 قراءات نقدية

محمد يونس محمدالشعر موضوعة الميتافيزيقا وليس موضوعة حقيقة العالم حتى ولو اتصفت بها، وسأبدأ بفكرة حرجة عن فلسفة الشعر، فهي جنحة مخلة بالعقل، لكن لا تحتمل المعاينة والبيان، فليست هي تكشف كما الوقائع، ولا تعرف كما المشهودات حتى وإن انتمت اليها، فالشاعر ليس الشخص وانما ذلك الكائن الذي داخل الشخص وربما حتى من الممكن أن يحتجّ عليه، فمن يرى بعينيه ليس كمن يرى ببصيرته، لذا فالشاعر لا علاقة له مباشرة مع التاريخ كما شخصه يرتبط بها بشكل مباشر، والشاعر صراحة لحظة كونية متفردة، وما اقصده بالشاعر ليس ذلك من يكتب النص الشعري بل من يعيشه، والفارق لدينا يماثل شكل الحياة الذي نراه مباشرة ومضمونها الذي نتأمله ونشعر به، فالشعر كما عبر عنه الفلاسفة وماركس واليوت بوصفهما شعراء بأنه ذلك الوهم الذي يستبد بنا، وجميعا في بعض الأحايين نحتاج ذلك الوهم أو نتوسم بلا الوعي أن يستدرجنا نحوه لندخل في عدم الوجود، وليت لنا مقدرة الشاعر الذي يبتكر من ذلك الوهم وجوده الأخّاذ، وليت كل ما في الشعر من معانٍ أن تستبدل المعاني الشخصية الفاقدة للإثارة، ولكن تملك أن تتكرر على الدوام في وجودنا البشري المعتاد، ولنواجه الشاعر الحقيقي ونبحث في اركان عالمه، ومن الطبيعي لن نجد ما ندركه الا في بعض الجمل الشعرية او المفردات، والشاعر يحيى السماوي بجدارة وخفة وثقة يدخلنا الى عوالمه الشعرية في عنونة ديوانه الصادر من دار الينابيع – جرح أكبر من الجسد – والتي قلبت القانون الفيزيائي رأسا على عقب، ولمحت لنا من جهة اخرى على طبيعة وطور ذلك الوهم الجميل .

اذا كان هناك قانون للشعر عدا الوزن او النحو المصاحب له، فذلك  ليس سوى تبرير غر راجح ، والشعر قد قلب كل القوانين الجوهرية لصالحه، وعلى وجه الخصوص لمغادرة الادراك العام والخروج منه، واللحظة الشعرية للشاعر ليست الموجود بل هي الوجود بحد ذاته، فالموجود من الممكن أن يتمثل بالشخص او المظهر البشري للشاعر، وإحاطة الشاعر بعوالمه المنتجة من تحفيز الذاكرة او من خلال تطور الوعي جوهريا، ففي مقطع من القصيدة الاولى يحلُّ الإلتباس بدلا من الادراك والتحديد .

ربنا

قد اظلمَ الصبحُ

فلا نعرفُ

هل أنَّ ملاك العدل في القفطانِ

أم إبليسُ أخفى في الجلابيبِ

غلامهْ

التفسير الجوهري للشعر لا يتصل بالمفاهيم العامة للحياة، وانما يكون اتصاله بما يتيح الخيال الادبي في الشعر من معان، فالمستهل فيه خرق لقانون الطبيعة، وعندما يظلم الصبح يعني ثمة اختلال في الكون، وهذا الكون ليس الذي نعيش فيه، حيث الصبح يوميا يـتألق بالانكشاف الأوسع في الوجود المظهري، وذلك الخرق  لا يملك القصد في ذم النواميس او الجرأة على قوانين الطبيعة، بالقدر الذي استعار في عوالم الشعر تلك الصورة الشعرية المتناغمة الإختلافات، والتي كانت على خلال السائد الشعري الذي نجد فيه الاهتمام بتجميل الذات او تضخيمها بالشكل الذي يجعل الشعر لعنة وجحيم ذوق وأسف تلقٍّ ، والشعر الحقيقي ليس الحقيقة التي نعيش وندرك بل تلك الايهامات النابعة من اقصى الروح، كما في النصوص الشعرية في ديوان – جرح أكبر من الجسد – والذي أثبت فيه الوعي الشعري أنه يمتلك حسا انطولوجيا، فمن الوعي الملتزم بالوزن والقافية في قصيدة العمود الى النقيض المفهومي في قصيدة النثر، وهنا يكمن استيعاب الوعي والذات لتلك الانطولوجيا، وبنية النص الشعري والشاعري ايضا بتراكب ظاهري وجوهري، فالظاهري في موقف معلن، وأما الجوهري فهو ذلك الايهام والوهم الانفعالي الحساس أساس مضمونه، وفي نص – حوار- التي توهمنا عنونتها بأن هناك اشارة الى حوار، وذلك الحوار لا يتحقق إلآ بمواجهة الشاعر لذاته .4081 جرح اكبر من الجسد يحيى السماوي

- صاحبةَ السيادة الخوذةَ

إنَّ الارض قد ضاقت..

فأين نغرس البذورْ ؟

هناك تسلسل للمعنى بتدرج شاقولي ليس بسمة افقية، والمعنى لا يبادر إلآ بعد تحقق الفعل الدرامي داخل بنية الشعر، والذي تحقق في السؤال، وذلك السؤال لا يرتجي اجابة وهو شكل الجملة الاخيرة في المقطع، والتي هي لحظة فاصلة بين الوجود الشعري وبين ما يميل فيه الزمن الى العدم الوجودي داخل مفهوم الوهم والإيهام، وتلك الاعتبارات الحسية للشعر، والتي نضعها في اطار فلسفي ازاء الوجود الشعري ومفهوم الوهم الشعري في عدمه الوجودي، والذي نراه ليس وفق رؤيا هيدغر، فالميتافيزيقا اذا كانت تمثلت في نص شعري فهي ليست استجابة للعدم، بل لما تحفز الذاكرة ، ففي المقطع الشعري هناك مثابة للسؤال عبر المشهود، ففي المبصور الشعري يكون غرس البذور داخل كيان النص وعلى صفحته البيضاء وليس في المشهود العام، ففي النص ومثاله الشعري يوجد وجدان انفعالي وليس ذات بشرية ، فالأرض اذا كانت بحجم خوذة فذلك المجاز الشعري وإيهامنا وليس القصد العام المدرك، وفي النص – الخروج من جبة الأمس – والذي عبر العنونة أعطانا انطباعا عن مفهوم جدلية الشعر والتاريخ، وكما علينا أن نعرف أن الشعر يتصف بالآنية ولا يتصف عبر التاريخ حتى لو تحقق ذلك .

التي قد منحتني

من سلالاتِ القوافي ولدا

*

وأحالتْ جسدي روحًا

وروحي جسدا

في تفسير  الضمير الداخلي للشعر في ذلك المقطع لابد أن نفصل اولا بين الروح والجسد، فالروح غاية فيما الجسد وسيلة، واذا نحن في الواقع نتصل مباشرة بالروح من خلال الجسد، فنحن نحيل المقصد الى امتيازات الفكر المادي، وهذا يتعارض مع المفهوم الشعري والإيهام والوهم، وفارق كبير ما بين أدلّك مباشرة الى الحقيقة عبر الجسد، وبين أن اقودك الى الحقيقة عبر تنشيط عقلك بالإيهام والوهم، ونشر الجسد على حبل الروح في الشعر أيسر بكثير من نشر الروح على حبل الجسد، الا اذا استحالت الروح القميص المناسب، والفعل الشعري الذي يقوده البعض عبر ذاته ليفسد مفهوم الشعر، لكن في الاطار الموضوعي لابد أن يكون الشعر غاية وليس وسيلة، ولكن سيكون الغاية المرجوة لمشاعرنا واحاسيسنا، ونحن من خلال الاحساس الشعري نوازن بين حقيقتنا البشرية وحقيقتنا الحسية، ولابد من المحافظة على تلك الموازنة، والتي لا ننكر احيانا قد صعد انفعال الشاعر في العلة التي تستوجب إعادة إنتاج تلك الموازنة من جديد، ففي قصيدة – برج الحوت وبرج الجدي - هناك استعارة حدادة الانفعال، وتسعى الى قلب التوازن على رأسه، وهي بنفس احتجاج اخرس واقعا لكن في داخل النص يصرخ عسى أن يسمعه الرب الأكبر، ويغير تلك المعادلة الى ما هو يجعل النسب اكثر قناعة وبصيغة مقبولة، لكن يبقى ترسيم الفكر الفلسفي للأمور لا ارادة لنا فيه الا تلك الارادة المعنوية المعتبرة نوعيا، والتي لا اثر لها في وجودنا البشري الا بالتضحيات الهمامة ونصوص الايثار البشرية .

الحوتُ وحدُهُ  بأرض نخلةَ

الناسوتْ

وإنه الحاكمُ  في شريعةِ

اللاهوتْ

*

ووحده الجديُ

عليه البحثُ في الصحراءِ

عن ماءٍ

وعشـبِ الـقُـوتْ

لقد قدم لنا المقطع فلسفة انحسرت بعد ظهور الفلسفة الحديثة الموضوعية اكثر مما كانت الفلسفة قبلها تتصف بالعقلية، وبعد تعيين فلسفة المقطع الشعري، وفي ندرة تفسيرية قدمها لنا المقطع الشعري، لا نجد لها في أفق الواقع من مثيل او دليل، وقد صاغ النص تلك الشفرة المعلنة بتعابير فلسفية، البست الشعر ثوب اللاهوت، وجعلته ذلك المقدس المعنوي او الضمير الروحي المفعم بنقاء ليس مثاليا بل موضوعيا، والتجربة الجديرة عند الشاعر يحيى السماوي في ديوانه – جرح اكبر من الجسد – ونصوصه الشعرية .

***

محمد يونس محمد

حسين علي خضيرتتمتع الكاتبة الروسية المعاصرة ليودميلا أوليتسكايا بسهولة سرد الأحداث، ولكنها احيانا لا تترك مساحة لأبطالها في الدخول في حوار ملموس وجدل عميق، لعلها تفعل ذلك عن قصدٍ ودراية، فتطلق لخيالها الواسع والحذق يتلاعب بأقدار أبطالها، لذلك نجد فعل (كان) يحتل مساحة كبيرة في هذه الرواية وفي مخيلة الكاتبة.

تدور أحداث هذه الرواية في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، تقدم لنا الكاتبة فتاة اسمها صونيتشكا تحب الأدب حبا جما، تغير كبير يطرأ في حياة صونيشكا، حين تتزوج من الشاب الرسام روبرت فيكتوروفيتش، وتعاني معهُ صعوبات الحياة، وبعد ولادة الطفلة (تانيا) تشق السعادة طريقها في حياتهم وتكبر تانيا المحبة لنفسها، الا أنها لن تدوم تلك السعادة بسبب قدوم صديقة ابنتهم (ياسيا) وهي فتاة جميلة ويتيمة ويمكن القول بأنها طارئة على حياتهم. كانت طيبة صونيتشكا هي من سمحت لتلك الفتاة الدخول إلى حياتهم، وكانت السبب الرئيس في جعل زوجها يهملها ويمارس الجنس مع تلك الفتاة اللعوبة التي أغرتهُ ببياضها الساطع وجمالها الفاتن، وفي نهاية القصة يموت زوجها على صدر تلك الفتاة اللعوبة التي احتضنتها صونيتشكا واعتبرتها بمثابة ابنتها (تانيا).

4068 صونيتشكابعد هذه المقدمة البسيطة حول الرواية، سوف لن اتحدث عن أبطال الرواية، بل عن الكاتبة من خلال نصها هذا، لان نصها ملغوماً بالمفاجئات النقدية، والسؤال المفروض الذي يطرح في هذه الرواية: ماذا تريد أوليتسكايا أن تقول لنا ما بين سطور هذه الرواية؟ ببساطة، لأبد أن اشير إلى نقطة مهمة وجوهرية في هذه الرواية، ان الكاتبة لا تخفي مشاعرها في هذا العمل، ويظهر صوتها جليا في نصها، بل من الممكن أن نطلق عليه (خروج عن النص) أن صح التعبير، لذا سأقتبس بعض من نصوصها لتكون شاهدا على حديثي هذا، تقول الكاتبة: " لم يكن (روبرت فيكتوروفيتش)، الذي تغذَّى على خبز الحرية الباريسي، قادراً حتى على أن يتخيل نفسه وهو يعمل عملاً احترافيا في وظيفة لدى الدولة الممُلة والكئيبة، حتى لو استطاع التصالح مع تعطشها الغبي إلى الدم وكذبها الخالي من الحياء. "ص 47، المقصود في هذا الاقتباس السلطة السوفيتية، وهنا الكاتبة لا تدع أحد أبطالها يدلو بدلوه بطريقة عفوية، فكانت هي المُعبر عما يدور في خلجات نفسه، بل هي من تصدر الأحكام على كل حركة في هذه الرواية، وكأنما أطلقت العنان لحريتها التي كانت تفتقر لها في زمن السلطة البلشفية، لذلك هذا العمل رأى النور بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، فلم تقف إلى هذا الحد، بل حددت موقفها من الفترة التي عُرفت بذوبان الثلج بكل وضوح، فتقول: " انجذب غريبو الأطوار هؤلاء جميعهم، بعد أن كشفوا عن أن نفسهم في بداية (ذوبان الثلج) المُخادع " ص57، هذه الأحكام المقصودة التي اوردتها أوليتسكايا بنصها هذا لم تأتي من فراغ ، بل جاءت بعد معاناة طويلة في ذاكرتها المشحونة بتصورات سلبية اتجاه هذه السلطة البائسة بكل معنى الكلمة، فتجدها تعبر عن موقفها بحزم وبقوة فيما يخص هذه السلطة الدموية.

واخيرا، مضى على ظهور هذا العمل اكثر من عقدين من الزمن الا انه يعتبر نقطة تحول في مسيرتها الإبداعية، والتي على اثرها صورت اكثر الفترات الزمنية تعقيدا وهي فترة الخمسينات والستينات من القرن المنصرم في تاريخ روسيا، واستطاعت ببراعة أن تؤرخ هذه الحقبة بطريقة سلسة وابداعية.

***

حسين علي خضير

...................

المصدر:

(1) ليودميلا أوليتسكايا: " صونيتشكا "، ترجمة: عياد عيد، الناشر: الكرمة للنشر والتوزيع، عام 2015، ص 47.

(2) نفس المصدر، ص 57.

 

4073 الطريق الوعرالرواية من إصدارات دار كنعان عام 2021.

بعيدا عن بعض التيارات التي تحط من دور الشخصية فإنها في الرواية التقليدية تعتبر من أهم مكونات العمل السردي لأنها تمثل العنصر السردي المناط إليها مختلف الأفعال التي تترابط وتتكامل في مجرى الحكي وتعامل على أساس أنها كائن حي له وجود فيزيقي فتوصف ملامحها وقامتها وصوتها وملابسها. وتؤدي الشخصية دورا مهما في بناء الرواية على أن تكون مقنعة حسب ما يراه فورستر.

حاول الكاتب في بداية نصه إعطاء القارئ فكرة عن مخيم اليرموك القابع في سوريا. ومخيم اليرموك فضاء من ضمن فضاءات كثيرة فرضت على الشعب الفلسطيني لا يرضاها لأنه مصر على حق العودة.

تتسم أحداث هذا النص بالتنظيم الخطي المتتالي كما أنها تخضع للتسلسل الزمني (الكرونولوجي) فيتدرج الزمن من بداية الانتفاضة الأولى عام 1987 وحتى توقيع اتفاقية أوسلو 1993، لذلك فإن الحدث ينمو بشكل طبيعي يتخلل هذا النمو استشرافات للمستقبل والقليل جدا من لاسترجاع. وبالرغم من أن الاسترجاع ميزة وسمت بها معظم الأعمال التي تناولت الصراع العربي_"الإسرائيلي" إلا أن محمد حسين لم يلجأ لها كثيرا ربما لأنه أراد إيصال رسالة للقارئ بأن يتوقف عن التباكي على الماضي والتقدم بالفعل نحو المستقبل.

والفكرة الجوهرية من رواية الطريق الوعر هي الحلم الفلسطيني في العودة إلى الوطن حتى لو كان الخيار الاستشهاد أو الاعتقال فشعب اجتث من أرضه وتاريخه وتحول إلى مجموعات من أفراد بشرية تحلم فقط بالماضي وتحمل جرحا لن يشفيه إلا العودة. فها هو والد صفاء في الرواية يقول ص87 (أنا أفنيت عمري ولا زلت أحلم بالعودة إلى أرض الوطن) وعلى لسان صفاء من نفس الصفحة (بل متحمسة أن أدخل إلى وطني هذا حلمي).

أنماط الشخصية..

الشخصية النامية أو المستديرة أو المدورة وهي الشخصية التي تنمو وتتطور وتتفاعل مع الأحداث وتكتسب صفة المفاجأة وسنحاول أن نسقط هذه الشخصية على صفاء البطلة الرئيسية التي تدور حولها أحداث الرواية التي ستتفرع من مخيم اليرموك إلى جامعة دمشق فمخيم الوحدات ثم نابلس فالقدس وختاما إلى معتقل المسكوبية.

أبدع الكاتب محمد حسين في رسم بطلة روايته صفاء الحالمة بالعودة إلى فلسطين التي نجحت في شق طريقا لها بالرغم من وعورتها وقلب الحلم إلى حقيقة.

صفاء الطالبة التي تتحدى الفقر لتحصل على درجة التفوق ص25 (لقد نجحنا جميعا لكن صفاء نجحت بتفوق). السياسية ص35 ما جاء على لسان أبي نضال عنها (هي تسكن هناك في المخيم وتحضر جزءا من أنشطتنا وأنشطة غيرنا). المقاومة ص23 ما جاء على لسان السارد أثناء تشييع جنازة خالد الوزير(صفاء تحملها صديقتها على كتفيها وهي تهتف وتلوح بالكوفية سنعود ذات مساء ونحمل رفاة شهدائنا معنا).

العاشقة ص31 على لسان السارد حينما اكتشفت حبها لخالد الفلسطيني المناضل (مساء خطف قلبا وقدمه للريح هدية لميلاد جديد)..

هذه الصفاء الشخصيه المدورة التي تفاجئنا بقرارها التخلي عن خالد والزواح من باسل الثري والد صديقتها ليس حبا بالمال إنما طمعا بانتشال عائلتها من براثن الفقر بعد ذلك الصباح حينما ذهبت لتناول إفطارها فلم تجد الزعتر فمسحت قطعة من الخبز بقليل من الزيت ومن وقتها أدركت أن التضحية أقوى من الحب.

ولا زالت شخصيه البطلة تتطور فعندما حان الوقت قامت بكل قوتها باتخاذ قرار مفاجئ أيضا نقلها من مرحلة تلقي الضربات على أرض ليست لها إلى مرحلة التحدي وتحقيق الحلم بعد انفصالها عن باسل الثري الذي لم تشكل له صفاء غير زوجة فقيرة والعودة إلى أرض أجدادها حيث حبيبها خالد الذي شكلت له صفاء حبيبة ووطن. وهي بهذا الانتقال تكون قد حققت هويتها الإنسانية لأنها أصبحت في مكانها الطبيعي فشتان ما بين الوطن والمخيم فالوطن هو الواقع الإنساني النقيض للمخيم.

وقد صقلت صفاء هويتها السياسية والمقاومة من خلال إيمانها العميق بفلسطين والسعي من أجله مهما كلف الأمر فقد كانت تعلم عندما أخبرها أبو نضال بأن خالد لا يزال متمسكا بها ويدعوها إلى الوطن بأن مصيرها إما الاعتقال أو الشهادة لكنها بالرغم من ذلك اختارت الطريق الوعر ص86 ما جاء على لسان أبي نضال (هذا الدخول قد يكلفك حياتك أو اعتقالك فكري بالأمر جيدا) لكن صفاء لم تفكر لأنها كانت تعلم بأن هذا الطريق هو طريقها الصحيح من أجل القضية التي آمنت بها فالبطلة هنا تمثل اليقظة التي ستؤدي إلى التحرير مهما طال الانتظار.

وقد أثبتت صفاء في النهاية ذاتها التي هي ذات فلسطين وذات كل مناضل أمام من أراد تحطيمها وإلغاء وجودها بإقصائها إلى الأردن ففي ص126 بعد خروجها من المعتقل وعند محاولتهم إبعادها (تجمرت عيناها فجأة..الوطن أبقى..تقبض يدها بقوة، تصفع المجندة ...تأخذ سلاحها).

وتصر على البقاء في فلسطين ص127(تمعن صفاء النظر: ما أجمل بلادي لن أتركها لكم)

ص129(تتهاوى جاثية على ركبتيها كشجرة زيتون.. تحتضن حشرجات الألم الأخيرة التي حلمت بها، ينساب دمها فوق الإسفلت ليمنحه بعضا من دفئه الذي غادره ذات نهار) ويؤشر هذا المشهد إلى أسباب نجاح المعركة ضد المحتل فالمعركة تحتاج إلى إنسان مؤمن بالقضية وسلاح لتحقيق النصر وقد مثلته البطلة صفاء.

الشخصية المسطحة والسمة البارزة في هذه الشخصية أنها ثابتة وتمثلها شخصية الآخر وهو في رواية من هذا النوع اليهودي وهي الشخصية التي لا تكتمل الرواية من نوع الصراع العربي "الإسرائيلي" إلا بها. كما ويمكن أن نطلق على الشخصية اليهودية الشخصية النموذجية أيضا وهي التي تمثل فئة اجتماعية بكل خصائصها المادية والمعنوية وتطلعاتها العرقية ومواقفها من قضية الصراع العربي_"الإسرائيلي" ويتضح هذا ص102 عندما صفعت المجندة صفاء لأنها قالت (يا إلهي هذه القدس عاصمتنا) فترد المجندة عليها بصفعها وعبارة تعلن فيها تمسكها بموقفها وموقف أي يهودي (هذه أورشليم لنا).

أما كون الشخصية اليهودية شخصية مسطحة فلأنها ثابتة لا تتغير فهي الشخصية الدموية التي تعشق التعذيب لكل من يؤمن بفلسطين وقضيتها فعلى لسان المحقق (ستتعرضين لأبشع أنواع التعذيب وربما الاغتصاب) وفي نفس الصفحة (ينهال عليها المحقق بالضرب المبرح مرة أخرى، يطلب أن يربط يديها ويعلقها بالحبل الموجود في الأعلى...)

وبقي أن نقول بأن رواية الطريق الوعر تعتبر إحدى روايات التساؤل والرفض والمواجهة التي أركع أبطالها -الذين استوحاهم الكاتب من الواقع واقع الانتفاضة الأولى بالحجر والعبوات الناسفة اليدوية- العدو مقابل ما يملك من أسلحة حديثة وفتاكة لكنها الإرادة لمن يمتلكها والقوة لمن يحيا بها والحب لوطن هو أم لمن يؤمن به. كما استطاع الكاتب رصد دور المرأة ونجاحها في أن تكون جزءا من العمل الفدائي من خلال صفاء، خالدة، وسماح.

وقد قدمت الكاتبة والناقدة الفلسطينية حنان بدران للعمل فوصفته بالتكثيف والابتعاد عن الحشو الزائد وقالت عن الروائي محمد حسين بأننا أمام كاتب له أسلوبه الذي يميزه وبالتالي فإنه تمكن من حفظ استقلاليته الكتابية.

***

قراءة بديعة النعيمي

 

نبيل جميل بالمفهوم العام يقال ان الشاعر هو الناقد الأول لقصيدته، طيّب هذا كلام سليم، وبما ان الشعر تغلب عليه الخصّيصة الذاتية النابعة من الوجدان والأحاسيس والآلام تجاه الآخر، لذا فأنه ارتبط بقارئ أول وناقد أول. ولولا اقتناع الشاعر بقصيدته لما تجرّأ ونشرها، اذن سلطة القارئ تولد مع القصيدة، فسلطة القراءة لا يمكن نكرانها ودحضها أبداً. وان تلقف القصيدة قارئ ما ولم يتمكن من فك رموزها، فهذا خلل يولّد شرخاً ما بين الشاعر والقارئ، والسبب فقر أدوات الشاعر الذي لم يستطع ايصال قصيدته. أردت أن أصل الى مفهوم هل ان الشاعر يكتب لنفسه؟ وحسب المقولة الشهيرة المعنى بقلب الشاعر، أم اننا تجاوزنا تلك المقولة ونجحنا باشراك القارئ في فهم المعنى.

من المقدمة أعلاه افتتح قراءتي لقصيدة الشاعر البشير عبيد من تونس (ورقات الغيم) التي وجدتها تسمو مع القارئ وتحيله الى مشارك مع خلجات الشاعر الذي أراد من قصيدته أن تحلّق في أفق الشعر العالمي، لما حملته من حقائق جوهرية يطيل فيها التأمل من قبل قارئ حسّاس لا يمر عليها مرور الكرام، لأن ما يطرحه الشاعر من أسئلة يعد مسلكاً أراده للوصول الى مبتغاه، وهو كيف تتفرد قصيدة دون غيرها في بحر الشعر الذي فاض في زمننا الحالي بفضل الفيس بوك ودكاكين النشر التي لا تراجع ما ينشر. نعم هكذا هي حياتنا اليوم، صورة غير واضحة بسبب الدخلاء على الشعر، وهنا يأتي القارئ الواعي الذي يفرز الجيد من الرديء ليصطدم بأن الجيد يكاد يضيع بين آلاف القصائد التي تنشر يومياً في مواقع الانترنت، لكن بالتأكيد سيبقى الجيد يشع كالنور وسط كل هذا الظلام، وها هي قصيدة الشاعر البشير عبيد (ورقات الغيم) تضع بصمتها وبقوة في عالم الشعر وبحضور متميز لتصنع تاريخاً مشرفاً لشاعر حقيقي يرصد وبدقة ما يراه أمامه، لأنه يؤمن بأن الشعر حياة تعطي دروساً تنويرية ولا تهتم بما فاض من زبد. فحينما نستخدم الشعر كوسيلة للتعبير عن مشاعرنا يصبح بمثابة المنقذ لذواتنا الانسانية الغارقة بالهموم، فها هو البشير عبيد يجذبنا بالحب والأحاسيس لينقلنا الى عالمه المليء بالمسرات والأوجاع عبر ما سطّره من خلجات نابعة من قدرته على مسك زمام النص والمسير به نحو البحث عن حقيقة الاختلاف في واقعنا وما نعيشه من أزمات.

هكذا يدعونا الشاعر لنتأمل معه رؤيته في منطقة يتداخل فيها الشعر بالنقد، فنراه الشاعر والناقد معاً، وهذا أتى من حرصه في انجاز قصيدته، فعملية الابداع تشتغل لديه، لأنه يعرف سر ما يخفيه النص فقام بوعي وقدرة على تقويم القصيدة ليقدمها للقارئ ويشركه معه، ليكون التفاعل مع تجربته الابداعية بمستوى عال يتمثل في سحب القارئ الى منطقته التي تمثل بعداً انسانياً ومعرفياً يجعل من القصيدة مساحة تأويلة خصبة لعدة قرّاء، وطبعاً كل هذا نابع من تجربة غنية ووعي لحركة الشعر، فالبشير عبيد لا يريد لشعلة قصيدته أن تنطفئ ويخف وميضها في بستان الشعر. وبهذا يؤكد قدرته في بناء قصيدة مشحونة بفيض دلالي متماسك لا يمكن اهمال أي مقطع منها.

...........................

ورقات الغيم

بقلم البشير عبيد

ربما غاب عن العيون صهيل الخيول

و نام الرجل الشريد على رصيف

الحكاية

لم تكن البلاد التي اسمها الخضراء

تبحث عن الينابيع في عز الظهيرة

بل كانت القوافل الآتية من أقاصي

الشمال...

ترمم أخر ما تبقى من القلاع

أسراب من حمام حضرموت

يحلق بعيداً

و الأجنحة لا تخاف من رايات الجنوب

المتاخم للأنين

هذا بريق المعركة أم لهيب الحساب

الأخير؟

هذا طريق الفاتحين باتجاه الغروب

أم درب الخارجين عن حياض

القبيلة؟

واقفاً على أرض ثابتة

وعيناه باتجاه الأقاليم البعيدة

يباغت خصوم الوردة قبل اعلان

الرحيل

وانفتاح المرء على مرايا الكلام الفصيح

ها هنا جدار قديم

وولد جريح

وارتماء الجسد العليل في المياه

أصوات العنادل غابت عن المشهد

و صار بإمكان الأصابع أن ترفع الرايات

قريباً من التخوم

بعيداً عن صمت القرى

وانحناء الجباه

هنا كيان وسيرورة حذو الغياب

وأولاد لا يخافون من ديمومة

الأشياء

ربما لم يكن في الحسبان هروب الفتى

من صدى الأمنيات

وانفتاح الرؤى على المكان القصي

اقلام تكتب النشيد المشاكس

وأصوات الغرباء تباغت الأجساد

ليس في السفينة ربان ولا مسافرون

ليس في المدينة الهاربة من الأضواء

عشاق للزمن القديم

بل مازال في الوقت متسع لإغراق

المراكب

واقتراب الضفاف من الينابيع

الأنهار هي البوصلة

والأقمار هي المفاتيح

والأزهار هي الروح المسافرة إلى الدهاليز

سماء القرى تضيء الدروب

وزفرات الجريح الأخير

تربك ورقات الغيم

حين تكون وحيداً جالساً على رصيف

المتاهة

يباغتك الفتى بالصراخ

أنت الآن خارج الاسوار

ولا أحد يسألك عن جراح البلاد

التي سافرت إلى ملكوت الغياب

هنا يداي تسأل العالم

عن خطاي كيف أخذتني إلى السراب.

***

الأستاذ نبيل جميل/ العراق

 

مفيد خنسةالفرع التاسع:

يقول الشاعر:

(تقول:

مددتَ يديكَ وكنتَ جريئاً...

أما خفتَ عاقبةً للغضبْ؟

فقلت: لديَّ مفاتيح غيبٍ

تدلّتْ على جانبي للركبْ

**

وقلت:

القميص الذي كنتِ

أهديتنيهْ

بقيت طويلاً أنام وأنهض فيهْ

ترهّل جداً

وحوّل عن جسدي سيرهُ

مضى لونه دونما رجعةٍ

أيمكن أن ترسلي غيرهُ؟

**

تقول:

ذهبتَ طويلاً تحدّق فـيّ

وتلمسُ ... تلثمُ ... خذ نفساً !

دختُ..

لن أعرف اليومَ دربي

فقلت:

أحاولُ

جمعَ

مؤونة

قلبي

**

وتسأل من أيّ غيبٍ

سريتَ إليّ بهذي القبلْ

وأين هي النّحَلاتُ التي

أخرجتْ من بطونِ اللذاذاتِ

هذا العسلْ؟

تعلّمني من جديدٍ.. وأفهمُ جداً.

 سأختص بعد قليلٍ

بعلم القبلْ

فهذي الطويلةُ..

تذهب أبعدَ من عنقٍ للزرافهْ

وهذي الصغيرة كاللمعِ...

هذي التي لم تدَعْني

ألامس فيها المسافهْ

لكلٍ لها رأيها في العذوبةِ

تعطيهِ مكتملاً... مقنعاً...

وتعطي عليه إضافهْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صوراً لحالات متفرّقة بين العاشقين وعقدته (مددت يديك وكنت جريئاً) وشعابه الرئيسة هي: (تقول: / مددتَ يديكَ وكنتَ جريئاً.../ أما خفتَ عاقبةً للغضبْ؟) و(تقول: / ذهبتَ طويلاً تحدّق فـيّ/ وتلمسُ ... تلثمُ ... خذ نفساً (! و(دختُ/ .. لن أعرف اليومَ دربي) و(وتسأل من أيّ غيبٍ/ سريتَ إليّ بهذي القبلْ) و(وأين هي النّحَلاتُ التي/ أخرجتْ من بطونِ اللذاذاتِ/ هذا العسلْ؟) و(لكلٍ لها رأيها في العذوبةِ/ تعطيهِ مكتملاً... مقنعاً... وتعطي عليه إضافهْ)، أما شعابه الثانوية فهي: (فقلت: لديَّ مفاتيح غيبٍ/ تدلّتْ على جانبي للركبْ) و(وقلت: / القميص الذي كنتِ/ أهديتنيهْ) و(بقيت طويلاً أنام وأنهض فيهْ) و(ترهّل جداً/ وحوّل عن جسدي سيرهُ/ مضى لونه دونما رجعةٍ/ أيمكن أن ترسلي غيرهُ؟) و(فقلت/: أحاولُ/ جمعَ/ مؤونة/ قلبي) و(تعلّمني من جديدٍ.. وأفهمُ جداً./ سأختص بعد قليلٍ/ بعلم القبلْ) و(فهذي الطويلةُ.. / تذهب أبعدَ من عنقٍ للزرافهْ) و(وهذي الصغيرة كاللمعِ... هذي التي لم تدَعْني/ ألامس فيها المسافهْ). 

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع يجمع بين الخبري والإنشائي، وفيه يقدم الشاعر صوراً متفرقة لحالات من الحوارات التي تدور بين عاشقين، وتخلو من مكاشفات عميقة وبوح صادق عن تفاصيل دقيقة تحتاج إلى شجاعة كافية كي يبلغ الشاعر هذه الدرجة من الصراحة والوضوح، فقوله: (تقول: / مددتَ يديكَ وكنتَ جريئاً.../ أما خفتَ عاقبةً للغضبْ؟/ فقلت: لديَّ مفاتيح غيبٍ/ تدلّتْ على جانبي للركبْ) يبدو واضحاً، لأن سؤالها بعد أن مدَ يديه وانتهى، يشير إلى أنها كانت راغبة، ومفاتيح الغيب لديه تمثلت في أنه أدرك رغبتها من خلال خبرته وتجربته، ومن خلال ركبتيها المكشوفتين المثيرتين من دون تحفظ، فلا خوف من غضب راغب وإن أبدى غضبه، وقوله: (وقلت: القميص الذي كنتِ/ أهديتنيهْ/ بقيت طويلاً أنام وأنهض فيهْ/ ترهّل جداً/ وحوّل عن جسدي سيرهُ/ مضى لونه دونما رجعةٍ/ أيمكن أن ترسلي غيرهُ؟) أي بكل بساطة وشفافية وتلقائية، يجد أن القميص الذي أهدته إياه لم يكن عنده غيره لذلك كان مضطراً أن يستخدمه ليل نهار حتى غدا بالياً لا يستر جسده، لذلك يطلب إليها ما إذا بإمكانها أن ترسل له قميصاً جديداً؟ ومثل هذا السؤال ثقيل على رجل شرقيّ، والشاعر يريد أن يكسر الحاجز الوهمي الذي يفرضه المجتمع بين الرجل والمرأة، وأن من الكبائر على الرجل أن يقبل على نفسه هديّة امرأة، فكيف إذا قبل أن يطلب منها أن تهديه هديّة؟!!، وقوله: (تقول: / ذهبتَ طويلاً تحدّق فـيّ/ وتلمسُ ... تلثمُ ... خذ نفساً ! / دختُ.. / لن أعرف اليومَ دربي/ فقلت: / أحاولُ /جمعَ /مؤونة/ قلبي) أي كما لو أنه في دأبه ومثابرته ونهمه في سبر أغوار جسدهاً نظراً ولمساً ولثماً يجمع غلال مواسمه من حقوله الواسعة، حتى كادت لا تعرف كيف الدرب كي تعود أدراجها. وقوله: (وتسأل من أيّ غيبٍ/ سريتَ إليّ بهذي القبلْ/ وأين هي النّحَلاتُ التي/ أخرجتْ من بطونِ اللذاذاتِ هذا العسلْ؟ / تعلّمني من جديدٍ.. وأفهمُ جداً./ سأختص بعد قليلٍ/ بعلم القبلْ)، أي أصبحت على درجة من السعادة والمتعة التي جعلتها تتساءل مندهشة من أين ابتكر هذه الطريقة بالقبل؟، كما تتساءل أين النحلات التي أخرجن هذا العسل الذي ترتشفه من ثغره الشهي، لتدرك أنها هي التي علمته فنون القبل، قد أصبح ذا خبرة ودراية كافية لينال شهادة الاختصاص بفن وعلم القبل. حيث يعطي لكل من القبل حسبما تشتهي من العذوبة وتريد، فقوله: (فهذي الطويلةُ.. تذهب أبعدَ من عنقٍ للزرافهْ) أي الطويلة تحب القبلة الطويلة كطول عنق الزرافة، وقوله: (وهذي الصغيرة كاللمعِ... ) أي والصغيرة تفضل القبلة الخاطفة كاللمع، وقوله: (هذي التي لم تدَعْني ألامس فيها المسافهْ) أي هناك من يفضلن القبل من غير ملامسة بينهما، وهو على اعتبار قد أتقن علم القبل فإنه يمنحها حسب الاستعداد والقبول، وقوله: (لكلٍ لها رأيها في العذوبةِ/ تعطيهِ مكتملاً... مقنعاً... / وتعطي عليه إضافهْ) أي لكلّ منهن رأيها العملي في معنى العذوبة وهي تعبر عنه على أكمل وجه، لا بل تضيف عليه عذوبة إضافيّة، لتوفر الرغبة والقابليّة، والتورية واضحة هنا، فالمعنى القريب للرأي بالعذوبة، هي وجهة النظر الخاصة للأنثى، ولكن المقصود المعنى البعيد وهو أن لكل امرأة أسلوبها العذب في القبل، والإضافة في المتعة والعذوبة.

الفرع العاشر:

يقول الشاعر:

(أقول:

خذيه على محمل الجدّ قلبي

خذيهْ...

وإن شئت ألا تعيديه لي، فليكنْ.

ضعيهْ

بجانب رأسك. فوق المخدةِ

أو في الخزانةِ بين ثيابكِ

من بعد أن تغلقيهْ

وليس كثير التّطلّبِ قلبي

يريدك أن تخطري لدقائقَ فيه

يريدك أن تذكريهْ

وما زادَ..

ذلك من فضل ربّي

**

تقول:

أخذتُ على محمل الجد قلبكْ

أخذت يديكَ... ذراعيكَ...

شَعرك هذا الرماديّْ....

جمعتُ حالي.. وعطري...

ومحفظة اليدّ..

جمعت صرّة عمري

وجئت لأنموَ قربَكْ

**

تقول:

أتيتَ بوقتكَ..

لو جئتَ قبلُ

لما كان سهلاً عليَّ

ولو جئتَ بعدُ

لكنتُ انغلقت على داخلي

لماذا أتيت بوقتكَ،

قل لي لماذا؟

لو جئتَ قبلُ

وتضحكُ ..

إذ رحتُ أعزو إلى لون عينيّ،

هذا.

**

تقول:

إذا من يديّ فلتَّ

فكيف ستفلتُ من رقتي

فقلت:

وكيف سيخطر لي مثل هذا؟! ...

إذا اسطعتِ أنتِ

افلتي).

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة التوافق بين العاشقين وعقدته (خذيه على محمل الجدّ قلبي) وشعابه الرئيسة والثانوية واضحة.

في المعنى:

يجمع الشاعر في هذا الفرع بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، فقوله: (أقول:/ خذيه على محمل الجدّ قلبي/ خذيهْ... وإن شئت ألا تعيديه لي، فليكنْ./ ضعيهْ / بجانب رأسك. فوق المخدةِ/ أو في الخزانةِ بين ثيابكِ/ من بعد أن تغلقيهْ) يبين أن الشاعر يقصد المعنى المجازي للأخذ على محمل الجد، أي يطلب منها أن تعتبر الحب الذي يملأ قلبه أمراً حقيقياً وعليها أن تتعامل بجدية، لكنه سرعان ما يستخدم الأخذ بالمعنى الحقيقي، ثم يبني على ذلك، فإن أرادت ألاّ تعيده فهو لا يمانع أبداً، لكنه يريدها أن تضعه بالقرب منها، إلى جانب رأسها فوق المخدة ...، أو بين ثيابه في الخزانة... ، وبدلاً من أن يقول: ثم أغلقي عليه الخزانة، يطلب الإغلاق للقلب، لكي يبقى مختزناً ما فيه من الحب، وقوله: (وليس كثير التّطلّبِ قلبي/ يريدك أن تخطري لدقائقَ فيه/ يريدك أن تذكريهْ / وما زادَ ../ ذلك من فضل ربي) أي مرافقتها لقلبه لن يكلّفها من الجهد شيئاً، لأنه لا يكثر من الطلبات إليها، إنه يكتفي بأن يمر طيفها لدقائق فيه، إنه يريد على الأقل أن تذكره، أما إن زادت على التذكر بشيء فذلك فضلٌ من الله عليه، وقوله: (تقول: أخذتُ على محمل الجد قلبكْ / أخذت يديكَ... ذراعيكَ... شَعرك هذا الرماديّْ.... جمعتُ حالي.. وعطري... ومحفظة اليدّ.. جمعت صرّة عمري/ وجئت لأنموَ قربَكْ) أي تجيبه واثقة أنها حسمت أمرها وأخذت محبته التي يختزنها فيه لها بجدّيّة ويقين، ودليلها على ذلك أنها أخذت يديه بيديها، وذراعيه بذراعيها، كما أخذت شعره الأشيب الرمادي، ثم لملمت أحوالها، وهيأت نفسها، ورشت العطر المفضل لديها، وحملت محفظة يدها، وما تختزنه من التجربة في حياتها، وجاءت لتكمل ما تبقى من عمرها إلى جانبه، وقوله: (تقول: أتيتَ بوقتكَ.. لو جئتَ قبلُ / لما كان سهلاً عليَّ / ولو جئتَ بعدُ / لكنتُ انغلقت على داخلي/ لماذا أتيت بوقتكَ، قل لي لماذا؟ / وتضحكُ .. إذ رحتُ أعزو إلى لون عينيّ،/ هذا.) وإن لم يكن يحتاج توضيحاً للمعنى، لكنّه تفصيلٌ حياتيّ بسيط مفعم بالدلالات والمعاني، إذ أنه جاء إليها، في الوقت الذي تحتاجه فيه، لم يتقدم ولم يتأخر، وكأنهما بالتخاطر على موعد محدد، إنه وقت الرغبة والحاجة إلى الحب، فلو أنه جاء قبل وقته لما كان سهلاً عليها أن تبادله الحب!، ولو أنه تأخر لكانت اضطرت للعزلة والخلوة بنفسها، ومجيئه المدهش في الوقت المناسب يجعلها تكرّر سؤالها، ثم تضحك .. عندما يبرر مجيئه بسبب لون عينيه، والمعنى الذي تخفيه ضحكتها ولون عينيه هو تبادل الحب!. وقوله: (تقول: إذا من يديّ فلتَّ / فكيف ستفلتُ من رقتي/ فقلت: وكيف سيخطر لي مثل هذا؟! ... إذا اسطعتِ أنتِ / افلتي) واضح ولا يحتاج إلى للشرح أو التفسير، فهي تريد أن تقول له: إنه لن يستطيع أن يتحرر من وثاقها، أما هو فلا يمكن أن يخطر في باله أن يفلت من وثاقها، لأنه على يقين من أنها لن تستطيع التحرر من وثاق حبه المتين.

الفرع الحادي عشر:

يقول الشاعر:

(أقول:

النساءْ يحريني لغزهنْ

فحيناً يضقنَ

وحيناً

يكنَّ السماواتِ في وسعهنْ

أكونُ أفتش في غامضٍ

فيطلعنَ لي من وضوحٍ شديدٍ...

ومن خلف ما لا أظنْ

تقول:

وهن لباسٌ لكمْ..

وأنتمْ لباسٌ لهن

(تقولُ:

القصيدةُ جاءت

موفّقة البحرِ.

أين عثرت على البحر؟

يمشي رخاءً به الوزنُ،

ناهيكَ أن القوافي تطلّ

على النفسِ،

والجانبِ المختبي

تلازميني أين أذهب هذي القصيدةُ.

بالأمس غطيتها بلحافي

وأرقدتها جانبي

فكيف أقدم شكري؟

فقلتُ:

"ولوْ" ! ..

واجبي)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة الارتباط الوثيق بين العاشقين وعقدته (النساء يحيّرني لغزهن)، وشعابه الرئيسة هي: (أقول: / النساءْ يحريني لغزهنْ/ فحيناً يضقنَ) و(وحيناً/ يكنَّ السماواتِ في وسعهنْ) و(تقول: / وهن لباسٌ لكمْ.. / وأنتمْ لباسٌ لهن) و(تقولُ: القصيدةُ جاءت/ موفّقة البحرِ. ) و(أين عثرت على البحر؟) و(تلازميني أين أذهب هذي القصيدةُ./ بالأمس غطيتها بلحافي) و(وأرقدتها جانبي/ فكيف أقدم شكري؟)، أما شعابه الثانوية فهي: (أكونُ أفتش في غامضٍ) و(فيطلعنَ لي من وضوحٍ شديدٍ... / ومن خلف ما لا أظنْ) و(يمشي رخاءً به الوزنُ،/ ناهيكَ أن القوافي تطلّ / على النفسِ،/ والجانبِ المختبي) و(فقلتُ: "ولوْ" ! .. / واجبي.).

 في المعنى:

يجمع الشاعر في هذا الفرع بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وفيه يقتبس من الآية الكريمة في القرآن الكريم (... هنّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنّ... سورة البقرة (187))، فقوله: (أقول: النساءْ يحريني لغزهنْ/ فحيناً يضقنَ/ وحيناً/ يكنَّ السماواتِ في وسعهنْ/ أكونُ أفتش في غامضٍ) أي يجد الشاعر ما يشبه اللغز المحير في طبع النساء وسلوكهن، تارة يكنّ واسعاتِ الصدر، طويلاتِ البال إلى غاية ما يمكن أن يرتجى، وتارة أخرى يكنّ ضيقاتِ الصدر، سريعاتِ الغضب والنفور، وقوله: (أكونُ أفتش في غامضٍ/ فيطلعنَ لي من وضوحٍ شديدٍ... / ومن خلف ما لا أظنْ) أي ذلك اللغز يتجلى في أنه يكون يفتش عنهنّ في عوالم غامضة غير مفهومة، فيظهرن له من عوالم واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وكما يظهرن له من خلف ما لم يكن يحسب له حساباً، وقوله: (تقول: وهن لباسٌ لكمْ.. وأنتمْ لباسٌ لهن) أي يكون جوابُها لحل هذا اللغز الذي يبدو له، هو معنى الآية الكريمة المقتبسة، أي حين يضيق أحدهما- الرجل أو المرأة- على الآخر أن يتسع كي يستطيع احتواءه، فيعذر ضيقه، ويغطي ضعفه ويستر عيبه، فكل منهما متمّم للآخر ومكمّل له، ولا يمكن لأحدهما القيام من دون الآخر، وقوله: (تقولُ: القصيدةُ جاءت/ موفّقة البحرِ. أين عثرت على البحر؟/ يمشي رخاءً به الوزنُ،) أي إنها معجبة بقصيدته التي جاءت إيقاعاتها المتتابعة المستمدة من بحر شعري مناسبة جدّاً، حيث تنساب الموسيقا فيه بلين وعذوبة، وقوله: (ناهيكَ أن القوافي تطلّ/ على النفسِ،/ والجانبِ المختبي) أي بالإضافة إلى حسن اختيار القافية التي تمتع النفس والقلب، وقوله: (تلازميني أين أذهب هذي القصيدةُ./ بالأمس غطيتها بلحافي/ وأرقدتها جانبي/ فكيف أقدم شكري؟

فقلتُ: "ولوْ" ! .. / واجبي.) أي من شدة إعجابها بالقصيدة التي كتبها لها، فإنها تلازمها أينما ذهبت، حتى أنها وضعتها إلى جانبها وغطّتها بلحافها لأنها تمنحها الدف والحنان البالغ، وهي لا تعرف كيف ستشكره على هذه القصيدة الفريدة، بينما هو يجيب بمنتهى البساطة والعفويّة، لا شكر على واجب، فهذا الواجب يفرضه الحب، الحب الصادق.

القصيدة الاحتمالية والنص الممكن:

تتألف القصيدة من أحد عشر فرعاً، وكما لاحظنا فإن كل فرع من فروع القصيدة يتكون من حالات في القول المتبادل بين الشاعر وصديقته، والحالات تبدو وكأنها منفصلة ومستقلة، ويبدو أن ترتيب الحالات في الفرع الواحد ليس ذا أهميّة، وفي الوقت نفسه يبدو أن ترتيب الفروع ليس ذا أهميّة أيضاً، بسبب تلك الحالات التي بنيت عليها القصيدة، ولو لم يكن الترتيب ذا أهميّة كما يبدو لنا، لكان من الممكن أن نعيد ترتيب الفروع في القصيدة، وكل ترتيب جديد ممكن يمثل قصيدة جديدة على الترتيب الجديد، وإذا لاحظنا أننا نستطيع إعادة ترتيب الفروع ب(39916800 ) طريقة، ذلك يعني أنه يمكننا أن نحصل على تسعة وثلاثين مليوناً وتسعمئة وستة عشر ألفا وثماني مئة قصيدة احتمالية، وكل قصيدة منها يمكن اعتبارها نصّاً ممكناً، وإن كان نصاً افتراضيّاً، وسيكون النص الأصلي واحداً من هذه الإمكانات، ولنا أن نقدر أن الشاعر لا يقبل أي نصّ من هذه النصوص الناتجة عن نصه الأصلي بإعادة ترتيب فروعه، وإن كانت القصيدة الممكنة تتضمن الفروع والشعاب والكلام نفسه، وهكذا حين نبسط القصيدة، ونفكّكها إلى تراكيبها وجملها ونجري عليها تطبيقاً لهذا المنهج على غرار الفروع الثلاثة الأولى، يمكننا أن نهتدي إلى الكيفيّة التي استطاع الشاعر من خلالها أن يبنيها هذا البنيان المعتمد بشكله النهائي الذي أعلنه منشوراً في مجموعته الشعريّة. فإذا كان بإمكاننا أن نحصل على حوالي أربعين مليون قصيدة افتراضيّة التي تمثل عدد إمكانات إعادة ترتيب فروع القصيدة الشعريّة، فماذا لو أخذنا بعين الاعتبار عدد إمكانات إعادة ترتيب الشعاب الرئيسة والثانويّة في القصيدة؟!، من دون شك سنحصل على عدد كبيرٍ جداً جداً، أما إذا اعتبرنا القصيدة مؤلفة من حالات منفصلة فإن عدد إمكانات إعادة ترتيب هذه الحالات سيصبح عدداً خياليّاً لكبره، ولعل المبدأ قد أصبح واضحاً، ولكن بقي أن نلفت العناية إلى أن هذا العدد الخيالي، سيتضاعف من جديد من حيث عدد المعاني المحدثة في القصيدة إذا أخذنا بعين الاعتبار تعدد المعاني للمفردة الشعرية الواحدة، وهكذا فالآلية معقدة جدّاً وليست بالسهولة التي اعتاد النقد التقليدي أن يقدّمها بأسلوب انطباعي تبتعد بمحتواها عن المرتكزات العلمية والمنطقية التي تساعد على إنشاء حكم معلل، وليس الاقتصار على إطلاق الأحكام والتصنيف وتوزيع الألقاب بمزاجيّة الناقد الذي يمارس سلطته على النص، فلا يأخذ منه ما يفرض عليه من حق، ولا يعطيه ما يستحق عليه من واجب.

التوازن وتمثيل القصيدة:

يمكن اعتبار المرأة هي مركز توازن القصيدة، كما يمكن اعتبار كل عقدة نقطة توازن فيها، بالإضافة إلى كل كلمة يتقاطع بها فرعان فأكثر:

(1) العين: هي نقطة تقاطع بين الفروع، الأول والثالث والثامن والعاشر فهي تمثل نقطة توازن.

(2) القلب: هي نقطة تقاطع بين الفروع، الخامس والثامن والتاسع والعاشر فهي تمثل نقطة توازن.

(3) الحب: هي نقطة تقاطع بين الفروع، الثالث والخامس والسادس والثامن والعاشر فهي تمثال نقطة توازن.

فإذا مثلنا مركز توازن القصيدة بدائرة صغيرة، ومثلنا عقد الفروع على محيط دائرة مركزها مركز توازن القصيدة، ومن ثم مثلنا نقاط توازن القصيدة على محيط دائرة أخرى بحيث تتوزع وفق درجات ارتباطها بالفروع، ومن ثم مثلنا فروع القصيدة على شكل أشعة منطلقة من مركز توازن القصيدة، ومثلنا الشعاب الرئيسة والشعاب الثانوية كأشعة منطلقة من العقد للفروع، عندئذ نكون قد حصلنا على تمثيل دائري للقصيدة. وهذا التمثيل سيبين كيف أن القصيدة في بنيتها تميل إلى التوازن ، وهذا ما يفترضه منهج النقد الاحتمالي، وهو أن القصيدة الشعرية تميل في تركيبها إلى التوازن.

***

مفيد خنسه

صادق السامرائيزهير بن أبي سلمى واحد ثلاثة من شعراء العرب قبل الإسلام الذين يُعدون في مقدمة شعراء زمانهم، وهم، إمرؤ القيس، زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني، وقد أفاض في مدح هرم وأبيه سنان، وله فيهما قصائد كثيرة وقصته معهما معروفة وطويلة.

وإبنه كعب الذي يُعد من فحول الشعراء وجهابذتهم وهو صاحب قصيدة البردة المشهورة.

ويُذكَر أنه كان شديد العناية بتنقيح شعره وعرفت قصائده بالحوليات، إذ كان يقضي عاما كاملا في تنقيحها وطبخها في أفران أعماقه الشعرية والفكرية.

ويبدأ معلقته بذات الأسلوب الذي عهدته العرب، بالتغني بالحبيبة المفترضة وتذكّر الأيام الخوالي، وما كانت تجود به من روافد الذكريات العِذاب.

ويمعن بوصف دار الحبيبة وكأنه حي في ذاكرته التي أخذت تفتش عن شواهد تعززها وتوقظها.

ويمضي بالوصف والتصوير والتعظيم والتبجيل، وتحويل الحالة إلى عالم خيالي تزدحم فيه المشاهد الدالة على سموه ورقاء الذين كانوا فيه.

ولا يُعرف لماذا قال عشرين حجة ولم يقل أربعين، لأن حرب داحس والغبراء إستمرت أربعة عقود، وكأنه يشير بأساليب ساخرة وبإستخفاف وتسفيه للحرب، على أنه أمام دار كان يعرفها قبل عشرين سنة، واليوم يجد صعوبة في تلمس ملامحها، فكيف بحرب تدوم أربعين سنة وما خمدت أسبابها وانطفأ أوارها.

وكيف لأجيالٍ لا تدري لماذا أضرمت، وتتواصل في سفك الدماء والإستنزاف الفنائي لوجود القبيلتين العربيتين.

ويمضي في البحث عن أدلة تذكره بتلك الحالة التي كان يعرفها.

وكالباحث الجاد المجتهد يريد التيقن من أن الدار التي يقف عندها هي تلك الدار التي عرفها ولا يريد توهمها.

فيعلل نفسه بالحجارة وما عليها من آثار النار والدخان، وتنثال حالات تفاعله مع أهل الدار وكيف كان يخاطبهم، ويمضي بوصف الحركة والحياة، وكأن كل المشاهد التي كان يعهدها قد حضرت، واخذ بوصفها كما عهدها أو أشرقت في خياله.

وكعادة الشعراء العرب لا يفوتهم التغني بالنساء والإمعان بتعظيم جمالهن، ورؤيتهن كما يتصوروهن لا كما هن عليه، ويمعن بالوصف والتغزل بتلك المشاهد النابضة في مخيلته، وما هي إلا تهيؤات وحالات رمزية تحث المستمع على أن يتذكر ما هو جيد وينكر ما هو سيئ.

وكأنه يريد أن يقدم أمثلة على ضرورة إستحضار الجميل ونبذ القبيح، فالجميل يصنع الحياة ويأخذها إلى آفاق الرقاء.

وربما كان يريد من القوم الإهتمام بما يعزز الحياة وينميها، لا أن يمعنوا بمضاداتها ومعوقاتها والإجتهاد بقتلها وتدميرها.

وهكذا يمضي في مسيرة التعبير الإيجابي وتأكيد أهمية الحياة والتفاعل بمفردات الفضيلة والجمال.

ويتواصل بالترغيب والتحبيب، وكأنه يقدم علاجا ترويحيا للحشود المتحاربة، ويحاججهم على أن الحياة ليست حروبا كلها، وعليهم أن ينظروها بأعين أخرى.

وبوصفه قصة الحياة الجميلة الزاهية في البادية يرغّب فيها ويحث على صناعتها، ويريد بالحجة والدليل تثبيط همم القتل المتبادل.

وبعد الوصف الممتع للحياة وضرورتهم لها، يذكرهم بالبيت العتيد الذي شاركت ببنائه القبيلتان، وبأنهما أصحاب هدف إنساني مشترك.

ويطري على سادة ذبيان (هرم بن سنان والحارث بن عوف) اللذان قررا إيقاف الحرب بعد أربعين سنة. ويذكرهم بأنهما قد عالجا الجراح بالديات من الأبل، وبهذا طببوا الويلات التي عصفت بالقبيلتن، فالحروب لا تفني البشر وإنما الأوبئة سيدة الفناء.

أكثر من ثلث القصيدة يتعلق بآليات التفاعل التي دارت بين القبيلتين، وكان شاهدا عليها بعد أن عمّر لأكثر من ثمانين حولا، وحاولتُ أن أكثفها فيما تقدم، وتفاصيل الحرب ومتاهاتها معروفة، وتناولتها الكتب والدراسات والمقالات والبحوث.

فالأبيات الخمسة والعشرون الأولى من المعلقة ملحمة رمزية ساخرة بالحرب بأسلوب زمانها، وكأنه يهزأ من حرب داحس والغبراء، التي يتعجب من تواصلها لأربعة عقود، وهو يضرب لهم مثلا عن دار عافها قبل عقدين وما تعرف عليها بسهولة، فكيف بهم يتقاتلون طول هذا الوقت لأسباب واهية داستها سنابك السنين ومات أصحابها.

لكنه يفسر الإستمرارية بأن للحرب أثرياؤها، وأنها تبدو كالتجارة المربحة التي تغدق على الطرفين وابل الديات والفديات، وكأن القبيلتين تتاجران بأبنائهما فلكل قتيل ثمن!!

ويبقى السؤال الذي يصعب الجواب عليه، هو كيف لحرب تستمر لأربعين سنة ولا توقظ عقول حكماء القوم قبل هذا الأوان، وما هي ديناميكية النفوس المتحاربة؟!!

ووجدت الإنتقال إلى ما أريد النظر إليه يتركز في الأبيات التي إخترتها من المعلقة.

ويوصي القبيلتين بالحفاظ على العهد وعدم نكثه.

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم

ليخفى ومهما يُكتم الله يعلمِ

هذا بيت مذهل ومدهش إذا نُظر إليه في زمانه ومكانه، فهو يحذر بأن الله مطلع على ما تكتمونه في نفوسكم وتتوهمون بإخفائه، فأن الله رقيب عليكم ويعلم ما تخفي الصدور، فكونوا صادقين في قولكم وثابتين على عهدكم، لتخمد نار الحرب التي أكلتكم.

يؤخر فيوضع في كتابٍ فيدخر

ليوم الحساب أو يعجّل فينقمِ

ويتبعه ببيت مدهش حقا هو الآخر، إذ يشير إلى أن ما تقترفونه أو تقومون به سيحفظ في كتاب وستحاسبون عليه عاجلا أم آجلا!!

وما الحرب إلا ما علمتمُ وذُقتمُ

وما هو عنها بالحديث المرَجَمِ

فحقيقة الحرب ما يقاسيه المتحاربون وما يكابدونه من القلق والإضطراب وفقدان الأمان، فلا يعرف الإنسان إن سيمر ليله بسلام، وهل سيعيش لبعض الوقت لأنه عرضة للقتل من الجهة التي يتحارب معها، فيحاجج القبيلتين ويحثهما على وعي حقيقة الحرب، وليس ظنونها وتوهمها وتصورها على غير حالها المرير.

وهذا إستنتاج راجح يساهم في تأييد إرادة السلام والوئام.

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

وتضْرَ إذا ضريتموها فتضرمِ

فالحرب ما أن تستعر حتى تشب كالنار في الهشيم، وتتواصل متقدة بتزايد خسائرها وآلامها وموجعاتها، التي تزيدها ضراوة وإشتعالا، تلك حقيقة الحروب بين البشر منذ الأزل، لأنها كالدوامة الشديدة التي يسقط فيها الناس فتبتلعهم بشراسة متنامية.

فتَعرُككم عرك الرحى بثقالها

وتلقح كشافا ثمّ تُنتجُ فتتئمِ

وعندما تدور رحى الحرب فأنها تطحن المتقاتلين وتسحقهم سحقا مروعا، وفيها تتوالد الشرور وتتعدد وتتعقد وتتشابك، حتى تجد الأطراف في محنة الفناء المستقيد الطالع نحو سفك المزيد من الدماء، وتأجيج البغضاء والكراهية والأحقاد، التي تمضي في دفع الناس إلى ما يهلكهم.

فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم

كأحمر عادٍ ثم تُرضع فتفطمِ

ومن نتائج الحروب الطويلة أنها تتسبب بولادة أجيال لا ترى الحياة إلا سفك دماء، ومنازلة كريهة تجرد وجودهم من معانيه، وترميهم في جحيمات الويلات والتداعيات الجسام.

فهذه الحرب الطويلة قد أوجدت أجيالا من القبيلتين أوهمتهم بأن القتال هو الحياة، والقيمة الكبرى للموت المتبادل بينهما، فيموت أكثرهم ويتطفل على موتهم بعضهم، فيتحقق الإثراء الغاشم المهين.

فتُغلل لكم ما لا تُغِلّ لأهلها

قرى بالعراق من قفيزٍ ودرهمِ

وكأنه يريد القول في هذا البيت بأن مصائب قوم عند قومٍ فوائد، بأسلوب ساخر ومفند لتماديهم في الحرب الشرسة، التي أوجعتهم بقتل رجالاتهم وتأتيم أجيال من أبنائهم، والذين يستثمرون فيها كأنهم لا يرون أن مضارها فاقت منافعها بأكثر مما يتصورون، فلا فائدة من الحروب مهما توهمنا غير ذلك.

ويمضي بعد ذلك في عشرة أبياتٍ واصفا ما جرى بعد الصلح من قتل، وكيف يبرر القاتل قتله، ومَن هو وما يدور في خلده، وكيف أن سادة ذبيان أخمدوا الفتنة التي كادت أن تنطلق بالفديات الجزيلة.

ثم يلقي بببيته المتهكم برمزية عالية، وفيه شيئ من الجزع من سلوك البشر الذي لا يتغير، ويمضي على طبعه العدواني فيقول:

سئمتُ تكاليف الحياة ومن يعش

ثمانين حولا لا أبا لك يسأمِ

فيشير إلى ملله من شدائد الحياة ومرارتها، وكأنها لا تستحق العيش لما فيها من الشرور، ويشتد به الغضب عليهم، وكأنه ينبههم بأن الحياة لا تستحق هذه الحروب البلهاء الغبية التي أزهقت أرواح الأبرياء، وأشاعت الحزن والبغضاء.

وأعلم في اليوم والأمس قبله

ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي

وينادي القوم بحقيقة الأمور في الدنيا، فنحن ندري ما مضى وحضر ولا نعرف ما سيأتي، وعلينا أن نتعظ ونتعلم ونرتقي إلى الحلم والحكمة، ونستعمل عقلنا ونفعّله، فما فائدة هذه الحرب؟!

رأيت المنايا خبط عشواء مَن تُصب

تُمته ومن تُخطيئ يُعَمّر فيَهرمِ

ويعيدهم إلى حقيقة الدنيا وواقعها، ويُعلمهم بأن الموت يتخبط الأحياء بعشوائية، ومَن يصبه يرديه ومَن يفلت منه يعمر لبعض الوقت ثم يموت، فلا داعي لإستعجال موتكم لأنكم ستموتون عاجلا أو آجلا في هذه الدنيا، التي ما أبقت على ظهرها حيا قبلكم، فلماذا التقاتل لأتفه الأسباب؟!!

ومن لم يُصانع في أمورٍ كثيرةٍ

يُضرَّس بأنيابٍ ويوطأ بمَنسمِ

وهذا درس متمخض عن الحرب خلاصته أن الإنسان عليه أن يتعلم المهارات السياسية، بدلا من التفاعلات الوحشية التي تعكس مواقف طريقي أو لا طريق، أنت معي أو أنت عدوي، فهذه آليات تفاعل بلهاء تدفع إلى سفك الدماء والذل والهوان، فالإنسان قوي بمعيته وما حوله من أسباب التمكن والإقتدار، فالقبائل قوية ببعضها وضعيفة إن تقاتلت وتناهكت.

ومن يجعل المعروف من دون عِرضه

يَفرهُ ومن لا يتق الشتم يشتمِ

ويدعو إلى المعروف والإحسان ويؤكد أهميتهما في السلوك ما بين الناس، لأنهما يصونان وكأنهما دريئة توقي الإنسان من الشرور، فيحث القبيلتين على تعلم العمل بالمعروف والإحسان، بدلا من الكراهية والأحقاد والإمعان بالقتل الشديد الذي لا يجلب ما هو صالح للقوة والبقاء.

ومن يكُ ذا فضلٍ فيبخل بفضله

على قومه يُستغنَ عنه ويّذمَمِ

ويشجع الأثرياء من القوم على البذل والعطاء وينهاهم عن البخل، ففيه ضعف وفقدان لقيمتهم ودورهم في المجتمع، وعندما يبذلون ما عندهم كأنهم يسقون نبتة الوجود الإنساني الطيبة بسلاف المحبة والألفة والأخوة.

ويبدو أن للمال دوره في تهذيب السلوك والإنتقال به إلى مراتب سامية عند القبائل في ذلك الزمان، ولا يزال دوره مؤثرا حتى اليوم.

ومَن يوفِ لا يُذّمم ومَن يُهدَ قلبه

إلى مطمئن البِرِ لا يتجممِ

ويؤكد على أهمية الوفاء بالعهد وضرورته لإستقامة الحياة وعزتها وكرامتها، وينهى عن التظاهر بما لا يتوافق مع المطمور في الأعماق، لأن في ذلك نفاق وعدوان على القيم الصالحة والأخلاق الحميدة، التي هي عماد البأس والإقتدار. فالتزموا بعهودكم ومواثيقكم ولا تخلفوا العهد، لأن في ذلك عواقب مريرة وتداعيات خطيرة.

ومَن هاب أسباب المنايا ينلنه

وإن يرق أسبابَ السماء بسلم

ويشير هنا إلى الخوف كدافع سلوكي، وكأنه يحاجج الخائفين من الموت بأنهم لن يفروا منه مهما توهموا، لأنه قادم إليهم بشتى الأسباب، وما عليهم إلا أن يتحرروا من قبضة مخاوفهم ويمارسوا الحياة، لأن واقع الحرب الطويلة التي عاشوها أججت وعززت المخاوف والشك، وحولتهم إلى موجودات متحفزة للعدوان على بعضها.

ومن يجعل المعروف في غير أهله

يكن حمده ذمِّا عليه ويندمِ

وكأنه يريد القول " إتقي شر من أحسنت إليه"، فليس من السهل أن يحسن الإنسان لشخص أهل للإحسان، لكنه قد يرى ذلك، وهي معادلة تفاعلية صعبة ومرهقة، فالبشر والإحسان إليه ديناميكية سلوكية معقدة، لا تُعرف معطياتها، فالبعض يقر ويمتن والبعض ينكر وينتقم من المحسن إليه، وأكثر الناس من الذين يؤجج فيهم الإحسان نوازع النفس الأمارة بالسوء.

ومَن يعصِ أطراف الزجاج فإنه

يطيع العوالي رُكّبت كل لهدم

ويؤكد حقيقة أفضلية الصلح على الحرب، لأن الذي لا يجنح للسلم ستذله الحرب وتهينه وتسقيه كأس الندامة، فيتمنى لو أنه ما خاضها، فما جناه منها لا يقاس بما فقده فيها، وهذه قاعدة سلوكية يبتعد عنها البشر ويندفع للعدوان حتى يجثو على ركبتيه وينقضم ظهره، فيتوسل البعيد والقريب لإخراجه من ورطة الحرب.

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه

يُهدّم ومَن لا يظلم الناس يُظلم

هذا البيت يحتاج إلى صفحات عديدة لأنه كثّف فيه معاني سلوكية مطلقة وخبايا نفسية معقدة، فالذي لا يذود عن دياره بسلاحه تتدمر تلك الديار، وهذا واقع حالنا المعاصر الذي فيه عجزنا عن صناعة قوتنا، فاعتمدنا على غيرنا فتخربت ديارنا وتدمرت أحوالنا.

ويبدو أنه يشير بمعنى الظلم إلى الإقتدار والقوة، فالذي يفقد قدرته على حماية ما عنده، يكون فريسة سهلة للآخرين الطامعين فيه.

ومَن يغترب يحسب عدوا صديقه

ومن لم يُكرّم نفسه لم يكرّم

وهنا تعبير إستقراء مدهش، يعيشه الملايين من العرب، فالمغترب إلى مجتمعات أخرى يحسب أنه بين أصدقائه، لأن ما يحصل عليه في البلاد التي هاجر إليها لا يمكنه تحقيقها في موطنه، فيتوهم الذين من حوله أصدقاء، وهو لا يعرف لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم وقليل تجربة وخبرة بهم، وهذا ما يحصل عند العرب اليوم الذين غادروا بلدانهم وتنعموا بالحياة في مجتمعات غيرهم.

كما أنه يشير إلى ضرورة الإعتداد بالنفس والحفاظ على قيمتها ودورها في الحياة لأن الذي يذل نفسه سيتحقق إذلاله، وهذا ينطبق على الأفراد والجماعات والدول.

ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ

وإن خالها تخفى على الناس تُعلمِ

البيت يكشف عن خبرة نفسية عميقة وقدرة على فهم السلوك البشري، فهو السبّاق في هذا الميدان، ويرى أن ما يضمره الإنسان لا بد له أن يظهر في هفواته وتفاعلاته مع الآخرين، فالحب لا يمكن كتمانه مهما توهم المحب، وكذلك العدوان والكراهية، والمواقف السلبية تجاه الآخرين.

وتلك حقيقة سلوكية فاعلة في البشر منذ الأزل، بل وفي كافة المخلوقات.

وكائنْ ترى من صامتٍ لك معجبٍ

زيادته أو نقصه في التكلم

وهنا يعبّر عن معنى " تكلم لأراك"، وربما سبق في هذا فلاسفة اليونان، إذا يشير إلى أن منطق الإنسان وما يبوح به عندما يتكلم يرسم الصورة الأوضح عنه، أما أن تراه صامتا فلا يمكنك أن تقرر وتقدر هويته المعرفية والإنسانية وما هي معانيه.

والبيت يمنحة شهادة في علم النفس والفلسفة في عصره.

لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده

فلم يبقَ إلا صورة اللحم والدّم

تكلم لأرى نصف الصورة ودعني أصغي لكي تكتمل الصورة، وكأنه يترجم القول العربي " المرء بأصغريه لسانه وقلبه"، والعجيب في أمر الشاعر أنه سبر أغوار النفس وأجاد الغوص فيها وإستخلاص قوانينها الفاعلة والمؤثرة في مسيرة الحياة.

فالكلام دفق مما في الأعماق، وبهذا التدفق يمتلئ وعاء المعنى ويفيض فترى الواقع الشخصي بجلاء، مما يؤكد على إمتلاكه موهبة الإدراك النفسي الثاقب.

وإنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده

وإن الفتى بعد السفاهة يَحْلُمِ

وفي هذا البيت يعبّر عن " من شب على شيئ شاب عليه"، " وأن الغصون إذا قومتها اعْتدلت ...ولن تلينَ إذا كانت من الخَشب"، وهي خلاصة متمخضة من الحرب التي تحولت إلى مهزلة مأساوية لأسباب ضئيلة، لكنها تراكمت بالتقادم العدواني حتى تحوّلت إلى منازلة دامية ذات فصول ماساوية ضارية.

سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم

ومَن أكثر التسآل يوما سيحرمِ

ويختتم المعلقة بالمديح للشيخين من ذبيان، ويبين أنهما أعطيا وكلما طلب العطاء زادا بعطائهما، مع أن من طبع البشر أنه عندما يكرر السؤال لن ينال ما يريد، لأن الذي يسأله سيتذمر وينفر من الملحة، لكن الشيخين ذوي مكانة نفسية وروح إنسانية طيبة،

 لا تسمحان لهما بغير الجود والإغداق على السائلين.

هذا منطق العرب قبل الإسلام، وفيه براهين دحض وتفنيد للقول بأنهم كانوا أهل جاهلية، ومن الذين يتحركون على هامش الحياة، وتلك فرية إنتقاصية لا تجد ما يسوغها من الحجج، لكنها مرّت على العرب لكثافة الغفلة الفاعلة فيهم، وتصديقهم ما تقوَّله الآخرون عنهم.

***

د. صادق السامرائي

مفيد خنسةالصورة والبيان:

سأكتفي في هذا الجانب بدراسة التركيب الشعري التالي:

(تحاول أن تتقصى غموضي

وتبحث في ما وراء الضبابْ

وتفتح زراً يُطل

على باحة الوجدِ

تفتح آخرَ

يفضي إلى جهة في السحابْ)

تقديري أن النقد الكلاسيكي لا يمكنه الغوص عميقاً في الكشف عن المكنونات البلاغية في مثل هذا التركيب الشعري المركب، وسأحاول أن أبين آلية إعادة بسط التركيب الشعري وتحليله إلى مكوناته الأساسية ، ثم البحث عن المعاني والدلالات الواردة والمحتملة للجمل الشعرية التي يتضمنها هذا التركيب، باختصار سأحاول أن أبين كيف أحدث الشاعر تلك المعاني؟، وما هي الأساليب الفنية الجمالية التي استخدمها؟، وما هي المضامين التي يريد أن يقدمها؟، وما هي المعاني المحتملة للتركيب،

جمل التركيب: (القضايا)

الجملة الأولى: (تحاول أن تتقصى غموضي)

الجملة الثانية: (تبحث ما وراء الضباب)

الجملة الثالثة: (تفتح زرّاً)

الجملة الرابعة: (يطلّ...على باحة الوجد)

الجملة الخامسة: (تفتح آخرَ)

الجملة السادسة: (يفضي إلى جهة في السحابْ)

في الجملة الأولى: (تحاول أن تتقصى غموضي)

أولاً: المرادفات وتعدد المعاني:

نلاحظ أنها تتألف من (تحاول، أن تتقصى، غموضي) فالفعل (تحاول): يشير إلى اعتراف ضمنيّ منها أولاً، ومن الشاعر ثانياً بالعجز عن القيام بالتقصي، كما يشير إلى أن الشاعر على درجة من الغموض الذي لا يمكن لها أن تكشفه، مما يثير لديها الإصرار على الاستمرار في محاولاتها، وأصل الفعل: (حاول، يحاول، محاولةً، فهو مُحاوِل، والمفعولُ: مُحاوَل) أما معانيه، فقولنا: (حاول الشيء: أي أراد إدراكه وإنجازه)، وقولنا: (وجدناه يحاول الغش: أي يريد أن يغشّ بحيلة)، وقولنا: (حاول جاهداً: أي بذل جهداً) وقولنا: (حاول الأمرَ: أي طلبه بالحيل، أي بوسائل بارعة ابتغاء الوصول إلى المقصود)، وقولنا: (حاول المستحيل: أي بذل كل ما في الإمكان)، وإذا اكتفينا بهذه المعاني الخمسة للفعل حاول، ونظرنا إلى قوله: (أن تتقصى)، نجد أن أصل الفعل (تقصى، تقصّياً فهو متقصٍّ، والمفعول، متقصّى)، فقولنا: (تقصى مكان سُكناه: أي تباعد عنه)، وقولنا: (تقصى الجبل: أي صارفي أقصاه)، وقولنا: (تقصى الموضوع: أي بحث فيه بحثاً مستفيضاً)، وقولنا: (جاء يتقصى الحقائق: أي يبحث في تفاصيلها عن قرب وبدقة)، وقولنا: (تقصى الأمير جنوده: أي طلبهم واحداً واحداً)، وقولنا: (تقصى خطاه: أي تابعه، أو اقتدى به) فإذا اكتفينا بهذه المعاني السته، ثم لاحظنا أن (أن تتقصى) تؤول بمفرد وهو(تقصّي)

أي: تحاول تقصي غموضي، ووجدنا أن الغموض ضد الوضوح، يمكننا أن نقول: إن المعنى المراد من الجملة الأولى هو: (إنها تريد أن تبذل كل ما في إمكانها للبحث عن تفاصيل غموضه عن قرب وبدقة حتى تدركه)، ولا بد لنا من أن نلاحظ أن للجملة الشعرية معاني أخرى مستمدة من المعاني المتعددة لمرادفات كل كلمة.

ثانياً: الإمكانات الدلالية والاحتمالية:

قد يكون المعنى المراد ما ذكرناه في الفقرة السابقة، ولكن لا بد لنا من ملاحظة تعدد الإمكانات الدلالية للجملة الشعرية الأولى (تحاول أن تتقصى غموضي)، وإن كان من وجهة النظر الافتراضية، فإذا أردنا إيجاد عدد الإمكانات لاختيار ثلاثة معاني من المرادفات للمفردات التي تتألف منها الجملة الأولى، يمكن أن نطبق المبدأ الأساسي في العد، وعليه فيمكن اختيار معنى كلمة (تحاول) بخمس طرق، وكذلك يمكن اختيار معاني (أن تتقصى) بست طرق، ويمكن اختيار معنى (غموضي) بطريقتين على الأقل هما: الإبهام وعدم الوضوح، أي أننا نحصل على خمسة ضرب سته ضرب اثنين ويساوي ستين إمكانية، أي هناك ستون معنى ممكناً لهذه الجملة غير أننا نكتفي بالمعنى العام، فنقول: معنى الجملة مثلاً، هو كما ذكرنا (إنها تريد أن تبذل كل ما في إمكانها للبحث عن تفاصيل غموضه عن قرب وبدقة حتى تدركه)، وبهذا القول نكون قد تجاوزنا الإمكانات، أي المعاني الممكنة (الواقعية)، واكتفينا بالمعنى العام الأقرب، أي المعنى (الواقع)، وبكل أسف فإن العقل العربي يفسر الواقعية بأنها الواقع، وليس ذلك وحسب، بل يغرق بالماضي بما هو منقول، ويتجاهل الآلة القانونية التي يجب أن يراعيها كي تعصمه من الخطأ في الفكر، فيتناسى الحاضر، ويتناسى الإمكانات المتاحة أمامه من أجل أن يكون فاعلاً لا منفعلاً، منتجاً لا مستهلكاً، وإذا سأل سائلٌ، هل معقولٌ أن هذه الجملة التي تتألف من ثلاث كلمات يمكن أن تولد ستين معنى؟!، نقول له: من حقك أن تندهش، ومن واجبنا أن نوضح هذه الحقيقة العلمية البسيطة، وإذا قال: هل ذلك يعني أنني لا يمكن أن أفهم معنى هذه الجملة إلاّ إذا كنت أعرف هذه الإمكانات الستين؟، نقول له: يمكنك معرفة المعنى العام ولكن ستبقى جاهلاً معرفة أن معنى الجملة شيء، وأن إمكانات معنى الجملة شيء آخر، وإذا قال: وكيف لي أن أذكر هذه الحالات جميعها؟ نقول ليس المهم ذكرها كلها، المهم كيف نبني تفكيرنا بناء معرفياً يعتمد على العلم والمنطق. وسيكون ضرباً من العبث أن نذكر الحالات الممكنة لكل جملة، وفي الوقت نفسه سيكون ضرباً من التقصير أن نكتفي بالمعاني القريبة ونتجاهل الإمكانات الأخرى للمعاني. وسأضرب مثالاً وأعتذر لبساطته، لو قلنا في صندوق عشر كرات، بكم طريقة يمكن أن أخرج منه ست كرات على مرحلتين، فلو أن أحدنا أجاب، في المرحلة الأولى أخرج ثلاث كرات، وفي المرة الثانية أخرج ثلاث كرات، نقول الجواب صحيح، ولكن هل نكون قد أجبنا عن المطلوب؟ بالطبع لا، لماذا؟ لأننا نكون قد أغفلنا الإمكانات، إذن نحن أمام سؤال معرفي بسيط، وكل جواب صحيح لهذا السؤال هو إمكانية من مجموعة إمكانات النتائج الصحيحة، وهي مكونات العدد سته، وهنا لا بد أن نسأل قبل الإجابة: هل يشترط في كل من المرحلتين أن نسحب كرات من الصندوق، فإذا كان الجواب نعم يتطلب منا استبعاد حالة (سته، صفر)، و (صفر، سته)، وإذا كان الجواب لا، عندئذٍ نذكر حالة (صفر، سته) و(سته، صفر). أي في إحدى المرحلتين لا نسحب أي كره وفي المرحلة الأخرى نسحب ست كرات دفعة واحدة.

 إن هذه المحاكمة تمثل فلسفة الحل، وهي الكيفية التي يمكننا فيها تحديد الإمكانات المتاحة ومن ثم توظيف هذه الإمكانات المتاحة من أجل الوصول إلى معرفة، وفي تقديري فإن فلسفة الحل لا تقل أهمية عن الحل نفسه. لأن فلسفة الحل تقودنا إلى معرفة القوانين العامة الناظمة.

ثالثاً: التعدد الاحتمالي للجملة: (الجملة الممكنة) 

نعود إلى الجملة الأولى: (تحاول أن تتقصى غموضي)، وهي تتألف من ((تحاول)(1)، (أن تتقصى)(2)، (غموضي)(3)) على الترتيب، ونلاحظ أنه يمكن إعادة ترتيب الجملة بست طرق، وسأذكرها كلها وإن أسهبت قليلاً، (تحاول)(1)، (غموضي)(3)، (أن تتقصى)(2)) و ((غموضي)(3)، (تحاول)(1)، (أن تتقصى)(2)) و((غموضي)(3)، (أن تتقصى)(2)، تحاول)(1)) و((أن تتقصى)(2)، (تحاول)(1)، (غموضي)(3)) و(أن تتقصى)(2)، (غموضي)(3)، (تحاول)(1))، ولا بد أن نلاحظ ركاكة في بعض الحالات المفترضة، ومن الطبيعي أن تستبعدها فعليّا على الرغم من وجودها كإمكانية افتراضية، وهكذا يمكن أن نحصل على ست جمل إذا كانت الجملة الأصل مؤلفة من ثلاث كلمات، وإذا كانت الجملة مؤلفة من أربع كلمات فيمكن أن نحصل على أربعٍ وعشرين جملة، وإذا كانت الجملة مؤلفة من خمس كلمات فيمكن أن نحصل على مئة وعشرين جملة، وهكذا نجد كيف تتعدد إمكانات الحصول على جمل افتراضية ناتجة عن إعادة ترتيب المفردات في الجملة الواحدة، إن كل جملة من هذه الجمل تعتبر جملة ممكنة، ومعناها هو معنى احتمالي، وهذا مؤكد نظريّاً وإن كان افتراضيّاً، وليست الجملة الأصلية للشاعر إلا إمكانية متحققة من هذه الإمكانات المتاحة.

إن ما ذكرناه عن الجملة الأولى يمكن تطبيقه على كل جملة من جمل التركيب الشعري وتجاوزنا ذكره خشية الإطالة والتكرار.

رابعاً: المنطق الجمالي:

(1) تحديد القضايا

يصادف في هذا التركيب أن كل جملة من جمله هي جملة خبرية، وبالتالي يمكن اعتبارها قضية، فالقضايا هي:

القضية الأولى: (تحاول أن تتقصى غموضي (1)) هي قضية حملية موجبة الموضوع فيها هو الضمير الغائب (هي) والمحمول هو (تحاول)، والمعنى مجازي، والقضية الثانية: (تبحث ما وراء الضباب (2)) هي قضية حملية موجبة، الموضوع فيها هو الضمير الغائب (هي) والمحمول هو (تبحث)، والمعنى مجازي، والقضية الثالثة: (تفتح زرّاً (3)) هي قضية حملية موجبة الموضوع فيها هي الضمير الغائب، والمحمول هو(تفتح)، والمعنى حقيقي ويمكن أن يكون مجازي، والجملة الرابعة: (يطلّ...على باحة الوجد (4)) هي جملة حملية موجبة الموضوع فيها هو الضمير الغائب العائد إلى الزر، والمحمول فيها هو (يطل)، القضية

الخامسة: (تفتح آخرَ (5)) هي قضية حملية موجبة الموضوع هو الضمير الغائب (هي) والمحمول هو (تفتح) والمعنى حقيقي ويمكن أن يكون مجازي، والقضية السادسة: (يفضي إلى جهة في السحابْ (6)) هي جملة حملية موجبة الموضوع فيها الضمير الغائب (هو) الذي يعود إلى الزر، والمعنى مجازي.

(2) القضايا المركبة وأدوات الربط:

القضية المركبة هي كل قضية مكونة من قضيتين أو أكثر تربط بينها أدوات الربط،(وَ، أو، فرق، نفي)، من وجهة نظر المنطق، ويقابل القضية المركبة الحدث المركب، الذي يمثل مجموعة جزئية من فضاء احتمالي ناتج عن تجربة عشوائية مركبة، أي تتألف من تجربتين عشوائيتين أو أكثر، أو تتألف من تجربة واحدة مكررة عدداً من المرات، وهنا يمكننا أن نطبق خواص جبر المجموعات فنحصل على جبر الأحداث مع اعتبار الحدث هو مجموعة جزئية من فضاء العينة للتجربة العشوائية التي نجريها، مستخدمين العلاقات بين المجموعات (تقاطع، اجتماع، فرق، متمم) ولولا خشية الملل والإطالة لفصلت كثيراً في الأمر هنا، ولكن ما يهمني بصورة أساسية كيف يمكن توظيف المنطق والرياضيات وبالتالي الفلسفة في النقد الإبداعي ومنه نقد الشعر.

بالعودة إلى القضايا التي حددناها نجدها مرتبة على النحو، وسأستخدم الرموز للاختصار،

[ (1)، (2)، (3)، (4)، (5)، (6)]، ويمكننا إعادة ترتيب هذه القضايا ب(720)، أي يمكننا أن نحصل على سبعمئة وعشرين قضية، كما يمكننا أن نحصل على العدد نفسه من الجمل، وذلك بعدد إمكانات إعادة الترتيب للجمل الست، وإذا أخذنا بعين الاعتبار إمكانات إعادة الترتيب في كل جملة من الجمل كما فعلنا في الجملة الأولى سنجد عددا كبيراً جداً جدّاً من الجمل أو القضايا أو المجموعات أو الأحداث، ولنا أن نقدر كيف أن اللغة العربية توفر إمكانات لا متناهية من إحداث المعاني، ولنا أن نلاحظ أن لكل مبدع أسلوبه في إحداث المعاني باستخدام اللغة بحيث يتعذر أن يتطابق تركيبان بين مبدعين على مر التاريخ، لأن احتمال ذلك يكون قريباً جدّاً جدّاً من الصفر.

وبما أن ترتيب القضايا في المنطق على درجة بالغة في الأهمية، فلا يمكننا النظر إلى أي ترتيب آخر من منطلق أنه مكافئُ للترتيب الذي وردت به هذه القضايا في المقطع الشعري الذي ندرسه، ولكن مع الاحتفاظ في الترتيب للقضايا التي يتم الربط فيما بينها بأداة الربط (وَ) صراحة أو تقديراً، وإذا عرفنا أن التقاطع تجميعي، فيمكن تجميع القضايا الست بالطرق التالية: [(1)] وَ [(1) وَ (3) وَ (4) وَ (5) وَ (6)]، [(1) وَ (2)] وَ [(3) وَ(4) وَ (5) وَ (6)] وَ [(1) وَ(2)] وَ [(3)، (4)، (5)، (6)]، وَ ...... الخ، وهذا يذكرنا بالمثال الذي يتعلق بمكونات العدد(6) التي ذكرناها في مسألة سحب ست كرات من صندوق على مرحلتين، وفي كل حالة من الحالات نحصل على قضية مركبة.

خامساً: الصورة والبيان:

قبل البحث في الصور البيانية في هذا المقطع، لنتأمل التقابل بين مركبتي كلّ من الثنائيات، (تحاول، تفتح)، (الغموض، الضباب)، (يطل، يفضي)، (تبحث، تتقصى)، (جهة، باحة)، (الوجد، السحاب)، سنجد أنها متآلفة من حيث الدلالة والمعنى، وإذا تأملنا العلاقة بين الثنائيات، يمكننا أن نلاحظ أنها تشكل عناصر في عينة متجانسه، لا شذوذ فيها ولا نشاز، وهنا بالضبط سنحاول أن نوضح الكيفية التي أحدث الشاعر بها المعاني، حيث سنستقرئ المشهد من خلال مكوناته الأساسية:

أوّلاً: المفردات، ف(الزر)، يوحي ويدل على قميص الشاعر أو المعشوق الذي يغطي الجسد، فيبدو محجوباً متخفياً، وهو يقابل الضباب الذي يحجب الرؤية ويغطي الأشياء فتبدو متخفية غير واضحة، ولذلك هي تبحث ما وراء الضباب لكي تتقصى ذلك الغموض، والفعل (تفتح)، يوحي بالقرين له من المفردات وهو البابُ أو النافذة، والفعل (يطلُّ)، يدل على المكان، الشرفة أو السفح، أو القمة، والفعل يفضي: يدل على شيءٍ يؤدي إلى، أو (ينتهي ب)، أو (يوصل إلى). (والسحاب) يشير الخير والعطاء، ويمكن أن يوحي إلى الكثافة والغموض.

 ثانياً: الجمل، فجملة (تفتح زراً)، تقودنا إلى الباب الذي يفتح، أو النافذة التي تُفتح، وجملة (يطل على باحة الوجد)، توحي بإطلالة الرائي على الباحة، فيكون المعنى حقيقيّاً، ولكن قوله: (باحة الوجد) تجعل المعنى مجازياً، ومعنى الجملة يصبح مجازيّاً، لنلاحظ أن الزر يقابل (النافذة)، والمعنى هنا يمكن أن يكون حقيقياً حين

يعني به الشاعر زر القميص، ومجازيّاً حين يعني به الشاعر، نافذة للجسد الذي يغلف النفس والروح، فيبقى الشوق متخفّياً غامضاً،

وجملة (يفضي إلى جهة في السحاب) توحي بأن للسحاب جهات، وأن السحاب يحيط به من الجهات كلها،

والآن هل استطعنا أن نقترب من حدس الشاعر وهو يحدث المعاني والصور البيانيّة ؟!، إذن الجسدُ هو الذي يحجب النفس والروح، ومكنونات النفس والروح غامضة غير مكشوفة ومن الصعب جدّاً أن تدرك لأنها بطون، ولما كان الأمرُ كذلك، فلا يمكن العاشقة أن تصل إلى البطون إلاّ من خلال ما يظهر، وهو الجسد، لكن الجسد مغطى أو مغلف بالقميص المزرر، كما يغلف الضباب البيت فلا تبدو صورته واضحة، وهي تحاول أن تبحث في ما وراء الضباب لتعرف حقيقة مكونات هذا البيت، لذلك تفك زراً من قميص المعشوق لينكشف الصدر الذي يحتضن القلب واحة للوجد، ثم تستمرّ في فتح الأزرار إلى جهة السحاب الذي يمطرها بالعطاء وماء الحياة.

ثالثاً: البيان، قوله: (تحاول أن تتقصى غموضي) استعارة، وقوله: (تبحث في ما وراء الضباب) استعارة، وقوله: (تفتح زرّاً يطلّ/ على باحة الوجد) صورة بيانية ثنائيّة البعد، وقوله: (تفتح آخر/ يفضي إلى جهة في السحابْ) استعارة. ويغدو التركيب صورة حرة، لأنه يتضمن أكثر من ثلاث استعارات بآن واحد.

إن ما تقدم من التطبيق يمكن إجراؤه عل كلّ فرع من فروع القصيدة، وسأكتفي بالمعنى خشية الإطالة والتكرار. 

 الفرع الثالث:

يقول الشاعر:

(تحاول أن تطمئن عليَّ،

وتعرف أني على ما يرامْ

وتنظر فـيّ عميقاً

لتقرأ فوق غيومي اسمها

تحاول أن تتأكد

أني حفظت دروس الغرامْ

فتسأل:

بين الرصافة والجسر

ماذا جلبنَ

عيونُ المها ؟

**

تقول:

الشراشف تلمعُ ناصعةً،

أنت لي كنتَ هيأتَها ؟

تعثــَّر بالشرشف الوجدُ

لم أدْرِ ماذا أقول لها

وقتها

**

تقول:

يحيرني الصمتُ عندكَ.

من أي باب سأدخلُ!

صمتُكَ يتركُ لي وفرةً

في السديمِ ....

فقلتُ:

أعندكِ شيء

وما فيه حرتُ؟)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة العاشقة التي تحرص على تفقد أحوال العاشق من خلال الحوار وعقدته (تحاول أن تطمئن) وشعابه الرئيسة هي: (وتعرف أني على ما يرامْ) و(وتنظر فـيّ عميقاً) و(لتقرأ فوق غيومي اسمها) و(تحاول أن تتأكد/ أني حفظت دروس الغرامْ) و(تقول:/ الشراشف تلمعُ ناصعةً،/ أنت لي كنتَ هيأتَها ؟) و(تقول:/ ليحيرني الصمتُ عندكَ. ) و(من أي باب سأدخلُ! )، اما شعابه الثانوية فهي: (فتسأل: / بين الرصافة والجسر/ ماذا جلبنَ/ عيونُ المها ؟) و(تعثــَّر بالشرشف الوجدُ/ لم أدْرِ ماذا أقول لها/ وقتها) و(صمتُكَ يتركُ لي وفرةً/ في السديم.) و(فقلت:/ أعندكِ شيء/ وما فيه حرتُ؟).

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع خبري، إضافة إلى بعض الجمل الإنشائية، وفيه يتابع الشاعر بناء القصيدة بالأسلوب المتبع في الفرعين السابقين، فقوله: (تحاول أن تطمئن عليَّ،/ وتعرف أني على ما يرامْ) أي إنها تحرص على أن تطمئن عليه لتعرف ما إذا كان في الحالة التي يروق لها أن تكون، وقوله: (وتنظر فـيّ عميقاً لتقرأ فوق غيومي اسمها) أي تنظر إليه بتأمل وثبات كما لو أنها تريد أن تتأكد أن عيونها قد أسرنه وأصبح اسمها وحيداً في سماء غيومه، وقوله: (تحاول أن تتأكد أني حفظت دروس الغرامْ/ فتسأل: / بين الرصافة والجسر/ ماذا جلبنَ/ عيونُ المها ؟) أي ثم تريد أن تطمئن إن كانت قد جعلته عيونها يدخل إلى مدرسة الهوى، وتتأكد إن كان قد حفظ دروس الغرام بسببهما، فتسأل بدلالٍ وغنجٍ عما أجاب عنه علي ابن الجهم في قصيدته المشهورة التي مطلعها:

عيون المها بين الرصافة والجسر  جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

أي هل جلبت عيناها اللتان تشبهان عيون المها إليه الهوى من حيث يدري أو من حيث لا يدري!، وقوله: (تقول/: الشراشف تلمعُ ناصعةً،/ أنت لي كنتَ هيأتَها ؟) أي تلاحظ أن شراشف السرير ناصعة البياض على غير العادة، فتسأله إذا كان قد فعل ذلك من أجلها؟، وقوله: (تعثــَّر بالشرشف الوجدُ/ لم أدْرِ ماذا أقول لها/ وقتها) أي في تلك اللحظة الحرجة المفاجئة، حين أدرك أنها لاحظت حقيقة ما فعل من أجلها، كان سؤالها مباغتاً وحال موضوع بياض الشراشف بينه وبين شدة شوقه لها، حتى بدا مرتبكاً لا يدري في تلك اللحظة بماذا يجيب!، وقوله: (تقول: / يحيرني الصمتُ عندكَ. / من أي باب سأدخلُ! / صمتُكَ يتركُ لي وفرةً/ في السديمِ .... فقلتُ: / أعندكِ شيء/ وما فيه حرتُ؟) أي يحيرها صمته الذي يشكل بينها وبينه حاجزاً ضبابايًّ كثيفاً، فلا تعرف من أي باب يمكنها أن تدخل إلى عالمه الغامض، أما هو ليس الصمتُ وحدهُ الذي يحيره فيها، إنما ليس فيها من شيء لم يحتر به.

***

مفيد خنسه

 

 

4058 غسان كنفانيتعتبر رواية العاشق للراحل غسان كنفاني إحدى نماذج الأدب الفلسطيني المقاوم وهذا النوع له خصوصيته وحساسيته البالغة بسبب المخاضات الشرسة التي مرّ بها خلال عقود. ولا يخفى على أحد المعطيات التي أثرت في إنتاج مثل هذا العمل حيث ضياع أرض وتشرد أهل وهضم حقوق.

والقاريء لرواية العاشق يستطيع أن يلاحظ بأن غسان كنفاني قد تجاوز الرواية التقليدية ذات الصوت الواحد (المونولوجية) إلى الرواية ذات الأصوات المتعددة (البوليفينية) التي لم تظهر حسب ما رآه المنظر الروسي ميخائيل باختين إلا مع كتابات دويستوفسكي. ويقوم هذا النوع على تعدد الأصوات والشخصيات والمواقف والنتيجة هي تحرر تلك العناصر من سلطة الرواي (السارد) المطلق وهنا تمنح الرواية متعددة الأصوات شخوصها التي تتصارع فيما بينها فكريا وأيديولوجيا الاستقلالية في التعبير عن مواقفهم بكل حرية وصراحة وحتى لو كانت هذه الآراء مخالفة لرأي الكاتب. لذلك فهي تحوي أنماطا من الوعي المختلف عن وعي الكاتب وأيديولوجيته الشخصية. فنجد فيها ما الوعي السلبي والآخر الإيجابي وما هو ممكن من حيث تصوراته المستقبلية الإيجابية المبنية على تغيير الواقع واستبداله بواقع أفضل.

وقد يتمثل الوعي السلبي في رواية العاشق بشخصيتي الشيخ سلمان والحاج عباس الإقطاعيتين والشخصية الإقطاعية كما يصفها السارد شخصية تمتلك الأرض والناس وهي مجرد ذيل تابع للإنتداب البريطاني الحريصة على إرضاءه مقابل الحفاظ على ممتلكاتهم تلك ففي ص23 على لسان الشيخ سلمان (سيعتقد الإنجليز أنني كنت أخبئه هنا..من سيصدق أن الشيخ سلمان لم يكن يعرف؟).

أما الوعي الإيجابي فهو المتمثل بالشخصيات مثل زيد الذي التحق بالشيخ القسام للدفاع عن فلسطين من خلال ثورة 1936 ولو أن السارد يرفض ما حدث قبل التسلح الكامل لكي لا تذهب الثورة وجهودها سدى ففي ص 42 على لسان الحاج عباس (لقد التحق زيد بالشيخ القسام في تلال يعبد مجذوبا بالكلمة القصيرة الكافية التي كان يقولها ذلك الرجل:موتوا شهداء فمات زيد وضاعت أخبار زوجته وظلت زينب في بيتنا).

أما الوعي الممكن فقد مثله السارد بأحد أصوات الرواية ويمتلك عدة أسماء فعبد الكريم في يافا وحسنين في ترشيحا وقاسم في الغابشية والسجين. رقم 362 في سجن عكا وهذه الشخصية المتمثلة بأحد أبطال الرواية والذي لاحقه البوليس البريطاني بقيادة الكابتن الإنجليزي (بلاك) من يافا إلى ترشيحا إلى الغابشية ربما بتنقلها وهروبها أرادت تغيير الواقع إلى واقع أفضل ففي ص22 على لسان قاسم عن الكابتن بلاك ( وقد عطلت أنا بلا شك رتبته ثلاث سنوات كبيرة بالإضافة إلى المرارة التي سببتها له طوال ذلك الوقت الطويل).

وقد نجح غسان كنفاني من خلال نصه إدراج الآراء المختلفة وإن كانت متناقضة أن يكون محايدا وموضوعيا. لكننا نراه أحيانا قليلة يلجأ إلى التعبير عن رفضه لبعض الأمور عن طريق أصوات الرواية ففي ص43 على لسان حسنين ترشيحا يقول عن الحاج عباس (وأخذت أنظر إلى الحاج عباس جالسا وراء سبحته المصنوعة من بزر الزيتون) فكيف يكون إقطاعيا يتحكم بالعباد وبلقمة عيشهم في حين يمسك مسبحته فيتخفى خلفها ليظهر تدينه ويمارس إقطاعيته؟.

كما أننا نجد بأن الرواية متعددة الأصوات قد نتجت من جماع أفكار متعارضة منها ومتناقضة جدلا فالمهم هي الأفكار وليس الأبطال والفكرة في رواية العاشق هي رفض الاحتلال الخارجي والإقطاع الداخلي المتمثل بالشيخ سلمان والحاج عباس.

كما أن كل شخصية في الرواية متعددة الأصوات لها خصوصيتها في سرد الحدث الروائي بأسلوبه الخاص بعيدة عن سلطة المؤلف وهذا ما يلاحظه الدارس لرواية العاشق فالبطل عبد الكريم يتكلم بأسلوبه وقناعاته وكذلك الشيخ سلمان والحاج عباس والكابتن بلاك وحتى الأبطال الثانويين تحدثوا بأسلوبهم وأصواتهم الخاصة.

كما نجد تعدد الضمائر فنجد السارد قد لجأ إلى استخدام ضمائر مثل هو هي أنا أنتَ أنتِ .

وهناك تقنيات أخرى تستخدم في الرواية متعددة الأصوات مثل لغة الحوار ص19(فقال للرجل الذي كان يقف إلى جوار العربة: دع العاشق يتسلم الحمير).

كما تعددت أساليب الرواية مثل استخدامه التهجين وهو أن تستحضر الشخصية الحاضرة الشخصية الغائبة مثل ما جاء في ص12 على لسان الشيخ سلمان (سألته إن كان معجبا بالفرس فهز رأسه وربت على كتفها ونظر في عينيها وابتسم عندها سألته عن اسمه فقال: أنا قاسم).

كما نلاحظ أن الكاتب استخدم أسلوب الأسلبة وهو يتجسد في الحوار الداخلي للشخص مثل ما جاء في ص17 (سمعت صوتا ثالثا يقول لي: يا عاشق، وعرفت فورا أنني فقدت الشيء الأخير الذي حملته من تلال ترشيحا)

كما نجده يلجأ إلى استخدام أسلوب المحاكاة الساخرة مثلما جاء في ص43 على لسان الكابتن بلاك للميجور (إنك كي تقبض على عبد الكريم عليك أولا ان تلقي القبض على الأرض).

كما استخدم لغة الجسد ص14 (أحسست بالنار تسلخ راحتي قدمي وكدت أسمع نزيز الدم ينطفئ بصوت مسموع تحت بدني وفجأة رأيته ينظر إلي بعينين مفتوحتين على وسعهما) .

وأخير نستطيع القول بأن غسان كنفاني أبدع في توظيف الرواية متعددة الأصوات لإيصال رسالته للقارئ في عمله العاشق الذي اعتبره البعض بأنه من الروايات غير المكتملة للكاتب.

***

قراءة بديعة النعيمي

 

طالب عمران المعموريشكل من أشكال السرد، لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي.. جنس أدبي حديث قائم على عنوان ومتن وقفلة يمتاز بقصر الحجم يعتمد البنيان القصصي الايجاز والتقشف في اللغة والتكثيف والمفارقة والشعرية يسهم في تشكيل ثقافة المتلقي عبر تناصاته ورموزه وقراءاته للواقع وينتهي عادة بخاتمة او الغلق الاخير او ختم الكلام، النهاية أو القفلة التي تربك المتلقي بإيجازها وإضمارها وتكثيفها، وتخيب أفق انتظاره بجملها الصادمة المدهشة وهو الأمر الذي يمكن إمساكه مع (رأسي عشٌ للعصافير) مجموعة قصص قصيرة جدا للقاص خلدون السراي في طبعتها الاولى الصادرة عن دار أمل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا، 2022.

فمن العنوان نحاول ان نفتح به مغالق النص كونه علامة سيميائية، وبطاقة هوية للنص وسمة فارقة له وتكثيف المعنى، اراد (السراي) من خلال تلك العتبة مدخل يثبت مقصديته بالإيحاء وعدم المباشرة وبلغة انزياحيه وخروجا عن المألوف وجعل منه نواة متحركة لنسج نصوصه، والتي يمكن ان يطرح من الدلالة والمغزى العام الموجود في النص وتتعالق معه دلاليا، ولكن تبقى بنية العنوان (رأسي عشٌ للعصافير) المستنبطة من احدى قصص المجموعة ذات التكثيف العالي ووظيفته الاغرائية وايقاع نسقها الدرامي وتوترها السردي تثير الفضول وتفتح باب التأويل في ذهن القارئ لمعرفة ماذا تحمل نصوصه وماذا يحمل من دلالة هذا العش متشابك النسيج من تقاطع وتضاد وتنافر وتقابل وتشابك الافكار في العقل الانساني وما يطرحه لنا الناص من ذاتية ولعل هذا البعد النفسي بات ملمحا واضحا في أسلوبه للقص القصير جدا نلمس ذلك الاشتباك والصراع الفكري الذي يشبه عش العصافير، ويسجل بعض المعطيات الحسية الوصف المكثف للموت، والاغتراب، واليتم، والفقر..4056 خلدونالسراي

نراه جليا في المفردات التي وظفها في العنونة الداخلية1:

متلازمة/انسلاخ/اصابة/ نكوص/ انتصار/هروب/ تلاشٍ/ تكميم/ انكسار/ مأزق/ تعسّر/ استأصال/ متاهة / امتحان/ تربص/ تمرد/ ادراك/ خنوع/ هيام/ لقاء/ اختلاف/ اعاقة/ انزواء/ صدمة/ هاجس/ بوح/ أمنية،

كل هذه المفردات وما تضمنت المجموعة من نصوص تبين حالة الاعتراك النفسي المتمثلة بكل تللك الاضداد والتنافر والتقاطع.

احسن القاص في اختيار العنوان الرئيس للمجموعة من حيث كونه باعثا للغرابة والدهشة ونوع من الاثارة تركيبا ودلالة ومجازا تستند الى الانزياح اللغوي وخلخلة التركيب والمعنى، تستنهض رغبة وشهية القارئ وفضوله الذهني.

تضمنت المجموعة على اكثر من مئة عنوان معظمها جاءت بلفظ مفرد نكرة غير فاضح للنص يكون موضع اثارة واهتمام، حيث "يعد العنوان من ضمن بنية النص ولا ينفصل عنه مطلقا فلا نص بلا عنوان"2، وبعض الاخر من العنونة جاء بلفظ مركب لا يزيد على الكلمتين:

عذر شرعي/اشارات مدورة/ دون قصد/ انسحاب اضطراري / اصوات محروقة / المشهد الاخير/خلف الحجاب / خلف الجدران/ وجبة مستعارة/لقطة مؤجلة / كش بيدق /خروج اضطراري /عمر الورد/حجة مزيفة/دليل قاطع / عبث السنين/ بوح صامت / اثنا واحد/ الراعي الوحيد / ذاكرة مثقوبة.

استهل مجموعته بمناص اهدائي يفصح عن بعض ما استبطن في ذلك العش:

الى من رحلت دون أن تسعفني على انتزاع

ضحكتها الجميلة التي تمرح في رأسي الفارغ

تزخر مجموعته بالكثير من القصص القصيرة جدا واعني بذلك ليس كل نص قصير جدا يصنف لحساب القصة القصيرة جدا فقد ينزلق القاص الى الخاطرة الوجدانية او تقترب من قصيدة النثر من حيث معياريتها، وانا هنا في هذا الصدد ليس مشددا ومبالغ في المعيارية كون الاجناس الادبية عموما دخلت في غواية التجريب وانفلتت من سلطة الناقد الا ان هناك بعض العناصر المهمة التي سارت عليها القصة الا انها أشد كثافة وأكثر بلاغة من القصة القصيرة..

احتوت المجموعة نصوص قصيرة جدا يطلق عليها القصة الومضة والتي جاءت" اغلب التنظيرات تتفق على أن لا تقل عن ست أو سبع كلمات ولا تتجاوز العشرين كلمة"3 وقد وردت تلك القصص بالعناوين:

لقاء/ برهان / وفاء/ مدد/ جزاء/ امتحان / ادراك / وجبة مستعارة/ غطرسة/تحايل/ إيثار/ديمقراطية

جاءت المجموعة بلغة رشيقة مضغوطة وهي معظمها تقترب بحميمية من القصة القصيرة جدا

ابتدأ نصوص مجموعته القصصية بعنوان (متلازمة) وانتهى مجموعته بعنوان (ديمقراطية).

(متلازمة)1 تلك العنونة المفردة النكرة، غير فاضحة للنص، التي تكسر افق التلقي، ابتدأت بمدخل حواري (محكية ومسرودة):ص7

"قال العّراف: الثقب في جبهتك جاء نتيجة إفشائك سراً لشخص ما، "

يسرد حكايته بفعلها الغرائبي على شكل هذيانات وفق تقنية السرد موظفا خاصية التلميح والاقتضاب والنفس الجملي القصير التجريبي الجديد والخروج عن القص التقليدي والكلاسيكي كما هو في الرواية الجديدة ما بعد الحداثة ومن ثمة القصة القصيرة و القصة القصيرة جدا، انتهت بقفلة مدهشة صادمة تنفتح الى معنى تأويلي "رأيت الثقب مبتلعاً رأسي" حيث يلتجئ إليها السارد من أجل استدراج المتلقي لممارسة لعبة التأويل، وملء الفراغ والبياض.

فقد صنفتُ هكذا قفلة في كتابي المخطوط (تنوع القفلة في القصة القصيرة جداً) (الفانطاستيكية ) الدالة على السريالية والتي امتازت بنهايتها الغرائبية والتوتر وتأزم المواقف والتي فسرت لنا هذا التلازم المعنى الذي جاءت به العنونة (متلازمة)

قدم لنا القاص وفق تقنية القص القصير جداً رؤى ابداعية ولوحات فنية تقدم نفسها بلغة بسيطة ووصف مكثف وحوار، ذات مضامين وافكار متشظية داخل النص القصصي القصير جدا والموحي باحتمالات عديدة:

"اقرار

- انظر ياصديقي، سأنسى كل ما دار بيننا، سأتخلى عنك، نعم وسأعترف لك" في ذلك الصباح لم أكُ مسروراً حين استيقظت ورأيتك فيها، كنت أتمنى لو انني ذلك المسخ في رواية كافكا، أجل تلك الحشرة أجمل من وجهك العبوس" حطّمَ مرآته وخرج." ص21

نلمس في هذ النص ونصوص اخرى، النزعة الحوارية وتشظي الذات، اعتمد الكاتب اسلوب "الحوار المنولوج الداخلي في عدة صور يثير الاسئلة والاستفهام.. قد خرج من السرد التقليدي الى سرد ذي مهارة عالية بتقنية كاتب عارف بأدواته السردية وقادر على كسر القوالب الجاهزة"4:

(برهان / عذر شرعي / عولمة/ /كمومبارس/ نجاة/ /لقاء/ حجة مزيفة/.

اتسم أسلوب القاص في سرده القصصي بأسلوب يعبر عن شعور انساني على لسان سارد متكلم يتناول الجانب التعبيري الذاتي:

"نكوص

يقلقني موعد ميلادها، أشعر أني أفقدها كلما هرمت، ابتعدت عن كل شيء يؤلمني، حتى زوجتي التي دائما ما تجهد نفسها لمواساتي، لم أكترث لموتها.. كانت تزعجني حين تقول: لا داعي لكل هذه الشموع؛ منذ صباك وانت يتيم." ص14

يظهر في هذا المشهد الحركي؛ الذي يعبر عن الالم الداخلي والمعاناة الذي خلفه الفقد، الذي انتقل اسلوبه السردي من الاسلوب المباشر الواضح الذي تجسد بلغة تعبيرية رسمت تلك الانفعالات الى السرد بأسلوب تعبيري غير مباشر عن الانفعال والاضطراب النفسيين.

وظف السراي بلغة تُنسج وفق اسلوب تعبيري يشكلها تبعاً لمشاعره وردود افعاله النفسية فتتسم بالإيحاء والرموز تجمع بين الحقيقة والخيال والمعقول واللامعقول وتجسيد صور تمثل الاحساس والشعور وما يعتمل داخل النفس وما يشتبك من افكار نرى ذلك جليا في نصه (تدبير): ص13

"كنت اراقبه وهو يلتهم كل شيء، ها قد وفر مكاناً لشخص آخر، عدت مسرعاً لزوجتي، ايقظتها من نومها وأخبرتها بأني حصلت على مأوى يجمعنا دون وعي منها ولفرحتها رافقتني حتى دخلنا ذلك البيت، شعرت بسعادة كبيرة تفوق بهجة الدود الذي اتخمته جثتي."

خلاصة لتجربة سردية ذات آلية جمالية مركزها المغامرة والتجريب، يستخدم القاص اسلوب الاسترجاع الفني عبر التذكر او الحلم والحوار الباطني، نصوص سردية تميزت وتفردت في توهجها.

***

طالب عمران المعموري

...........................

المصادر

1- السراي، خلدون، رأسي عشٌ للعصافير، ط1، دار أمل الجديدة، سورية، دمشق، 2022.

2- الميالي، محمد، دهشة الوجيز: مقالات وقراءات في السرد، ط1، دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، 2021.

3- هيثم بهنام بردى، القصة القصيرة جدا – الريادة العراقية، ط1، دار غيداء للنشر والتوزيع، عمان، 2016.ص 12

4- المعموري، غانم عمران، المغايرة والتجريب في السرد الروائي، ط1، دار أمارجي للطباعة والنشر، العراق، 2022.

 

مفيد خنسةهل نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا: إنّ مخيلة الشاعر هي أشبه بعدسة الكاميرا التي تتسم بسرعات عالية بالتجوال في الأمكنة التي يعرفها الشاعر، وفي الأمكنة المتخيلة التي لم تطأْها قدماه؟، لكنها قد لا تمتلك الدقة التي تتسم بها الكاميرات الحديثة ولا ينبغي لها، والشاعرُ حين يكتب الشعر إنما يستقبله من تلك العدسة الراصدة، ثم يرسله باستخدام اللغة، لتصبح القصيدة كالمرآة التي تعيد عكس الصور الملتقطة عن الخيال بإحكام الشاعر الذي يصور ويستحضر ويتخل ويبدع ثم يرسل، ويمكننا أن نتخيل كيف تكون الحالة مع شاعر ينقل تفاصيل حديث يدور بين امرأة فاتنة على حرير السرير وبين شاعرٍ يجيد الاستحضار والتخيل والإبداع والعشق، أما وقد فعل الشاعر صقر عليشي في عرض تفاصيل ذلك الحديث فإنني سأحاول إعادة القراءة لقصيدته (عواقب الحرير) إحدى قصائد مجموعته الشعريّة (الغزال) بتطبيق منهج النقد الاحتمالي.

الفرع الأول:

يقول الشاعر:

(تقول:

أجِلْ فـيَّ عينيكَ،

دقّقْ كما تشتهي عن كثبْ

إذا كنت تعرفُ،

هذا الجمال إلى

أين ترجعه في النسبْ؟

فقلت:

بلا شكّ، أخوالهُ

وأعمامُهُ من عيونِ الأدب

**

تراخيتُ واربدّ حولي

فضاء السريرْ

فقالت: بماذا تفكرُ؟

ما الأمرُ؟

قلتُ: يداكِ... يداكِ

... أخاف عواقب هذا

الحريرْ

**

وقلت:

أراك تشعين أكثر مما

هي العادةُ، اليومَ

هذا ضياؤك يمضي،

يغيّر لونَ الأثاث،

ويسعدهُ.

ما الخبر ؟

فقالت:

بلعتُ القمرْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة الجمال في حوار بين عاشقين على السرير وعقدته (أجِل فيّ عينيك)، وشعابه الرئيسة هي: (تقول:/ أجِلْ فـيَّ عينيكَ،) و(دقّقْ كما تشتهي عن كثبْ) و(إذا كنت تعرفُ،/ هذا الجمال إلى/ أين ترجعه في النسبْ؟) و(فقالت: بماذا تفكرُ؟/ ما الأمرُ؟) و(فقالت:/ بلعتُ القمرْ). أما شعابه الثانوية فهي: (فقلت: / بلا شكّ، أخوالهُ/ وأعمامُهُ من عيونِ الأدب) و(تراخيتُ واربدّ حولي/ فضاء السريرْ) و(قلتُ: يداكِ... يداكِ.../ أخاف عواقب هذا/ الحريرْ) و(وقلت:/ أراك تشعين أكثر مما/ هي العادةُ، اليومَ) و(هذا ضياؤك يمضي،/ يغيّر لونَ الأثاث،/ ويسعدهُ/ ما الخبر؟)

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع يجمع بين الخبري والإنشائي، حيث يؤالف بين مستويين من الحوار بين الشاعر العاشق والعاشقة الجميلة، والعاشقة تبدو على درجة عالية من الجدية بينما الشاعر يبدو عاديّا طبيعياً إلى درجة يبدو فيها لا مبالياً، فيشكل الشاعر ما يشبه المفاجأة أو الصدمة لدى القارئ وقد يفسر هذا الأسلوب بالساخر، ولا أنكر أن هذا الأسلوب قد ينطوي على سخرية، لكنه ذو دلالات جمالية ومعنوية سأحاول توضيحها، فقوله: (تقول: أجِلْ فـيَّ عينيكَ،/ دقّقْ كما تشتهي عن كثبْ) يشير إلى أن هذا الحوار هو حوار افتراضي، لأن مثل هذا الحديث لا يحصل بين عاشق وعاشقة في لحظات الوجد، ولكن قد يحصل أن تتساءل فتاة غنوج بدلال للفت الانتباه والإثارة، وقد يحصل أن تطلب امرأة تعاني من نقص بجمالها من رجل معجب بها أن يجيل النظر إليها ليكتشف مواطن جمالها التي لا يقدر اكتشافه العامة من الرجال، وإذا كان المعنى القريب للتركيب هو أن العاشقة تطلب من الشاعر أن يجيل النظر فيها، وتضيف إليه بأن يدقق كما يشاء بالنظر عن قرب إليه كلها، فإن استخدام الشاعر المفردة(فيّ) هي التي تساعد على فتح إمكانات جديدة للمعاني الممكنة التي تزيد عن المعنى القريب، أي لا تقصد جمال وجهها ويديها وشعرها ونحرها وما ظهر من جمالها للعامة، إنما تعني ما خفي من جمال جسدها، ولذلك هي لم تكتف بأن ينظر نظرة عامة إلى جسدها المكشوف إنما تريده أن يمعن النظر كيفما أراد وأينما أراد إلى كامل الجسد، وقوله: (إذا كنت تعرفُ،/ هذا الجمال إلى / أين ترجعه في النسبْ؟) يبين أن السبب في طلبها ليس الإغراء الجنسي كما هو متوقع، ولكنها تأمره أن يجيل النظر فيها وأن يدقق كما يشتهي من أجل أن تتأكد إذا كان يعرف هذا الجمال، فإذا أخذنا المعنى القريب للقول: (إذا كنت تعرف هذا الجمال) نكون قد قتلنا المعنى وأتلفناه وأضعنا حق الجملة فيما تحمل من معنى، كما نكون قد خيبنا أمل الشاعر، فالجمال لا يعرف عن طريق المحاكمة العقلية، إنما يكون التعرف إلى الجمال عن طريق الذائقة، والمقصود من قول العاشقة، أي إذا كنت قد رأيت في حياتك مثل هذا الجمال، وقوله: (أين ترجعه في النسبْ؟) يضعنا أمام مفاجأة غير متوقعة أيضاً، فالهدف الثاني من طلبها له أن يدقق فيها هو أن تتعرف إلى يعيد نسب جمالها، وهو سؤال فيه تورية ومكر، لأنها تسأله عن نسب جمالها فيما تقصد محاولة إثارته بجمالها الفريد، وقوله: (فقلت: / بلا شكّ، أخوالهُ / وأعمامُهُ من عيونِ الأدب) يشير إلى أن الشاعر يبادلها مكراً بمكر، إذ يأخذ الأمر على غير ما قصدته، وهو النسب الحقيقي (أخواله) و(أعمامه) من جهة، ومن ثم النسب المجازي كما لو أنها قصيدة من عيون الشعر، أو أنها قطعةٌ أدبيّة نادرة، وهذا هو المعنى القريب، أما المعنى البعيد فيوحي بأن ما يماثل هذا الجسد مما سلف من النساء الجميلات قد كتب الشعراء والأدباء فيها من عيون الأدب الذي بقي خالداً عبر الزمن، وقوله: (تراخيتُ واربدّ حولي/ فضاء السريرْ) أي أصبح رخواً خائر القوى وقد تغير لون الفضاء الذي يحوي السرير الذي يجمعهما معاً، وقوله: (فقالت: بماذا تفكرُ؟/ ما الأمرُ؟) يشير هذا الترادف بسؤالين متتابعين من دون أن تترك فرصة للجواب، إلى أن سؤالها الأول (بماذا تفكر؟) لم يكن معبراً تماماً عن الحالة التي انتابته، فللوهلة الأولى خالت أنه قد انشغل فجأة بقضية ما، ولكنها تستدرك بعد أن لاحظت أنه متراخٍ خائر القوى، لتسأله: (ما الأمر؟) أي ماذا حصل له؟ وقوله: (قلتُ: يداكِ... يداكِ... أخاف عواقب هذا/ الحريرْ) أي إنه لم يعد قادراً أن يصمد أما هذا الجمال المثير، وهو إن قال: يداك.. يداك فإنه يقصد جسدها المثير كله فاكتفى بذكر يديها وقد تملكه الخوف من العواقب التي يمكن أن يسببها ذلك الجمال المثير، وقوله: (وقلت: / أراك تشعين أكثر مما/ هي العادةُ، اليومَ/ هذا ضياؤك يمضي، / يغيّر لونَ الأثاث،/ ويسعدهُ. / ما الخبر ؟/ فقالت: / بلعتُ القمرْ) يشير إلى مقدمة مديحٍ مبالغٍ بها من الشاعر العاشق حين يرى صديقته وقد بدت أكثر جمالاً وروعة وبهاءً، ويزعم أنه يراها في ذلك اليوم تشع أكثر من أيّ يوم مضى، حتى أنه وجد ضياءها يغير لون الأساس من شدة سطوعه فتبدو أكثر جمالاً سعادةً فيسألها: (ما الخبر؟) وحين تقول: (بلعت القمر) فإن ذلك يشير إلى معنيين الأول أن تأخذ العاشقة سؤال الشاعر العاشق على محمل الجد فيكون الجواب مناسباً للسؤال بعد المقدمة، بأن جمالها مستمد من جمال القمر، لأن جمال القمر لا يوازيه أي جمال لأن نوره يفوق كل وصف، والمعنى الثاني أن تأخذ العاشقة كلام الشاعر العاشق في سياق المبالغة في وصف جمالها بما ليست هي عليه، فيجيء جوابها مبالغاً بما لا يمكن أن تكون عليه من الجمال، فتبادله الموقف ذاته، وفي الأحوال جميعاً جوابها يحدث إثارة للذهن ومتعة للمتلقي، لمفاجأته بما لا يتوقع.

المعاني والبيان والبديع:

(1) المعاني:

القصيدة مبنية عموماً على فعلين أساسيين هما: (تقول) و(أقول) والزمن مضارع كما هو واضح، وهذا يشير إلى الزمن الحاضر، وكأن الحدث ما زال مستمرّاً، والقول: هو كل لفظ ينطق به اللسان، وإذا كان القول تام المعنى، دعي (كلاماً)، وهكذا فالكلام: هو قولٌ تام المعنى، و(قولها) و(قوله)، ليس بالضرورة على صيغة حوارية، وليس على طريقة السؤال والجواب، إنما الأقوال لديهما، قد تتباين أو تتخالف أو تتطابق أو تترادف ... وإن كان المناخ العام يشير إلى وجودهما معاً هي التي تقول، وهو الذي يقول، متقاربين إلى درجة الحب، ولكنهما متباعدان إلى حد الاختلاف، فالأسلوب في قولها: (أجل فيّ عينيك) إنشائيّ طلبي، والأسلوب في قولها: (دقق كما تشتهي عن كسب) وقولها: (هذا الجمال إلى / أين ترجعه في النسبْ؟) وقولها: (بماذا تفكرُ؟/ ما الأمرُ؟) وقوله/ (ما الخبر؟) إنشائيّ طلبي أيضاً، لأن كل جملة من هذه الجمل لا تحتمل التصديق أو التكذيب، والأسلوب في قوله: (بلا شكّ، أخوالهُ/ وأعمامُهُ من عيونِ الأدب) وقوله: (تراخيتُ واربدّ حولي/ فضاء السريرْ) وقوله: (يداكِ... يداكِ/ أخاف عواقب هذا الحرير) وقوله: (أراك تشعين أكثر مما/ هي العادةُ، اليومَ) وقوله: (هذا ضياؤك يمضي،/ يغيّر لونَ الأثاث،/ ويسعدهُ. ) وقولها: (بلعت القمر) خبري، لأن كل جملة من هذه الجمل تحتمل الصدق أو الكذب، وقوله: (أجِل فيّ عينيك) أسلوب قصر، لتقديم الجار والمجرور على المفعول به (عينيك)، وقوله: (دقّقْ كما تشتهي عن كثبْ) فالمعنى (كما تشتهي) اعتراضي زائد لا يؤثر حذفه على معنى الجملة، أي (دقق عن كثب). وقوله: (يداكِ... يداكِ) توكيد لفظي. وقوله: (بلا شكّ، وأعمامُهُ من عيونِ الأدب) توكيد.

المعنى المقدر: إذا أمعنا النظر إلى قول الشاعر: (إذا كنت تعرفُ،/ هذا الجمال إلى/ أين ترجعه في النسبْ؟)، نلاحظ أن الجملة: (إذا كنت تعرف) تتألف من أداة الشرط غير الجازمة (إذا) وهي ظرفية حينية متضمنة معنى الشرط، و(كنت) فعل ماض ناقص والتاء في محل رفع اسم كان، و(تعرف) فعل مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، وجملة (تعرف) في محل رفع خبر، والتفصيل هنا ليس بقصد التعليم إنما بهدف أن نبين المعنى المقدّر ماذا يعني؟، أولاً الفعل (عرف) فعلٌ متعدّ، غير أن الشاعر حذف ما يتعدى إليه، وأبقى ما يدل عليه، وهو (هذا الجمال) ليصبح المعنى المقدر المحذوف (أنساب الجمال) أو (أصول الجمال) أو (مصادر الجمال) أو(معاجم الجمال)، ومن دون شك فإن قوله: (هذا الجمال) هو مبتدأ، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به للفعل (تعرف)، لأن هذا المعنى هو المعنى القريب الظاهر الذي يشير إلى المعنى المقدر المحذوف، وقد تقدّمَ التوضيح في الفقرة الأولى من المعنى، ثم إذا نظرنا إلى التركيب المشطور عند حرف الجر (إلى)، ليبدأ الشاعر شطرة جديدة باسم الاستفهام (أين)، سنتبين أمرين:

الأول: تقديم (هذا الجمال) على الفعل وهو أسلوب قصر، لتقديم ما حقه التأخير، أي الأصل: (إلى أين تُرجِع هذا الجمال في النسب؟) فيصبح (هذا الجمال) اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، والجمال بدل من اسم الإشارة، بحيث لا يكون (هذا الجمال) مفعولاً به للفعل (تعرف) كما ذكرنا، ولا يكون مفعولاً به للفعل (ترجعه)، من هنا كان هذا القطع الدال عند حرف الجر (إلى) بالفصل بين الجملتين لعدم اكتمال المعنى إلا بالتقدير لما هو محذوف.

الثاني: إن (أين) تشير إلى الظرفية المكانية، وكأنها تسأله عن النسب المكاني المنحدر منه هذا الجمال، وهذا المعنى القريب الذي لا يريده الشاعر وإن كانت الجملة تحتمل هذا المعنى، من حيث إذا كان هذا الجمال صحراوياً أم ساحليّاً أم من البادية أم جبليّاً... الخ، ولعل المعنى المراد هو: إذا كان الشاعر خبيراً بمعرفة ما يروى عن النساء الجميلات في التاريخ الإنساني فجمالها يشبه جمال أي امرأة من اللواتي عرفهن؟!. والنسب في الجمال يشير إلى أنه قيمة إنسانية كبرى.

يقظة المعنى:

ليس على طريقة الفيلسوف الوجودي والشاعر الدانماركي سورين كيركغارد (1813-1855) الذي قال بدوخة الحرية، ولكنني استخلصت هذه التسمية منه وذلك بما يتناسب مع الأسلوب الذي تتسم به هذه القصيدة عند الشاعر صقر عليشي، حيث يعتمد في كل فرع من فروع القصيدة، أو لنقل في كل تركيب شعري مستقل فيها، على تصوير مشهد من خلال قولها أو قوله، بحيث يبدو كل منهما غافلاً عما يريد منه الآخر، فيأخذ القارئ أو المتلقي إلى أجواء ذلك المشهد الذي يوحي بنتائج منسجمة مع المقدمات المثيرة التي يمهد لها، حتى تتملكه الغفلة التي يعيشها أحدهما أو كلاهما، لتأتي خاتمة التركيب الشعري كالوخزة التي توقظ المتلقي من هذه الغفلة، ثم تجعلنا نتأمل المشهد الشعري من جديد، فنعيد ترتيبه اعتماداً على هذه اليقظة التي وفرها المعنى الواخز من أجل اليقظة والخروج من حالة الغفلة والشرود والتعمية التي تشكلها مظاهر الإثارة والرغبة إلى حالة من الوعي العميق للمشاهد الشعرية المرسومة بصدق وحرفية.

وخزة أولى: (فقلت/: بلا شكّ، أخوالهُ/ وأعمامُهُ من عيونِ الأدب)

تتمركز الوخزة عند قوله: (من عيون الأدب) فتوقظ لدينا الوعي للمعنى المراد والمعنى المحتمل، فما علاقة جمالها بعيون الأدب، أما المعنى المراد: أنه كُتب بجمال جسد المرأة ما يصنف بعيون الشعر والأدب، وأما من المعاني المحتملة: أنه لا يعرف أنساب الجمال، أو أنه يسخر من الجمال الحسي ويمجد الجمال المعنوي، أو دعابة بين عاشقين، ... الخ. وهنا ليس القصد أن يضيقَ المعنى ليصبح على مقاس الكلام، بقدر ما نقصد خاصية الأسلوب لدى الشاعر في هذه القصيدة، ولا أغامر بالقول: لعلّ هذا الأسلوب هو أحد أهم ميزات تجربته الشعرية عامة لأن مثل هذا الاستنتاج لا يكون إلاّ من خلال التطبيق النقدي على التجربة الشعرية عامة.

وخزة ثانية: قوله: (قلتُ: يداكِ... يداكِ... أخاف عواقب هذا/ الحريرْ)

تبدو غافلة عن سبب تراخيه، حتى تظنه أنه ينشغل عنها بأمرٍ ما! وهما على سرير الحب!، وحين تلاحظ أن حالته ليست بسبب انشغاله عنها، تتأكد أن أمراً مفاجئاً قد اعتراه، ثم تبدأ الوخزة بقوله: (يداك .. يداك ..)، ثم تتركز الوخزة بقوله: (أخاف عواقب هذا الحرير)، لتوقظ المتلقي من آثار المقدمات التمهيدية التي تشغل الذهن، وتثير العاطفة، وتحرك الإحساس، وتستنهض الرغبة، بجواب واخزٍ ومؤثر، وبعدها لا بد من التأمل من جديد، لنتأكد أن المقصود ليس يديها، لأن يديها مكشوفتان على الدوام، في السرير وغيره، إنما يقصد حرير الجسد المكشوف على السرير، الجسد الذي طلبت منه أن يجيل عينيه فيه، الجسد الذي سألته إلى أين يرجعه في النسب؟، فأوهم المتلقي بتغافله عن تأثير ذلك الجمال الفتان عليه في الوخزة الأولى، وفي الوخزة الثانية يحاول أن يتعامى عن حرير الجسد الذي يعنيه بحرير اليدين، أي ذكر المعنى القريب في حين أنه يقصد المعنى البعيد. وهذا ضربٌ من التورية.

(2) الصورة والبيان:

على الرغم من أن نمط القصيدة لا يعتمد بصورة أساسية على التخييل والصور البيانية، إلاّ أن الخيال يبدو حاضراً في هذا الفرع، فقوله: (هذا الجمال إلى/ أين ترجعه في النسبْ؟) استعارة، وقوله: (بلا شكّ، أخوالهُ/ وأعمامُهُ من عيونِ الأدب) استعارة، وقوله: (هذا ضياؤك يمضي،) استعارة، وقوله: (بلعت القمر) كناية عن شدة توهجها وجمالها.

(3) البديع:

قوله: (... عن كسبْ، .... في النسبْ، .... من عيون الأدبْ) سجع، يطرب الأذن ويثير الانتباه، وقوله: (... فضاء السريرْ، و... عواقب هذا الحريرْ) سجع، وقوله: (... بماذا تفكرُ؟ و .... ما الأمرُ) سجع، وقوله: (... ما الخبرْ، و ... بلعتُ القمرْ) سجع، وقوله: (بلا شكّ، أخوالهُ/ وأعمامُهُ من عيونِ الأدب) تورية ذكر المعنى القريب ويعني المعنى البعيد كما بيّنا، وقوله: (يداكِ... يداكِ/ أخاف عواقب هذا / الحريرْ) تورية.  

الفرع الثاني:

يقول الشاعر:

(إنه صوتها...

ليس يؤمنُ جانبهُ صوتها..

حيثما مرّ ليس من مادّةٍ

غير قابلةٍ لاشتعالِ ...

ولاحظ أمري صديقي ...

تساءل: مالك؟

قلتُ له: وعكةٌ وتمرُّ،

أصابتْ جبالي

**

تحاول أن تتقصى غموضي

وتبحث في ما وراء الضبابْ

وتفتح زراً يُطل

على باحة الوجدِ

تفتح آخرَ

يفضي إلى جهة في السحابْ

**

أقول بقصد المزاح:

أرى الشوق عندك

في آخر الشوط صارا

تمدّ يديها إلى صدرها

وتخرج شوقاً جديداً.. جديداً

كأثوابنا ليلة العيدِ

أيّام كنا صغارا

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة الأثر الذي تتركه العاشقة على الشاعر العاشق وعقدته (إنه صوتها) وشعابه الرئيسة هي: (ليس يؤمنُ جانبهُ صوتها.. ) و(حيثما مرّ ليس من مادّةٍ/ غير قابلةٍ لاشتعالِ) و(تحاول أن تتقصى غموضي/ وتبحث في ما وراء الضبابْ) و(وتفتح زراً يُطل/ على باحة الوجدِ/ تفتح آخرَ/ يفضي إلى جهة في السحابْ)، أما شهابه الثانوية فهي: (ولاحظ أمري صديقي .../ تساءل: مالك؟/ قلتُ له: وعكةٌ وتمرُّ،/ أصابتْ جبالي) و(أقول بقصد المزاح: / أرى الشوق عندك/ في آخر الشوط صارا) و(تمدّ يديها إلى صدرها/ وتخرج شوقاً جديداً.. جديداً/ كأثوابنا ليلة العيدِ/ أيّام كنا صغارا).

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع خبري، ومن الواضح أن المشهد فيه مختلف عن المشهد في الفرع الأول، فبعد أن كان الحوار بينهما، هي وهو على السرير، أصبح المشهد في مكان عام ليبين الشاعر أثرها عليه، فقوله: (إنه صوتها ...) يشير إلى أنه عرفها من صوتها من دون أن يراها، لأن صوتها ترك في نفسه أثراً مفاجئاً عند سماعه، وقوله: (ليس يؤمنُ جانبهُ صوتها...) أي لصوتها تأثير قوي سلبي لدى السامع لذلك لا يؤمن جانبه، وبصورة خاصة من جهة الشاعر، وقوله: (حيثما مرّ ليس من مادّةٍ/ غير قابلةٍ لاشتعالِ)، ليبين شدة أثر صوتها على الأشياء التي يمر بها، فندرك أن الأثر الذي بدا سلبيّاً في الجملة السابقة، هو أن صوتها أثار في نفسه الرغبة والاشتهاء، وأشعل بداخله ما لم يكن قابلاً للاشتعال من دونه، وهذا ذمّ في مقام المدح، والمعنى هنا مجازي، وقوله: (ولاحظ أمري صديقي ... تساءل: مالك؟) أي بدت آثار صوتها عليه حتى لاحظ صديقه الذي يرافقه في مكان عام علامات تلك الآثار المفاجئة، فسأله عما جرى له، وقوله: (قلتُ له: وعكةٌ وتمرُّ، أصابتْ جبالي) أي أصابت مرْضةٌ عارضةٌ الموقع الأكثر صلابة وثباتاً في كيانه، ومعنى (وعكة وتمرّ) أي أن هذه المرضة العابرة ستنتهي مع انتهاء مرور صوتها، لذلك هو يعرف أن الوعكة ستمر مع مرور المسبب لها، وقوله: (تحاول أن تتقصى غموضي) أي تحاول أن تكشف عما خفي منه عنها، وقوله: (وتبحث في ما وراء الضبابْ) أي تحاول أن تتجاوز في الكشف كل ما يعكر صفو رؤيتها، فتبدد الضباب لتبحث عما وراءه من المستور، وقوله: (وتفتح زراً يُطل/ على باحة الوجدِ/ تفتح آخرَ/ يفضي إلى جهة في السحابْ) أي تفتح زر الضباب الذي يحجب عنها الرؤية، كما تفتح زر قميصه عن صدره الطافح بالشوق، ولكنها لا تكتفي، فتفتح زرّاً آخر ينتهي إلى جهة في السحاب الذي يبدو أكثر كثافة وأكثر غموضاً، أي إن محاولتها فاشلة في تقصي غموضه، ويمكن أن يكون المعنى أنها تفتح زرّاً آخر حتى تصل إلى جهة الخصب والعطاء الذي يشبه الغيم حين تنسكب أمطاره على الأرض العطشى، وقوله: (أقول بقصد المزاح: / أرى الشوق عندك/ في آخر الشوط صارا) أي يقصد المزاح إنما يعني الجِدية، محاولاً أن يبين لها أنها وصلت إلي ذروة الشغف ونفد عندها الحب، وقوله: (تمدّ يديها إلى صدرها/ وتخرج شوقاً جديداً.. جديداً / كأثوابنا ليلة العيدِ/ أيّام كنا صغارا) أي تفاجئه بأن لديها شغفاً ليس له نهاية، فتخرج من صدرها ما يظهر شوقاً جديداً يبعث لديه الفرح العميق، مثلما كان يفرح الأطفال بأثواب العيد الجديدة حين كانوا صغارا.

***

مفيد خنسه

 

 

نبيل عودة(الحداثة او ما بعد الحداثة هي ظاهرة انتشرت بالآداب الأوروبية والأجنبية. هي عملية تنوير اجتماعي وثقافي وفكري لم تنشأ في مجتمعاتنا القاعدة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية لنشوئها).

اتهمت من كتاب يصنفون ضمن تيار النقد الادبي، باني فقدت البوصلة الثقافية، ولم اعد اجاري عصري، ومن هنا نقمتي على الشعر الحديث، وعلى كتاباتهم النقدية، وعلى بعض ما يصاغ من شعر، لأني، حسب تنظيرهم وفتاويهم الثقافية، لا افهم الحداثة في الادب والشعر خاصة، لأني متعصب لأسماء تربطني بها صداقات شخصية.

لم افهم في البداية، كعادتي، معنى هذا التلميح، الذي وصلني بعضه عبر الاثير، وبعضه بثرثرة شخصية نقلها لي زملاء اعزهم، قيل في ثرثرتهم التي شارك فيها أكثر من صوت واحد، لأدباء من اياهم، اني متعصب للقديم وارفض الحداثة، وليتهم شرحوا مفهومهم للحداثة لعلهم ينوروني.

تسترهم الشخصي اعتبره جبنا والجبن لا يليق بالمثقفين وحاملي لواء الأدب، أنا منفتح لكل انتفاد ورفض لآرائي، والنقد العقلاني الفكري لا يقلقني، وساءني اكثر اني لم اعط الفرصة لافهم تهمتي واقدم دفاعي ... انما انتقل الحديث فورا لتهمة جديدة، او ربما ليست تهمة، بل جريمة  ثقافية مثبتة، بأن مشكلتي اني لم استوعب الحداثة وتفاعلاتها في الادب الحديث، وكل ما نجحت في ايصاله للزميلين، الضميرين المستترين، بأن مفهومهما للحداثة عقيم، واذا كانت الحداثة تعني قطع التواصل بين القارئ والادب، فبئس مثل هذه الحداثة ... ولن اصوت لها في الانتخابات!!

اعترف ان الزميلين تكلما باتزان وهدوء، ولكني استهجن هذا التستر رغم انهما معروفان، وهذا يسهل علي فهم ما يؤلمهما من كتاباتي ...وفي الواقع لا فرق بين اسم وآخر، بين مبتدئ وعتيق، وليس مبتدأ وخبر، فعدا القلة من المبدعين يكاد يكون غياب كامل للأعمال الأدبية المثمرة على صفحات الجرائد ... واعترف اني حين عملت نائبا لرئيس التحرير ومحررا ادبيا في صحيفة "الأهالي " رفضت بقوة نشر اي عمل ادبي مما سماه الزميلان وراء الأثير بالحداثة الأدبية او الشعرية. والسبب بسيط، لا شيء يستحق النشر لأنه تكرار لمراحل لم تعد قائمة، خاصة في الشعر الوطني تقليدا لشعر المقاومة، والذي اعتبره مرحلة هامة جدا تاريخيا وسياسيا وثقافيا، ولا مجال لتكرارها، تلك مرحلة شهدت نضالا سياسيا وثقافيا شرسا، وكان للشعر دوره المهرجاني والتثويري في المهرجانات السياسية، واليوم ظروفنا تغيرت، واقعنا تغير، ثقافتنا تجاوزت الحصار الذي فرض علينا بعد نكبة شعبنا، وتأثير نضالنا وادبنا المقاوم وصل للعالم العربي وتكرار نفس الصيغ اليوم يبدو مهزلة وغباء ثقافي وفكري.

لا يمكن تكرار مراحل شعرية تجاوزناها بكل المفاهيم الفنية والسياسية والثقافية. نحن الان في مرحلة شعر حداثي (لكنها ليست حداثتهم العقيمة) وهو ما لم يستوعبه من انتقدوا انغلاقي عن شعرهم ونقدهم.

للمقارنة مقطعين لسالم جبران:

مقطع من قصيدة "بقاء" كنموذج لأدب المقاومة الذي عبرناه تاريخيا وثقافيا:

الأرض خناجر

تحت الأقدام الوحشيّة

والأرض مقابر للأحلام الهمجيّة

سأظلّ هنا

في بيت يبنى من أحجار

في كوخ مصنوع

من أغصان الأشجار

أو في إحدى مغر بلادي

يا جزّار!!

لو قال هذه القصيدة اليوم لما انتبه اليها احد!!

وتعالوا نقرأ قصيدة قصيرة جدا ليست من ادب المقاومة، رغم بساطتها تكشف عن جماليّة رائعة وحداثة شعرية:

كما تحبّ الأمّ طفلها المشوّه

أحبّها

حبيبتي بلادي

ولنأخذ مقاطع شعرية ليست من ادب المقاومة، بل من الشعر الحديث، للشاعر حسين مهنا:

" سأحمل حبك سرا صغيرا

يؤانس قلبي الحزين الكسيرا

فهل تقبلين،

بقلبي الكسير

يتوج بين يديك اميرا؟!"

من يستطيع ان يقول انها ليست شعرا حداثيا؟! وفي مقطع آخر يقول:

" تمرين او لا تمرين

قلبي تعود طول انتظارك

انت تعيدين للقلب

ما قد تناثر فوق دروب الحياة

ليصبح شكل الحياة جميل التفاصيل "

وفي قصيدة اخرى نقرأ هذا المقطع:

"وتمر يداي

على جيدك المرمري

فيزهر ورد وجنتيك

وينطق صمت

يفوق بيان الكلام

وسجع الحمام

وهمس المطر "

هذه مقاطع من قصائد لو طاوعت نفسي لنشرتها كاملة لأدلل على ما افهمه من الحداثة، وعلى ما لا يفهمون .. اقرأوا معي هذا التجلي لحسين مهنا:

"سألتك : لا تقتلي الشعر عمدا

بطول التمني

وبعد الرجاء

ولا تتركيني اسيرا لطيفك هذا المساء

وكل مساء

تعالي فما زال في القلب بعض اخضرار

سينزف وردا

يعيد الى الحب ما ضيعته الدروب

وللشعر قيثارة الحب والكبرياء "

هذا الشعر يحمل من الحداثة بمفهومها الأدبي أكثر من كل القصائد الغيبية لغة ومضمونا. والأهم انه لا يحتاج الى جهابذة النقد لتحليله، لأنه يتغلغل بجماله ورونقه في وعي القارئ واحاسيسه، ولا يحتاج الى مثقف عبقري (نابغة عصره) ليفهمه ويشرحه للقراء المساكين!!

اذا ما قيمة الشعر حين تصبح قراءته مثل سباق اجتياز الحواجز.. ما ان نصل لنهاية القصيدة حتى تنقطع انفاسنا وتتورم سيقاننا؟!

اردت ان استعمل بعض "الجواهر" التي تقصفنا بها "الفانتومات الأدبية"، ولكني لا اقصد التشهير، واخاف ان تبدو مقارنتي بين شاعر حقيقي مثل حسين مهنا، وناظمين لا غبار على قدراتهم والمامهم بعالم الشعر،

لكنهم غارقون بأوهام تجاوزها ادبنا وواقعنا السياسي. لكني قررت ان لا اخوض بذلك حتى لا اتهم باني امارس التشهير. وقد واجهت ذلك مع شاعر اكتشف موهبته بعد التقاعد من التعليم، فقصفنا بشعر "ثوري مقاوم" (أي صمت دهرا خوفا على وظيفته، ونطق كفرا بعد ان أمن التقاعد. غائبا عن حقيقة هامة ان الشعر الذي يكتبه هي مرحلة عبرناه ثقافيا وتاريخيا وسياسيا. شرحي لم يقبل من سعادته، علق بمقال وذكر موقفي رغم اني تجاهلت اسمه احتراما له،  فلم أرد على انتقاده "لتحجري الثقافي والشعري" واهملت حواره لني لم اجد أي فائدة ترجى من الحوار للقارئ.

في التلخيص النهائي اقول ما يلي: الحداثة او حداثة ما بعد الحداثة هي ظاهرة انتشرت بالآداب الأوروبية والأجنبية. الحداثة اولا عملية تنوير اجتماعي وثقافي وفكري لم تنشأ في مجتمعاتنا القاعدة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية لنشوئها. مجتمعاتنا، وكل المجتمعات العربية عامة، ما زالت على ضفاف الحداثة، وعدا بعض المثقفين (خاصة ادباء المهجر) ... وقليل من الأدباء المبدعين، ما زلنا اجتماعيا وفكريا نعيش في مجتمعات تحت سيطرة او تأثير وتحكم الفكر الاصولي المتطرف. وحتى على المستوى السياسي تتحكم بمجتمعاتنا قوى تفتقد للتوازن السياسي والفكري والثقافي.

السيطرة للأسف ليست لحركة الإصلاح والتنوير العربية، انما للقوى الظلامية. ما زلنا نبحث ونتعارك حول السماح للمرأة بقيادة السيارة ... وحول اجازة الاعمال الأدبية، وحول السماح بتعليم نظريات علمية تنسف الغيبية الدينية، وحول اصلاح التعليم وتحرير عقل الطالب من اسلوب التلقين والايمان الاعمى بلا وعي، وما زلنا في ادنى مستويات الفقر، ومجتمعاتنا تعاني من انتشار هائل للأمية واذا اعتمدنا قول الشاعر المصري عبد المعطي حجازي ، بان من لا يعرف استعمال الحاسوب هو امي ، فستقفز الأمية الى اكثر من%80 واذا حددنا ان الامي ايضا من لا يعرف التعامل مع الاوراق الرسمية، فالوضع سيكون مأساويا... ونتحدث عن الحداثة ... وما بعد الحداثة ؟! ونملأ صحافتنا شعرا لا شعر فيه ونقدا لا نقد فيه... هذا ليس دليل الحداثة انما دليل انفصام ثقافي مع مجتمعنا، بدل ان نوقفه نزيده اتساعا ب " العبقريات الفريدة " التي تطغى على النشر. ان ثقافة الحداثة أعزائي الادباء لا تجيء ببضع خربشات شعرية او نثرية او نقدية، انما هي معركة تنوير ما زلنا على ضفافها ... استغرقت اوروبا مئات السنين من الصراع مع الاصولية المسيحية للقرون الوسطى، ومع ذلك ما زال الغرب يعاني من ازمة معنى الحياة ومعنى الوجود، مما يعني ان التطور الاقتصادي والأكل والمشرب والمتع الجسدية، ليسوا كل شيء، وهي مشكلة تختلف مع مشكلة الانسان العربي الذي ما زال يبحث عن اشباع جوعه اولا.

ان المحاولة للتقدم دون فهم اهمية عصر التنوير الذي حرر الانسان من التخلف الاجتماعي والعلمي والقوى الظلامية، ووضع مستقبله بين يديه، وغير اولويات حياته، وحرره من القيود على تطوير الفكر والعلوم والاقتصاد والثقافة وضاعف اوقات راحته وقدراته الاستهلاكية بمختلف انواعها، هي محاولة عقيمة ومحكومة بالفشل.

اذن مفاهيم الحداثة ليست مميزا للأدب فقط، وهي لم تولد للأدب، بل بجوهرها ثورة اجتماعية فكرية فلسفية واقتصادية نقلت الانسان من عصر بدائي تميز بالقمع السياسي والديني، الى عصر حديث متنور منفتح ديموقراطي. وهذا ما يجب ان نستوعبه قبل كل شيء!!

***

نبيل عودة

 

عبد الله الفيفيلا يمكن- عند (جان بول سارتر)- أن يعتزل الكاتب حياة المجتمع ومشكلاته؛ «ومهما يفعل، فهو في غمار المَعْمَعَةِ، ملحوظٌ وشريكٌ في المغامرة، حتى في أقصى حالات عُزْلته.»(1)

ولا يكفي شعور الكاتب بمسؤوليَّته والتزامه عاطفيًّا، بل لا بُدَّ أن ينتقل ذلك الشعور إلى حيِّز التنفيذ والتعبير، لينتقل بذلك التزامه إلى الآخَرين؛ «فالكاتب هو الوسيط الأعظم، وإنَّما التزامه في وساطته»(2)، ومن دون ذلك لا يُسَمَّى الكاتب ملتزِمًا.

وإذا كان الأصل في الكتابة الحُريَّة، أي إنَّ اتجاه الكاتب إلى هذه المهنة لا يكون إلَّا بمَحْضِ اختياره، فإنَّه لا يلبث أن يفقد هذه الحُريَّة، وتسيطر عليه السُّلطة الاجتماعيَّة بمطالبها، فإذا بالكتابة تُصبِح وظيفةً اجتماعيَّةً، ليس أمام الكاتب إلَّا الالتزام بأدائها، وإلَّا فَقَدَ وظيفته ومكانته التي قلَّده إيَّاها مجتمعه.(3)

غير أنَّها تبدو الحاجة إلى تكرار التأكيد على الفرق بين الالتزام والإلزام، أو بين (الالتزام الوجودي) و(الالتزام الاشتراكي).  فلا تعني حتميةُ الالتزام عند (الوجوديِّين)، أو المناداة بالفناء في سبيل ذلك الالتزام، أنَّ حُريَّة الكاتب الأدبيَّة مصادرةٌ، ولكنَّها حُريَّةٌ مقيَّدةٌ بالحدود الإنسانيَّة والوعي الاجتماعي، وحُريَّةٌ لا تتمُّ إلَّا بأمرَين: «أوَّلهما، أنْ لا يَنْزِعَ الكاتب إلى إثارة العواطف الفرديَّة المحضة... وثانيهما، أنْ لا يُسَخَّر الأدب لغاياتٍ خارجةٍ عن نطاقه.» وهذا فارقٌ جوهريٌّ بين الالتزام الوجودي والواقعيَّة الاشتراكيَّة عند اتباع (ماركس).(4)

ومن ناحيةٍ أخرى ينبغي تمييز الالتزام في الأدب عن رسالة الأخلاق والتربية الاجتماعيَّة، فالالتزام خُلُقِيٌّ، ولكن دون تناول المعاني الخُلُقيَّة والاجتماعيَّة تناولًا مباشرًا وَعْظِيًّا، بل يجب البحث عن المَواطِن التي يُعْوِزها التغيير لتُثار من خلال المتعة الفنيَّة والجماليَّة.(5)

وقد استبعد (الوجوديُّون) (الشِّعر) من الالتزام، ورأوا الالتزام في الكتابة النَّثريَّة فقط.  وعُني (سارتر)(6) بتبرير ذلك؛ بأن جعل الشِّعر مع (الرَّسم) و(النَّحت) و(الموسيقى) في دائرة عدم الالتزام؛ لأنَّ الشِّعر لا يستخدم اللُّغة بالطريقة نفسها التي يستخدمها بها (النَّثر)؛ من حيث إنَّ:

«الشُّعراء قومٌ يترفَّعون باللُّغة عن أنْ تكون نفعيَّة.  وحيث إنَّ البحث عن الحقيقة لا يتمُّ إلَّا بوساطة اللُّغة واستخدامها أداة، فليس لنا، إذن، أنْ نتصوَّر أنَّ هدف الشُّعراء هو في استطلاع الحقائق أو عرضها.  وهم لا يفكِّرون كذلك في الدلالة على العالَم وما فيه، وبالتالي لا يرمون إلى تسمية المعاني بالألفاظ؛ لأنَّ التسمية تتطلب تضحيةً تامَّة بالاسم في سبيل المسمَّى.  وعلى حدِّ تعبير (هيجل): يبدو الاسم غير جوهريٍّ بالقياس إلى مدلوله الذي هو جوهري.  فليس الشُّعراء بمتكلِّمين ولا بصامتين، بل لهم شأنٌ آخَر!»

وكلام (سارتر) هذا يعبِّر عن تلك الفكرة السارتريَّة حول طبيعة (الشِّعر) و(النَّثر) واختلافهما. وقد أفاض المؤلِّف في الاحتجاج لرأيه وتعليله.  وهو رأيٌ أصبح جزءًا من الاتجاه الغربيِّ العامِّ في النقد، فالالتزام المنشود وَقْفٌ على النَّثر(7)، سواء أكان مسرحيَّة، أم قِصَّة، أم رواية، أم مقالة.(8)

هذا هو مفهوم «الالتزام» وأبعاده عند (الوجوديِّين).  وكما كان هذا المفهوم يتشكَّل برأي الوجوديِّ ونظرته لأمور الحياة، فإنَّ الالتزام نفسه قد أتى نتيجة اضطراب الفلسفات الحديثة، واستجابةً لطموح الإنسان الحديث في الثورة والحُريَّة.

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

...........................

(1)  سارتر، (1990)، ما الأدب؟، ترجمة: محمَّد غنيمي هلال، (القاهرة: نهضة مِصْر)، 73.

(2)  انظر: م.ن، 74.

(3)  انظر: م.ن، 75.

(4)  انظر: هلال، محمَّد غنيمي، (د.ت)، قضايا معاصرة في الأدب والنقد، (القاهرة: دار نهضة مِصْر)، 152.

(5)  انظر: م.ن، 146.

(6)  سارتر، ما الأدب؟، 13.

(7)  وبناء على هذا فما يُسَمَّى بـ«الالتزام في الشِّعر» غير صحيح من وجهة النظر السارتريَّة الوجوديَّة، لكنه صحيحٌ من وجهة النظر الماركسيَّة.

(8)  انظر: هلال، قضايا معاصرة في الأدب والنقد، 147.

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة المَلِك سعود)

 

الغرباء: الي روح ناجي العلي

فتيان الحي العتيق هنا

على خاصرة الدهشة قابعون

يدخنون سيجارة تلو أخرى

بستلذون بقتل احلامهم على ضفاف

الصمت

كأني بأحفادهم لا يعرفون الهوان

اتهرب عن يدك عنقود السقوط ؟

حين ارتوى الطقس بماء الانتباه

و الفتاة التي خفية غازلتك

تمتد جسرا لعبور الظلال

و الفتى المسكون بالصحوة النادرة

يستضيء بشمع الكلام الأنيق

يكتب شهادته الأخيرة

يحتسي قهوته على عشب المدى

هل يمنحني ضلعه المستميت

لأشهر صمتي في وجوه الذين لم يعلنوا

عشقهم

لصدى الأمنيات

هل بإمكان الفتى ان يكحل عيون النساء

قبل الغروب

حين تلامس ضحكتي ورق العنب

يجيء الولد مجهشا بالأرق

فتيان الضواحي جاؤوا هذا الصباح

ذاهلين لانكسار العواصم...

و الجسد المهشم في جهة ما

يومئ الحنين القابع في خلاياي:

صبايا الحي ارتحلن

و لم لا أحد يمعن النظر في وجوه

الآتين من هناك...

ليس الحرير على مقاس الجسد

و لا أثر لأقدام الفاتحين

على أرض "الخليل"

هذا الطريق الطويل يسلكه الأولاد

مثلما سلكته الشاحنات

دفاعا عن الموت المغاير

وحده يباغتهم بالكبرياء

كان اندهاش الورد ممزقا بين الضلوع

و خلف خيوط النهوض

اعتلى الهمس زوايا الامكنة

أين أصدقاء الطفولة؟

ذهبوا الى حانة بلا قوارير...

هو ذا الولد الذي ادهشته الأغاني

و الثالث من يناير

لم يرتبك حين رأى عطش الاقاليم

كم شاردته الكلمات

و اغمضت جفنيها على ركبتيه فتاة

الضاحية

الصحف اعلنت عن موت العناقيد

بالأمس قال لي: لن تعبث الاغصان بالغد

الاتي

الماء دليل الطيور

الضوء نقيض المقصلة

هنا كانوا قاب قوسين من الزهر

و الجثث القادمة

أين اختفى صوت ناجي؟

و تلك الرسوم التي كادت تصيح:

غداً تأتي أم المعارك

و جاءت سريعا

كأنك لم تكن تودع قبل حين حنظلة

إلى أين الرحيل؟

إلى حيفا٫ حيث تمددت على خصرها قبعات

الجنود الآتين من خيام

الظلال

دمها مسكوب على صدرها

و صمتها ذهبي الملامح

للنوارس دموع مثل تيه المحارب

و القرى. المقطوعة الحناجر لم تضيع

اسراها

و لا قتلاها......

**

" والفتى المسكون بالصحوة النادرة

يستضيء بشمع الكلام الأنيق

يكتب شهادته الأخيرة

يحتسي قهوته على عشب المدى "

***

بمثل هذا القول يخاطب الشاعر والمحلل السياسي والشريد التونسي البشير عبيد روح فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، وعلي لسان النص فهو - فنان الكاريكاتير - ذلك الفتي المسكون بالصحوة النادرة، وبمثل هذا القول ايضا يبعدنا الشاعر الشريد بالكاد عن القابه ليقربنا من صفات ناجي العلي في مرثيته الجميلة " الغرباء "

" غداً تأتي أم المعارك

و جاءت سريعا

كأنك لم تكن تودع قبل حين حنظلة "

ابدع ناجي العلي رسوماته الساخرة الي الدرجة التي اقض فيها مضجع العدو، وهو العدو الذي يحتل ارضه ، مما عرضه لعملية اغتيال في لندن عام 1978 . ابدع ناجي العلي في خلق شخصيات مثل حنظلة ابتداء من عام 1969 ليرمز به الي الفلسطيني المقهور في ارضه  " فتيان الضواحي جاؤوا هذا الصباح

ذاهلين لانكسار العواصم... "

وفيما يتعلق بانكسار العواصم فإنها الإشارة والرمز الي أنظمة عربية اعتراها الوهن والضعف والتخاذل، وفقدت قدرتها علي المقاومة، لكن فتيان المقاومة وفقا لتعبير النص نشطوا منذ باكورة الصباح لرفض التخاذل دون ان يقيموا وزنا لكافة العقبات

" هذا الطريق الطويل يسلكه الأولاد

مثلما سلكته الشاحنات

دفاعا عن الموت المغاير "

ويمثل النص في جوهره تلك المواجهات بين القوة الغاشمة وسبل المقاومة، حيث يقوم هذا النص بتصدير تلك العلامات الفارقة دون ان يفارقه روح الأسي، وفي تلك المرثية تظهر العلامات الفارقة جهود المقاومة وكذا العقبات التي قد يتكبدها - وقد تكبدها ناجي العلي – وهو من الذين التزموا باسلوب المقاومة ونتائجها بين رمزي الحياة والموت

" الماء دليل الطيور

الضوء نقيض المقصلة

هنا كانوا قاب قوسين من الزهر

و الجثث القادمة

أين اختفى صوت ناجي؟ "

فأينما وجد الماء وجدت الطيور ووجد الزهر ووجدت الحياة، وبينما وجد الظلام وجد الموت ووجدت المقصلة واختفي صدي الأصوات المفعمة بالحياة بعد ان امتلأ المشهد بالجثث ، ليقوم النص بطرح سؤاله الهائل: اين اختفي صوت ناجي العلي، ثم تتوالي الأسئلة ، السؤال تلو الآخر

" هل بإمكان الفتى ان يكحل عيون النساء

قبل الغروب

حين تلامس ضحكتي ورق العنب

يجيء الولد مجهشا بالأرق "

انه نفس الفتي المضمخ بالألقاب.. الثائر. المناضل. المحارب. انه الفتي المسكون بالصحوة قبل ان يحتويه الموت، لتبقي تحولات المشهد المأساوي في حالة تستقبل فيها اشارات الغروب داخل النص بمعني الموات والشهادة لهذا الثائر المناضل. لقد احتفظ لنا التاريخ بعلاماته قبل استشهاد ناجي العلي وبعده، حتي انه لم يعد بإمكاننا نسيان وجود هذا الثائر، وهو الذي لم يعد بقادر علي ان يكحل عيون النساء بوجوده

" صبايا الحي ارتحلن

و لم لا أحد يمعن النظر في وجوه

الآتين من هناك "

ووجود اشارات تنبئ برحيل النساء انفسهم ومجيء نساء اخر، يمثل احد العلامات الفارقة بتمثيل القدوم والارتحال في ثوبه الاستعاري بحلول عناصر محتلة غير وطنية، وقد يهيئ لنا ذلك فهم التصورات المعبرة عن هذا الإحلال، وهو يمثل بوجود هؤلاء الغرباء الاحتلال في جوانبه الاجتماعية

" اعتلى الهمس زوايا الامكنة

أين أصدقاء الطفولة؟

ذهبوا الى حانة بلا قوارير... "

يزدحم المشهد بعلامات التغير إذن، فغياب النساء ونزوحهن الي المخيمات، يقابله غياب اصدقاء الطفولة، وهم اولئك الذين قام النص بمتابعة رحيلهم الي حانة لا تشغلها قوارير وفقا للمنطق الساخر.

لم تعد ضحكاته الفتية تلامس اوراق العنب، وانقضاء الصباح ومجيء الليل لا يمثلان فترة للراحة من اعباء الجهاد كما يشير التاريخ الي ذلك، فالليل يسلم الفتي المسكون بالصحوة الي الصباح دون ان تغمض عيناه، فلم يكن هناك وقتا للراحة حتي اتاه الرحيل عن عالمنا

" إلى أين الرحيل؟ "

والسؤال عن المكان هو سؤال موجع يوجب الأسي، وبمنطق النص فهو سؤال يبرر ذرف الدموع تحية وتعظيما وسلاما الي روح هذا المحارب

" للنوارس دموع مثل تيه المحارب

و القرى. المقطوعة الحناجر لم تضيع

اسراها "

***

فتحي محفوظ

 

الحسين بوخرطةالقصة تطرقت لموضوع شائك وظاهرة مقلقة في العالمين العربي والمغاربي، وجمالية القصة تبتدئ هذه المرة بعنوان يثير الفضول الفكري، عنوان غير فاضح مكون من كلمتين، الأولى نكرة مضافة "بيوت" (كثرة هذا النوع من البيوت على المستوى العربي والمغاربي الإسلامي ظاهرة مقلقة)، والثانية مضاف إلى الأولى ومعرفة "البحر" (عالم شاسع ومخيف بتياراته الجارفة والقاتلة وبأسراره العلمية التي لم يكتشف منها الإنسان إلا القليل).

 فبعد انتهائي من قراءة القصة بتمعن لثلاث مرات، كنت أعود بعد كل قراءة للتأمل في عنوانها المثير. اهتديت في نهاية المطاف إلى أن التشبيه المعبر عنه في هذا التكثيف المبهر في منتهى الدقة والعمق والإبداع برسائله وعبره المفيدة. لقد شبه الكاتب البحر بتياراته وأمواجه وكائناته الجارفة والفتاكة ببحر البغاء والفساد الجنسي. فبيوت البحر وهي أوكار تياراته وكائناته الحية، الشبيهة ببيوت أو عالم الفساد الجنسي، لا تُؤْتمن نظرا لشدة غدرها، ويتطلب التحرك والتفاعل فيها درابة ودراية تقنية وخبرة معرفية كبيرة (نموذج هذه الخبرة يمتلكها مثلا عالم البحار الطبيعية جاك إيف كوستو).

الدخول بدون سلاح الخبرة في عمق البحرين، أي الفضاءين، يعرض صاحبه للضياع، وقد لا تتاح له فرصة معرفة طريق العودة. قد يحاول المرء في مراحل قبل ضياعه ترويض الأسماك البريئة بمختلف أحجامها، وقد تؤنسه ويسلى بها في غمار ضيق الحياة التي كبلت قواه وآماله، لكنه، كلما زاد تشبثه بالتقدم إلى العمق زادت مخاطر تعرضه لأنياب القروش الضارية. ينتقل من فضاء آمن ويتلذذ متعة عابرة، يدمن على هذا الجو المخمور ويتعلق به، فيزداد لديه انجذاب اللاإرادي بالغوص أكثر. يصل إلى أعماق البحر أفقيا وعموديا دون أن يعبأ بالمخاطر المحدقة به، ثم يجد نفسه في نهاية المطاف مستسلما لوضع الهلع، فيُفرَض عليه مصير الأفق المنتظر، أفق "الضحية"، أفق الاندثار. بالدخول إلى عالم الفساد الجنسي بدون تجربة أو خبرة، يتفاقم عدد الضحايا من الجنسين. قد يطغى الهاجس المادي لذوي الخبرة والتجربة، فيتتالى صدور عبارات الشرعية في الأوساط الشعبية ك "كم من مواقع للنفايات تحولت إلى مساجد مقدسة".

البداية مأساة وظروف قاسية أو تغرير ثم غدر، وتطور مجتمع تقاومه غرائزه الطبيعية. ترتبط قسرا رغبة الرجال لمساعدة النساء بإشباع النزوات والرغبات الجنسية التي تكون في الغالب شاذة لا يحتملها بيت الزوجية المقدس. إنها فئة تنعزل في خندق الشتم والاحتقار ونزعات انتقام نسائي. تبدأ المعاناة وتتفاقم مع التقدم في السن. فخصوبة الجسد النيئ الجذاب بدون أنفاس يباع بمقابل، فتنتهك حرمته، ويصيبه الترهل مع مرور الأيام.

بداية القصة تَصَدَّرَها حدث زواج أب من حرية البحر، أي من بنات البحر، أنجب سلالة بنات كثيرات من نفس الفصيلة، خرج إلى البحر مجددا ولم يعد. إن خروج الزوجة من بيئتها لم يكن طبيعيا، وعودة الأب إلى البحر إدمان. تعددت البيوت والأوكار بتيارات الفساد والمجون والمخاطر المختلفة والمتنوعة.

كذلك، بعد التأمل في عبارات القصة المتتالية، لا يمكن للقارئ أن لا يفكر في عالم الفضيلة، سيضطر لاستحضار واجب الإنسان، كيف ما كانت ثقافته وأمة انتمائه، في خلق خلف واع وعقلاني. إنه واجب تحويل فضاء الطفولة إلى منابت أشجار تزداد اخضرارا، بحيث يمكنها الأمن والأمان والتربة الصالحة من تفرع وتعدد أغصانها وثمارها باسمرار. إنها الأشجار التي يزهى رعاتها افتخارا بالنظر إليها. يتمتعون بثمارها ومناظرها الخلابة وهي تكبر وتترعرع. أما منطق اقتسام خيرات هذه المنابت والبساتين فلا يمكن أن يتم إلا على أساس مبدأي الكفاءة والاستحقاق والقدرة على تنمية مشاريع مستقبلية أكثر حجما ومردودية. إن الطفل، الذي شبهته في هذه القراءة النقدية بالشجرة، ينشأ بشكل طبيعي في فضاء أولياء أموره متعودا منذ صباه على نحت جسمه والعناية به وتغذيته بمعرفة معيارية، ومؤمنا بحقيقة الارتباط الوثيق بين تغذية العقول في الجماجم والتقرب من حقائق أسرار الوجود.

الجنس حاجة طبيعية خلقها الله فينا جميعا، وربط إنتاج الأجيال والمشاريع الفكرية والعلمية واكتشاف أسرار الكون بجودة خدمات الأسرة ومؤسسات التنشئة، وربط المبادرة بالمشاركة بين الجنسين لتكريس قوة النجاعة والمردودية في الفعل الإنساني. فرفيقة الدرب (أو رفيق الدرب) هي مؤسسة راقية بطبيعتها، تغمر الدنيا حنانا ومعرفة ومودة وحبا. لا تستخدم أعضاءها التناسلية إلا للتعبير عن هذا الهدف بأمانة ومسؤولية. فتاة الأسرة نظريا هي تلك الذات المتعلمة والجميلة التي لا تؤمن بالعبث، ولا تترك أي فرصة للطامع في قطف ثمارها ويندثر، ولا لجائر أن يقطع أغصانها ليتدفأ بها عند الحاجة فقط.

إن اختلال هذه التوازنات هو السبب الرئيس الذي يحول الزواج التقليدي إلى ملاذ للفاشلين ويفرض معادلة "واجب الإنفاق مقابل الطاعة". فالأم المسكينة، عندما تكون شجيراتها (بناتها) جسد وجمال وعقل فارغ لا تجد أمامها من حل إلا تزينهن كل يوم والخروج معهن للتجول في الشوارع، وكأنها تعرض سلعة، طامعة في إثارة عزيمة طالب. أما عدد كبير من الذكور من نفس الطينة، فيكدح في رياضة كمال الأجسام، وكلما توفر لديه مبلغ مالي يشتري حلة عصرية، ويؤجل لبسها لفصل الصيف لإغراء فتيات الجالية المقيمة بالخارج الغربي على الخصوص.

وختاما أقول أن لا سبيل لتجاوز وضعيات المصير المظلم إلا بخلق منابت برعاة مؤهلين (الأسر). علينا، نحن، كمجتمعات عربية إسلامية، أن لا ندخر جهدا من أجل استدراك الهذر الزمني الثقافي والمعرفي بمساعدة كل من يرى الأشباح والضلال للتأمل في الصور الطبيعية برؤية معرفية عالمة. فالاستثمار في تنمية العقول بالعناية بالأجساد أمانة ومسؤولية لكي لا يتعب أي بشر أمام مقومات الحياة وقدر الموت. وهنا أستحضر القولة الحكيمة لسقراط لحظة محاكمته الشهيرة (399 ق.م)"...الموت عطيةٌ، فهو أمر من اثنين: إما أن الميت سيفنى ولن يشعر بأى شىء، أو كما يُقال فإن الموت يعد انتقالاً للروح من مكان لآخر، فلو كان الموت هو موت كل الأحاسيس مثل النوم الذي لا حلم فيه، فسيصبح الموت مكسبًا كبيرًا.. ولكن لو كان الموت انتقال الروح إلى عالم آخر يعيش فيه الأموات كما يُقال، فما هي الهبة الأفضل من ذلك أيها القضاة؟! أيها القضاة، لا بد أن تسموا بآمالكم حول طبيعة الموت، ... وهى أنه لا شرّ يقع على الرجل الصالح بمماته أو بمحياه.... لقد حان الوقت.. الرحيل بالنسبة لى ووقت الحياة بالنسبة لكم، ولكن من منا سيذهب إلى ما هو أفضل يُعد أمرًا مجهولاً لا يعرفه إلا الله" (قولة مقتبسة من مقال "هل كان سقراط الحكيم فيلسوفا نبياً؟" للكاتب ا. د. محمود محمد علي بجريدة المثقف الإلكترونية).

بهذه القولة المعبرة عن تسلط الجهالة على المعارف، لا يمكن لقارئ أن ينكر حاجة مجتمعاتنا إلى ارتقاء علاقة الرجل بالمرأة. إنها الحاجة إلى ثورة وعي ثقافي وتعليمي عارمة. تلذذ متعة الجنس الآمن له حرمته ومقوماته ومشروط بزرع الغيرة في النفوس على استمرار الجنس البشري العربي. صِدْق الارتباط بين الرجل والمرأة غربيا (في ظروف مادية مواتية) مرتبط بالأهلية والكفاءة والمرور بمرحلة التجربة الحميمية التي قد تطول لقياس اندماج الأرواح عبر الأعضاء التناسلية (السماح ثقافيا وحقوقيا باللجوء إلى المعاشرة والتسري). بالمقابل، في فضاء العروبة والإسلام، يتم اللجوء إلى المشورة والقبيلة والغنيمة وجاذبية الجسد. في نفس الوقت، كلما تقوى موقع المرأة المعرفي والثقافي والمادي في أوضاع شعوبنا، كلما وجدت نفسها أمام واقع جديد يغازلها للامتثال لمنهجية تعارف معرفية وعاطفية بمقاييس "بناء مشروع أسري" لا صلة لها بظاهرة التملك التقليدي المتبادل.

***

يوت البحر

قصة قصيرة / بقلم: شريف أنور

بعد أن تمرّ فوق الكوبري، وتقطع شريط التّرام الأصفر، هناك على الشّاطئ الصّغير القريب من الميناء؛ تجدها متراصّةً بجوار بعضها بأبوابٍ خشبيّةٍ صغيرةٍ و شرفاتٍ واسعةٍ، كلّها تطلّ على البحر.

يقال أن آخر (عروسة بحرٍ) عشقت إنسيّاً، ولأجله خرجت من البحر. عاشت معه على الشّاطئ، وأنجبت له نسلاً كثيراً كلّه من النّساء.

بعد زمنٍ، تركها على الشّاطئ وخرج للبحر ولم يعد. بكت كثيراً هي وبناتها حتى وسمت وجوههم بطابع حزنٍ دائم.

بنت كلّ واحدةٍ منهنّ بيتاً على الشّاطئ، له شرفاتٌ واسعةٌ تطلّ على البحر.

في المساء، تمتلئ بيوت البحر بالزّائرين و معهم صخبُ ضحكاتٍ مبتذلةٍ، هرجٌ و شجاراتٌ و شتائمُ بذيئةٌ، آهاتٌ مكتومةٌ وأخرى مصطنعةٌ تمتلئ بالحياة.

وبعد أن يسحب الّليل آخر الزّائرين من فوق الأجساد المتعبة؛ تخرج النّساء للشّمس بوجوهٍ حزينةٍ وصمتٍ مؤلم، ينظرن للبحر - و بشبه اتّفاقٍ- يمشّطن شعورهنّ في الشّرفات الواسعة، و ينتظرن مجئ شىءٍ ما من البحر.

الرّجل في المقهى يحكي عن النّساء الحزينات، ويؤكّد بأغلظ الأيمان أنّه يعرف قصّة كلّ واحدةٍ من (بنات الحرام دول):

"اللي هربانة من أهلها، واللي ضحك عليها واحد من إياهم، واللي- لامؤاخذة - رماها الهوى ..."

ينتشر سيلٌ من الضحّك والبذاءة فوق المقاعد.

في المساء يختفي الرّجل ولا يعلم أحدٌ أيّ شىءٍ عنه.

تمرّ أسابيعُ و شهورٌ ليدخل المقهى من جديدٍ بلحيةٍ طويلةٍ و ملابسَ باليةٍ ووجهٍ مطبوعٍ بسمت الحزن وعيونٍ ذاهلةٍ، ليحكي لنا كيف قابلها على الشّاطئ، وكم هي جميلةٌ، كيف عشقها ونزل معها إلى البحر هائماً، وكيف غدرت به، و أمرت الأمواج أن تلقي به فوق الصّخور.

سألناه عنها:"من هي ؟!"

أشار إلى بيوت البحر ولم نسمع صوته بعدها.

***

الحسين بوخرطة

 

حيدر عبدالرضارواية (مذكرات دي) أنموذجا

الإنتاجية الروائية بين أختبارية الواقعة النصية ومتعلقات الواقع المتخيل - الفصل الرابع ـ المبحث (3)

توطئة:

إن القارىء إلى جملة مستويات الأدلة الإنتاجية في مشغل المؤشرات السردية في رواية (مذكرات دي) لعله يواجه تلك المدارات المحايثة لأفعال الصوغ المغاير في محمولات النتيجة الموضوعية المتعلقة في تلك الصياغات الخاصة بـ (مجلس الأطياف) والمساحات التكوينية من حياة شخوص الرواية في وحداتها السردية المتوالية خطيا.ولو دققنا فيها غورا، لوجدناها للوهلة الأولى ـ إي مجلس الأطياف ـ بعض من دلائل فرضية في اختبارية الواقعة النصية المنجدلة في حدود معادلات كبرى من مستوى التخييل المتعلق بالواقع المتخيل، وما نجده واضحا إزاء ذلك المقابل الأرضي هو العلاقة المضافة من الواقع المتعين في حيوات الشخوص النابضة بممكنات السرد ما بين العالمين.كل ما وجدنا في مؤثثات هذا النص، قد يمكننا التعامل وإياه على إنه (علامة ـ معادلة ـ قيمة سردية تجريبية) لأن فكرة الرواية بموجب هذه المحاور قائمة أساسا على حقائق مجردة وتجريبية ومفترضة إلى حد النخاع، من شأنها خلق وابتداع لنفسها، ذلك النموذج (الميتاخيالي) الذي راح منه سعداوي، محاولا إقامة تجربة في هذا الشكل من موضوعته الروائية وتوظيف مداليلها في وحدات خاصة من الوقائع النصية الضاربة في المثال أو النموذج المتخيل الذي راح يتكفل في صنع المقادير المستقاة من مواصفات القدرة الملكوتية العليا.لكننا رغم قناعتنا الكاملة بهذه التجربة المحاكية للملكوت الأعلى، غير أن هناك ما شدنا إليها في الوقت نفسه، كونها مرآة لتجليات مساحة نمطية من أفق الواقع المعيش، وذلك فيما يتعلق وحيوات الشخصية دي ومذكراتها المؤرخة عبر تواريخ المسار الزمكاني والأفعال الشخوصية المحددة بوحدات ظروفها الأحوالية، إذا بقينا إزاء هذه التجربة الروائية، أمام أوجه من الانغمار في فحوى معادلات أشكال كائنات متخيلة، تسعى جدلا لذاتها لجعل نموذجا الأشد اختبارا في دينامية العلامة التجريبية المرهونة بأبعاد منظورة من ثنائية المماثلة والاختلاف في فضاءات مؤولات النص.

ـ العلاقة الإظهارية بين التأثير الزمني والأدلة الساردة

لعل الترجيعات في خطوط السرد المتقدمة عبر نمو أحداث وأفعال النص الشخوصية تبقى مرهونة في ذاتها داخل ذلك الانموذج المحدد بـ (مجلس الأطياف) امتدادا نحو واقع الخلفية السياقية في حكاية الرواية، إذ ترشدنا تتابعا نحو التصديق والأخذ بذلك الفضاء المتمثل بعالم الأطياف وطبيعة مكوناتهم المقتنصة لأفعال ومقادير ملكوتية مستقاة من حدود مرجعية مستعارة من الرمز الملكوتي الأعلى، غير إن الروائي وعبر موضوعته راح يشغل من صورة هذه الكائنات عبر هيئة تماثلات تنويعية مقاربة لصفتي (طيف ـ ملاك) أو تقريبا من صفة عملية الخلق والقدرة المخصوصة بالله عز وجل.غير إن كل هذه الواردات في مجال الرواية هي من الإستحالة التخييلية، خصوصا وإن الامتداد الإمكاني بين الطيف وتلك الشخصية، هي من المفارقة واللاقبول لها وإلى قوالبها اللاممكنة في براهين التأويل والتدليل والسلامة التخييلية، إذ إنها من ناحية الذوق والذائقة بدت مرفوضة تماما، نظرا لكونها حلت في حدود علاقة غير حوارية ومن جهة أخرى جاءتنا على هيئة المقادير العليا من رسم الملكوت الغيبي.ولكننا من جهتنا سوف نعاين حسية الأبعاد في العلاقة المطروحة بين ذلك (الديفالون) الموكل بشخصية ديالى أو دي، أو ذلك الطيف الخائن (أودو حديم) الذي حل ملازما لشخص ذلك الملك نندا شيرمانو، الطيف حديم الذي خالف الأعراف وقيم الناموس المنصوصة من قبل المجلس الأعلى الذي يقوم برئاسته آمو كاني: (لم يكن الصوت سوى الديفالون نفسه كان يضرب في الإذن الوسطى لديالى بنقرات بدت غامضة في البداية بالنسبة لها، ثم تعودت عليها وفهمتها لاحقا، وصارت مرتبطة بها كإشارات تشبه شفرة مورس داخلية تحذرها من خطر محدق .حدث هذا بداية 2006 ثم تعزز في السنوات اللاحقة على نحو مكثف، حتى انقطاعه النهائي والحاسم في ربيع 2013 .ففي هذا الوقت افتضحت الأطياف تدخلات الديفالون في حياة ديالى، وصار من اللازم أن يتوقف ./ص73 الرواية) تبرز لنا عدة مبررات مفترضة من قبل السارد في إن هذا الديفالون، كان معززا من قبل هيئة حكماء وحكام مجلس الأطياف العليا، إلى جانب كونه مرشحا لنيل منصب نصف إله متخيل، إي بما يعادل الأخذ بكل مقاليد مهام المجلس العلوي لهذه الكائنات، كما يظهر إن له منافسا أيضا في الأخذ بزمام هذا المنصب من قبل ذلك الطيف الملقب بـ (الدامستا) الذي قد حاز أعلى رصيدا من الديكالات.وقد يختزل مفهوم الديكالات على أنه (الديكالات، ومفردها ديكالا وهي عند عالم الأطياف الوحدة القياسية للأنفعالات البشرية الست الأساسية ومزيجها المتنوع: الغضب، الاشمئزاز، الخوف، السعادة، الحزن، الدهشة./ص57 الرواية) والسارد إزاء هذه التنويعات من الأفعال الصفاتية تراه يضعنا إزاء جملة ارتباطات أحوالية مستقلة لكل واحدة من هذه الصفات على حدة، ما يجعلها وكأنها مجموعة سنن شرطية في سياقات دالة في وقائع محاورها الوظيفية في ذلك العالم من الأطياف، لعل ما نحصده من وراء كل هذه التفاصيل، هو ذلك النزوع التقاربي بين كبير هيئة المجلس وذلك الديفالون المعاقب بكذا من الزمن في حديقة الأحلام، لأنه على ما يظهر بأنه قد تمادى بأفعاله المتدخلة في حياة الشخصية دي، وقد بدا هذا الأمر في حقيقته مخالفا لقواعد وأعراف مملكة هذه الكائنات الشبحية.

1ـ فرضية الحسابات الطيفية و وقائع الإظهار الشخوصي:

من اللوازم الضرورية لقارىء رواية (مذكرات دي) معرفته لآفاق ومكونات الزمن المنصوص في حياة سلوكيات هذه الكائنات المخيالية، ومن جهة أخرى يجب الحساب لها على إنها لها ذلك الحجم من التدخلات المحددة في زمن الكائن البشري. هكذا سعداوي أراد خلق لنا عبر نصه هذه المشاغل من فرضيات إمكانية خارج حدود المعقول والمستوعب، أراد لروايته أن تكون المنعطف التشديدي من جهته التأليفية المفترضة أولا وأخيرا، لذا وضع لها ـ أي لتلك الأطياف ـ قوانين وأحكام وأعراف وأعراق وتقاليد وعادات.فكل تصور من تصورات هذا العالم، ما هو إلا مرآة محاكية من ترجيحات هيئة عالم الملكوت الأعظم ليس إلا، وقد أراد لها سعداوي في محاور روايتها أن تكون هذه الأطياف بمثابة القدرة والمشيئة على قدرات العامل البشري، وكأنها خالقيات تضمينية ممهدة لزمن الملكوت الإلهي، وكيفية قدرته عز وجل على المخلوق البشري وكافة الكائنات الأخرى.عند التمعن في مسار تمفصلات الأحداث الروائية الخاصة بحياة دي وأوراق مذكراتها التي كتبتها على هيئة وقائع زمكانية تشتمل في أغلبها على مجموعة أفعال شخوص الرواية مع فارق متعلقات زمن الأطياف.إذ نواجه في النتيجة عالمان متماهيان في بعضهما البعض، رغم تفاوت شروط الدلالة والفاصلة الإطارية في مسارات المعنى الروائي: (كانت الشكوك تراود آمو كاني منذ عدة سنوات، منذ سماعه لإفادة أحد الأطياف المرافقين لبائع متجول في سوق شعبي في الكاظمية ببغداد، حين كانت ديالى عبد الواحد مع عائلتها واقفة، بجوار هذا البائع، ثم جمدت مثل تمثال لعدة لحظات، تكررت هذه التدخلات أكثر من مرة، وهناك وشايات عن خرق الديفالون لألتزاماته الأساسية وخيانته لوصايا عالم الأطياف./ص79 الرواية) ونقرأ نماذجا أخرى مشابهة عن حياة هذه المحكيات من متخيل الأطياف نفسه، وكأنها الحاضنة الأمومية المخلصة والمكلفة برعاية الجنس البشري، ولكن لمّ لا نفترض من جهة غاية في الأهمية من أن هذه الكائنات محض حكايا تصورتها النواظم الشخوصية لذاتها المعزولة عن دائرة الرحلة الخارجية للعالم، إي إنها جملة استيهامات خلقتها الاحاسيس والعاطفة البشرية، لدى ديالة وهي في أشد لحظاتها مأزومية وتأزما؟وقد نرجح أمام كل هذا بأن صوت السار، ما هو إلا ذلك الضمير المسوغ بالعودة إلى الشخصية المحور، وبالنتيجة القصوى تصبح كل هذه العوالم الأطيافية إلا متنفسا حلميا من داخل شقوق تواريخ حياة المذكرات للشخصية ديالى ذاتها.

ـ إمكانية التمثيل الواقعي

سنتناول في الفرع من مبحثنا المركزي هذا القسم الذي يسلط المزيد من الضوء حول القيمة الإجرائية المتشكلة في حيوات المحاور الشخوصية، التي تتمثل بعائلة ديالى وشقيقتها نينا و والدها عبد الواحد: (خلال التنقلات في الكلام، بين موضوع وآخر من دون خطة مسبقة، كان هناك سؤال تكرهه نينا كثيرا أحاول تجاهله، فهو سؤال سخيف فعلا يمثل تدخلا في حياة الآخرين، ولكني أبنة البيئة التي أعيش فيها وينتقل ألي مثل هذا السؤال بالعدوى.كنت أريد أن أسألها عن الحمل والولادة وهذه القضايا، ثم قمعت نفسي بحزم، ومع استغراقي بقمع هذه الهواجس باغتتني نينا بالكلام عن الزواج: ـ أنت الآن في الرابعة والعشرين من عمرك..فمتى تتزوجين؟./ص84 الرواية) .

1ـ الشخصية المركبة وتأثيرات الحيز العاطفي مع الآخر:

تواجهنا الشخصية دي ضمن مواصفات مكثفة من مظاهر العلاقة المتوحدة مع الأشياء في ذاتها في جل أحوالها وتفاعلاتها العاطفية والحسية والنفسانية، فهي من جهة خاصة تعد من الذوات الكظيمة التي تتحسس الأشياء من حولها عبر مجسات حنكة ذكية وفطنة متفرسة في فهم ما يدور حولها من اشارات وهمسات وسكنات، لذا فإن وضعها الذاتي كفتاة لا يشاطر قريناتها من الفتيات، وحتى أختها نينا غالبا ما تكون مجحفة بحقها كشقيقة من صلة الأب دون ذات الأم.لقد أثر فيها كلام شقيقتها نهار ذلك اليوم بعد الانتهاء من وجبة الغداء، وقد ساورها التفكير في حكاية الزواج ومدى إيجابيته في حيز حياتها المتكتمة على علاقات غامضة مثل ذلك الشعور بذلك الشاعر أو إنها فعلا تحتاج إلى ذلك الزمن التمحيصي الكاف لمراجعة فكرة كونها رافضة للزواج: (انطرحت على سريري وحضر في ذهني الجواب المناسب على إلحاح نينا، هو مناسب كما أراه أنا..سأقول لها أنني أخاف إلى درجة لا تتصورينها يا نينا من فكرة الاتباط مع شخص، وأن أكون في عهدته وأربط حياتي مع حياته، وأفقد عزلتي الأليفة المريحة ./ص89 الرواية) يتبين لنا إن ردود الشخصية دي أكثر إلحاحا في أحلام وحدتها، إذ إنها لا تتعدى جملة أسطر على صفحة في دفتر مذكراتها الذي هو في المحصلة الأخيرة المادة السردية للرواية ذاتها.

2ـ صورة النوازع الداخلية وتمثيلات الأهواء الشخوصية:

لعل زمن تداعيات الأبعاد الذاتية لدى الشخصية المحور دي، شبيها بمن يحاور ذاته على امتداد الصفحات الأكثر قربا من واقعها النفسي والعاطفي ولواعجها الخاصة إليها، إذ إن حالة الإنفراد بشخصها هي من حفزت فكرة الأطياف وعوالمها الهلامية إليها أيضا، فهي من جهة خاصة تحتاج في كل محاوراتها مع أحلامها إلى الخلوة بذاتها أو إلى واقعة خاصة من التدوين في دفتر مذكراتها اليومية، امتدادا نحو هذه الاعترافات الخاصة: (قلت لك أنني انسانة طبيعية، أحب أن أتخيل نفسي أحيانا مع رجل ما، ولكن ما ثمن ذلك؟ثم لأنني لم أجرب الاحتكاك الجسدي مع جسد رجل، ولو حتى بملامسات خارجية طفيفة، فأنا لا أعرف صراحة ما يفوتني من هذه التجربة.. أغطس أحيانا في خيالات جنسية يكون فيها الطرف الآخر رجلا من المحيطين بي، أو مما أشاهده على النت، و قد أتمادى في هذه الخيالات إلى أقصى حد يمكن أن تتخيلينه ./ص89 ص90 الرواية) في هذه الوحدات تتم حضور السمات الأكثر ارهاصا بعالم الشخصية، فهي من جهة ما انسانة ملغومة بحفاوة التوق إلى العلاقة الجسدية بصورتها الحلمية، ومن جهة أخرى تأتلف مع الخواء الذي يبادرها من عدم وجود ذلك الرجل المناسب في محيط عملها، لذا فإنها تعاود حمل انكساراتها في مركب نقصها الكامن في موضع ساقها اليمنى المعطوبة، وفي ذلك الشعور المحفز لها في ارتياد وظيفة التخييل وفي حقل ملاذاتها السرية الأليفة بأدق الصور لوضعها العضوي المخمول.

ـ تعليق القراءة:

ستكون مهمة تحديد الجنس الروائي في تجربة رواية (مذكرات دي) ضمن مفهوم الرواية ذات الحساسية المتخيلة بإفراط في واقعها المكرس من جملة يوميات شخصية ذات منازع مركبة في محتواها العاطفي والحسي والنفساني، وهذه الأواصر الخاصة التي تحف بها الشخصية هي ذاتها من منحها الأحساس التصوري بوجود عالم الأطياف والشعور بضرورة وجود المخلص الذي يدفع عنها الأذى في حال تعرضها إلى ضررا ما.أقول أن حكاية رواية (مذكرات دي) هي من التجارب الروائية التي يقع جل ثقلها في وجهة النظر التأليفية، التي غدت تؤسس لبنى الواقع في النص معادلات بديلة كحقيقة ناجمة عن تصورات محتملة ومصاحبة بالتحقيق الإمكاني حول إنشاء حياة يومية موصوفة وسردية وحوارية، بدت بطريقة استثنائية في مدون دفاتر معاينة الخواص الشكلانية للنص وعبر الملائمة القصدية المتوافرة مع مستويات محايثة ومتعددة من هواجس المكتوب الذاكراتي المتتابع والمتقاطع في وجهات ومواقع الخطاب والبنى السردية الروائية.

***

حيدر عبد الرضا

هذا العمل الروائي المكثف، هو ثمرة جهود متواصلة دامت أربع سنوات من التنقيب والبحث والدراسة وقراءة الكتب والمجلدات التي قاربت 150 كتابا ً ومجلداً، تتحرى في بطون التاريخ الإسلامي وصراعاته. الكتب التي تعنى بالتاريخ والوثائق والمذكرات والمراسلات المدونة عن فترة القرن الأول الهجري بين عام (10 - 61 هجرية / 632 - 683 ميلادية). الحدث الروائي يمتلك صيغة أو صنعة الابتكار الخلاق في المنصات الصياغة والفنية في الشكل والمضمون، التي مزجت اجناس واشكال الفن الروائي في بوتقة واحدة وبلغة عربية سليمة في سردها الرشيق التي تتوالى في احداثها المتنوعة على لسان الأصوات متعددة ورواة يكشفون دلالة الأحداث السردية. تملك رؤية فكرية وفلسفية عميقة الدلالة والمعنى والمغزى البليغ، التي توغلت في عمق التاريخ، لان التاريخ يهتم بالمظهر أو الشكل الخارجي دون الجوهر والعمق المخفي والمضمور الداخلي، لذلك توجه المتن الروائي واحداثه الى هذا المخفي والمضمر الداخلي، لإظهار الحقيقة بشكلها الظاهر والمخفي أو الوجه الخارجي والداخلي. في حقبة اسلامية شهدت تناقضات وصراعات وحروب دموية تصاحبها الفتن والخديعة. واتخذت شماعة الإسلام غطاءاً لها.

أن هذه الرواية (الرحلة العجائبية) قدمت بشكل مبدع ومتمكن اشكال خلاقة في منصات السرد وأحداثه المتلاحقة، ووظفت أجناس متنوعة من اشكال الفن الروائي بجوانبه المتعددة في التعبير والصياغة. من الرواية التاريخية الى الرواية التوثيقية، الى السيرة الحياتية، الى الرواية تدوين المذكرات والمراسلات والخطب. الى الرواية التراجيدية بفعل الدرامي متصاعد في المأساة والحزن الإنساني، في هذا التاريخ المعبق بالدم. الذي راح ضحية الدسيسة والمكائد والغدر والفتنة، في إهدار حياة أعظم رجلين مقدسين إسلاميين من ضلع الرسول الكريم محمد، هما الامامين علي وابنه الحسين. المتن الروائي واشكاله المتنوعة تصب في الاتجاه: الواقعية السحرية العجائبية في التناول والطرح في الصراع الإسلامي السياسي الذي فتح أبواب الميكافيلية باغراضها الماكرة والشرسة (معاوية بن أبي سفيان) الذي وقف نداً وخصماً عنيداً في وجه خليفة المسلمين أمير المؤمنين علي، من اجل ان يتربع على الحكم والمال والنفوذ، يوظف كل الأساليب الشريرة والماكرة من أجل الوصول الى غايته البغيضة. أن وجه الصراع بين قطبين، هو قطب الحق وقطب الباطل، الأول يمثله الامام علي ومن بعده سيد شباب أهل الجنة الحسين، والثاني يمثله معاوية نسله واتباعه، في سبيل إقامة إمبراطورية أموية، ليست إسلامية ولا تمت الى الإسلام سوى بالاسم. وكانت معركة صفين الخط الحاسم بين جبهة الحق وجبهة الباطل، وفي تمزيق صفوف المسلمين بذرائع بغيضة بالمكائد والغدر. واعتماداً على القوة (الهرقلية) في أساليب المكر والخداع والتضليل.

المتن الروائي واحداثه الجسيمة في التعامل يمثل طريقة تتجه الى (الفانتاستيك الفنتازيا / أو الفانتازيا الرائعة) التي تحولت في عصرنا، أو واقعنا الحالي الى الفوضى الخلاقة. لقد استخدم معاوية كل الأساليب الوحشية والدموية في معركة صفين (أتذكر قسوة ووحشية معركة صفين بعجيبها،وصهيل خيلها، وصراخ جرحاها، وكثرة قتلاها، كانت الجثث في نهاية كل نهار يصلى عليها من الطرفين، كنا ننظر إليهم ونستمع تكبيرهم، ويسمعون تكبيرنا، ويبكون على قتلاهم، كما نبكي على قتلانا. وسقط في تلك الحرب - الفتنة - سبعون ألف قتيل من الطرفين) ص58.

هذه الحرب دشنت تاريخ الصراع السياسي بعقلية المراوغ الماكر في شراء الذمم والنفوس الضعيفة بكل الأساليب المخادعة، وبالاخص استغلال عقلية الجهلاء والاغبياء والسذج، الذين لا يفرقون بين الحق والباطل، فكانت غوغائية معاوية الثعلبية، جلبهم الى صفوفه في حربه مع خليفة المسلمين أمير المؤمنين علي (أنه حارب علياً بجنود شامييين لا يفرقون بين الناقة والجمل) ص202. أو عمياناً لا يبصرون إلا بعيون معاوية لا غيره، ولكن اوشك جيشه ان يتجرع مر الهزيمة في معركة صفين. وهنا لعب المكر السياسي الخبيث والدسيسة والفتنة والخداع في تجنب الهزيمة المنكرة، أمر جيشه برفع المصاحف فوق رؤوسهم، مما خلق بلبلة وفوضى في صفوف جيش الإمام علي، بفتنة بالانشقاق والخروج من طاعة الإمام وجيشه، لانهم رفضوا التوقف عن القتال وهم على وشك كسب الحرب. هذه الفتنة الماكرة بقيادة معاوية شيدت في تدعيم الأسس في إقامة الإمبراطورية الأموية، وليس امبراطورية اسلامية، ولا تمت الى الإسلام سوى بالاسم. وأحدثت شرخاً كبيراً في حكم الإمام علي، الذي سعى الى تكريس الخلافة الدينية الرشيدة، مميزاتها الحق والعدل، ومراعاة احتياجات الناس، وخاصة الفقراء والمظلومين.

أن اقامة الدولة الاموية عمادها الظلم والطغيان والفساد، وتغييب عقول الناس نحو الاسوأ في السلوك والأخلاق، ومعاناة المعيشة والحياة، دفع الإمام الثمن الباهظ حياته، بطعنة الغدر الشنيعة (مضت الأيام بسرعة بعد تلك الفجيعة، وبدأ القلوب الحزينة تنسى احزانا وتنشغل بأيامها، وما يمر بها من عسر المعيشة ومشاقها، وامتلأت النفوس الإحباط، بسبب الأخبار المتناقلة بين الناس، التي تشيء بالخيانات والمكائد) ص233.

هذا معيار الخلاف بين قوام الدولة الدينية الرشيدة، ميزانها العدل والحق، ودولة الباطل ميزانها المكائد والدسيسة والفتن والغدر وشق الصفوف بالنزعات والحروب، دولة الظلم والدم والطغيان والفساد، وهي الدولة الأموية (- والله يا معاوية أنك تؤسس لامبراطورية أموية وليست إسلامية !! أخذت الاسم زوراً من الإسلام، وكل من فيها سيعيش عهداً ويمضي، أما كيف يعيش ؟ فأن هذا لا يعنيكم !! ان الفرد في رعيتكم سيعيش عبداً مملوكاً يسام سوء العذاب والاحتقار، وسنضع على كاهلكم كل الذنوب هؤلاء، وكل دم سيراق) ص194. والدليل على هذا النهج المنحرف، تعاملهم الوحشي مع الحسين، الذي أراد تعديل ميزان الحياة المقلوب، وإعطاء صيغة الحق والعدل في إصلاح أحوال أمة جده رسول الله. وإعطاء الكرامة في العيش والحياة، لكن جيش معاوية أراد أن يدفن الحق، حتى يرفع شأن الباطل والفساد في دولته،وكما فعل في اسلوبهم الوحشي والهمجي بحرق الخيام وسبي النساء وقتل المجروحين بعد معركة الطف في كربلاء (وتعالى من جهة الخيام المحترقة، عويل النساء وصراخ الجنود وهم ينهبون ما تقع عليه أيديهم، وفي مكان غير بعيد عن موقع المخيم المحترق، كانت الخيول تطأ صدور صرعى معركة الطف !! وتجهز بالرماح على من كان لازال نفس في صدره يتردد، فيقطع بعد ذلك الانين والشخير !!) ص 328. وكان الاعتقاد السائد بين الناس وخاصة أهل الكوفة، بأن لا أحد يتجرأ ويتطاول على ابن بنت رسول الله. (- يا مسعود هؤلاء لا يعترفون بدين، ولو كان الرسول حاضراً لحاربوه، وهم يعرفونه يقيناً رسول الله وخاتم الأنبياء، هؤلاء دينهم الدينار والدرهم، وجعلوا السلطة سبيلهم لهذا) ص223. هذا الحزن يتكرر على امة الاسلام بقتل أعظم رجلين مقدسين. كما غدروا بالإمام علي، ذبحوا الحسين أيضاً، هذا الشرخ الكبير في الصراع السياسي العنيف بالإجرام العنيف، مما خلق الحزن والإحباط عند النفوس (كل حزنٍ ماضٍ الى نهايته، إلا حزن فقدك يا مولاي فهو باقٍ الى أبد الدهر) ص224. فقد تغيرت الاخلاق وتبدلت المصائر، في خذلان الحسين، انها جريمة كبرى بحق الإسلام والمسلمين (أذا خذلنا الحسين سنبقى كالذي باع ثوبه وبقي عارياً الى آخر الزمان !!) ص304.

×× تضمينات داخل المتن الروائي، بالغة الاهمية في الشأن الانساني والتاريخي، النبوءات التي وردت في الكتب المقدسة: التوراة والإنجيل، والكتب المقدسة الاخرى، نركز على بعضها:

- نبوءة بظهور النبي الرسول الكريم محمد

- مقتل الذبيح المقدس: لقد توقف المتن الروائي بأهتمام وتحليل في مسألة النبوءات التي وردت في الكتب الدينية المقدسة. التوراة والانجيل وغيرهما من الكتب المقدسة، واثارت الجدل والتساؤلات الجوهرية عن الذبيح المقدس من يكون وفي أي مكان بالضبط يقع الذبح ؟، وهذه الاشارات والتساؤلات المهمة في نبوءة الذبيح المقدس، وهي تعني مقتل الحسين في صحراء نهر الفرات - كربلاء - هذه النبوءة الصريحة كما وردت في هذه الكتب المقدسة (- النبوءة أيها الكريم تتحدث عن شخص مقدس جاء من صلب نبي، وهو سيد عظيم، مقدس، عالم بأمور الدنيا والآخرة، طيب وكريم، لا يقول: لا، لطلب حاجة، ولا يذكرها إلا تشهده للصلاة) ص24.

(- نبوءة تتعلق بابن نبي مقدس، سيكون سيداً في السماء، ومن هذه النقطة، بحثت، وتعمقت في البحث، لعلي أحظى بإطلالة كافية وافية تنير لي الطريق مع أن النص واضح، لأنه يشير الى معركة مصيرية تقع بجانب شط الفرات في أرض يقال لها - كركميش - يخوضها شخص يرتبط بالله تعالى، من أجل إرجاع خلافة مغتصبة)ص24.

×× إشارات أخرى في المتن الروائي:

- نقتطف منها هذه الشذرات المهمة:

- السلوك والمعدن الأخلاقي، الذي تعلم وتهذب في تربيته أتباع خليفة المسلمين أمير المؤمنين علي، الذين يؤمنون بقيم ومبادئ الامام، قلباً ولساناً وليس بالتزييف والنفاق والمتاجرة. فقد كان علياً يتفقد الفقراء والمظلومين ويطعم الجياع في يده الشريفة الطاهرة وبنفسه، وتعلم اتباعه على هذه الخصال العظيمة، في مساعدة الفقراء والمظلومين واطعام الجياع، ورد الحق الى المظلومين والمحرومين، هذه الأخلاق الاسلامية الحميدة، كما فعل بطل الرواية (الهفهاف بن مهند الراسبي) في شراء الاخوات الفارسيات الثلاثة (سهزاد وشيرزاد وشهرزاد) بعدما وقعن في السبي وكن معروضات للبيع، اشتراهن واعتقهن لوجه الله تعالى، حررهن من العبودية والسبي، وعشن بعد ذلك حياة كريمة بعد زواجهن بالاخلاص والوفاء.

وكذلك تضمن السرد الروائي أقوال مأثورة في الحكمة والبصيرة، تصدرت مقدمة لكل فصل من الفصول الرواية 50 فصلاً، نقتطف هذه الشذرات:

(- ما أكبر الحب، واصغر الكراهية بميزان الأخلاق) ص4.

(كل متظاهر بالقوة مخفِ لضعفه لا يعول عليه) ص110.

(منْ مات ولم يكن له أعمال خير فهو لم يعش دنياه ولا يسر بآخرته) ص118.

(ليس الغريب غريب الوطن، الغريب غريب في كفنه ولحده، لم يترك عملاً في دنياه يؤنسه آجره بقبره) ص179.

×× حكاية الحدث السردي الروائي:

يتحدث عن قيام (الهفهاف بن مهند الراسبي) بمجازفة في امتطى رحلة طويلة من مدينة البصرة الى الشام / دمشق، في سبيل اطلاق سراح أبيه الاسير عند الامويين، بعد أسره في معركة صفين، وكان والده شيخ قبيلة تميز بالاخلاق الحميدة والسمعة الحسنة والشجاعة، وهب لنصرة الامام علي ليحارب مع جيشه في معركة صفين، لكنه وقع في الأسر. وابنه (الهفهاف) يريد ان يعرف مصيره حياً أم ميتاً، واطلاق سراحه مقابل الفدية المالية، وخاض غمار الرحلة الطويلة في قافلة من القوافل التي تعبر الصحراء، وتعج بقطاع الطرق. في سلب ونهب وسبي النساء وفرض المال من أجل السماح في مواصلة الطريق الصحراوي. اضافة ان المسافرين في هذه القوافل قد يتعرضون الى لدغات الأفاعي السامة، اضافة الى انتشار جندرمة معاوية في مفارز على الطريق تفتش عن هويات المسافرين، قد يكون بعضهم يشكل خطراً على الدولة الأموية، او مطلوباً، أو من اتباع الامام علي محظور عليهم الدخول الى الشام، واجتاز كل هذه العراقيل الخطيرة في رحلة عجائبية حتى وصل الى قصر معاوية، واقنعه في إطلاق الاسرى مقابل الفدية المالية. وتم إطلاق سراحهم كانوا في حالة يرثى لها من الوهن والضعف والمرض (وكانوا بحالات يرثى لها حقاً !! اصفرت وجوههم، وكان اكثر من نصفهم، قد فقدوا عضواً من أعضاء أجسادهم سبب معارك صفين، فزاد الأسر من أوضاعهم الصحية سوءاً على سوء. وكان بينهم العميان والعرجان، ومن فقد كلتا يديه، ومنهم من أصيب في ظهره، فهو لا يقوى على الوقوف والحركة) ص198.

ورجع الى مدينة البصرة مع أبيه، ليقضي بقية العمر بين أهله.

× الكتاب: رواية الرحلة العجائبية

× المؤلف: الاستاذ فيصل عبدالحسن

× الطبعة الأولى: عام 2022

× عدد الصفحات: 346 صفحة

×× الاهداء: الى روح أبي. معلمي الأول. الذي لا أنسى أبداً نظرات الفرح في عينيه، وهو يراني أتقدم لأول مرة بقدمين حافيتين متعثرين لامسك بالقمر.

***

جمعة عبدالله

نبيل عودةلا اكشف سرا ان قراءة الشعر اليوم أصبحت مغامرة يجب الاستعداد لها، أحيانا تقرأ ديوانا كاملا ولا تلمس فيه الا الضجيج وغياب الصور الشعرية، واستبدالها بالكلمات التي لا تقول شيئا الا ان الشاعر الذي يرجمنا بها، يجمعها قبل صياغة القصيدة متوهما انها تعطي لشعره عمقا لغويا وفصاحة تؤخذ بالحساب حين يتجرأ أي ناقد على تناول نصوصه نقديا. للأسف الفهم الخاطئ السائد ان النقد تصفيق للجمل حتى لو افتقدت للصياغة اللغوية الجميلة. اتقان اوزان الشعر ليست مقياسا للإبداع. أي يجري تجاهل بعض النقاد لحقيقة ان الشعر هو تحليق بعوالم الصور الشعرية الملونة وفن الصياغة اللغوية وتدفق المعاني بدون قرع الطبول، بل باطار اوكسترالي لغوي ينقل القارئ لعوالم الشاعر السحرية، اشبه بسمفونية موسيقية مصاغة بالكلمات. والمؤسف ان معظم الكتابات النقدية تفتقد لمفهوم الشعر ومضامينه الفنية واللغوية، وانه ليس بضخامة الكلمات بل بجعلها تتسرب الى الروح مثيرة المتعة والخيال لدي الفدائي القارئ. وفي إصرار حسين مهنا ابن الطائفة المعروفية التي تحاول إسرائيل بسياستها شقها عن الترابط الوطني العربي وتحويلنا الى طوائف ونفي صفتنا كشعب له قوميته وتعدد ديانته، يخاطب حسين مهنا حفيده: اضرب جذرك يا ولدي / اسمعه كيف تدوزن صوتك/ فوق مفاتيح اللغة العربية!!

رصدت ابداعات الشاعر الرائع حسين مهنا، ابن قرية البقيعة – قرية الشعراء الجليلية، منذ بدأ ينشر قصصه باسم مستعار في مجلة "الغد"، كنت ارى في قصصه روحا تتجاوز النص الدرامي الى النص الشعري، لم يمض وقت طويل حتى كشف عن اسمه والتزم اكثر بالشعر منهجا وطريقا، رغم اني كنت اتمنى لو طور ادواته القصصية ليظل معي في ساحتي التي أعشقها أكثر. مع ذلك وجدتني مغرما بنصوص حسين الشعرية، التي تتميز بالبساطة في اللغة والتعابير، القوة في البناء الشعري، الثراء في الصور الشعرية وهو الأهم في تركيبة القصيدة حسب مفاهيمي.

من هنا رؤيتي الأساسية بأن المكانة الشعرية والأدبية التي يتمتع بها الشاعر حسين مهنا، ابن بلدة البقيعة الجليلية، ليست وليدة الصدفة، ليست وليدة علاقات عامة أو ظروف سياسية أو غيرها دفعته نحو الطليعة. فهو لا يحسن تسويق نفسه، انما ما دفعه للطليعة الشعرية في ثقافتنا المحلية، جهد واتقان وعشق للكلمة والنغم واستقامة شخصية وموضوعيته الثقافية. هناك قول لطيف لعلي بن ابي طالب يقول فيه: " لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده، فان الناس لا يسألون في كم فرغ من العمل وانما يسألون عن جودة صنعته".. وكاني بعلي بن ابي طالب يقصد أيضا حسين مهنا بهذا القول!

ساتناول ديوانين شعريين للشاعر حسين مهنا.

 الديوان الأول: " تضيق الخيمة... يتسع القلب " ويشمل عشر قصائد وخمس منثورات.

يفتتحه بقصيدة يقول مطلعها:

كأني أراكم

كما قد رأتكم دمائي

على باب ( عاي)

تشدون خيلا

وتعدون خلفي

ويوم صرختم بباب ( اريحا ):

- تموت... تموت

وراحاب تحيا..!!

حملت الحياة على راحتي

وسرت على مهل أنثر الحب والشعر

سرت.. سرت.. سرت..

انا استزيد الحياة حياة

وأنتم تشدون خيلا

وتبغون حتفي...

الديون الثاني: "الكتابان" - ويبدأ بالثاني وينتهي بالأول.

يقول في قصيدة: "تمرين أو لا تمرين"

تمرّين أو لا تمرّين

قلبي تعود طول انتظارك

انت تعيدين للقلب

ما قد تناثر،

فوق دروب الحياة

ليصبح شكل الحياة

جميل التفاصيل،

كي لا تصير الدماء مدادا

وكي لا يظل الحبيب رهين القصيدة.

وفي قصيدة: "سموت بحبك" يقول:

سموت بحبك العذري خلقا

وزدت حضارة وصفوت ذوقا

وطهرني غرامك من ذنوب

تحاصر مهجتي وتشد طوقا

وأودع بي جمالا بعد ظرف

وشوقا للحياة فصار عشقا

وعلمني بأن الحب عدل

فلا أشقى ولا المحبوب يشقى

 هذه مقاطع اخترتها عشوائيا، انا أؤمن ان القصيدة الجيدة لا تحتاج الى "مفسر أحلام"، بل تتسرب كالماء الى وجدان القارئ وتدمجه بأحاسيس الشاعر.

حسين مهنا يثبت ان الشاعر المتمكن من فنه وبصفته، مثقف موضوعي مرتبط بقضايا شعبه، الى جانب مهنيته الشعرية، قادر على الابداع حسب كل الأساليب الشعرية المعروفة... من الشعر الموزون والمقفى وشعر التفعيلة حتى الشعر المنثور. من الاسلوب الكلاسيكي حتى أحدث الأساليب الشعرية الجديدة.

حسين مهنا في ابداعه الجديد يشكل مدرسة ومقياسا للشعر الجيد وللشاعر المبدع وللمثقف الحقيقي الذي يعيش ويتفاعل مع مجتمعه وعالمه. بهذه المناسبة المخصصة للشاعر حسين مهنا، يروقني ان اعود لديوان سابق له "انا هو الشاهد"، ما زلت اراه من الابداعات البارزة في شعرنا المحلي وقد شدني ذلك الديوان واعادني الى صفحاته مرات عديدة  ولعلي اعود الى ديوانيه الآخرين لاحقا.

ديوانه "أنا هو الشاهد" - صدر عن الأسوار – عكا (2001) – يشمل ( 14 ) قصيدة من نتاجه الشعري منذ عام ( 1997)، وهذا بحد ذاته يثبت ان حسين مهنا شاعر يعيش أجواء قصيدته، بحيث تتحول القصيدة الى مهمة يعيشها لمرحلة زمنية، تنمو "بوسائل طبيعية" دون استعمال مسرعات النمو، أو الانتاج "داخل دفيئة"، بحيث نغرق بمنتوجات شعرية قبل موسمها انتجت بوسائل غير طبيعية.  ربما هنا احدى مشاكل "البضاعة" الشعرية التي تملأ الأسواق، بعضها بلا طعم ولا نكهة، أو أدخلت علية "جينيات" أخرى  فصارت "الشيء وضده".

حسين بديوانه "انا هو الشاهد" هو مدرسة، ليست شعرية فقط، انما حضارية خلقية، الى أن الشعر ليس للدنيا فقط، ليس للآخرة ايضا، انما هو صنعة للارتقاء بالانسان، تطوير فكره وحسه وفهمه وصقل ارادته. هذه مهمة لا يجوز الاستهتار بها، اذا اردنا حقا أن نسمي المولود باسمه.. لأنه لا أجمل من أن يكون الانسان شاعرا، أو مبدعا تبعث لمساته الحياة حتى بالجماد.

على غلاف ديوانه يؤكد حسين مهنا ما أرمي اليه، انما بلغته، لغة الشعر، الذي أثمر على شجرته، دون أن ترهق الشجرة بالمبيدات وتسريع النمو:

على هذه الأرض نبني

كما لا يحب الغزاة –

ونرعى على مهل مجد أجدادنا.

ويقتبس حسين من انجيل "يوحنا" في كتاب "العهد الجديد"، قوله: "وأيضا في ناموسكم مكتوب ان شهادة رجلين حق، أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الرب الذي ارسلني"، فهل يستطيع أحد بعد ذلك أن ينفي صفة الشاهد عن حسين مهنا؟

حقا حسين هو شاهد، شاهد على حكاية وطن تمزق شغاف القلب:

كانت هنا قرى تعبق بشذا فلسطين

قرى تفردت بعرائش سطوحها..

بكرومها..

بأهلها الطيبين.

هذا ما جاء في بداية قصيدته الاولى "في البدء" وانظروا الى العلاقة هنا بين "أنا هو الشاهد"، والمرافعة دفاعا عن كونه شاهد، مستندا لانجيل "يوحنا"  واسم القصيدة الاولى "في البدء"... و"في البدء كانت الكلمة" - افتتاحية التوراة – وصولا الى فلسطين، الكلمة الاولى في قاموس اهلها الباقين والصامدين والمقاومين، لكن بنفس الوقت نشعر في قصيدته هذه روح البكاء على الأطلال: "قرى بلادي وقصائدي".

أما قصيدته الثانية "يورثون الحياة انتصارا" فهي نقلة نوعية من حالة حزن الى حالة فرح وغناء وحب يتدفق كالشلال. قرأت هذه القصيدة مرات ومرات.. بطرب حقيقي. ينجح حسين هنا بأخذ القارئ/ المتلقي الى رحلة في ذات محب:

وأذكر يوم وثبت لأقطف زهرة القرنفل

كيف نقزت – وكنت وراء الأصيص –

وصحت:

تلطف!!

فما هكذا يؤخذ الورد يا ذا؟!

انتبهوا هنا للطافة وملاءمة تعبير "نقزت" (جفلت) العامي، وأظن أن هذا الاستعمال فرضه نمو القصيدة واكتمالها – نضجها – الطبيعي وغير المصطنع.

ويواصل رحلته:

فوددت لو اني اقبل دارك...

هذه الجملة تذكرني بعنترة العبسي الذي خاطب حبيبته بقوله:

فوددت تقبيل السيوف لأنها / لمعت كبارق ثغرك المبتسم.

 ويواصل حسين:

ستأتيك امي قبل الغروب

لتقطع قول الوشاة

وليت أباك يقرّ بأني "شيخ الشباب"

واني جدير بزين الصبايا

ونفرح

نفرح

هذا الجليل يحب الزغاريد.

وهنا يكاد يقول انه لولا ان الجليل يحب الزغاريد  لما كان الحب..

ويقول:

هذا التراب الزكي شغوف

بمن يزرعون

ومن يحصدون

ومن يعشقون

ومن ينجبون

ومن يورثون الحياة انتصارا

لجيل جديد

هذا الحب يعيدنا الى انسانيتنا، الى الزمن الذي كان فيه الفتى يطوف حول بيت حبيبته عاما كاملا يفرح ان رأى وجهها، فاذا ظفر منها بمجلس، تشاكيا وتناشدا الأشعار. أما اليوم، وهذا يبرز في الكثير من شعرنا الحديث، فاذا التقاها، لا يشكو حبه أو ينشد الشعر، انما يطلب الوصل، بحيث تحول الحب في معظم شعرنا الى بضاعة، يقرر سعرها العرض والطلب، بينما الحب الذي يختلج بأعماق حسين لا يباع ولا يشترى.

قصيدته "أراك كما لا تراك العيون" هي قصيدة غزل في قريته البقيعة:

"البقيعة قريتي وكل قرية في بلادي بقيعة"

 ومع ذلك:

وآها لتلك السنين الخوالي العذاب

قريبا من القلب

نبض فلسطين كان

هذه القصيدة تركت لدي شعور انه في حبه الكبير لقريته، هناك نوع من الألم والمرارة أيضا، على تلك القرية التي تيتمت من "نبض فلسطين"  ومن آلام "جرح الجليل".

يذكرني هنا بقصيدة الشاعر الراحل سالم جبران:

"كما تحب الأم

طفلها المشوه

احبها

حبيبتي بلادي"

ربما ليس بالصدفة ان سالم من البقيعة ايضا. في القصيدة جوانب أخرى، منها مثلا قدرة حسين أن ينقلنا من الحلم الشعري الى الواقع الشعري. من حلم البقيعة الى واقع البقيعة  وبكلمات بسيطة:

ترى أين غابت

بساتين خوخ وتين؟!

وجوز ولوز

ورمان عيد الصليب

في الشطرة الأخيرة يعرفنا على البقيعة، على أهلها، بحيث لا يبقي البقيعة حلما طائرا، بل حقيقة شعرية ملموسة. من المعروف ان الرمان في بلادنا يثمر في فترة عيد الصليب عند المسيحيين. وأي فلاح فلسطيني، مسلم، درزي او مسيحي، عندما يسال عن موعد قطف الرمان يقول يقطف مع حلول عيد الصليب!

الغنائية الحالمة تميز الكثير من قصائد الديوان، في قصيدة "ستر عاشق يظلل ليلنا الريفي":

تحبني..؟!

اذن تعال كي نصالح القمر

أمس اشتكى

يا طول ما اشتكا!

وأكاد أشعر في هذا المقطع أجواء فيروزية.

وينشد في "لنا فوق الجليل":

لنا فوق هذا الجليل

تراب جليل

عليه نقيم

ومنه نبتنا كما ينبت العشب

والاقحوان.

وبين يديه تركنا طفولتنا

والشباب.

لنكبر فيه ويكبر فينا.

اذن هو ليس مجرد عشق لطبيعة ساحرة، انما هو عشق للمنزل، للمنبت، للأنتماء. وشاعرنا العربي يقول:

نقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى / ما الحــب الا للحبيــب الأول

الحبيب الأول، على امتداد مساحة ديوان حسين  هو الجليل.. لم يكتشف حبيبا غيره.. حتى تلك التي "نقزت" هي جزء من الجليل. قصيدة "سأجلس ذات مساء" فيها الكثير من الايماء والتكثيف. يقول:

سأجلس ذات مساء بعيد

وحيدا..

وأفتح قلبي

على شرفتين

وراء الغمام

لعل رفوف اليمام

تجيء

وتلقي السلام علي

وتغفو قليلا على راحتي

لأكتب أغنية

عن بلادي.

بعد قراءتي لقصيدة "تركنا على كل درب" اعتراني شعور أن حسين لا يكتب قصائد منفردة، انما قصيدة واحدة متواصلة، تكاد تكون هذه القصيدة هي مهمة حياته كشاعر، فها هو يقول مثلا ما يمت بصلة لقصائد سابقة:

وقد اورثونا

محبة هذا الجليل

وحب الحياة

وعشق قرانا

ونذكر اننا ولدنا هنا.

أما قصيدته "بي شوق لأحيا"، فهي نشيد لتجدد الحياة بعد أن رزق بحفيده محمد / وهي قصيدة لها مناسبتها، تكاد تكون استراحة وسط قصيدة / قضية شعرية متواصلة وواحدة.

وانا ورثنا الصباح الجميل

وهذا الجليل

وفجرا تلفع بالياسمين.

(قصيدة: وانا ورثنا الصباح الجميل)

في قصيدة "اسمعني صوتك".. كتبها كما فهمت لحفيده في ميلاده الأول.. ونراه يورث حفيده ما يملكه الشاعر:

اسمعني صوتك

عربيا

لا يتلجلج في شفتيك

ويوصيه:

واخرج من جلبات الزمن المهزوم

جوادا عربيا

ينقل للريح

صهيل الفرح القادم

وأيضا:

اضرب جذرك يا ولدي

اسمعه كيف تدوزن صوتك

فوق مفاتيح اللغة العربية

ويصر على حفيده:

أسمعني صوتك

كي اسمع وطني

يتجدد لحنا عربيا

 لا بد هنا من ملاحظة هامة.. في هذه القصيدة اصرار على عروبة ابناء الطائفة المعروفية (الدروز)، التي تحاول السلطات الاسرائيلية قطعهم عن جذورهم العربية وجعلهم فئة سكانية لا ترتبط بالهم الوطني العربي او الفلسطيني...

اذن كما قلت، حسين مهنا أخذ على نفسه ابداع قصيدة / قضية وطنية انسانية وجمالية ممتدة.في ديوانه هذا نراه يكتبها على مدى ثلاث أو اربع سنوات.ربما حقا على كل شاعر أن يأخذ موضوعا لشعره حتى يوفيه حقه.  حسين يثبت أن ذلك لا يعني الانغلاق داخل حدود مرسومة.ان البقيعة مثلا، ليست مكانا جغرافيا له حدوده الجغرافية. الشعر لا يعترف بالحدود الجغرافية، أو كما يقول حسين مهنا: " كل قرية في بلادي بقيعة ".

حين أقرأ اسم حسين مهنا يجلس على راس قصيدة اعرف اني سأقرا شعرا حقيقيا واني سأتمتع بجماليات شعرية صارت من القلة.

هل يريد الشاعر أكثر من ذلك؟ ان يتدفق شعره كالماء بلا ضجيج ويتغلغل كالماء في وعي القارئ وأحاسيسه

***

نبيل عودة

فتحي محفوظربما غاب عن العيون صهيل الخيول

و نام الرجل الشريد على رصيف

الحكاية

لم تكن البلاد التي اسمها الخضراء

تبحث عن الينابيع في عز الظهيرة

بل كانت القوافل الاتية من اقاصي

الشمال

ترمم أخر ما تبقى من القلاع...

اسراب من حمام حضرموت

يحلق بعيدا

و الاجنحة لا تخاف من رايات الجنوب

المتاخم للأنين

هذا بريق المعركة أم لهيب الحساب

الاخير؟

هذا طريق الفاتحين باتجاه الغروب

أم درب الخارجين عن حياض

القبيلة؟

واقفا على أرض ثابتة

و عيناه باتجاه الاقاليم البعيدة

يباغت خصوم الوردة قبل اعلان

الرحيل

و انفتاح المرء على مرايا الكلام الفصيح

ها هنا جدار قديم

و ولد جريح

و ارتماء الجسد العليل في المياه

أصوات العنادل غابت عن المشهد

و صار بإمكان الأصابع ان ترفع الرايات

قريباً من التخوم

بعيدا عن صمت القرى

و انحناء الجباه

هنا كيان وسيرورة حذو الغياب

و أولاد لا يخافون من ديمومة

الأشياء

ربما لم يكن في الحسبان هروب الفتى

من صدى الأمنيات

وانفتاح الرؤى على المكان القصي

اقلام تكتب النشيد المشاكس

و أصوات الغرباء تباغت الأجساد

ليس في السفينة ربان ولا مسافرون

ليس في المدينة الهاربة من الأضواء

عشاق للزمن القديم

بل مازال في الوقت متسع لإغراق

المراكب...

و اقتراب الضفاف من الينابيع

الأنهار هي البوصلة

و الاقمار هي المفاتيح

و الأزهار هي الروح المسافرة إلى الدهاليز....

سماء القرى تضيء الدروب

و زفرات الجريح الأخير

تربك ورقات الغيم

حين تكون وحيداً جالسا على رصيف

المتاهة

يباغتك الفتى بالصراخ

أنت الآن خارج الاسوار

و لا أحد يسألك عن جراح البلاد

التي سافرت إلى ملكوت الغياب

هنا يداي تسأل العالم

عن خطاي كيف اخذتني إلى السراب

***

للشاعر والمحلل السياسي التونسي البشير عبيد ورقات يعرضها للبيان في قصيدته المثيرة ورقات الغيم، وعرض الورقات لم يكن اكثر من تعبير بالمكاشفة عما يمكن ان يكون قد اغفلنا رؤيته في محيط المشهد السياسي، وعن الوقائع السارية داخل المحيط العربي يبدأ انشاده

" ربما غاب عن العيون صهيل الخيول

و نام الرجل الشريد على رصيف

الحكاية "

وشاهد العيان يدعوه النص بالرجل الشريد، وربما كان هذا هو اللقب الجديد للشاعر والمحلل السياسي نفسه، وهو يبدأ انطلاقاته من نقطة ارتكاز. هذا يدعونا الي الاعتقاد بوجود نقطة ارتكاز تتعلق بمفهوم رصيف الحكاية، وهو تعبير مجازي عن نقطة الانطلاق، او الليلة الأولي من الألف ليلة وليلة، في حين تنبثق العلامات الشبيهة بالومضة، وهي العلامات المثقلة بالتراث عن ادوات الحرب وآلاتها، ومن ثم علينا جميعا واجب الاصغاء الي ما أسماه النص صهيل الخيول.

"لم تكن البلاد التي اسمها الخضراء

تبحث عن الينابيع في عز الظهيرة

بل كانت القوافل الاتية من اقاصي

الشمال

ترمم أخر ما تبقى من القلاع..."

ونقطة الارتكاز إذن تنطلق من تونس الخضراء، وهي الموطن والمعقل، وفيها آخر ما تبقي من قلاع، والقلعة الأخيرة علامة من علامات التاريخ المندثر، فالموضوع يتشعب في اتجاهين: يمثل احدهما الحاضر، فيما يسعي الآخر داخل العمق التاريخي والزمني، ويسود لدينا الاعتقاد بتضارب وتناقض الاتجاهات داخل المصفوفة الزمنية. البحث عن الينابيع وقت الظهيرة وترميم القلاع الأثرية

وتتوالي الأوراق...

" اسراب من حمام حضرموت

يحلق بعيدا "

ينطلق الفزع من حضرموت اليمن علي هيئة اسراب جافلة من الحمام الوديع، انه الحمام الذي يولي اتجاهه شطر المكان البعيد عن الصراع، والصراع محكوم بآلياته ودوافعه

"هذا بريق المعركة أم لهيب الحساب

الاخير؟

هذا طريق الفاتحين باتجاه الغروب

أم درب الخارجين عن حياض

القبيلة؟ "

ولعل التنازع القبلي في مضمونه لم يكن ليعكس طبيعة الأوضاع اليمنية تماما، فهو التنازع الذي يستمد قوامه عبر تداخلات وتنازعات علي مناطق النفوذ، فيما يختبئ خلف هذا المشهد الدامي قوي اقليمية وعالمية، ويبقي امامنا ذلك المشهد الكئيب: تفرق وتشرذم الجماعة بالخروج عن حياض القبيلة

"واقفا على أرض ثابتة

وعيناه باتجاه الاقاليم البعيدة

يباغت خصوم الوردة قبل اعلان

الرحيل

و انفتاح المرء على مرايا الكلام الفصيح "

يعود الشاعر والمحلل السياسي والشريد في ثوبه البلاغي ليعلن عن موقفه الراصد للأبعاد علي طول المساحة وعرضها، فيما يبدأ في انفتاحه الحي علي النص بمقوماته البلاغية، والصورة في تلك الحالة هي صورة مفعمة بالأسي قد تتجاوز حدود الفخر لتصل الي حدود الندب والرثاء

" ها هنا جدار قديم

و ولد جريح

و ارتماء الجسد العليل في المياه "

ان جزءا من المشهد العام يحتوي علي اشاراته المسبقة، التاريخ علي شكل جدار قديم، وهو امتداد لصورة القلعة الأخيرة، وولد جريح وهو امتداد وربما تطوير لحالة الفزع التي استشعرت بها اسراب الحمام الوديع، واشارات اخري تعتني بقياس حالة الوطن الممزق والعليل وهو يدفن جسده في المياه رغبة منه في الخلاص من همومه واوجاعه

" وصار بإمكان الأصابع ان ترفع الرايات

قريباً من التخوم

بعيدا عن صمت القرى

و انحناء الجباه "

وقيام الجسم بالغوص في المياه ربما كان نوعا من الخلاص من أسقام الجسد العليل وندوبه، وهو نفسه ذلك الخلاص الذي عبر عنه الشريد في اشارات النص في تكوينه البلاغي برفع رايات المقاومة.. نفس المقاومة التي رصدها المشهد في ايجاز جامع: ضد الصمت وانحناء الجباه

وينطلق النشيد ليفتح اوراقا اخرى..

" هنا كيان وسيرورة حذو الغياب

و أولاد لا يخافون من ديمومة

الأشياء

ربما لم يكن في الحسبان هروب الفتى

من صدى الأمنيات

و انفتاح الرؤى على المكان القصي"

وتبرز الاشارات الموحية الي مكان بعينه عبر الترديد الواعي داخل النشيد، ويبدو اننا قد استوعبنا تلك الإشارات في مضمونها الحي: المكان الاقصى والكيان، وعلي صعيد متصل قبول ذلك الرباط بين رفع الرايات، ومقاومة الضعف والتخاذل بمشهد اولاد لا يخافون مما اطلق النص عليه بديمومة الأشياء. انه ذلك النوع من الترابط الذي يحتوي علي كافة افعال المقاومة، وبالمثل يحتوي علي تلك العلامات التي تقوم بتهيئة الوعي لقبول سنن التغير في ديمومة الأشياء

" حين تكون وحيداً جالسا على رصيف

المتاهة

يباغتك الفتى بالصراخ

أنت الآن خارج الاسوار

و لا أحد يسألك عن جراح البلاد

التي سافرت إلى ملكوت الغياب

هنا يداي تسأل العالم

عن خطاي كيف اخذتني إلى السراب "

وفي هذا المجال يتحول رصيف الحكاية كما يراه الشريد الي رصيف المتاهة، والمتاهة هو الفعل المناظر لحالة التيه وعدم الفهم: البلاد تئن بالجراح، والخطوات قد تأخذنا الي السراب، والسراب يقود الشريد لطرح سؤال. انه السؤال الذي عبر عنه الشريد في صورة خطاب الي ضمير العالم.

***

الناقد المصري فتحي محفوظ

 

مفيد خنسةثانياً: الإمكانات الدلاليّة والاحتماليّة:

يمكننا أن نقول: إن معنى الجملة الأولى التي طبقنا عليها، (في الموت يغيب التلفيق) هو كما ورد في فقرة المعنى، أي حين تزول الحياة عن الإنسان يزول التلفيق بكل معانيه التي ذكرت، ولكن مفردة (الموت) تولّد عشرة معاني على الأقل، ومفردة يغيب تولد أحد عشر معنى على الأقل، ومفردة التلفيق تولد ستة معاني على الأقل، وهذا يعني حسب المبدأ الأساسي للعد، فإن المفردات معاً تولد أحد عشر ضرب عشرة ضرب ستة ويساوي (660) معنى على الأقل، ويمكن بسهولة أن نرسم شجرة الإمكانات، أي هناك ستّ مئة وستون معنى ممكناً لهذه الجملة التي تتألف من ثلاث كلمات، ولكننا نكتفي غالباً بالمعنى العام، فنقول: معنى الجملة مثلاً هو كما ذكرنا، وبذلك نكون قد أغفلنا الإمكانات، أي المعاني الممكنة (الواقعية)، واكتفينا بالمعنى العام الأقرب إلى المراد، أي نكون قد اكتفينا بالمعنى (الواقع)، الذي غالباً ما يتوقف العقل العربي على أعتابه جاهلاً أو متجاهلاً الإمكانات، ولذلك يبقى منفعلاً بالواقع غير فاعلٍ فيه، يبقى مستهلكاً لا منتجاً، ولا أضيف جديداً إذا قلت إن النقد العربي لم يستطع منذ العصر العباسي أن يؤسس لنظريات نقديّة عربيّة، وبقي يلهث خلف النقد الغربي خاصة ويجترّ المصطلحات حتى استهلكها كما يستهلك المواطن العربي أيّ منتج مستقدم من الغرب وغيره، وقد ذكرت قبل مرة كيف أن هناك خلطاً بين معنيي المصطلحين الواقع، والواقعيّة في الفكر العربي وغيره، وإنني على ثقة من أن كثيراً من الذين يقعون على هذا الرقم الكبير الذي يمكن أن تولده هذه الجملة القصيرة، قد يتفاجؤون و منهم من قد يرفض الأمر جملة وتفصيلاً، وهذا أمرٌ متوقع، لكن أجد من الواجب أن أوضح هذه الحقيقة العلمية البسيطة، وإذا سأل سائلٌ: هل هذه الحقيقة العلميّة تحدد شرطاً لازماً لفهم معنى هذه الجملة؟ والجواب ببساطة بالطبع لا، لأنه يمكن فهم المعنى العام كما سبق وذكرنا، لكن هذه الحقيقة تعتبر شرطاً لازماً لمعرفة إمكانات معنى الجملة، وإذا قال: كيف لي أن أذكر هذه الإمكانات بشكل تفصيلي؟، نقول: ليس المهم ذكرها بشكل تفصيلي، وإن كانت شجرة الإمكانات في مثل هذه الحالات البسيطة تساعد على فهم الكيفية التي تتشكل عبرها هذه الإمكانات، ولكن المهم كيف نبني تفكيرنا بناءً معرفيّاً يعتمد على العلم والمنطق؟!، وسيكون ضرباً من العبث أن نذكر الحالات الممكنة لكل جملة، وفي الوقت نفسه سيكون ضرباً من التقصير والجهل حين نكتفي بالمعاني القريبة ونتجاهل الإمكانات الأخرى للمعاني. وسأضرب مثالاً بسيطاً جدّاً، وأعتذر سلفاً لبساطته، لو قلنا في صندوق خمس كرات، وكان السؤال كيف يمكن أن نخرج من هذا الصندوق أربع كرات على مرحلتين؟ فلو أجاب أحدنا، في المرة الأولى أخرج كرة، وفي المرة الثانية أخرج ثلاثاً، سيكون الجواب واحداً من الإجابات الصحيحة، أي إحدى الإمكانات المطلوبة، ولكن هل نكون بهذه الإجابة قد أجبنا عن المطلوب؟ بالطبع لا، لماذا؟ لأننا نكون قد أغفلنا ذكر جميع الإمكانات المتاحة، إذن نحن أمام سؤال رياضي بسيط، وكل جواب صحيح لهذا السؤال هو إمكانيّة من مجموعة إمكانات النتائج الصحيحة، وهي مكونات العدد أربعة، وهنا لا بد أن نسأل قبل الإجابة، هل يشترط في كل مرحلة من المرحلتين أن نسحب كرات من الصندوق، فإذا كان الجواب نعم، فذلك يتطلب منا استبعاد حالة (اربع، صفر) وحالة (صفر، أربع) ، وإذا كان الجواب: لا، عندئذ يجب ذكر حالة (أربع، صفر) وحالة (صفر، أربع)، أي في إحدى المرحلتين لا نسحب أي كرة، وفي المرحلة الثانية نسحب أربع كرات.

إن هذه المحاكمة تمثل فلسفة الحل، وهي الكيفية التي يمكننا فيها تحديد الإمكانات المتاحة كلّها، ومن ثم توظيف هذه الإمكانات المتاحة من أجل الوصول إلى معرفة، وفي تقديري، فإن فلسفة الحل لا تقل أهميّة عن الحل نفسه، لأن فلسفة الحل تقودنا إلى معرفة القوانين العامة الناظمة.

ثالثاً: التعدد الاحتمالي للجملة: (الجملة الممكنة): 

لتوضيح المعنى المقصود، نعود إلى الجملة الأولى نفسها، (في الموت يغيب التلفيق) وهي تتألف كما ذكرنا من: ((1) يغيب، (2) التلفيق، (3) في الموت)، ونلاحظ أنه يمكن إعادة ترتيب الجملة بست طرق، وهي على الشكل، ((1) يغيب، (3) في الموت، (2) التلفيق)، ((2) التلفيق، (1) يغيب، (3) في الموت)، ((2) التلفيق، (3) في الموت، (1) يغيب)، ((3) في الموت، (1) يغيب، (2) التلفيق)، ((3) في الموت، (2) التلفيق، (1) يغيب)، أي يمكن أن نحصل على ست جملٍ، وهكذا يكون الأمر بالنسبة لكل جملة مؤلفة من ثلاث كلمات، وإذا كانت الجملة مؤلفة من أربع كلمات فيمكن الحصول على أريع وعشرين جملةً، وإذا كانت مؤلفة من خمس كلمات فيمكن الحصول على مئة وعشرين جملة، وهكذا نجد كيف تتعدد إمكانات الحصول على جمل افتراضيّة ناتجة عن إعادة ترتيب الكلمات في الجملة الواحدة، وكل جملة من هذه الجمل تعتبر جملة ممكنة، ومعنى هذه الجملة يشكل معنى احتماليّاً، وهذا مؤكّد نظريّاً، لأن الوزن الشعري للجملة هنا أساسي، وقد يكون عائقاً فعليّاً في إمكانية إعادة الترتيب في الجملة، والمهم هنا المبدأ، ومن هذا المنظور فإن الجملة التي أحدثها الشاعر هي واحدة من الإمكانات المتاحة، وهي الحالة الخمسة من بين الحالات الست المرتبة على الشكل المذكور، وهذا المبدأ يطبق على الجمل الشعريّة، وكذلك على التراكيب، فالجمل السبع السابقة يمكن إعادة ترتيبها (5040) طريقة، أي يمكن أن نحصل على العدد نفسه من التراكيب، وكل تركيب من هذه التراكيب يعتبر تركيباً ممكناً، أو تركيباً احتماليّاً.

أهميّة الترتيب: 

إذا تأملنا قول الشاعر: (في الموت يغيب التلفيق)، ثم تأملنا الجملة، (في الموت التلفيق يغيب)، والسؤال هل هما متطابقتان في المعنى؟ والجواب بالتأكيد لا، لأن ترتيب مكونات الجملة مختلف فيما بينهما، ولتوضيح أهمية الترتيب في الجملة، يمكننا تأمل التبويب المعجمي للكلمات ومعانيها، فمثلاً ونحن نبحث عن معنى (غاب)، سنجد أن الصدارة للفعل (غاب) في كلّ جملة تصاغ لبيان المعاني المختلفة، ونكرر المثال: نقول: (غاب الأمر عن زيد) أي خفي عنه، ولا يمكن أن نجد في المعجم التعبير(عن زيد غاب الأمر) كما لن نجد التعبير(عن زيد الأمر غاب)، لماذا؟ لأن الصدارة لما نعنيه بالقصد، وهنا نتساءل من جديد، لماذا استخدم الشاعر الجملة (في الموت يغيب التلفيق)؟ نقول: لا يحق لنا أن نسأل الشاعر هنا باستخدام (لماذا؟)!، أو (لمَ؟) لأننا نكون بذلك قد سألنا عن أمر ذاتي لدى الشاعر، والأفضل أن نقول: ما الحكمةُ من استخدام الشاعر للجملة (في الموت يغيب التلفيق)؟، من دون استخدام غيرها من الجمل الاحتماليّة الممكنة؟!، نقول: نهتدي إلى ذلك من بنية الجملة نفسها، فالصدارة للقول: (في الموت) أي ينطلق من المعنى الكلي للموت، ويليه بالأهمية (يغيب) أي الغياب ، ثم ينتهي ب(التلفيق)، أي موت فغياب فتلفيق، وأي اختلاف لهذا الترتيب سيؤثر على المعنى، لنستدل أن الجملة تحمل المعنى الذي أراده الشاعر أن يكون محمولاً على هذه الصيغة دون غيرها من الصيغ، ومن هنا بالتحديد يمكننا أن نستشفّ الحدوس الأولى للشاعر وهو يصطفي المفردات لتشكيل الجملة الشعرية، وكيف يؤالف بين الجمل ويحسن ترتيبها في التراكيب الشعريّة وفق منطق يوحي بنمط تفكير الشاعر، وينبئ بقدرته الفنيّة على حسن الصياغة والرصف، المهم إن بسط القصيدة إلى فروع وشعاب، ومن ثم تفكيك الجملة الشعريّة التي تعتبر اللبنة الأساسية للقصيدة سيساعد على الفهم العميق للقصيدة، ومن ثم سيساعدنا ذلك على سبر الإمكانات المتاحة للمعاني التي يختزنها النص الشعري.    

تنويه هام:

إن ما ذكرناه عن الجملة الأولى يمكن تطبيقه على كل جملة من الجمل السابقة  وتجاوزنا ذكره خشية الإطالة والتكرار.

رابعاً: المنطق الجمالي:

(1) تحديد القضايا

من الواضح أن الجمل التي يتضمنها المقطع هي جملٌ خبريّة، وبالتالي يمكن اعتبار كلّ جملة منها قضيّة، فالقضايا هي:

القضيّة الأولى: (في الموت يغيب التلفيق (1)). هي قضيّة حملية موجبة، الموضوع فيها هو التلفيق، والمحمول هو (يغيب)، والمعنى يمكن أن يكون حقيقيّاً أو مجازيّاً، والقضيّة الثانية: (في الموت/ يموت التصفيق (2))، هي قضيّة حملية موجبة، الموضوع فيها هو (التصفيق)، والمحمول هو (يموت)، والمعنى مجازي والقضيّة الثالثة: (يقدر واحدنا أن يشتم دون الخشية/ من ساطور (3)). ولا بد من ملاحظة هنا أن (أن يشتم) تؤول بمفرد وهو (شتم أو شتيمة) فهي لا تشكل جملة مستقله، والخطأ الشائع أن تعرب إعراب الجملة، لذلك تعتبر الجملة الثالثة كلها قضيّة واحدة، وهي قضيّة حملية موجبة، الموضوع فيها هو (واحدنا)، والمحمول هو (يقدر)، والمعنى حقيقي، والقضيّة الرابعة: (يقدر واحدنا أن يشتم دون الخشية من... / معتقلٍ (4)). وهو تقدير الجملة الرابعة، وهي قضيّة حملية موجبة، الموضوع فيها هو (واحدنا)، والمحمول هو (يقدر)، والمعنى حقيقي، والقضيّة الخامسة: (يقدر واحدنا أن يشتم دون الخشية من..../ تهجير (5)). وهي تقدير الجملة الخامسة، وهي قضيّة حملية موجبة، الموضوع فيها هو (واحدنا)، والمحمول هو (يقدر)، والمعنى حقيقي، والقضيّة السادسة: (ننام على أريح جنبٍ (6)). وهي قضيّة حملية موجبة، الموضوع فيها هو (ضمير المتكلم (نا))، والمحمول هو (ننام)، والمعنى حقيقي، والقضيّة السابعة: (لن يحدث بعد الموت خرابٌ (7))، وهي قضيّة حملية سالبة لأنها مسبوقة بنفي، الموضوع فيها هو (خراب)، والمحمول هو (يحدث)، والمعنى حقيقي، والقضيّة الثامنة: (لن يحدث بعد الموت تعمير (8))، وهي قضيّة حملية سالبة، الموضوع فيها هو (تعمير)، والمحمول هو (يحدث)، والمعنى حقيقي.  

 (2) القضايا المركبة وأدوات الربط:

القضيّة المركبة هي كل قضية ناتجة عن قضيتين أو أكثر باستخدام أدوات الربط (تقاطعٌ، اجتماعٌ، فرقٌ، إتمام)، وإذا اعتبرنا أن مجموعة جميع الإمكانات للقصيدة الواحدة هي فضاء العينة، أمكننا الاستفادة من جبر القضايا، مستفيدين من جبر المجموعات، وعلى اعتبار أن الحدث هو مجموعة جزئيّة من الفضاء الاحتمالي، فيمكن الربط بين المفاهيم الأساسيّة التالية التي يعتمدها النقد الاحتمالي، الجملة الخبرية مرشحة كي تكون قضيّة، القضية يمكن النظر إليها كمجوعة جزئيّة في فضاء العينة التي تمثل مجموعة جميع القضايا التي يمكن أن تتضمنها القصيدة الشعريّة، كما يمكن اعتبار كل قضيّة من القضايا حدثاً، وهكذا ستتوفر لدينا إمكانيَة علمية منطقية احتمالية لدراسة القصيدة. وسنوضح ذلك من خلال التطبيق.

بالعودة إلى القضايا التي حددناها نجدها مرتّبة على النحو، وسأستخدم الرموز للاختصار،

[ (1)، (2)، (3)، (4)، (5)، (6)، (7)، (8) ]، وبالطريقة التي ذكرنا فيها عدد إمكانات إعادة ترتيب الجمل، يمكن أن نجد أن عدد إمكانات إعادة ترتيب هذه القضايا هو: (40320) أي يمكننا أن نحصل على أربعين ألفاً وثلاثمئة وعشرين قضيةً، وإذا أخذنا بعين الاعتبار، إمكانات إعادة الترتيب في كل جملة كما فعلنا في الجملة الأولى، سنجد عدداً كبيراً جدّاً من الجمل والقضايا أو المجموعات أو الأحداث، ولنا أن نقدر كم سيكون عدد القضايا كبيراً في القصيدة الواحدة، فإذا كان هذا المقطع الصغير من القصيدة قد ولّد ما يزيد عن الأربعين ألفاً من القضايا، وبالتالي أربعين ألفاً من الأحداث أو المجموعات، أي أربعين ألفاً من المعاني، فإن القصيدة الواحدة يمكنها أن تولد عدداً كبيراً جداً جدّاً جدّاً من المعاني، ولنا أن نقدر كيف أن اللغة العربيّة توفر إمكانات غير منتهية من إحداث المعاني، كما يمكننا أن نلاحظ أن لكل مبدعٍ أسلوبه الخاص في التعبير عن المعاني، بحيث يتعذّر أن يتطابق تركيبان بين مبدعين على مر التاريخ، لأن احتمال تطابق تركيبين بين كاتبين يكون قريباً من الصفر جداً جدّاً، وبما أن ترتيب القضايا في المنطق على درجة بالغة من الأهميّة فلا يمكننا النظر إلى أي ترتيب آخر على أنه مكافئ للترتيب الذي وردت به القضايا في التركيب السابق. وهكذا سنجد أن المقطع الشعري مرتب على النحو التالي: وسأستخدم الرموز للاختصار. 

[ (1) وَ (2) وَ (3) وَ (4) وَ (5) وَ (6) و (7) أو (8) ] وإذا طبقنا الخاصة التجميعيّة للتقاطع (وَ)، مع خاصة توزيع الاجتماع (أو) على التقاطع (وَ) نجد أن ترتيب القضايا يكافئ هذا الترتيب، [ (1) أو(8) ] وَ [(2) أوَ (8) ] وَ [(3) أوَ (8) ] وَ [(4) أوَ (8) ] وَ [(5) أوَ (8)] وَ [(6) أو (8) ] وَ [(7) أو (8) ]، ويمكننا تجميع القضايا على النحو التالي بحيث نحصل في كل حالة على قضيّة مركبة مكافئة للقضيّة التي أوردها الشاعر وفق ترتيبه الخاص وسأبين ذلك بالتفصيل وإن كان يحتاج إلى الدقة والصبر،

(1): ([ (1) أو(8) ]) وَ ([(2) أوَ (8) ] وَ [(3) أوَ (8) ] وَ [(4) أوَ (8) ] وَ [(5) أوَ (8)] وَ [(6) أو (8) ] وَ [(7) أو (8) ]).

(2): ، ([ (1) أو(8) ] وَ [(2) أوَ (8) ]) وَ ([(3) أوَ (8) ] وَ [(4) أوَ (8) ] وَ [(5) أوَ (8)] وَ [(6) أو (8) ] وَ [(7) أو (8) ]).

(3): ، ([ (1) أو(8) ] وَ [(2) أوَ (8) ] وَ [(3) أوَ (8) ]) وَ ([(4) أوَ (8) ] وَ [(5) أوَ (8)] وَ [(6) أو (8) ] وَ [(7) أو (8) ]).

 (4): ، ([ (1) أو(8) ] وَ [(2) أوَ (8) ] وَ [(3) أوَ (8) ] وَ [(4) أوَ (8) ]) وَ ([(5) أوَ (8)] وَ [(6) أو (8) ] وَ [(7) أو (8) ]).

(5): ، ([ (1) أو(8) ] وَ [(2) أوَ (8) ] وَ [(3) أوَ (8) ] وَ [(4) أوَ (8) ] وَ [(5) أوَ (8)]) وَ ([(6) أو (8) ] وَ [(7) أو (8) ]).

(6): ، ([ (1) أو(8) ] وَ [(2) أوَ (8) ] وَ [(3) أوَ (8) ] وَ [(4) أوَ (8) ] وَ [(5) أوَ (8)] وَ [(6) أو (8) ]) وَ ([(7) أو (8) ]).

أي هناك ست قضايا مركبة مكافئة للقضيّة المركبة حسب الترتيب الذي اعتمده الشاعر، وما من شك أن المعالجة على هذه الصورة تبدو جافّة قليلاً، بسبب المفاهيم النظريّة التي استخدمتها في هذا التطبيق، لكنني فضّلت التوضيح والتفصيل لأنه من الممكن أن نطبق هذا الأسلوب على كل مقطعٍ من مقاطع هذه القصيدة.

التوازن وتمثيل القصيدة: 

يمكن اعتبار (الموت) مركز توازن القصيدة، لأنه يمثل مركز انطلاقها، ونقطة انبثاقها، كما يمكن اعتبار كل عقدة من عقد فروعها نقطة توازن بالإضافة إلى النقاط التالية:

(1): النفس: هي نقطة تقاطع بين الفرعين الأول والرابع فهي تمثل نقطة توازن.

(2): الحلم: هي نقطة تقاطع بين الفرعين الأول والثاني فهي تمثل نقطة توازن.

(3): السكر: هي نقطة تقاطع بين الفرعين الثاني والرابع فهي تمثل نقطة توازن.

(4): الذاكرة: هي نقطة تقاطع بين الفروع الأول والثاني والرابع فهي تمثل نقطة توازن.

فإذا مثلنا مركز توازن القصيدة بدائرة صغيرة، ومثلنا عقد الفروع على محيط دائرة مركزها مركز توازن القصيدة، ومن ثم مثلنا نقاط توازن القصيدة على محيط دائرة أخرى بحيث تتوزع وفق درجات ارتباطها بالفروع، ومن ثم مثلنا فروع القصيدة على شكل أشعة منطلقة من مركز توازن القصيدة، ومثلنا الشعاب الرئيسة والشعاب الثانوية كأشعة منطلقة من العقد للفروع، عندئذ نكون قد حصلنا على تمثيل دائري للقصيدة. وهذا التمثيل سيبين كيف أن القصيدة في بنيتها تميل إلى التوازن ، وهذا ما يفترضه منهج النقد الاحتمالي، وهو أن القصيدة الشعرية تميل في تركيبها إلى التوازن.

المفردة المنواليةّ:

هي المفردة الأكثر تكراراً في القصيدة، وهي هنا في هذه القصيدة (الموت)، حيث لم يخلُ فرعٌ من فروع القصيدة من تكرارها، ويمكن اعتبار كل نقطة من نقاط التوازن هي مفردة منوالية، لأنه يمكن أن يكون في القصيدة الواحدة أكثر من  مفردة منوالية، فتكرار المفردة الواحدة لا يعني بالضرورة تكرار المعنى لهذه المفردة إنما يمكن أن تتعدد المعاني للمفردة بحسب السياق الذي وردت فيه، ولكن نلاحظ في هذه القصيدة أن الشاعر كان حريصاً حرصاً شديداً على تكرار المفردات المرتبطة ارتباطاً عميقاً بقضيّة الموت الذي أصبح طقساً يوميّاً للمواطن السوري في زمن الحرب.

ثالثاً – القيمة المعيارية

لا يخلو استخدام هذا المصطلح من مغامرة بسبب غرابته في ميدان النقد للشعر، وبسبب أنه مفهوم رياضي إحصائيّ بحت، ويعني معدل انحراف المفردة في العينة عن متوسطها الحسابي، ولكن لو نظرنا إلى أن (المعيارية) في مختلف سياقات استخداماتها تعني حكم القيمة، أو ما يتعلق بالتقييم، وقد انتشر هذا المصطلح في الفلسفة مع تطور الفلسفة التحليلية، والعلوم المعيارية على اختلاف أنماطها فهي تدور في البنى التي تتضمن القواعد والقيم، وإذا كانت النظرية المعيارية في الفلسفة تهدف إلى إصدار أحكام أخلاقية، فإننا هنا لا نهدف إلى تصنيف القصيدة والحكم على مستواها بين قصائد أخرى، لأن النقد الاحتمالي لا يهدف إلى التصنيف الشكلي الإنشائي بقدر ما يهدف إلى تحليل القصيدة وفق منهجية علمية منطقية لفهم العلاقات بين الجمل والتراكيب في الفرع الواحد منها، ومن ثم فهم العلاقات بين الفروع في سياق البناء العام لها، والكشف عن المعاني التي تتضمنها، وملاحظة الإمكانات التي يمكن أن تختزنها هذه القصيدة، أما الحكم فيترك لمن يهتم في إنشاء الحكم، وليس لمن يهتم في إصداره فقط، وهنا نبدو وكأننا قد وصلنا إلى تناقض مادامت المعيارية تُعنى بالحكم، ولإزالة هذا التناقض لا بد من توضيح المقصود بالمعيارية هنا.

إذا نظرنا إلى مركز توازن القصيدة وهو هنا الموت على أنه مركز انطلاقها، ومركز انبثاقها، ونظرنا إلى فروع القصيدة على أنها تمثل خطوطاً رئيسة فيها، ونظرنا إلى الشعاب الرئيسة والثانوية في كل فرع من فروعها على أنها تمثل قضايا، عندئذ يمكن اعتبار تمحور القضايا في الشعاب حول الفرع معياراً جيداً لقوة الترابط فيما بينها، أما تشتت القضايا في الشعاب يضعف الترابط ويضعف بنية القصيدة، والمقصود بالقيمة المعيارية هنا هو درجة الترابط بين القضايا في الفروع من جهة، وبين عقد الفروع من جهة أخرى، ومن دون شك فإن القيمة المعيارية ترتبط بمبدأ التوازن في القصيدة، ومن حيث التطبيق هنا نستفيد من الفقرة السابقة التي حافظ فيها التركيب الشعري على الترتيب المنطقي في إنتاج المعنى، أما خاتمة القصيدة، (قربَ الموتِ/ ولا أحدٌ يشبهني/ وأنا../ لا أشبه نفسي.) فتشير إلى أن الشاعر قد أحكم إغلاق دائرة طقس التوحد التي ينفرد فيها في اللحظات الفاصلة بين الحياة وزوالها بالموت، أي الصورة الذهنيّة لذات الشاعر لا تشبه مصداقها الخارجي.

***

 مفيد خنسه

 

2755 ديلوزبقلم: جيل دولوز وفيليكس غوتاري

ترجمة وإعداد: د. صالح الرزوق

***

بدأنا بتعارضات شكلية بسيطة: رأس محني -رأس مرفوع ليدل على شكل المحتوى، وهو صورة - صوتية لشكل التعبير. وتلك هي حالات أو صور الرغبة. ولكن يبدو أن ذلك الصوت لا يقوم بدور يشبه عنصرا شكليا، إنما يقود الى تنشيط فوضى التعبير، وبالتالي كنتيجة محتمة، يقود إلى تنشيط فوضى المحتوى نفسه.  وعليه من خلال "القيام بالفرار"، يفرض الصوت ضم صورة جديدة إلى اللعبة و هي صورة الرأس المرفوع والذي يتقدم "بسرعة ليبتعد". وبعيدا عن أن الحيوان هو بجانب الرأس المحني فقط (أو له علاقة بالفم المغذي)، هذا الصوت ذاته، وهذه النبرة نفسها، تفرض صيرورة حيوانية وتربطها برأس يعاد رفعه. وهكذا نجد أنفسنا ليس أمام تقابل بنيوي بين نوعين من الأشكال، أشكال المحتوى وأشكال التعبير، ولكن أمام ماكينة تعبير قادرة على إلحاق الفوضى بأشكالها، وإلحاق الفوضى بأشكال محتوياتها، كي تحرر المحتويات النقية من التعابير الممزوجة بمادة كثيفة مفردة. والأدب الأساسي، أو المعروف، يتبع خطا يمضي من المحتوى إلى التعبير. وبما أن المحتوى متمثل بشكل محتوى محدد، على المرء أن يجد، ويكتشف، أو يرى شكل التعبير الذي يرافقه. وما يصنع مفهوما conceptualizes بشكل مقبول هو الذي يعبر عن نفسه. ولكن الأدب الثانوي، أو الثوري، يبدأ بالتعبير عن نفسه ولا يصنع مفهوما حتى وقت لاحق ("أنا لا أرى الكلمة أبدا، أنا أخترعها")1. وعلى التعبير أن يحطم الأشكال، وأن يشجع القطيعة والبراعم الجديدة. وحينما ينكسر الشكل، على المرء أن يعيد تشكيل المحتوى الذي سيكون بالضرورة جزءا من قطيعة في نظام الأشياء. ولتسيطر على المادة وتتوقعها. "الفن مرآة، ويتقدم ب 'سرعة' ، مثل ساعة -أحيانا"2.

ما هي مكونات هذه الآلة الأدبية، في كتابات كافكا، أو تعابيره، أو آليته؟.

أحد المكونات هي الرسائل؟. بأي طريقة تنتمي للإبداع الأدبي؟ بالحقيقة أعمال كافكا غير مكتوبة بقصد نشرها. فكافكا كما هو واضح لم يفكر بنشر رسائله. والعكس صحيح لقد فكر بإتلاف كل شيء كتبه كما لو أن كل كتاباته مثل الرسائل. لو أن الرسائل جزء من العمل حقا، فهذا لأنها عدة ثقيلة لا غنى عنها، وجزء محرك يتحكم بالآلة الأدبية حينما كان كافكا مهموما بها حتى لو أنه من المقدر على هذه الآلة أن تختفي أو تنفجر لدرجة يمكن مقارنتها بآلة "مستعمرة العقوبات". إنه من المستحيل استيعاب آلة كافكا دون أن تكون متضمنة الخطابات (الرسائل).  وربما هذه هي وظيفة الرسائل، وضرورتها، وإمكانياتها وقلة كفاءتها، فالمقطوعات الأخرى سوف يتم تجميعها. انظر افتتان كافكا برسائل سابقيه (فلوبير، كلايست، هيبيل).  ولكن ما يراه كافكا وما يقوم به حتى نهاية حياته الشخصية كان يحدوه استعمال للرسائل بشكل شاذ وغريب، وشيطاني. بتعبير كافكا "شيطاني رغم كل براءته". تظهر الرسائل مباشرة وببراءة القوة الشيطانية للآلة الأدبية.  وإنتاج الرسائل ليس مسألة لها علاقة بالصدق ولكن بالأداء.  فهي رسائل إلى امرأة ما، رسائل إلى أصدقاء، رسالة إلى الأب. مع ذلك دائما توجد امرأة وراء هذه الرسائل وهي من يتوجه الخطاب الحقيقي لها (المستهدفة) - المرأة التي افترض الأب أنه دفعه لفقدانها، والمرأة التي أمل أصدقاؤه أن يهجرها، وهكذا. هل كانت كتابة الرسائل الغرامية تعويضا عن الحب؟. لإلغاء تضاريس وأرض المحبة. للتعويض عن عقد الزواج المرهوب بعقد اتفاقية مع الشيطان. فالرسائل متصلة بمثل هذه الاتفاقية؛ وهي هذه الاتفاقية ذاتها. أن "ترتبط بفتيات بواسطة الكتابة"؟3.

فقد صادق كافكا ابنة حارس بيت غوتة في فيمار، والتقطا صورا معا، وتبادلا البطاقات البريدية. وشعر كافكا بالدهشة حينما كاتبته هذه البنت "كما كان يرغب" لكنها لم تتعامل معه بجدية، و عاملته "كأنه مجرد إنسان ما".

ومع أن الرسائل ليست بدرجة الكمال فكل شيء موجود فيها الرسالة. والإشارة لغوتة - لو أن كافكا معجب بغوتة فعلا، فهل هو بصورة "معلم" أو كاتب الاتفاقية التي عقدها فاوست مع الشيطان. و هذا يحدد قدر مارغريت؟. إن عناصر الآلة الأدبية موجودة في هذه الرسائل، حتى لو أنها لم تستعمل بكفاءة و بقيت غير مؤثرة: كالصورة النمطية الموجودة على بطاقة البريد، والكتابة على قفاها، والصوت الهارب والذي نقرأ شدته وكثافته بصوت خفيض، وبنغمة واحدة. سيعرض كافكا على فيليس، في أول لقاء بينهما، هذه الصور، بطاقات بريد فيمار، كما لو أنها كانت دارة جديدة تأخذ فيها الأشياء منحى أكثر جدية وخطورة. الرسائل جذامير (رايزومات)، شبكة، بيت عنكبوت. وفي الرسائل تستشري ظاهرة مص الدم، مص دماء خطابية على نحو خاص. فدراكولا نباتي، لكن الفنان الجائع يشرب دم الكائنات البشرية المفترسة، و قلعته بجواره. هناك شيء من دراكولا في كافكا، دراكولا الذي يعمل بالتراسل، فالرسائل هي مثل الخفافيش. وهي تحبو في الظلام، وفي النهار تكون محجوزة في تابوته - طاولته:"الليل ليس مظلما بما فيه الكفاية". وحينما يتخيل قبلة، فهذا من صفات غريغور الذي يتمسك بعنق أخته العاري، أو هي من صفات كاف حين يكون برفقة السيدة بورستنير، وقبلة من ذلك النوع تذكرنا ب "حيوان ظمآن يشرب بنهم من نبع مياه عذبة طال التفتيش عنها". يقدم كافكا نفسه إلى فيليس  دون خجل أو تهكم على أنه شديد النحافة، وبحاجة للدم (قلبي 'شديد الضعف ولا يمكنه ضخ الدم لمسافة طويلة حتى نهاية ساقي"). لدى كافكا - دراكولا خط  هروب داخل غرفته، في سريره، وتأتي قوته البعيدة من ذلك الذي يتخقق حضوره بالرسائل. وهو لا يخشى إلا شيئين: صليب العائلة، وثوم الزواج. تستحضر الرسائل  الدم من أجله، والدم يمنحه القوة للخلق. وهو لا يبحث عن إلهام أنثوي أو حماية أمومية، لكنه يسعى وراء القوة البدنية التي ستسخر له الكتابة وإمكانياتها. وبهذا المعنى يقول إن الإبداع الأدبي "ثمن مستحق لقاء خدمات الشيطان". وكافكا لا يعيش نحولة جسمه المصاب بالأنوريكسيا (*اضطراب غذائي) ولا ينظر له كمصدر للعار، ولكنه يتجمل. وهو يدرك أن جسمه مجرد وسيلة يعبر بواسطتها، حين يكون في السرير، العتبات وأفعال الصيرورة، وكل عضو "يكون تحت ملاحظة خاصة". وكل ما هو يلزمه بالضرورة ضخ القليل من الدم. وتيار الرسائل هو تيار الدم. ومنذ أول لقاء مع فيليكس، كان كافكا النباتي، منجذبا لذراعيها القويين، المفعمين بالدم، ومذهولا من أسنانها العظيمة المفترسة. وكان لدى فيليس شعور بالمخاطر، وكانت تؤكد له إنها قليلة الطعام light eater. ولكن كلما فكر بها كافكا كان يقرر أن يكتب لها، أن يكتب كثيرا إلى فيليس4.

أما رسائله إلى ميلينا فهي حكاية أخرى.

ذلك أنها حب من نوع منضبط، فالزواج يلوح بالأفق. وقد تعلم كافكا الكثير، وجرب أكثر. هناك في ميلينا ملاك للموت كما ذكر كافكا نفسه. وهي شريكة أكثر من كونها متلقية للرسائل. وقد أوضح لها كافكا لعنة الرسائل، وضرورة ارتباطها بشبح يشرب كل القبلات الممنوحة له طيلة رحلته. إنه "تهجير للروح". ويميز هنا كافكا سلسلتين من الاختراعات التقنية: تلك التي تسهل التواصل الطبيعي بالانتصار على المسافات و تقريب البشر (القطار، السيارة، الطائرة)، وتلك التي تمثل انتقام الأشباح بطريقة مصاص الدماء حيث يتم إعادة تمكين "الجانب الشبحي بين الناس" (البريد، البرقيات، الهاتف، البرقيات اللاسلكية)5.

ولكن كيف تعمل الرسائل؟. دون شك بسبب طبيعتها الفنية تحتفظ بثنائية ذاتين متقابلتين: لنميز الآن بين ذات التلفظ على أنه شكل التعبير الذي نكتب به الرسالة، وذات القول الذي هو شكل المحتوى الذي تتطرق له الرسالة (حتى لو / أنها تتطرق لي). هذه الثنائية هي التي أراد كافكا أن يستعملها بطريقة غير معهودة أو شيطانية. وعوضا عن أن يستعمل ذات التلفظ كرسالة ينظر فيها بوضعه، تتحرك ذات العبارة (ذات القول) حركة شاملة تكون معبرة أو سطحية وحسب. وإرسال الرسالة، مسار الرسالة، و حركات ساعي البريد هي التي تحل محل ذات اللفظ المعبرة (وعليه إن أهمية ساعي البريد أو المراسل سيتضاعف، مثل مراسلين في "القلعة"، لأنه يرتدي ثيابا تلتصق به كأنها قرطاس ورق).

ومن الأمثلة عن الحب الكافكاوي الحقيقي: رجل يسقط بغرام امرأة رآها مرة واحدة، يكاتبها عدة أطنان من الرسائل، ولا يمكنه زيارتها، ويحتفظ بالرسائل قريبة منه في الخزانة، وبعد يوم من القطيعة، وبوصول آخر رسالة، يقتل ساعي البريد. والمراسلات مع فيليس حافلة باستحالة الزيارة هذه. لكن تيار الرسائل يعوض عن الرؤية، والوصول، لذلك لم يتوقف كافكا عن مكاتبة فيليس مع أنه التقى بها مرة واحدة. كان بكل قواه، يريد أن يفرض ظروف الاتفاق. وتوجب عليها أن تكتب مرتين في اليوم. وهذا هو الاتفاق مع الشيطان. اتفاقية فاوستية مع الشيطان تجد مصدرها في قوة بعيدة تعارض اقتراب عقد الزواج. إنها أشياء تلفظها في البداية ثم لا تراها لاحقا إلا ضمن - أو في حلم. كافكا يرى في حلمه: "كل بئر السلم ملوث من أعلاه إلى أسفله بكومة صفحات ممزقة كنت قرأتها، وتلك كانت أمنية في حلم حقيقي" 6. فهو يعاني من رغبة مجنونة بالكتابة وتمزيق الرسائل قبل وصولها إلى المرسل إليه. وبالنظر لطبيعتها التكوينية، إن الرغبة بالرسائل تتضمن ما يلي: تنقل الحركة إلى ذات القول، وتمنح ذات القول حركة واضحة، ولكنها حركة غير حقيقية، وتعفي ذات اللفظ من الحاجة للحركة الحقيقية. وكما في "التحضير لحفل زفاف" يمكن لهذه الذات أن تبقى في مكمنها، مثل حشرة، لأنها أرسلت قرينها بأبهى حلة في الرسالة، ومع الرسالة. مثل هذا التبادل، أو هذا الانعكاس (الانقلاب باتجاه معاكس) في ثنائية الذاتين الاثنتين، ذات العبارة المتحركة بحركة حقيقية وهي بالعادة منطقة ذات اللفظ، تنتج القرين. وإنتاج القرين هذا هو بالفعل شيطاني. والشيطان هو إنتاج القرين ذاته. وهنا نجد أحد أصول القرين عند كافكا:"المفقود"، أول مسودة من رواية "أمريكا"، وتصور شقيقين "أحدهما (يذهب)إلى أمريكا بينما الآخر (ي)بقى في سجن أوروبي" 7. و"الحكم" الذي  كله حول موضوع الرسائل، يصور ذات اللفظ الذي يبقى في المستودع الأبوي والصديق الروسي والذي لم يكن مجرد مرسل إليه ولكنه ذات محتملة للعبارة وهو ربما غير موجود خارج الرسائل. إن الرسائل نوع فني ثانوي، والرسائل رغبة، ولرغبة الرسائل، صفة تكوينية. وهي الرعب الأعظم الذي تعاني منه ذات اللفظ وسيكون متمثلا بشكل عائق خارجي هو ذات العبارة، المعزوة للرسالة. ولكنها ستحاول بكل ثمن أن تنتصر، حتى لو هذا يعني القتل والإلغاء. وهو ما يسمى "وصف صراع". ولا شك أنه يصور رعب كافكا من كل أشكال الاقتران. وتترجم هذه العوائق بشكل واضح طبوغرافيا العوائق (إلى أين تذهب؟ كيف تصل؟ براغ، فيينا، برلين؟). والناجي. وكذلك العملية الأخرى التي يشكل بها قائمة مرقمة للظروف التي تعتقد ذات العبارة أنها ستنشر الرعب بينما، في الحقيقة، هذا الرعب نفسه الموجود في ذات اللفظ هو الذي يلهمهم (خطة حياة أو برنامج حياة، كما في طريقة كلايست). وهذا مصدر عذاب فعلي وتعبير عن المرح. وهو انعكاس (انقلاب) مزدوج وقاتم في مراحل حاسمة مثل الحب الرومنسي والزواج.  ولهذه الطريقة عدة فوائد.  فهي تسمح  لنا بتبني براءة ذات اللفظ، لأنه يمكنه أن يفعل شيئا و أن لا يفعل شيئا. وأيضا براءة ذات العبارة، باعتبار أنه قام بكل شيء ممكن، وحتى براءة الفريق الثالث، الطرف المقصود بعنوان الرسالة (حتى أنت يا فيليس، أنت بريئة)." وختاما هذه الطريقة تؤدي لتدهور الأوضاع أكثر مما يجب، حتى لو أن واحدا فقط من هذه المناسبات، أو كل عالمه، كان مذنبا. وبهذه الطريقة نلاحظ انتصارا واضحا في "رسالة إلى الوالد". فالجميع أبرياء،  وهو أسوأ الاحتمالات. ال "رسالة إلى الأب" هي طرد لأوديب وللعائلة بواسطة آلة الكتابة، مثلما هي الرسائل إلى فيليس طرد للزواج. وأن ترسم خريطة طيبة عوضا عن أداء دور سوفوكليس، أن ترسم طبوغرافيا العوائق عوضا عن أن تكافح ضد القدر (أن تستعيض بالمخاطب البعيد -بفتح الطاء- عن القدر). من غير المفيد أن تسأل إن كانت الرسائل جزءا من الإبداعية أو أنها مصدر بعض موضوعات العمل. هي جزء لا يتجزأ من آلة الكتابة أو آلة التعبير. وعليه علينا أن نفكر بالرسائل بشكل عام كما لو أنها تنتمي للكتابة، سواء من خارج العمل أو ليس من خارجه، وأن نفهم لماذا كانت أشكال أدبية معينة كالرواية قد وظفت طبيعيا شكل التراسل.

ولكن هناك صفة تكوينية ثالثة: أن عمل الرسائل هذه لا يمنع عودة فورية وسطحية للذنب. عودة ذنب أوديبية أو أسرية أو بالزواج. كالسؤال التالي: هل أنا قادر على حب أبي؟. هل أنا قادر على الزواج؟. هل أنا وحش؟. "شيطاني مندس في (براءة) شخص ما". يمكن للمرء أن يكون بريئا وشيطانيا أيضا. وهذا هو موضوع "المحاكمة" والعاطفة الدائمة التي يشعر بها كافكا في علاقاته مع نساء أحبهن. 8.

وهو يدرك أنه دراكولا ويعلم أنه مصاص دماء، وعنكبوت وشبكةةعنكبوت. ومن الضروري أكثر من أي وقت مضى أن تميز نقاطا متعددة - ثنائية وتقابل ما تحت الذاتي، تراسلهما وتضاعفهما، ويبدو أنه هناك شعور بالذنب. ولكن مجددا المذنب هو في النهاية ذات العبارة. والذنب نفسه هو حركة سطحية، حركة مخادعة، تخبئ ضحية عاطفية (كم من الأقوال السخيفة كتبت عن كافكا والذنب، كافكا والقانون، وهكذا). واليهودية مغلف من ورق: لأنه لا يمكن لداركولا أن يشعر بالذنب، ولا يمكن لكافكا الشعور بالذنب، وفاوست ليس مذنبا، وهذا ليس نوعا من النفاق. وجوهر القضية موجود في مكان آخر. ولا يمكن لأحد أن يفهم أي شيء من اتفاقية شيطانية، عهد مع الشيطان، ولو آمنا أن ذلك يلهم بذنب يقع على عاتق من وقع على الاتفاق، فهذا يعني أن المذنب هو الذي بدأه أو الذي كتب الرسالة. والذنب عبارة عن الحكم الذي يقضي من الخارج وذلك يصنع ويلتهم النفوس الضعيفة فقط. الضعف، آه يا وهني، خطأي، فالذنب لدى كافكا هو حركة على السطح كأنه ذات العبارة. بالمقابل هناك قوته وهي بشكل ذات النطق في الصحراء. ولكنه لا يحل شيئا، ولا ينجو أحد بذلك. لو أن الذنب حركة سطحية فقط،  سيكون بالضبط علامة خطر مختلف كليا - قضية أخرى. والرعب الحقيقي أن آلة الكتابة ستتوجه ضد الآلية. انظر إلى مستعمرة العقوبات. إن خطر الاتفاق الشيطاني، والبراءة الشيطانية، ليس في الذنب لكن في المصيدة. عدم نفوذ الجذمور، وإغلاق طرق الهروب، والأخدود المسدود في كل مكان. الذعر. الشيطان نفسهةوقد سقط في المصيدة. ويسمح الشخص لنفسه أن تعاد أودبته (إعادة تشكيل عقدة أوديب) ليس بالذنب ولكن بالإجهاد، وبعدم تحقيق ما بدأناه، بالصورة، بالشرطة - القوى الشيطانية من مسافة بعيدة. لذلك البراءة ليست مهمة.

وتنقذك صيغة البراءة الشيطانية من الذنب، ولكنها لا تنقذك من نسخ الاتفاقية واللعنة التي تنجم عنها. والخطر ليس في الشعور بالذنب بشكل عصاب، أو حالة، ولكن بالحكم على الذنب كما لو أنه قضية. وهذه هي الحصيلة القاتلة للرسالة؛ ال "رسالة إلى الأب" باعتبار أنها قضية تحاصر كافكا. وتتحول رسالته إلى فيليس إلى قضية ساخرة، بوجود كل الهيئة، والعائلة، والأصدقاء، والدفاع، والاتهام. كان لكافكا عاطفة استباقية منذ البداية، باعتبار أنه كتب "المحاكمة" في الوقت الذي بدأ يكاتب به فيليس. ولكن "المحاكمة" تنبع من الخوف العظيم الذي ستضع به آلة الرسالة الكاتب في المصيدة. ويبدأ الأب بإنكار أن المعنون له، الصديق الروسي، موجود. ثم إنه يتعرف على وجوده، ولكن فقط ليكشف أن الصديق كان يكتب له (الأب) كي يدين خيانة الابن (تيار الرسائل يبدل الاتجاه، ويستدير للخلف على مرسله، وهكذا). "رسائلك البشعة القصيرة...". و"رسالة" سورتيني "البشعة"، البيروقراطي، في القلعة. وليرغب بهذا الخطر الجديد، لم يتوقف كافكا عن الخلط بين المواضيع، وإرسال رسالة إضافية تعدل أو تنكر ما كان قد أرسله للتو ولذلك إن فيليس ستكون دائما متأخرة بمقدار رسالة واحدة في أجوبتها.  ولكن لا شيء يوقف عودة القدر: وبقطيعته مع فيليس، ظهر كافكا مكسورا، ولكنه ليس مذنبا. فقد كانت هذه الرسائل بنظره مكونا لا غنى عنه، استعدادا إيحابيا (غير سلبي) كي يكتب كل شيء، وأن يفقد الرغبة بالكتابة، وكل جسمه مكسور بالمصيدة التي وقع فيها تقريبا. وصيغة "شيطاني ببراءته"، لم تكن كافية. [تبرز هذه العناصر الثلاث المتشددة لماذا كان كافكا مفتونا بالرسائل. وله حساسية خاصة تجاه ذلك. وعند هذه النقطة، علينا أن نقارن رسائله الموجهة لشخصية شيطانية أخرى، بروست. يستعمل بروست أيضا رسائله ليعقد اتفاقا بعيدا مع الشيطان أو الشبح كي يكسر اقتراب عقد الزواج. وهو أيضا يعارض الكتابة والزواج. مصاصا دم اثنان نحيلان جدا ويعانيان من اضطرابات تغذوية (أنوراكسيا) ويقتاتان على الدم بإرسال خفافيشهما -رسائلهما. المبدأ الشامل هو نفسه في كلتا الحالين: كل رسالة هي رسالة غرامية، سواء كانت حقيقية أو مفتعلة. ويمكن لرسائل الحب ان تكون جذابة، ورافضة، أو ممتلئة بالتقرب والمساومة والطلب، دون أن يبدل ذلك شيئا من طبيعتها، وهو جزء من الميثاق مع الشيطان الذي  يرغب باستبعاد عقد مع الله، ومع العائلة أو مع المحبوب. لكن، الأدق، أول خصلة للرسائل - تبادل أو مزاوجة بين الذاتين - وهي واضحة كلها عند بروست: ذات العبارة تفترض الحركة الشاملة بينما ذات اللفظ يبقى في السرير، في زاوية شبكته مثل عنكبوت (صيرورة بروست وتحوله إلى عنكبوت).

وتمنح طبوغرافيا العوائق وقائمة الشروط، باعتبار أنها رسالة، أولوية عند بروست لدرجة لا يمكن للمرسل إليه (عنوان الرسالة) أن يقرر إذا كان الكاتب يريد منه أن يأتي في زيارة، أو لا يريد هذا، وهو يؤجل المرسل إليه ليغريه فقط، وهكذا.  وتفقد الرسالة هويتها كذاكرة، وحلم، أو صورة لتصبح خريطة حية للممرات التي يتوجب المسير عليها او تجنبها، مثل برنامج حياة مشروطة بصرامة (القلعة، عند بروست ممر معقد لطريق لا يضجر من الاقتراب كلما ابتعد) 9.

اخيرا، كما في كافكا، الذنب في كتابات بروست هو مظروف سطحي يرافق الجدل أو الحركة الواضحة التي تقوم بها ذات العبارة، ولكن تحت هذا الذنب اللعوب رعب أعمق في الكاتب الضمني - رعب تم الكلام عنه كثيرا، رعب ستلتفت آلة الرعب ضده وتعيده إلى ما كان يريد التخلص منه، وهو غضب سيستولي عليه مصيدة الرسائل العديدة القصيرة أو القذرة.  ورسالة الابتزاز المدهشة إلى ألبرتين التي أرسلها مع أنه يعلم أنها ميتة عادت إليه بشكل رسالة مضمونة من غيلبيرت، والتي كان يخلطها بألبيرتين، وفيها إعلان عن زواجها. وسيبرز هو أيضا مكسورا لكل هذه الأسباب. ولكن بظاهرة مص دماء مساوية، وبغيرة مساوية. والفروق بين بروست وكافكا كبيرة وتتضمن شيئا أكبر من الفرق بين النمط الواقعي والدبلوماسي للأول، ونمط التحريات والقانون عند الثاني. وكلاهما يحرص على تجنب، بواسطة الرسائل، النوع الخاص للقرب الذي تعرفه العلاقة الزواجية و يبدل الموقف كي ترى وتكون مرئيا (على سبيل المثال رعب كافكا حينما تخبره فيليس أنها تحب أن تكون قربه حينما يكون في العمل).

وليس من المهم إن كان الزواج رسميا أو غير رسمي بين جنسين أو مثليا. ولكن للتخلص من القرب، احتفظ كافكا وتمسك بمسافة مكانية، وبالموضع البعيد للمحبوب: فهو يمثل أيضا نفسه بصورة سجين (سجين في جسمه، في غرفته، في عائلته، في جوه الفني) وضاعف العوائق التي تمنعه من الرؤية أو الانضمام للمحبوبة 10.

بالمقابل في بروست يأخذ طرد التقمص نفسه طريقة معاكسة: نصل إلى ما لا يمكن استيعابه، لغير المرئي، وبتجسيم القرب، و جعله قربا أساسيا. وحل بروست هو أغرب - لتتخطى شرط الزواج وهو الحضور والرؤية. وبواسطة المبالغة بالاقتراب. فالمرء يرى أقل كلما كان أقرب. ولذلك إن بروست، وهو سجان، تكون حبيبته في سجن التلامس. وتتكون فكرة رسائل بروست من ملاحظات صغيرة مدسوسة من تحت الباب].

والقصص هي مكون آخر في آلة كتابات كافكا. وهي جوهريا حيوانية حتى لو أنه لا توجد حيوانات في كل القصص. وحسب كافكا: الحيوان هو ذات مستقلة في القصة: وتحاول العثور على منفذ، وأن تتبع خطا للهرب. والرسائل لا تكفي، لأن الشيطان، والاتفاق مع الشيطان، لا يسبب فقط انعدام خط الهروب ولكنه يخاطر بتهيئتنا للسقوط في الفخ. وكافكا كتب قصصا مثل "القضية" أو "المسخ" في الوقت الذي بدأ فيه بالمراسلة مع فيليس، إما لتقديم صورة عن الخطر أو لطرده - أن تنتهي وتهرب بالقصص أفضل من أن تستمر بتيار لانهائي من الرسائل. وربما كانت الرسائل هي قوة المحرك التي تدفع الآلة كلها للعمل، بواسطة الدم الذي تجمعه. وبالنسبة لكافكا المسألة هي كتابة شيء غير الرسائل - إنها مسألة خلق. وهذا الشيء الآخر محصور مسبقا بسياج الرسائل (الطبيعة الحيوانية للضحية، وهي فيليس، واستعمال دراكولي -مص دماء- للرسائل ذاتها). ولكن لا يمكن إدراك ذلك إلا بكتابة مستقلة حتى لو بقيت غير متحققة نهائيا. وما يفعله كافكا في غرفته أن تصبح حيوانا وهذه هي الذات الأساسية للقصص. وأول شكل للخلق يكون في التحول (الانمساخ).

لا يجب لعيني الزوجة أن ترى ذلك بالإضافة لبقية الأمور، وكذلك بالنسبة لعيني الأب أو الأم. ولكن يمكننا أن نقول ذلك بما يتعلق بكافكا، وجوهر الحيوان هو المخرج، خط الهروب، حتى لو أنه تحقق في المكان، أو في قفص. خط هروب، لا حرية. هروب حاسم وليس هجوما. في "بنات آوى وعرب" تقول بنات آوى:"نحن لا نقترح قتلهم... لماذا، لأن مجرد رؤية لحمهم الحي يدفعنا للاستدارة والفرار إلى جو أنظف، إلى الصحراء، ولهذا السبب هي موطننا". لم يكن باشلار عادلا مع كافكا حينما قارنه بلوتريامون، وهذا لأنه يفترض أن الجوهر الديناميكي للحيوان موجود في الحرية والعدوانية: صيرورة مادورو - تحوله إلى حيوان - يهاجم بشكل متوحش لأنه حر ويحفظ الجميل ويرده. وليس هذا ما تجده عند كافكا. بل العكس تماما، و علينا أن نقول إن مفهومه هو الأصح من زاوية نظر الطبيعة نفسها. وتكهنات باشلار تقوده لمعارضة سرعة لوتريامون وبطء كافكا.

'لنذكر أنفسنا بعدة عناصر في القصص الحيوانية: (1) لا يوجد احتمال للتمييز بين تلك الحالات حيث نعامل الحيوانات كحيوانات وحالاتها المتقلبة هي طور من التحول. وكل شيء في الحيوان هو تحول، والتحول هو جزء من ظاهرة فردية لصيرورة -بشرية يقوم بها الحيوان وصيرورة -حيوانية يقوم بها البشر.

(2) التحول نوع من الارتباط بين لا-مساحتين، وهي التي يفرضها البشر على الحيوان بإجبارها على الهرب، أو لخدمة البشر، وتلك أيضا التي يفرضها الحيوان على البشر بالإيحاء بطرق للنجاة أو وسائل للهروب لا يمكن للبشر التفكير بها بذواتهم (الهروب المصدوع). وكل من اللا -مساحتين لا بد منها للأخرى وتدفعها لعبور العتبة الحدية.

(3) وعليه ما يهم ليس البطء النسبي في الصيرورة الحيوانية، لأنه لا يهم كم هو بطيء، وحتى كلما زاد تباطؤه، فإنه يتضمن لا أقل من لا -مساحة مطلقة للبشر تعارض اللا -مساحة النسبية التي يتسبب بها الإنسان لنفسه بالانزياح، بالارتحال. والصيرورة الحيوانية هي رحلة ساكنة تستمر في مكان واحد. وتحيا وتكون مفهومة بشكل شدة (لتعبر عتبة الشدة)12.

ولا يوجد استعارة في الصيرورة الحيوانية ولا ترميز ولا مجاز. وهي ليست نتيجة لتدفق أو كتابة مرضية، أو أثر لنوع من أنواع الذنب.  وكما يقول ملفيل عن صيرورة الحوت وتحول الكابتن آخاب: إنها "مشهد عام" وليس "إنجيلا - *شيء غير قيامي". خريطة للشدات. وتجميع للحالات، وكل منها مختلفة عن غيرها، ومزروعة على البشر طالما هم يبحثون عن طريق للخلاص. إنه خط إبداعي للهروب ولا يعلن عن شيء عدا ما هو عليه. وبالمقارنة مع الرسائل، التحول إلى - حيوان (صيرورة الانمساخ) إنها لا تسمح لشيء بالاستمرار بازدواجية ذات التلفظ وذات العبارة. عوضا عن ذلك تتضمن سيرورة مفردة. إنها أسلوب متميز يستبدل التذويت. وحتى لو أن صيرورة الانمساخ هي موضوع القصص بحد ذاته، يجب علينا أن نفحص عدم كفاءة القصص. وعلينا أن نقول إنها سقطت في مشكلة اختيار يفرض عليها من جانبيه الهزيمة إن نظرت للموضوع من زاوية مشروع كافكا، بغض النظر عن المهارات الإبداعية. من جهة تكون القصة مثالية وناجزة، ولكنها ستقترب وتنغلق على نفسها. أو أنها ستنفتح ولكنها ستنفتح على شيء لا يمكن أن يتطور إلا في رواية هي نفسها لامتناهية. في أول حالة، تواجه القصة مخاطر مختلفة من تلك الموجودة في الرسائل، مع أنها لحد ما مشابهة. وعلى الرسائل أن تخشى نوعا من أنواع إعادة التيار الموجه ضد ذات التلفظ. والقصص من جهة مقابلة ترتطم بمشكلة عدم الاستفادة -أو الفرار من منفذ يضمن النجاة للحيوانات عادة، مشكلة يممن أن تقول عنها هي انسداد في خط الهروب (ولهذا السبب تنتهي حينما يتم نصب هذا السد).

وللتأكيد لا علاقة للانمساخ بنوع سطحي من المعنى، كما هو حال الرسائل: فمهما كانت بطيئة، يكون فك ارتباط الانمساخ بالحدود مطلقا، وخط الهروب مبرمجا بشكل جيد، والخروج متحقق بشكل جيد.  ولكن هذا طرف واحد من قطبين اثنين. بنفس الطريقة التي تتضمن بها البيضة، احتمال، قطبين، يكسب الانمساخ إمكانية توافر قطبين حقيقيين اثنين- قطب حيواني حقيقي وقطب عائلي حقيقي. ونرى كيف يتأرجح الحيوان بين صيرورته -اللابشرية والتآلف -الإنساني الذي يسبغه على كل شيء: لذلك كان الكلب في "التحريات" قد تخلى عن أرضه بسبب حلقة الكلاب الموسيقية التي تظهر منذ بداية القصة، ولكنه يستعيد أرضه، وتعاد أودبته، بالكلب المغني الذي يبرز في الخاتمة. وينتهي بالتأرجح بين "علمين" اثنين ويتم اختزاله إلى تمكين الحضور النهائي للعلم الثالث والذي يضمن الهروب من الحالة (لكن من الواضح أن هذا العلم الثالث لن يكون موضوع مجرد قصة وسيتطلب رواية كاملة).

ولنأخذ مثالا آخر: رأينا أن تحولات غريغور هي قصة إعادة أودبة قادت للموت، وأنها بدلت صيرورته الحيوانية إلى صيرورة ميت. وليس الكلب، ولكن كل الحيوانات، تتأرجح بين إيروس مشروخ وثاناتوس أوديبي. وبهذه الرؤية وحدها تهدد الاستعارة، بكل ثقلها الأنثروبوسينتري (المركزية الأنتروبولوجية)، بالعودة لاحتلال المشهد. باختصار إن القصص الحيوانية هي مكونات في آلة التعبير، ولكنها متمايزة عن الرسائل، ما دامت لم تعد فعالة ضمن الحركة السطحية أو ضمن تمايز الذاتين. وباحتواء الحقيقي، وهو يكتب نفسه ضمن الحقيقي ذاته، يسقط في التوتر الناشئ بين قطبين متعارضين أو واقعين. وتشق لنا الصيرورة الحيوانية بفعالية مخرجا، وتتحرى خط هروب من الذنب، لكنه عاجز عن اتباعه أو احتوائه ليكون له (ولهذا السبب تبقى "المحاكمة" قصة أوديبية ويقدمها كافكا بهذا المعنى، فالابن يموت دون أن يتحول إلى حيوان ودون أن يتمكن من تطوير تلامس مفتوح مع روسيا). ولذلك يتوجب علينا التفكير بالفرضية الأخرى: لا تبين قصص الحيوان مخرجا فقط، فالصيرورة الحيوانية (الانمساخ) هي بذاتها غير قادرة على المتابعة، ولكن، بالفعل، ما يمكنها من إظهار المخرج هو شيء مختلف يعمل من داخلها. ويمكن التعبير عن هذا الشيء المختلف في الروايات وحسب، من المحاولة مع الروايات، لأنه المكون الثالث في آلة التعبير. ففي اللحظة المناسبة حين يبدأ كافكا بالروايات (أو يحاول توسيع القصة لرواية) يهجر التحول إلى حيوان ويستبدله بتكوين أكثر تعقيدا. فالقصص وما تتضمنه من كائنات متحولة إلى حيوان تستلهم من هذه التكوينات السرية، ولكنها لا تكون قادرة على تنشيط هذا التكوين مباشرة - ولا هي قادرة أن تدفعه لرؤية ضوء النهار. وعليه يكون الحيوان قريبا جدا، ومحسوسا جدا، ومرئيا جدا، ومستقلا جدا، ولذلك يبدأ المتحول إلى حيوان ليكون جزيئا متحولا: فجوزفين الفأرة تكون محاطة بشعبها، "الجماهير التي لا تعد ولا تحصى من أبطال شعبنا"، والكلب المحتار في مواجهة الاهتياج الآتي من كل الاتجاهات والصادر عن الكلاب الموسيقيين السبع، والحيوان المضطرب في "الأخدود" وهو يواجه ألوف الأصوات القادمة من كل النواحي والناجمة عن حيوانات أصغر منه بكل تأكيد، وبطل "ذكريات سكة قطار كالدا"، الذي تصادف أنه صياد ذئاب ودببة، ولكنه لم يجد غير حزمة من الفئران وقد قتلها بسكين حين كان يراقبها وهي تلوح بأيديها الصغيرة (وفي "فارس الدلو"، في الثلج الغزير والمتجمد، أسير متتبعا آثار كلاب قطبية، وقد فقدت حركتي معرفة الاتجاهات كلها"). كان كافكا مفتونا بكل شيء صغير الحجم. ولو بدا أنه غير متيم بالأطفال ذلك لأنه محكوم عليهم بالنمو وزيادة الحجم دون احتمال للانكماش. وبالمقارنة تتضمن المملكة الحيوانية الأححام الصغيرة والإدراك. وفوق ذلك في أعمال كافكا تضاف الجزيئات لتكون ملتحمة مع الآلة، أو لتفسح المجال، لها، أو ربما للتجمع الميكانيكي، حيث تكون أجزاؤه مستقلة، ولكنها تعمل. وتجميع الكلاب الموسيقية يمكن عمليا وصفه على أنه نوع من أنواع تجميع الظقائق الصغيرة. وحتى لو أن الحيوان متفرد، فإن وجاره ليس كذلك. والوجار تضاعف وتجممع. تصور قصة بلومفيلد عازبا يبدأ بسؤال نفسه هل عليه امتلاك كلب صغير. ولكن وضع الكلب يتحدد بجزيء غريب أو نظام ميكانيكي، "كرتان بيضاوان صغيرتان من السلولويد وعليهما خطوط زرق وتقفزان للأعلى والأسفل وهما متجاورتان على الأرض". وفي النهاية تتم إهانة بلومفيلد على يد مساعدتين سخيفتين. وربما لدى كافكا موقف وسطي خاص، ما دام هو ساكنا بين حالة حيوانية وحالة تجميع (تكوين). عموما الحيوانات كما هي أو كما ستكون عليه في القصص، معرضة لهذه الخيارات البديلة: إما هي خاسرة، ومحاصرة بحاجز، فتنتهي القصة. أو العكس إنها تفتح وتتكاثر، وتحفر طرقا جديدة  في أرجاء المكان للهروب ولكنها تستسلم للتكاثر الجزيئي والتركيبات الميكانيكية والتي لم تعد حيوانية وهو ما يمكن معالجته بشكل مناسب في الروايات فقط.

والروايات هي المكون الثالث في آلة كافكا الأدبية.  وهي تصور القليل من الحيوانات، في الأدوار الثانوية، وعدم التحول إلى حيوان. وعليه يتم تحييد القطب السالب للحيوان. أما  القطب الموجب فيهاجر إلى مكان آخر، إلى عالم الآلة والتكوينات. ولذلك لا يكون التحول لحيوان غنيا بما فيه الكفاية بالنطق والترابط. ولنتخيل أن كافكا كتب رواية عن عالم النمل البيروقراطي أو عن قلعة النمل الأبيض: في تلك الحالة سيكون شكلا من أشكال الكابيك (*مواطن معاصر لكافكا). أو رواية خيال علمي. أو رواية سوداء، رواية واقعية، رواية أفكار مثالية، رواية تسجيلية -وهي أنواع يمكن أن تجدها في مدرسة براغ.

وكان قد وصف بشكل مباشر تقريبا، أو رمزي تقريبا، العالم الحديث، أحزان وقسوة هذا العالم، وجرائم المكننة أو البيروقراطية. ولا شيء من هذه الأشياء جزء من مشروع كافكا الكتابي. وباعتبار أنه كتب عن عدل النمل أو قلعة النمل الأبيض، نتوقع عودة كل عالم الاستعارات، الواقعي والرمزي. ولن يكون قادرا على فهم واضح لعنف الإيروس والذي هو بيروقراطي وقضائي واقتصادي أو سياسي.

ويمكن أن يزعم أحدهم أن القطيعة، التي نؤسس لها بين القصص والروايات، غير موجودة، ما دامت عدة قصص هي مسودات، وأبنية متفرقة منفصلة لروايات منسية في خاتمة المطاف، وعليه إن تلك الروايات هي قصص متعددة وغير مكتملة.

ولكن ليست هذه هي المسألة. المسألة هي: ماذا يحدو كافكا ليخطط لرواية، أو يرفضها، ويهجرها أو يحاول إغلاقها بشكل قصة، أو، من ناحية أخرى، يقول لنفسه ربما يمكن للقصة أن تكون نقطة بداية لرواية حتى لو أنه سيهجرها؟.

ويمكننا افتراض ما يلي من الأفكار (طبعا لا يمكن تطبيقها دائما، ولا تعمل إلا في بعض الحالات): (1) حينما يتعامل نص جوهريا مع الانمساخ لا يمكن تطويره لرواية. (2) نص يتعامل مع انمساخ لا يمكن الاعتقاد أنه سيتطور إلى رواية ما عدا إن تضمنت مؤشرات indexes ميكانيكية ضامنة يمكنها أن تتخطى الحيوان، وبهذه الطريقة، تكون هي بذور رواية. (3) يمكن إهمال النص الذي قد يكون بذرة رواية لو أن كافكا تصور أن هروب الحيوان يسمح له بالانتهاء معه. (4) الرواية لا تصبح رواية، حتى لو أنها لم تكتمل، حتى، وعلى وجه الخصوص، لو أنها غير نهائية، ما لم تنظم المعاملات الممكنة نفسها في تكوين حقيقي يكتفي بذاته. (5) من جهة أخرى لن يتطور النص الذي يتضمن آلة مكشوفة ما لم يفلح بالدخول في تكوين اجتماع -سياسي (ما دامت الآلة الآلية هي حبر لا يشكل قصة ولا رواية). وعليه إن لدى كافكا عدة أسباب ليهجر النص، إما لأنه يعجز عن إتمامه أو لأنه لا ينتهي. ولكن معيار كافكا من نوع جديد كليا ويمكن تطبيقه عليه فقط. وتوجد تقاطعات بين جنس نص وغيره، وإعادة استثمار، ومراسلات متبادلة، وهكذا. وكل فشل يدل على عمل أساسي، أو فرع من الجذمور.

وأول حالة يمكن تطبيقها على "المسخ".

ولهذا السبب يقول العديد من النقاد إنها أكمل أعمال كافكا. فبالاستسلام لصيرورة حيوانية، يجد غريغور نفسه قد أعيدت أودبته على يد عائلته وهو بطريقه لموته الشخصي. وتبحث العائلة عن إمكانيات الآلة البيروقراطية (مثل المستأجرين الثلاث الذين يتم طردهم). وتنتهي الرواية في حالة اكتمال إفنائي (تبديدي). ويمكن تطبيق الحالة الثانية على "تحريات كلب". ويرى كافكا أنها نسخته من "بوفار وبيكوشيه" 13. ولكن بذور التطور المتكونة هنا لا يمكن فصلها عن المعاملات الآلية التي تعطي إيقاعا لموضوع "التحريات" - المؤشرات الموسيقية في تجمع الكلاب السبع، والمؤشرات العلمية لأشكال المعرفة الثلاث. ولكن باعتبار أن هذه المؤشرات لا تزال أسيرة، في، وبالصيرورة الحيوانية، سرعان ما تجهض.  ولن ينجح كافكا هنا بكتابة نسخته من "بوفار وبيكوشيه". هذا لأن الكلاب قد وضعته على درب شيء يمكنه استيعابه فقط من خلال نوع مادة آخر.

والحالة الثالثة تمثلها "مستعمرة العقوبات".

هناك تجد بذرة رواية أيضا. وهي مرتبطة هذه المرة بآلة واضحة. ولكن هذه الآلة، وهي ميكانيكية جدا، ومع أنها لا تزال متصلة جدا بتصميم أوديبي شامل (الآمر - الضابط = الأب - الابن)، فهي لا تتطور أبدا. ويمكن كافكا أن يتخيل نهاية حيوانية لهذا النص تعود بنا إلى مستوى قصة: بنسخة من نسخ "المستعمرة"، يصبح الرحالة بالنهاية كلبا ويبدأ بالعدو بكل الاتجاهات معتمدا على أقدامه الأربعة. ويجري في كل مكان ويعود للخلف نحو مكانه (في نسخة أخرى تتدخل امرأة -حية - الحيوان الزاحف) 14.

وهذا هو عكس "تحريات كلب". عوضا عن المؤشرات الآلية الناجحة بالهرب من الانمساخ تعود الآلة بنا إلى تكرار انمساخ جديد (استعادة صيرورة حيوانية أخرى).

الحالة الرابعة، وهي الحالة الوحيدة الإيجابية فعلا، فلها علاقة برواياته الضخمة الثلاثة، أعماله الثلاث غير المنتهية: وهنا لا تكون الآلة ميكانيكية ولا مفعلة بعد الآن. عوضا عن ذلك تكون مسكونة بتكوينات اجتماعية معقدة جدا، وبتوظيف الشخصية البشرية، وباستعمال الأجزاء والكتل الإنسانية، تتفهم أثر العنف والرغبة غير البشريين فهما أقوى لحد لامتناه من ما يمكن كسبه في الحيوان أو الآليات المعزولة. ولهذا السبب من المهم أن تلاحظ كيف أنه في لحظة مفردة (على سبيل المثال، لحظة المحاكمة)، يواصل كافكا وصف الصيرورة الحيوانية بأنها غير متطورة إلى رواية ويفهم الرواية أنها لا تتوقف عن تطوير تكويناتها التركيبية (تجميع أجزائها).

خامس وآخر حالة هي برهان مضاد: لدينا "هزيمة""في الرواية وهي ليس حينما تتواصل الصيرورة الحيوانية في الهيمنة فقط، ولكن أيضا عندما لا تنجح الآلة في تقمص نفسها في التركيبات الاجتماعية والسياسية الحية التي تصنع المادة المتحركة في الرواية. في هذه الحالة تبقى الرواية مسودة تقريبية لا يمكن أن تتطور، بغض النظر عن قوتها وجمالها. وهذا صحيح في "مستعمرة العقوبات" بآلتها المتسامية جدا، والمعزولة والمفعلة جدا. والمتجردة جدا. وصحيح أيضا أن النص المدهش المتكون من ثلاث صفحات "مشاغل رجل العائلة"'، فهي تصف آلة غريبة وعديمة النفع:" مغزل بشكل نجمة ويلتف حوله أجزاء من خيط متقطع <و> هذا يتحرك بوتد خشبي... ويتصل به قضيب صغير آخر بزاوية قائمة". ومن المؤكد أنه في حالة بلومفيلد تشكل كرتا البنغ بونغ  آلة آلية، والمساعدان الغريبان والأبلهان يشكلان تكوينا بيروقراطيا، مع أن هذه الموضوعات تبقى غير مترابطة وتقفز الكتابة من فكرة لأخرى دون أن ينفذ أو يخترق أي منها غيرها.

هنا تجد العناصر الثلاث من آلة الكتابة أو التعبير وهي معرفة بمعيار داخلي، وليس بمشروع النشر. والرسائل والعهد مع الشيطان. القصص والصيرورة الحيوانية. الروايات والتكوينات -الجماعات الآلية. وبين هذه العناصر الثلاث يوجد تواصل عرضاني دائم، باتجاه أو آخر. وفيليس التي تبرز في الرسائل هي حيوان، ليس بسبب طبيعتها الدموية، ولأنها فريسة مختارة لمصاص الدماء، ولكن أيضا لأنه ضمنها كلب متحول كان يفتن كافكا. و"المحاكمة"، لأنها تركيب آلي حديث، تشير بذاتها لإعادة تفعيل مصادر أحفورية - محاكمة التحول الحيواني الذي تضمن مصير غريغور، محاكمة مصاص الدم بسبب عهده مع الشيطان، مصير عاشه كافكا حقا حينما انفصل عن فيليس، مثل المحاكمة في الفندق حيث قارن كل شيء ليكون أمام الهيئة.  وعلينا أن لا نؤمن أنه يوجد لدينا خط واحد يمتد من التجربة الحية للرسائل إلى التجربة المكتوبة للقصص والروايات. هناك أيضا طريق معكوس، وقدر مساو من التجارب الحية والمكتوبة في كلا الحالتين. إنه التكوين المركب بصورة اجتماعية وسياسية وقضائية وهو ما دفع كافكا ليفهم معنى صيرورته الحيوانية، مرحلة بعد مرحلة، على أنها مادة المحاكمة، وكي يتعامل مع علاقات المراسلة مع فيليس كما لو أنها شيء نحكم عليه من ضمن شروط المحاكمة.

والطريق لا يمر من العهد مع الشيطان في الرسائل إلى الصيرورة الحيوانية في القصص. ولكنه يذهب بمعنى مضاد، فتحمل الصيرورة الحيوانية قيمة بشروط الجماعات التي تلهمها - جماعات تنشط فيها الحيوانات مثل أجزاء من آلة موسيقية أو آلة علمية، آلة بيروقراطية، وهكذا وهكذا. والرسائل هي عمليا جزء من تجمع آلي تكون فيه التيارات متبادلة، وحيث يلعب ساعي البريد دورا إيروتيكيا لعتلة ضرورية في الآلة، وسيط بيروقراطي لا يمكن دونه لميثاق المراسلة أن يعمل (حينما يحضر ساعي البريد في الحلم رسائل فيليس، "سلمها لي، رسالة بكل يد، وذراعه تتحرك بانضباط مثالي، مثل جر عصا المكبس في محرك بخاري"15).

ويوجد تواصل دائم بين مكونات التعبير الثلاث. ومع أن التعبير مقطوع بكل الحالات لأسبابه الخاصة، يتم أيضا تجاوزه من مكون لآخر. الرسائل تتوقف بسبب العودة، وهذه آلية تمنعها من الاستمرار. والقصص تتوقف لأنه لا يمكنها التطور الى رسائل، وتتمزق بين اتجاهين تسد أي مخرج - آلية أخرى؛ والروايات يوقفها كافكا، باعتبار أنها لا تنتهي وجوهريا غير محدودة، لامتناهية - محاكمة ثالثة. فن لم يكتمل أبدا وتطور من حركات تتعرض للإجهاض باستمرار، ولكنها مرتبطة بعلاقات فيما بينها. وفي كل الحالات توجد عاطفة مفردة ومتميزة تدفعه للكتابة ولكنها ليست كتابة مكررة. وفي كل مرة تتخطى العتبة، وليس هناك عتبة أعلى أو أدنى. وتلك هي عتبات للشدة ليست أعلى ولا أدنى من الصوت الذي يجري خلالها. ولهذا السبب إنه أمر سيء وعبثي أن تعارض حياة وكتابة كافكا، و أن تفترض أنه حصل على ملجأ في الكتابة ليهرب من نوع من أنواع النقصان، والضعف، والعجز، تجاه الحياة. جذمور، وقبر، نعم - ولكنه ليس برجا عاجيا.

خط لاهروب - نعم، ولكنه ليس ملجأ.

وخط الهروب الإبداعي يفرغ بحركته المحتوى السياسي، والاقتصادي، والبيروقراطي، والقضائي: يمتصه مثل مصاص دم ليجعله يترجم الأصوات المجهولة القادمة من المستقبل القريب - السلطات الفاشية والستالينية والأمريكانية والشيطانية التي تدق على الباب. ولأن التعبير يسبق المحتوى ويجره إلى الأمام (طبعا بشرط أنه لا يظل على معنى): الحياة والكتابة، الفن والحياة، يعارضها فقط وجهات نظر الأدب الأساسي. وحتى حينما يحتضر، يدهس كافكا تيار حياة لا تقهر يأتي بالتساوي من رسائله، وقصصه، ورواياته - ومن عدم اكتمالها الفردي (لأي سبب كان) ولقدرتها على التواصل مع بعضها البعض، "لتكون قابلة للتبادل. وهي ظروف الأدب الثانوي. وشيء واحد فقط يقلق كافكا ويغضبه، ويجعله مقهورا: حينما يتعامل معه الناس ككاتب عاطفي، فهو يبحث عن ملجأ في الأدب، ككاتب عن العزلة، والذنب، وسوء الحظ الغامر. وذلك هو خطأ كافكا، باعتبار أنه أدرك ذلك المفهوم كي يتوقع المصيدة بواسطة المرح. توجد كافكا فكاهة، فكاهة مسلية جدا، ولكن لا يفهمها الناس بشكل مقبول.

ولأسباب غير مفهومة حاول القراء ان يتتبعوا أثر ملجأ معزول عن الحياة في أدب كافكا، وكذلك أن يلاحظوا القلق، وهو إشارة تدل على العجز والإدانة، إشارة عن تراجيديا داخلية. ولا يوجد غير مبدأين ضروريين لتفهم كافكا. إنه كاتب يضحك بسرور عميق، ajoie de vivre بهيج، ورغم أو بسبب عباراته التهريجية التي يقدمها كأنها فخ أو سيرك. ومن جهة معاكسة هو كاتب سياسي، نبي عالم المستقبل، وله قطبان يعلم كيف يوحدهما بتركيب جديد تماما: بغض النظر عن أنه كاتب انسحب إلى غرفته، وجد كافكا أن غرفته توفر له تيارا مزدوجا، فهو بيروقراطي له مستقبل هام ينتظره، وموصول بتجمعات حقيقية هي في طريقها للتشكل (يصبح لها صورة)، وهو بدوي متورط بالهروب من الأشياء بطريقة معاصرة ومتصل بالإشتراكية والفوضوية والحركات الاجتماعية. 16.

والكتابة عن كافكا، فحوى الكتابة، تقودنا إلى معنى واحد: ليس لشكل أدبي وحده، ألفاظ تتحد مع الرغبة، من وراء القوانين والدول والأنظمة. لكن اللفظ دائما تاريخي وسياسي واجتماعي. سياسة صغيرة، سياسة الرغبة التي تفكر بكل الأوضاع والأحوال. ولا يوجد كاتب فكاهي ومبهج من وجهة نظر الرغبة مثله، ولم يكن هناك كاتب مسيس وبهموم اجتماعية من وجهة نظر الألفاظ على شاكلته. وكل شيء عنده يقودنا لنضحك، بدءا من المحاكمة. وكل شيء سياسي ويبدأ من الرسائل إلى فيليس.

***

............................

هوامش الفصل الرابع:

1-كافكا. اليوميات. 15 كانون الأول 1910، 33.

2-جوستاف يانوش، 143 (و ص 158:"الشكل ليس هو تعبير المحتوى لكنه قوة جاذبيته").

3-رسالة إلى برود، كافكا، الرسائل، 13 تموز 1912، 80.

4-نستعمل هنا دراسة غير منشورة لكلير بارنيه عن "مصاص الدماء والرسائل" تم بها تحليل العلاقة بين كافكا -دراكولا على نحو خاص. انظر أيضا كل كتابات إلياس كانيتي  المذكورة في "المحاكمة الأخرى: رسائل كافكا إلى فيليس" (نيويورك، شوكين بوكس، 1974). ولكن رغم هذه النصوص لا يبدو أن كانيتي لاحظ نشاط مصاص الدماء، وعوضا عن ذلك يتطرق لإحساس كافكا بالعار والخجل من جسمه، ولمشاعر الذل والقلق، وحاجته للحماية.

5-انظر النص الجيد في: كافكا، رسائل إلى ميلينا، 228-31. كانت آلات الطباعة والإملاء تفتن كافكا سواء هي بيروقراطية أو تجارية أو جنسية. وكانت فيليس تعمل بتجارة تبيع البارلوغراف وأصبحت مديرة الشركة. وتمكنت من كافكا فكرة غامرة لإدخال البارلوغراف على الفنادق ومكاتب البريد والقطارات والسفن والمناطيد وأن يدمجه مع آلات الطباعة، وجهاز "براكسينوسكوب"، والهاتف. ومن الواضح أن كافكا كان مسحورا به و اعتقد أنه بهذه الطريقة يمكنه تهدئة مشاعر فيليس التي صاحت:"أنا أضحي بأيامي في سبيل عملك. رد علي بالتفصيل". كافكا، رسائل إلى فيليس، 166-68. بسبل تقنية وتجارية ضخمة رغب كافكا أن يدخل سلسلة من الاختراعات الشيطانية ضمن سلسلة مقبولة من الاختراعات المفيدة.

7- كافكا، رسائل إلى فيليس، 17 تشرين الثاني، 1912، 47.

7-كافكا، اليوميات، 19 كانون الثاني، 1911، 43.

8- "شيطانيات براءتي": انظر كافكا، اليوميات، 65. و في "القضية"، يقول الأب"الطفل البريء، نعم، الذي كنت عليه، حقا، ولكن عمليا كنت شيطانا بصورة إنسان! - وعليه ضع في ذهنك: أنا أحكم عليك الآن بالموت غرقا!".

9-رسائل بروست هي فوق كل شيء طبوغرافيا للعوائق الاجتماعية والمادية والنفسية والجغرافية. والعوائق تكون أضخم كلما كان المراسل أقرب لها. وهذا واضح في الرسائل إلى السيدة شتراوس، وهي مثل الرسائل إلى ميلينا، تحتفظ بخاصية محددة تمثل "ملاك الموت". وفي رسائل بروست إلى الشباب، يوجد المزيد من العوائق الطبوغرافية المتعلقة بالمكان والزمان، والوسائط وحالات الروح، والظروف، والمتبدلات. على سبيل المثال في رسالة إلى شاب، يبدو أن بروست لا يريد منه أن يأتي إلى كابورغ "أنت حر باتخاذ قرار ما تريد، وإن قررت المجيء، لا تكتب، ولكن أبرق لي مباشرة حالما تصل و، إن أمكن استقل القطار الذي يصل حوالي الساعة 6 مساء، أو على الأقل قرابة نهاية ما بعد الظهيرة أو بعد الغداء ولكن ليكن وصولك ليس متأخرا ولا قبل الثانية ظهرا، لأنني أريد أن أراك قبل أن تقابل أحدا غيري. وسأوضح الأسباب حينما تأتي".

10- عن السجن، انظر كافكا، اليوميات. 19 كانون الثاني 1911. 43.

11-باشلار، لوتريامون (باريس: طبعة كورتي، 1956). لمناقشة الفعل الصافي والسرعة و الهجوم باعتبار أنها من خصائص لوتريامون والبطء من خصائص كافكا، فقد نظر إليها كما لو أنها تفني "الإرادة بالحب". انظر الفصل الأول من باشلار.

12-يقارن كافكا غالبا بين نمطين من الرحلات، رحلة منظمة وموسعة، ورحلة متشددة ومجزأة، رحلة غرق أو شرذمة. والثانية تجري في موضع واحد، في "غرفة النوم"، وهي متشددة لهذا السبب: "وأنت الآن تستلقي على هذا، أو ذاك الجدار، وتدور النافذة حولك.. إنها نزهتي وهذا يكفي، والتعويض أنه لا يوجد مكان في كل العالم لا يمكنني أن أتنزه به" (كافكا، اليوميات، 19 تموز 1910، 27-28). أمريكا متشددة، خريطة للشدة.

13-كافكا، اليوميات، 9 شباط 1915. 2:115.

14-كافكا، اليوميات، 8 آب 1917، 2:179.

15-كافكا، رسائل إلى فيليس. 17 تشرين الثاني 1912. 47.

16- غضب كافكا حينما تعاملوا معه مثل كاتب عاطفي: لذلك منذ بداية رسائله إلى فيليس، كان رد فعله عنيفا على القراء أو النقاد الذين تكلموا عن حياته الشخصية. في فرنسا قام نجاح كافكا الأولي على سوء الفهم - كافكا عاطفي ورمزي بنفس الوقت، مجازي وعبثي بنفس اللحظة. وهذا ما تناقشه مارثا روبير في دراستها  عن ظروف قراءة كافكا في فرنسا "مواطن للمدينة الفاضلة: نقد لعصرنا وكافكا" (باريس: غارنيه 1973). يمكننا القول إن دراسات كافكا بدأت فعلا حينما لاحظ النقاد الألمان والتشيكيون أهمية  انتمائه لبيروقراطية قوية (شركة التأمين، الضمان الاجتماعي) وجاذبية الحركات الاجتماعية والفوضوية في براغ (شيء طالما أخفاه عن ماكس برود). وكتابا فاغينباخ اللذين ترجما إلى الفرنسية، كافكا بقلمه (باريس، طبعة دي سول 1968) والمراجع الهامة لكل هذه القضايا. مجال آخر هو دور الفكاهة و المتعة في أدب كافكا. ولكن هذا يؤكد على نفس المعنى: سياسة القول enonce ومتعة الرغبة. وحتى لو أن كافكا مريض أو يموت، وحتى لو أنه يتعامل مع الذنب كما لو أنه سيرك خاص به، ليتخلص مما يضجره. وليس  صدفة أن كل مترجم مفتون بالعصاب يصر بنفس الوقت على جانب تراجيدي و غاضب من كافكا وعلى جانب سياسي. ومرح كافكا أو مرح كتابته ليس أقل أهميه من الواقع السياسي والتوجه السياسي. وأفضل جزء من كتاب ماكس برود عن كافكا هو حينما يخبرنا كافكا كيف أن المستمعين ضحكوا خلال قراءة أول مقطع من المحاكمة "بإفراط" (ص178). وفيما يلي  معيار متميز ولا ثاني له يدل على العبقرية: السياسة التي تجري خلاله والمتعة التي تتأتى منه. وسنطلق اسم "منخفض" أو "عصابي" على أي قراءة تحول العبقرية إلى غضب، إلى تراجيديا، إلى "هم شخصي". على سبيل المثال نيتشة وكافكا وبيكيت وسواهم: من لا يقرأهم وهو يضحك طوعيا ويرتجف سياسيا يفسد كل شيء.

في هذه المكونات من أدب كافكا - الرسائل، والقصص، والروايات - تجاوزنا النظر بعنصرين: من جهة النصوص القصيرة جدا، والأمثال الحكيمة، والخرافات الدينية نسبيا. كما في القطيعة مع فيليس عام 1918 حينما كان كافكا حزينا حقا، ومرهقا، وغير قادر على الكتابة وينقصه الرغبة بالكتابة.

من جهة أخرى لم نتطرق إلى المفكرات لأسباب معاكسة. حرفيا لأن المفكرات لامست كل شيء: فهي الجذمور بحد ذاته.  وهي ليست عنصرا -بمعنى أنها ليست جانبا واحدا من عمله، لكنها العنصر (بمعنى المحيط -البيئة) التي أعلن كافكا أنه لا يريد أن يتركها أبدا، مثل سمكة في الماء. وهذا صحيح لأن هذا العنصر يتصل بكل ما هو خارج عنه ويوزع رغبة الرسائل، رغبة القصص، ورغبة الروايات.

 * هذه هي ترجمة الفصل الرابع من كتاب "كافكا: نحو أدب ثانوي" للفرنسيين جيل دولوز وفيليكس غوتاري. ترجمه إلى الإنكليزية:دانا بولان. منشورات جامعة مينيسوتا. 1986.

 

العدد: 5817 المصادف: الثلاثاء 09 - 08 - 2022م