عبد الحسين شعبانفي استفتاء أجرته هيئة الإذاعة البريطانية الـBBC في مطلع الألفيّة الثالثة كان ماركس واحداً من بين أهم 100 شخصية مؤثّرة في العالم، ولا أخال أحداً من جيلنا الستّينيّ إلّا وترك ماركس شيئاً عنده، لكن ذلك لا يعني أنّه دون أخطاء أو شطحات، وباستثناء المنهج الذي اعتمده والقوانين التي اكتشفها بشأن الصراع الطبقي وفائض القيمة، فإنّ الكثير من تعاليمه لا ينبغي التعامل معها كنصوص مقدّسة لدرجة اعتبارها أقرب إلى الأسفار التوراتية أو الآيات الإنجيلية أو القرآنية، ويذهب البعض أكثر من ذلك إلى تنزيهه من الأخطاء، بل يضعه خارج دائرة النقد، سابغاً عليه نوعاً من المعصوميّة؛ في حين إنّ تعاليم ماركس واجتهاداته هي مجرّد آراء بعضها تجاوزها الزمن أو أن الحياة لم تزكّها، لكن ذلك لا ينفي عبقريّته ومواهبه وموسوعيّته كفيلسوف ومفكّر وعالم اجتماع واقتصادي وسياسي يسيل من قلمه حبر الأديب وتتدفّق لغته بالشعر.

في العام 1984 كتبتُ في مجلّة "الهدف" خاطرة تأمّلية بعنوان "بروموثيوس هذا الزمان" جئت فيها على منجز ماركس الفكري والثقافي، وذلك بمناسبة وفاته (14 مارس/آذار1883). وإذا كان أعداؤه وخصومه يعتبرونه تهديداً لهم ولمصالحهم لدرجة أنّ شبحه لم يعد يجوب "أوروبا العجوز" فحسب، بل شطر العالم إلى نصفين في القرن العشرين، فإنّ أنصاره ومريديه تعاملوا مع تعاليمه وتفسيراته  كمعتقدات "منزّلة"، مردّدين بعض مقولاته بطريقة أقرب إلى التعاويذ والأدعية والتلقينيّة المدرسية التي لا علاقة لها بجوهر منهجه، ناهيك عن روح العصر.

ثلاث قضايا يمكن التوقّف عندها في هذه المساحة بشأن بعض شطحات ماركس؛

أولاها - موقفه الخاطئ بخصوص الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر (1830)، ورسالته "التمدينيّة"، ولعلّ الفضل في إطلاعنا على موقفه هذا يعود إلى الصديق جورج طرابيشي الذي ترجم كتاباً عن الفرنسية بعنوان "الماركسية والجزائر" كشف فيه عن قصور وُجهة نظر ماركس، علماً بأن الطبعة الروسية كانت قد حذفت فقرات منه لأنها صادمة ومُحرجة، خصوصاً رؤية ماركس المغلوطة وتقديره المخطوء للإستعمار الفرنسي في الجزائر بوصفه شكلاً من أشكال الهجرات التي تنقل التمدين والتحضّر إلى شعوب شبه بدائيّة أو شعوب متخلّفة" بوصفها: بدوًا، قطّاع طُرق، لصوصًا، وكانت نظرته تلك تقوم على وجهة نظر اقتصادية بحتة، بعيداً عن الجوانب الحضارية والثقافية والإنسانية، بتفسير مبتسر مفاده أنّ الثورة الصناعية أدّت إلى تضخّم رأس المال واحتاجت إلى الموارد والأسواق والأيادي العاملة، فكانت الهجرات. ومثل هذا الرأي يهمل الطابع الإجرامي لتلك المحاولات الاستعمارية الاستيطانيّة وسعيها لقهر شعوب هذه البلدان ونهب ثرواتها وتدمير ثقافاتها وإلغاء هُويّاتها، ومع أنّه لم ينسَ التعاطف مع الضحايا، لكنّ ذلك جاء من زاوية أخلاقية.

بتقديري إن فترة بقاء ماركس في الجزائر للاستشفاء من 20 فبراير/شباط إلى 2 مايو/أيار 1882 لم تكن كافية لمعرفة معمقّة للمجتمع الجزائري، وانطلق في حكمه من "المركزية الأوروبية" التي هيمنت على تفكيره والرأسمالية الصاعدة فيها، حيث قام ماركس بتحليل قوانينها بدقّة كبيرة مشخّصاً عيوبها ومثالبها ونظامها الاستغلالي على نحو عميق وعظيم.

ثانيتها - موقفه المتناقض من تقرير المصير، فعلى الرغم من أنّه هو الذي صاغ فكرة "أن شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حرًّا" ودعا إلى استقلال بولونيا في حركة قادها الإقطاعيون ضدّ روسيا لأن ذلك سيكون خطوة مهمّة تسمح بإنضاج التناقضات، وهي استنتاج دقيق لكنه وقف ضدّ حقّ تقرير المصير للشعبين التشيكي، والسلوفاكي، اللذين كانا يطالبان بالاستقلال من الامبراطوية النمساوية - المجريّة، والسبب حسب وجهة نظره أنّهما "شعبان رجعيّان" وضعيفان وصغيران ويمكن أن يقعا تحت هيمنة الروس وسيكون نجاحهما في الظّفر بذلك تقوية لدور روسيا بتشجيع من فرنسا، وسيتم توظيفهما ضدّ ألمانيا المتطوّرة صناعيًّا، وهي نظرة خاطئة قامت على فرضيات اقتصادية بعيدة عن الجانب الإنساني التحرّري.

وثالثتها - كان موقفه المُلتبس والخاطئ من ايرلندا، لا سيّما في المرحلة الأولى، ففي رسالة منه إلى إنجلز بتاريخ 23 أيار (مايو) 1856، يقول "لقد تحوّل الإيرلنديون بواسطة القمع المنهجي إلى أُمّة ساقطة"، وهناك رسالة ثانية بهذا الخصوص بتاريخ 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1869، ويبني استنتاجاته انطلاقاً من منظور تقدّميّة الطبقة العاملة الإنكليزية تجاه إيرلندا المتخلّفة والمحتلة، التي يعزو إليها سبب سقوط الجمهورية في زمن كرومويل، ويدعو إلى أن تقطع الطبقة العاملة الإنكليزية علاقتها مع ايرلندا بعيداً عن كلّ جملة أُمميّة وإنسانية بشأن العدالة، وحسب رأيه إن لم تنتصر الطبقة العاملة وتتحرّر في إنكلترا فلن يتمّ تغيير الأوضاع في ايرلندا، أيّ أن التحولات الاشتراكية في المركز ستؤدي إلى تحسّن الأمور في البلد الطرفي والمتأخر، لأن رافع التقدم هو لندن، وليس دبلن، لكنه يعود في العام 1870 ليتحدّث عن اضطهاد مركّب رأسمالي متزامن مع اضطهاد قومي ضدّ ايرلندا.

وباستثناء المنهج فجزء كبير من تعاليم ماركس وشطحاته بالطبع يمكن الاحتفاظ به في المكتبات أو المتاحف، حتى وإن بقيت الأحلام واليوتوبيّات ورديّة، فتلك مأثرة أيضاً.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

مرحلة الاحتلال البريطاني للعراق

تتعرض مختلف المجتمعات الى تغيرات مستمرة نتيجة التطور والتقدم الاجتماعي، هذه التغيرات تفرز العديد من التعقيدات في الابنية الاجتماعية، تظهر بصورة جلية عند محاولة دراسة مستويات البناء الاجتماعي، اذ يلاحظ ان هناك اختلاف وتباين في هذا البناء، يعرف عند المختصين بعلم الاجتماع بالطبقة الاجتماعية

لاحظنا في الحلقة الأولى من هذا الاستعراض ان تطور الطائفية السياسية كان يترافق مع دخول البلد في مرحلة الانحطاط السياسي والأخلاقي وتتعارض الفكرة الإنسانية والحداثة والدولة المدنية والشرعية وفكرة المواطنة . ولكن ما يجب اقراره إن مجرد الانتماء إلى طائفة أو فرقة أو مذهب لا يجعل الإنسان المنتمي إلى تلك الطائفة طائفياً، كما ان سعي أي شخص لتحسين أوضاع طائفته أو المنطقة التي يعيشون فيها دون إضرار بحقوق الآخرين لايجعله طائفيا . فأخطر ما يبتلى به شعب أن يتحول حكامه من رجال دولة إلى رجال طوائف أو أحزاب أو قبائل، فالمصير الذي ينتظر ذلك الكيان هو التفكك لا محالة، ولن يكون بعد ذلك رابح إلاّ أعداء ذلك الكيان، المستفيدون من تمزيقه. فحين يبتلى بلد برجال سلطة يستندون في وجودهم إلى الأجنبي؛ فإنهم يمنحون ولاءهم واهتمامهم إلى أولئك الذين مكَّنوهم من السلطة، لا إلى شعوبهم. وقد كانت هذه احدى الأساليب التي سعى العثمانيون الى استغلالها في صراعهم مع الصفويين لاحتلال العراق فعمدوا الى دعم طائفة ضد طائفة أخرى فقسموا المسلمين الى اهل السنة و(الروافض) كما خلقوا تنظيمات للطائفة الموسوية ( اليهود ) وطائفة النصارى . واستمرهذا الوضع لحين وصول القوات البريطانية الى بغداد وانسحاب القوات العثمانية . ولقد أدرك البريطانيون نقطة الضعف هذه في السياسييّن العراقيّين ونجحوا في استغلالها واللعب عليها.

يعود تاريخ الوجود الاوربي في الخليج الى القرن السادس عشر في آخر يوم من عام 1600 تأسست شركة الهند الشرقية الانجليزية وبعد ان عززت موقعها في الهند، اخذت تتطلع الى الخليج الذي له علاقات تجارية مع الهند .في عام 1640 وصل ممثلي ووكلاء شركة الهند الشرقية الى البصرة ابرمت بريطانيا عدة معاهدات مع الدولة العثمانية، كان اولها معاهدة الامتيازات التي اتفق عليها سنة 1661م، وتم تصديقها سنة 1675. ثم حصل السفير البريطاني في الاستانة على فرمان من السلطان 1764م يتضمن الاعتراف بأن وكيل شركة الهند الشرقية البريطانية قنصل يمثل بريطانيا، ففتحت لها مقيمة في بغداد سنة 1798م، وفي العام 1808م عينت بريطانيا المستر (ريج) قنصلا ً في بغداد ويعتبر هذا الرجل هو أول من عمل على تكريس الدور البريطاني في العراق وقد نجح في ذلك نجاحاً كبيراً، وكان ريج يتمتع بعلاقات كبيرة ومهمة مع العراقيين وكانت شخصيته أقوى من شخصية الوالي العثماني . وقد ذكر الدكتور الوردي في كتابه لمحات إجتماعية أن الناس في بغداد كانوا لا يقيمون وزناً لوعود بشواتهم وأعيانهم إلا إذا كانت مدعومة بضمان من المستر (ريج). في عام 1821 عينت الحكومة البرطانية الكابتن تيلر قنصلا ً. وعرض القنصل على والي بغداد (داود باشا) أن يتولى الضباط البريطانيون مهمة تدريب افراد الفيلق العثماني في بغداد وتم جلب بعض الضباط البريطانيين امثال جورج كيبل ورفاقه لهذه المهمة كما تم ارسال القس المسيحي (غروفز) الذي سكن بغداد وأتصل بأهلها واصبحت له علاقات معهم، أما على الصعيد التجاري فقد ذكر بطاطو في كتابه العراق ان البريطانيون كانوا يحضون بمعامله خاصة ومتميزة في السوق العراقية . ومن جانب آخر كان البريطانيون يولون للعراق أهمية خاصة فقد صرح اللورد كيرزن في العام 1892م بأهيمة بغداد التجارية فقال يجب أن تدخل بغداد ضمن السيطرة البريطانية. وكانت بريطانيا سبق لها ان حصلت على فرمان سنة 1834م يحق فيه لبريطانيا استخدام باخرتين في نهر الفرات، وسبق هذه المعاهدة قيام رحالة بريطانيين عام 1830م باستكشاف طريق الفرات النهري من بيرة جك جنوب الاناضول الى مدينة الحلة في العراق، وقام الرحالة (راودن جسني) برحلة استكشافية حظيت برعاية الملك (وليم الرابع) وساعده (هنري بلوص لنج) في مسح نهر دجلة، عمل (لنج) خلال الفترة بين (1837-1839) على كتابة مذكرات في وصف قسم من دجلة بين بغداد وسامراء، وقد حصلت عائلة (لنج) على امتياز تسيير باخرتين في دجلة بين بغداد والبصرة، وقامت في 30 تشرين الثاني سنة 1860م بتأسيس شركة في لندن باسم (شركة الفرات ودجلة للملاحة التجارية). استطاعت شركة لنج ان تحتكر الملاحة التجارية في نهر دجلة، في نقل المسافرين والبضائع والبريد بشكل كبير. وفي عام 1909 تم بيع الادارة النهرية العثمانية الى شركة لنج بمبلغ (250) الف ليرة.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى ودخول الدولة العثمانية الحرب مع المانيا والنمسا قررت بريطانيا ان تامين الطريق الى الهند يحتاج الى الإسراع في احتلال البصرة وبالفعل نزلت القوات البريطانية البصرة في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، حيث قامت بتشكيل دائرة الحاكم العسكري، والتي كانت مهمتها القيام بالمهام المستجدة وتألفت من الرائد (داريس براذيلو) رئيسًا والنقيب (ريدبولارد) وهو وكيل قنصل بريطانيا السابق في البصرة (وتوم دكستر) احد قباطنة (السفينة كمين) التابعة للمقيمة البريطانية في بغداد مساعدًا ومترجمًا، وعدد من الضباط والموظفين البريطانيين والهنود والعراقيين، ثم تبعها تشكيل دائرة للشرطة تولاها العقيد (أي جي كريكسون) أحد منتسبي شرطة البنجاب والعديد من العناصر التي جائت من الهند. أصدرت السلطة العسكرية البريطانية في آب 1915م في المناطق العراقية المحتلة (قانون الأراضي العراقية )، يخول السلطة تطبيق القانون الهندي على المجتمع العراقي، وأجاز لها تعديله حسبما تتطلب الأوضاع المحلية اما في المناطق العشائرية المدنية، بموجب الأسس الواردة في نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية الذي وضعه هنري دوبس عام 1915، وذكر أنه مستمد من نظام الحكم الذي طبق في بلوشستان، وحدد القانون إحالة القضايا الخطيرة إلى اللجان العسكرية البريطانية للبت فيها في حين تحال القضايا الشخصية إلى المحاكم الشرعية التي تطبق (الشريعة المقدسة).

حددت السلطة البريطانية الأهداف السياسية البريطانية كما وردت في برقية وزير الهند في لندن إلى نائب الملك في الهند والدوائر العسكرية والملكية البريطانية في العراق بتاريخ 29 آذار 1917م، متضمنة مظاهر تحقيق السياسة البريطانية في العراق، في إن تبقى البصرة والناصرية وشط العرب وبدرة تحت الإدارة البريطانية بصورة دائمة، وتكون بغداد مملكة عربية يديرها حاكم أو حكومة عراقية تحت حماية بريطانيا، وتدار خلف ستار عربي بواسطة وكالة وطنية وفقا للقوانين الموجودة. كما أشار التقرير الإداري البريطاني الصادر في تشرين الأول من عام 1918 الى ان الإدارة البريطانية تعتزم تعيين قا ٍض سني في مدينة النجف، فضلا عن إصدار تعليمات على العمال العاملين عندها بإجبارهم ارتداء ثيا ِب موحدة بحسب انتمائهم القومي والطائفي، فالعمال السنة يرتدون كوفية حمراء وعقال اسود ويرتدي العمال الشيعة كوفية زرقاء وعقال ابيض .

قام البريطانيون بتوسيع نظام دعاوى العشائر بعد سيطرتهم على جميع الاراضي العراقية، اذ صدر نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية في 28 تموز/ يوليو 1918، الذي اصبح له قوة القانون اند صدور القانون الاساس العراقي (الدستور) في سنة 1925. شكلت القوات البريطانية ما سمي بالإدارة المدنية البريطانية في العراق ترأسها السير بيرسي كوكس حتى مايو عام 1918 فتبعه السير أرنولد ولسون .ومارست الحكومة المؤقتة البريطانية الهندية سياسة التهنيد من خلال فرض القانون الهندي لحين صياغة الدستور العراقي بغية إلحاق العراق وضمه بالتاج البريطاني . في 30 تشرين الثاني 1918 صدر قرار يقضي بأقامة استفتاء شعبي لمعرفة رأي البلد في تأسيس حكومة عربية، وتضمن ثلاثة اسألة: هل يفضل العراقيون دولة عربية واحدة تقوم بارشاد من بريطانيا، تمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج العربي؟، وهل يرون أن يكون أمير عربي على رأس هذه الدولة الجديدة؟، ومن الذي يرشحونه لرئاسة الدولة؟.

 كانت مدن الفرات الاوسط وبالاخص مدينتي النجف وكربلاء الشغل الشاغل للبريطانيين، منذ دخول قواتهم العراق في عام 1914، ذلك أن الفرات الاوسط كان مركز التشيع وما يحمل التراث الشيعي من نزعة الى النقد السياسي للسلطة على مدى السنين اضافة إلى الفلسفة الأمر الذي انعكس على نفسية المجتمع في مناطق الفرات الاوسط. أشار الحاكم السياسي برسي كوكس في حديثه عن الفرات الاوسط (أن المشكلة المعقدة في منطقة الفرات الاوسط في هذا الوقت أي عام 1917 ليس وجود قبائل كثيرة وإنما وجود مدينتي كربلاء والنجف).

في عام 1919 ذهب فيصل بن الحسين الى باريس لحضور مؤتمر الصلح في فرساي ولكن لم يسمح له بالمشاركة وعندما حاول الاحتجاج تمت دعوته الى وزارة الخارجية الفرنسية وهناك كانت اكبر صدمة تعرض لها العرب وفيصل ونرويها كما سجلها مرافق فيصل البريطاني (لورنس ) حيث التقاهم في وزارة الخارجية المسيو جان غوت مساعد مدير شؤون اسيا في الوزارة. وجرى الحديث بينهما – طبقاً لمذكرة بخط لورانس قدمت الى وزير الخارجية البريطاني واودعت سجلات الوزارة تحت الرقم 97/608 ملف 7 – 445 – على النحو الآتي:

“فيصل: انني لا استطيع ان افهم لماذا جرى استبعادي من قائمة الممثلين الذين يحق لهم الكلام امام مؤتمر الصلح؟

غوت: هذه مسألة من السهل عليك ان تفهمها. لقد ضحكوا عليك. ان الانكليز تخلوا عنك، ولو انك وقفت معنا لكان في وسعنا ترتيب امورك. اننا نعترف بوجودك هنا كضيف كريم، ولكن الضيف لا علاقة له بمؤتمر السلام، والخطأ يقع عليك انت لأنك جئت الى هنا دون ان تحصل على اذن بيكو ودون اخطاره. كنت واقعاً تحت نصيحة خاطئة، والنصائح التي اعطيت لك لا تنفعك.

فيصل: الجنرال اللنبي في دمشق ابلغني ان الحكومة البريطانية والحكومة الفرنسية كلتيهما تعترفان بقواتي كطرف محارب .

غوت: هذه اكذوبة. نحن لا نعرف شيئاً عن جيش عربي في سوريا.

فيصل: الجنرال اللنبي كان قائد جيوش الحلفاء، وكانت قواتي تحت قيادته. كان هو قائدنا الاعلى، وقد قال لي في دمشق انه يعتبرنا طرفاً محارباً، وقد صدقته.

غوت: هذه مشكلتك. وعليك ان تفهم انك اذا اردت صداقة فرنسا فيجب ان تطيع ما نقول به نحن”.

وقد اكتمل المشهد الدرامي في أيلول من نفس العام عندما التقى رئيس الوزراء البريطاني (لويد جورج) ورئيس الوزراء الفرنسي (جورج كليمنصو) في اليوم الاول من أيلول في مبنى السفارة الفرنسية، وبينهما اللورد هانكي الذي جرى تكليفه رسمياً وضع مذكرة عن حديثهما. في البداية – كما ورد في مذكرة اللورد هانكي – كان رئيس الوزراء الفرنسي يشعر بأن الحكومة البريطانية متضايقة من بعض تصرفات الرسميين الفرنسيين.وهي تعتبر انها احيانا تجاوزت حدود المقبول ازاء الحليف الاكبر وهو بريطانيا وكان كليمنصو حريصاً على استرضاء رئيس الوزراء البريطاني لأنه ما زال يشعر بالحاجة اليه في التسوية النهائية، وما يترتب عليها. وبدأ الحوار بين الاثنين. ودار على النحو التالي على حسب ما سجله اللورد هانكي في مذكرته بالحرف (وثيقة مجلس الوزراء الرقم 14/116 تاريخ 1 ديسمبر (كانون الاول) 1919):

“كليمنصو: انني حريص على ان لا تكون هناك خلافات كبيرة بيننا، فما زالت امامنا ظروف تقتضي لقاءنا المستمر. ان تحالفنا نجح في تجربة الحرب، وليس من المعقول ان يرسب في تجربة السلام”. ثم استطرد: “دعنا نسوي الامور بيننا مباشرة، وقل لي ما الذي تقترح ان نبحثه معاً الآن؟

” لويد جورج: دعنا نبحث في مصير العراق وفلسطين.

كليمنصو: اذن قل بصراحة ماذا تريد؟

لويد جورج: اريد الموصل. انتم تطالبون بهذا الاقليم ونحن نعتبره تكملة لجنوب العراق الذي اتفقنا على ان يكون من نصيبنا.

كليمنصو: حسناً. لك ان تأخذ الموصل. سوف نتركه لكم… هل هناك شيء آخر؟

لويد جورج: نعم… اريد القدس ايضاً. انكم تثيرون متاعب لنا، وتطالبون بالحق في فلسطين باعتبارها جنوب سوريا.

كليمنصو: لك ان تأخذ القدس ايضاً… هل هذا يرضيك؟

لويد جورج: هذا شيء طيب.

كليمنصو: ان بيشون (وزير خارجية فرنسا) سوف يثير لي مشاكل بسبب الموصل، وارجوك ان تساعدني ازاءه.

 لويد جورج: ماذا استطيع ان افعل لك؟

كليمنصو: اتركوا لنا سوريا شمال فلسطين من دون ان تثيروا المتاعب في وجهنا. انا لا اعني المنطقة المسيحية في لبنان فقط، ولكن اريد سوريا الداخل ايضاً: دمشق وحلب وحمص وحماه.

لويد جورج: ليست لنا مصالح حيوية في هذه المناطق، ولن نعارضكم عندما تضعوها جميعها تحت حكم فرنسي موحد!”.

وانتهت المناقشة بين الرجلين لأن رئيس وزراء ايطاليا انضم اليهما في صالون السفارة الفرنسية. وبهذا تقرر مصير الدول العربية ومنها العراق.

لم تستجب بريطانيا للمطالب الشعبية بتقرير المصير، بل سارعت هي وحلفاؤها الى الاجتماع في سان ريمو في إيطاليا في (25 نيسان 1920) ووزعوا الانتدابات، فأنيط انتداب العراق وفلسطين وشرق الأردن لبريطانيا. أذيع نبأ الانتداب على العراق في بغداد في (3 أيار 1920) فأعلن الشعب معارضته له، أدركت الحركة الوطنية هدف السياسة البريطانية في استمرار الحركة البريطانية المباشرة وعدم تنفيذ الوعود التي أعطيت للعرب في الحصول على الاستقلال والوحدة فقامت بتصعيد المقاومة ضد الاحتلال، وتوتر الجو السياسي في العراق وعقد زعماء الحركة الوطنية سلسلة من الاجتماعات السرية وقرروا اتخاذ التدابير لحشد العراقيين. وفي (2 حزيران 1920) حدثت مظاهرة جماهيرية واسعة عندما قابل ممثلوا الحركة الوطنية وكيل الحاكم المكي وطالبوا بإجابة المطاليب الآتية وهي إنشاء مجلس تأسيسي (جمعية وطنية) تضع دستور وتقرر شكل الحاكم وكذلك إطلاق حرية الصحافة. وقد ردت بريطانيا على هذه المطاليب موضحة شروط وكالة حكومة بريطانيا على العراق . كان اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون شيخ قبيلة الظوالم في (30) حزيران في الرميثة أحد الأسباب التي أدت الى اندلاع الثورة إذ هاجم رجاله سراي الحكومة وقتلوا بريطانيين وانقذوا شيخهم فكانت تلك الرصاصات إيذاناً بإعلان الثورة في العراق ضد البريطانيين.امتدت الثورة بسرعة الى مناطق العراق المختلفة، فأعلنت الثورة في النجف في (2 تموز) ة وتمكن الثوار في الرميثة من مقاتلة البريطانيين وفي الشامية استطاع الثوار السيطرة على المدينة وتمكن الثوار من إحراز نصر كبير في موقعة الرارنجية (الرسمتية) قرب الكفل يوم (24 تموز) فاضطرت القوات البريطانية الى التقهقر نحو الحلة بعد أن فقدت (318) جندياً، وغنم الثوار (40) رشاشاً ومدفعاً واحداً. خفت حدة المعارك العسكرية بعد فترة قصيرة من وصول السير برسي كوكس واعتبرت الثورة منتهية بعد المفاوضات التي أجرتها بريطانيا مع الثوار في الرميثة آخر معاقل الثورة وتوقيعها الاتفاق معهم في (30 تشرين الثاني 1920) .

بعد وصول بيرسي كوكس الى بغداد في (11 تشرين الأول 1920)، واستقبل استقبالا حافلا تبارى خلاله الشعراء وعلى رأسهم الشاعر (جميل صدقي الزهاوي) في القاء القصائد في مدحه وهجاء الثورة التي حصلت وذمها اشد الذم .

كانت أولى الخطوات التي اتخذها المندوب السامي، انه عقد اجتماعاً لمجلسه الاستشاري في الحادي والعشرين من تشرين الأول من عام 1920، ضم في عضويته كل من بونهام كارتر ناظر العدلية، (وهو ايضا صاحب فكرة تشكيل الحكومة حينما كان رئيس اللجنة التي الفها ويلسون بعد ان اجرى استفتاء عام 1918 مع بعض التعديلات ) وهاول ناظر المالية فضلاً عن مساعده سليتر وبولارد ناظر الاشغال وبطبيعة الحال ضم هذا المجلس العنصرين البارزين في السياسة البريطانية، هما جون فلبي، والمس بيل السكرتيرة الشرقية واستمر هذا الاجتماع الطارئ زهاء الثلاث ساعات، وضح فيه كوكس افكاره حول تأليف الحكومة واعتبارها كالجسر الذي يربط فيما بين السلطات البريطانية المتمثلة بشخصيته وبين الشعب العراقي .

ولقد استبعد الاجتماع موضوع الاستعانة باي شخصية شيعية فقد عملت الدعاية البريطانية على زرع فكرة ان كل معمم شيعي هو (إيراني ) فحتى عندما تتحدث المس بيل عن السيد (محمد الصدر) وهو من سلالة ال البيت وجده الاكبر كان قادم من لبنان والشيخ مهدي الخالصي الكبير الذي تعود اصوله الى قبيلة بني اسد العربية وهما من كبار قادة ثورة العشرين تقول (إنهما من رعايا إيران)، وقد وصفت (السيد محمد الصدر) بما يلي "إن معكر صفو السلم هو السيد محمد الصدر، وهو عالم طويل القامة، اسود اللحية، ذو تقاسيم شريرة، قفز إلى الظهور البغيض بصفته رئيس المحركين خلال الإضطرابات وأخذ يدور في أنحاء البلاد ويسري شرّه فيها كما يسري لهيب الحرب، فقد صادف أن أُقيمت حفلة استقبال في المدرسة الإيرانية، حيث ذهبت كالمعتاد وكان من الضروري أن أذهب إلى هناك لأن السيد محمد الصدر هو المنظم للحفلة" . وقد إختصرت المس بيل رأيها قائلة: “ويجب أن أعتبر سيطرة الشيعة كارثة لا يمكن تصورها” . كذلك تم استبعاد اي شخصية كردية حيث كانت الدعاية البريطانية تعتبر أن فكرة وجود كردستان مستقلة فكرة خيالية تماما، كما وصفتها المس بيل في رسائلها التي قام بترجمتها (يونس السبعاوي) ونشرها (روفائيل بطي) . ويمكن معرفة التوجهات البريطانية من خلال المحادثة التي أجرتها المس بيل مع الحاج (ناجي رضا جادر) احد مالكي الأرض الزراعية في الكرادة وكان صديقا مقربا منها، عندما سالها عن سبب فوزه بمقعد في المجلس من دون سابق علم له بالأمر إلى إن أخبره مختار الكرادة بفوزه، فقالت له " انته نحن نعتبرك صديقنا" فسألها الحاج ناجي عن سبب غياب أعيان الشيعة في بغداد من المجلس، فقالت "أهل الكاظمية كلهم ما يفتهم وأهل بغداد (عنودي) وأهل النجف وأهل كربلاء كلهم (فارسي) ما يفتهمون عربي غير بس الشيخ عمران العلوان " وقالت المس بيل " أهل الدليم يتكلمون عربي ما يفهم منها أهل بغداد شي فاخترنا لهم فؤاد الدفتري حتى يعلمهم تركي وهم يعلموه عربي حجي بعد ماكو سؤال" .

لذلك قرر الاجتماع الاستعانة بنقيب اشراف بغداد السيد (عبد الرحمن النقيب الكيلاني)، عرض برسي كوكس في اثناء الاجتماع مجموعة من المقترحات والتي عدت الاسس التي قامت عليها الحكومة ومنها، تأسيس مجلس من الوزراء العراقيين وكان الى جانب كل منهم مستشار بريطانيا، ويكون هذا المجلس بادارة المندوب السامي مباشرة، وبعد تعديلات طفيفة اجريت على هذه المقترحات من قبل اعضاء المجلس الاستشاري تمت الموافقة عليه بالاجماع، ويلاحظ ان هذه الحكومة المؤقتة لم تكن إلاَ واجهة لتنفيذ صك الانتداب البريطاني على العراق، ويتضح ذلك من خلال ارتباط مجلس الوزراء بصورة مباشرة بـ(برسي كوكس) كما ان الوزراء المقترح تعيينهم سوف لن يكون لاي منهم دوراً مهماً في تمشية أمور البلاد في مختلف المجالات لكونه مرتبط ويعمل تحت توجيهات المستشار البريطاني الذي كان قراره نهائيا وقطعيا .

بالرغم من طرح اسم (عبد الرحمن النقيب الكيلاني) لرئاسة الحكومة المؤقتة خلال الاجتماع الا ان برسي كوكس كان يأمل ان يتولى هذا المنصب (طالب النقيب)، الذي لعب دوراً كبيراً في خدمة المصالح البريطانية، الا انه استبعد من الترشيح الى هذا المنصب وذلك يعود الى عدم الثقة الكاملة به من قبل المندوب السامي، ولمعارضة الاعضاء ولاسيما المس بيل، التي كانت تكن له الكره الشديد، بسبب نشاطه اللامحدود وطموحه الشديد بالوصول الى عرش العراق، في الخامس والعشرين من تشرين الأول لعام 1920، انهى برسي كوكس مفاوضاته التي اجراها مع الاشخاص المرشحين لمنصب وزراء في الحكومة المؤقتة، وتمكن من تخطي جميع الصعوبات التي واجهته خلال المباحثات، ولم يتوان المندوب السامي بعد هذه المباحثات من توجه رسالة تكليف الى السيد عبد الرحمن النقيب بتشكيل الوزارة وبناء على رغبة ملك بريطانيا في ذلك، فوافق النقيب على هذا الامر كما عبر عن ذلك كوكس بقوله انه قبل (بكل جراة واقدام ودون تردد) لقد تم ترتيب الدعوات لاعضاء مجلس الوزراء، وكذلك توزيع الحقائب الوزارية عليهم بصورة توحي للمراقب بانها صادرة من النقيب نفسه وليست مفروضة عليه من قبل المندوب السامي، وذلك لاعطاء هذه الحكومة واجهة وطنية وليست اجنبية، لقد تألف المجلس من ثمانية اعضاء، يرأس كل عضو منهم دائرة من الدوائر، اعلن تشكيل الوزارة في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 1920 وضمت، عبد الرحمن النقيب، رئيساً للوزراء وطالب النقيب وزيراً للداخلية، وساسون حسقيل لوزارة المالية، ونصب وزيراً للعدل مصطفى الالوسي، اما وزارة الدفاع، فقد اسندت الى جعفر العسكري، الضابط العراقي في الجيش العثماني والذي اشترك في الثورة العربية، ومن ثم اصبح حاكماً لولاية حلب في الحكومة العربية في سوريا، وعين لوزارة الاشغال العامة عزت الكركوكلي، واسند منصب وزير النافعة (التعليم) والصحة الى محمد مهدي الطباطبائي، اما وزارة التجارة فقد اسندت الى عبد اللطيف المنديل والوزارة التاسعة وهي وزارة الأوقاف كانت من نصيب (محمد علي فاضل)، والى جانب هؤلاء الوزراء المحليين، تم تعين مستشارين بريطانيين، كانوا بحقيقة الامر هم الوزراء الفعلين واصحاب القرار وهم جون فلبي مستشارا لوزارة الداخلية، والعقيد سليتر للمالية، وكان عليه ان يعمل في وزارة التجارة، والسير بونهام كارتر للعدلية والمستر نورتن للصحة، اما مستشار وزارة الاشغال والمواصلات فقد عين المستر ديفير اتكسون اما وزارة التجارة فقد استلم منصب المستشار فيها، وتكنسن اما وزارة الأوقاف فقد عين لها مستشاراً فيها فيما بعد، وهو كوك وكان أول اجتماع عقده مجلس الوزراء في الثاني من شهر تشرين الثاني عام 1920.

 ثم أصدر المندوب السامي برسي كوكس بياناً في (8 تشرين الثاني من العام نفسه) أوضح فيه أن الهدف من تأليف الحكومة هو الاسراع في تمهيد الطريق أمام الشعب العراقي لإبداء الرأي في شكل الحكومة التي يريدها عن طريق تأليف مؤتمر عام يمثل الشعب العراقي تمثيلاً صحيحاً.

في شباط 1921 نقل (وينستون تشرشل) من وزارة الحرب وأصبح وزيرا للمستعمرات، فقرر عقد مؤتمر في القاهرة دعا اليه الممثلين العسكريين والسياسيين البريطانيين في الشرق الادني لاعادة النظر في سياسة بريطانية في المنطقة ودراسة امكانات خفض النفقات البريطانية فيها، وتقرير علاقات الدولة الجديدة المقبلة في العراق ببريطانيا العظمي من حيث النفقات، وشكل الدولة المقبلة، وشخص رئيسها، ونوعية قوات الدفاع فيها، وغير ذلك. فلما ذهب السير بيرسي كوكس لحضور هذا المؤتمر كان من جملة من اصطحبهم معه سكرتيرته الشرقية غيرترود بيل التي كانت المرأة الوحيدة في المؤتمر. وقد شارك في المؤتمر السير هربرت صمويل (الحاكم العام المعين لفلسطين) وشارك فيه من الخبراء كل من الميجور لورانس والميجور كلايتون (من المخابرات العسكرية والسياسية) والمستر كورنواليس (من مخابرات وزارة المستعمرات)، كذلك حضر المؤتمر السير رونالد ستار، اللورد جورج لويد، الكولونيل كونلف أوون، الكولونيل هملتن، جون فليبي، الكابتن شكسبير وغيرهم واصدر المؤتمر قراراً يقدم عرش العراق الى الامير فيصل .وقراراً ثانياً يقدم امارة شرق الاردن الى الشريف عبد الله الابن الاكبر للشريف حسين .

عاد المندوب السامي الى بغداد في 19/ نيسان 1921 بعد انتهاء مؤتمر القاهرة وأذاع بياناً عما تم في المؤتمر وبدأ على الفور باتخاذ الترتيبات اللازمة لإنجاح ترشيح فيصل وأصدر بلاغاً أوضح فيه أن الحكومة البريطانية تعد الأمير فيصل مرشحاً موفقاً وعمل المندوب السامي أيضاً على تذليل العقبات التي تعترض سبيل الأمير فيصل ومنها إخراج طالب النقيب من وزارة الداخلية وأبعاده عن العراق وأبعاد جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية لأنه من معارضي الهاشميين ومن دعاة الجمهورية.

شغلت بريطانيا الرأي العام في العراق في قضية من سيتولى العرش في العراق بعد أن عرضت أسماء عدد من المرشحين، مستبعدين أي شخصية عراقية شيعية باعتبارهم كما وصفتهم مس بيل " والشيعة، كما بيّنت في مناسبات عديدة من قبل، يكوّنون مشكلة من أعظم المشاكل" اما بقية المرشحين فكانوا من ذوي ارتباطات مع بريطانيا، ويتفاوتون في مراكزهم وأمكانياتهم، فعبد الرحمن النقيب له أنصاره في بغداد لكنه كان طاعناً في السن وعبد الهادي العمري وهو من أسرة موصلية معروفة وله شعبية في الموصل وطالب النقيب شخصية بصرية معروفة، وله علاقات واسعة مع الأمراء العرب في المحمرة والكويت ونجد وكان طموحاً يسعى قبل الحرب العالمية الأولى لأقامة إمارة عربية في جنوب العراق على غرار الإمارات المجاورة، وفيصل بن الشريف حسين ملك سورية المخلوع وأخوه عبد الله الذي رشحه المؤتمر العراقي الذي انعقد في دمشق في 8/ آذار 1920 ليكون ملكاً على العراق والشيخ خزعل أمير المحمرة الذي كانت له علاقات واسعة مع جنوب العراق وأحد أنجال أبن سعود أمير نجد، والأمير التركي برهان الدين أبن آخر سلاطين الدولة العثمانية وترددت أسماء أخرى منها أحد أمراء الأسرة المالكة في مصر وظهر تيار يدعو الى إقامة نظام جمهوري في العراق يتزعمه جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية الذي استطاع أن يجمع حوله بعض الشخصيات البارزة في العراق أمثال توفيق الخالدي وفخر الدين جميل وعبد المجيد الشاوي وكانت بريطانيا ترى في الشخص الذي ترشحه لعرش العراق هو من يفتقر الى القوة الحقيقية ويعتمد في بقائه على الحكومة البريطانية وكان ممن أشار بعدم تعيين أحد من العراقيين ملكاً أو أميرا على العراق على أساس أنه سيثير حسد عراقيين آخرين فيخلقوا متاعب لا تنتهي للإنجليز" (ساسون حسقيل) وزير المالية في حكومة عبد الرحمن النقيب الكيلاني . وكان حزقيل يقترح أن يكون ملك العراق أو رئيسه أحد أبناء شريف مكة أو أحد أعضاء الأسرتين المالكتين في مصر وتركيا.

أسهمت عودة الضباط العراقيين من سوريا وعلى رأسهم نوري السعيد باختيار الأمير فيصل ملكاً على العراق ودعوة الجمعية التأسيسية لأن تقوم بمهامها الأربع الأساسية وهي تعيين مجلس الوزراء، واختيار حاكم للعراق، وتأسيس الجيش، وتصميم علم وطني. وقد نُفذت الخطة المرسومة. وتمّ حفل التتويج بحضور 1500 مدعو، ثم عُزف النشيد الملكي البريطاني لأنه لم يكن هناك سلام وطني عراقي، وفي الختام تمت الموافقة على تشكيل الحكومة العراقية التي رأسها عبد الرحمن النقيب كأول رئيس وزراء لمملكة العراق الفتية.

 

زهير جمعة المالكي

 

محمود محمد عليعالم النكته ملئ بالمواقف الساخرة والناقدة والمضحكة، والتي تسري علي ألسنة الناس، كما تسري النار في الهشيم، والنكتة تعبير عن موقف هزلي بأسلوب ساخر يحيي بروح نقدية، ونجاح النكتة، لابد لها أن تكون بأسلوب مقتضب موجز جداً، وساخر يحمل معني كبيراً غير مباشر في باطنه، وكلما تكون مثيرة للضحك فهي أقوي وقعاً وتأثيراً وبالتالي نجاحاً.

والنكتة في حد ذاتها معالجة لوضع، أو حدث غير مرض عنه، وحياة النكتة تطرقت لمواقف عدة في الحياة وجوانيها بأساليب مختلفة، فأخذت الشك الخطابي أو الحركي أو المكتوب أو التحريري أو رسوم كاريكاتورية تعبر عن هذه المواقف .

وتعد النكتة خطاباً ناقداً يختزن حمولات حجاجية، مبنية علي مناقضة الآراء والأفكار، والوقائع، والاحتجاج عليها، هذا الاحتجاج يتخذ صوراً تعبيرية عدة تتيحها الوسائل والوسائط المستعملة في توصيله، وإثارة ردود الأفعال ؛ التي تستجيب – عادة – باستعمال السياق والصورة والشكل التواصلي، ولا تعتمد التواصلية بمختلف أشكالها وأنواعها ومضامينها علي الفكرة تحديداً ؛ بقدر ما تقع بكل ثقلها علي الوسيط، ومفهوم الوسيط هنا يتخذ بعده الألي الوسائلي، كما يظهر بعده الصيغي الذي يتلبس رداءً ثقافياً دارجاً، ومتداولاً يعطي هذه التواصلية بعدها المأمول، وقد يطمح بها في جنوح بعيد إلي أبعاد أخري، تتنامي داخل المحض الثقافي للفكرة، وقد يفيض لتتكتل في وسائط وأفكار أخري تتجاوز المدار الأولي إلي مدارات أحري، ويمكن لهذا الكلام أن يحاكي في شئ من الحقيقة المفهوم القريب والبعيد للنكتة، والنكتة المتعددة النابعة من عمق المعايشة، الرفض، الاستنكار، القبول، اللاموقف الذي يشكل موقفاً بحد ذاته في تجلية صاحب النكتة.

هذا النوع هو ما كان يبغيه الدكتور عزمي بشارة، عندما أختار يوسف حسين ليجسد له برنامج "جو شو"، للدفاع عن فكر جماعة الإخوان المسلمين الذين سقط مشروعه عقب أحداث ثورة الثلاثين من يونيه 2013، هذا من ناحية، واستخدامه كمخلب قط ضدهم في حالة انقلابهم علي مشروع عزمي إسلام الذي يزعم الدعوة للقومية العربية (المزيفة) .

وبرنامج "جو شو" من البرامج التي ما تزال مستمرة حتي الآن، وهو يذاع في العاشرة مساءً بتوقيت السعودية في كل خميس علي قناة العربي؛ وجو شو وسابقًا "جو تيوب"، هو كما قلنا برنامج تلفزيوني سياسي كوميدي ساخر يتألف من فقرات تتناول الأوضاع السياسية في العالم العربي، ويسخر من الأوضاع السياسية في مصر بعد  ثورة الثلاثين من يونيه عام 2013.

وفي عام 2016، انتقل يوسف حسين من برنامجه على منصة يوتيوب ليقدم برنامجه باسم جو شو عبر شبكة التلفزيون العربي الذي يبث من لندن، بعنوان "جو شو" بداية من شهر رمضان 1438 هـ  وتعرض حلقاته أيضًا على قناة سوريا ؛ وجو تيوب، أو جو شو، أو يوسف حسين، وأبو ليلي ونعنيعة.. وأسماء كثيرة لشخص واحد، وهو برنامج أسبوعي، يتحدث عن الأوضاع الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية ؛ وبخاصة في مصر.

ويوسف حسين ظاهرة إعلامية عُرفت وعرفها الملايين في الوطن العربي من خلال اليوتيوب وقناة سوريا وقناة العربي، بجرأته وخفة دمه .. ظهر في فترة كانت موجودة بكثرة البرامج الساخرة التي تزعم أنها تنقد الأوضاع السياسية في زمن الربيع العربي ؛ وخاصة فيما يتعلق بالقضايا السياسية المستجدة من خلال الكوميديا السوداء وهو ليس له حدود لا في النقد ولا في السخرية .. والعديد من الإعلاميين شبهوه بالإعلامي باسم يوسف المزيف والمخادع، لكنه في فترة قصيرة حاول أن يكون له بصمة خاصة به من خلال الفبربيكات الإعلامية، وصارت لديه قاعدة جماهيرية كبيرة من الشباب والشيوخ (المغرر بهم والمؤهلين للإستماع والإصغاء لأي شئ يقدح في النظام المصري الحالي).

وقد شكل يوسف حسين حالة من التمرد علي نظام الدولة المصرية الحالي بطريقة سلمية تأخذ فكرة تكتيكات حرب اللاعنف عند جين شارب (والتي تمثل النواة الصلبة لحروب الجيل الرابع)، إلي أن اصطدم مع السلطة في المملكة العربية السعودية، وسوريا، والجزائر، واليمن، وفلسطين، وأمريكا، وغيرها الكثير بملوكها وأمرائها ورؤسائها، كانت مادة دسمة عبر برنامجه الشهير " جو شو " الذي أصبح يتناول البرامج العربية والمصرية، وبموقع انتقاد، أو ما يمكن تسميته بالكوميديا السياسية السوداء .

لقد بات جو شو يمثل حاضنة شعبية لبعض المصريين وفي العرب (المغرر بهم كما قلت)، واستطاع أن يحول كل شئ لكوميديا سوداء، إلي أن عده بعضهم أيضا حاضنة لكثير من المؤيدين باطنيا لفكر جماعة الإخوان والسلفيين المسلمين؛ وعلي الرغم من محبي جو شو القلائل فلا يخلو الوضع من انتقاد الآخر (أي الكُثر) له لاتهامه بعدم الموضوعية، وعدم التزام الحياد، واتباع توجهات وسياسة القناة التابع لها، وعدم تخطي ما يمكن تسميته بالخطوط الحمراء .

وحول نشأة البرنامج قال " يوسف حسين" (حسب موقع ويكبيديا): أنه بعد بداية الربيع العربي لم يكن لدى فريق العمل أدنى فكرة بإنشاء قناة جوتيوب في البداية، وأتت الفكرة "بمحض الصدفة" حسب ما قال يوسف حسين في لقاء على قناة سوريا، (بعد ثورة الثلاثين من يونيه عام 2013)، قام يوسف حسين وأحمد الذكيري بإنشاء مقطع فيديو سياسي ساخر مدافعًا فيه عن الرئيس السابق مرسي وتحميله على موقع اليوتيوب، وحقق أكثر من نصف مليون مشاهدة في وقت قصير، وبعد شهر تقريبًا قام جو "يوسف" والذكيري بتكوين فريق عمل صغير، وإنشاء قناة جوتيوب على اليوتيوب، وعلى مدار شهور قاموا بعمل 12 حلقة ساخرة عن تناقضات التيار الليبرالي السياسي، وتناقض الإعلامين (بعد ثورة الثلاثين من يونيه)، فقام فريق جوتيوب بعمل 31 حلقة ناقش من خلالها جميع الأحداث التي مرت بمصر بشكل ساخر، وتخطى مشتركو قناة اليوتيوب أكثر من مليون ونصف مشترك وقامت بعض القنوات التلفزيونية بعرض الحلقات على شاشاتها  مثل الجزيرة مباشر مصر، وقناة الشرق وقناة رابعة.

وقد كان الهدف من برنامج جو شو كما قلت، هو تكرار نفس المهمة التي كان يقوم بها برنامج البرنامج لباسم يوسف، مع اختلاف الغايات والتوجهات (وإن كان كلاهما يصبان في نفس الاتجاه وهو الفوضي الخلاقة)؛ بمعني أن نفس المواضع هو تكرار برنامج جو شو للمواضع المتعلقة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وخطاباته السياسية، وكيفية تعامل الرئيس السيسي معها من خلال عرضها بطريقة ساخرة، وجاء في المرتبة الثانية موضوع الإعلام، وكيفية معالجته للأحداث السياسية في مصر، وكيفية تعامل الإعلاميين المصريين لهذه المواضيع.

وهذا يشير إلي أن برنامج جو شو قد حرص علي متابعة تطورات الحياة السياسية في المجتمع المصري بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013، ويظهر ذلك من تركيز البرنامج علي الرئيس السيسي وخطاباته السياسية بشكل كوميدي يغلب عليه التنكيت المخادع، وكذلك معالجة القضايا السياسية التي تهم المجتمع المصري حالياً بشكل ساخر ومضحك، ومن ثم تناوله لمعالجة الإعلاميين المصريين لهذه القضايا، وهذا يظهر أن سر قدرة برنامج  يوسف حسين علي اجتذاب الجماهير ومتابعة المشاهدين له بشكل كبير آتيا من تركيز البرنامج علي حصر المضمون السياسي للقضايا اليومية المستجدة.

أما فيما يخص الموضوع الوطني وتغطية القضايا الوطنية ومعالجتها سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، فنجد أنها لا تشكل محور اهتمام بالنسبة ليوسف حسين، مما يعكس عدم أهمية مناقشة وعرض هذه القضايا الوطنية في برنامجه، وهذا يعكس غياب الحس الوطني لبرنامج جو شو الذي يقدمه يوسف حسين .

وثمة نقطة مهمة نود الإشارة إليها، ألا وهي أن يوسف حسين كان يتناول المواضيع السياسية التي يطرحها في برنامجه في إطار الخبر التلفزيوني، وهذا يعكس قدرة يوسف حسين علي عرض المواضيع وتناولها بتكنيت زائف كونه ناقل للخبر بأسلوب ساخر، ليترك للمشاهد عدم الحرية في تناول وفهم الخبر، ويعكس ذلك براعة يوسف حسين، وقدرته الإعلامية علي طرح المواضيع والمضامين والمحتوي السياسي، لهذا البرنامج بأسلوب الخبر الصحفي ليظهر، وكأنه ناقل للخبر من ناحية وصانع له بما يثبت عنه صفة التدخل الشخصي وعرض آراؤه الشخصية في المواضيع التي يعالجها .

ومن الأمور الأخرى التي لاحظناها في برنامج جو شو، أن وحدة التحليل الرئيسية التي تم تناولها من قبل يوسف حسين للمواضيع السياسية، كانت تتمثل في استخدام متغير الوقت والفترة الزمنية التي يغطيها برنامج يوسف حسين الساخر، وجاء بالدرجة الثانية استخدام الكلمة، ثم الفقرة، وأخيراً الجملة، ويعكس ذلك مستوي تركيز يوسف حسين وهدفه من إيصال معلومة معينة، أو خبر معين للمتلقي، أو أن يوجه المضمون السياسي باتجاه معين من خلال استخدام متغير الوقت ومستوي تكراره لبعض الكلمات والمصطلحات، وهذا فيه إشارة واضحة لتدخل يوسف حسين علي أنه يريد إيصال معلومة معينة للمتلقي في المضمون السياسي للحلقات التي يعرضها .

كذلك وجدنا برنامج  جو شو الذي يعرضه يوسف حسين كان يتخذ مواقف معارضة لوجهات النظر التي عرضها في برنامجه، وهذه تعبر عن شخصية يوسف حسين ومواقفه الايديولوجية، تجاه القضايا السياسية والاجتماعية، مما يشير إلي أن يوسف حسين لم يكن صريحا لآرائه الشخصية ومواقفه اتجاه القضايا المطروحة، وهذا يشكل تدخلا أو انحيازا لدي يوسف حسين وينفي عنه صفة الموضوعية إذا تم عرض هذا الرأي بأسلوب صريح وواضح .

أيضاً كشف لنا برنامج جو شو أن الطريقة الهزلية هي الصفة المميزة لبرنامج يوسف حسين، مما يعكس أهمية التركيز  علي هذه الطريقة لتناول يوسف حسين لعرض الموضوع، بما يعبر عن شخصيته وما يميز برنامجه عن البرامج الأخرى، ثم جاءت طريقة عرض برنامج جو شو بأسلوب ساخر تعبر عن القدرة الكبيرة ليوسف حسين في عرض المواضيع، وهذا يشير إلي أن الصفة الأساسية للبرنامج هي عرض الموضوع بأسلوب ساخر هزلي انتقادي، وهذا ما يميزه عن البرامج الأخرى، فقدرة يوسف حسين علي استخدام السخرية في توصيل المضمون السياسي يعكس براعته في إيصال ما يريده للمتلقي بطريقة غير مباشرة.. وهناك أمور أخري سوف نكشف عنها في قابل الأيام لهذا البرنامج.. ونكتفي بهذا القدر.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

.........................

1- الشعيبي، صالح بن عبدالعزيز: الصفحة الأخيرة : عالم النكتة، الأمن والحياة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، مج 8،ع 9، 1989، ص 62.

2- هاجو مدقن: السخرية الرفيعة في النصوص التفاعلية الرقمية: قراءة في الادبيات الساخرة في الفيسبوك، سياقات اللغة والدراسات البينية، العلوم الطبيعية للنشر، ع4،3، 2016، ص 116.

3-  هنيدة أحمد خليل: درجة توجه المضمون السياسي لبرنامج باسم يوسف الساخر، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الشرق الأوسط، طلية الأعلام، الأردن، 2015.

4- جو شو (برنامج).. ويكيبيديا.

 

 

عبد الله العباديمن السابق لأوانه الحديث عن التغييرات التي يمكن أن يحدثها انتخاب جون بايدن في ظل ظروف وبائية خطيرة يشهدها العالم بأسره، وفي ظل انقسام أمريكي قد يعصف بالأمن الداخلي خصوصا وأن ترامب توجه للمحاكم وجند أكثر من ستمائة محام لمواجه غريمه وطاعنا في نتائج الانتخابات.

الشارع العربي تابع الانتخابات الأمريكية وكأن شخص الرئيس سيغير شيئا من موقف الولايات المتحدة الأمريكية اتجاه القضايا العربية وعلى رأسها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومشروع الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، فكل الإدارات الأمريكية كانت حليفا بدون شروط للكيان الصهيوني على حساب حق الشعب الفلسطيني في إعلان دولته المستقلة.

في تعليقه على فوز بايدن يرى منصف المرزوقي اليساري وأول رئيس لتونس بعد الحراك الشعبي، إنه فوز الديمقراطية على الشعبوية، فوز الانسانية على العنصرية، فوز المبادئ على المصالح، انتصار الذكاء على الخبث، لطمة موجعة من النظافة على وجه الفساد. من الصعب فهم تفاؤل المرزوقي، فالبيت الأبيض لا يختزل في شخص، فالرئيس موظف تنفيذي لأجندة سياسية وأمنية ومصالح قومية.

مستشار الأمن القومي الأمريكي الديمقراطي زمن حكم باراك أوباما بن رودس يقول في مذكراته "العالم كما هو" يقول إن الرئيس الديمقراطي السابق أوباما  يكره العرب بشكل غريب وكان يردد أمام مستشاريه أن العرب ليس عندهم مبدأ أو حضارة وأنهم متخلفون وبدو. وبايدن ليس إلا الرفيق الحميم لأوباما ويحملان نفس الأجندة الحزبية ووجهات النظر حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية الأمريكية.

من حق المواطنين الأمريكيين أن يفتخروا بديمقراطية الاقتراع والعملية الانتخابية، فكل الرؤساء كانوا وبالا على بعض المناطق العربية، لكن مهما اختلفت الألوان الحزبية للمترشحين تبقى مصلحة الوطن وحماية المصالح الخارجية من الأولويات، رغم اعتزازهم بأصولهم فقد قال بايدن ل BBC أنا إيرلندي أما نائبته فقد أكدت أكثر من مرة فخرها بأصولها الهندية والجامايكية، هذا الفخر لم يفهم على أنه ضعف في الوطنية بل اعتزاز بالأصول وولاء تام  وانتماء للوطن الأم ورغبة في خدمته.

رؤية بايدن تختلف عن ترامب حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية والعلاقة مع الدول والمؤسسات العالمية، فترامب كان يرى وطنية أمريكا أولا وتخلى عن العديد من الاتفاقيات الخارجية والمعاهدات الدولية في قراري أحادي. لكن بايدن سيعيد أمريكا لدورها التقليدي الريادي على المستوى العالمي القائم على أساس القيم الغربية المشتركة، والعودة إلى التحالفات العالمية وعودة الإدارة الأمريكية إلى منظمة الصحة العالمية وستحاول قيادة العالم لمواجهة جائحة كورونا.

من أولويات بايدن أيضا محاربة التغير المناخي والعودة للانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ التي تخلى عنها الرئيس المنتهية ولايته، حيث أكد بايدن نيته في بناء اقتصاد يقوم على الطاقة النظيفة من أجل خلق وظائف جديدة. وأكد بايدن أنه مستعد للعودة لاتفاقية العقوبات المفروضة على إيران مقابل التقليص من برامجها النووية التي انسحبت منها الإدارة الأمريكية قبل ستنين وعارضها بعض الحلفاء.

وبمنطقة الخليج، وعد بايدن بالعمل على إنهاء الحرب باليمن بسبب تفاقم الوضع الكارثي وارتفاع الضحايا من المدنيين، وقد تتراجع الإدارة الأمريكية الحالية عن مساندة السعودية وقد تشوب العلاقات الأمريكية السعودية بعض التوتر بسبب نقاط خلاف عديدة، لكن رغم ذلك تبقى السعودية الحليف الاستراتيجي الأول في الخليج العربي.

يحاول بايدن أيضا العمل مع روسيا كقوة عالمية والعودة إلى معاهدتين كانت إدارة ترامب قد انسحبت منهما، سيعود بايدن لمغازلة الدب الروسي والتفاوض من أجل تمديد الاتفاقية الثالثة التي أوشكت على نهايتها للحد من الترسانة النووية للبلدين. أما بخصوص الصين فالسياسة الأمريكية واحدة بين الجمهوريين والديمقراطيين، الصراع الاقتصادي ومحاولة فرض إجراءات تجارية قاسية، الفرق بين الحزبين يكمن فقط في طرق تنفيذ الإجراءات المفروضة.

أما بخصوص القضية الفلسطينية، فبايدن لن يكون استثناء داخل الحزب فكلمة احتلال لم تسمع خلال برنامجه ولا برنامج السياسة الخارجية للحزب، ربما يكون هناك ضغط من الجناح اليساري داخل الحزب الذي سيعمل على الضغط على مرشحه من أجل حماية حق الفلسطينيين وربما ضغط أكبر من أجل إنهاء الاحتلال والاتجاه نحو حل الدولتين، الشيء نفسه يطالب به الجناح اليساري داخل الحزب لإنهاء الحرب في أفغانستان والعراق.

أما بخصوص ملف الصحراء المغربية، فق أعلنت إدارة ترامب موقفها الواضح ومساندتها لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب لمجلس الأمن الدولي كحل عادل للقضية. الإدارة الحالية وبحسب العديد من المحللين، في انتظار تعيين طاقمة وخصوصا ممثل السياسة الخارجية، ستكون طبق الأصل لإدارة أوباما وربما يستعين ببعض مستشاري هذا الأخير. ويستفيد المغرب من العلاقات الطيبة الذي تربطه بهيلاري كلينتون، كما أن بايدن سيسعى لإيجاد حلول كبرى وأزمات خلقها ترامب مما سيتيح للمغرب التعامل بشكل مريح مع الإدارة الجديدة. ومهما تعددت القراءات فالحل السلمي ومبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ مدة تعتبر الحل الأنجع لنهاية الصراع، كما أن المشروع التنموي الذي يواصله المغرب بأقاليمه الجنوبية يؤكد حرص المغرب على تنمية كل مناطقه من طنجة إلى الكويرة.

المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها.

 

عبد الله العبادي

الكاتب الصحافي

 

بكر السباتينخاتمة الرعونة طريق مسدود.. فمسيرة حكم الرئيس الأمريكي دوناند ترامب منذ أربع سنوات حتى نهايتها، كانت تجربة مريرة بالنسبة لغالبية الأمريكيين على كافة الصعد الداخلية والخارجية، فبدا كأنه زوبعة عصفت بالبلاد فاسترعت المصلحة محاصرتها والقضاء عليها درءاً من عواقب استمرارها المخيف؛ لتنتهي فترة حكمه بكل أطرافها إلى منطقة الخطر، وكان على أحدهم أن يغادر المركب طوعاً أو يُلقى به في البحر؛ كي يصل المركب بالبلاد إلى بر الأمان. من هنا جاء الموقف الأمريكي الرسمي ليحسم معركة المواجهة مع رئيس ثبت بأنه متهور وغير متوازن، مما جعل مجلس النواب الأمريكي يصوت لصالح قرار عزل الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، ويتهمه بـ"تحريض" أنصاره علناً وعلى رؤوس الأشهاد في أعمال الشغب التي شهدها مبنى الكابيتول (مقر البرلمان) الأسبوع الماضي في سابقة غير مشهودة.

وانضم عشرة نواب من حزب ترامب الجمهوري إلى الديمقراطيين في التصويت على القرار، الذي جاء بنتيجة 232 صوتا مقابل 197.. وهو فارق يدل على مدى الاحتقان الذي تسبب به الرئيس المقامر ترامب من جراء سياساته المتهورة وغير المألوفة من قبل الأمريكيين التي يرمي من خلالها إلى وضع العراقيل في طريق الرئيس المنتخب جو بايدن وإشغاله في قضايا لم تكن بالحسبان، بعدما سُدَّتْ المنافذ في طريق استعادته للفوز الذي قال بأنه مُختطف من قبل الديمقراطيين عن طريق التزوير وهو ما عجز عن إثباته أمام القضاء الذي حكم لصالح الرئيس الذي ثبت فوزه بنسبة عالية.

وبهذا، أصبح ترامب أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يُعزل مرتين أو يتهمه البرلمان (الكونغرس) بارتكاب جرائم بمعاونة أنصاره ممن أدرجوا في قائمة الإرهاب اليميني الداخلي.

وسيواجه الرئيس الجمهوري ترامب الآن محاكمة في مجلس الشيوخ. وإذا أُدين، قد يُمنع من تولي المنصب مرة أخرى.

لكن من غير المرجح أن يضطر ترامب إلى ترك البيت الأبيض قبل انتهاء فترة ولايته خلال أسبوع، وهي فترة مناسبة يستطيع من خلالها اتخاذ قرارات مدمرة غير محسوبة في إطار خيارات عديدة يتوقعها المراقبون ولعل أسوأها ضرب إيران نووياً، وإشعال حرب ضروس في الخليج العربي يكون من شأنها أن تعطل آلية تسليم السلطة إلى جو بايدن؛ فيحظى بذلك على أطول مدّة ممكنة للبقاء في الحكم وفق القانون الذي سيجيز له ذلك، وخاصة أن مجلس الشيوخ الذي ينتظر منه المصادقة على قرار العزل، لن ينعقد قبل حفل تنصيب جو بايدن المزمع إقامته في الثاني من فبراير المقبل حيث ستسلم السلطة للرئيس الجديد من قبل مايك بنس، نائب الرئيس المنتهية ولايته، ترامب الذي رفض الحضور احتجاجاً على اختطاف حقه بالرئاسة وفق ما يدّعي.

فهل تأخذ الغطرسة ترامب نحو التصعيد الجماهيري من جديد لإفشال هذا الحفل خلافاً لتصريحاته الأخيره ووعوده بتسليم سلس لسلطة! وخاصة بعد إدانته من قبل مجلس النواب وصدور قرار بعزله!

التقارير الأمنية ترجح هذا السيناريو وفق ما يُنْشَرُ من تصريحات لمسؤولين أمريكيين. منها ما جاء في افتتاحية الغارديان بعنوان: (الديمقراطية في أمريكا: التهديد حقيقي)، " بأن هناك تقارير أوردت في طياتها تحذيرات مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن احتجاجات مسلحة محتملة في العاصمة وفي أنحاء من الولايات المتحدة في الأيام المقبلة. وأغلقت السلطات المنطقة المحيطة بنصب واشنطن، بالقرب من المكان الذي حث فيه ترامب مؤيديه على القتال من أجل حقه في البقاء في المنصب".

فاتخذت الإجراءات الأمنية اللازمة لحماية الحفل على هذا الأساس.. ففي أعقاب الغضب الناجم عن اقتحام أنصار ترامب للكونغرس الأسبوع الماضي، ستنشر السلطات ما لا يقل عن عشرة آلاف عضو من الحرس الوطني في واشنطن بحلول نهاية هذا الأسبوع.

ويبدو إن اختيار ترامب حَشْدِ أنصاره ضد تسليم السلطة يُعد بمثابة مقياس على نرجسيته وغطرسته وإرادته المشوشة.

ويرى مراقبون أن أعمال الشغب في الأسبوع الماضي لم تكن وليدة الصدفة أو عبارة عن مسرحية لمرة واحدة خرجت عن السيطرة، بل كانت ساحة للهجوم على الديمقراطية تدور منذ شهور.. أي استراتيجة لها أهداف محددة، وهنا تكمن الخطورة فاسترعى الأمر رداً حاسماً من قبل الكونغرس بتجريم الرئيس ترامب كونه حرض أنصاره على الفوضى واستغل صلاحياته لإحداث الضرر بالديمقراطية وتشويهها، ووضع سمعة أمريكا على المحك، حتى أن بعض الدول في الاتحاد الأوروبي رفضت استقبال وزير الخارجية بومبيو بذريعة أن التعامل يجب أن يكون مع إدارة الرئيس المنتخب، جو بايدن، بل أن الصين ذهبت إلى أكثر من ذلك أثناء تقديم واجب المواساة للأمريكيين، إذْ شبهت هجوم "الرعاع" على مبنى الكابيتول (مقر البرلمان) بالغوغائيين المعارضين للصين في هونكونغ، كونهم دُعِمُوا إعلامياً وسياسياً من قبل ترامب نفسه، في مفارقة قد تقلل من قدرة واشنطن على ممارسة السياسة الخارجية فيما يتعلق بحقوق الأقليات في الصين، بارتياح،

ورغم تنصل ترامب أخيراً من مسؤوليته إزاء ما جرى من هجوم سافر على الديمقراطية، في محاولة منه لاحتواء الضرر الذي من شأنه أن يصيب مستقبله السياسي، إذا ما صادق مجلسُ الشيوخ على قرار مجلس النواب لعزله.. فقد صرح بأنه سيسهّل عملية انتقال السلطة إلى جو بايدن في الموعد المحدد، وإنه أمر الأجهزة الأمنية لتقديم الحماية الأمنية اللازمة لحفل تنصيب الرئيس الجديد، وإن حركته الاحتجاجية غير مسؤولة عن "الهمجيين الرعاع" الذين هاجموا الكونغرس؛ لا بل أنها تأنف قبولهم في صفوفها، وطالب بمحاكمتهم على الفور وكأنهم كانوا خارجين عن طوعه!. وقال بأن أمريكا هي بلد القانون داعياً إلى تضافر الجهود لتوحيد الشعب الأمريكي المنقسم على نفسه؛ لمواجهة وباء كورونا.. الذي يعتبر العدو الوحيد لكل الأمريكيين.

ولم يتطرق ترامب في كلمته إلى موضوع قرار مجلس النواب الأمريكي بعزله، وفق نصائح مقربين إليه مثل كوشنر ووزير الخارجية بومبيو.

إن الفوضى العنيفة التي حدثت الأسبوع الماضي وأدخلت ترامب في مصيدة كان قد أعدّها لخصومه، والتي أدت إلى مقتل خمسة أشخاص في حادثة اقتحام مبنى الكبيتول، جاءت تتويجاً لاستراتيجية ترهيب وتشويه سمعة المؤسسات الديمقراطية في الدولة التي يقودها. لذلك فإن الأعضاء الديمقراطيين في مجلس النواب محقون كما يبدو، في بدء إجراءات العزل للمرة الثانية ضد رئيس أتهم بأنه "مارق".

وفي سياق الضغط الاقتصادي على مصالح ترامب حتى يخضع لإرادة الكونغرس، صرح محافظ نيويورك، الديمقراطي بيل دي بلاسيو، يوم أمس الأربعاء، أن المدينة ستنهي عقودها مع مؤسسة ترامب الخاصة، بعد اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول.

ووفقا لصحيفة "الأندبنتدنت" الأمريكية، نقلا عن أحدث إفصاحات مالية للرئيس، تبين أن منظمة ترامب حققت حوالي 17 مليون دولار خلال العام. وعليه فإن خسائر ترامب ستكون فادحة لو توسع هذا الباب.. وهي فاتحة لتشكيل قوى ضاغطة اقتصادية لتهديد مصالح ترامب من خلال ضربات موجعة كهذه حتى يستقيم أمره ويتوارى وفق الممكن عن المشهد السياسي الأمريكي درءاً لخطورته.

فهل يخرج ترامب إذن من عنق الزجاجة دون ثمن باهظ سيدفعه من مستقبله السياسة، لأن الحزب الجمهوري الذي تضرر من وجوده، لن يتحمل عنه أعباء الفاتورة التي تسبب بها في غضون الأربع سنوات الماضية.

ما زالت التكهنات غامضة فيما قد يحدث في الثاني من فبراير من قبل أنصار ترامب لتخريب الحفل، وقد يصل أسوأها حدَّ الاغتيالات في مقامرة مفصلية قد تحول الانقسامات الشعبية إلى حرب أهلية محدودة قد يصعب الرجعة عنها، خلافاً لما يراه المتفائلون في أن القطار سيمضي وإن نبحت الكلاب مكشرة عن أنيابها.

 

بقلم بكر السباتين..

14 يناير 2021

 

 

محمد ناجي(موقف الطاغية هو موقف ذلك الذي يقطع شجرة لكي يقطف ثمرة) مونتسكيو

المتابع لما ينشر في مختلف وسائل الإعلام من مواقف النخب والشارع العراقي والعربي، والتي تتعلق بالحكام والأنظمة الدكتاتورية، يراها بعيدة عن الصواب، لأكثر من سبب لا مجال لذكرها هنا . وبدلا من أن تسلط الضوء على جوهر أنظمة الاستبداد، باختلاف مسمياتها، وهو الانفراد بالسلطة والقرار، وبالتالي قمع الرأي الآخر المعارض، يراها تبتعد وتلجأ إلى تبرير الدكتاتورية وتحسينها بمفردات رطانة خطابية مع ذكر الصفات الشخصية الإيجابية للديكتاتور، لتوحي بأن الدكتاتور ينفرد ويتميز بها على غيره، وكأنها المؤهلات المطلوبة لتولي مسؤولية الحكم، أو بما تنسبه له من إنجازات، وتجهل أو تتجاهل أن الكثير إن لم يكن أغلب الدكتاتوريين لهم انجازاتهم أيضا . أو تطالب وتدعو لتقدير ظروف الحدث، وهذا المبرر دائم التكرار، رغم أنه عاجز عن استبعاد وصمة الدكتاتورية .

في هذا المقال الذي حرصت على ترجمته بعض المعلومات، منها الصفات الشخصية لسالازار وبعض إنجازاته، وأيضا مدى شعبيته، والتي لم تمنع أن يوصف شخصه ونظامه بالدكتاتورية . آمل أن يكون فيها ولو شيئ من الفائدة، وتساعد في تصحيح العيب في الموقف من الطغاة حيثما كانوا .

 

محمد ناجي

............................

(سيرة شخصية) جديدة تتحدث عن سالازار الفاشي المختلف

في العام الماضي 2020 مر 50 عام على وفاة ديكتاتور البرتغال أنطونيو سالازار، الذي حكم البلاد لمدة 36 عام، وهي أطول مدة حكم لدكتاتور في أوربا في القرن العشرين . هنريك برانداو يونسون (1) قرأ كتاب عن سيرة شخصية جديدة عن السياسي المتقشف، الذي لا تزال أعماله تثير نقاش محموم .

القصيدة الاولى لـ(توماس ترانسترومر) (2) التي تركت أثرها في نفسي كانت " لشبونة " والتي نشرها الشاعر في ديوان (اصوات وسكة) عام 1966 .

في حي الفاما غنّت عربات الترام الصفراء /

على الطريق المرتفع /

هناك يوجد سجنان . أحدهما للصوص /

ها هم يلوحون بأيديهم من خلال قضبان النافذة /

يصرخون يريدون من يصوَّرهم ! /

" لكن هنا " قال بائع التذاكر بـضحكة مكبوتة مثل انسان منكسر /

" هنا يوجد سياسيون" . انا شاهدت الواجهة، الواجهة، الواجهة /

وفي الأعلى هناك نافذة وشخص يقف معه منظار ويتطلع باتجاه البحر .

البناية التي يقصدها ترانسترومر هي سجن اليوبه، مقابل الكاتدرائية في لشبونة، هناك وضع الدكتاتور سالازار المعتقلين السياسيين . قبل خمس سنوات تحول السجن إلى متحف المعارضة لنظام دكتاتوري حكم أطول مدة في أوروبا، امتدت من 1926 ولغاية 1974 . الجزء الأكبر من هذا الوقت - 36 عاما - حُكمت البرتغال من قبل أستاذ الاقتصاد الدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار . أن لايجري الحديث عنه بنفس القدر عن بقية الفاشيين الآخرين - موسوليني وفرانكو - لا يعود فقط إلى نسيان ذكر البرتغال في التقارير التي تكتب عن جنوب أوروبا، بل بالرغم من وجهه الشبيه بالطيور الجارحة، كان من الصعب وضعه معهم . كان فاشيا مختلفا .

بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاته أصدر المؤرخ الاسكتلندي توم كالاگر كتاب "سالازار - الدكتاتور الذي يرفض الموت"، وهذه أول سيرة ذاتية شاملة عن الدكتاتور تكتب باللغة الانكليزية . ومنذ بداية الفصل عن الحرب العالمية الثانية، يبين الكاتب الفرق بين أعمال فرانكو المؤيد لهتلر وبين سالازار، الذي اتبع موقفا أكثر قربا من موقف السويد، فكان يبيع المعدن الخاص بصناعة اسلاك التنگستين للصناعة الالمانية، وفي نفس الوقت سمح للحلفاء باستخدام جزر الأزور كقاعدة للتحري عن الغواصات الألمانية في المحيط الأطلسي .

لعب سالازار دورا في إنقاذ اليهود، ليس فقط بتوفير امكانية هروب المئات منهم من جبل طارق إلى جزيرة ماديرا، بل أنه فسح المجال لمبعوثه إلى بودابست - الدبلوماسي كارلوس دي ليز تيكسيرا برانكوينهو - وأطلق يده للقيام بنفس العمل الذي قام به الدبلوماسي السويدي راؤول فالينبري . وخلال خريف 1944 أنقذ الدبلوماسي اكثر من الف يهودي من معسكرات الاعتقال بواسطة تزويدهم بوثائق سفر برتغالية .

السيرة الشخصية القت ضوء جديد على سبب حدوث حرب المستعمرات في أفريقيا، التي وقعت ما بين سنوات 1962-1974 في أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو . فعندما اندلعت انتفاضة الاستقلال في شمال أنغولا طلب الرئيس الامريكي جون كندي من البرتغال بأن تغادر المستعمرات، والا فان الولايات المتحدة ستطرح القضية في مجلس الامن التابع للامم المتحدة وسوية مع الاتحاد السوفييتي تطالب بانسحاب البرتغال من المستعمرات . شعر سالازار بالجنون، فهو يرى المستعمرات كجزء من الجسد البرتغالي ولا يمكن أن تقطع جزءا من الجسد . في اليوم التالي لتصريح كندي جمع الديكتاتور عشرة آلاف متظاهر خارج سفارة الولايات المتحدة وهم يهتفون ( أمريكا لسكانها الأصليين) .

وكان لدى سالازار الورقة الرابحة في كُم معطفه . فمنذ بداية الحرب العالمية الثانية سمحت البرتغال للولايات المتحدة بوجود قاعدة جوية في جزر الأزور . والاتفاقية تُجدد كل خمس سنوات، واذا استمرت الولايات المتحدة بالتدخل بالمصالح البرتغالية في أفريقيا فسوف لن يجدد سالازار الاتفاقية، وحينها ستفقد الولايات المتحدة أهم قاعدة من قواعدها الجوية خلال الحرب الباردة . لعب سالازار أوراقه واستخدمها بقوة وبمستوى عالي وربح . ومن ذلك الحين لم تذكر الولايات المتحدة حرب المستعمرات البرتغالية ولا بكلمة واحدة، وهي لاتزال باقية حتى اليوم في قاعدة لاجيس الجوية في جزر الأزور . هذه التسوية الجيوسياسية كانت على حساب أرواح مئات الآلاف من البشر في افريقيا، واجبرت عشرات الآلاف من البرتغاليين على الهرب من البلاد لينجو من الخدمة العسكرية.

أحد الاعتراضات على السيرة الشخصية هو أن الكاتب گالاگر لم يخصص مساحة كافية لنتائج حرب المستعمرات، وكتب أن البرتغال فقدت 8.290 جندي في الحرب، وقارنها مع عدد ضحايا حوادث السير، التي بلغت 9.694 شخص بين سنوات 1990-1994 . لقد شعرت بالاستفزاز من هذه المقارنة . كما لم يذكر المؤلف في أي مكان (من الكتاب) عدد الضحايا الأفارقة، ولم يذكر أيضا أن ما بين 120.000 - 140.000 برتغالي لا يزالوا يعانوا من الآلام والآثار البدنية والنفسية لما بعد الحرب .

سالازار كان ذو شخصية قريبة من التوحد، وكان صارم، ومتحفظ، ولا يملك سكن خاص به . ملكيته الوحيدة بيت ريفي لا يساوي كثيرا . كان مثل الرئيس مازاريك أول رئيس لجيكوسلوفاكيا - سياسي متقشف، ذو موقف بعيد عن مظاهر الفخامة والترف والمنفعة الشخصية . وهو لم يتزوج ولم يكن له أطفال او عشيقات . الشخص الأقرب له كانت المسؤولة عن ادارة شؤون المنزل ماريا دي يسوس، وعلاقة الحب الوحيدة لديه كانت مع الصحفية الفرنسية كريستين غارنييه التي ألفت كتاب "عطلة مع سالازار"، بعد عطلة نهاية أسبوع قضتها معه في بيته الريفي .

وفاة سالازار لم تكن مثيرة أيضا . قبل ظهر يوم 3 آب/أغسطس 1968 استلقى على كرسي الاستلقاء للتشمس، الذي تحطم وسقط على ارضية الشرفة في القلعة التاريخية في المنتجع البحري استوريال، الذي كان مقر إقامته الصيفية . ارتطم رأس سالازار بالأرض، وأصيب بجلطة دموية وبعدها بنزف في الدماغ، وفقد النظر بإحدى عينيه، والشلل في احدى ذراعيه . على إثرها سلّم السلطة إلى أستاذ جامعي وقانوني مخلص له . بعدها بسنتين في 27 تموز/يوليو 1970 توفي سالازار وهو بعمر 81 سنة . وعندما حققت الدولة في تركته وجدوا أن له مبلغ لا يساوي أكثر من قيمة شقة بثلاث غرف في لشبونة في ذلك الوقت .

 قبل 13 عام عرض RTP (راديو وتلفزيون البرتغال) مسلسل وثائقي عن شخصيات البلد التاريخية، حيث صوت المشاهدون وبفارق كبير لصالح سالازار فكان (البرتغالي الأكبر على مر العصور)، وجاء بالمركز العاشر فاسكو دي غاما . هذه النتيجة تفصح عن علاقة غير عادية يكنها البلد للدكتاتور المتوفى .

رغم أن البرتغال هي إحدى البلدان القليلة في أوروبا التي تديرها حكومة اشتراكية ديمقراطية منذ عام 2015، مع ذلك لا يزال ظل سالازار موجود، والبعض يراه أب البرتغال، بينما يرى آخرون أنه كان جلادا، وفي سجن اليوبه، الذي كتب عنه ترانسترومر قصيدته، كان شرطة الأمن PIDE يعدموا او يعذبوا آلاف المعتقلين السياسيين .

عندما زرت المتحف في الخريف الماضي اعجبني المظهر الحديث للمعرض وسألت موظف الاستعلامات عن انطباع جيل الشباب عن المتحف، فأخبرني أن غالبية طلاب المدارس معجبون بالمعروضات، لكن غالبا ما يظهر أحد الطلاب ويقول أن المعرض مزيف، أحدهم قال لي : " سالازار كان رجل جيد "، سألته : " كيف عرفت " أجاب : " هذا ماقالته جدتي " .

هوَس الحنين لسالازار في الفترة الأخيرة أثار جدل ساخن في البرتغال . الذي أشعل فتيل النقاش كان مقترح لتأسيس متحف في كومبا داو مسقط رأس سالازار في وسط البرتغال . الفكرة كانت أن المدرسة التي درس فيها كطفل، أرادت عرض الحاجات الشخصية للدكتاتور، وخوفا من أن يتحول المتحف إلى مكان يحج إليه الفاشيين، وقّع 11.000 برتغالي على نداء طالبوا فيه بوقف المخطط . استمر النقاش ووصل إلى البرلمان حيث شكلت لجنة . أحد الأعضاء من الحزب اليميني PSD دافع عن المشروع :" الذاكرة مهمة، كلاهما الجيدة والسيئة، كليهما ينبغي أن تُتذكر " . كلماته جعلت رئيسة اللجنة، التي تنتمي للحزب الاشتراكي PS، أن تقول بتهكم " عندما كنت مؤخرا في ألمانيا لم اشاهد اي متحف تذكاري للنازية.

الحنين لسالازار استدعى بالمقابل ما كان مكبوتا لدى الكثيرين، ومنها أن موقفه المعادي للتعليم هو السبب في أن البرتغال لا تزال أكثر بلدان غرب أوروبا تهميشا - مع أدنى مستوى للأجور . فسالازار لم يريد ان يكون البرتغالي ذكيا . في احدى المقابلات قال "الكثير من أي شيء، غالبا ما يسبب الفساد" . دولة سالازار الجديدة (3) خلقت جو رمادي منقبض، جعل البلد وكأنه أشبه بموقع امامي لدول أوربا الشرقية في شبه جزيرة ايبريا، فأكثر من نصف مليون برتغالي، ربع السكان تقريبا هربوا من دكتاتوريته . اكثريتهم ذهبوا إلى فرنسا، لهذا تسمى باريس ثاني أكبر مدينة برتغالية .

عندما تركت سجن اليوبه، الذي يسمى حاليا متحف المقاومة والحرية، حجزت سيارة تكسي سائقها مولود بعد ثورة القرنفل عام 1974 . عندما عبرت عن أسفي للتعذيب الذي حدث في السجن حدّق في المرآة الأمامية ونظر إلي قائلا :

لكنهم كانوا شيوعيين !

حين يدافع الذين نشأوا في ظل الديمقراطية عن سالازار، فهذا يشير إلى أن البرتغال هي أيضا أصيبت بحالة الاستقطاب السياسي في الوقت الحاضر، وكل شخص يختار المعلومات التي تناسبه .

 

هنريك برانداو يونسون

صحيفة (داغنس نيهتر) السويدية 27 - 12 - 2020

.....................

( الملاحظات والروابط إضافة من المترجم م.ن. )

1- هنريك برانداو يونسون مراسل الصحيفة في اميركا اللاتينية .

2- توماس ترانسترومر 1931-2015 شاعر سويدي ونفساني ومترجم .

3- الدولة الجديدة أو الجمهورية الثانية هي التي أعلنها سالازار عام 1933 .

https://www.youtube.com/watch?v=-VZRDO4aY-Y لقطات عن بداية (الدولة الثانية) لسالازار وعدد من منجزاته

https://www.youtube.com/watch?v=2k7X_o42nVQ لقطات عن تشييع سالازار وشعبيته

 

اياد الزهيريلا شك ولا ريب أن وحدة الذوق والمشاعر مقدمه ضروريه لوحدة أي تجمع أنساني وأنسجامه، وهذا المبدأ يسري من علاقة الصداقه بين أثنين، الى الزوجين الذين تتسم حياتهم بالتقارب الذوقي والنفسي، حيث يُكتب لحياتهم النجاح وأستمرار الحياة الزوجيه الناجحه والمستقره، ويمتد ذلك الى أعضاء الحزب الواحد، والفريق الرياضي الواحد ومجموعة العمل الواحده، أمتداداً الى الشعب الواحد . أن كل كيان من الكيانات المذكوره وغيرها من الكيانات يعتمد وجودها وقوتها وأستمرارها على ما يشترك فيها أعضاءها من مشتركات ذوقيه ونفسيه، وعلى ما تشترك فيه من هدف موحد، حتى هذا الهدف مهما كان مهم فمن الممكن التضحيه فيه وأهماله أذا لم تتوفر بين أعضاء تجمع ما الذوق المشترك، وقد لمسنا الكثير من حالات طلاق وأختفاء شركات، وأنزواء أحزاب، وحتى تفتيت دول بسبب عدم الأنسجام النفسي بين مكوناتها، وبلدنا واحد من هذه البلدان المهدده بالأنقسام بسبب تباين الحاله المزاجيه لمكوناته، الذين ينتمون الى ثقافات مختلفه ساهمت في تباين أمزجتهم وأذواقهم، والتي ساهمت بتسلل الأختلافات بينهم على أبسط الأمور، وغذت الصراعات البينيه بينهم حتى وصل الى قتل بعضهم لأتفه الأسباب، والتي ليس لها من مبرر عقلي، وأنما هناك بواعث نفسيه ساهمت في تعكير أمزجتهم، والتي ساهمت بشحذ دوافع العنف بينهم. هذه الظاهره قد لا يلتفت أليها الكثير، والسبب لأنها ظاهره غير محسوسه، وغالباً ما يدعي المختلفون أن هناك بواعث وأسباب أخرى يعللون بها أختلافاتهم في حين أن السبب الحقيقي هو سبب مزاجي، والذي يساهم في تشكيله الكثير من الأسباب والتي منها ما هو بيئي، وآخر قيمي وأجتماعي وثقافي، كل هذه العوامل تساهم بتشكيل مزاجاً فردياً أو جماعياً خاصاً يفصله عن الأفراد والجماعات الأخرى مما يشكل خطاً فاصلاً بينهم، ويبلور خصائص وميزات تميزهم عن بعضهم، وهذه ظاهره لا تختص بمنطقه دون أخرى، وأنما هي ظاهره عالميه، لذلك تعمل الدول جاهده الى تبني مشاريع ثقافيه تقرب من خلالها أفراد الشعب الواحد من خلال تربيتهم على تبني قيم واحده، وثقافه واحده، وحتى متبنيات وطنيه واحده أملاً في بناء نفسي متقارب ومنسجم بأعتبار الوحده النفسيه مقدمه ضروريه لوحدة التراب والمجتمع والدوله، وتساهم في بناء شعور وطني واحد يقوم على حب الوطن والأستعداد للتضحيه من أجله، والعكس هو الحروب الأهليه التي تنتهي بالموت والدمار وأنهيار الدول وتمزقها، ومثال ذلك دولة يوغسلافيا التي دخلت بحرب أهليه بتسعينيات القرن الماضي والتي أنتهت بالتقسيم الى خمس دول، والسبب في ذلك هو عدم الأنسجام القومي والثقافي وبالتالي المزاجي بين مكونات دولة جمهورية يوغسلافيا.

لقد ألتفت أعداء الشعب العراقي، بل وأعداء العرب والمسلمين الى أهمية أثر العامل الذوقي والنفسي على وحدتهم، وما تشكله من أثر كبير على درجة أنسجامهم وتوافقهم، لذلك عمل أعلامهم على شن حروب الجيل الخامس الذي أتخذ من الأعلام منصه له لأطلاق مدافع أعلامه المضاد القائم على أحياء وأصطناع أحداث تاريخيه تحي الخلافات الطائفيه والقوميه، كذلك يسعون الى نبش وأحياء القيم القوميه المختلفه بين أفراد الشعب الواحد، وهذا ما نشاهده ونسمعه من أحياء للفينيقيه والأمازيغيه والعروبيه والكرديه والنوبيه، والعمل جاري على قدم وساق على أحياء الهويات الفرعيه وحتى الحضارات البائده والمنقرضه كالبابليه والسومريه وغيرها الكثير.

من الملاحظ لكل متتبع لما يجري في بلداننا العربيه والأسلاميه عامه وبلدنا العراق خاصه، سيلاحظ أن هناك حروب تعرف بحروب الجيل الرابع والخامس، وهي حروب تستخدم فيها العلوم النفسيه بأدوات أعلاميه . هذه الحروب تستخدم فيها علوم التاريخ والأجتماع وعلم النفس بتقنيه أعلاميه عاليه المستوى، خلاصتها هو التأثير على القدره المزاجيه والنفسيه للفرد في محاوله لتغير الأتجاهات والقناعات وبالتالي التأثير على توجه الفرد وأهتماماته، وبالتالي على أولوياته في حياته اليوميه، هادفين في ذلك الى خلق فجوات نفسيه وذوقيه بين أفراد الشعب الواحد تكون الأساس في تعكير صفو العلاقات الأجتماعيه بينهم وبالتالي تؤدي بالنتيجه الى التباعد النفسي، والذي يلغي أي حاله من الأنسجام والتعاون بينهم، كما يزرع حاله من عدم الأرتياح المزاجي والذي يمهد الأرضيه لأشعال الصراع بينهم مهما كانت الأسباب بسيطه وتافهه، والدافع هو ما يحملونه من شحن نفسي غاضب أتجاه بعضهم لا يهفت الا بالأنتقام المتبادل .

من المهم أن نُشير الى عاملين مهمين أشتغلت الدوائر الغربيه الخاصه عليها وبشتى الطرق والأساليب، الا وهو أولاً ؛ التركيز على الخلافات التاريخيه الحقيقيه منها والمزعومه، في محاوله لدفعها الى السطح، وتفعيلها وأشعال فتيلها عن طريق العمل على أنتاج أصدارات كثيفه من الكتب والنشرات التي تنشر الأفكار التي تحرك المشاعر المتناقضه على الشخصيات المختلف عليها تاريخياً . كذلك أثارت الأختلافات اللغويه والقوميه وأعادة أنتاج للثقافات القديمه والأدعاء بالرجوع للجذور الحضاريه في محاوله لأحيائها لكي ترسم خط فاصل بين الأفراد والجماعات تحت هكذا مبررات، كما يعملوا على بث الروح بنماذج حضاريه وسلطويه عفى عليها الزمن بدعوى الأصاله والتفرد، لكي يرسموا خطوط جغرافيه جديده تكون سبب للتنازع، وعادتاً يُصنع لهكذا مشاريع أناس مأزومون ويعانون من أعتلال نفسي ومزاجي منحرفين، ويتصفون بالجهل والتعصب، وهذا ما لمسناه بصناعة أرهابيين من أمثال أسامه بن لادن، والزرقاوي، وشاكر أوهيب والبغدادي وزهران علوش وغيرهم الكثير، وهي شخصيات معتله نفسياً، ولها تاريخ منحرف، فقد حول الأعلام الأمريكي والخليجي هؤلاء الرجال الى أبطال أسطوريين، ووفروا لهم ثروات ماليه خرافيه لتنفيذ أجندتهم وجمع الأتباع حولهم بسرعه قياسيه، وحرب داعش بالعراق وسوريا وليبيا وأفغانستان خير شاهد على هذا اللون من الأجنده المشبوه . كما أن هناك بعداً أخر بدأ العمل فيه في السنوات الأخيره، الا وهو العمل على الغزو الثقافي في محاوله خطيره لتخريب البنيه الأجتماعيه والعقائديه للمجتمعات الأسلاميه عامه والعراقي خاصه، وهي من أخطر الحروب التي تتعرض لها مجتمعاتنا والتي تهدد وجودها بشكل خطير، وهذا النوع من الحروب يتوجه الى تغير قناعات الفرد الفكريه عبر أثارت الشبهات في عقيدته الدينيه والوطنيه، ومحاولة أثارة الشك في منظومته القيميه في محاوله لتشويهها والحط من قيمتها المعنويه لتكون مقدمه لرفضها والتبرء منها، وأستبدالها بقيم القوه الأكثر سلطه ونفوذ . كما أن الأعلام يعمل وبكل جد وأجتهاد على تعزيز القيم الفرديه، القائمه على الأستهلاك، وذلك لتعزيز الجانب الأناني الذي ينزع لقطع أواصر الترابط مع الأخر، والدفع بأتجاه الأنكفاء على الذات، والتمحور حولها وعدم الأعتبار لكل ماهو أجتماعي، والعزوف عن كل ما يصب في المصلحه العامه بأعتبار أن المصلحه الخاصه هي الأهم، وأن مصلحة الذات أهم ما بالوجود، مما تساهم هذه الميول الى حاله خطيره من التفكك الأجتماعي، وأن القيم الماديه، هي قيم حقيقيه وعمليه، أما القيم المعنويه فلا قيمه حقيقيه لها وتمثل بعداً مثالياً لا قيمه له بالواقع الفعلي والعملي. الأمر لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه الى العمل على تحطيم الهويه الدينيه والوطنيه والثقافيه من خلال التشكيك بمرتكزاتها الأساسيه، وتهوين عناصرها الأساسيه، وأظهارها بمظهر العاجز في نظر مريديها، وأنها غير صالحه للعصر، وعاجزه عن الأيفاء بمتطلباته، في محاوله لجعلها هويه سياله قابله للأتأقلم والزحزحه لعناصرها الأساسيه وأستبدالها بقيم جديده تتطابق ومراد المحتل، بل وتسهل من فرض سطوته وأحلال قيميه التي تشجع التطبيع مع أسرائيل وتجعل منها وجوداً مألوفاً، بل ويخلق حاله من الندم على تأخر اللحاق بقطار التطبيع منذ عهد طويل، لما تدعيه أن عدم التطبيع سيفقد الشعب الكثير من مصالحه وفرص تطوره . أن الجيل الرابع والخامس من الحروب تعمل على تسريع خطى العالم نحو التسليم للنظام العالمي الجديد، بأعتباره العالم الأكثر تحضراً، وهو ما يمثل نهاية التاريخ، كما يستنتج بذلك فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ).

أن التغير السريع للأذواق التي عملت على زراعته وسائل الأعلام كان له أكبر الأثر على تشكيل العلاقات العابره والسطحيه والسريعه والمؤقته وذلك بفعل الأيقاع السريع لنمط الحياة الحديثه التي هي من صناعتهم وأعدادهم، قأصبح من جراء ذلك، لا صداقه دائمه، ولا زواج دائم، ولا مسكن دائم، ولا أخلاق دائمه . كل ذلك خلق حاله من الأجهاد والشعور بعدم الأمان، مما سبب حاله من الفزع الشديد والشعور بالكآبه الحاده، وكل ذلك يلقي بتبعياته الخطيره على الحاله المزاجيه للأنسان وتجعله حاد المزاج ولا يطيق أي أحتكاك بالأخر ولا يملك القدره على تحمله لذى يفضل الأبتعاد عن الأخرين بغية تجنب الأصطدام معهم، وهذه هي البوابه الرئيسيه لتفكك المجتمع وتحوله الى جزر صغيره متفرقه لا يربطها أي رابط الا اللهم رقعه من الأرض تجمعهم تسمى وطن. أن الأقتصاد المهيمن اليوم وبفعل وتخطيط قوى دوليه، هو أقتصاد السوق وهذا يعني أن مباديء السوق الحر هي من تفرض شروطها على المستهلك، والسوق هو من يخلق الذوق العالم للمجتمعات بحكم هيمنته عليها، وهنا يفرض نفوذه في الأطاحه بقيم وتشجيع أخرى بما يقرره من موضه وأن كانت لا تتوافق وقيم المجتمع ومنظومته الأخلاقيه وخاصه في عالم الألبسه، فهو لا يركز على الحشمه بقدر ما يركز على الجانب الحسي والغرائزي، لذى فقد أطاح عالم الموضه بالكثير من قيم الحشمه وخرق الكثير من المباديء والقواعد الخلقيه التي لا تمت لمجتمعاتنا بصله. فعالم السوق يتجه لكل ما هو جديد، وهو سلوك تفرضه عمليات االترويج للسلع، ومن ثم بيعها بشكل أكبر، وهذه العمليه تستدعي تغيراً في عالم الموضه والذي يعتمد على أقناع المستهلك في تغير ذوقه ليقبل على أقتناء ما هو جديد . أن التغير السريع والمتعدد للذوق في أقتناء السلع لا يمكن أن يحدث بدون توفر سيوله نقديه عاليه تستجيب لهذا التغير في محاوله للهث وراء أرضاء هذا المزاج المتغير . هنا نقطه غايه بالخطوره، الا وهو ضرورة توفير المال بكل الطرق مما يغري المستهلك بسلوك كل الطرق المشروعه وغير المشروعه لأشباع هذا النهم المتعاظم بأقتناء كل ما يعرضه السوق، هذه العمليه وما تشكله من ضغط كبير على المستهلك الذي لا يملك هنا من أمره شيء سيكون أمام طريق يشجعه على كسب المال الحرام وأستخدام كل الطرق الغير مشروعه في كسب المال، ومنها محاولة الأستحواذ على مال الغير سواء كان غريب أو قريب، والتفكير فقط بالمصلحه الخاصه والتنازل عن الكثير من قيم الحق، ويخلق قابليه لدى الفرد تجعله يتنازل عن الكثير من القيم الوطنيه والدينيه والأخلاقيه مقابل كل من يلبي له ذوقه المتجدد ويشبع له حاجياته المتزايده التي خلقتها سياسات السوق المبرمجه من مراكزها العالميه، واليوم مركز دبي للتسوق كمثال على هذه العمليه، لذلك كانت دبي أول المطبعين مع أسرائيل وأول المذعنين لتلبية طلبات أمريكا قي التنازل عن المطالب والحقوق القوميه والدينيه فيما يخص القضيه الفلسطينيه، بل وأصبحت الأمارات العربيه من المروجين للتطبيع مع أسرائيل . أن ما نلمسه اليوم من تفشي حالات النصب والأحتيال، وأنتشار ظاهرة الربا، والفساد الأخلاقي، وتقطع أوصال علاقات الأرحام بسبب السعي المحموم لأحتراز وكسب المال من أجل المال. كل ذلك أدى بشكل خطير الى تدهور المنظومه القيميه في مجتمعنا مما سببت الى هزه عنيفه للذات قي جو مشحون بالتناقضات والضياع، الذي يؤدي الى نهايه هزيله لهذه الشعوب وبالتالي أذعانها بسهوله لكل ما يُطلب منها من قبل القوى المهيمنه، وتكون رهينه ومذعنه لطلباتها، وعندها تستلب أرادتها، فيدخلوا في طور العبوديه بعد أن حررهم أجدادهم من نير الأستعمار بسلاح بدائي ولكن بأراده حديديه، أفتقدتها الأجيال الحاليه، بل تنازلت عنها مقابل سلعه رخيصه، ومتعه عابره، وذوق متهافت.

 

أياد الزهيري

 

 

قصي الشيخ عسكربقلم: نايثن جي روبنسن

المصدر: مجلة شؤون معاصرة Current Affairs

ترجمة: قصي الصافي

اقتحام بناية الكابتول عمل هزيل، ومع ذلك يجب ان يخيفنا، تلزمنا الافادة من دروس التأريخ.

في عام 1923 حاول مئات النازيين السيطرة على الحكومة الإقليمية في بافاريا، وكانت محاولتهم جد هزيلة، فقد أحاطوا بصالة (بير) حيث يجتمع القادة المحليون، وحاولوا أخذهم رهائن  بقصد الاستيلاء على المباني الحكومية. تم صدهم بسرعة من قبل الشرطة وقُدّم زعيمهم، أدولف هتلر، للمحاكمة بتهمة الخيانة. وصدر عليه حكماً مخففاً، اذ تسنى له كتابة مذكراته في السجن، وأفرج عنه بعد تسعة أشهر. سيمر عقد آخر قبل أن يطلق العنان لأبشع أعمال الإبادة الجماعية في تاريخ البشرية.

ربما لم تكن خطة "انقلاب بير هول" ناجحة، وكان الحزب النازي عام 1923 ضعيفاً. لكنها كانت نذيراً مبكراً بأن فصيلًا يمينيًا متطرفًا يستجمع قوته، فصيل لا يحترم حق النظام اللبرالي في الحكم، وسيستخدم كل الوسائل المتاحة له للاستيلاء على السلطة. لم يدرك الجميع خطورة الامر في ذلك الوقت، فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز بالمانشيت العريض " تم إستبعاد هتلر عمليا"، وأشارت إلى أنه بعد الحكم على هتلر بالسجن، فإن المحاكم قد أخرجت اليمين المتطرف من المسرح السياسي إلى الأبد. 

في 6 كانون الثاني (يناير) 2021، اقتحم أعضاء من أقصى اليمين مبنى الكابيتول في الولايات المتحدة، في محاولة لإلغاء نتيجة انتخابات عام 2020، وإبقاء دونالد ترامب في السلطة كحاكم غير منتخب، وقد نجحوا في إيقاف عملية التصديق على نتائج انتخابات 2020، وإجبار السياسيين على حمل أصوات الهيئة الانتخابية والفرار بها عبر أنفاق تحت الأرض.

 لبعض الوقت، كان الانقلابيون يتجولون بحرية في ما يُفترض أنه أحد أكثر المؤسسات أمانًا في البلاد، ويتسكعون في مكتب نانسي بيلوسي (المتحدثة باسم الكونغرس... المترجم)، ويحطمون النوافذ، ويسرقون الأشياء، ويرشون طفايات الحريق، ويلوحون بعلم الكونفدرالية، ويحطمون محتويات المبنى. قال أحد المشاغبين في وقته الذي قضاه في مكتب نانسي بيلوسي " كتبت لها ملاحظة بذيئة، ووضعت قدمي على مكتبها، وحككت بيدي خصيتي"، ولم يتم القبض عليه بتهمة التعدي على ممتلكات الغير، بل ترك "لتسلية زملائه المتظاهرين وهو يروي مافعله علانية".

من اللافت للنظر أن شرطة العاصمة لم تبذل أي جهد جاد على ما يبدو لمنع مثيري الشغب من اختراق المبنى. حتى أن بعض مقاطع الفيديو تظهر وكأن الشرطة تفتح الحواجز للسماح للحشود بالدخول. من غير الممكن رؤية حشود ترامب وهم يتجولون بحرية ويدمرون مبنى الكابيتول، دون أن نفكّر في مدى ضعف موقف قوات حفظ القانون، مقارنةً بأساليبها في التعامل مع اليساريين والملوّنين. (ونحن نسمع الرجل الذي يداعب خصيتيه في مكتب بيلوسي مفاخرًا بإنجازاته، دعونا نتذكّر كيف أن المراهقين السود يُسجنون لعدم قيامهم بواجبهم المدرسي، وكيف أرسلت امرأة سوداء إلى السجن بسبب جريمة محاولتها التصويت دون أن تدرك أنها كانت ممنوعة من الاشتراك في الانتخابات).. (كانت المرأة سجينة سابقة، وقانون ولاية فلوريدا يحرم تصويت السجناء حتى بعد اطلاق سراحهم، وقد الغي هذا القانون مؤخراً باستفتاء  شعبي عام2018 ... المترجم ).

لا يمكن لأحد أن يصدق أن قوات حفظ القانون لم تكن قادرةً على منع حشود ترامب من إحداث الفوضى. كان الترامبيون يتوعدون منذ أشهر بحرب أهلية في اليوم السادس من يناير - حتى أنهم طبعوا ذلك على قمصانهم-. بالنظر إلى حجم جهاز الشرطة وأجهزة الأمن الامريكيه، لا يمكن للمتظاهرين احتلال مبنى الكابيتول بحرية إلا إذا اتخذت الشرطة قرارًا متعمدًا بالسماح لهم بذلك.

صورة الحشود العسكرية الضخمة في الصيف الماضي بالعاصمة رداً على الاحتجاجات الجماهيرية ضد التمييز العنصري تقدم لنا نموذجاً صارخاً للمقارنة. لا يسع المرء إلا ان يتأمل، لو أن انتيفا (منظمة لمناهضة الفاشية....المترجم) هي التي تجمعت بهذه القوة والعنف، فسوف تصرف الشرطة بالتأكيد وقتا في اطلاق الرصاص المطاطي ومسيل الدموع أطول من الوقت الذي صرفته بأخذ صور سلفي مع مثيري الشغب، (انظر على سبيل المثال، ما حدث لمتظاهري 20 يناير بعد تنصيب ترامب.).... " تم اعتقال أكثر من 200 من اليساريين والرافضين لترامب ووجهت لهم تهم تزيد في احكامها على 75 عاماً في السجن٠٠٠ المترجم "، (هذا لا يعني أن الرد المناسب هنا هو تعزيز الدولة البوليسية ومعاملة جميع المتظاهرين بالطريقة التي يعامل بها المهمشون حاليًا ؛ الحق في احتلال المباني السياسية هو حق قد نرغب فيه نحن أنفسنا من وقت لآخر)

في نهاية المطاف، تم طرد الغوغاء من المبنى، وبدأ أعضاء مجلس الشيوخ بإلقاء خطابات عاصفة مكررين عبارة "هذه ليست أمريكا "، ثم ظهر دونالد ترامب ليهنئ المشاغبين على حسن ادائهم، قائلاً إنه يجب علينا "تذكر هذا اليوم إلى الأبد" ..." لأن هذه هي الأشياء والأحداث التي تحدث عندما يتم تجريده من (انتصار ساحق مقدس في الانتخابات بشكل غير قانوني وسافر) ". دعا بعض المسؤولين المنتخبين، مثل إلهان عمر وأوكاسيو كورتيز، إلى محاكمة ترامب بسبب رفضه الانصياع  لمبدأ التداول السلمي للسلطة واستمرار تحريضه لمؤيديه لمقاومة قبول نتائج الانتخابات.

من الواضح أنه يجب عزل ترامب وإقالته من منصبه، فقد أثبت مراراً أنه غير قادر على المشاركة في العملية الديمقراطية القانونية وهو عازم على تقويضها وإثارة روح التمرد على حكم القانون، بيد أن دعواته لبقاء أنصاره سلميين، ليست إلا حلقات جوفاء طالما تأتي مصحوبة بإصرار مستمر على أن الانتخابات كانت مزورة وأنه هو الرئيس الشرعي. إذا كانت الانتخابات مزورة وكان بايدن مغتصبًا، كما يحاول ترامب إقناع الناس، فمن المؤكد أن الانتفاضة المسلحة ليست انقلابًا بل فعل وطنيين محترمين للحفاظ على الديمقراطية. في جملة يدعو المشاغبين الى العودة لبيوتهم، وفي أخرى يخبرهم أن حكومتهم يتم الاستيلاء عليها حاليًا بشكل غير قانوني من قبل اوتوقراط. ان أي شخص يتعامل معه بجدية يشعر بالميل إلى حمل السلاح، حيث يُقال له إنه ما لم يتم فعل شيء ما، فإن الرئيس المنتخب حسب الأصول على وشك أن يُطرد من منصبه بشكل غير قانوني.

هذا شيء يجب أن نفهمه عن المتظاهرين، فهم لا يرون أنفسهم على أنهم انقلابيون. إنهم يرون أنفسهم يحاولون استعادة الديمقراطية، لأنهم يعتقدون أن الانتخابات قد سُرقت. يأتي غضبهم من وهم خطير سيجعل من الصعب عليهم العودة إلى ديارهم بهدوء. إذا استمر ترامب في قول أشياء مماثلة بعد تركه منصبه (ربما على موقع التواصل الاجتماعي اليميني Parler بدلاً من Twitter، حيث سيأخذ صدى كلماته تأثيرا أكبر في ابعاد انصاره بعيداً عن الواقع الحقيقيّ، ليس من المستبعد أن نستمر لفترة طويلة مع أعداد كبيرة ممن لا يعترفون بادارة بايدن كحكومة شرعية.

سارعت صحيفة نيويورك تايمز في نشر مقال وصفت فيه الأحداث على أنها "نهاية حقبة ترامب" و" فعل أخير يائس من معسكر يعاني من الافلاس السياسي". لست واثقاً من صواب ذلك. تذكرني نبرتهم كثيرًا بذات النبرة في عام 1923 عندما كتبوا أن "أي احتمال بأن يلعب هتلر دورًا رائدًا في السياسة البافارية قد تلاشى تماماً "...، بل من الممكن تمامًا أن يعود ترامب. لا شيء يمنعه من الترشح مرة أخرى في عام 2024، وهو أكثر حزنًا واضطرابًا من أي وقت مضى. إذا كانت إدارة بايدن ضعيفة ولا تحظى بشعبية، وانحسر فشل ترامب الهائل بسبب COVID-19 في الذاكرة الجماعية (ننسى كل شيء في خمس دقائق هذه الأيام، حتى الجرائم ضد الإنسانية)، أعتقد أنه من الممكن تمامًا أننا سنرى ثانية ترامب، ولست متحمسًا لمعرفة كيف ستسير الأمور. (قد يؤدي عزله ومحاكمته إلى حرمانه من الترشح في عام 2024، لكن يبدو أنه أمر غير مرجح).

لا يوافق الجميع على أن ما جرى يمكن وصفه بمحاولة انقلابية، فلم يكن واضحًا تمامًا ما الذي يعتزم مثيرو الشغب فعله في مبنى الكابيتول، ولم أتوقع أن يبدأ الرجل الذي يرتدي قرونًا وجلدا مرقطأ، ووجهه مطلي باللون الأحمر والأبيض والأزرق، في إصدار الإعلانات التشريعية وأوامر الطوارئ من منصة مجلس الشيوخ. لكن انقلاب بير هول كان أيضًا فاشلاً وعبثيًا. أخذ الامر عقدًا آخر حتى تولى النازيون السلطة بالفعل. خلال ذلك العقد، على الرغم من ذلك، ارتكب العديد من الناس نفس الخطأ الذي ارتكبته صحيفة نيويورك تايمز، وافترضوا أنه بسبب فشل الانقلاب، فإن الحركة التي مثلتها لم تكن تهديدًا. كان هذا خطأ فادحًا تمامًا، وإذا ارتكبناه مرة أخرى فقد فاتنا أحد أهم الدروس في القرن العشرين.

يمكن أن يكون المستبدون مهرجين، مما يجعل من السهل السخرية منهم. أنا متأكد من أن بايدن سوف يتم تنصيبه وأنه ستكون هناك رتابة سطحيه تتمثل ب"العودة إلى الحياة الطبيعية" في هذا البلد. سيكون من المغري الاعتقاد بأن أولئك الذين اقتحموا مبنى الكابيتول فعلوا ذلك بدافع اليأس ولم يعد هناك داعٍ للقلق منهم. قاوموا هذا الإغراء. بالنسبة لي، الشيء الوحيد الذي يمنع اليمين المتطرف من الاستيلاء على السلطة في هذا البلد هو أنه ليس لديهم زعيم فعال وكاريزمي. دونالد ترامب كسول وأبله، وليس ايديولوجيا ملتزما مثل هتلر.

يجب على المرء أن يكون حريصًا بشأن إجراء مقارنات كثيرة جدًا بين فاشية عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي والوضع الحالي. ما يمكننا فعله هو استخلاص الدروس حول كيفية تعزيز القوة، في الثلاثينيات من القرن الماضي بألمانيا، كانت الحكومة الليبرالية المتعسرة والتي لا تستطيع حل المشكلات الاجتماعية الأساسية عرضة لحركة يمينية متطرفة محكمة التنظيم، لم تحصل على أغلبية الأصوات ولكنها كانت قادرة مع ذلك على إدارة حلقات حول السياسيين الذين افترضوا أن دستورهم وقوانينهم ستكون حبل نجاة. اليوم، علينا أن نتجنب التفكير في أن تعرض اليمين لانتكاسة انتخابية، سيمنع عودته بقوة أكبر. (وقد تعلمنا أن الشرطة والجيش قد لا يكونا حلفاء يمكن الاعتماد عليهم في حماية الديمقراطية باللحظات الحرجة).

أفضل حماية للديمقراطية وتقويض تأثير اليمين أن يقدم جو بايدن للشعب الأمريكي من المنجزات والمكاسب ما يجعله محصناً من خداع الخطاب اليميني. فرانكلين روزفلت تمكن من تأمين رضا ومساندة قطاعات واسعة من الشعب، عبر تقديم بعض المنجزات لهم، مثل التأمين الاجتماعي، وادارة تطوير العمل، وقانون GI... (ادارة تطوير العمل: حزمة من مشاريع البناء وانشاء الجسور والسدود وفرت ملايين الوظائف للعاطلين عن العمل، قانون GI:  تم وفقه صرف تامين صحي ورسوم تعليم ومخصصات تقاعد للجنود العائدين من الحرب العالمية الثانية... المترجم)، أن عددًا كبيرًا من الناس العاديين سيفكرون بشكل إيجابي إزاء حكومتهم، اذا ما وضعت المال في جيوبهم، أو وفرت لهم تعليمًا جامعيًا مجانيًا، أو أنتشلتهم من البطالة.

 إذا ما قام الديموقراطيون بتمرير حزمة الانقاذ (في فترة الوباء) ذات الشعبية الكبيرة والتي تتضمن صرف 2000 دولار للفرد، وأعقبوها بتشريع زيادة الحد الادنى للأجور الى 15 دولارًا بالساعة، وإقرار حق العامل بإجازة عائلية مدفوعة الأجر، وجعل الدراسة في الكليات مجاناً، وإعفاء الطلاب من الديون، واصدار قانون تأمين صحي مجاني للجميع،  والبدء بمشروع الطاقة البديلة - تلك الخطوات التي لا توجد أعذار لعدم القيام بها الآن بعد أن أمسكوا بزمام السلطتين التنفيذية والتشريعية - عندها سيحصل كل شخص في البلاد على شيء ملموس من الإدارة. سيشمل ذلك القدرة على الذهاب إلى المدرسة دون القلق بشأن الديون، والقدرة على الذهاب إلى الطبيب دون الحاجة إلى التفكير في الفاتورة، والقدرة على إنجاب طفل دون القلق من أنك ستحتاج إلى العودة إلى العمل في اليوم التالي، واطمئنان الفرد أن أحفاده قد يعيشون على كوكب صالح للسكن مع حضارة مستدامة. الحكومة التي تقدم تلك الخدمات لشعبها انما تزوده بلقاح مضاد لإغراءات خطاب الديماغوجيين الفاشيين.

أنا بالطبع لست واثقًا على الإطلاق من أن جو بايدن سيبذل أي محاولة جادة لتنفيذ هذه السياسات. لقد حنث بالفعل بوعوده، وكانت اختياراته المعلنة للمناصب مخيبة للآمال وعديمة الجدوى، وأوضح أنه لا يزال يسعى إلى تحقيق ذلك الحلم الخيالي غير المثمر، والمتمثل في حكم مشاركة بين الحزبين، الامر الذي يرعبني، لأن أولئك الذين لا يلاحظون أن حياتهم تتغير للأفضل في ظل الإدارة الديمقراطية، لن يروا أي سبب لإعادة الديمقراطيين إلى السلطة. الجمهوريون الذين ما زالوا يسيطرون على المحاكم ومصممون على تآكل الديمقراطية قدر الإمكان، سيعودون إلى السلطة بغفلة منا إذا أفسد الديمقراطيون هذه اللحظة المحفوفة بالمخاطر. لسوء الحظ، لم يتضح لي على الإطلاق كم منهم يعرف حتى أنها لحظة محفوفة بالمخاطر، ناهيك عن فهم ما يجب القيام به.

يجب أن لا نطمئن للافتراض القائل أنه لا يمكن أن يكون هناك انقلاب ناجح في الولايات المتحدة المعاصرة. سيكون اليوم الذي نكتشف فيه أننا مخطئون هو اليوم الذي فات فيه الأوان لفعل أي شيء حياله، التاريخ لم ينته. أمامنا الكثير، وخياراتنا اليوم تحدد الطريق الذي سنسير فيه.

 

...................

https://www.currentaffairs.org/2021/01/lets-remember-how-authoritarianism-takes-hold

 

عبد الحسين شعبانسدّد مشهد اقتحام أنصار الرئيس دونالد ترامب مقر الكونغرس ومبنى الكابيتول ضربةً قاسيةً وموجعةً لصورة أمريكا التي ظلّ العالم ينظر إليها باعتبارها "منارةً للديمقراطية" بغض النظر عن الاختلاف بشأن سياساتها الخارجية وحروبها إزاء الشعوب.

وبقدر ما أثار الأمر صدمةً كبيرةً للأمريكيين على المستويين الرسمي والشعبي فإنه أوقع الجميع في حالة من الذهول والحيرة، لاسيّما على المستوى الدولي، سواء لحلفاء واشنطن ومريديها مثلما لخصومها وأعدائها، لأن مثل ذلك السلوك الذي انتهجه ترامب للتشبث بالسلطة والتشكيك بنتائج الانتخابات ومن ثم دعوة أنصاره للتظاهر بهدف الضغط على الكونغرس لعدم التصديق على فوز غريمه جو بايدن بمنصب الرئاسة، لم يحصل في تاريخ الولايات المتحدة وربما في تاريخ الديمقراطية الغربية. وقد شبّه هايكو ماس وزير الخارجية الألماني ماحصل بحريق الرايخشتاغ (البرلمان الألماني في برلين 27 شباط/فبراير 1933 ) خلال الحقبة النازية، كما وصفت صحيفة لاريببليكا الإيطالية ما حدث يوم 6 كانون الثاني/يناير الجاري بـــ"الزحف على روما" بقيادة بنيتو موسوليني (نهاية تشرين الأول/أكتوبر 1922) ليس هذا فحسب، بل وردت ردّات فعل غاضبة على ما حصل في الكابيتول على لسان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ورئيسة وزراء أسكتلندا نيكولا ستورجن ورئيس الجمهورية الفرنسي ايمانويل ماكرون والكثير من زعماء العالم، كما تندر الكثير من السياسيين والإعلاميين بوصف ما حصل مشبهين إياه بما يجري في العديد من بلدان العالم الثالث تلك التي غالبًا ما يُهرع الدبلوماسيون الأمريكان للتنديد بها ومطالبة الحكومات باحترام نتائج الانتخابات والمعايير الديمقراطية المعروفة.

نظرتان مختلفتان إزاء ما حصل من هجوم على مبنى الكونغرس الأمريكي؛

النظرة الأولى- عاينت الأحداث من باب الشماتة والمناكفة بسبب تأثرها السلبي من سياسات الرئيس ترامب وضغوطه وتهديداته غير المألوفة.

والنظرة الثانية- قلّلت من أهمية ما حصل باعتباره أمرًا عابرًا وأن واشنطن ستستعيد عافيتها بــ"الديمقراطية".

النظرة الأولى اعتبرت ما حصل أزمةٌ للنظام الرأسمالي العالمي، ولاسيما الأمريكي وهي أزمة دورية ومستمرة وما حصل إحدى حلقاتها المهمة وهي دليل تدهورٍ وانحدارٍ ونكوصٍ، في حين أن النظرة الثانية اعتبرت قوّة النظام الأمريكي ورسوخ ديمقراطيته كفيلة بتجاوز ما حدث بلحاظ رد فعل الرأي العام الأمريكي القوي والحازم ضد التجاوزات والانتهاكات التي اعتبرت تحديًا للديمقراطية بما فيها من بعض أنصاره وقياديين في حزبه.

وبغض النظر عن وجود مؤسسات تستند إلى قوانين وقضاء مستقل ورقابة ورأي عام مؤثر وإعلام حرّ ومجتمع مدني نشيط، إلّا أن دور الفرد يبقى مهمًا ومؤثرًا في إطار منظومة النظام السياسي والقانوني الأمريكي الذي يمنحه الدستور صلاحيات كبيرة، فخلال فترة رئاسة ترامب وسياسته الشعبوية وقصر نظره وعدم تفهمه لقواعد السياسة الدولية، أقدم ودون وعي بمخاطر ذلك، على نشاط محموم لتدمير القانون الدولي وتجاوز قرارات الشرعية الدولية بما فيها بشأن القدس الشريف والخروج عن الأعراف الدبلوماسية الدولية والعلاقات التجارية وتقاليدها وزعزعة الثّقة بوسائل التعامل التجاري وابتزاز الشعوب، وتجيير ذلك لصالح السياسة الأمريكية الأنانية الضيقة ولفئة متنفذة من الطاقم المحيط به، وكان ذلك يعني تدمير صورة أمريكا.

كما ساهمت سياسة ترامب في خلخلة السلم المجتمعي في الولايات المتحدة مكرسًا نهجًا عنصريًا استعلائيًا وهو الذي تمّ وضع حدٍّ له منذ العام 1964 في إطار المطالبات بالحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينغ الذي اغتيل في العام 1968، وإن بقيت شوائب وذيول عنصرية كثيرة من الناحية العملية إلّا أن الرئيس ترامب حاول تغذيتها، الأمر الذي أدّى إلى انتشار الأعمال العنفية وارتفاع موجة العداء للأجانب، فضلًا عن بناء جدار مع المكسيك وتقليص الهجرة ومنع مواطني 7 بلدان من دخول الولايات المتحدة.

ولعبت شخصية ترامب النرجسية وتعطشه للسلطة وغروره وتعامله بالسياسة من موقع التجارة إلى إحداث صدع كبير في جدار الديمقراطية الأميركية العريقة انعكس سلبًا على الفكرة الديمقراطية لدى أوساط كثيرة ودفع جهات عديدة إلى المطالبة باتخاذ إجراءات قانونية لعزله حتى قبل انتهاء المدة القانونية المتبقية من حكمه (20 كانون الثاني/يناير 2021 ) وهي سابقة لم تحصل في تاريخ الولايات المتحدة، خصوصًا اتهامه بعدم أهليته العقلية، وهو الذي حكم الولايات المتحدة أربع سنوات، وكان لاعبًا أساسيًا على المستوى العالمي، متخذًا قرارات خطيرة ومصيرية غيّرت من صورة الولايات المتحدة، والأكثر من ذلك هناك من طالب بتقديمه إلى القضاء بتهمة تحريض الرأي العام لاقتحام الكونغرس وقبل ذلك الضغط على سكرتير إدارة ولاية فرجينيا وتهديده وترغيبه، بل والتوسل إليه لتغيير نتائج الانتخابات لصالحه، وهو ما نشرته صحيفة الواشنطن بوست.

لم يقف الديمقراطيون ضد ترامب فحسب، بل إن جمهوريين ومن أخلص أتباعه وقفوا ضده بما فيهم وزيرة التربية بيتسي ديفوس ووزيرة النقل يلين تشاو اللتان أعلنتا عن استقالتهما وعدد آخر من موظفي البيت الأبيض، إضافة إلى نائبه مايك بنس الذي كان له الضلع الأكبر في توجه الكونغرس لاقرار نتائج فوز بايدن.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

محمود محمد عليتزوج الأخطب بن عوف من "فتنة"، وهي فتاة من قبيلة "الأرمكي"، أوحي اسمها له بأنها من سلالة الحسن والجمال، لذلك أسموها "فتنة"، فعقد قرانه عليها قبل أن يراها، ولما جاء موعد ليلة الزفاف نظر إليها فلم تسره، وكانت بعكس ما تخيله عنها من جمال، فانشغل عنها حتي نامت، ثم حزك أمتعته، وهم بالمغادرة.. أمه في الدار شعرت بحركته المفاجئة، فأدركته قبل أن يغادر، وقال له: إلي أين تذهب يا ولدي في ليتك الأولي من الزواج؟.. فأجاب إلي أرض الكوفة يا أماه!.. وماذا عن فتنة؟.. فقال : الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها؟..

قصدت أن أبدأ مقالي هذا بهذا الاستشهاد لأقول بأن العالم العربي خلال الأسبوع استيقظ  على أخبار بوادر انتهاء الأزمة الخليجية، وما بين مشككٍ ومصدق، ظهر على شاشات التلفزة عناق، وصف بـ"التاريخي"، بين أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لدى استقباله في مطار العلا السعودي، قبيل عقد أعمال القمة الخليجية الـ 41. وقد وصف البعض هذا العناق بأنه "كسر لقواعد البروتوكول وبداية لصفحة جديدة.

وهنا خرج علينا كثير من الإعلاميين علي قناة الجزيرة ليعلنوا بأنه إذا كان رسول الله "محمد" صلوات الله عليه وسلامه، قد وضع إصلاح ذات البين في درجة أعلي من الصلاة، والصيام، والصدقة، فمن يتجرأ أن يسفه التصالح الذي طال انتظاره غير المارقين، وهم كُثر.. وحدة الشعب الخليجي في دويه المتعددة أكبر من كل الكتاب والمتحدثين.. بل أكبر من كل الحكام والنافذين.. كلنا سنزول وستبقي الشعوب إلي ما شاء الله .

هذه خلاصة أقوال الإعلام القطري، ولكن علينا ألا ننسي بأن فيما مضي السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر، قد أعلنوا في يونيو من عام 2017 قطع علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع قطر، وسط اتهامات لها بدعم الإرهاب والتدخل في شؤون دول المنطقة، وهي اتهامات تنفيها الدوحة.

بيد أنه من الخطأ الاعتقاد (كما يري البعض)، بأن قطر لم تتغير أو لم تستوعب الدروس، ولم يكن اتجاه خطابها إلى مستويات أعلى من العدائية خلال تلك السنوات إلا محاولة لدفع أطراف الأزمة لإعادة النظر في مواقفهم، أخذاً في الاعتبار أن قطر ظلت فعلياً محصورة مجتمعياً وسياسياً في الواقع الخليجي خلال تلك الفترة.

والسؤال الآن: الذي يطرح نفسه بعد قمة العلا يتركز حول اتجاه التحالفات الإقليمية بعد القمة؛ فعلى مدى الأشهر الأربعين منذ بدء الأزمة في 2017، تغير شكل التحالفات والمصالح في الإقليم، وطغى على المنطقة فاعلون جدد وقضايا جديدة، جميعها ستكون في حاجة إلى إعادة نظر في ضوء مستجدات المصالحة. ومن خلال ما كشفه الوزير القطري عن بنود الاتفاق والذي سيتم عبر لجان ثنائية بين قطر وكل دولة على حدة، هناك احتمال لإحراز تقدم بين قطر والرباعي على نحو متفاوت، بالشكل الذي قد ينتهي إلى تبدل في التحالفات، فهل ينتهي تحالف الرباعي كتحالف مؤقت دعت إليه الضرورة وتأسس في مواجهة قطر، أم يستمر كجسر تنمية واستقرار عابر بين الخليج وباقي العالم العربي؟

وللإجابة عن هذا نقول أنه بالنسبة لمصر فإن غياب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقيام وزير الخارجية المصري سامح شكري بالنيابة عنه في أعمال القمة، قد يعطي مؤشرا لوجود تردد مصري حول المصالحة الخليجية.

وهذه الشكوك تدعمها تصريحات كثير من السياسيين والإعلاميين المصريين بأن: "مصر لن تتصالح مع النظام القطري..." وهذا ما جعني بأن أكتب مقالي بعنوان " رسالة للرئيس السيسي : لا تصالح ولو منحوك الذهب" خلال الأيام الماضية ونشر علي صحيفة المثقف الزاهرة.

ورغم أن القاهرة رحبت بالمصالحة بشكل عام، إلا أن غياب التفاصيل حتى هذه اللحظة يجعلها مترددة، حيث إن المفاوضات على محتوى المصالحة مستمرة، وسوف تتضح لاحقاً، وبناء على محتواها فإن الموقف المصري سوف يتضح بالتزامن.

كما أن مراقبة الإعلام القطري ورصد خطابه تجاه القاهرة، قد يكون مؤشراً حول ما إذا كانت الدوحة حريصة على علاقتها مع نظيرتها المصرية، ورغبتها بتضمينها في الاتفاق، وأن مشاركة وزير الخارجية المصري في القمة استثناء، لأن مصر ليست دولة خليجية، ومشاركتها جاءت على خلفية كونها طرفاً في المقاطعة، مشيراً إلى أن الخلاف القطري-المصري ربما سيستمر بشكل ثنائي، لأن الخلاف كان موجوداً قبل المقاطعة، وذلك بسبب دور دولة قطر في دعم الإخوان المسلمين المصريين.

هذا الموقف يعززه بيان وزارة الخارجية المصرية الثلاثاء الماضي - الموافق (الخامس من يناير/ كانون الثاني 2021)، عقب توقيع الوزير سامح شكري على "بيان العلا" الخاص بالمصالحة، والذي ذكرت فيه أن مصر "تدعم العلاقات بين الدول العربية الشقيقة انطلاقاً من علاقات قائمة على حسن النوايا، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية".

وهناك حسابات عدة دفعت إلى المصالحة الخليجية بقرار سياسي مسبق، وليس لتوفر شروطها أو استيفاء أسبابها، فهناك عوامل ضاغطة على صناع القرار بدول الخليج لأجل إنهاء الأزمة وتغليب المصالحة، أهمها التحديات السياسية والاقتصادية، والخسائر التي لحقت بدول المجلس من جراء الأزمة، بجانب التكاليف الاقتصادية الناتجة عن وباء "كوفيد-19"، وتراجع أسعار النفط، وهو ما انعكس في خفض الموازنات العامة، وعجز الميزانيات، وتسريح العمالة، وتحولات سوق العمل، الأمر الذي جعل خليج 2021 غير خليج 2017.

أضف إلى ذلك الاحتفال هذه السنة بمرور 40 عاماً على إنشاء مجلس التعاون الخليجي، واستقبال عقد جديد في تاريخ المجلس، تفرض الضرورات أن يكون مختلفاً عن أصعب عقد مر على دول المجلس (2010 – 2020) من ناحية الأزمات والخلافات البينية و"التفسخات" المجتمعية التي عكست نفسها بوضوح على أدوات التواصل الاجتماعي.. وننتظر ما تسفر عنه الأحداث.. وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

عدنان ابوزيدأصبح ملفِتا في عصر تلاشي الأيديولوجيات السياسية، انتعاش النقاش مجددّا بين النخب السياسية والاقتصادية الغربية حول اليسار واليمين، واشباح الاشتراكية التي تنسلّ الى الرأسماليات الغربية، ووفقًا لمجلة غالوب، يبصر الرأسماليون الديمقراطيون في الغرب الآن إلى الاشتراكية بمنظور أكثر إيجابية، ونجم عن ذلك ارتقاء سياسيين يؤمنون حتى بإبدال الرأسمالية بالاشتراكية، فيما المحافظون يدركون الخطر ويتداركونه برفع شعار "الموت أفضل من الأحمر" وهم في حالة من انفعال فكري، معتبرين انّ من غير الممكن، على سبيل المثال لا الحصر، التعامي عن رؤية نجاحات الرأسمالية، العظيمة، والسير على هدي تجارب مثل فنزويلا الاشتراكية، حيث "يموت الناس جوعًا".

لا يخلو النقاش حول رواج "الاشتراكية" في المجتمع الرأسمالي من استقطاب لمشاعر الناس على حساب الحقائق الاقتصادية والاجتماعية، ومخرجات التطبيقات الفعلية، طالما ان السياسة تلوي اعناق الحقائق، فالقول ان الرأسمالية قد خذلت الناس وأن الاشتراكية هي الحل، ما هو في الحقيقة الا تبسيط كاريكاتوري للواقع، لا يخلو من ارهاصات سياسية انتهازية، فيما الواقع ان الاقتصادي الغربي واقتصاديات روسيا والصين واليابان، بإنجازاتها العظيمة، ماهي الا مزيج ناجح بين مؤسسات السوق الرأسمالية، والحكومية المركزية، والتجزئة الاشتراكية.

لعقود عديدة، تساجلت القيم الرأسمالية والاشتراكية على نيل الاعتراف بشهادة "الاصلح" لبناء اقتصاديات الدول، وخلّف اليسار واليمين، الكثير من المعارك الأيديولوجية، لكن الحقيقة انّ كل ذلك لم يُبرِز منتصرا، لان الخاتمة كانت للنظام الهجين الذي يزاوج بين الاشتراكية والرأسمالية.

يحتاج اليسار ووراءه الاشتراكيون، إلى تقدير دور الرأسمالية في تعزيز انتاج الوفرة، وما صاحبه من ترف، فيما يحتاج اليمين إلى الإقرار بالدور الذي لا غنى عنه لشبكات الأمان الاشتراكية والضمان الصحي، في تهدئة مشاعر عدم اليقين بالرأسمالية.

الاشتراكيون الديمقراطيون الجدد في الولايات المتحدة، مثلا، الذين يترشحون للمناصب لا يطالبون بتأميم الصناعة أو إلغاء الملكية الخاصة، بل يدعون إلى دولة رفاهية معزّزة بشكل كبير بضمانات الضبط الحكومي لمختلف الصناعات. 

فرق كبير بين الديمقراطية الاجتماعية كما في هولندا و الدنمارك أو السويد وبين مثيلاتها في الاقتصاديات الرأسمالية لانها تمارس منهج الحرية الاقتصادية، اذ تتفوق الدنمارك والسويد، -حيث الضرائب مرتفعة والإنفاق الواسع على الرفاهية-، على الولايات المتحدة في أمن حقوق الملكية، وسهولة التأسيس للأعمال، والانفتاح على التجارة، و الحرية النقدية. 

وفي التطبيق الفعلي، فان الضمانات الاشتراكية الناعمة المصحوبة بالابتكار الرأسمالي والمنافسة والكفاءة والتجارة والنمو، تعطي درسا مفيدا عن جدوى الديمقراطيات الاجتماعية في بلدان الشمال الأوروبي. 

إنّ أشدّ أنصار الرأسمالية مثل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ومذهبه التجاري البحت، الذي يؤمّن تدفقًا ثابتًا من الفرص، يدعو أيضا الى الأسواق العادلة ذات القواعد التي لا تجعل الأغنياء يأخذون كل شيء، ويتعلق الأمر بالأقوياء أيضا، ومثلما نجحت تجربة الاقتصاد الهجين بين الاشتراكية والرأسمالية في خلق أسواق أكثر ثراءً، فإنها أيضا جعلت جميع المواطنين، أكثر غنى. 

 

 عدنان أبوزيد

 

حسين فاعور الساعديهل مصير الفلسطينيين سكان إسرائيل مرتبط بتواجدهم أو بتمثيلهم في الكنيست؟ الجواب على هذا السؤال يحدد نظرتنا إلى الأمور وكيفية تحليلها. من يدعي أن مصير الفلسطينيين في دولة إسرائيل مرتبط بتواجدهم في الكنيست يبني على هذه الرؤية الكثير من  الأوهام والأمور غير الواقعية. منها أن الكنيست هي ساحة النضال لتحصيل الحقوق. وأن الكنيست هي المكان لمحاربة اليمين المتطرف وأن الكنيست هي الموقع لمنع تهجير الفلسطينيين مواطني إسرائيل من ديارهم وما إلى ذلك من مزاعم وهمية خلقها أناس أرادوا المحافظة على أحزابهم\مزارعهم وأرادوا تبرير وشرعنة تواجدهم في هذه المؤسسة الصهيونية. والأسوأ من ذلك على مدار عقود طويلة غطوا على كسلهم واستهتارهم بمصالح الجمهور الذي أوصلهم إلى مواقعهم بخلق صراعات وشجارات وهمية مع زملائهم في هذه المؤسسة التشريعية. ألبسوا أنفسهم ثياب المناضلين والمجاهدين ضد هذه المؤسسة وسياساتها فأعطوا المبرر للقائمين عليها بنبذهم ومقاطعتهم. وبين الحين والآخر افتعلوا وأمام كاميرات وسائل الإعلام مشاهد وشجارات مع بعض أعضائها المتطرفين. هذه الشجارات التي في حقيقتها ما هي إلا مسرحيات متفق عليها من قبل الطرفين جعلت من منفذيها أبطالا فجلبت لهم الكثير من الأصوات وحافظت على مكانتهم وعلى تغذية التوتر والتباعد بين الصهاينة والفلسطينيين داخل الكنيست وخارجه. هذا التباعد الذي يدفع ثمنه الباهظ البسطاء بينما يحافظون هم والمقربون منهم على مصالحهم وعلاقاتهم الجيدة ومن وراء الكواليس مع مختلف أذرع المؤسسة أو السلطة الحاكمة.

أما من يدعي أن وجود الفلسطينيين كمواطنين في دولة إسرائيل غير مرتبط بتواجدهم في الكنيست فلديه رؤية مختلفة للأمور. رؤية مصدرها الواقع والمعطيات الكثيرة والمتراكمة والتي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا التواجد ليس لا قيمة له فقط بل أضر ضرراً بليغا وكبيراً بمصالح الجمهور العربي إذ تم عرض هذا الجمهور من خلال ممثليه في الكنيست وبشكل يومي على الفضائيات وكأنه جمهور متطرف وفي حالة شجار مع الجمهور اليهودي وهو أمر غير قائم في حدود إسرائيل 1967. هذه الرؤية تخدم أذرع السلطة المختلفة التي تخاف من النضال المشترك بين الجمهور العربي والجمهور اليهودي في هذه البلاد. النضال المشترك في قضايا اجتماعية واقتصادية يرعب السلطة ويخيفها. ولذلك أعتقد أن هذه السلطة منذ عقود تجند أعضاء الكنيست من كلا الطرفين للعمل على منع ذلك.

معروف للجميع أنه لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال تمرير قانون معين في الكنيست إن لم يكن يخدم الوسط اليهودي بالأساس. بكلمات أخرى كل القوانين التي تشرعها الكنيست هي قوانين لخدمة المواطن اليهودي والعربي يستفيد منها لكونه مواطن في الدولة. وهذا يعني أن عضو الكنيست العربي لوحده لا يستطيع تمرير قانون واحد دون دعم الأعضاء اليهود حتى لو كان للعرب 59 عضواً في الكنيست وهو رقم لا يمكنهم الوصول إليه. إذن المنطق يقول أن التعاون مطلوب بين أعضاء الكنيست العرب والأعضاء اليهود. ومطلوب أكثر التعاون مع أعضاء الحزب الحاكم في القضايا الكبيرة والملحة. وإلا فما جدوى تواجد الأعضاء العرب؟ هل نتوقع أن تكون حكومة يسار في إسرائيل؟ أين هو هذا اليسار؟ وماذا قدم للفلسطينيين منذ قيام الدولة؟ وهل يمكن ترك الكثير من القضايا الملحة التي يعاني منها جمهورنا أو تجميدها حتى يولد يسار ويصل إلى السلطة فنجلس معه؟

إذن علام كل هذا الهجوم على منصور عباس؟ ألأنه جلس مع نتنياهو؟

هذا الهجوم على د. منصور عباس ليس لأنه جلس مع نتنياهو فكل أعضاء المشتركة جلسوا ويجلسون مع نتنياهو وغير نتنياهو. هذا الهجوم على د. منصور عباس لأنه كسر نهجاً تم ترسيخه على مدار عقود طويلة وبدعم خفي من السلطة ذاتها. نهج القطيع والبقرات المقدسة.

هذا النهج (نهج القطيع والبقرات المقدسة) وفر الأجواء والأرضية لطرح شعارات ليس فيها ذرة منطق ومبنية على الوهم والسراب كشعار "إسقاط نتنياهو". هذا الشعار لا يمكن طرحه على جمهور لديه ذرة من عقل. لماذا؟ لأن العرب حتى لو كان لهم 59 عضو كنيست لن يستطيعوا إسقاط نتنياهو إن لم يرد اليهود ذلك. والأصعب من ذلك أن من يطرح هذا الشعار يقول بلغة واضحة ودون أدنى شك أن نتنياهو هو المشكلة ويبرئ السياسات العامة التي انتهجتها وتنتهجها الحكومات المتتالية منذ قيام الدولة، وهذه مغالطة وتشويه للواقع وللتاريخ. كما أن مجرد طرح هذا الشعار يظهر مدى استهتار من طرحوه بعقلية جمهورهم وبمدى مقدرته على الفهم والتحليل. طرح هذا النوع من الشعارات هو نمط ونهج سلكته وتسلكه قيادات تنظر إلى الجمهور العربي على أنه قطيع يمكن التحكم به باللعب بغرائزه وعواطفه. فجاء الدكتور منصور عباس ليغير قواعد اللعبة مما يمس بمراكز البقرات المقدسة ويشكل خطراً على استمرار وجودها.

الجمهور مل الشعارات الجوفاء وما عاد يصدق الحروب الدونكيشوتية والمعارك الوهمية. الجمهور يريد عنباً ومل من لعبة مقاتلة الناطور المضبوطة والموجهة من اذرع المؤسسة المختلفة.  وبما أن الدكتور منصور عباس فلاح ابن فلاح ولا زال التراب يخالط مسامات جلدة فقد استشرف ما يشعر به الجمهور ولم يستطع إلا القيام بما يمليه عليه ضميره النقي الذي لم يغرق في أوهام الزعامة بعد.

د. منصور عباس لا يزال يرى بنفسه موظفاً في مؤسسة صهيونية من واجبه أن يخدم من أرسله لهذه الوظيفة. هذه الرؤية الواقعية تتناقض وتختلف مع رؤية من يتسترون وراء بطولات وهمية وشجارات مفبركة مع ممثلي اليمين المتطرف. شجارات متفق عليها مسبقاً لدغدغة مشاعر القطيع الذي يريدون رضاه ودعمه ليحافظوا على مواقعهم. لعبة الشجارات هذه لا تناسب فلاح ابن فلاح كد. منصور عباس ولا يقبل القيام بها لأن أخلاقه وعقيدته لا تسمح له بذلك. من هنا فهو يشكل خطراً على من كل رصيده هو هذه الشجارات المفتعلة مع ممثلي اليمين المتطرف والمدعومة بالشعارات التي لا معنى لها.

نهج الدكتور منصور عباس يغيظ البقرات المقدسة في المشتركة ويغيظ بنفس القدر أذرع السلطة التي لا تريد لفلسطينيي الداخل مندوبين حقيقيين عنهم في الكنيست الإسرائيلي يساهمون في حل مشاكلهم وقضاياهم الملحة.

هذا الإدراك أن العربي الفلسطيني في برلمان صهيوني يستطيع حل قضايا اجتماعية واقتصادية معقدة وكثيرة يخيف السلطة ويحملها مسؤوليات كثيرة وكبيرة تنصلت منها على مدار عقود طويلة بتغطية جيدة وكاملة من حملة الشعارات الوهمية مثل شعار "إسقاط نتنياهو".

وهذا الإدراك أن عضو الكنيست هو موظف في الكنيست مثله مثل أي موظف في بنك أو شركة أو مؤسسة من واجبه التعامل مع كل مكونات هذا الجسم الذي يعمل فيه وإلا لا معنى ولا مبرر لوجوده. لماذا عضو الكنيست تحول إلى قائد قومي يوزع المهام ويصدر التعليمات والتوجيهات؟ كيف لموظف في مؤسسة صهيونية أن يكون حامل شعار القومية؟ لماذا هذا الجمع بين متناقضين؟ وهل يقدر عليه إلا ثعلب متلون؟ سكوت الجمهور على هذا الأمر غير المنطقي هو ما شجع أعضاء الكنيست على الاستهتار بمصالح الجمهور وعلى لعب هذا الدور المتناقض مما خلق كل هذه الفوضى التي تجتاح وسطنا العربي.

د. منصور عباس كما يبدو استشعر أن صبر الجمهور قد نفذ ولم يعد بالإمكان السكوت على مهازل المشتركة فقرر القيام بواجبه وما يمليه عليه ضميره النقي كموظف في مؤسسة صهيونية غير خائف من تحريض المغرضين. فهو يؤمن أن شعبنا ليس قطيعاُ وهو يملك القدرة على التمييز بين الغث والسمين.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

ابراهيم أبراشوكأنه لا يكفي أن تل ابيب وواشنطن تناصبان العداء لمنظمة التحرير الفلسطينية وتصنفانها كمنظمة إرهابية، ولا يكفي أن يعاديها ويرفضها أيضاً البعض الإسلاموي من منطلق أن المنظمة تعبر عن مشروع وطني بينما فلسطين بالنسبة لهم وقف إسلامي وملك للأمة الإسلامية وبالتالي فأصحاب (المشروع الإسلامي) أولى بتمثيل الشعب الفلسطيني وكل الشعوب الإسلامية!، وكأنه لا يكفي أيضاً التهميش الذي تعرضت له من طرف أصحابها عندما تم إعلاء شأن السلطة الوطنية على حساب المنظمة في مراهنة بأن زمن المنظمة كتجسيد وتعبير عن حالة الثورة والتحرر الوطني قد ولى وأن الشعب يمر بمرحلة تأسيس السلطة والدولة، وحسابات واستحقاقات السلطة والدولة تختلف وتتعارض مع حسابات الثورة .

كأنه لا يكفي كل ذلك ليتنطع البعض من الفلسطينيين والعرب للنبش في الماضي للتشكيك بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وبقرار قمة الرباط 1974 باعتبارها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني ويعتبرون ذلك مؤامرة لتجريد فلسطين من بعدها القومي العربي، ويزعمون أنه لو تركت فلسطين بيد الأنظمة العربية ما جرى للفلسطينيين ما جرى، بل وذهب البعض للزعم بأن الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني في قمة الرباط  كان باقتراح من وزير الخارجية الأمريكية آنذاك هنري كسنجر للقادة العرب حتى يلجوا عملية التسوية السياسية دون أن يكونوا مكبلين بالمسؤولية عن الشعب الفلسطيني.

لا شك أن مسيرة الشعب الفلسطيني مع منظمة التحرير لم تكن كلها مكللة بالانتصارات والانجازات بل شهدت انتكاسات وأخطاء، كما أن واقع المنظمة اليوم مترد بسبب تهميشها وطنياً وترهل بنيتها المؤسساتية وعدم فعالية لجنتها التنفيذية، كما فشلت كل محاولات استنهاضها، ولكن هذا لا يبرر إسقاط الواقع الراهن للمنظمة على مبدأ وفكرة وشرعية تأسيس المنظمة، لأن الخلل كان وما زال في تحديات خارجية وفي الأدوات التنفيذية للمنظمة ومراهناتها وليس في مبدأ وشرعية ومبررات وجودها في مرحلة التأسيس.

منظمة التحرير ليست حزباً سياسياً وليست القيادة الراهنة وسياساتها بل هي تعبير عن الهوية والثقافة الوطنية وعنوان للشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني التحرري الذي يمثل النقيض للمشروع الصهيوني ويميز الشعب الفلسطيني عن غيره من الشعوب ويمنع تذويبه في المجتمعات الأخرى، وبالتالي لا داع لإسقاط الحالة النفسية والعقلية للبعض المستاء والغاضب والرافض لقيادة المنظمة وسياساتها على منظمة التحرير بشكل عام،  فالقيادة مجرد أداة تنفيذية يمكن تغييرها وتبديلها، كما أن السلطة أداة للمنظمة وللمشروع الوطني وليست بديلاً عنهما، وكان من الأولى على منتقدي المنظمة أن يناضلوا من أجل استنهاض المنظمة بدلاً من إطلاق رصاصة الرحمة عليها. . 

 مع التذكير بأن سبب معاداة إسرائيل وأمريكا لمنظمة التحرير الفلسطينية واتهامها بالإرهاب وتجفيف مصادر تمويلها لا يعود لأن منظمة التحرير تمارس الإرهاب أو أنها فاسدة كما تروج إسرائيل وأمريكا، ولا يمكن أن تكون كذلك وفي نفس الوقت يعترف بها أكثر من مائة دول في العالم، بل يعاديانها لأنها استنهضت الهوية والثقافة الوطنية للشعب الفلسطيني بعد أن كان مجرد جموع لاجئين ولأنها مؤسِسة المشروع الوطني التحرري ومنذ تأسيسها وهي تقارع الاحتلال بكل الوسائل العسكرية والسياسية والدبلوماسية،  وكانت ويجب أن تستمر عنواناً لكل الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات وتتمسك بحقه بالعودة وإقامة دولته المستقلة.

لو لم يكن وجود المنظمة وتمثيلها لكل الشعب انجازاً وطنياً ما حاربتها إسرائيل طوال هذه العقود، ولو انساقت منظمة التحرير مع السياسة والمخططات الأمريكية والإسرائيلية وقبِلت بما كان يُطرح عليها من تسويات ما تم محاصرة المنظمة ورئيسها أبو عمار في المقاطعة 2002 ثم اغتياله بالسم، ولو انساقت المنظمة مع صفقة القرن وخطة الضم لكانت القضية الفلسطينية في وضع أسوأ مما هي عليه الآن.

ودعونا نتساءل ونسأل المشككين بشرعية ومبررات قيام المنظمة واعتبارها ممثلاً للشعب الفلسطيني، أولئك الذين ينطلقون من منطلق قومي أو إسلاموي، كيف كان الموقف الرسمي العربي تجاه فلسطين قبل 48 وما هو موقفها من الثورة الفلسطينية عام 1936-1939 وكيف خذلت الشعب الفلسطيني؟ وما جرى في حرب 1948 ؟ وماذا فعلت الأنظمة العربية لفلسطين بعد أن انتكب الفلسطينيون بهزيمة الجيوش العربية؟ وهل كان عند العرب استراتيجية قومية لتحرير فلسطين؟ ألم يقل الرئيس جمال عبد الناصر لوفد فلسطيني كان في زيارته عام 1962 (من يقول لكم أن عنده استراتيجية لتحرير فلسطين يضحك عليكم)، وهذا ما كتبه ووثقه المرحوم حيدر عبد الشافي.

ولو لم تكن منظمة التحرير موجودة واستمرت القضية بيد الأنظمة العربية التي انهزمت في نكسة 67 وكانت نتيجة هزيمتها ضياع بقية فلسطين بالإضافة إلى أراضي عربية أخرى ما زالت محتلة، فهل سيكون حال الفلسطينيون أفضل؟.

وعندما ترفع مصر أكبر دولة عربية وزعيمة العالم العربي بعد حرب 67 شعار استعادة الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وتساندها في ذلك جامعة الدول العربية وتدخل مصر وسوريا في حرب أكتوبر 1973 تحت هذا الشعار، فهل كان للشعب الفلسطيني أن يراهن على الأنظمة العربية لتحرير فلسطين؟

ونقول للذين يتباكون على فك تبعية القضية الفلسطينية للأنظمة العربية، أين هي هذه الأنظمة العربية التي يمكن المراهنة عليها لتحرير فلسطين؟ هل هي دول الخليج العربي؟ هل هي دول المغرب العربي؟ أم الدول التي انهزمت في حرب 1967 ؟ وهل فكر المنتقدون والمشككون والرافضون لمنظمة التحرير بما سيكون حال الشعب الفلسطيني لو استمر تابعاً وملحقاً بالأنظمة العربية التي نشاهد حالها بعد فوضى ما يسمى الربيع العربي ومع سياسة التطبيع ومع تواجد قواعد عسكرية أمريكية في غالبيتها؟

هذا لا يمنح قيادة منظمة التحرير والسلطة الوطنية شهادة براءة أو حسن سلوك وطني لا تشوبها شائبة، فالأخطاء والتجاوزات كثيرة بل يمكن القول إنه قبل أن تعلن حركة حماس الحرب على منظمة التحرير وبتزامن مع الهجوم الأمريكي والإسرائيلي عليها فإن قيادة منظمة التحرير أساءت، بوعي أو بدون وعي، للمنظمة وهمشتها، في مراهنة فاشلة على أن تحل السلطة محل المنظمة في سياق عملية التسوية السياسية والانتقال من مرحلة التحرر الوطني لمرحلة الدولة.

المطلوب من كل الحريصين على منظمة التحرير وعلى المشروع الوطني التحرري، سواء ممن ينتمون للمنظمة من فصائل معارضِة لنهج القيادة كالجبهتين الشعبية والديمقراطية أو ممن هم خارجها كحركتي حماس والجهاد، أن يعملوا على استنهاض منظمة التحرير والتمسك بالمشروع الوطني التحرري بثقافته وهويته الوطنية وليس الهروب نحو مشاريع بديلة غير وطنية ومحاولة إطلاق رصاصة الرحمة على المنظمة لأنهم بذلك يصطفون إلى جانب إسرائيل وأمريكا.

وفي خضم الحديث عن الانتخابات كان من الأجدر أن يتم البدء بالمجلس الوطني الفلسطيني لإعادة بناء وتأسيس واستنهاض المنظمة لتشمل الجميع وبعدها يتم الولوج بالانتخابات التشريعية والرئاسية، ولا ندري كيف يتم التوافق على انتخابات للشراكة في السلطة ولا يتم التوافق على المشروع الوطني والبرنامج السياسي الوحدوي!؟.

 

إبراهيم ابراش

 

 

عمانوئيل خوشاباتشير الدلائل والأحداث بأن الدول العربية لم توفق في اِنتاج البيئة الملائمة لظهور وتطور منظومة المجتمع المدني مقايسة بالدول الأخرى، بحيث تبين اِن فلسفة تاريخ أركان الدول العربية تمثلت بالحكم الأنفرادي وحاضنة جيدة لتفريغ العديد من القادة السلطويين ، اللذين ساهموا بدورهم في  في بسط  نفوذ دور الدولة والنظام السياسي، دون النظر الى عملية توفير الحقوق والحريات الفردية، وعدم فسح المجال للمواطن كلاعب فعلي مساهم في الحياة السياسية وبناء الدولة. وتبين بأن  المفهوم العربي الى منظومة المجتمع المدني في ظل البيئة المعقدة التي يعمل فيها هو مفهوم بسيط يسوده طابع العمل الخيري من خلال تقديم المساعدات المادية والعينية الى جموع الفقراء، والتي تؤديه بعض المنظمات الخيرية في أبسط أشكالها ذات العلاقة بالمراكزالدينية، القبلية والنخبوية،على سبيل المثال الجمعيات الخيرية الثيوقراطية المذهبية، المؤسسات الخدمية، النقابات العمالية ، الطلبة، ومنظمات حقوق الإنسان الشكلية.

شهدت المنظمات الغير حكومية في الوطن العربي التطور النسبي في نشاطها خلال فترة تسعينيات القرن الماضي، كنتيجة حتمية للفشل الذريع في آداء الحكومات العربية  في مواجهة المشاكل الأقتصادية، الأجتماعية، الثقافية وغيرها، وقد أزدهرت منظومة المجتمع المدني في المرحلة أعلاه في ضوء الحريات النسبية الممنوحة لها من قبل الحكومات، حيث أزداد نفوذها القانوني والمادي وخصصت العديد من الدراسات والبحوث في سبيل فهم طبيعة عمل منظومة المجتمع المدني، ودأبت المنظمات الغير حكومية في المشاركة جنباً الى جنب مع المؤسسات الحكومية في اِنجاز العديد من الفعاليات والنشاطات والتي أستطاعت من خلالها دعم ولو جزئياً مسيرة التنمية في البلاد العربية.

وراهن الكثيرعلى منظومة المجتمع العربية لتكون الطليعة الثورية الديمقراطية الجديدة في الشرق الأوسط، بعد الهزيمة الساحقة للأيدلوجية اليسارية في الوطن العربي، روجت الغالبية من الطبقة المثقفة العربية في تشجيع المواطنين الى المساهمة والعمل ضمن المؤسسات المدنية والأجتماعية الناشطة جماهيرياً، والمتحصنة بالمساعدات المادية، المعنوية والأعلامية من الداخل والخارج، والتي جاءت وليدة الأستراتيجية الشاملة لتعزيز التغيير الديمقراطي التدريجي في البلاد العربية، وكانت كل الآمال معقودة على مايسمى بثورات الربيع العربي في منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ولكن جرت الرياح بما لاتشتهيه السفن، بحيث تلاشت التحولات الديمقراطية في العالم العربي، وانكمشت نشاطات منظومة المجتمع المدني بسبب أستخدام الحكومات العربية الوسائل الأستبدادية منها القمع السياسي، التلاعب بنتائج الأنتخابات، اندلاع الحروب الأهلية وتزايد وتيرة الرهاب والعنف، ومن ثم التدخل السافر والمباشر بآلية عمل وتنظيم المجتمع المدني ووضعها تحت المراقبة الأمنية الدائمة ، وسن العديد من القوانين التي تقيد عمل منظومة المجتمع المدني ، تخفيض وقطع مصادر تمويلها، وتوجيه أصبع الأتهام لها بأنها مرتبطة بالدول الأجنبية، ويمكن ملاحظة نمو بعض مؤسسات المجتمع المدني الداعمة الى القوى الأسلامية المتطرفة والتي وضعت تحت طائلة الأرهاب. ومن هنا أدت العوامل الأخيرة في اِحباط نشاط العديد من المنظمات الغير الحكومية والمنظمات الطوعية بالرغم من وجود بعض الأستثناءات والتي تتمثل بنشاط عدد من مؤسسات المجتمع المدني العاملة في مجال التنمية البيئية والأجتماعية، بحيث لاتشكل خطراً على النظام السياسي العربي .

لذلك يمكن الجزم في عدم وجود أي مجتمع مدني مستقل الأرادة عن السلطة السياسية في البلاد العربية ومنها العراق، بحيث يكون قادراً على فرض اِرادته الحرة في تسيير أعماله ونشاطاته، ما لم تتوفر بعض العوامل والشروط  والتي يمكن من خلالها قيام منظومة مجتمع مدني كفوء وقوي في العراق:

1 – وجب على دولة العراق العمل الجاد في اِرساء مبادئ الديمقراطية القابلة للتطور ضمن محيط عمل عدد من الأحزاب السياسية المستقلة في نهجها وفكرها والغير مرهونة بالفكر الطائفي والمذهبي المقيت، وتؤمن بعملية تداول السلطة، لذلك تبين بأن معيار نجاح أي من المنظمات الغير حكومية ما هو اِلا اِنعكاس الى مساحة الحريات المتوفرة ضمن بيئة العمل، وطبيعة النظام السياسي القائم.

2 – وجب على النظام السياسي تبني مبدأ الشفافية، والقيام بأصلاحات جذرية من خلال تعديل الدستور وتطهيره من الشوائب الطائفية والمذهبية، العمل على الفصل الحقيقي مابين السلطات الثلاث، تعزيز مشاركة المرأة في اِتخاذ القرار ومن ثم اِزالة كافة ملامح التمييز ضدها، قيام بأصلاح حقيقي للسلطة القضائية ومن ثم الأمتثال الى جميع الأتفاقات والقوانين الصادرة من المؤسسات الدولية والخاصة بالمجتمع المدني وحقوق الأنسان، والغاء جميع القوانين التي تقيد من خلالها نشاط المنظمات الغير الحكومية في البلد.

3 – يسهل النظام الديمقراطي في ولادة الطاقات الشبابية والناشطة ضمن اِطار منظومة المجتمع المدني، والتخلص من ظاهرة النخبوية والوراثية المتجذرة في النظام السياسي العربي والتي ألقت بدورها على مجالس أدارة المنظمات الغير حكومية، ومن هنا اِذا أردنا التغيير الحقيقي البناء والذي يخدم المصلحة العامة، بأن تقوم الدولة في ترسيخ مبدأ المواطنة، لكي تستطيع جميع شرائح المجتمع العراقي في المشاركة الفعالة لبناء الوطن.

3 –  يجب ان يتمع المجتمع المدني بالأستقلالية التامة وله الدور الأساسي في صياغة القرارات ضمن محيط الدولة، كذلك رفع التداخل الحاصل مابين القيادات السلطوية و المنظمات الغير حكومية، في نفس الوقت يمكن للأثنين العمل سوية تحت سقف الوطن الواحد والتخلص من ثقافة اِلغاء الآخر.

4 –  تتميز آلية عمل منظومة المجتمع المدني بالعمل الطوعي وأن تلتزم بمبادئ الشفافية وسيادة القانون في مسيرتها العملية، ويتم تقديم مجمل الخدمات بأستخدام أساليب الأدارة الحديثة، وتكون المنظومة مسؤولة أمام أعضائها و جمهورها، والعمل من اجل الحصول على الدعم المعنوي والمادي لأنجاز مجمل المشاريع والتي تخدم المصلحة العامة، دون السعي لتحقيق الأرباح الشخصية الطائلة، ويمكن تقاسم بعض الأرباح مابين أعضائها.

5 – توثيق العلاقات العامة مع المنظمات الغير حكومية الدولية والأستفادة من خبراتها وبرامجها والحصول على التمويل المادي لتنفيذ مشاريعها، اِقامة الدورات التدريبية بكافة ملامحها ونخص منها التثقيفية لرفع وتعزيز مستوى ومهارة العاملين في المنظومة نفسها، يجب تبني الخطاب المناسب لتنمية العلاقات مابين مؤسسات المجتمع المدني والمواطنين، والذي تستند ركائزه على بلورة مفهوم المواطنة و اِيجاد الأطر التي تستند على ألية العمل المؤسساتية الجماهيرية والبعيدة عن الأطر العشائرية والطائفية.

6 – العمل الجدي على دعم حرية الصحافة والأعلام وذلك من خلال ألغاء كافة القوانين المجحفة بحق المؤسسات الأعلامية، وتأمين مستلزمات الأمن الضرورية حفاظاً على أرواح الكوادر الأعلامية، عدم التدخل في عمل وشؤون المؤسسة الأعلامية من خلال حفظ أستقلاليتها، ومن ثم تقديم الدعم المادي والمعنوي لها.

 

عمانوئيل خوشابا

11 كانون الثاني 2021

 

قاسم حسين صالحتحليل سيكوبولتك

تتحدد هذه المحاور الاربعة بكل من:الأحزاب والكتل السياسية التي استفردت بالسلطة والثروة، ومن يمتلك المال السياسي، ومن بيده سلاح خارج سيطرة الدولة، والتشرينيون والشارع العراقي.

ولكل منها نقاط قوة ونقاط ضعف.. ولنبدأ بالطبقة السياسية التي حكمت العراق لاسيما حزب الدعوة الذي استفرد بالسلطة والثروة من 2006، ولاية المالكي الأولى، الى 2018 ولاية العبادي، الذي يتحمل ما حصل للبلاد من خراب ومن افقار لـ 13 مليون عراقيا.ويعدّ امينه العام السيد نوري المالكي هو المسؤول الأول عن الفساد ونهب مليارات الدولارات، وهذا ليس اتهام له بل اعتراف علني منه بقوله (لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها).. وما كشفها خوفا من الخصوم الذين سيفضحون حيتان حزبه.. لو فعل.ونقاط ضعف هذا الحزب والكتل الشيعية كشفتها انتخابات 2018 بنزول نسبة المشاركة فيها دون الـ20% ما يعني أن 80% من العراقيين ادانوا ضمنيا احزاب السلطة، وانها تستحق العقاب. وسيكولوجيا، فان احزاب السلطة تعيش حالة خوف من العراقيين الذين لن يرحموهم ان اطيح بهم، فان خوفهم هذا، وان كان يقنعهم في الخروج باقل الخسائر، سيدفعهم الى استخدام كل الوسائل التي تبعدهم عن السلطة بدءا من الرشى والأغراء والوعود والتزوير وانتهاءا بالتهديد والخطف والقتل.

التشرينيون والشارع العراقي:

تتحدد اهم ايجابيات انتفاضة تشرين بانها احيت الشعور بالانتماء للعراق بشعاريها (اريد وطن، ونازل آخذ حقي)، وكسر حاجز الخوف من السلطة، فضح عمالة وخيانة وضعف وجبن الرؤوس الكبيرة في الدولة، فضح تدخل دول الجوار، احياء قيم اصيلة استهدفتها الحكومات بتحويلها الفساد من فعل كان يعد خزيا الى شطارة، وشعور جيل الكبار بالفخر ان لديهم جيل شباب بامكانهم بناء عراق يوفر الكرامة لاهله ويعيد اعتباره عربيا ودوليا.

وكان متوقعا لأنتفاضة تشرين 2019 ان تطيح بفاسدين وتحول مفاجئات الى يقين لولا فيروس كورونا وسياسة الكاظمي في احتواء المتظاهرين، وعدم وجود قيادة موحدة في تنظيم شامل يجمعهم. ومع ذلك فان الأنتفاضة لم تمت، وان ما خلقته من وعي انتخابي يمكن الرهان عليه اذا ما تحققت معايير الأنتخابات.وتفيد تصريحات لممثلي عدد من تنسيقيات الاحتجاجات انهم على تواصل مع الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي ومنظمات حقوق الأنسان للأشراف على الأنتخابات، ويؤكدون ان التغيير لا يكون بالدعوة الى ثورة مسلحة بل عبر صناديق الأنتخابات.

معايير الانتخابات

المعيار الاول للانتخابات هو توفر الأمن، والثاني هو ثقة الناخب بالدولة .ولقد صرح رئيس مجلس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي في 28/12/2020 بالنص: (أن العراق أمام مفترق طرق، ولن نسمح ابدا بتهديد الأمن والأنتخابات).. ويعني تصريحه هذا تأمين الأمن للناخب وثقته بالدولة في انتخاب من يشاء، وضمان مشاركة أغلبية العراقيين في معادلة معكوسة لأنتخابات 2018. غير ان هذا مرتبط بالمعيار الثالث للانتخابات وهو سيطرة الحكومة على السلاح المنفلت الذي اوصل رسالة مبكرة الى حكومة الكاظمي (بأننا نحن الأقوى). وهذا يضع الحكومة أمام خيارين:اما المواجهة المباشرة او الأحتواء. ولأن شخصية الكاظمي ليست عدوانية ولا تميل الى العنف في حل الصراعات، وخشيته من تدخل قوى اقليمية وحدوث فوضى تفرح لها بعض الأحزاب، فأنه سيلجأ الى استراتيجية الأحتواء، مستعينا بالمرجعية وبقوى سياسية معتدلة على اقناع المليشيات المسلحة، واجراء مفاوضات مع دول اقليمية. وقد ينجح مع بعضها، فيما سيبقى البعض الآخر محور صراع يهدد أمن الأنتخابات ويؤثر على نسبة المشاركة فيها، مع أن قانون الأحزاب لا يسمح للأجنحة العسكرية للأحزاب المشاركة في الأنتخابات.. في مفارقة ان عدد الأحزاب التي ستشارك في الأنتخابات المبكرة(2021) زادت على 400 حزبا فيما كانت 206 حزبا في انتخابات 2018!

وثمة متلازمة بين معيار السلاح المنفلت والمعيار الرابع المتمثل بالمال السياسي.هذا المال المسروق من جيوب العراقيين يمكن ان يتحول الى بطاقات انتخابية تعيد انتخاب من سرق المليارات او وجوه بديله لهم بمسميات جديدة.. ما يعني ان المعادلات السياسية ستكون محكومة بفوضى السلاح والمال السياسي، يؤكد ذلك ما حدث في البصرة التي شهدت حملة انتخابات مبكرة نهاية 2020 اضطرت اكاديميين(14 اكاديميا) الى سحب ترشيحهم، ليس فقط خوفا من سلاح المليشيات، بل ومن سلاح العشائر ايضا!، في مؤشر يشير الى ان تاثير محور المال تراجع لصالح السلاح .. في البصرة تحديدا، فيما يبقى هو الأكثر تأثيرا في الدوائر الأنتخابية التي تقل فيها او تنعدم قوة السلاح.

والمعيار الأخر للأنتخابات هو ضمان حيادية مفوضية الأنتخابات بان يكون افرادها من الذين يتمتعون بالخبرة والكفاءة والنزاهة.. ومستقلين سياسيا، واكمال نصاب المحكمة الأتحادية الذي يشكل عدم اكتماله أهم عائق لأجراء الأنتخابات بموعدها المقرر في حزيران 2021.

والمعيار الأخير لضمان انتخابات عادلة هو الزام المرشحين بسقف زمني للدعاية، وضبط الدعاية الأنتخابية، ليتساوى المرشحون في تقديم انفسهم للناخب العراقي، وبدونها فان من يملك المال السياسي والسلاح سيملك الشارع في دعاية انتخابية تبعث برسالة الى العراقيين بأن نتائج الأنتخابات ستكون لصالحهم.

العراقيون.. سيكولوجيا

يلعب العامل السيكولوجي دورا رئيسا في تحديد موقف الناخب العراقي من انتخابات يتنافس فيها 400 حزبا في ظاهرة غير صحية تعكس حقيقة سيكولوجية ان العراقيين يتوزعون على هويات فرعية (مذهبية، دينية، عشائرية، مناطقية..) على حساب الهوية الوطنية.

ولقد استطلعنا آراء عينة من العراقيين في موقفهم من الانتخابات المبكرة اليكم نماذج منها:

- لا لن اشارك نهائيا، ماكو ثقة بعد. 

- لا اشارك، لان الوجوه الجديدة هي مدفوعة من قبل الاحزاب والقوى السياسية بالرغم من انها تدعي استقلاليتها.

- لا انتخب، لان الاحزاب الحاكمة تسيطر على كل مفاصل الحياة حتى الاحزاب الاخرى التي ستدخل الانتخابات فهي اما متشظية من احزاب فاسدة او لغايات النهب والانتهازية لان الانتخابات تعتبر لديهم موسم حصاد وتوزيع حصص ومغانم في عراق مقسم وضعيف لا يستطيع اهله الشرفاء ان يدافعوا عنه لانهم لا حول ولا قوة لهم، لذلك لن انتخب احدا.

- الانتخابات ضحك على العقول ولهو وابعاد الناس عن اهدافهم الحقيقية.

- انتخب بشروط.. ان يكون هناك اشراف أممي على الانتخابات، وأن لا اشعر بالخوف او اتعرض الى تهديد.

- نعم، سأنتخب مهما كانت الظروف.

تفيد هذه المؤشرات واستطلاعات أخرى ان الذين يمتلكون وعيا انتخابيا هم القلة، تليهم فئة الذين ينتخبون اذا تحقق شرطا الامان والاشراف الاممي، فيما لا يزال الشعور باليأس يتحكم بالأغلبية الذين لا يشاركون (ليقينهم) بان نتائجها ستكون محسومة لأحزاب السلطة ومن يمتلك المال والسلاح.. ولا يدركون ان عدم مشاركتهم في الأنتخابات لا تعني احتجاجا كما يتصورون بل تعني، رياضيا.. احصائيا، انهم يمنحون اصواتهم لمن سيزيدهم فقرا ومذلة.

استنتاج ختامي

مع ان أحزاب السلطة ومعظم القوى السياسية لا ترغب في اجراء انتخابات مبكرة لأنها تعرف انها ستفقد الكثير من امتيازاتها ومصالحها، ولكن على افتراض انها ستجري في موعدها( 6 حزيران 2021) فأن نتائجها ستكون محكومة بثلاثة متغيرات:

الأول: نجاح الحكومة باتخاذ اجراءات خلال الاشهر الخمسة القادمة تجعل الناخب العراقي يشعر سيكولوجيا بالامان في مشاركته بالانتخابات.

الثاني:قيام النخب الوطنية والتقدمية والتشرينية بنشر الوعي الانتخابي بين جماهير البسطاء من العراقيين يدفعهم للمشاركة في الانتخابات لأستعادة وطن يمتلك كل المقومات لان يعيشوا برفاهية وكرامة.

والثالث: التوقف عن اشاعة ثقافة الاحباط التي يمارسها محللون سياسيون ومثقفون، واشاعة ثقافة التفاؤل بأن التغيير لابد أن يحدث وفقا لقوانين التطور الأجتماعي.

والحقيقة المؤكدة ان الانتخابات المبكرة ستشكل انعطافة في العملية السياسية العراقية، صحيح انها لن تكون استثنائية لكنها ستأتي بوجوه جديدة تشكل قوة معارضة في البرلمان، وتعدّ بأنها ستكون بداية لتحويل العراق من دولة محاصصة، الى دولة مدنية حضارية.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

محمود محمد عليربما جمع القدر بالتزامن وفاة روبرت برنشتاين أول رئيس لمنظمة هيومن رايتس ووتش Human Rights Watch، وتقريرها الكذوب عن توصيف الحرب ضد الإرهاب التي تخوضها مصر في سيناء التي استشهد فيها الكثير من أبنائها دفاعاً عنها ضد طيور الظلام؛ حيث كشف تعاطي وتعاون تلك المنظمة مع الأوضاع في مصر، خاصة بعد ثورة 30 يونيو 2013 م كشف عن مدي انحياز وتحيز هذه المنظمة سواء في بياناتها وتقاريرها أو في مواقفها وفي طبيعة من اتخذوه حقيقة من بيانات لا تحدث تماما علي حقيقة الأوضاع علي الأرض وبدأ أن المنظمة تتخذ موقفاً ايديولوجياً منحازاً ضد الدولة المصرية وربما متعاطفا مع بعض التنظيمات الإرهابية، مثل جماعة الإخوان المسلمين .

ففي الوقت الذي يتزايد فيه عدد الدول التي تضع جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب وتحظر أنشطتها، لم تتوان منظمة "هيومان رايتس ووتش" بإصدار بيان يحتوي تحذيرات عدة موجهة للبيت الأبيض وإدارة الرئيس الأمريكي الجديد من خطوة حظر الجماعة في الولايات المتحدة.

إن هذا الموقف أثار علامات التعجب صوب تلك المنظمة الحقوقية الدولية التي دأبت في الآونة الأخيرة الخروج عن نطاق اهتماماتها الأصلية بحقوق الإنسان وتركز اهتماماتها على الدخول في قضايا سياسية بحتة، كما أنه لم يكن الموقف الأول أيضا الذي تدعم فيه جماعة الإخوان الإرهابية.

لا شك في أن "هيومان رايتس ووتش" المعنية في الأساس بحقوق الإنسان حول العالم، تربطها علاقة وثيقة بجماعة الإخوان الإرهابية، بل إن معظم أعضائها والعاملين بها أمريكيون ينتمون للحزب الديمقراطي المعروف بتحيزه للجماعة الإرهابية، وهو ما يفسر بيان التحذير الذي أصدرته المؤسسة للبيت الأبيض الذي يعتزم حظر الإخوان في الولايات المتحدة الأمريكية.

كما أن عددا لا بأس به من الإخوان يعملون في صفوف منظمة هيومان رايتس ووتش كباحثين أكاديميين، ومن الوارد جدا أن يظهر تأثيرهم في بياناتها، خاصة ما كان على شاكلة البيان الأخير المدافع عن الجماعة ضد البيت الأبيض.

علاوة علي أن اتجاه المنظمة شبيه بقناعات جهاز الاستخبارات الأمريكي، على رأسها أن الولايات المتحدة الأمريكية سيلاحقها الخطر إذا ما نفذت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب تهديدها بحظر الإخوان؛ فالجماعة الإرهابية في هذه الحالة ستتجه لتنفيذ الإرهاب داخل الولايات المتحدة أيضا.

والسؤال الآن: لماذا تدافع منظمات حقوقية دولية عن الإخوان؟.. سؤال يطرح نفسه بقوة بعدما دافعت منظمة "هيومان رايتس ووتش" مؤخرًا، عن الإخوان بشكل مستميت أمام الإدارة الأمريكية، لعدم اعتبارها منظمة إرهابية، فهل هذه المنظمات تضع معايير وبناءً عليها تصدر تقاريرها؟ أم أن تقاريرها مغلفة بالقرار السياسى؟ أم أنها هناك تواصل بينها وبين جماعة الإخوان؟.وهذا ما نجيب عنه في مقالنا الثاني من نفس الموضوع.

هناك حقوقيون وخبراء كشفوا طرق تمويل الإخوان للمنظمات الحقوقية الدولية من أجل الدفاع عنها أمام دول العالم، مؤكدين أن مقدار التمويل يصل إلى 500 مليون دولار، وتدشين مركز حقوقى عقب 30 يونيو 2013 فى امستردام للتواصل مع المنظمات الحقوقية لتجميل صورتها.

ففي فبراير 2017، وفي ظل هجوم بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي على جماعة الاخوان وتنظيمها الدولي  قالت منظمة هيومن رايتس إن مساعي الإدارة الأمريكية الجديدة لإدراج جماعة الإخوان المسلمين ضمن قائمة الجماعات الإرهابية سيؤدي إلى مساواتها "خطأ" بجماعات متطرفة وعنيفة مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. واعتبرت لورا بيتر مستشارة الأمن القومي الأمريكي، في المنظمة المعنية بحقوق الانسان، أن تطبيق القرار سيقوض ممارسة الحقوق السياسية لأعضائها في الخارج. وكانت تقارير أمريكية ألمحت إلى استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاتخاذ قرار يعلن فيه تصنيف جماعة "الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا، وإدراجها على لائحة العقوبات الأمريكية أسوة بباقي التنظيمات الإرهابية الأخرى، ما قد يؤثر على علاقات واشنطن بعدة دول من بينها قطر وتركيا. وقالت المسؤولة الحقوقية إنه إذا أدرجت الحكومة الأمريكية الجماعة كمنظمة إرهابية سيتعرض أعضاؤها، وأي شخص أو جهة يُشتبه في تقديمهم لدعم لها في الولايات المتحدة أو خارجها لخطر الإبعاد من الولايات المتحدة كما سيكون هؤلاء أيضا عرضة للاستهداف والملاحقة خارج الولايات المتحدة.

ولذلك وجدنا من اسطنبول إلى نيويورك مرورا بلندن، تتقاطع الدوائر بين عناصر ‌‏الجماعة الإرهابية والمنظمة الدولية، وتحولت العلاقة من الضغط ‌‏بالمظلومية على المنظمة مقابل الاستخدام السياسي من جانب الجماعة ‌‏والتى نسجت خيوطها خلال العشرين عاما الماضية بين المنظمة وقيادات ‌‏التنظيم الدولى فى لندن أنس التكريتى وعزام التميمى، إلى علاقة تحريك ‌‏كامل من جانب الجماعة للمنظمة المدعومة رسمياً من الملياردير ‌‏الأمريكي جورج سوروس صاحب التمويل الأكبر للمنظمة والرجل الذى ‌‏أقسم على تدمير أنظمة الشرق الأوسط السياسية وقبلها إدارة ترامب، ولا ‌‏يخفى سوروس ميله للديمقراطيين فى الولايات المتحدة ويتشارك معه فى ‌‏ذلك تميم بن حمد، وكلاهما جزء من تيار العولمة المسيطر على شركات ‏برامج التواصل الاجتماعي ومعهم جماعة ‏الإخوان والدليل الانخراط ‏الكامل من جانب الجماعة  فى دعم المرشح الديمقراطي جو بادين فى ‏اوساط المسلمين سواء فى امريكا او العالم .

ولذلك وضعت جماعة  الإخوان المسلمين خطة عمل المنظمة ضد مصر والتى تضمنت عددا من ‌‏الأهداف وهى:‏

‏1-‏ الدفاع عن أفراد الجماعة الإرهابية والتشكيك فى محاكمتهم ‏والضغط ‏على الدولة المصرية للإفراج عنهم.‏

‏2-‏ رفض عقوبة الاعدام التى حكمت بها المحكمة المختصة ضد ‌‏العناصر الإرهابية ولا مانع من الدفاع عنهم إذا استلزم الأمر ‏وهو ما تم ‏قبل اعدام قتله الشهيد هشام بركات النائب العام ‏الاسبق.‏

‏3- مهاجمة عمليات التطهير التى تقوم بها القوات المسلحة ضد ‌‏التنظيمات الإرهابية فى سيناء.‏

‏4-‏ تشويه أوضاع حقوق الإنسان بشكل عام بانتقاد اوضاع السجون ‌‏والترويج لوجود حالات اعتقال وتعذيب واختفاء قسرى، وحبس ‌‏للصحفيين.‏

ولإتمام ذلك ليس بالصعوبة التى يتصورها البعض، فالفبركة ونسج ‌‏القصص وصناعة الشائعات منهج إخوانى مستديم، والمنظمة وصلت ‏الى ‏مرحلة غير مسبوقة من التدنى المهنى، وأصبحت تنتظر ما يرسله ‏عناصر ‏الإخوان المتعاونة معها لتضع عليه شعارها وتنشره دون ان تحقق ‏أو تدقق ‏أو تراجع أى جهة معنية فى مصر، ولا مانع لديها من غسيل ‏سمعة أى ‏إرهابى وتحويله الى معارض سياسى، وتدوير نفايات الإخوان ‏لتصبح ‏اتهامات موجهة للدولة المصرية‎.‎

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

..............

1- محمود بسيون: هيومان رايتس ووتش في خدمة الحمدين ‏... مقال.

2- فيلم وثائقي يستعرض أبرز أكاذيب منظمة "هيومن رايتس ووتش".. يوتيوب..

3- انتقادات هيومن رايتس ووتش.. ويكبيديا..

 

عبد السلام فاروقفى 2020 رأينا الصين تطل علينا فى مشاهد تبدو درامية.. أولها فى مطلع العام المنصرم والناس فى ووهان الصينية تتساقط وتهلك فى الطرقات والشوارع، والناس تراقب المشاهد فى قلق وهلع. لا يدرون أن الدور قادم على الجميع، وأن البلاء نقلته الصين ثم ظلت هى تراقب العالَم منذ مارس، حيث تناقصَت الأعداد أو انعدمت ببلد المنشأ، وتفاقمَت فى باقى أرجاء الكون وبخاصة فى البلد التى باتت تناصب الصين العداء السافر..أمريكا.

واتضح أن الصين بها لقاح تجريبى، وأن لقاحها وصل لمرتبة متقدمة من الفاعلية!

ثم ومع نهايات العام أطلَّت الصين ممثلةً فى رئيسها موجِّهاً خطاباً إلى العالَم. مستغلاً ،ربما، انشغال ترامب بانتخابات خسرها ورفض الاعتراف بالخسارة.

كان المنظِّرون والمفكرون وجهابذة السياسة يتنبأون منذ مطلع الألفية الثالثة بقرن أمريكي يتصدره العم سام باقتدار وثقة. ثم إذا بالحسابات كلها تنقلب رأساً على عقب. فالأسهم الأمريكية السياسية والاقتصادية فى تراجع حاد. والأسهم الصينية فى تعاظم وتضخم مخيف. فهل نحن مقبلون على العام الذى يصعد فيه نجم الصين؟

الصين ولغز اللقاحات

إن صراع اللقاحات كشف الكثير من الأمور المدهشة والصادمة.. منها أن التحالفات والمنظمات لم تُجدِ نفعاً، وأن النجاحات جاءت فردية. إما دولة بمفردها كروسيا مثلاً ولقاحها "سبوتنيك5"، أو مؤسسة أبحاث بمفردها كمؤسسة "بيو إن تِك" التى طورت مصل شركة فايزر. فلماذا فشلت منظمة الصحة العالمية التى بدأت منذ مايو الماضى فى جمع مبلغ 8 مليارات لتطوير لقاح، وكذلك تحالف"ابتكارات التأهب الوبائى" الذى دعمته دول الاتحاد الأوروبى؟

بل حتى مؤسسة جيتس، والتحالف العالمى للقاحات والتحصين. ثم الاتحاد الدولى للأمراض التنفسية الوخيمة. كلها لم تصل لشئ فى حين استطاعت مراكز أبحاث منفردة تحقيق النجاح. فهل يعانى العالَم اليوم من أزمة تعاون؟

بعض المنظمات لم يكن لها من هَمّ سوى جمع التبرعات، ومنظمات أخرى تريد إثبات الوجود لا أكثر. لكن حتى تلك المنظمات الجادة فى تحالفاتها الحادة فى حماستها، واجَهت لؤماً من الأحلاف. فالأمر لا يخلو من مكر ودهاء وإخفاء معلومات وسطو على بيانات وحرب معلوماتية لا تعبأ بمعاناة آلاف المرضَى.

وعلى الناحية الأخرى هناك دول استطاعَت بسرعة غريبة أن تصل لمراحل متقدمة من تطوير اللقاح. ومع نهاية العام بات الصراع على أشده لتسويق لقاحات ينظر لها الجميع بعين الشك. رغم ادعاء الجميع بقوة وفاعلية لقاحه! فقد خرجت فايزر تعلن فاعلية مصلها بنسبة 90%، لتسارع شركة مودرنا بعدها بأيام بإنتاج مصل فعال بنسبة 95% ولا يعانى مشاكل تخزينية كلقاح فايزر! ثم إذا بأوكسفورد ببريطانيا تعلن أن لقاحها المنسوب لشركة أسترا زينيكا يوازيهم فى قوته وفاعليته ومصداقيته رغم أن فاعليته لا تتجاوز نسبة 70%. فمن نصدق؟

دعونا أولاً نحاول ترتيب المعلومات ووضعها جنباً إلى جنب: أولاً: نحن أمامنا لقاحات قديمة وأخرى جديدة. إذ أن اللقاحَين الروسي والصينى قديمان، أحدهما منذ أغسطس والآخَر قبله بشهور! ولا تسَل كيف ولا متى تم تطويرهما. فبعض السؤال مجهول الإجابات. بينما اللقاحان الأمريكي والبريطانى حديثان ويتمتعان بدعم عالَمى أكبر وثقة نابعة ربما من توازنات السياسة العالَمية! فماذا عن العِلم؟

تقول التقارير أن الصين بدأت منذ مارس 2020 فى تطوير وتجريب عدة لقاحات.. أحدها لقاح كانسينو بيولوجكس ببكين بمعامل الأكاديمية الطبية العسكرية، واللقاح عبارة عن ناقل فيروسي مستخلص من نمط متطور للفيروس. وتمت تجربة اللقاح بووهان بالصين وبباكستان، ووصل اللقاح للمرحلة الثالثة المجراة على نحو 40 ألف شخص. بعد أن أثبتت المرحلة الثانية نسبة فاعلية وأمان كبيرة مع آثار جانبية متوسطة.

اللقاح الصيني الثانى هو لقاح سينوفارم المطوَّر بمعهد ووهان للمنتجات البيولوجية. وهو عبارة عن فيروس سارس/ كوف2 مُعطَّل. وتم تجريبه فى مرحلته الثالثة بكل من أبوظبي والبحرين والأردن على 45 ألف شخص. ووافقت الإمارات بموجب تلك النتائج على الاستخدام الطارئ للقاح لحماية العاملين بالصحة لديها فى خطوط المواجهة المباشرة.

ثم هناك لقاح سبوتنيك المسمَّى تيمناً بالقمر الصناعى الروسي الأول عام 1957. والذى أعلن الرئيس بوتين أنه فخر الصناعة الروسية، وأنه خطوة هامة لتعزيز النفوذ الجيوسياسي لروسيا! وأن هناك طلبات لتصنيع مليار جرعة من نحو 20 دولة فى مقدمتها فنزويلا والفلبين وبيلاروسيا والهند. واللقاح تم تطويره عن طريق مركز غاماليا الوطنى بموسكو، والمصل عبارة عن ناقل فيروسي لا تنسخى، وطبقاً للتقارير أن المرحلة الثالثة له ناجحة.

أما اللقاحان الأمريكيان: فايزر ومودرنا، فهما لا يحتويان على الفيروس ذاته وإنما على شريط(رنا المرسال-mRNA)، أو على جسيمات دهنية نانوية.

الثابت أن التجارب على الأرض حتى الآن تقول أن الصين ليس بها إلا إصابات قليلة، وروسيا تتراجع فيها الإصابات بينما تتزايد فى أمريكا. فمن نصدق؟

أمريكا تشعر بقلق..

ترامب أعلن فى أول تويتة له بعد حادثة الهجوم السيبرانى اتهامه للصين.. وكان بومبيو قبلها قد أعلن بملءِ فيه أن الخطر الأعظم الذى تواجهه أمريكا هو الصين!

فلماذا انتقلت الصين من خانة الحليف والصديق للعم سام. إلى خانة العدو؟

هل كان الوباء هو السبب؟ أم أن القلق الأمريكى يمتد لبدايات الحقبة الترامبية التى بدأها بإعلان حرب تجارية كبري ضد الصين أثبتت الأيام أن الخاسر فيها كان أمريكا لا الصين! أم أن مجرد النجاح الذى تحققه الصين فى مختلف الأصعدة هو المصدر الحقيقي للقلق. وأن البساط يكاد ينسحب ببطء أو بعنف من تحت أقدام القوة الأولى.

الصين اليوم تتمدد فى كل المساحات التى غادرتها أمريكا، فهل كان هذا ذكاءً صينياً أم غباءً من ترامب؟

ترامب أضعفَ تحالفه مع الناتو،فجاءت الصين فى أزمة كورونا بالمدد للاتحاد الأوروبي. والصين دعّمت منظمة الصحة العالمية عندما عاقبها ترامب بسحب معونته عنها. والصين تمددت فى إفريقيا فى غفلة عن أمريكا وأوروبا. وفى حين اتجه ترامب لتقليل تحالفاته، سعت الصين لتوسيع تحالفاتها فى الجهات الأربعة، وترامب كان مَن أعاد هيكلة قواته وتمركزها، فسحب قواته من أفغانستان وألمانيا والعراق، وأقام أسواراً تفصله عن جيرانه المكسيكيين، وجلب لنفسه كراهية دولية بفضل العقوبات التى يوزعها على الجميع حتى الصين. بينما الصين غداً ستصل بطريق الحرير إلى كل بقعة فى أوروبا والعالَم.

أمريكا محقة فى شعورها بالقلق. فهل باستطاعتها فعل شئ أمام حركة التاريخ؟

2021 والجيل السادس..

فى صراعه ضد هواوى، وحربه ضد تيك توك، هل كسب ترامب الحرب التكنولوجية أمام الصين؟ وإذا كانت الهجمات السيبرانية الأخيرة للمؤسسات الأمريكية التى اتُهمت فيها المخابرات الروسية قد أثبتت تفوقاً للتقنيات الروسية وثغرات فى النظام الأمريكى فماذا بعد أن تنتقل اللعبة للمرحلة التالية، وتنتقل الصين من الجيل الإليكترونى الخامس للجيل السادس؟

سوف يتزامَن هذا مع واقع أمريكي جديد.. كما سيتواكَب مع مرحلة ما بعد كورونا. تلك التى ستحتاج لخطوط إمداد سريعة، فتأتى النجدة ممثلةً فى مصانع صينية ذات طاقة إنتاجية مليارية، ووسائل نقل خاطفة السرعة، وشبكات توزيع عنكبوتية واسعة الامتداد، وتحالفات اقتصادية تضمن تعاقدات بلا حصر.

النجم هذا العام متألق فى سماء الصين التى أدارت ظهرها للصراعات وبحثت عن التحالفات، وهو يخبو فى سماوات أخرى يظللها الصراع وينهكها البحث عن المتاعب!

 

عبد السلام فاروق

 

 

احمد عزت سليمفى إطار الحرب السيبرانىة الغربية يجرى استهداف وشراء واستدراج الأطفال والشباب واستمالتهم حيث أن العديد منهم يعتقدون أنهم أصبحوا ناضجين ورغم أنهم ليسوا على بينة بالمخاطرفي مشاركة معلوماتهم الشخصية وصورهم وفاعلياتهم علنا ومع "مجهول" على مواقع الشبكات الاجتماعية أو مواقع الألعاب، وبما يزيد بقوة من احتمالات فاعليات الأغراض الجنسية .

وعلى الرغم من القوانين الغربية الصريحة فى مواجهة الإباحية والفحش والمحتوى غير اللائق والمواد المسيئة، والتى تمارس فى مجتمعاتها حماية للمواطن الغربى فإنه يجرى التأكيد الدعائى الغربى بحقوق الإنسان الشخصية فى ممارسة الخصوصية والفردانية والحرية والحميمية اليومية فى المجتمعات السيبرانية وحق الوصول والتفاعل غير المحدود والتعبير عن الأحلام والرغبات وبلا حدود، ذلك خارج نطاق دولهم وتدعيم كافة إنتاج ونشر التقنيات والبرمجيات والأدوات والأنشطة الخاصة بالممارسات السيبرانية الجنسية ومن المواقع الموجهة المنتشرة بأراضيها وتحت التوجيه الاستخباراتى الغربى، والدعم الاستخباراتى للجماعات الجنسية فى العالم الآخر واستغلالهم فى عمليات التجسس وتفتيت الواقع والاختراق للأنظمة الوطنية المعارضة والمقاومة للسيطرة الغربية، وفى إطار امتلاك لبرمجيات التحليل والرصد والتصيد واسعة النطاق والتى تسمح لها فى التحكم والسيطرة فى استغلال العملاء .

وأصبحت المواقف الجنسية وانتشار أدوات وأنشطة الجنس مكون أساسى فى ممارسات الإنترنت وضمن الحرب السيبرانية يساهم فى إعادة تشكيل الهوية للمواطن من خلال العلاقات المتبادلة الحميمية فى كل وقت وعلى مختلف أنواع البشر وعلى النحو التالى: ــــ النساء الناشطات جنسيا، المثليون جنسيا في سن المراهقة والكبار، ثنائيي الجنس بالممارسة المفتوحة الشائعة أو الخاصة، والبعض  من الناس مع شركاء متعددى الجنس، لجزء من الوقت أو العاملين في مجال الجنس بدوام كامل، والتعلم وتبادل المناقشات والخطابات ونشر المعلومات، وعمل بروفات للممارسات، ونشر وسائط بيع الجنس من أجل المال ووسائط الجنس الطوعى وتبادل الخدمات الجنسية، وتشكيل المجتمعات الجنسية الجديدة العامة والخاصة، واستهداف تسييس الجنس فى الأقليات والمناطق الحدودية والأقاليم التى تطالب بالانفصال وفى التجمعات الشعبية وتستهدف هذه العمليات ضرب وحدة الأوطان وتغيير العقول والاستيلاء عليها والتحكم فيها وتوجيهها، وخلق أجيال جديدة لا تعرف قيمة الوطن ويسيطر عليها القلق والخوف وعدم اللامبالاة والخضوع والفردانية والذاتية ووصولا إلى تسييد الأدمان الجنسى الرقمى  .

وكما يجرى من أجل ابعاد المجتمع عن الواقع القهرى السياسى المعاش، استهداف استخدام مقاهي الإنترنت ومايطلق عليه فى مصر "السايبر" عن عمد لاستدراج الأطفال والشباب لأعمال مخلة بالآداب، ومع انتشار خدمات الاتصال عن بعد وتقديم المقاهى لخدمات الإنترنت اللاسلكية وإقامة مقهى إنترنت إفتراضى  virtual internet cafeوحيث يتم استخدام حواسب المقهى عن بعد عوضا عن حاسوبه الشخصى ويبقى المستخدم مجهول كلياً بينما يحمي حاسوبه الشخصي من الملفات الخبيثة وملفات التجسس والفيروسات، ويمارس مايريده بكل حريته ورغبته وبدون إثبات للشخصية وبدون إحراج وبعيدا عن الرقابة العائلية وبدون معاييرها القيمية والأخلاقية،  ومما يجعلهم يتعرضون إلى مخاطر عدة منها: ــــ

ــ الوصول إلى محتويات مؤذية وغير شرعية .

ــ عمليات الابتزاز والاحتيال على الإنترنت .

ــ التشهير، سوء استخدام البيانات الشخصية وانتحال الهوية .

ــ مواد إباحية للراشدين .

ــ استغلال الجنسي الأطفال .

ــ التحرش والاستمالة لأغراض جنسية .

ــ المقامرة، الإدمان على ألعاب الإنترنت .

ــ إغواء الأطفال والشباب للقيام بشراء، بيع أو مقايضة مواد مؤذية ومسيئة لهم (مثل المخدرات، المواد الإباحية) .

ولا تقتصر الحرب السيبرانية فى هذا الإطار بل تمتد إلى تسييد وزرع المخدرات الرقمية والتى تعنى طبقا لاكتشاف عالم الفيزياء الألماني هنريش دوف علاجا عام 1839م يفيد أن تسلط ترددين مختلفين عن بعضهما في كل أذن من شانه معالجة مرضاه النفسيين المكتئبين والقلقين، وهذا ما يتطابق بالضبط مع تعريف " المخدرات الرقمية "  والتى  تعنى ملفات صوتية يتم تحميلها عبر مواقع انترنت عالمية معروفة، أو من خلال رسالة بينية وهذه الملفات الصوتية بها نغمات حيث يسمعها الانسان في كل أذن بتردد مختلف، ويعادل الأثر الذي يتركه الملف الأثر ذاته من تدخين سيجارة محشوة بالحشيش أو تناول جرعة من الكوكايين، ولها ذات تأثير المخدرات والجنس والرعب .. " ومع التطورات التقنية ووصولها إلى مستويات التعامل مع كافة حواس الإنسان أصبحت المخدرات الرقمية تعنى السيطرة على الإنسان وتغييبه عن واقعه تماما ومن خلال الملفات الصوتية والبصرية  والتى يتم تحميلها عبر مواقع إنترنت مباحة ومشاعة وسرية، متعددة المستويات فى الفضاء السيبرانى عالميا وقوميا ومحليا ويجرى تقديمها وتسوقهاعلىأنهاآمنةوشرعية، أو من رسائل بينية وهذه الملفات الصوتية والبصرية بها نغمات وصور وكليبات وفيديوهات يستخدمها المستخدمبكل حواسه وبترددات ومستويات مختلفة، ومع رخص أسعار التقنيات الرقمية وتوفرها بتقنيات عالية المستوى انتشرت وتنوعت عملية المخدرات الرقمية لتشمل إدمان كافة الاتصالات الصوتية والبصرية والحركية وفاعلياتها، وتوفرها مع تقنيات المحاكاة الافتراضية والعملية الحركية والبصرية، ولم يعد مشهد السماعات والنظارات والكليكات الرقمية غريبا مع الإنسان فى عمله ومدرسته وجامعته وتسوقه وأثناء طعامه وحتى  أثناء دخوله الحمام لقضاء حاجاته أو مع نومه وحتى فى أماكن العبادة، ويبلغ الأثر الذى تتركه المخدرات الرقمية ذات آثار التغييب والانسحاب وعدم الوعى والذى تحدثه المخدرات المعتادة، يذكر مدير إحدى هذه المواقع الإلكترونية:  " إن عدد المدمنين المسجلين في موقعه يصل الى 7000 آلاف مدمن من بينهم ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 10 - 14 سنة من محافظة بغداد لوحدها ... ثم وصل العدد إلى 25000 ألف لاحقا " .

وفى إطار الحرب السيبرانية الجنسية والمخدرات الرقمية ومن خلال تقنيات الخداع والتصييد والمراقبة والتسجيل وتقنيات دمج وتركيب الصورة والحركة لخلق واقع جديد، فإنه يجرى استخدامها كتكتيك للحرب النفسية السيبرانية وذات أهداف استراتيجية تتمثل فى إذلال المعارضين والمقاومين السياسيين المعارضين للأنظمة ودفعهم للإستسلام والخضوع وترهيبهم وتشويه الحركات الوطنية المعارضة والانتقام منها وتحطيم روحهم المعنوية .

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

باسم عثمانهذا العنوان ليس من وحي افكاري، بل هو عنوان لصحيفة أمريكية كبرى عنونت به مقالتها الأخيرة، لم حصل ويحصل داخل المجتمع الأمريكي واستحقاقات "ديمقراطيته"، خصوصا عشية الهجوم الرعاعي والغوغائي على مبنى الكابيتول الامريكي"الكونغرس"، والذي من المفترض ان يكون رمزا للديمقراطية الشعبية وعراقتها واعرافها!!.

لذلك، نحن نقول، ان حقيقة القُبح في الديمقراطية الخارجية الامريكية يقوم على:

- مصادرة قضايا الشعوب العادلة وحقوقها المشروعة وابتزازها سياسيا (بالفيتو الأمريكي وصفقاته).

- التدخل السافر والوقح في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة كاملة، بهدف تركيعها وابتزازها، لتتوافق مع المصالح الامريكية والإسرائيلية.

- الحصار والتجويع والعقوبات الاقتصادية وسن قوانينها الإجرائية، كشكل من اشكال الحرب الاقتصادية الظالمة على الشعوب في لقمة عيشها.

- صناعة وتجهيز الإرهاب الدولي والعابر للقارات، ودعمه ماديا ولوجستيا، والاشراف على حمايته وتنقلاته حسب الطلب والمصلحة، أمثال: (إسرائيل وداعش والقاعدة وقسد... وغيرهم كثير).

- صناعة القتل البيولوجي والجرثومي، كشكل من اشكال إعادة انتاج نظريات وفلسفات (بنتام وجون ميل ونيتشه وفوكوياما وغيرهم) من مُنظّري فلسفة المنفعة الشخصية والمجتمعية الانانية، وها هو ترامب يمثل الأصولية العالمية الجديدة وفلسفتها المستحدثة.

- سرقة ونهب ثروات القارات السوداء والبيضاء من خلال انتاج أدوات الاحتلال والوصاية الحديثة "للديمقراطية الامريكية والغربية" عموما، وعلى سبيل المثال لا الحصر: تعتبر فرنسا من أكبر الدول لاحتياطي الذهب في العالم، وهي لا تمتلك مناجم للذهب؟!!! عفوا... مناجمها موجودة في مالي ودول افريقية أخرى؟!!!.

اما حقيقة القبح في الديمقراطية الامريكية الداخلية فيقوم على:

- التمييز العنصري بكل تلاوينه، بغض النظر عما هو مكتوب في دساتيرهم وقوانينهم.

- انتاج وتمويل منظمات نازية وفاشية جديدة، للانقضاض على ما تبقى من الديمقراطية المزيفة.

- تحويل وزارة الخزانة الامريكية وصندوق البنك الدولي الى عصا غليظة، في الابتزاز والضغط والتجويع والحصار لمن يخالف مصالحهم وسياساتهم.

- بناء وتشييد العوازل والجدران والاسيجة الاسمنتية، في وجه المهاجرين الملونين، وتشريد العائلات المهاجرة بين داخل الجدار وخارجه، وهذا المفهوم الأمريكي الامثل لحقوق الانسان!!.

لكل من يتغنى بالديمقراطية الامريكية والغربية... هذا وجههم القبيح...

لكل المثقفين المتسلقين والسياسيين المصابين بعمى الألوان، والمغتربين عن اصالتهم الفكرية من "الحظيرة العربية والشرق أوسطية"...، هذه الحقيقة القبيحة لديمقراطيتهم باعتراف ساستهم ومثقفيهم، وليس اعترافي انا...

وعلى رأي المثل " اهل مكة ادرى بشعابها"...

 

د. باسم عثمان

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن الصراع الإعلامي بين بشارة وخنفر، وهنا نقول:  بدأت المشاريع الإخوانية تنهار واحدا تلو الآخر، وكانت بداية الانهيار متمثلة في إغلاق مشروع " هافينغتون بوست عربي" ، بعد ضخ ملايين الدولارات فيه، وقد تلي ذلك هبوط حاد في معدلات المشاهدة لقنوات الإخوان، وهو الأمر الذي استغله عزمي بشارة لتوجيه ضربة جديدة جعلته يفوز بالجولة الثانية.. فماذا حدث ؟.. وكيف وصلت الخلافات إلي تراشق علني بالألفاظ وخناقات علي الهواء.. ولماذا انقلبت أذرع قطر الإعلامية علي بعضها البعض؟.. وهل هناك صراع خفي يجري داخل أروقتها ؟.. كيف فضح هذا الصراع طريقة عمل الإعلام الممول من قطر ولجانه الإلكترونية؟.. وهل هذا الصراع حقيقي أو أنه مجرد استجداء للحصول علي مزيد من التمويل؟..

يقال دائما بأنه عندما تسوق بضاعة فليس من الضروري أن تقتنيها، فكما نعرف كثيرا بأن مروجي المخدرات قد لا يتعاطون المخدرات ذاتها وقد يكون عزمي بشارة أبدع في الترويج لأفكار لا يستطيع أن يتبناها أو ينفذها علي أرض الواقع وجميعنا يتذكر أن عزمي بشارة حينما كان يدعي أنه مع ما يسمي بمحور الممانعة مع حزب الله وبشار الأسد، وكان يتلقى تمويلاً قوياً ومهماً من حزب الله، وهذه احدي القضايا التي أثيرت حوله عندما كان ممثلا للفلسطينيين في الكنيست الإسرائيلي، وهو قد هرب من إسرائيل لذلك , وجميعنا يجب أن يتذكر هذا الطريق وكيف انقلب علي مموليه الأولين.. عزمي بشارة يملك حلم الفكرة، ولكنه غير قادر علي استثمارها الفكرة علي الأرض.. وهو دائما ما يبحث عن ممول لكي تستمر الفكرة ذهنياً علي الأقل، وهو يملك أذرع إعلامية قادرة علي بث الأفكار، وقادرة علي التوصل، وقادرة فهم عقلية الغرب، وماذا يريد الغرب وماذا يتمني ؟.. قادر علي مخاطبته؟.. ويجب أن نعترف أيضا عزمي بشارة قادر علي أن يخلق مجموعة من الأتباع المخلصين وبالتالي فهم قادرين علي الترويج له وقادر علي بناء نموذج جميل دون أن نري حقيقية هذا المشروع علي الأرض.. أيضا أن قرب عزمي بشارة من الأمير تميم يساعد في تقديم صورة مختلفة للأمير تميم لدي الغرب علي أساس أن هناك ذراع ديمقراطي يفكر داخل القصر، وهذا في حدا ذاته يمثل سلعة يمكن أن تشتري بمبالغ طائلة .

إن المسألة أقدم وأعقد حيث إن النزاع علي التمويل بين جناحين كلاهما يمول من قطر.. جناح عزمي بشارة وهو جناح كبير حيث إن الرجل مقرب من الأمير تميم وهو صديق شخصي له ومستشاره وهذا الجناح يري أن هناك المسألة التي يقوم بها الإخوان المسلمين من الناحية الإعلامية ضعيفة بشكل كبير جدا وقد فشلوا فشلا ذريعا في الحشد وفي القدرة علي حشد الجماهير وهذا التمويل ضخم عليهم وكل قنواتهم فاشلة ولا بد من طرح ما يسمي بالدمقرطة الإسلامية والإستعانة بالقوميين  واليساريين وبكل الفئات في هذه الفترة وكل هذا الجهد عليه أن ينقل بطريقة ناعمة إلي العاصمة لندن وعبر شركة فضاءات ميديا..

والجناح الثاني هو الجناح الإخواني والممول أيضا من قطر وعلي رأسه وزير الخارجية المقرب وهو حمد بن جاسم، وهم يرون أيضا في الناحية المقابلة أن جناح عزمي بشارة هو جناح ينفق الكثير جدا حيث أنهم في لندن يتمتعون بميزات هائلة جدا داخل لندن وهذا يؤثر عليهم تأثيرا كبيرا ويرون أيضا فشلا كبيرا لدرجة أنه وصلت اتهامات بين الفريقين تتعلق بالأخلاق ونشر صور في بعض الاوتيلات والفنادق وغيرها..

إذن المسألة تتعلق بجناحين يتنازعان علي التمويل ومن ثم فالإخوان المسلمين ظهرت في الصورة في الستة أشهر الأخيرة لعمل اجتماع كل في اسطنبول حول المسألة الإعلامية الإخوانية ماذا يجري.. لقد فشلنا خلال الأربعة أعوام الماضية.. ماذا نفعل.. ارتأوا في هذا الاجتماع أنه لا بد من نقل قناة العربي التي يشرف عليها عزمي بشارة إلي الدوحة وتحويلها إلي قناة إخبارية من داخل الدوحة وإغلاق هذه القناة التي يشرف عليها عزمي بشارة إلي الدوحة وتحويلها إلي قناة إخبارية داخل الدوحة وإغلاق هذا الجناح بكل أدواته الإعلامية، وقدموا تقارير إلي الدوحة بهذا الشأن.. وهذا أثار عزمي بشارة وفريق العمل معه .

إذن التياران اللذان ينتميان إلي القصر الأميري في قطر، احدهما تيار علماني بقيادة عزمي بشارة، وتيار إخواني بقيادة وضاح خنفر، ولكن للأسف هناك انقسام في التيارات الإسلامية – الإعلامية بحيث أنه لا يوجد لها مرجعية واحدة.. في الحقيقة الملف الإعلامي المصري للإخوان المسلمين المرتبط بقطر والمرتبط بالمخابرات القطرية.. في حين أن الملف الإعلامي الخاص بالإسلاميين في ليبيا مثلا مرتبط بوزارة الخارجية، وهناك مشهد آخر لوضاح خنفر، ألا وهي الأذرع الإعلامية الأخري وبالتالي فإن قناة الجزيرة هي منفصلة إعلاميا في البعد الإسلامي، في حين أن مركزية القيادة للتطور العلماني داخل الإعلام المتابع للقصر الأميري – القطري هي قيادة موحدة تحت قيادة عزمي بشارة مباشرة.. وكانت فكرة المشروعين في الأساس أن المشروع العلماني الذي يقوده عزمي بشارة هو المشروع القابل للتخاطب مع الغرب لبناء تصور علماني مختلف وقيادات علمانية في المنطقة العربية مرتبطة بالغرب..

في حين أن المشروع الإخواني هو مرتبط في المنطقة ويمول الإعلام الخاص بالمنطقة لتدجيج الشعوب في المنطقة نفسها، وبالتالي عندما فشل المشروع الإخواني بدأ يبحث عن دور جديد له ن وبدأ التصادم له منذ ما يقارب العام ونصف تقريبا بصورة بين علنية وخفية.. ولكن بالتأكيد لا يوجد قيادة موحدة للإعلام الإسلاموي داخل المشروع القطري حتي هذه اللحظة.. وهناك تنافس بين عدة جهات.. ولأجل ذلك يريدون أن ينقضوا علي مشروع عزمي بشارة وأخذ الحصة الأكبر منه.. وهذا يعني أن هناك صراع داخل الأذرع الإسلاموية نفسها حول التمويل والدور في الوقت ذاته .

ولذلك علينا أن ندرك تماما أن هناك مشكلتين: الحصة المالية والدور الذي يلعبه.. في الحقيقة أنه لا توجد قدرة عند وضاح خنفر للتقرب أكثر للأمير تميم.. في حين أن عزمي بشارة من المقربين جدا للأمير بينما جماعة الإخوان المسلمين القابعين في تركيا كانوا أقرب إلي حمد بن جاسم.. فالتنافس اليوم أن هناك تصور جديد لدي بعض مراكز صنع القرار في المخابرات القطرية والتي تري أنه يجب تقريب المشروع الإسلاموي للأمير تميم في مواجهة مشروع عزمي بشارة لاعتقادهم أنه لا ينجح ولا يمكن أن يحقق النجاح الذي يريدونه.. في جميع ذلك يمكن أن نشهد في الخلفية بأن هناك صراع جديد داخل التيارات الإسلاموية – الإعلاموية.. هناك رغبة في صعود الشباب في مقابل ما يسمي بالشيوخ، لأنهم يرون أن يأخذوا دورا خاصة بعد أن أخذ الشيوخ قد أخذوا فرصتهم ولم ينجحوا كما يجب وبالتالي هناك محاولة لأخذ أدوار جديدة..

إذن كما هو واضح أن هناك صراعا بين القوميين والإسلامويين.. والسؤال الآن هل هناك تخوف لدي الإخوان المسلمون من غياب حمد بن خليفة وضعف حمد بن ثامر وبالتالي انفراد عزمي بشارة بتميم وغياب المشروع الإسلاموي الأمر الذي أدي بهم إلي توثيق علاقاتهم بالاستخبارات التركية..

والسؤال الآن: كيف يستطيع أن يعمل عزمي بشارة بهذه الألة الإعلامية وبهذه الدعم الكبير من تميم مروجا للديمقراطية أو المشاركة في الحكم وهذه المفاهيم السياسية التي تدعو للحريات.. بينما هو يتلقى الدعم من حاكم لا توجد لديه أدني مقومات الحكم الديمقراطي.. كيف يمكن له أن يقنع الناس بهذه المفاهيم وهو مدعوم من هذا النظام الدكتاتوري المغرق دائما في الفتن والمشاكل حتي مع جيرانه؟.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.............

1- أنظر: نيران صديقة | أذرع قطر الإعلامية.. صراع وتخوين.. يوتيوب..

2- معركة الإعلام القطري كيف بدأ الصراع؟ (القصة الكاملة)  الجولة الأولى بين عزمي بشارة ووضاح خنفر.. يوتيوب..