اعتاد عليه العراقيين بعد كل جريمة او محاولة اغتيال او تصفيات جسدية تطال رموز ثقافية وسياسية وصحفية وكتاب ويشمل ايضا قتلة المتظاهرين في احتجاجات اكتوبر وغيرها، ولم يستطيع رئيس الوزراء حتى في حالة واحدة من الأعلان عن الجهات التي تقف وراء مرتكبي الجرائم السياسية ومنفذي الأغتيالات، وقد أكتفي بأضفاء الطابع الفردي على الجرائم المرتكبة وحصرها في افراد منفصلين عن الجهات التي دفعتهم والدوافع التي تقف وراء ذلك. أن العدالة لا تحتاج الى ظرف مناسب او توقيت ما او فرصة سانحة كي تتم ممارستها بوضوح امام الشعب وان تأخير او تسويف تطبيق العدالة بحق القتلة والمجرمين سيعيد انتاج الجرائم اضعافا ويقوي من صلف منفذيها وهو ما يحصل الآن على الساحة العراقية.

اما الأنتباهة الخامسة فهي انفتاح العراق على محيطه الأقليمي والعربي منه بشكل خاص والابتعاد عن سياسات المحاور وكذلك محاولات انفتاحه على العالم وتحسين سمعته الدولية، الى جانب زيارة بابا الفاتيكان التاريخية للعراق ، هي محاولات ايجابية تترك انطباعا ان العراق يطمح الى دور ايجابي فعال، ولكن هذا الانفتاح ومدياته يجب ان لا يكون اشبه بمحاولات الهروب الى الامام والرمي بمشاكل الداخل العراقي الى الخارج، ونحن نعلم ان السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية والأستقرار الامني والاقتصادي والاجتماعي الداخلي، وبالتالي فأن فعالية السياسية الخارجية يجب ان تكون استمرار لقدرة النظام في معالجة ازماته الداخلية، وإلا فهي مجرد سلوك يلجأ أليه النظام للتنفيس عن ازمته الخانقة.

أما ابرز ملامح الأزمات الأقتصادية والأجتماعية للعام 2021 فهي في مجملها امتداد لأزمات الأعوام التي سبقته وقد ازدادت استفحالا وبدون حلول وقد اشارت الى تلك الأزمات اغلب المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ومنظمات حقوق الأنسان والمؤولين العراقيين وغيرها، ولعل ابرزها هو:  

ـ تصاعد نسبة السكان عند خط الفقر والتي بلغت 25% من السكان او اكثر، ومن العيب ان تكون دولة كالعراق والتي تمتلك خامس احتياطي نفط في العالم ان تمتلك هكذا نسبة فقر في العالم، كما شكلت نسبة البطالة اكثر من 15%. وهناك 5 ملايين يتيم في العراق يشكلون نسبة 5% من ايتام العالم.

ـ أما في مجالي التعليم والصحة، فقد كشفت المؤشرات عن واقع مرير يعانيه الطلاب في المدارس من خلال حاجة البلاد إلى 8000 مدرسة، وكشفت أن نسبة التسرب وترك الدراسة بلغت 73% من إجمالي المراحل الدراسية وضمنها الكليات والجامعات (الابتدائية: 91%، المتوسطة: 36%، الثانوية: 18%، الجامعات 14%). وذكرت إحصائية المفوضية العليا لحقوق الأنسان في العراق وجود 1000 مدرسية طينية (مبنية من مادة الطوب اللبِن). كما انخرط نحو مليون طفل في سوق العمل. وهناك 3 ملايين طفل بعمر الدراسة يتواجدون خارج المدرسة.

ـ وقد امتدت المؤشرات ذاتها لتشمل مجال السكن والعشوائيات، حين أكدت المؤشرات حاجة البلاد إلى 3 مليون ونصف المليون وحدة سكنية للتغلب على أزمة السكن الخانقة، وتحدثت أيضاً عن 4000 مجمع عشوائي يسكنها نحو نصف مليون أسرة، تتركز معظمها في العاصمة بغداد. 

ـ ارتفاع نسب العنف الأسري ضد النساء والاطفال وكبار السن وقد سجل العام 2021 على الأقل 14 ألف حالة عنف ضد المرأة، الى جانب زواج القاصرات وغياب قانون العنف الأسري وتداعيات كورونا كعامل ضغط في ازدياد العنف.

ـ ازدياد اعداد النساء الأرامل حيث يقدر عددهن بين 3ـ4 ملايين ارملة او اكثر في احصائيات اخرى، الى جانب ارتفاع نسبة العنوسة بين النساء في الاعمار 18ـ45 لأسباب اقتصادية واجتماعية وهجرة وتهجير وانعدام الاسقرار الفردي والأسري، وبالقابل تزايد نسبة العزوبة لدى الرجال لذات الأسباب، وارتفاع نسب الطلاق حيث تقدر في العام 2021 زيادتها 10 حالات كل ساعة الى جانب ارتفاع نسب الأبتزاز التي يقع ضحيتها النساء وبنسبة اقل الرجال ايضا.

ـ ارتفاع نسب تعاطي المخدرات وقد بلغت نسبة التعاطي بين الشباب الى 50% وهو وضع كارثي حيث الفقر والبطالة بين الشباب بلغت 36%، في بلد يشكل فيه الشباب بين دون عمر 25 سنة نحو 60% من سكانه.

ـ الارتفاع الكبير لعدد الحرائق حيث تجاوز عددها 30 ألف حريق وبدوافع واسباب مختلفة، منها العفوي بفعل تماس كهربائي ومنها الأهمال ومنها الانتقام وتصفية حسابات شخصية ومنها جرائم مقصودة طالت حتى دوائر الدولة ومؤسساتها واستهدفت حرق ملفات بهدف اخفاء جرائم فساد وغيرها، وكان اشد الحرائق وقعا وألما انسانيا هو حريقي مستشفى الحسين في محافظة ذي قار ومستشفى الخطيب في بغداد والذي راح ضحيتهما اكثر من 170 ضحية، وهو نتاج عقود من الفساد وسوء الأدارة في قطاع الصحة وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع حتى بات المواطن يخاف من الذهاب الى المؤسسات الصحية لسوء أدائها وتدهور مكانة الطب والرعاية فيها.

ـ اما في مجال الأمن وضعف استتبابه فقد تمت عشرات الهجمات بالصواريخ والمسيرات على المنطقة الخضراء ومطار بغداد واربيل وقاعدة بلد في صلاح الدين شمال بغداد الى جانب الهجومات المتفرقة على القواعد العسكرية العراقية، وبالمقابل سجل العام 2021 اكثر من 200 هجوم لداعش في مناطق مختلفة من العراق.

نقول ان الاصلاح الشامل لأوضاع البلد المأساوية يحتاج الى قدرات مهنية وعلمية واكاديمية ومستقلة نسبيا عن تأثيرات الايديولوجية العقائدية ذات الطابع المتحجر والتي ترى في الاصلاح هو مجرد خطاب منفعل ومعمد بردود الافعال يستجيب عبر خلق العداوة بين القوى السياسية الاخرى وافتعال الازمات وادعاء الصلاحية المطلقة لكل الاوقات والاوضاع، وهؤلاء حصرا هم من يعرقلو الاصلاح ومدياته مهما بلغ ادعائهم الانفعالي بقدراتهم على الاصلاح، فهو لا يتجاوز سوى رغبات منزوعة الصلة بطبيعة الاصلاح بكونه عملا دقيقا يستدعي الايمان بادوات المنهج العلمي في البحث عن المشكلات المستعصية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، وفق سنة البحث العلمي ومنهجيته المعروفة، وغلق ابواب الاجتهاد أمام الخرافة والدجل والسحر والشعوذة والثقافة الماورائية للبحث عن حلول لمعضلات البقاء والاصلاح.

 

د. عامر صالح