جمعة عبد اللهتدور احدث النص الروائي بين الماضي والحاضر عبر الاجيال الثلاثة، أو المراحل الثلاثة، التي يمثلها الشخصيات (الجد والاب والابن) وكل شخصية تمثل مرحلة معينة مرت على العراق في عواصفها الاجتماعية والسياسية. في مسائلها الحساسة والعويصة في دوامة الصراع وتقلباته وتحولاته عبر هذه الشخوص. الجد (المطلق) والاب (نوح) والابن (سليم) التي احتلت احداث المتن السردي، الذي يملك براعة في الصياغة والمعنى والرؤية والتعبير في المغزى والرمز الدال. بما شهد العراق من تحولات تمثلت . الفترة الملكية. فترة عهد البعث. فترة الشباب الذي تشرد وعانى الغربة والاغتراب. وما تحمل هذه المراحل من صراعات مختلفة بالتناقض والاضداد في داخلها، في المعايير والمواقف تجاه الحكم واساليب السلطة في العراق، بما تعرض من احداث عاصفة صبغت بلونها هذه التحولات. وكل مرحلة تتسم بمواصفات معينة تميزها عن المراحل الاخرى، في سياق الاحداث الجسيمة التي جرت على العراق. وحملت في رحمها من زوابع في تهشيم النسيج الاجتماعي والسياسي. الى مرحلة التأم وحتى مزق الهوية. لذا نجد في هذه الشخصيات الرمزية الدالة، صورة العراق في العادات والتقاليد الاجتماعية في الثأر والانتقام. في منصات الحب وأشجان القلب وعواطفه المنفعلة بالانفعال العشقي. في مسائل الارهاب وخاصة في زمن الدكتاتور المتسلطة. التي جلبت الارهاب والحروب. مما جعل جيل الشباب ان يهرب من شبح الدكتاتورية والحروب. بعدما سدت آفاق الحياة والعيش. مما جعلهم ان يخوضون مغامرة الهجرة في الغربة والاغتراب. وبدورها تؤثرعلى وتيرة الصراع الاجتماعي والسياسي الى الذروة التأزم. تدور احداث المتن السردي في عتباته، بين الاب والابن في اسبانيا مدريد، اثناء تواجدهما. وما صاحبه من تسليط الضوء على صورة العراق. وكذلك الصراع الثقافي بين العقليتين الشرقية والغربية. من عواطف مشحونة بالانفعالات بين العقلانية والتهور. على خلفية الماضي والحاضر في خضم الصراع على صورة الوطن. ولكن لابد من التمييز والتفريق في مواصفات هذه الشخصيات التي تمثل مراحل العراق المتعاقبة. لاشك أن الجد (مطلق) يمثل الارضية الراسخة في الاقناع العقلي والفكري والديني . يمثل الحكمة البصيرية في رؤية ميادين الصراع القائم، يمثل العقلية المقبولة والموضوعية في مواجهة الاحداث بالعقلانية. بينما نجد الاب (نوح) يمثل المرحلة المضطربة والتي تعاني من الازدواجية في الشخصية بين (المطيع والمتمرد). وهي اسطع مثال على فترة عهد الدكتاتورية البعثية في وجهها المتناقض بين (الديني والارهابي) في العقلية والثقافة. بينما نجد الابن (سليم) يمثل الجيل الذي عانى من وزر الدكتاتورية بين الارهاب والحرب. والهروب من وجه الدكتاتورية البشع. في محنته في التشتت والحرمان من الحرية والتأزم في الهوية. ولكن رغم هذه الاهوال ظل أميناً على حب الوطن ويحمل صورة الوطن في عقله وقلبه، رغم معاناة الغربة والاغتراب. نجد في شقة (سليم) الصغيرة جدرانها تمثل متحف لصور العراق. وكذلك يتميز بالسلوك العقلاني ووضوح الرؤية والموقف، في الصراع بين الثقافة والعقلية الشرقية والغربية. أن (سليم) في سلوكه وتصرفه يمثل صورة مشرقة للبطل الايجابي، عكس البطل السلبي في الصراع بين العقلية الشرقية والغربية. التي تناولتها الروايات العربية، على سبيل المثال، رواية (موسم الهجرة الى الشمال) ورواية (الحي اللاتيني). ونجد الاب (نوح) والابن (سليم) في صراع وخلاف، ضمن المنطق المسموح بين الاب والابن، ولكن يجمعهما الجد (مطلق) في التوافق والانسجام. فالجد هو الخيمة الذي يجمع عليها الفرقاء في داخلها على التوافق. نجد ان المتن الروائي توغل عميقاً في تفاصيل صورة العراق وتحولاته عبر الفترات المتعاقبة. والتي كانت الدكتاتورية الضربة القاصمة التي كسرت ظهر العراق، في التحطم والتشتت والارهاب. واصابت الوطن في اعمق أزمة حتى مزقت هويته. واصبح كل أمل الغريب والمغترب ان يجد هويته داخل الوطن حتى ينهي عناء البحث عنها (حيث أمارس هويتي الاولى، حنيني، شوقي الى احتضان الأم واخوتي،الى زيارة قبر عالية، الى السباحة في نهر دجلة، الى اصدقائي، الى ابقارنا وحميرنا ودجاجاتنا والجبل.. أتلهف الى أخبارهم، وعنهم. كيف هم الآن؟ ماذا حدث؟ وماذا يحدث؟ من مات منهم؟ ومن تزوج) ص38. هذه لهفة الحنين والشوق التي تفور في أعماق الوجدان بقهر وحزن وحسرة (أنه العراق يا أبي) هذا الترابط العضوي بين الماضي والحاضر. الذي دنسته الدكتاتورية في مجيئها المشؤوم. والتي حرثت في الخراب والتدمير، وما أصاب العراق من فواجع، لذلك يقول الاب (نوح) الى أبنه (سليم) (أكتب ما تشاء فلن يحدث أسوأ مما حدث.. هذا العالم الجايف) هذه حكايات العراق المأساوية التي تقطع الانفاس بحشرجة الالم والحزن والغضب. بأنها معاناة تحطيم الانسان وتهميشه . هذه تجسيدات الشخصيات المحورية التي سلط عليها المتن السردي . ولكن لابد من استعراض الملامح السمات البارزة لهذه الشخصيات التي تمثل مراحل العراق المختلفة:

1 - الجد (مطلق): يمثل الحكمة والعقلانية في الفعل والارشاد بحكمته القائلة (أذا نبح عليك الكلب فلا تنبح عليه، ولكن أذا عضك فعضه) ص9. وكان سعيه الحثيث والمثابر، في تشيد ما يطلق عليه من تسمية بالمدينة الفاضلة أو القرية الفاضلة، لكن هذا الحلم والامل اصطدم في المواجهة مع الحكومة في اجهاضه . كان ملتزما بوعي في التراث الديني وتقاليده وما جاء في القرآن. كان ملتزماً بالعقلية التي تبعده عن الطيش والتهور وسوء التقدير. لذلك من اجل امتصاص انتقام السلطة انتقل بقريته الى الضفة الاخرى من النهر، ليكن بعيداً عن الصراع غير المتكافئ مع قوات الحكومية. وكان يقول عنه الاب (نوح) موجهاً كلامه الى أبنه (سليم) (جدك رجل عظيم يا سليم، لكنه ربما ولد في غير عصره. أنني أحبه بشكل كبير) ص116.

2 - الاب (نوح): يمثل مرحلة في عهد البعث بفترته الاولى والثانية ، ويتميز هذا الجيل بين الاطاعة والتمرد. يمثل روح الازدواجية المتناقضة بين (الديني والارهابي). وهو بالذات نهج وسلوك حكم البعث في الارهاب، أوالدعوة الى الحملة الايمانية الدينية. وكذلك وجه الطيش والانتهاك. لذلك حين التقى (سليم) مع أبيه وجهاً لوجه في اسبانيا / مدريد. كان (سليم) صعق بالغرابة والاستغراب، لم يصدق عينيه بأن هذا الواقف أمامه هل هو أباه حقاُ ؟، في هيئته المتنافرة والغرائبية (هذا الرجل حليق الشاربين، صلع خفيف فوق الجبهة، طويل الشعر مربوطة الى الخلف، وخصلتان صغيرتان منه مصبوغتين بالاحمر والاخضر، ثلاث حلقات فضية تتدلى من أذنه اليسرى، أقراط.. أيعقل أن يكون هذا أبي ؟! أهذا هو أبي حقاً) ص19.. جاء الى أسبانيا / مدريد من أجل أخذ الثأر والانتقام من فتى السلطة الطائش، الذي تحرش بأبنته الصغيرة (استبراق) حين مسكها من مؤخرتها (بالضبط مثلما كان يفعل عدي صدام حسين في التحرش بالفتيات ويخطفهن من الشوارع) فما كان من الاب (نوح) ان افرغ في مؤخرته طلقتين. والفتى الطائش يصيح بغضب (أتعرف من أنا؟ فيجيبه: أنت أبن كلب.... أبن قحبة) ولكن كان الدمار والخراب حل بالقرية آل مطلق. فقد عاثت الحكومة قتلاً وخراباً، والنتيجة كان عدد الضحايا 17 قتيلاً حتى الاب (نوح) خرج من السجن معوق ومخصي. وسميت قريتهم بقرية (القشامر) وغيروا لقب (مطلق) الى اسم أل قشامر، ولكن بعد اشتداد ضراوة الحرب العراقية الايرانية، وحاجة الدكتاتورية الى وقود للحرب لتجنيد الشباب والرجال ودفعهم الى جبهات القتال. غيرت أسم قرية (القشامر) الى اسم (قرية الفارس) تيميماً بالفارس الدكتاتور، الذي حول العراق الى جحيم وتوابيت. فلذلك يتساءل بجزع عن عمل لجان التفتيش لنزع اسلحة الدمار الشامل بالقول (أية أسلحة ودمار شامل، هل هناك ما هو أكثر دماراً من الدكتاتور نفسه، الذي قتل وشرد الملايين، فلماذا لا ينتزعونه ويخلصوننا؟) ص125. وفي الاخير عرف الاب (نوح) بأن فتى السلطة الطائش الذي عين بعد ذلك في السلك الدبلوماسي. قد انتقل الى بلد آخر، أو الى جهة مجهولة، وربما قتل أو مات. لذلك غير قناعاته بالثأر والانتقام.

3 - الابن (سليم): يمثل الجيل الذي عانى الغربة والاغتراب، عاني شبح الدكتاتورية وارهابها، ومنهم السارد أو الروي نفسه، وهو يحمل مواصفات الكاتب أيضاً ، في مقارعة النظام والسلطة الارهابية، لذلك يصيح بالتذمر والسخط (لماذا.... لماذا فعلتم بنا كل هذا.. يا مجرمين) ص164. كان في بداية براعم حياته الشبابية، احب (عالية) أبنة عمه، حباً ملك جوانحه، وكان يبعث الرسائل والقصائد الشعرية عبر شقيقته الصغرى (أستبراق) وبعد ذلك اختار مكاناً لعش الحب بينهما، يلتقيان يومياً بالعاطفة العشقية الملتهبة وهم يمضغان أصابع التمر بكل شهية واشتياق وشهوانية . كان يطير بجوانحه العشقية بالبهجة ، لكن الموت خطف (عالية) واصابه الحزن الشديد. وفي شبابه كان ضد الارهاب والسلطة مما ضيقت عليه الخناق. مما دفعه الى التخلص من شبح الدكتاتورية بالهجرة الى أسبانيا، وهناك استطاع ان يوصل صوته المعارض للنظام. وينقل محنة ومأساة الوطن الى الرأي العام الاسباني. وهو يمثل العقلية الناضجة والواعية من شريحة المغتربين في المهجر. ويحمل صورة العراق بكل معاناتها. يمثل الجيل الذي بأستطاعته ان يتحمل المسؤولية العراق في الانعتاق والحرية.

 

جمعة عبدالله

 

 

يوسف عبودبلغ النضج الفني في المجموعة الشعرية (تيمَّمي برمادي) للشاعر يحيى السّماوي، مداه الأقصى، حيث تُعّدْ هذه المجموعة هي الخامسة والعشرون من إصداراته الشعرية، خلال مسيرته في بناء وتكوين وتشكيل النص الشعري، فقد تضمنت تلك النصوص رؤىً وصوراً وإيحاءات وإشارات ورموزاً ودلالات تدخل في بنية النص،لتحيله الى حالة من التدفق الواعي بإنسيابية وإيقاع وموسيقى تهز وجدان المتلقي وتسحبه الى أتونها دون أن يعكر صفو هذه الرحلة أي عائق أو تعثر أو هفوة أو وقفة تعيق هذا التدفق،وسوف نكتشف أن بناء النص لدى الشاعر تأثر بشكل ملفت للنظر، بحياة الشاعر وتجاربه وفكره ورؤاه وثقافته وتجربته الطويلة، وهو يشبه (أي النص الشعري) بالنسيج المتداخل من ألوان عديدة تشكل هذه التراكيب التي تعبر عن صفاته وسلوكه وطبيعته وتأملاته، منها:الوطن، الغربة، عشق المرأة حد الوله، الشعور بالحرمان الكبير الذي يصل الى أنه لا يرتوي بالماء لأطفاء ظمئه، ولكن برشفة من شفتيها، وهي عنصر التفاعل الذي يشده نحو حب الحياة،ونجد أيضاً كبر السن وهناك مواطن كثيرة من النصوص تشير الى مايحدث للإنسان عندما يتجاوز الستين من عمره، وما يحصل له من متغيرات تجعله يقترب الى النهايات وهي معروفة، الموت، القبر، والتي أشار لها الشاعر في بعض من نصوصه، كما نجد الأشارة الى الطفولة رغم بلوغ العمر عتيا، وفي حالة قد تكون متفردة يوظف الشاعر النصوص القرآنية وهي لا تشبه التناص، بل أنها تدخل ضمن النص لتتوحد مع المفردة والثيمة ووحدة الموضوع لنقلها من حالة الاستماع إليها الى واقع عملي تطبيقي، كما سوف يمر ذكره في تحليلنا هذا، ونجد السّماوة مسقط رأس الشاعر حاضرة في تلك النصوص، واعتمدت بنية العنونة التي وسمت بها المجموعة (تيمَّمي برمادي) الرؤية الشاملة لتلك النصوص، كونها لم تكن مختارة لواحدة من النصوص، بل أنها دعوة لسيدة القلب والحياة أن تتيمم بهذا الرماد، الذي يعني الكثير، هو الإنكسارات النفسية العميقة، هو الإحباطات الكبيرة التي لحقت به، هو رحلة الحرمان والغربة، هو النهايات، وهوإطلالة هذا الركام الكبير من العمر، وهو أيضاً تجربته الشعرية الكبيرة، أما عناوين النصوص، فقد إختيرت أغلبها من متن النص، من الوسط، أو البداية، أو النهاية، وهي في أحيان كثيرة الرؤية الشمولية للنص، كما إننا سوف نجد الومضة الشعرية التي تنتمي الى القصيدة العمودية وليست الى قصيدة النثر، كما أن الشاعر يستحضر الحضارة السومرية لتكون واحدة من الركائز المهمة التي تشكل بناء النص الشعري، و نكتشف ذلك من أول قصيدة في هذه المجموعة والتي خلت من الإهداءات والتقديم والمقدمة التي وجدها الشاعر زوائد لا تخدم النص الشعري، ولا تساهم في عملية التعاشق المطلوب بين النص والمتلقي، ليعطيه فرصته الطيبة في السياحة في عالم الشعر دون دخيل، وتلك القصيدة هي (ميلاد):

تغدو الملاكُ السومريَّةُ شهرزادَ

تقصُّ بالقُبُلاتِ ليْ

قصصاً

عن الضِلَّيلِ صارَ مؤذِّناً

ومُبشَّراً بالعشبِ باديةَ السماوةِ

والرُّبى بالإخضرارْ

 

وتزفُّ للكهفِ البشارةَ

بالمدى النشوانِ..

والليل المؤبَّدِ

بالنهارْ

2153 يحيى السماوي

وفي قصيدة (وادي زهور اللوز) نجد هذا النسيج حاضراً يمثل التكوين والتشكيل لهذا النص، الطفولة، الكهولة، لغة النصوص القرآنية،بإشاراتها السيمائية، والعشق الذي يجعل الحياة بستاناً من الزهور:

عَجَباً عليّ

رجعتُ في "الستين"

طفلا

 

أصحو

لأقطف من حقول الصدر

تفّاحاً

ومن وادي زهور اللوز أرتشف الندى

فأنامُ مقروراً

سريري غيمةٌ

ووسادتي عشبٌ وريحانٌ

ودفلى

 

جَرَّبتُ أنْ اختارَ غيرَكِ

قبلةً لِصلاةِ عِشقي

فإستدارَ إليكِ قلبي والمُصَلّى

 

أما الومضة الشعرية (صُبّار الألم) التي تتناول موضوع الندم بالرؤية التي يقدمها الشاعر بشكل مثير للإهتمام:

قالتْ ستندمُ

ليس تدري أنني أدمَنتُ

صُبّارَ الندمْ

 

أمضيتُ عمري

أزرعُ الأملَ الجميلَ

وما حصدتُ

سوى الالمُ

وفي قصيدة (إستجداء) نكون فيما ذهبنا إليه في بحثنا النقدي هذا، حول مساهمة النص القرآني في تشكيل النص الشعري، وتحويله من آية مسموعة الى واقع تطبيقي يدخل في متن النص:

ورغيفاً من عناقٍ

دافئِ الجمرِ

بتوليِّ التنانيرِ

يقيني من ذئابِ الزمهريرْ

 

فأنا

أوصى بي اللهُ

يَتيمٌ وغريبٌ وأسيرْ (*)

ويضع إشارة (*) لنقرأ في الهامش الإشارة الى قوله تعالى (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماًوأسيراً)

وفي قصيدة (قطوف ليست دانية) نكتشف الإشارات السيمائية بتأثر النص الشعري بالنص القرآني من خلال بنية العنونة وكذلك متن النص:

حتى إذا نادى الآذانُ

إلى صلاةِ الفجرِ

أغواني نُعاسكِ بإقتطافِ

التينِ والتفاحِ

من حقلِ الأنوثةِ

وإرتشافِ ندى زهورِاللوزِ

خالطهُ شذاكْ

وفي الومضة الشعرية (ومضة) التي نكون فيها مع الأعمى الذي لايجد في حياته جدوى، وهي دلالة رمزية لواقع الحياة التي لا نجد فيها ما يمكن ان يثير معالم الفرح، إذ نجدها صحراء قاحلة لا جدوى منها:

قالَ ليّ الأعمى

أنا

أرضٌ يبابٌ

 

ليس يعنيني إذ أشرقتِ الشمسُ

أو البدرُ عن الشرفةِ

غابْ

 

ما الذي تخسرهُ الصحراءُ

إن جَفَّ السرابْ

 

أما قصيدة (قناعة) فأنها رؤية لإكتفاء الحبيبين ببعضهما حد التوافق والانسجام، مستحضراً المثل الشعبي الذي إستُقيَ من موروثنا (وافق شنن طبقة):

فأطعميني صَحْنَ لثمٍ

إنني بتُّ قنوعاً

جشعي لا يتعدى شفتي

والحَدَقةْ

 

فسأرضى بالندى من زهرةِ اللوزِ..

ومن فردوس واديكِ البتوليّ بِشمّ الزنبقةْ !

 

إنني شنٌّ

فكوني طبقةْ

وفي قصيدة (ليس يعنيني الذي قيل) فنكون مع حالة النهايات التي تحدثنا عنها، وكيف تكون مشاعر الكهولة وتأثير سني العمر، التي تتمثل بعلاقة هي أشبه بنفاذ صبر من كل شيء، فهو يريد أن يغلق الابواب والشبابيك، ولكن يبقي قلبه ينبض حباً ليس بعنفوان الشباب:

أغلقي بابكِ

والشباكَ والتنُّور والمِكحَلةَ

اليقظةُ..

والحُلمَ الخيالْ

 

فأنا

أغلقتُ أبوابَ جوابي

وشبابيكَ السؤالْ

 

ليس يعنيني الذي قيلَ

عن الصَّب الفراتيَّ

وما سوفَ يقالْ

وفي قصيدة (ياجبل العمر) نكون مع تلك المجسات التفاعلية التي تثير القلق والخوف من تداعي العمر، وبلوغ قمته كما يصفه النص، إلآ أنه واقصد في ذلك الرجل الكهل الذي رسم ملامحه الشاعر، أن يبلغ قمة العمر، يريد أن يبقى مع الربيع، مع الزهور، مع الرياحين، مع العشق الأخضر، ويحافظ على محبوبته:

يا جَبَل العمرِ

ألا تعرفُ من وسيلةٍ

تمنعُ خطوي من وصول القمّةْ ؟

 

أريد أن أبقى مدى الدهرِ على السفح مع الأنهارِ

والأشجارِ والأطيارِ والأوتارِ

والكأس التي خَمرتُها تحيلُ كهفي غيمةً

مع التي قميصها

شَقَّ ستارَ الظلمةْ

 

فأرضعتني قُبلاً

ووسَّدتُ فمي مرايا الجيدِ

فانزلقتُ نحو الحَلّمَةْ

المجموعة الشعرية (تيمَّمي برمادي) للشاعر يحيى السّماوي، هي خروج من قيود السياقات الفنية لصناعة القصيدة الشعرية وما تفرضه من سطوة تعيق حرية الإنطلاق والتدفق ، والتي إمتلك ناصيتها الشاعر وسبر أغوارها، الى حيث المعالجات الفنية الجديدة التي تضمنت هذا النسيج الرائع من المحاور والافكار والمؤثرات الذهنية والثقافية وتجارب الحياة، وتجربة رحلته الطويلة مع الشعر.

 

يوسف عبود

.......................

* من إصدارات مؤسسة المثقف في سيدني استراليا، ودار تموز - ديموزي دمشق لعام 2018

* فصل من كتاب (تفاعلات النص الشعري الحديث) إصدار الورشة الثقافية عام 2020

 

 

سارة فؤادتُترجَم إلى معنى واحد!

لم أبك "وحيد حامد " فقد أدى الرسالة على أكمل وجه، وأجمل وجه! وربما بكيت أبطال أفلامه ورأيتهم يتسلمون العزاء ويذكروننا بسيرته. قبل وفاته ومنذ ذلك اليوم ٢ يناير ٢٠٢١، قد أخبرنا بالأصل من خلال الكتابة والسينما والإذاعة عن تلك الشخصيات الغريبة وخلقها وسخرها! أدرك من بعد الأستاذ أن لدينا قصص كثيرة مع سبق السرية والكتمان أحياناً، تنهمر على سفح الواقع. ليتحطم ألف برئ وألف جلاد . فأين رسالة الفن اليوم من خرائط الحقيقة، وأين هي من لسان حال الشارع المصري؟!

فيلم البرئ.. ولحظة الإكتشاف الباهرة!

 ثلاثة أنواع من السجناء كإشارة سريعة عن نوعية المعتقلين السياسيين،العالم البيولوجي وقام بالدور جميل راتب، والروائي الكاتب المثقف وجسد ذلك صلاح قابيل، والناشط المدافع عن حقوق المرأة، جسد الشخصية أحمد راتب، فليس في المعتقل السياسي سوى أبرياء متنورين. هناك تجد العقلاء والأكثر جرأة فقط، ومع تطور الأحداث تدرك أن الضحايا ينقسمون إلى:

"الضحية السجين" و"الضحيةالجلاد" وعن الجلاد فهو الذي يراقب الأسير خارج القضبان وينفذ أمر قائده دون تفكير. فالأمر حازم كالسيف نافذ لا محالة، وشخصية الجندي التى قام بها الكبير الراحل "أحمد زكي" كان الجندي الذي يتعرض للاستغلال والخاضع هو نفسه لبرمجة ذهنيه تحتكر قرارته العقلية، سجنه المعرفي من نوع أعنف بكثير من سجون المعتقلات السياسية، كلا النوعين اجتمعا على "حب الوطن" الأسير برئ وأيضاً الجلاد "أحمد سبع الليل" بريء إن لم نقل تحكمه السذاجة والبساطة الشديدة وشيء من الجهل الريفي..! لم يكن وحيد حامد يسلط الضوء على جرائم المعتقلات قدر تسليط الضوء على استراتيجية برمجة الوعي والقرار والتي قد يخضع لها الجندي الذي يتلقى أوامره من قادته، أيضاً هناك مجاز وكناية عن استغلال البسطاء عموماً وتجنيد قواهم للوقوف في وجه المعضلات وتسخير نواياهم الطيبة وطموحاتهم البسيطة، لنجد لدينا العسكري البسيط "أحمد سبع الليل" والذي يحلم ببناء شخصيته وفرديته والتعبير عن حبه لوطنه واستعداده للموت في سبيله بنوايا صافية الولاء للدين والله والوطن والقائد، لم يعد يفرق بين مفهومي الطاعة والولاء وبين إلغاء عقله وقبول الخضوع التام ل"شركس" لدرجة الوصول إلى حالة هي أقرب للتنويم المغناطيسي والبرمجة العقلية إلى حد أنه قتل السجين الذي كان يعمل بمهنة كاتب قصص وروايات، وربما حملت قصصه إسقاطات ترمي إلى الحرية والتي يبدو أنها قد زجت به إلى السجن. " رشاد عويس" القاص أدى دوره "صلاح قابيل" وأظهر فيه قوة وسرعة بديهة ما يعكس سمات الروائي في الفيلم و المتطلع إلى سماء وحريةو إلى الهرب نحو الحياة، فقتله أحمد زكي أثناء ملاحقته وهو ينظر في عيون قائده "حسين فهمي" ويود لو ينال رضاه بهذا القتل، فيشعر بالبطولة والثناء في ذاته ويحس أنه المحارب المقدام صائد العدو اللدود، وفي ذات الوقت تظهر نظرة تعطش إلى القتل غير مبررة وهذيان وشرور في عيون شركس "القائد" فكان واقفاً ينتظر جنديه ليفرغ من القتل بيديه وبما يناسب مصالح أنانيته الفردية التي لا تتصف بالحياد ولا الواجب في شيء، يبتسم بفخر" أحمد سبع الليل" العسكري ذو المعاني الخام دون أن يدرك سوى معانيه طيبة النوايا.. أنه" يحارب أعداء الوطن" ولكن تحت ظل مسميات " حب الوطن والطاعة " كان كبح صوت العقل إن لم نقل الضمير.. ومع تصاعد العقدة يرى نفسه أخيراً لا يحارب أعداء الوطن وحسب.. بل يحارب الوطن نفسه! وتتكشف له حقيقة الدفاع عن الوطن، لقد اختلطت عليه المشاعر فامتزجت بالدماء الطيبة،دماء سجناء الرأي المظلومين والمحبين للوطن عن جدارة .الأوامر العسكرية من" شركس" بدأت تتحول في عين الجندي إلى معاول لهدم ثوابت وقناعات أصيلة لدى "سبع الليل" الحقاني والجندي البسيط يعي تلك اللحظة ما يحدث من حوله . فالوعي هو الأساس.. إيقاظ العقل الناقد، ذلك الموضوع الذي سدد إليه وحيد حامد أكثر من سهم في أفلامه، وكل طريقة لها قصة ولغة.. أن الأسري في المعتقل السياسي الذي يقف أمامه حراسة ليل نهار ليسوا سوى أبرياء، وأنه هو نفسه الجندي الأسير، أسير الطاعة العمياء. في فيلم البرئ.. تتصاعد أغنية من كلمات "عبد الرحمن الأبنودي" تعكس الحوار الداخلي للجندي المصدوم  : "الدم اللى فى أيديا، اللى بينده عليا؛، ويقولى قتلت مين، يقولى يا إنسان، تفرق السجان، أزاى من السجين، قلبى اللى كان برئ، زى الطير الطليق، أزاى ضلت عيونه، لما شاف الطريق.."

الوطن في مفردات وحيد حامد

 ما هو إلا ترجمات الشعب الكادح، وما هو إلا حرية الرأي التي يبحث عنها المواطن في صوته وعقله وكرامته، فالوطن في فيلم البرئ مثلاً هو وجه صديقه" ممدوح عبد العليم" الشاب الجامعي المتنور والذي نشأ في قرية وحلم بمصر كبلد أفضل لأنه يحبها ويحب جيش بلده بل ويفخر به في عباراته في مقدمة الفيلم، أما عن نهايته فقد قتله الضابط "شركس" بلدغة ثعبان ثمناً لكل هذا الحب، إنه العبث الذي يتجلى في نوعية "شركس" الديكتاتور الذي لا يصبر لحظة لرؤية الحقائق من أعلى حتى وهو يمتطي حصانه وينظر بنظرة فوقية من عليه.. فيفقد وجهته وهدفه وفروسيته وبلده من حساباته! والوطن أيضاً يتجلى في وجه العالم الباحث وهو الروائي الذي يكتب عن الجرائم والتجاوزات بحق الشعوب، وهو الناشط المطالب بحقوق المرأة، أما أحمد زكي الجندي الطيب ولكن المدافع عن الحق فيجد نفسه فجأة يحارب الوطن ذاته! بملامحه الحاملة لأهله ولأصدقائه وللذاكرة، والدم على يده يسأله : قتلت مين؟ فتتراءى له ملامح صديقه والذي لطالما كان سنده يصد عنه متحرشيه، فيدرك نواياه البريئة عن ظهر قلب، فليس من الممكن أن ينتعل "حسين وهدان" بعض الكلمات ضد بلده ليزور بها الحق . أو يدنس رسالته كشاب واعٍ صاحب كلمة حق، هو الصديق الذي لطالما سانده ودافع عنه فوثق به. فكيف يقتله بتلك البساطة لمجرد تنفيذ الأوامر وهو الأكيد أنه" بريء" وهنا تجلت لحظة عصيان أمر قائده والتمرد. كانت جرأة وحيد حامد تتجلى في مناقشة البرمجة الدماغية وعرض المفارقة بين حفظ النظام و بين التسلط العبثي ما ينتقل بالجميع إلى حالة فوضى، وحين يتكشف لأحمد زكي الجندي زيف ادعاءات شركس فجأة بعد أن كاد يفديه بدمه بدوافع الولاء والطاعة، يدرك أن شركس هو نفسه عدو الوطن بظلمه واستغلال سلطته وجبروته فيرفض تنفيذ أوامره لأول مرة وتبدأ النهاية! وبالنظر إلى شخصية الضابط "شركس" فحياته الشخصية في بيته ممتلئة بالمشاكل، وتجلى ذلك في لمحة عبقرية بمحادثة هاتفيه خاطفة بينه وبين ابنته التي تشكو له من الوحدة وإهمال أمها لها، فالضابط العاجز عن حل شؤون بيته يصب جام غضبه على الأسير المظلوم ويمارس جرائمه بتجميل وتدليس الحقائق أمام رؤسائه وجنوده والإعلام ليشعر بالقوة لأسباب عميقة خفية جداً. وكان الأولى أن يركز صرامته ليواجه بها مشكلاته الشخصية مع زوجته التي تهمل ابنته الصغيرة، فضلاً عن ذلك يصب جنونه على المساجين وعلى الجنود المنساقين لطاعته رغم أنه يشع بحالة نفسية تقترب من جنون العظمة والفصام بسبب عدم مواجهة حقيقية مع أزماته ومع الذات! فلا أحد في الفيلم يواجه الأعداء الحقيقيين سوى الأبرياء، والأبرياء دائماً يوجدون بداخل المعتقلات، وأحمد سبع الليل يحارب أعداء الوطن مراراً، بينما هو في الواقع العملي يحارب أهله ونفسه بدلا من التركيز على حربه مع الأعداء الفعليين لمصر. والأعداء على الحدود.يقف على رأسه من يكبح حريته ويسخره ببعض الأوامر والنواهي، فلا يهزم فعلاً عدواً حقيقياً، ذلك إلاستبداد الذي لا يتيح السؤال الوجودي عن الجدوى . في مشهد الحل المدجج بالمجازات ما بين رمزية السلاح الذي يسقط على الأرض ويجاوره الناي. عزف الجندي لحظه قبل الإنتقام من شركس ومن ثم مقتله على يد برئ آخر!

إلى أي شيء يدفعنا وحيد حامد لفهمه عبر تلك المجازات ؟ سؤال بسيط.. من العدو الحقيقي؟! وكيف يعيش البعض قصصاً بطوليه تحت شعارات زائفة واهية. فنبل الغاية لا يغني عن شرعية الوسيلة. واجتمع الكل على نبل غاية واحدة هي"حب الوطن" ولذلك كان لابد من اختمار وتطور العقدة في لحظة الكشف . حين اكتشف سبع الليل معنى الدم والحمى وعرف أن العدو الحقيقي ليس في الداخل وعرف "أن المبادئ لا تتجزأ" ! إنها اليقظة نفس الفكرة التي لطالما نادى بها" وحيد حامد" بجهد صادق في أفلامه مثل الوعد والغول والمنسي والنوم في العسل والإرهابي، أبطاله جميعهم يقفون ذات الوقفة مع الذات وذات الإنقلاب على المنظومة الحتمية.. ومع مفردات الأستاذ والكبير الراحل "وحيد حامد" فالمعاني تجتمع بالحرية يموت المؤلف وحديثه لا ينتهي !

الوعد "لا تقتل"

لا تحتاج لعناء البحث عن مجازات التمرد في أفلام الراحل وحيد حامد، فسوف تمتص غليل الجمهور ثورة بعد أخرى، وفي فيلمه "الوعد" انقلب "عادل" أو آسر ياسين أحد أفراد العصابة المسخرين لخدمة " السحراوي" ضد زعيمه وقائده والذي هو بمثابة إله لا يُعصى له أمر. لأنه تأثر بوصية "يوسف" أقدم قاتل في عصابة السحراوي وأدى الدور الراحل الكبير"محمود ياسين" الذي قال له بثبات مؤثر ويقين عارم"لا تقتل" فبدأ آسر ياسين يستفيق من حالة التنويم المغناطيسية والطاعة المطلقة للسحراوي وينقلب ضده؛ مرحلة اليقظة وطرح الأسئلة وقوة العقلية الناقدة التي تشتعل وتنير الطريق لأبطال وحيد حامد. تلك المرحلة المفعمة بالتمرد ونقاط التحول القصوى والتي تجعل من الأبطال ناجين! لحظة رؤية واحدة يكتب لأجلها وحيد حامد. أفلامه تطوف حول مفردة اليقظة.. الوعي! ولكن هل أضاء وجهاً آخر لليقظة؟ أشار دائما للشر الذي يصوب تهديده في وجه من يتمرد على شريعة الشيطان..الشرور الذي يقتل البرئ الجندي في فيلم البرئ..ويهدد آسر ياسين "عادل" بشبح الموت كلما هرب من زعيم المافيا السحراوي، ولكن المفارقة في الوصية الثانية لمحمود ياسين" يوسف "حين قال له " لو لك عدو بيهدد حياتك، يا تهرب منه، يا تقتله" فالقتل حل جيد فقط في حالة الدفاع عن النفس وإلا سيموت البطل، ولسبب ليس بالسهل فعليه مواجهة من لا يرحم "واجه الوحش كي لا يتضخم أكثر" ! بالفيلم عدة مشاهد لمجاز جميل عن القوة في الإتحاد، في مشاهد اتحاد المسلم عادل مع القبطي جرجس من أجل هدف إنساني وعاطفي بحت، هو تحقيق وصية الميت الأخيرة. التصالح مع الاختلاف يتجلى في عظمة مشهد حمل التابوت والدفن أعلى قمة جبل يطل على البحر ونحو الحرية، والمشهد يوحي بسمو متكامل في كل أركانه، مثلاً في تخلي القبطي جرجس عن مخاوفه الصغيرة بعد تجربة دفن يوسف متعاوناً مع عادل المسلم وكل منهما يصلي بعقيدته واختلافه وضعفه وقواه ..فكلنا في النهاية إنسان !

الغول "قانون ساكسونيا"

وبرئ آخر في فيلم الغول لكنه تلك المرة في هيئة الصحفي "عادل عيسى" من فيلم الغول. صاح في وجه العدالة الزائفة بالمحكمة "ساكسونيا" فسجن بدلا من القاتل الحقيقي الغول. فالبرئ سجين في كل فيلم لوحيد، والغول صاحب المال يتحول إلى سجان ويستمتع بالتحكم في مجريات العدالة، فالسلطة والحرية المطلقة يخضعان تحت قدميه دون عائق أو حساب. فليس غريباً أن يتحول" عادل عيسى" الصحفي الحالم بالعدالة إلى آلة قتل بعد تعرضه للظلم، فالنظام بأكمله بادر بصنع آلات القتل ودفع المظلوم نحو الحقد والجريمة والثأر بيده وكأنه قدر عادل المحتوم " عادل الطامح المصدوم بمسوخ الخذلان" كان ممسكاً بكتاب يحمل عنوان" قدر الإنسان " قبل إقدامه_ بكل رغبات المواجهة_على اغتيال " فهمي الكاشف " الغول الحقيقي في حياته الذي يتحكم في كل شيء حتى أنه يبطل العدالة ويغير بديهة الحقيقة في العقول . ليجعلها تنافس قانون ساكسونيا في الغرابة والتضليل! ويجعل من عادل قاتل..!

المنسي "طلعوا لك يامنسي؟!" .

النكرة الخارج من الحسابات إلى حد أن أسرته نفسها تريد له الزواج للخلاص منه تقريباً، هو " الغلبان" الذي نسيته الأيام، وتغافلت عنه الفرص الضائعة "محولجي السكة الحديد" المهمش والمهمل اجتماعياً ونفسيا حتى أنه مهمل في إحساسه بذاته وصورته النفسيه ولا كيان له، يفوته قطار تلو الآخر! وفرصة خلف فرصة يمر ذيلها أمامه، وكل ما يفعله ويطمح إليه أن يمنع القطارات من التصادم ويجانب الحائط.فهو لديه فوبيا التصادم مع الواقع المخيف بأشباحه فيعيش التخاريف والخيالات حتى فيما يخص الشهوة الجنسية، هذا المنسي الذي ينسى كيف يعيش بل وكيف يحلم، يخلق الأوهام والهواجس بأريحية ويخلق متعة الخوف من الضفاف الأخرى لأن عفاريت تشبه أباطر الواقع تسكن هناك، تكفيه القطارات التي تتحشاه ويتحشاها، المنسي من الإعتبار و المنسي من الحقيقة،لم يفكر في الصراعات أصلاً كي يفكر في كيفية حلها ! المنسي هذا الإسقاط الفاضح عن الصراع الطبقي في مجتمع تفسخ إلى طبقتين، طبقة السلطة العامرة برأس المال والحكومة والمتاجرة بالبشر أحياناً لتحقيق الأطماع والثروات ! وتجلى ذلك في رغبة رجل الأعمال الفاسد أت يبيع "غادة السكرتيرة" التي أعجبت التاجر لإتمام صفقتة معه،أما الطبقة الإجتماعية الثانية فهي السفلية،طبقة المنسي.. وطبقة المواطن المهمش في المسودات على الجوانب المترامية الآخذة في الضياع. وفي النهاية لحظة الكشف المضيئة التي يمتاز بها "وحيد حامد" دوماً، فمن يدعون أنهم حكام الأرض ينكشفون بذعرهم وهلعهم أمام أنفسهم لدى أول مواجهة أمام شجاعة إنسان بسيط جعلوه منسياً، قد جاء لينتزع "غادة" هو نفسه البسيط الذي يكتشف قوته و شجاعته وإقدامه وبطولته لدى أول أمل يشع في قلبه وهو يدافع عن "غادة" فقد لجأت إليه واختارته دون غيره، رغم أن آخر ما طلبته غادة من المنسي يعود به إلى واقع القطارات بأن يساعدها في اللحاق بعربة أول قطار لتصبح من الفرص الماضية هي الأخرى..ولكنها فرصة أضاءت له الطريق وساعدته على المعرفة، فمن هي غادة؟ هي فرصة الثقة بالذات؟ أم اليقظة؟ أم المواجهة.. أم المعرفة ؟! فدائما كانت لغة المواجهات تمهد إلى الحل النهائي في أفلام وحيد حامد الذي حرض أبطاله على المواجهة.. فالمواجهة تضع "المنسي" أمام الحقيقة على الأقل، ليتخلى عن خوفه ويدافع عن الذات والهوه والتي تهزم النسيان ليقول "أنا هنا..أنا المنسي لم أعد منسياً "

أتذكر شخصية "حسن بهنسي" من فيلم" اللعب مع الكبار" الذي يشعر بكيانه رغم معاناته البطالة والفساد الإجتماعي، ليقرر اللعب مع الكبار والتعرف على نفسه" أنا حسن بهنسى بهلول.. أنا المسكين فى هذا الزمان.. أنا المحاط بالأوهام.. أنا الذى إذا جاع نام.. أنا المخدوع بالكلام.. " وكأن وحيد حامد لسبب شديد العمق أراد من جميع شخصياته أن تقف وقفة شجاعة واحدة بعد التعرض لعامل الصدمة كي تتعرف على نفسها وتتلمس ما يحق لها لأول مرة في حياتها، تكتشف ولو قيد أنمله حقوقها مثلما تكررت عليها الواجبات الإجبارية وسحقتها الحاجة.. "واجه " و"استقيظ" كلمتان يثيران انتفاضة ذاتية. وفي هيئة فيلم وسيناريو على طريقة المبدع، هكذا يتحدث الفن..!

 

سارة فؤاد شرارة / مصر

 

بشير خلفصرخةُ الأنوثة المجروحة

إن اعتماد سرْد الكاتبة على التجربة الذاتية، أو المسموعة لبنات جنسها يعدُّ مَعْلَماً مُهماً من معْالم خصائص السرد الروائي النسوي. إذ أن هذه الخاصيةَ معتمدةٌ في معظم روايات السرد النسائي باعتبارها تجربة لصيقة، أو قريبة جدًّا من الذات الساردة أولاً، وموضوعها يسهل تذكّره وسرده ثانيًا من طرفها، وهو تعبير عن هموم حقيقية معيشة بتفصيلات كثيرة تخدم الغرض السردي ثالثاً. كذلك فإن الحميمية في الوصف، والتحليل، والحوار تُعطي السّاردة فرصة لكي تُشكِّل شخصياتها، وأحداثها بطريقةٍ أقربَ. رواية "ما لم تحْكه شهر زاد القبيلة" للكاتبة، السّاردة الدكتورة فضيلة بوهليل تتضمّن الكثير من هموم الأنثى العربية، أينما تواجدت منذ أن ظهرت إلى الوجود القبيلة، وإذا كانت شهر زاد القبيلة حتى تاريخ اليوم لم تحك همومها ومعاناتها كاملة للرجل لأنه منْ أسّس القبيلة، وهو من أخرس شهر زاد، وخنق صوتها، وذبحها من الوريد إلى الوريد، ولا يزال؛ فإن الكثير مـمـّا لم تحكه شهر زاد القبيلة، والقليل مـمـّا حكته كان لبنات جنسها اللواتي يشتركن جميعا في مأساتهنّ الغير المنتهية، ولعلّ  الطالبة الجامعية "وفاء" التي تمكّنت من الانفلات من قيْد القبيلة، والرحيل نحو الشمال طالبة جامعية بمحمول ثقيل تئنّ به ممنوعات ثقافة القبيلة، وكذا مـمـّا رأته، وعايشته، وما سمعته في بيئتها الصحراوية الجنوبية جعلها تُسجّله شبه يوميٍّ في دفترها، كانت حلْمُ وفاء أن تتحرّر بالعلم، وأن تُحرّر نفسها من القبيلة، وقيودها بفرْض نفسها بالمعرفة، وبتبوّئ مكانة اجتماعية تمكّنها من فرْض نفسها، وأن تكون بمنأى عن سوْط القبيلة المادّي والمعنويّ، غير شبيهة بغيرها ك " جُمْعة" الضحية الأرملة الصغيرة، لكن حُكْم القبيلة الصّارم كان لها بالمرصاد، وقف لها صدًّا منيعًا أمامها في ارتباطها زوجة شرعية مع" حكيم" ابن منطقتها، ورفيقها في الجامعة الذي أحبّها، وأحبّته، لـــترحل فارّة إلى قسنطينة.

لئن قطعت "وفاء" أوقاتا ثمينة من لياليها، وحرمت نفسها من راحتها، ومن جلسات حميمية مع رفيقاتها في الغرفة لتدوّن معاناة" جُمْعة، وضاوية"، وغيرهما من سيّاط القبيلة ممثّلًا في حمواتهن؛ فإن" وفاء" كانت لا تدري أنها تدوّن مأساتها الآتية.

الـمتْنُ الروائي

رواية "ما لم تحكه شهر زاد القبيلة" للكاتبة القاصة، الروائية فضيلة بهيليل صدرت في النصف الثاني من سنة ألفين وعشرين عن دار المثقف، من الحجم المتوسط، في 87 صفحة. القارئ المتمعّن، الدّارس يُصدم من السطر الأول الذي يبدأ به النصّ، وهو مثلٌ شعبيٌّ مُتداول في منطقة كاتبة النصّ الروائي:" الله يدخّلها بالرّبْح علينا.. هاذي حمامة زايدة فينا"، الرواية المكونة من ثلاثة عشر لوحةً سردية تتموقع اللوحة الأولى بمثابة ركيزة أساسية فنية للنصّ تتكئ عليها باقي اللوحات؛ فممّا سمعته" جمعة" عندما وطأت قدماها عتبة بيت زوجها عروسًا بدأت تتشكّل أحداث الرواية، وتتحرّك شخصياتها في مجتمع تسيطر عليه الذكورة، والأنثى (مُشيّأة) مثل بقية الأشياء في البيت، وأحيانا الحيوانات أرفع مكانة منها. هذه القادمة الجديدة عروسًا هي دخيلة على مجتمع مغلق، يرفض فتْح مغاليق حِـــماه، ويمنع التزاوج من خارجه."...بينما حماتها اكتـــفت بالجلوس على عتبة الباب تتفرّس في وجه هذا الوافد الجديد إلى بيته ص:9"، الرؤيا السائدة، الراسخة أن زواج الأقارب داخل العرش، والقبيلة من دعائم الاستمرارية:" لن نذهب اليوم عند أهلك، أنا متعبة، وسأُخبر الحاج أحمد بذلك، لست مستعدّة للسفر مئات الكيلومترات؛ لا بارك الله في ابني، لم يجدْ غير بلادكم يتزوّج منها. ص:26"

حتى في شهر رمضان، شهر الرحمة، والتسامح لم يـمرّ بسلام، ولحظات ما قبل آذان المغرب، كان العنف، وكان شيطان الحماة يحرّكها:" وكما اعتادت "جمعة" في مثل هذا الوقت بدأت تُرتّبُ أواني الإفطار؛ إذْ بحماتها ترْمي دلاء الماء بالغُرف زاعمة أنها متّسخةٌ، بدا واضحًا استغراب جمعة؛ فالمغرب على وشك الآذان، وحتْمًا لن يكون هناك وقْتٌ لِما طلبت؛ اعتذرت، قالت إن عليها وضْع الأواني الآن، وستنظفها بعد الإفطار، ألحّت، وبدأ سيْل اللعنات: لـم تعلِّمْكِ والدتكِ شيئا، مثلكِ مثلها قليلات أصل.ص:41"

حتى فشل العريس ليلة الدخلة على عروسه، وعدم قدرته على ممارسة ذكورته، وفي عُرْف القبيلة ذاك الفشل عارٌ لا ينمحي لدى عائلته، وفي سجلّ القبيلة، يُلصق الأمر بشهر زاد العروس: «حملها أهلُها بحياء مطأطئي الرؤوس، كأنما قيامة الدنيا قد قامت عليهم، وهي من تحت الكيس، تُــصدر أصواتا خالطها البكاء، والقسم أن لا أحد قبل زوجها لـمس شعرة منها، ولكن من يسمع؟ وَضْعُ الكيس على رأسها قتْـــلُ كل ذرة كرامة لها، ولعائلتها. ص: 28»

"جمعة" التي أمضت طفولتها محبوبة داخل أسرة متماسكة، تحت حماية أم تحبها، وأب كان حلمه وهو يُدخلها المدرسة في بداية سنتها الأولى أن تغدو طبيبة في المستقبل تداوي أباها الذي سيفتخر بها أمام الجميع، جمعة ما كان هذا حلمها طوال سنوات قضتها متنقلة بين دراستها بالمتوسطة، ثم مدرّسةً لكتاب الله للبنات أيام العطل بإحدى المساجد. جزاؤها:" لـم تُـــعلِّمْكِ والدتكِ شيئا، مثلكِ مثلها قليلات أصلٍ."

الرواية تفضح الذكورة البطريركية

2152 فضيلة بهيليليقوم حجرُ الأساس في النظام الأبوي المتجذّر من نظام العشيرة على هيمنة الذكر على الأنثى واستعبادها، واضطهادها، ونفْي وجودها الاجتماعي، وكينونتها الإنسانية؛ مجتمع أبوي يسيطر فيه الرجل على المرأة لأنها في قناعته أقل درجة منه، مـمّا كوّن عنده ذهنية ذكورية ذات نزعة تسلطية ترفض النقد والحوار، وتعاقِبُ كلّ منْ يخرج على هذا النظام الأبوي؛ فهيمنة الأبوية الذكورية، وكبح التطلعات النسوية، وحجب المرأة عن ميدان الفعل العام، أو إعاقتها بدواع اجتماعية، أو دينية، ناهيك عن الدور النمطي للمرأة في المجتمع. نجد الظاهرة متواجدة بالرواية في أكثر من موضعٍ، ولعلّ أغربها لـمّا تكون مُترسِّخة لدى طلّاب الجامعة، أغلبهم يحملون نظْرتين لشهر زاد متعاكستيْن: نظرة متفتّحة، متحرّرة حميمية للأنثى الطالبة لمّا تكون صديقة، حبيبة، ونظرة ذكورية أبوية لـمـّا تسعى إلى إثبات ذاتها، وممارسة إنسانيتها، أو مشاركة الرجل حتى في رحلة سياحية، فكثيرا ما يُهمَل حقُّها، ونصيبها:

«..في صبيحة اليوم الموالي كانت وفاء وحنان آخر منْ سمع بـخبر إقلاع الحافلة الطلابية، قبل الموعد الذي حُدِّد لها بالأمس. حزنت حنان، وذرفت وفاء دمعة حقْدٍ على المنظّمة التي أخلفت بالموعد، وضاع معها الحلم. ص: 17»..« نعم كريم وصلنا لمكان تجمّع طُلّاب الرحلة، فوجدناهم غادروا قبل الموعد بساعة تقريبا، سمعتُ من إحداهنّ أنهم أخذوا أيضا أصدقاءهم الذين لم تشملهم القرعة.ص:18»

شهر زاد الـمُعنّفة.. شهريار المكلوم

ليس من حقّ شهر زاد ولوج فضاءات الراحة، والتمتع بجمال الطبيعة، والجلسات الحميمية في العلن أمام الجميع، أو المناقشة، والتذاكر مع الصديق، أو الحبيب: « وبدون مقدِّمات وقف أمامهم رجلٌ مُلْتحٍ احمرّت عيناه من الغضب، يسُبُّ ويشتم، ويلعن، ولم يتوقّفْ حتى بعد خروجهم من ذلك العالم الخيالي الجميل.ص:32».. أمام صُراخ العجوز، وبكاء بناتها اللواتي أحطْن بها ومع دهشة "جمعة" لابتكار المشهد (من الأم الحماة)، كان زوجها(جمعة) قد وصل مسرعًا بعد ما سمع صراخ والدته من الشارع، لم يشعر إلّا وكفّه ترتسم على خدّها(جمعة) في حركة ساد بعدها صمْتٌ رهيبٌ.ص:27»..

«..شيء ما انكسر داخلها تلك اللحظة، وهوى من مكان سحيقٍ؛ كيف نسيت لأيّام أنها متزوّجة، وأنها تركت خلْفها رجلًا تـمنّته، وتـمنّاها، فما عادا يريان إلَّا خنجرًا واحدًا يذبحهما.ص:38 »

ثنائية المعاناة نفسها بين أوتاد خيمة القبيلة في الجنوب، وأوتاد الذكورة الطلابية في الجامعة، فشهر زاد لـمُتعة الفراش، والإنجاب، وإدارة شؤون البيت تحت سلطة قهْر القبيلة، والحماة، أو هي فاكهة مأدبة الطلاب في الإقامة الجامعية، أو الشباب الطائش خارج أسوار الإقامة :«..أو أصوات لشبّان يتحدثون من الشارع مع فتيات الإقامة ككلّ ليلة يرقصون على أنغام أحزانهم، وجراحاتهم....ليُختم المشهد كالعادة بتبادل الشتائم، والسّباب بينهم وبين فتيات الإقامة. ص: 12،13»

العنف لم يتوقف عند شهر زاد؛ بل تعدّى إلى من يرتبط بها بحياة المودّة، والرباط الزوجي: «توجّه الزوج عند أمه، أشاحت بوجهها عنه، لم تكلِّمْه، نطقت أخته الكبرى:" الله لا يربحك.. لا أنت، ولا زوجتك، لم تُحضر لنا سوى الهمّ ووجع الرأس" ص: 42 »..«محمد لا يعرف ما يقول، يطأطئ رأسه في ذهول، يـنْسلّ في خجل تاركًا لعنات والدته التي نطقت بعد خروجه لم يسمع منها سوى تهديدات تقول إنها ستتبرّأُ منه إنْ أبقاها على ذمّته، ولن يُصبح ابنها أبدًا؛ كلمات ارتجف لها كيّانه، وسوّدت له كلّ ما كان أمامه. ص: 42»

قبل أن يعلّق الحبلَ على جذْع النخلة التي رافقتهما مستندين إلى جذعها تناجيه ويناجيها تراءت له "جمعة" عروسًا تُزفُّ إليه، تحضنه بزهو، تقبّله، وجهها الباسم، تهمس على ضوء القمر الصيفي، لتتراءى له أوّل منْ رأت عيناه، منْ رعتْ طفولته، منْ أنشأته، وأرضعته، والجنة تحت أقدامها، بين الصورتيْن اللتين أخذتا تتضبّبان باشتداد الحبل على رقبته مغادرا الحياة تاركًا الأولى أرملة في ريعان الشباب، الثانية عجوزا مشلولة.

الرواية طافحة بقيود القبيلة، وممارسة العنف تجاه شهر زاد، بل حتى تجاه شهريار: تنفيذ الأوامر دون نقاش، إرغام الابن على التطليق، انفراد الحماة بمفاتيح بيت المؤونة، حرمان زوجة الابن من مواد التغذية، التزويج المبكر للأنثى وهي طفلة للشيخ الهرم، الترمّل المبكّر، البراءة المحرومة من مباهج الطفولة، لعنة القبيلة المشؤومة تلاحق شهر زاد: « بيت الحاج أحمد، يا حصره لـمّا كان بمقامه، من يوم دخلتْــه كنّتُـــهم "جمعة" لم يروْا خيرًا؛ لا بارك الله في الكنائن، ولا في طلّتهم. ص: 87»

الحوار

الحوار جزْء أساسيٌّ من تقنيات الرواية، ويُــفترض وفق ما يقوله النُّقّاد المتخصصون أن يشكِّل  ثلاثين بالمائة من فضاء الرواية. في هذه الرواية الحوار مُقِلٌّ؛ فالحوار ضروري لتعميق الشخصيات، ويكشف أسرارها، ومساراتها، وتفاعلاتها البينية، ويعبر عن الآراء التي لا يمكن للسرد أن يبوح بها، ويمكّن القارئ من التنوع في قراءة الحكي السّردي، والولوج إلى دواخل الشخصيات. ربـما قلّة الحوار في الرواية، تأتّى من قيود القبيلة التي كبّلت أغلب شخصيات رواية" ما لم تحكه شهر زاد القبيلة" من العيش الهنيء، وما يتبع ذلك من احترام وتقدير، وتثمين للأدوار، وتبادل للآراء، وتسيير سليم للأفراد، والأُسر والجماعات.

الصّياغة الفنية

الرواية محكمة البناء؛ مبدعة النص الدكتورة فضيلة بهيليل تمرّست في إبداع النصوص السردية، فلئن كانت هذه الرواية الباكورة الأولى لها؛ فقد سبق وأن أصدرت مجموعتيْن قصصيتيْن: "على هامش صفحة2017"، "وعادت بـخُـــفّي حنين2019"، إضافة إلى أنها أستاذة جامعية تُدرّس الأدب، مـمّا ساعدها، ويساعدها على أنّ تتميّز نصوصها بنكهة جاذبة في فنّ الحكي، وتقنيات السّرد الروائي، وحُسن توظيف اللغة وسلامتها، وجمالية الحوار الموظف بدقّة (مع قلّته)؛ والوصف الرّائق الذي تألّق في كثير المواضع من النصّ: «..وباستنشاق عطور رجالية امتزجت بروائح نسوة، وبـخور تصاعد نشوةً في ذلك الليل الـمُضيئة نجومُه فرحًا، وزهوةً.»،« أشجار تصطفّ داخل مساحات اتّخذت أشكالًا هندسية مختلفة: دوائر، مربعات، معينات،؛ وبالجهة المقابلة للبوّبة كراسي إسمنتية صُمِّمت على شكل أنصاف أقواسٍ مشدودة بأعمدة حديدية على الأرض.»؛ لـم تخْلُ الرواية من الشعرية التي وشّحت بها فضيلة النصّ هنا، وهناك:« لا أروع من رؤية حبيب يدقّ قلْب الفرح صباحًا فقط ليهديك قبلة، وشوْقًا كقطْر الندى يُــبلِّل قلبك بالرغبة في حُبّ شخْصٍ يستحقُّ. ص:39 »، « ..تلمحه كحلم فيشيح بوجهه عنها، كأنْ لم يرها تُبْصره من تلك الفتحة النديّة بماء الجرّة الموضوعة عليها، يراودها حنينٌ خفيٌّ. ص: 70 »،« هي المرأة الوحيدة بعالمه، عانقتْ جنونَه فضمّ صبْرها إليه، فرح بها  كما لم يفعلْ من قبل، شغفته حبًّا. ص: 73 »

نصٌّ روائيٌّ ماتعٌ جدير بالقراءة أبدعه صوتٌ نسائي جزائريٌّ قادمٌ من الجنوب الغربي يمتلك من المواهب، والقدرات ما يؤهله كي يكون ضمْن الصدارة في الأدب الجزائري المعاصر.

 

بقلم: بشير خلف

كاتب من الجزائر

 

يسري عبد الغنيبالطبع سوف يأتي نفر من الناس يحتج ويولول قائلاً: هل تصنفون أدب الأستاذ / إحسان عبد القدوس أو أكثره في الأدب الهادف؟، وبعيدًا عن الدخول في مجادلات أو مناقشات بيزنطية فارغة مع هؤلاء الذين يرفضون كل الرفض اعتبار إبداعات أستاذنا / إحسان عبد القدوس ضمن الأدب الهادف أو الأدب التعليمي، نحب أن نقول:

1 - إن الكاتب الكبير كثيرًا ما يضفي على دروسه ظلالاً، ويغلفها بزينة وزخرفة تخفي هدفه النبيل، ويضيع في زحامها وأصباغها ما أراده من تنوير وتهذيب وتعليم، بل ربما أدت إلى عكس ما أراد، ففتن القراء بالزخرف والقشور، وغاب اللباب عنها .

2 ـ إن الأستاذ / إحسان قد يشتط في بعض الأحايين، وينادي بقيم، ويدعو إلى تقاليد قد لا تتفق مع بعض الأعراف الاجتماعية، بل قد يراها بعض المحافظين متنافية مع الخلق القويم، ويراها الأكثر تشددًا وتزمتًا أنها تتعارض مع مبادئ الدين، وكل ذلك تحت شعار التحرر من التقاليد البالية، وضرورة مسايرة التقدم والتطور، والأخذ بالمدنية والتحضر .

كل ذلك صحيح، ولكن قراءاتي المتواضعة لمعظم إنتاج أستاذنا أوصلتني إلى تفسير أرجو أن يكون صائبًا:

لقد رفع الكاتب الجليل في كل إنتاجه، روايات وقصص ومقالات، رفع راية الحرية، والانطلاق من كل قيد يعيق مسيرة التطور والتقدم والتحضر والتنمية، وهدم كل قديم يجرنا إلى الوراء .

وليس ذلك لمجرد الهدم، ولا هو دعوة للإباحية كما يقول أصحاب العقول الحجرية، أو هو خروج عن الأخلاق القويمة أو الدين الحنيف أو الأعراف السليمة، لا أعتقد ولا أظن، فذلك لا يتفق على وجه الإطلاق مع الحس الوطني الحار الصادق الذي كان يتمتع به أستاذنا الكبير .

لقد تطلع إلى هدف نبيل عظيم، هو محاولة تحرير العقل العربي تمامًا وبكل وسيلة، بطرد القديم كله صالحًا وطالحًا، بزلزلة الثابت من الأعراف والعادات والتقاليد، بإظهار التأييد لما يسمى إباحيًا ولا أخلاقيًا، حتى يستيقظ الجميع من سباتهم العميق، ويندهشوا وينزعجوا ويفكروا جيدًا، ويتم الهدم كاملاً، ثم نبدأ بعد ذلك، وبعد أن نزيل الأنقاض، بناءًا جديدًا لقيم وأخلاق وأعراف جديدة صحيحة تدفعنا دائمًا وأبدًا على الأمام.

وقد ذهبت إلى هذا التفسير من تردد الكاتب في هذه المجموعة بين إدانة الخيانة، وبين تبريرها، أو تركها بدون تعليق، تردده بين أظهار الندم من أبطاله على سوء السلوك والاعتراف بالخطأ، وبين اللامبالاة والتبجح، بين الحديث عن الدين والأخلاق باحترام وقدسية، وبين الاندفاع لما يشبه الإباحية .

إن هذا التردد من الكاتب أو من شخصيات أقاصيصه تكشف لنا أنه لم ينضم إلى أحد الجانبين، لم يحسم رأيه بتأييد هذا ولا ذاك، وإنما هو مشغول بقضية أخرى، غير تحديد الموقف وإبداء الرأي، هو مشغول بالهدم وإزاحة الأنقاض، كي يبدأ البناء الجديد المتين آذي لا يعرف الغش أو الخداع أو النفاق .

وختامًا لهذه المقالة النقدية: نريد أن نطرح سؤلاً وهو: هل كان الأستاذ / إحسان عبد القدوس صحافيًا جذبته القصة؟، أم كان قصاصًا أغرته الصحافة؟

مما لا ريب فيه أن في الأستاذ من القاصين خياله المجنح المبدع المحلق، والقدرة الإبداعية على رسم الشخصيات وخلق المواقف وتصوير الأحداث، ثم الإثارة والتشويق، وفيه من الصحافي أسلوب السرد والإخبار وكثرة الإنتاج والشهوة للكتابة في كل الموضوعات بلا انتقاء أو اختيار، ثم الاهتمام بالجماهير التي تحتاج من الجميع كل اهتمام وتقدير ومساعدة، أكبر الظن أنه ـ قبل هذا وذاك ـ كان مصلحًا اجتماعيًا بمعنى الكلمة، مصلحًا يسعى إلى هدفه بوسيلتي الصحافة والقصة معًا، إنه دون شك وطني غيور، يحب وطنه ومواطنيه، ويحفزه الحب إلى إصلاح أحوالهم بشتى الطرق، وفي محاولات دائبة لا تكل ولا تمل، ومن شأن العمل المستمر الدائب أن تكون لصاحبه هفوات، ولا ضير في ذلك، فالتجربة والخطأ أفضل ألف مرة من الركود والخمول والسلبية والثرثرة الفارغة الجاهلة التي تؤخر بلادنا ولا تجعلها تتقدم .

لقد كان كاتبنا الكبير / إحسان عبد القدوس (رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه جزاءًا وفاقًا لما قدمه للفكر والأدب) رائدًا في إبداعاته، وسيظل هكذا دائمًا إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

حسني التهامييكتبُ بعضٌ من المبدعينَ في عالمِنا العربيِ قصيدةَ التانكا دونَ درايةٍ بخصائِصِها وجمالياتِها، ولا يكادونَ يعرفونَ عن هذا الفنِ سوى إنهُ نصٌ مُكونٌ من خمسةِ أبيات. لذا حاولتُ البحثَ في مصادرَ عِدةٍ كي أقفَ على ما كُتِب عنْ هذا الفن، وآملُ - من خلالِ هذه الورقةِ - أن أُقدمَ شيئاً ذا نفعٍ وقيمة. لا شك فقد سَلطتْ بعض المنتدياتِ الأدبية المختصةِ في الهايكو الضوءَ على خصائصِه وجمالياتِه من خلال مقالاتٍ وسجالاتٍ ونقاشات نقدية، نتج عنها نصوصٌ اتسمت بالجمال والتفردِ. ولا زالت قصيدة الهايكو العربية ونظائرها من السنريو والتانكا والهايبون إلى مزيد من الأقلام المُبدعةِ التي تهدفُ إلى تأْصيلِ قصيدة الهايكو  وتقديمها إلى الذائقةِ العربية.

تعريف التانكا:

نصُ التانكا أحدُ أشكالِ الواكا waka، وهي أغنيةٌ يابانيةٌ قصيرةٌ، تُعد من أقدمِ الأَنواعِ الشِعْريةِ اليابانيةِ. نشأتْ التانكا في القرْن السابع، وسُرعانَ ما أصبحتْ الشكلَ المُفضلَ في البلاط الإمبراطوري الياباني، حيث تنافسَ النُبلاءُ في كتابتِها، ثمَ انتقلتْ إلى عامةِ الناس وكُتبتْ كنوعٍ من التغزل. كان قِصرُ التانكا ومدى ملاءَمَتِها للتعبير العاطفي عاملينِ مِثاليَينِ لرَواجِها وحب الناس لها.

شكل التانكا:

تتكونُ قصيدةُ التانكا على الأغلبِ من واحدٍ وثلاثين مقطعًا صوتيًا، (5/7/5/7/7)، مكتوبةً تقليديًا في سطر واحد غير متقطع. يُمكن أن يتجاوزَ النص في عدد مقاطعِهِ المتعارفِ عليها على سبيل المثال، (5-7-5-8-7) ؛ وهذا يسمى ji-  amari أو ربما يقل ( 5-7-5-7-6)؛ وهذا ما يسمى ji-tarazu. .هناك نصوصٌ تحتوي على مقاطعَ أقلَ،

( 5-7-5-9-5 و8-4-5-7-7) لكن الشكلَ السائد هو الذي يحتوي على 31 مقطعاً صوتياً.

تُشبه التانكا السوناتا، من حيثُ كونِهما نَصَّيْنِ غِنائيينِ يَخْضعانِ للضوابطِ الموسيقيةِ، كما يهتمان بالمعالجةِ الموضوعِية من خلالِ الصورةِ الشعريةِ التي تعمق النص وتثري المعاني. أيضا كالسوناتة، تَسْتخدمُ التانكا ما يُعرف بالصورةِ المحوريةِ التي تعني بالانْتقالَ من عرضِ المشهد أو الحدث إلى الالتفاتِ لذاتِ الشاعرِ. في السوناتا يكونُ هناكَ مزيجٌ من التناغمِ الصوتي بين الأربعةَ عشرَ بيتاً. تلك الأبيات مؤلفة "من تشْكيلٍ ثُماني وسُداسي، ولهذا التقسيمِ بُعدٌ نَغَميٌ مميّزٌ فضلا عن كونِه يُكسِبُ القصيدةَ تناسقا و تجانساً بين الأصوات التي تتردّدُ في ثنايا البيْتِ الشِعري الواحد."(*) في الثمانيةِ مقاطع الأولى دفقاتٌ شُعوريةٌ عاليةٌ تتسمُ بالتوترِ، بينما تخفتُ حِدةُ هذا التَوترِ وتقلُ الشُحنةُ الشُعوريةُ في المقاطعِ الستةِ الأخيرةِ، في التانكا يقعُ هذا المنعطفُ في السطرِ الثالثِ، الذي يرْبطُ بين الثلاثة أبيات الأولى  (kami-no-ku)و البيتين الأخيرين ( shimo-no-ku)

في بعضِ الأحيانِ يتمُ فصلُ "الأبياتِ الثلاثةِ الأولى التي غالبا ما تأخذ شكل الهايكو عن البيْتينِ الأخيرين. يُشيرُ الدورانُ من الأعلى إلى الأسفل إلى حُدوث تحولٍ أو توسُعٍ في فكرةِ النصِ، وهذا أيضاً ما يُقاربُ التانكا مع السوناتة. يُعدُ هذا الفصلُ  استراحة تأملية وتَحَولاً في السَرْدِ والحالةِ المزاجيةِ.

التانكا والهايكو:

تشْتَملُ التانكا على قواعدَ أقلَ من الهايكو، في الجدول التالي أدرج أوجه التمايز بينهما في الشكل والموضوع:

الهايكو: يتكون من بيت واحد مكون من سبعة عشر مقطعا موزعة على ثلاث شطرات

التانكا: تشتمل التانكا على بيت واحد مؤلف من إحدى وثلاثين مقطعا صوتيا على خمسة أسطر على الأغلب

الهايكو: تتوَفرُ خاصيتا الكيغو (الموسمية) والتنحي (الموضوعية)

التانكا: يكونُ النصُ أكثرَ انفتاحًا؛ هُناك َفسحةٌ للتعبير عن ذاتية الشاعر

الهايكو: يبتعد الهايكو عن اللغة المجازية، لأنها تذهب بالبساطة التي هو جوهر الهايكو

التانكا: يُسمحُ للشاعرِ استخدامُ المَجازِ الصَرِيحِ      

الهايكو: يتجنبُ الهايكو التعبيرَ عن المشاعرِ والأحاسيسِ المُباشرةِ، أو يُخفيها عبرَ صُورٍ حِسيةٍ ملموسةٍ من الطبيعة (الهايكو الكلاسيكي) أو من تفاصيل الحياة اليومية والواقع (الهايكو الحداثي) ويبتعدُ عن الخيالِ الشعريِ الذي يحتوي على الاستعارةِ والتشبيه

التانكا: تنشأُ المشاعرُ التي تتنامى في نصِ التانكا من الذاتِ الشاعرةِ و من العلاقاتِ الإنسانيةِ بكل تشابكاتِها وتعقيداتِها مع الآخرِ، أو مع الأشياءِ التي تُحيطُ بهذهِ الذَاتِ وتتفاعلُ معه   

موضوعات التانكا:

كانتْ التانكا قديماً تتناولُ عددًا محدودًا من الموضوعاتِ، كالحُبِ والتِرْحَالِ والمَوتِ، بينما تعالجُ التانكا المُعاصرة مجموعةً واسعةً من الموضوعاتِ كالقضايا الذاتيةِ والاجتماعيةِ، إلى جانبِ النماذج القديمة.

(أ) الأنا الذاتية:

في التانكا المعاصرة غالباً ما تكونُ "الأنا"ً هي الموضوع الخفي؛ تتخللُ حياةُ الشاعرِ الخاصةُ ُثنايا النص. يعودُ تاريخُ "الأنا" إلى مدرسةِ أراراجي، حتى فترة التسعينياتِ من القرن التاسعِ عشر، وهي الفترةُ التي بُذلت فيها جهودٌ كبيرةٌ لـ"تحديث" الشعر الياباني. في الخمسيناتِ، خلالَ ذُروةِ حركةِ ما يُسمى طليعةُ التانكا،كانت "الأنا" دارجةً،حيثُ تغنى بعضُ الشعراءِ "بالذاتِ" في آفاقٍ شعريةٍ جديدة. في ذاتِ الوقتِ ابتعدَ شعراءٌ آخرونَ عن تناول الذات أو الحياة الخاصة، وكان شعرهم انعكاسا للقضايا الاجتماعية السائدة. على الرَغْمِ من ذلك،ظلتِ "الأنا" بلا شك الموضوعَ الأهمَ في التانكا:

كل ّواحدٍ منا

حافظةُ أسًى

رأسي يتدلى، وعقلي

هائمٌ في قطار اللّيل

(هيروهيكو أوكانو 1924)

(ب) أحداث الواقع:

في النص التالي يُصورُ الشاعرُ حدثاً من الواقعِ الحياتيِ الذي يُصادفهُ ويُثير في داخلِه مشاعرَ الحزن والأسى:

حادثٌ مدوٍ

يتبَعُه صمتٌ مطْبقٌ

قبلَ عويلِ صافراتِ الإنذار

يُرجِّعون أغنيتَهم المُفْجعةَ

فيما يَشْرئِبُ الموت.

ليس مُسْتغْرباً أن تجدَ الموتَ موضوعاً أساسياً في كثير من النُصوصِ، فقضيةُ الموت تقليديةٌ حتى في الأشكالِ الشعريةِ الأُخرى، لكنها شائعةٌ في التانكا، لارتباطِها الوثيقِ بالمشاعرِ والمواقفِ الإنسانيةِ والاجتماعية في الأساس. في النصِ أعلاهُ يُخيمُ الموتُ بأوجاعِه، وينْشرُ الذُهولَ والصمتَ المُطبَق على الوُجوه.

(ب) الطبيعةُ والموسميةُ:

أسْودُ كالليلِ، فوجي-

الجبالُ ترتفع عند البزوغ

حالما تظهرُ الشمسُ

يعودُ السلام بعد العاصفةِ

الجميعُ متأهبون لليوم الجديد

في هذا النص لـ"نيل لاورينس" تظهرُ المَوْسميةُ الخافتةُ غيرُ المباشرةِ في عبارة "بعد العاصفة" التي ترمزُ لفصلِ الشتاء. يتأهب الناس وينشطونَ عند جبلِ فوجي، وهو أعلى قمةٍ في اليابانِ بعد بزوغِ الشمسِ وهدوءِ العواصفِ في الليل. نلحظ هنا أن مشهديةُ النصِ وتوفر الكيغو، الكلمةُ الفصليةُ جعلا النصَ أقربَ إلى الهايكو، لكن تفاصيلَ المشهدِ بشكلِه المُمتدِ في خمسةِ أبياتٍ إلى جانبِ تحولِ الشاعرِ من رسمِ صورةِ الطبيعيةِ في الثلاثة أسطر الأولى إلى التفاصيل الإنسانية جعل منه نص تانكا خالصاً.

نوردُ نصاً آخر يتخذُ من الطبيعةِ موضوعاً حياً يُصورُ من خلالهِ تغيرَ الفصول :

ورقةُ الخريفِ

تركت الغُصنَ

في تنهدٍ هامسٍ

وهبطتْ مُذعِنةً،

لتلقى حتفها.

(ج) الحُبُ والعاطفة:

كما هو الحالُ في أشكالِ الشعرِ العربيِ التي تَكْتظُ بمشاعرِ الحُزْنِ والعاطفةِ، نجدُ نصَ التانكا اليابانيَ يُعالجُ مِثْلَ هذه الأحاسيسِ والمَشاعرِ المُرتبطةِ بالذاتِ الإنسانية، لذا نجدُ الكثيرَ من النماذجِ الشعرية اليابانيةِ التي تُعبرُ عنْ لوْعةَ الشَوْقِ ومرارةِ الهجرِ. هُناكَ أيضاً العديدُ من النصوصِ التي صورتْ لحظاتٍ خاصةً من الإِلْهامِ أو الشعورِ المُفعم بالنشوةِ أو الغُموض. واستُخدمتِ التانكا قديماً كنْوعٍ من الصلواتِ أو "الحديثِ مع الآلهة". إذا افترضْنَا أنَ الشعرَ فيما مضى جاءَ على شكلِ أغانٍ أو صلواتٍ إلى الآلهةِ، كذلك كان حال التانكا، لكنها تَحولتِ بعد ذلك إلى مخاطبةِ الحُكامِ كدليلٍ على الوفاءِ والإخلاصِ لَهُم، ثم أخيرا تناقلهَا العُشاق.

هناك نصانِ يُصورانِ موضوعَ الحُبِ وما يتبَعهُ من مشاعر:

وددتُ لو كنتُ لصيقاً بك كما تلتصقُ التنورةُ المبتلةُ بجسدِ الفتاةِ التي تجمعُ المِلح فأنا لا أكفُ عن التفكيرِ فيك. آكاهيتو

...

لن أُسَرِّحَ شَعْري هذا الصباح فقد أتخذُ من يدِ حبيبتي وسادةً له طوالَ الليل.(**) هيتومارو

تفضلُ "جين روشهولد" التانكا التي تُعبرُ عن أعمقِ المشاعرِ حين تقول " بغضِ النظرِ عن ماهيتِها. لأنَهُ من خلالِ قصائدكَ،يُمكنُ للناسِ رؤيةُ رُوحِكَ. تسمحُ التانكا لأعماقِ شخصِكَ الداخلي بالتَألُق"

لحظةُ التانكا:

إذا كانَ المشهدُ آنيا في الهايكو عبرَ التقاطةٍ عابرةٍ، على الأغلبِ في زمنِ المضارعِ، فإن التانكا تتحررُ من هذه الخاصيةِ، حيثُ يمكنُها تناولَ لحظةٍ ماضيةٍ أو مستقبليةٍ، وهذا ما يحدثُ نادراً في الهايكو، أحياناً نجدُ بعضَ نصوصِ الهايكو مُشْتملةً على زمنِ الماضي أو المستقبلِ، لكن بنظرةِ تأمليةٍ نجدُ أن السياقَ العامَ للقصيدةِ يكونُ في الزمنِ المُضارعِ. في التانكا يُمكنُ للشاعر أن يتناولَ الثلاثةَ أزمنةٍ، ربما يستطيعُ الجمعَ بينَهم في نصٍ واحدٍ، طالما أن هناكَ نقلاتٍ شعوريةً بين الثلاثةِ أسطرِ الأولى وبينَ السطرينِ الأخيرين. يمكن للشاعرِ كتابةُ كلٍ من الهايكو والتانكا حَوْلَ الذكرياتِ (عندما تفكر في ذلك ، فكلُ حدثٍ يتمُ وصفُه في الهايكو هو ذاكرةٌ لمشهدٍ ما، نظرًا لأن لحظةَ حدوثِه في الماضي)، لكن عادةً ما يستعرضُ الهايكو حَدثًا تَمَ بالفِعْلِ،كما لو أنهُ يَحْدُثُ الآن. في واحدةٍ من أهمِ المقالاتِ المتعلقةِ بالهايكو لـشينشو أستاذِ الأدبِ اليابانيِ بجامعة كولومبيا، هارو شيران بعنوان: ما بعد لحظة الهايكو (باشو ، بوسون وأساطير الهايكو الحديث) يقولُ:

طريقة كتابة التانكا:

لكتابةِ التانكا طريقةٌ أعجبتني كثيراً وهي التي انتهجَها اليابانيون. من خلالها يُمكنُ للشاعرِ كتابةُ الثلاثةَ أسطرٍ الأولى على نمطِ قصيدةِ الهايكو التي تَتناولُ مشهداً من الطبيعةِ، ثم يُختتمُ النصُ بسطرينِ إضافيينِ يتناولان تجربةً إنسانيةً بشكلٍ مجازيٍ أو رمزي . لا يُعدُ الهايكو الافتتاحي أو استخدامُ خطٍ محوريٍ أمرًا ضروريًا في التانكا بشكل عام. على الرغمِ من أن هذا الشكلَ غيرُ إلزاميٍ، إلا أنه يحمل جمالا وفنية عالية.

سحابةٌ ثلجيةٌ قصيرةٌ

عندما تضربُ الفأسُ شجرةَ البلوط

ضربةً مُذهلةً

بعدَ تشخيصِه

لا يمكنني سماعَ صوتِ الطبيب

تتوفرُ في الأسطرِ الثلاثةِ الأولى خصائص الهايكو الكلاسيكي الذي يَصفُ الطبيعةَ، لا نكاد نرى ملْمَحاً إنسانياً إلا في السطرينِ الأخيرين. تعتبر العبارة المحورية "ضربة مذهلة" رابطاً بينَ النصَّيْنِ، حيث لها وقعٌ على كلٍ من شجرةِ البلوطِ وعلى الشاعرِ المريضِ ، حين سمعَ تشخيصَ الطبيبِ لحالتهِ، لم يعدْ يسمعُ صوتَهُ.

من مختاراتِ الإمبراطورية اليابانية The Kokinshu ،التي نُشرت عام 905 بعد الميلاد ،كتبَ هذا النصَ شاعرٌ غيرُ مَعْروفٍ، مما يدل على أنه يحمل العبق النسائي:

لو أن هناك بذرة

سوف ينبت الصنوبر

حتى بين الصخور

 

لو أني عشقتُ ولا أزالُ

ألا نلتقي يوما ما؟

هذا المثال يبينُ الطريقةَ التي انْتهجَها اليابانيون في تناولِهم للطبيعةِ في التانكا. ابتدأتْ الشاعرةُ كلا المَشْهدينِ بنفسِ الكلمةِ "لو" لتُحدثَ نوعاً من التناغمِ الموسيقي. استخدمتْ عبارةَ "بينَ الصخور" التي تَصِفُ طبيعةَ الأرضِ التي تَسْقطُ عليها البذورُ وتنمو عليها، في ذاتِ الوقتِ تُوحي كلمةُ "الحجارة" بمدى وعورةِ طريقِ العُشاق والآلامِ التي يلاقونَها، كي ينالوا لذةَ الوِصالِ ونعيمَ اللقاء. يُطْلَقُ على مثلِ هذهِ العبارةِ "المحور "، لأنها تُمثِلُ نقطةَ تحولٍ في النصِ من مَوْضوعٍ لآخرَ.

اعتمدَ هذا النمطَ الياباني التقليديَ الكثيرُ من الشعراء في العالم، أحدُهم جيرارد جون كونفورتي،من مدينة نيويورك، مضى على هذا النسق في ديوانهِ "الآن بعد أن ينتهي الليل" (1996)ِ:

هذه الليلةُ الشتويةُ الباردةُ

يتشبثُ الثلجُ بأغصانِ الشجرةِ

في ضوءِ القمرِ الشاحبِ

قبلاتُ شفاهِك الناعمةِ

تشعلُ قلبي المُوجَع

تنتقلُ قصيدةُ كونفورتي من أغصانِ الأشجارِ المُغطاةِ بالثلوجِ إلى التعبيرِ عن المشاعرِ المُباشرةِ عبرَ تصويرِ القُبلات.

وغالباً ما يُحاك هذا التغييرُ والانتقالُ بدقةٍ وفنيةٍ عاليةٍ على حسبِ قدرةِ الشاعرِ وبراعتهِ. في بعضِ الأحيانِ يكونُ المِحْورُ، إذا تحققَ ، مخفيًا بحنكةٍ وذكاء، كما في نص السيدة ايسي، في القرن العاشر :

كما لو جسدي

هذهِ الحقولُ التي أحرقَها الشتاءُ

رغمَ احتراقي

يمكنُني أن أصبوَّ

إلى ربيعٍ قادم

هنا يحترقُ كلُ من جسدِ الشاعرةِ وحقولِ الشتاء، لكنَ ليست تلك مشكلتها الحقيقية. إنها تشعرُ بالأسفِ لفقدانِ الأملِ في الربيعِ / الحبِ / الثمارِ والحياةِ، وهو أمرٌ كئيبٌ للغايةِ عندما ترى الحريقَ يَطالُ الحقولَ التي أحبتها. هُنا نستشفُ "المحورُ" في انتقالِ الحريقِ من الحقولِ إلى الجَسَدِ.

على الرغمِ من أن كثيراً من المبدعينَ، عند كتابةِ التانكا، يَنْسونَ هذه التقنيةَ أو يتجاهلُونَها، إلا أنها تُعد جانبًا مهمًا للغاية، لأنها الطريقةُ التي تملأُ النصَ ثراء وتنوعا، إذْ يتوسعُ الشاعرُ من خلالِ تِقْنيةِ "المحور" في المعاني والصورِ والرَبْطِ بينها. في النصِ أعلاهُ كان الربْطُ والتماهي بين حالةِ الحُقولِ وجَسَدِ المَرْأةِ مُذْهلاً ومتناسقاً، لا يُمكنُ للقارئِ عند قراءتِه أن يُهملَ أو يَتجاهَلَ تلكَ المشاعرَ المُنبثقةَ منْ هذهِ العلاقةِ.

نماذج من شعر التانكا:

(1)

تاكوبوكو إيشيكاوا

ولد تاكوبوكو إيشيكاوا عام 882، في محافظة أيوات في اليابان. تركَ الحياةَ الدراسيةَ في السادسةَ عشرَ من عمره، وبدأ كتابةَ الشعرِ، وُصفَ بأنه سيدُ التانكا. نشرَ مَجْموعتَه الشعرية الأولى في التاسعةَ عشر. انتقلَ إلى طوكيو في عام 1908 ليُصبحَ جزءًا من المشهدِ الأدبيِ الصَاخبِ. تُوفي تاكوبو إيشيكاوا في رَيعانِ شبابِه في الثلاثينَ من عمرِه، مريضاً بالسُل.

ماءُ الدلو

انسكبَ ،

قطرةً قطرةً

يتقاطرُ الندى مثلَ اللؤلؤِ

من زهورِ الخريف

(2)

تادا شيماكو

وُلدتْ تادا شيماكو عام 1930في فوكوكا باليابان. قضتْ مُعْظمَ طفولتِها في طوكيو، في خِضمِ الحربِ العالميةِ الثانية. تخرجتْ من جامعةِ طوكيو النسائيةِ المسيحية، حيثُ درستِ الأدبَ الفرنسي، ثم انتقلتْ إلى جامعةِ كيو لتُواصلَ دراسةَ الأدب. نالَ شعرُها استحسانَ كثيرٍ من النقادِ، بما في ذلك الهايكو والتانكا:

الماءُ الساخنُ

في غلايةٍ مهْجورةٍ

يبردُ ببطء

لا يزالُ يحملُ استياء

الماءِ البارد.

***

هناك نص آخر للشاعرة كيلي روبار:

قَبلَني حبيبي ،

ارتعشتْ رُوحي بنشوةٍ

عندما تقابلتْ شفتانا بلُطْفٍ كما الفراشاتُ

وهي تهبطُ

على أزهارِ الربيع.

...

كان العديدُ ممن برزَ في كتابةِ شعر التانكا نساءً، من بينِهنَّ السيدة أكازون إيمون ويوسانو أكيكو والسيدة موراساكي شيكيبو، هن من كتبن "حكاية جينجي"، وهي عبارة عن نثْرٍ ياباني يضمُ أكثرَ من 400 تانكا. لم ينتقلْ كُتابُ اللغة الإنجليزية إلى شكل التانكا بالطريقة ذاتِها -والتي أشرنا إليها- ، لكن هناك العديد من الاستثناءات البارزة، بما في ذلك إيمي لويل وكينيث ريكسروث وسام ساميل وسيد كورمان وكارولين كيسر.

 

حسني التهامي

.....................

المراجع العربية:

(*) قصيدة السّوناتا بين الأنا البودليريّة والذّات الدرويشيّة ـ عبد العزيز صالحي

(**) اقتراب «التانكا» اليابانية من جوهر الشعر وصفائه / عبدالوهاب أبو زيد

المراجع الأجنبية:

(1)https://poets.org/glossary/tanka

(2) Michael Dylan Welch , Tanka and the Five W's,by, Yellow Moon 15 Winter 2004.

(3)https://tankainenglish.com/essays-articles/

Amelia Fielden (Australia), Denis M. Garrison (USA), and Robert D. Wilson (The Philippines), DEFINITION OF THE IDEAL FORM OF TRADITIONAL TANKA WRITTEN IN ENGLISH By

(4)TANKA ARTICLE PUBLISHED IN FEELINGS - A JOURNAL OF POETIC THOUGHT AND VERSE

JANE REICHHOLD

 

 

جمعة عبد اللهيظهر الروائي المبدع (ضياء الخالدي) مهاراته وتقنياته التكنيكية في فن الحبكة الفنية الحديثة، ويسلط الضوء الكاشف على احلك فترة مدمرة في حياة العراق السياسي (وقائع صيف 1995) أي بعد كارثة حرب الكويت مباشرة، وانهزام الجيش العراقي بالانهزام الشنيع، وتبعياته المهلكة في فرض الحصار الاقتصادي الدولي وفقر البلاد الى حد الشحة والكفاف، والغوص في المستقبل المجهول في الحياة الصعبة والمضنية، وبهبوط قيمة الدينار العراقي الى الحضيض، حتى أصبح لا يساوي قيمة ثمن طباعته . واصبح المورد المعيشي يعتمد على البطاقة التموينية (النفط مقابل الغذاء) وكذلك يتطرق النص الروائي الى مسألة ارهاب السلطة والتقاليد الاجتماعية والعشائرية، الصارمة والقاسية والظالمة موجهة ضد المرأة في انتهاك حريتها واختياراتها حتى في مسألة تقرير مصيرها، ضمن هذه الاجواء الملبدة بالغيوم، تنعكس سلباً بالخيبة والاحباط حتى في مسألة الحب والزواج . يأخذنا المتن الروائي بالدهشة التي تخنق الانفاس في ملاحقة الاحداث الدرامية والدراماتيكية المتواصلة والمتسارعة نحو ذروة الاختناق . وكذلك يدخلنا النص الروائي في مسألة الصدفة والصدف، التي ترمي طوق النجاة، في تمزيق طوق الحصار . لذلك اعتبر السرد الروائي هو البراعة الاحترافية المدهشة في تناول الصدف المتلاحقة، فهي رواية الصدف الايجابية . وبالحيلة والابتكار والخلق في اساليب المتن السردي، التي تحمل المشروعية والمعقولية في خضم توارد الصدف . كأنها حالة انقاذ من الوقوع في الفخ . والبراعة المتمكنة للمؤلف بأنه بدأ بالحدث السردي من النهاية الى البداية من (سدني / أستراليا عام 2007 الى بغداد صيف عام 1995) . وهذا الاسلوب الروائي صعب في قيادة دفة الاحداث السردية، لان القارئ يفهم خاتمة المطاف من الحدث المتن السردي. لكن التقنية والحيل الروائية (والكاتب ملهم في هذه الخاصية الروائية) نجده بأن يجعل الخاتمة كتنفيس ورحمة للقارئ الذي ينشد بقوة وبتأزم الاحداث الى الذروة وتشده اكثر في تعاطي أسلوب المطاردة البوليسية، في المطاردات والملاحقات في خيوط النص الروائي، التي تلعب فيه شخصيتان، وهما (بسام علوان) و (وردة الشطب)، التي هربت من زوجها، ووقعت في مطاردة الشرطة والامن للامساك بها . ونجاتها من هذه المطاردات، كالناجي من فم الذئب .

يبدأ الحدث السردي من هزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الكويت بالفوضى العارمة والانفلات غير المنظم، حتى شاهد (بسام علوان) الشاحنة العسكرية وهي تدهس الجندي (أسماعيل) وتسحله على اسفلت الشارع ملطخاً بالدماء، دون ان ينتبه سائق الشاحنة الى ذلك، مما علق في ذهنه هذا المشهد، في توارده في كوابيس الاحلام التي لاتفارق ذهنه، وهذا الكابوس يذكي الفاجعة الاليمة بفقدان شقيقه الاكبر (عبدالعليم) في الحرب العبثية العراقية الايرانية . وكان آنذاك لم يتجاوز عمره (14) عاماً، وبعدها دخل شقيقه الاخر (يحيى علوان) في سلك الشرطة كضابط أمن، وتخلص من ارساله الى جبهات القتال . بينما (بسام علوان) بعدما انهى خدمته العسكرية، اختار ان يكون بائع الكتب القديمة على ارصفة (ساحة الميدان / سوق هرج) وارتضى ان يكون بائع في بسطية على الرصيف رغم شحة المورد المالي، ولكن يأتي الكسب المالي الاكثر من الكتب الممنوعة، وهوايته بالكتب رفض ان مساعدة شقيقه ضابط الامن، ان يجد له فرصة عمل أخرى، وانه تعمق في صداقات حميمية مع اصحاب البسطيات على الرصيف . وتعود ان يزور ليلاً صديقه الحارس الليلي لمركز الطلبة والشباب، وفي اثناء تجوله انقطعت الكهرباء واصبح الشارع موحش ومظلم، وشاهد من بعيد بعض الرجال المدنيين يسحبون بعنف وقوة ثلاثة نساء، تصور بأنهم يرومون اغتصابهن، فأرتفعت الشعور الانساني بالحمية وخطف أحدى النساء من ايديهم، وهرب معها ولاحقته رصاصتين، لكنه نجى منها . واخذها الى شقة اصدقائه وهي ترتجف من الخوف . وعرف بأنها بائعة الهوى بالمتعة الجنسية، وان الرجال هم رجال الامن داهموا بيت البغاء والدعارة، وحكت قصتها المأساوية الى (بسام) واصدقائه، بأنها هربت من زوجها وهو أبن عمها (فياض) لانها ارغمت عنوة من اهلها واهله على الزواج، وكانت تصر على اكمال دراستها حتى الحصول على الشهادة الجامعية . ولكنها لم تفلح بذلك، ورضخت بترك الدراسة والقبول بالزواج من أبن عمها (فياض) ومنذ الليلة الاولى كانت تنوح في داخلها بحزن وألم . كأنها فقدت من حياتها شيئاً ثميناً وعزيزاً سلب منها . حاولت بكل الطرق على عدم الانجاب، في ظل معاملة زوجها الوحشية واسلوبه الخشن بضربها وأهانتها . حتى احدى المرات حرق ظهرها بملعقة الطعام، حتى فاحت رائحة الشواء من جسمها . وبذلك فكرت بالهروب حتى على موتها . حتى لاتكون رخيصة ومهانة بالاذلال في حياتها الزوجية (- أنا جبانة، وهروبي من عائلتي ليس شجاعة، بل كان يأساً من حياة لا يمكنني الاستمرار فيها، حتى وصلت الامور الى كي ظهري بملعقة الطعام، أتريدون رؤية آثار الحرق ؟!) ص51 . فتعاطف (بسام) واصدقائه مع قضيتها المأساوية وقبلوا في أيوائها حتى تدبر الحل بنفسها، ولكن من تطور الاحداث المتسارعة، وحدس شقيق (بسام علون) الضابط الامني (يحيى علوان) بأن شقيقه ربما متورط في قضية تهريب (وردة) من قبضة الشرطة ونجاته من اطلاق الرصاص عليه، لذلك بدأ تحريات في متابعة وملاحقة شقيقه من بعد حتى يمسك برهان التورط . وخاصة ان الزوجة الهاربة من عائلة غنية ومتمكنة، وزوجها (فياض) وعد رجال الشرطة بمكافئة مالية كبيرة، اذا افلحوا في القبض عليها وتسليمها اليه . حتى يفرغ الرصاصات في جسدها، لانها جلبت العار الى اهله وعشيرته، ولا يتم غسل العار إلا بقتلها . وساندته عشيرته بقتلها ودفع المال الى الشرطة حتى يطلق سراحه . لذلك كان اهتمام الشرطة في المتابعة القضية، هي من أجل الحصول على المال ليس غير، وتعهدوا الى زوجها بأيجادها حتى لو طارت الى السماء . ومن هذا المنطلق كان اهتمام ضابط الشرطة بالقضية ومتابعة شقيقه في اسلوب بوليسي ليسرع في القبض على الزوجة الهاربة للحصول على المال الموعود . لذلك استدرج اصدقاء شقيقه وهددهم بالعواقب الوخيمة، في اخفاء الزوجة الهاربة، بمثابة عمل عدواني تجاه الثورة والحزب، وتصل العقوبة الى المؤبد أو الاعدام، وتحت لغة التهديد العنيفة والخوف من العواقب، اعترفوا بأن (وردة) موجودة في شقتهم، وانهم ابرياء من ورطة التهريب في اخفائها، ولكن حين وصلوا الى شقتهم مع ضابط الامن، كان (بسام علوان) نقل (وردة) الى مكان آخر، الى سكن المرأة العجوز (حورية) الفنانة والرسامة، واستقبلتها بفرح . وكانت هذه المرأة العجوز رفضت الهجرة خارج العراق، رغم ألحاح ابنائها الثلاثة الذين هاجروا الى اوربا، ويرسلون مساعدات المالية الى أمهم . وبعد علم (بسام علوان) بأعترافات اصدقائه الى شقيقه الضابط الامني، لم يتحمل الصدمة ووقع مغشياً عليه فاقد الوعي . ونقل الى المستشفى وبعد أيام من شفائه . صارحه شقيقه الضابط بلطف وحنان، بأن يتخلص من الورطة العويصة قد تضيع مستقبله، بتسليم الزوجة الهاربة، حتى يستطيع ان يغلق القضية (المرأة التي تهرب من زوجها واهلها تستحق العقوبة، فليس كل أمرأة تعاني من المشاكل الزوجية يحق لها الفرار، وان تتحول الى عاهر،وإلا اصبحت كل النساء فاسقات، فتنهار القيم والعادات) لاشك أن (بسام علوان) يملك مشاعر الحب والشفقة تجاه (وردة) ووصلت عاطفته الروحية الى مشارف الحب، ليس لانها بريئة ومظلومة من زوجها واهلها وعشيرتها، وانما الانفعال العاطفي يصعد في سخونته كلما التقى بها (في أعماق بسام ميول لوردة تقترب من تخوم ما يسميه الناس عشقاً، فثمة ارتياح كلما طالع وجهها وسمع نبرات صوتها المميزة ببحة، أحاسيس يختلط فيها العطف بحلاوة سرية، بيد أنه لا يبوح لنفسه حتى ولو بخيط متلبساً بتلك المشاعر) ص101 . ولم يجد (بسام) وسيلة للتهرب وقد انكشفت الحقائق بأنه المسؤول والمتورط في اخفاء (وردة) واعترف بمكان اقامتها ومستعد في تسليمها، ولكن المرأة العجوز (حورية) دبرت أمر تهريبها الى الاردن عبر مهرب وحين وصلت الى عمان سجلت في مفوضية اللاجئين، وبعد (12) عاماً وجدها (بسام) تتسوق في مركز مدينة (سدني) مع طفلين، وتقابلا وجها لوجه، وشرحت مسيرة حياتها بأنها تزوجت وانجبت هذين الطفلين وتعيش في بحبوحة العيش وتشعر بالهناء والاستقرار، فقال بسام بفرح وسرور :

(- لقد نجوتي .. نجوتي بالفعل يا وردة

وقالت وردة:

 - أتعرف حزني الاكبر لا علاج له ؟ بلدي أشتاق اليه، ولدي أصدقاء كثر من جنسيات مختلفة يزورون بلدانهم الام ثم يعودون) ص217 .

 

× الكتاب: رواية هروب وردة

× المؤلف: ضياء الخالدي

× اصدار: منشورات نابو العراقية عام 2020

عدد الصفحات: 255 صفحة

***

جمعة عبدالله

 

 

ثامر الحاج امينجميل ٌ ان تولد تجربة شعرية شابة تؤمن بالسلم وتتبنى قيم الجمال والعدالة والتحرر، وسط عالم تسوده الفوضى والعنف وتزيّن دروبه دعوات الانحراف والتطرف، فما قرأته في (جنائز الحرب الأخيرة) ــ المجموعة الشعرية البكر للشاب اسلام كاظم ــ عالم مضيء يدعو الى الفخر والتفاؤل، فهذه التجربة رغم وعورة طريقها الا انها اهتدت الى طريق الشعر ببوصلة سليمة، فهي ولدت من رحم انتفاضة تشرين الخالدة وتلونت بسخام قذائفها واكتوت بهراوات عسعسها ومع كل ماشهدته هذه الشعرية الفتية من قمع واختطاف الا انها ظلت مشرقة بالأمل، عصية على الخذلان وبعيدة عن القبح، حالمة في ارض (لاتنزف دما ومقاتلين) ومؤمنة بقدرة الانسان العراقي على تحقيق هذا الحلم متخذة من صمود امهات الشهداء أملا في التغيير المنشود:

كلما تمتليء ساحة التحرير

بالغاز المسيل للدموع

وحدهن أمهات الشهداء

يقفن كالنخيل بلا أية دموع

لأن فقد الأبناء

يكسبهن مناعة ضد هذا الغاز

بهذه الروح الثائرة والمؤمنة بقيم الثورة يلج بنا " اسلام كاظم " الى عالمه المثخن بجراح المتظاهرين وغازات القنابل وصراخ الثوار وخسة العسعس وشجاعة المرأة وخراطيش الصجم المنطلقة من بنادق القتلة صوب طيور التحرير التي لم تكن احلامها سوى التحليق في سماء آمنة والغناء بحرية على اشجار الوطن الوارفة لهذا يدعو الثوارفي قصائده الى السلمية والوفاء لدم الشهداء:

كن أمينا للدم الذي يسيل عليك

احفظ اسماء الشهداء عن ظهر قلب

واطلق رائحة الحب في الدم

فالعراق يجري في العروق والحبيبات ايضا

قصائد المجموعة رغم عالمها المتشح بالسواد والحزن نتيجة الخطوب والملمات التي أصابت العراق اذ انها تستحضر الموت ورموزه من حروب وجثث ومقابر و جنائز وقرابين وتوابيت ورصاص ومشانق وشهداء والتي استحوذت على مساحات واسعة من المجموعة بدءاً من عنوانها (جنائز ....) مرورا بالاهداء (أقف هادئا انظر الموت) وصولا الى نصوصها الداخلية التي تظهر وكأنها قادمة من الجحيم لكنها ضمت اشارات واشراقات تبعث على الأمل بنهاية هذه اللوحة المعتمة، ففي قصيدة (سيناريو لقيامة شهيد) يطرح الشاعرايمانه اليقين بحتمية انتصار الثورة وبقاء جذوتها متقدة لن تنطفيء وان تعثرت ولاقت من البعض الخذلان والتراجع فالطغاة مصيرهم الزوال:

ربما يربحون المعركة

وتضيق القبور بشهداء الثورة

لكن يوم ينفخ في الصور

لقيامة أخرى

لن يجد الطغاة وقطعانهم

إلهاً ليستنجدوا به

كما ويحذر فقراء الوطن من الغفلة والاطمئنان الى سلطة القتلة:

لاتنامي ياجياع الشعب

الآلهة التي تحرسك

تطهو مستقبلاً أسودا

كما ان قصائد المجموعة وان بدت واضحة الخطاب الا انها تحاشت المباشرة الفجة في الطرح، فقد انطوت على توليفات ذكية وبراعة في تكثيف الصورة الشعرية بقدر كبير تجاوز فيها الشاعر مستوى الخطاب البسيط فهو يكشف عن جمال الحياة في ظل السلام والحب وجمال الانسان عندما ينبذ العنف ويتسلح بالأمل:

التوابيت ستعود أشجارا جميلة

اذا ما ألقينا كل البنادق في البحر !

وكذلك في تقديم النصح لمن ابتلى بالحزن فهو يهمس له بلسان العارف الكبير .

سأقترح للحزن حلا ً

خذ قلبك للنجار

وصيره بابا

يصد كل قادم جديد

وكذلك استخدام الشاعر المفارقة السوداء حيث يشير في قصيدة (رصاص الصكاكة) الى الغدر فيصفه على انه موغل في القدم وان تبدلت الأدوات حيث صارت الآن أكثر راحة وأمان:

الصكاكة) الأوائل استعملوا السيف    (

الرصاص مريح الآن

لا تضطر لتلطيخ ملابسك بالدم

الدم العراقي حار

يتدفق منذ ان تدفق دجلة والفرت

وثمة قصائد غير قليلة في المجموعة ينحوا فيها الشاعرالخوض في المناطق المحظورة، قد يجد فيها الكثير من الشعراء مغامرة لا تخلوا من عواقب في ظل وجود التابوات المتعددة، مغامرة تحتاج الى شجاعة وجرأة في اثارة الأسئلة حول الموروث الديني، وقد يرى البعض هذه المحاولة انها مبكرة على تجربة ماتزال في مرحلة التجريب، فالشاعر في هذه النصوص يطرح جملة من التساؤلات تتعلق بوجود الكون وحيرة الانسان فيه، نقرأ ذلك في قصائد (من سفر الخليقة) (حوار مع سلحفاة محتضرة) (خطة لكون فاشل) (حجر البدايات) ومنها مايتعلق بوجود الانسان على البسيطة في كونه مسيرا أم مخيرا:

تولد عاريا من كل شيء

أنت جاهز لتركبك الأفكار والمسميات

الى ان تعرى من جديد

من سوق الأديان الكبير

ينتقي لك والداك ماكان عليه اجدادك

لتعتنق اليهودية، المسيحية أو الاسلام

أو ربما تكون هندوسيا يعيش في الهند

فالجغرافية هي التي تُلبسك درقة السلحفاة

وكذلك في نظرته لنشأة الخليقة على الأرض التي يتخيلها وفق رؤيته البريئة في قصيدة (من سفر الخليقة):

قد استمع لبعض الأغنيات

عن الأرض التي تشكلت قبل 4 مليار عام

وأين التقت أولى الخلايا بحبيبها الفريد

لم أكن مخطئا في اعتقادي البريء

القبلة هي أولى الوسائل لارتقاء الحب وانتشاره

حيث لا قضيب ولا فروج طازجة بعد

(جنائز الحرب الأخيرة) تجربة تستحق الالتفات اليها وقراءتها بتمعن ووعي وشاعرها " اسلام كاظم " ينطلق فيها الى فضاء الشعر بثقة كبيرة ويحاول ان ينسج خيمته الخاصة وسط مضارب الشعراء الشباب وهو قادر على ذلك لما يمتلكه من مقومات شعرية جديرة بالتطور يضاف الى ذلك مثابرته واصراره على ان يقدم شيئا مختلفا ينال به ثقة الشعر .

 

ثامر الحاج امين

 

حيدر عبدالرضاوقفة مبحثية مع قصة (منزل النساء)

أسطرة الشواهد المكانية في ملحمة تواريخ الشخوص المعتمة

توطئة:

أن عملية قراءة قصة (منزل النساء) تبدو للقارىء عبارة عن تماثلات انشطارية بالسرد الزمني والمكاني، بما يحقق لها تلك الملامح المنقسمة على نفسها من ناحية الترتيب النصفي في مناطق الأقسام الدلالية والأداتية من مستوى متوازيات مساحة الرؤية والموضوعة الحكائية والسياق المسرود . وعند قراءتنا للقسم العلوي من النص، توافينا مكونات الشخصية ذات البعد الثنائي، وهي تقتحم صورية ملحمة المكان، وصولا إلى وعي حالات أسلبة الأشياء ضمن مدارية خطية أخذت تعتمد بذاتها تصعيدا في فضاء الدوال الوحداتية (صفوف الآجر المتآكل تنقطع بدعامات النوافذ الكبيرة القريبة من الأرض . / ص91) يبدو أن تتابع وصف المكان في مستهل الجزء العلوي، ماثلا بصورة التشيؤ المحوري في دلالات النص، بل أن القابلية الوصفية في النص أتخذت لها في الحيز الأعلى من النص، ذلك التواصل من أنسنة المكانية بلسان حال السارد العليم، بما راح يحقق للنص حسية تماثلية دلالية وملامح الرجل الداخل إلى مملكة المنزل: (هنا ينتشر الضوء من مخرمات خلف نوافذ الأرضية المغلقة .. ومن نوافذ وشرفات الطوابق العلوية، كما تلتمع أسلاك الكهرباء بهذا الضوء الداخلي وبأضواء المصابيح الخالية من المظلات المثبتة بدعائم شرفات الخشب وأضلاعها السفلى أو لفسحات الجدران الخالية من النوافذ . / ص91) أن أهمية هذه المؤثثات من تعاملات القاص مع الأبعاد المكانية، أخذت توفر لنا ذلك الوعي المؤدي إلى التعرف على خلفية مرجعية النص ومدى حقيقة طابعية وهوية هذا النوع المكاني من واقعية التوظيف الحكائي المرصود في أفق مكانية الشرط المتخيل في هوية الشخصية السائرة في أرجائه . فنحن إذن إزاء ملحمة مكانية مؤسطرة بتلك المخصوصيات التصويرية السرانية المكينة . وتبعا لهذا الأمر سوف نتعامل مع النص في قسمه العلوي كمرسلة في تماثلات المكانية، فيما نتعامل مع القسم السفلي على أنه ذلك الوعي الشخوصي المتماس بمرجعية العلاقة النصية الشخوصية في حاضرها وماضيها، صحيح أن كل القسمين تابعين لذات الموضوعة، ولكن هناك مساحة اختلافية كبيرة بين حجم التوظيف في القسم العلوي، إذ يظهر علاقة الشخصية بمعرفات المكان واقعا حاضرا دون مقدمات ما سوى الوصف المكاني، فيما يعكس النصف الآخر من النص أستراتيجية الشخصية القصصية على مدار مرجعية زمن الحكاية وتحققاتها المحلقة في بنيات تفاصيل ذات مسميات استعارية ـ مجازية، وكأنها مقطوعة من فصول ملحمة شعرية ن وحتى المشاهد فيها تبدو أشد تمسرحا من وقائع القسم العلوي .

ـ تمظهرات موازاة الموضوعة ودوال اللقطات الصورية

قلنا فيما سبق في محاور دراسات أخرى أن تقانة (عين الكاميرا) في قصص محمد خضير وخاصة قصة (منزل النساء) تلعب دورا هاما للشخصية الداخلة للمنزل، حيث تشتد مشهديا وكرونولوجيا في سمات معمارية فضاء المكان، اكتمالا مواز إلى حقيقة بزوغ الشخصية ذاتها في النص السفلي: (أسمي ـ علي ـ من مواليد 1945، أعزب، تسلمت قبل يومين عملا في مصلحة نقل الركاب بصفة محصل تذاكر . تسرحت من الخدمة العسكرية قبل أسبوعين . / ص91 الجزء السفلي) وهو ما يعد منطلقا للأحداث المصاحبة لأسباب تنقلات الشخصية في الجزء العلوي داخل رقع زوايا ودرجات سلالم المؤدية إلى غرف المنزل: (وأنتبه الرجل لكلاب نحيفة طويلة الأجساد والأرجل تخوض في مياه محجوزة وسط الرحبة حيث بالإمكان تمييز صفائح القمامة .. بقعة الضوء الوحيدة كانت معلقة عبر نافذة علوية ترتفع بمستوى نصف طابق عن نوافذ الطابق الأعلى . / ص94 الجزء العلوي) أن المعادل النصي في وحدات الملفوظ العلوي والسفلي من النص، يكتملان ضمن بؤرة موحدة من الموضوعة ذاتها، ولكن الاختلاف يكمن في مستوى الاستبدال والتبديل في اللقطات السردية، فكلا الفضائين ظهورا بذات الدال والدليل، غير أن المختلف ما بين المستويين، هو ذلك الاستطراد في حجم نوعية التفاصيل وطبيعة الزمن المحجوب وهندسة المكان وحالات الحدوث اللقطاتي: (إني ذاهب الآن، تحت غطاء هذا الليل الشامخ، إلى بيت أهملت زيارته طيلة الأسبوعين الماضيين، ولكني غير قادر على تجاهل جدرانه وصمته وساكنيه أكثر من ذلك . أول الليل، ولكن الليل يهرم بسرعة، يظلم سريعا .. وها إني أخطو في زقاق . / ص91 الجزء السفلي) .

1ـ آليات الزمن المكاني بين حلمية المخيلة وتعليق الواقع:

يتميز الدليل المركب بين الجزء العلوي والسفلي من النص، بكونه بانوراما ـ صورية واقعية متمثلة بمعالجة تخييلية من نوع ذات علاقة خاصة ما بين الصورتين من على شاشة الاقتطاع الحلمي والمشهدي، اللذين راحا يهمان بتحقيق الخطاب القصصي ضمن بلورته الحلمية في الجزء السفلي وأحيانا في العلوي، كما ويبقى الأساس المشترك ما بين الحيزين من الفضاء النصي، هو ذلك التواصل في تعليق صورة الواقع المتخيل داخل وظيفة موحدة من الأدلة المسرودة في موضوعة النص . الشخصية واحدة في كلا الحيزين تنتهج سبل مغايرة في تعاملاتها مع عوانس ومطلقات ورآمل المنزل، ومدار الحدث يبقى هو الغاية في العلاقة الكيفية المشتركة في إجراءات أحداث الحيزين من النص ـ رغم عدم ظهور مستوى الاختلاف لحد الآن، ولكن مدونة نزل النساء تظل محايثة لتجليات مختلفة من طوابق وغرف ونوعيات النساء النزيلات في المبنى الحلمي: (في الركن، خلف الباب، كانت الحنفية تصب خيطا رفيعا في صفيحة طافحة بالماء، فأوقف الرجل تدفق الماء، ومشى في الدهليز المستطيل على أرض ذات عثرات يخلقها وهم الظلام . / ص95 الجزء العلوي / ليل متسع ومتصل يحل دون أن ينتبه إليه أحد، فاجر وغير علني، تؤدي إليه الزخارف والأقواس أسفل القباب والشرفات، تسيب كلابه في الشوارع والساحات والخرائب . حل هذا الليل في رأسي وطرد الليل الآخر المليء بالوساوس الذي رافق نشأتي الأولى في الضواحي . / ص93 الجزء السفلي) فالدليل النصي هنا مناوبة نوعية تتجاوز وحدة توحد الحدث، ولكنها تتجاوز في منحى الإطار ذاته من دليل الموضوعة (جهات الموضوعة / الفاعل المنفذ = الشخصية / جهات التحيين ـ فاعل منفذ بين = الترابطات الممكنة / مرحلة الأداء ـ فواعل الحالات = دوال:  من بين الأسنان المتقابلة تظهر أنها سماء، الجزء العلوي / الفجوات، الجدران، الأرآئك، الصناديق، أشق طريقي بين أنفاس الساكنين الأسلاف، أستمع لحكاية أحد الملوك من امرأة ما لعلها أمي، كفنته بحرير أصفر، ونثرت جسده بالأزهار، في قاع نهر أخضر ساكن، وأنهت المرأة حكايتها حين بدأ الطل يسقط آخر الليل، ونهض الآخرون يتثاءبون لأفرشتهم فوق أسرة من جريد النخيل . / ص92 ص93 ص94، الجزء السفلي) أن التأمل في وحدات الفضاءين من النص، قد تساورنا مرجعية زمنية خاصة بطفولة الشخصية المتمثلة في النص، أي أنها حوامل علاقة نواتية أولى في ما يخص زمن الشخصية في الجزء العلوي، وبديهي أن نعلم أن أشكال مؤثثات المكان في زمن الشخصية العلوية، هي مرحلة متقدمة في صورية المحايثة الموضوعية في زمن الشخصية . أما ما مر بنا من أحداث الجزء السفلي من ذات الوظيفة الإجرائية، فهي مرحلة علاقة توضح لنا سيرورة جهات النص القادمة من علاقة أحوال أخرى من التبئير الصفري .

ـ الحركات السردية وحجب مساحة الزمن

تكشف لنا الحوافز السردية من على مدار القصة في جهاتها العلوية والسفلية، عن ممكنات حجب الزمن المتراتبة في وعي المكان حصرا، وعلى مستوى علاقات وقائع الأحداث المكانية التي تشغلها بصورة واضحة شواهدا من ملامح اندثار الزمن، عبر حالات الشخوص النسائية وظهورات تواصيف المكان انشغالا بذلك الزمن المندثر في تحركات أصداء الموجودات في تخوم الأمكنة: (أكتشف الرجل كلابا دقيقة وطويلة تتجول في حوش المنزل المستطيل المكشوف بنفس البطء الذي يجرب أبوازها على تحسس الآجر المربع المرصوف من دون صوت ينقض السكون الذي حل ـ خشب أخرس ـ وبعضها كان يتنقل في شحوب الأروقة المفتوحة على الحوش . / ص96 الجزء العلوي) من ناحية خاصة تبدو وحدات السرد والمسرود في النص جملا لا تحمل أية مؤشرات زمنية . فالسارد العليم يحكي عن أشياء مكانية بحة وبلا بواعث زمنية دالة أحيانا، فلا توجد من جهة أخرى أية علاقة واضحة مع الزمن الخارجي أو العالم الخارجي لزمن هذا المكان الموصوف بنزل النساء، سوى ملامح باعثة عن حيوات تواريخ سحيقة من أزمنة مغيبة، الأمر المصاحب أيضا في الجزء السفلي من النص تزامنا: (كان لا بد للحبال العديدة التي تربطني بأمي أن ترتخي وتنقطع، بعد أن جفت فيها دماء الشباب، ولم يكن باستطاعتي منع غطسها المستمر في حوض الشيخوخة. / ص96 الجزء السفلي) مما لا شك فيه أن فعل مرجعية الشخصية في المحور الاستعادي، تتلفظ وساءلها الحضورية في سياق من العلاقة الرابطة ما بين المستويين العلوي / السفلي، من المبنى القصصي: (هجرة الحياة إلى مكان آخر في المنزل ـ المعنى الأخير للأمومة = المحكي = حالات الإثارة = دليل واصل لجهة فاعل الأداء) يأخذ المحكي المسرود بعين الاعتبار تلك الظهورات المرمزة في مواطن الإشارات والأفعال التأشيرية في سياق المسرود، وصولا منها إلى بناء علامة موحدة وموحية من معين المدلول المركزي في كلا المستويين من الفضاء النصي . ففي ملامح الشخصية من الجزء العلوي ثمة بداية ووسط ونهاية، وما كان حاضرا فيها تمظهر خلفية للشخصية في علاقته مع أمه، إلا من جهة سؤال المرأة الدميمة ـ عوفة ـ عنها: (ثم أردف: ـ أمي عوفة .. كيف حالك ؟ هل تراني عيناك بوضوح ؟ أنا أبن عواشة . / ص103 . الجزء العلوي) في ما نعاين في الجزء السفلي من النص تعالق حميمية علاقة الشخصية بأمه وإلى حد يذكرنا بعقدة أوديب دالا في علامة مختزلة: (ما أرهق أن يكون الأنسان أبنا لأم طيبة لا يستطيع أن يستبدل شفقتها بحب امرأة أخرى . / ص97 . الجزء السفلي) إذ توافينا من جهة أخرى موجهات حياة الشخصية في المستوى النصفي من النص، حول دلالات طفولة الشخصية في منزل النساء ذلك، حيث كما يتضح من الحكي في الجانب الآخر من حياة الشخصية بأن الأم عواشة كانت من نزيلات هذا النزل الأيقوني في مرحلة زمنية محجوبة عن محددات الزمن الحكائي، أو هي مرحلة استدعائية مفترضة في مخيلة خارج القص، لذا وجدنا محددات مدلول العلاقة القائمة ما بين حاضر الشخصية الدميمة ـ عوفة ـ ووالدة الشخصية الرجل ـ عواشة ـ ثمة علاقة ماضوية مندثرة وغير محددة في مسلمات زمن سياق الحكي والحكاية، إلا من جانب استذكارات الشخصية ـ الرجل ـ وعوفة في زاوية نسبية من الجزء العلوي من النص: (و قالت عوفة لهن: ـ هذا أبن عواشة .. رفيقتي عواشة من زمان راح ؟ قالت امرأة: لقد أحسست بدخول أحد .. كما قلت لكم . قال الرجل: الكلاب في الأسفل .. باب الحوش مفتوح . قالت عوفة: دعها . دعها . فقط لا تصعد فوق . قالت امرأة: أبواب غرفنا مشرعة . / ص105 . الجزء العلوي) فبواسطة هذا الأواصر نستنتج بأن ملفوظات نزل النساء عبارة عن حالات مرمزة، أخذت تعكسها مجالات حقيقية ومحتملة من واقع بناء علاقات عوالم مأزومة وملتبسة في تدابير محتملاتها الماضوية والواقعة في رحم المتخفى في مبنى الحكي . ولم يكن دخول الرجل لهذا المنزل بعد مدة زمنية قصيرة، بل أنها ممتدة إلى فترات زمنية طويلة، بدليل أن ما قالته الشخصية عوفة: (ـ أين كنت؟ ـ في الجيش . جندي . ـ آه وفررت . عدت فارا . ـ دعك من أوهامك السوداء . تسرحت / ص104) في حين أن هناك حالة ملتبسة في الحكي أو أنها غير محددة زمنيا كما ينبغي، وذلك عندما ذكر الشخصية في بداية الجزء السفلي، وهو ذات الشخصية في محور النص بأنه: (تسرحت من الخدمة العسكرية قبل أسبوعين / بيت أهملت زيارته طيلة الأسبوعين الماضيين . / ص91 الجزء السفلي) الغريب في الأمر هو سؤال المرأة عوفة عن سبب غياب طويل للشخصية الرجل ولا ينم قطعا عن تأخر دام فترة أسبوعين، خصوصا في زمن الحرب ليست هناك فرصة إلى تسريح الجنود، والحرب قائمة في النص بدليل سماع الشخوص لصافرات الإنذار للطوارىء: (تناهت إليهم موجة من الصفير، خافتة ثم واضحة، قالت امرأة: ـ أنها صفارة الإنذار . / ص108 الجزء العلوي) ومن الفارقة أيضا نجد أن الشخصية الرجل يقول في مكان آخر من النص بأنه: (قال الرجل: ـ مضت سنتان لم أدخل فيهما هذا المنزل . / ص106 الجزء العلوي) لعل الكاتب محمد خضير كان يتعامل مع الزمن الحكائي في النص من خلال ذاكرة شفوية ـ انطباعية، بعيدة عن احصائية الأشياء والتقاويم الزمنية الدقيقة في قصته، ولربما أيضا أن القاص كان يتوانى في محددات الزمن ولا يكن لنصه سوى الحوادث المسترجعة من خلال مخيلة تهتم وتتفنن برسم دقائق الصور الساحرة من الوصف الاستقصائي.

ـ الروابط العلائقية والمعنوية في مؤشرات القص

أن المحاور السابقة من النص تشكل روابط مثمرة من وظيفة العلائق العضوية في دلالات بنيات وأدلة القص، فيما تبقى مجاورات الأنساق المعنوية في حالات الذوات الشخوصية، كوحدة موضوعية دينامية بدلائل الإمكانات الأحوالية في محور الحكي القصصي .

1ـ أنسنة دليل المحاور ومحاور علاقة الدليل الرابط:

تشخص آليات وأجراءات القص الاستقصائي في عوالم أقاصيص (في درجة 45 مئوي) نحو ذلك الكشف عن مستويات خفية من وظائف الإجراء الموضوعي الدقيق في أداة النص القصصي . ونحن حيال قصة (منزل النساء) عاينا تداول استقصائية المحاور الدوالية في مواطن هي من الضمنية والمسكوت عنه من الأداة التي لم تهتم بها مجمل تجربة كتاب القصة العراقية . فالقاص الخلاق محمد خضير يضعنا في قصته حيال مكونات علائقية  دقيقة من النادر الألتفات إليها في مقروء القصة العراقية في مجال اشتغالاتها النمطية العابرة لفن القصة القصيرة، وهذا الأمر ما جعلنا نعاين بالدرس والتمحيص إلى ثريا كيانية مجموعة أقاصيص (في درجة 45 مئوي) لأنها تعبر عن علاقات دلالية كبيرة في حصيلة القص السردي الاستقصائي، وليس هذا بالأمر الغريب عن عوالم العملاق (محمد خضير) فهو وعبر أعماله القصصية الخالدة كـ (المملكة السوداء / بصرياثا / رؤيا خريف / تحنيط) وقصص أخرى أكثر حداثة من هذه الأعمال المذكورة، قد أثبت بجدارة المجدد الكبير عن مدى فاعلية أشتغاله الاستقصائي في الفن القصصي . من هنا نعود إلى دراستنا لنموذج قصة (منزل النساء) لنواجه مستوى من العلاقات العضوية والمعنوية في أحداث هذا النص الثمين . نقول أن الأدلة المؤولة منا بخصوص سياقات الجزء العلوي من النص التي أخذنا منها نعاين ثمة دلالات مكانية خاصة في محاور متشيئة من التواصل الدلالي، وما يجب التنبه إليه هو نوعية العلاقة الحاصلة ما بين الشخصية ومؤثثات المكان، وصولا إلى سرانية العلاقة المنتجة بين ذات الشخصية وحالاتها ونوازع حالات ذوات منزل غرف النساء . أما الحال في زمن الجزء السفلي من النص، فقد جعل منه القاص كمحققات مرجعية أكثر تفصيلا في نوعية العلاقة المعنوية الدينامية في حكي الموضوعة القصصية: (عوفة أول امرأة عرفته في المدينة، وبقيت في المسكن الذي تملكه حتى أستدعائي للخدمة العسكرية .. أول مرة قالت:  ألست أبن عواشة؟ ولم أكن أعرف من هي عواشة . قلت: نعم، وبعدئذ صرت أعرف بين سكان المنزل الكبير بأبن عواشة .. كانت تثرثر عن امرأة بهذا الأسم، وظلت تتكلم بأستمرار .. حتى ظننت أن عوفة هي الامرأة الوحيدة التي سأستمع إليها .. لايبدو أنها تهرم .. وأنا أراها الآن كما رأيتها أول مرة، بعين صبي مندهش: امرأة عتيقة من مئات السنين، قطرة سوداء مشبعة بروائح حادة . / ص103 الجزء السفلي) لقد أوصلتنا قابلية العلائق العضوية الحكائية في المبنى النصي إلى أواصر شبه مموهة ما بين الموضوعة المعنوية في دليل النص، وبين غاية قصوى من الفرضية المغايرة في منتج الدلالة . لقد رأينا مرجعية الشخوص في النص في الجزء الأعلى والأسفل، كوظيفة نوعية أخذت تطرح مؤولاتها كإمكانية خاصة في محددات المؤشر في الممكن والكائن في النص: (في ما يتأصل الظلام، كان الصوت يبتعد في غور لا يرى ويفقد نبرته الانسانية .. كل شيء يتلاشى في العتمة .... ظلام .... / ص114 الجزء العلوي) .

ـ تعليق القراءة:

أننا حين نتأمل في دلالات موضوعة قصة (منزل النساء) لعلنا نعثر على الكثير من الدلالات الاستقصائية الخاصة في ملحمة مماليك غرف النساء، حيث هناك مرجعيات علائقية خفية في مصادرها تتسم بروائح الأحاسيس المجيرة لتفاصيل غاية في الدقة الدلالية والوصفية . أنها مخطوطة مملكة المرأة الضالة والمنسية والكادحة والنازحة من المدن البعيدة، إذ أنها تحكي حضوراتها المسترجعة عبر المكان والعاطفة والروح المندغمة في مكرسات ملامح حكايا تلك النزيلات في غرف ذلك المنزل المتخيل، وكأنه قرية كونية غاطسة في تقاويم الوجوه المكانية والزمانية والاغترابية المندمجة في مرايا الشواهد الشخوصية المعتمة في ظلمات تواريخ غرف النساء الحلمية الرطبة .

 

حيدر عبد الرضا

 

حيدر عبدالرضاللكاتب عبد الرضا صالح محمد.. السارد المركزي وتعدد مواقع الشخوص الرواة

توطئة:

أن مساحة التجليات السردية في محاور فضاءات الرواة الشخوص في رواية (الكواز ورحلة التيه) للقاص والروائي الصديق عبد الرضا صالح محمد، تتخذ لذاتها وظائف بنائية ـ ملفوظية، متباينة من حيث مسار الحكي وعلاقاته الموصولة في جملة تحصيلات مواقع خاصة مستقلة من حدود المسرود المتعدد في الرواية.

فالروائي ومن خلفه المؤلف الضمني، يشكلان مرحلتان خاصتان من (التضمين ـ الاستطراد التداخلي) وصولا منهما إلى موقعية وحدات الاسترجاع الداخلي ـ الخارجي، من خطاب السارد المركزي نفسه، والذي بدوره راح يؤسس لذاته وقفة تناوبية متحولة ومستقلة في تمفصلات أحاديث ومرويات مواقع تعدد الأصوات الساردة في شعاب منحى الرواية.

ـ الراوي المتعدد بين زمن الحكاية وصيغة العلاقات السردية .

ففي معرض حديثنا حول عاملية (الراوي المتعدد) في سياق السرد، يمكننا معاينة تأشيرات الروائي ذاته ومن خلفه المؤلف الضمني نحو بلوغ مستويات توظيفية من (المؤلف الضمني الراوي المتعدد/ السارد المعدول به إلى تبئيرات ـ خارجية ـ داخلية/ السارد المتماثل حكائيا) وعلى هذا النحو من معدلات ومقادير الساردون في الرواية، نلحظ منظور الشخوص قد حصلت على مقاربات ذاتية من ذاتها حيال مراجعة نقطة منظورها الداخلي تعديداً وحدود مواقعها التمفصلية في زمن حكاياتها، لذا نجد أن كل واحدة من الشخصيات الروائية، قد أخذت دوراً لها في تداول دورة زمن حكايتها إلى جانب معرفاتها الموقعية والعتباتية الدالة في مضمار كفاءة الفاعل الذاتي المركز في زمن الحكاية الروائية: (الراوي: دخل المدينة بقامته الطويلة وضخامة جثته ماشيا يجر قدميه عائدا من عمله، رافعا ثوبه من الأسفل ليتزر به في حزامه فبانت ساقاه المفتولتان، وعقد يديه خلف ظهره .. ولما رآه الأطفال وهم يلعبون في الشارع خافوا منه وفروا بعيدا. / ص9) .

1ـ الراوي في مواقع فاصلة ومتقاطعة من مواقع الشخوص:

إجمالاً نعاين وظيفة السارد ـ الفاعل المشارك، فتبدو لنا من وجهة نظر الروائي، هي من ينتج تأثيراً ممهداً في أشكال ومحاور الخارج والداخل من المبئر الروائي، ولكننا عندما ندقق في الشخصية ـ عبود ـ نجده شخصاً عاملاً في مسار النص المحوري، وليس سارداً فاعلاً كما يظن الروائي أو القارئ، وذلك نظراً لأنه في عتبة الراوي صار يحتل لذاته موقعاً مباشراً في مشاهد التمثيلات النصية كشخصية روائية، وليس من ضرورة ما من الروائي لوضع عتبة (الراوي) لأننا أدركنا ضمنا بأن السارد في نص الراوي ليس مشاركاً في النص، بل أنه الراوي المتوافق في سرد المشاهد والحوارات تعقيباً ظاهراً في سياق الخطاب: (أشار لها بأن هناك عملاً متراكماً قام بإنهائه، كانت زوجته ـ غانمة ـ مشغولة بترتيب غرفتها وكنسها بالعرجون سمعت صوت حماتها صفية، وهي تستقبل أبنها عبود وتتحدث معه. / ص9 الرواية ) وعندما نطالع عتبة ـ عبود ـ نلاحظ تحول المسرود من خلال السارد الفاعل العليم إلى جهة سردية عبود كسارداً مشاركاً وكعلاقة في خطاب النص، حيث يجرى التبئير الداخلي والخارجي كوظيفة متعددة وضمن موجه (تبئيرا داخليا ذاتيا) وهذا يعني أن الزمن الروائي في الرواية غدا مجبولا على مواقع خطية متعاقبة من تعدد المحاور الشخوصية الساردة أو الساردون، كما أنه يعرض أفق الاسترجاعات في نقطة وحيز من كلا الشخصيات المتعاملة وذاتية المبأر كوحدة فاعلة بذاتها حيال تفاصيل السرد بين حاضراً وماضياً، ولكن في أطار وتيرة متباطئة من حركتي السرد ومسرود الاسترجاعي، ويمكن توضيح حركة تنام السرد في إطار ثنائية حاضرية المسرود الاسترجاعي بالترسيمة الآتية: ( نقطة بداية السرد = حاضر = استرجاع/ الراوي ـ أجزاء سردية ـ تعدد الرواة = مواقع مستقلة للمسرود/ امتثالات السارد العليم ـ الاستباق الداخلي المتنمي للحكاية ـ الاستباق غير المنتمي إلى الحكاية) يحدث الاستباق الداخلي من طرف السارد المضمن في وظيفة الحكي، وفي بنية الحكي الداخلي الشخوصي، تتكرر المحاور الشخوصية كأستدعاءات محملة بخواص المشاهد المنتمية إلى حالة الشخصية المزمع محورها السارد في اللحظة الفاصلة عن الخارج السردي، كما يحدث الاستباق الداخلي لدى الشخصية كنقلة معدولة على لسان صفات وأفعال الشخصية ذاتها، كما ويبقى الاستباق الداخلي غير المنتمي إلى الحكاية الروائية، كحال استشراف السرد المستقبلي الذي هو غير داخل في مضمون النص، وبالمقابل منه يقودنا الاسترجاع الداخلي الذي هو خارج الحكاية إلى خروج النص عن الأحداث الماضوية التي تسبق زمن حكاية النص كحال هذه الوحدات قاب قوسين: (سألته عن سبب همه أجابني بأن الشيخ طلب يد غانمة لأبنه عواد! أنتقل همه إلي، فقد كانت غانمة صغيرة وعواد شخصاً سيئاً. / ص86 ) .

2148 عبد الرضا صالح

ـ راوي الرواة والأصوات الروائية

أن الاشارات الوظائفية في محكي رواية (الكواز رحلة التيه) تضعنا إزاء وظيفة (راوي متعدد/ راوي الرواة) اقتراناً له بذلك المؤلف الضمني والذي هو ليس بالمؤلف الحقيقي، بل أنه المؤلف المعادل للمؤلف الحقيقي في أشد اللحظات الداخلية من زمن مراقبة السارد المتماثل حكائيا، وقد تتسع مقاربة المؤلف الضمني إلى حالة مرويات السارد، كخاصية مفترضة أيضا في الملفوظ الروائي لا أكثر، وقد تواجهنا وظيفة راوي الرواة في الرواية، كعلاقة واصلة بين الشخصية الساردة وتمظهرات الأصوات الروائية الساردة في الرواية أيضا، وأي كحال من الأحوال التي تخص الأصوات الشخوصية التي تحكي مسرودها داخل سياق من سياقات السارد المشارك: (عبود: دبة الحياة في المدينة، وخرج من تبقى من رجالها للعمل وللبحث عن لقمة العيش، أعدت أهلي إلى بيتنا وتوجهت للعمل في الكورة بعد أن اضناني التعب في دفن الموتى./ ص102) هذان الحضوران لصوت السارد المركز والمشارك في النص كشخصية، هما صوتان واقعان ما بين الخارج والداخل من زمن المتصل في المتن، وهذه العلاقة تشمل الأصوات غير المحورية في الرواية كحال الحاج محمود والحاج علي واللصين وأبو عبدالله والنوخذا والشيطانة الفاجرة والحاج خضر وأسماء أخرى كثيرة هي خارج فعلية المحاور المهيمنة في الرواية. وتبعاً لهذا نواجه وظيفة السارد المركزي وهي تتشكل بين المحاور المركزية والشخوص المتكلمة في السرد عن حكايتها، وصولا منها إلى جملة علاقات خاصة من مواقع الشخوص المحورية كعبود وصفية وغانمة وحمدة وسالم وصاحب وفالح وخديجة وجابر.

ـ الفاعل الذاتي ومنظورات التبئير

لقد أصبحت الشخوص في الرواية الحديثة أعلى صوتا إذا ما قورنت بصوت الراوي، وذلك نتيجة لظهور تقنية تعدد الأصوات في البناء الروائي./ سعيد يقطين ـ تحليل الخطاب الروائي ـ ص 284/. وعلى هذا المستوى تتعالق محفزات التبئير ضمن ثنائية (المنظور الموضوعي ـ المنظور الذاتي للفاعل المنفذ).

1ـ الحكي ذو التبئير الخارجي:

و يمتد السرد في هذا النوع من التبئير الخارجي من خلال تقديم الأحداث، اعتمادا على وعي أحدى الشخوص، وقد قسمه جيرار جينيت على أنه يتم عن اختيار الراوي لوعي شخصية معينة يقدم الأحداث من خلالها ـ جيرار جينيت ـ خطاب الحكاية، ص 220/. كما ويبقى المحكي ذو التبئير الخارجي في شخوص رواية ( الكواز ورحلة التيه ) يعرض مسرودة ضمن منطلقات تنبري وحدود إنتاج العلاقات والدلالات في رصد العلاقة ما بين السارد الشخصية وزمن الحكاية: (سالم: أوكلوا مهمة نفينا إلى سجن بومباي لثلاثة حراس هنود وهم آرجون وأميتاب وديليب الذي يتكلم العربية بطلاقة، في حافلة بهيكل خشبي، صعدنا مقمعين بالسلاسل أنا والسجينان الآخران عبود وصاحب ومعنا الحراس./ ص127) وعلى هذا النحو نستدل على أن المبئر يتم من خلال الناظم الخارجي، إذ يقدم المنظور برانياً وعمقه خارجياً.

2ـ المحكي ذو التبئير الداخلي:

في الحقيقة أننا لم تعاين ذلك التوغل في الأعماق الشخوصية في أحداث رواية عبد الرضا صالح محمد، إلا من حدود جوانب أن يكون المبئر برانيا، ويقدم المبأر من الداخل، وبذلك يكون المنظور برانياً وعمقه داخليا كما أسلفنا، حيث تتداعى صور وحالات الذاكرة في علاقة مسرودة من الحكي المنقول: (فتلعثم في كلامه وخرجت كلماته بصعوبة، لم تفهم الصبية إجابته فنادت على أمها. / ص233)

ـ تعليق القراءة:

في ختام علاقتنا بدراسة مقالنا للرواية نقول أن دلالات رواية (الكواز ورحلة التيه) للروائي المثابر عبد الرضا صالح محمد، أخذت تطرح دلالات مرجعية خاصة من حكايات لها جذورها الواقعية في أرض الذاكرة وعمق الذاكرة، لذا بدت شخوصها كيانات محسوسة ومشخصة من مدار زمن وقائع لها من التأثير على ذائقة المعاينة القرائية المتحاورة وأقطاب محكيات الرواة الشخوص في مواقع فضاءات الأزمنة والعلامات السردية المتباينة في مساحة جمالية المبنى الروائي الدال والدليل في الاستجابة الروائية الجانحة في شعاب المخيلة المؤثرة.

 

دراسة الناقد حيدر عبد الرضا

 

 

صادق السامرائيهل تحتاج أمة ديوانها الشعر لترجمة أشعار أجنبية؟

ما فائدة ترجمة الشعر الأجنبي إلى العربية؟

لا يمكن لمترجم أن يأتينا بذات الفنية والجمالية، التي كُتِبَتْ بها القصيدة المترجَمة بلغتها، مهما حاول، فالنص المُترجَم يفقد قيمته، وربما معناه في لغة أخرى، فالنص الشعري إبن لغته ، وبغيرها يضيع إيقاعه وتأثيره في النفس.

فلماذا تكثر الترجمات الشعرية في الصحف والمواقع العربية؟

هذه ظاهرة منتشرة، وربما لا مثيل لها في مجتمعات الدنيا الأخرى، المنهمكة بترجمات علمية ومعرفية أكثر من الشعر، لأن الحياة فيها تتحرك على وقع الإبداع المادي، والإبتكار المؤثر بصناعة الوجود الإنساني المعاصر.

فهل أن الإنغماس بترجمة أشعار الآخرين تعبير عن عجزنا الإبداعي، وعدم قدرتنا على الإتيان بإنجاز معرفي أصيل؟

هل هو تعبير عن التبعية والشعور بالدونية؟

هل أن وهمَ كل ما هو أجنبي أفضل وأجود وأحسن مما عندنا، هو الذي يدفعنا إلى أن نترجم أشعار غيرنا؟

 لا أعرف الأجوبة، ومن الأصوب لمن يترجم شعرا أن يشرح لنا لماذا يترجم هذه القصيدة دون سواها، وماذا سيقدمه للقارئ بترجمتها، ولماذا لا يبني على فكرة النص الذي أحبه ويطورها، ويأتينا بنص عربي متميز ومنافس لنصوص الآخرين؟

المقال ليس ضد الترجمة، ولكنها أسئلة تتوارد كلما قرأت نصا شعريا مترجما!!

فهل من جواب هادئ؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

انعام كمونةنص (لكَ مآب.. أيها الحلم ..!) للشاعر جاسم آل حمد الجياشي.

مقدمة:

- الأحلام سر وجودي وعالم غريب محبب للنفس البشرية تطمح اليه في كل حين بلاوعي لتحقيق ما نفقده أو نتمناه في الحياة، (ويرى سيجموند فرويد أنّ الأحلام نافذة لمنطقة اللاوعي، وهي وسيلة لإرضاء الرغبات غير المقبولة في المجتمع)، فالهروب للأحلام وسيلة شرود فطري للعيش في واحة الاماني المبتغاة ونشوة لملامسة الواقع بزيف مشروع ورغبة عصية، وأن تكن بعض الأحلام كابوسا وأضغاثا مؤلمة إلا أنها للتنفس الروحي لما يختلجها من ضغوط فتخفف عما يجول بخاطر الروح، وقد ذكر في القرآن الكريم معجزة النبي يوسف عليه السلام وتعبيره للرؤيا، وأهتم كثير من المفسرين العرب قبل الغرب بالأحلام مثل (محمد بن سيرين، والمفكر محمد بن عربي، وأبن خلدون) أصبح للأحلام علم تفسير وتأويل، ويجدر الذكر (لحد الآن لم يكتشف العلم المعلومات الكافية عن الكثير من كنه الأحلام) رغم تفسيرات عديدة لكيفية حصول الحلم …

- ولمفردة الحلم نغمة عذبة الإيحاء تترك انطباعا شفيفا في ذهنية القارئ بما تبثه من توارد خيال بمفهومه الواسع تستفز حواسه برحلة ممتعة تجوبها النفس بمشتهى الروح وما تكتم من رغبات مستحيلة لا تتحقق في الواقع، ومن يقرأ مفردة الحلم بالعنوان ويستبصرها بمنى الاطلاع والمتابعة يتفاعل مع التجليات النفسية لذات الشاعر فيغوص بمتعة فلسفية للتمرد على الحقيقة، فلنتابع منظور الحلم بمرتسم فلسفة الشاعر الجياشي …

العنوان

- من ثريا النص يتجلى التشكيل السيمائي وميكانزيم الانزياح المرسوم بعدة أصوات لبناء حبكة مرصوفة بإيقاع انفعالي بما يحمل العنوان من الدلالات والعلامات وسكنات التعجب تمنح العنوان إيحاء مغاير لقصيدة نثر متمردة الفكرة بعنوان يشاكس دهشتنا بأسلوبه اللفظي وتتعدد آفاق مدلولات مضامينه فيستفزنا ثراء محور القصد من الوهلة الأولى…

- نرى الخطاب الموجه من ثريا النص وهو يشير بالضمير(لك مآب) لمن يخاطب؟ قد يخاطب بها حلم الشخص المتوفى، وقد يخاطب صديقه بتشبيهه بالحلم، لأنه جزء من أو شبيه لحلم الشاعر, لربما يخاطب فترة الحياة المشبهة بالحلم أو قضاء الموت المشبه بالحلم؟ أيكون خطاب لذات روحه بهمهمات اليقظة الفلسفية المتألمة؟ !! …

- العنوان (لكَ مآب/ــ ايها الحلم ..!) تستدرجنا شهية الفضول لمفردة الحلم، كيف يكون للحلم مآب؟ نحن نعيش الحلم كل يوم، نستيقظ على حلم الهموم (الحياة)، وعمرنا موجوع بالأحلام ومرارة غياب الأحبة، والموت حلم آخر في علياء السماء أوفي برزخ الانتظار وقد يكون أحلى الأحلام وأطهرها وأصدقها نطقان فأي حلما يقصده الشاعر، متى يكون للحلم مآب؟، فللحلم أشكاله المتعددة، بأي شكل سيعاود؟ …

- تجذبنا متعة الحلم من صيغة العنوان بما لمعجمية الحلم من أصوات مؤثرة بهفيف لفظه، أضافة لدلالته الواقعية المهيمنة التناغم فهو رمز أطره الشاعر برؤى فلسفية متعددة، ونستذكر قول للدكتور أحمد غنام عن الرمز (يمكن تلخيص ماهية الرمز أنها في أدراك أن شيئا ما يقف بديلا عن شيء آخر أو يحل محله أو بمثله بحيث تكون العلاقة بين الأثنين هي علاقة الخاص بالعام أو المحسوس العياني بالمجرد فيرمز لفكرة أو معنى محدد) فلرمز الحلم أشكال متعددة الدلائل بتغير مستمر وبعث دائم ضمن ماهية وجود طبيعي بضدية البيان وبلاغة التعبير، تتألق بروعة استعارة مكتنزة المعنى بعيدة الإيحاء تزرع التوق لاستكشافها، لذا علينا الغوص في أشكالها، ووجب علينا هدم أطرُها وخرق هالتها لنفهم فلسفة الحلم في بحر رؤى الشاعر …

- بما أن الحلم زمن غير معلوم , وغيبوبة حدث يحظى بزمان ومكان يلاحقنا بأشكال شتى في اليقظة والمنام، يتسرب دون علمنا ولا ينتهي بإرادتنا وانما يغشانا بظاهرة طبيعية لا سلطة لنا عليها , وحين يتم الحلم ولادته ونشأته بفترة وجود كاملة يتسرب حلما آخر بتوقيت المكوث وتجديد اللحظة الفانية فيعاودنا بشكل آخر، أذن للحلم أنطولوجيا وجود مبهم، سنستقرأ ما وراء هذا المآب لنرحل مع أشكال وألوان الحلم، ونستنبط غرض الشاعر لعودة الحلم، لمن ومتى؟ …

- نلاحظ للعنوان تركيبة متفردة بسيمائية اشارات حركية تعودنا دوما وجودها في نصوص الجياشي الخط المائل والذي يترك فترة توقف للقارئ والخط الأفقي انتقالة للتبحر والغوص لاستخراج عمق الدلالة وهي فواصل لم تخل بالمعنى بل تواصلية الانسجام ببنية تعبيرية جذابة تبعث على التحسس بجمالية الانزياح لما بعدها وتتوهج بومض الترابط، علما يستوقفنا العنوان بتركيزه الغرضي وتعدد دلالاته، تتركز في باطنه مغاليق كثيرة رغم سهولة التعبير الا أنه يحمل في طياته صوفية مغزى بما يفضي لنا من كينونة النص !!…

- وظف الشاعر رمز الحلم بتضاد رؤيوي وتناقض دلالي لفاعلية اشكال الحلم والمحاكاة ما بين الحقيقة/ والخيال، ليثير استفهام القارئ/ المتلقي من ثريا النص, فنسعى متلهفين للحاق بفقرات النص لإزاحة الغموض حتى تبرق الإضاءة لإشباع السؤال، فالعنوان ملتفع للنص ينتعش من ارتكازه على مديات طاقة رمز (الحلم) وقوة تظافره مع النص، والعنوان بوابة لفحوى النص يفتح مصراعيه كلما توغلنا في عتبات النص والتوقف بين ثناياه لاستقرائه تتأصل خباياه وتشقشق بادرة دلالة أخرى فنسترجع رمزية العنوان من بين نسق النص وهي ميزة رائعة جدا بتعالقها المتين مع متن النص، فالعنوان ثريا ناطقة وغامضة مكتنزة بالدلائل المتعددة وطافحة بأكسير الجمال على مستوى اجرائي عميق الترابط ودلالات القصد …

- النص.. لننحو لمفارقة رمز الحلم وتعدد دلالاتها…

- الأبداع يتراكم من بداية النص والدخول لعتبة جوهرية التعبير وخزين مُرَكز يختزل مساحة واسعة من الكلام والدلائل بعبارة بوح رائع جدا وهي (أنيق الروح) انزياح متفرد فأي أناقة تكون للروح !!هل تتأنق الروح وماهي أناقتها؟ اقتباس الأناقة للروح يبين منتهى الدلالة لسمو الخلق باستعارة أنسية، ومن ثم تعقبها (تلحف حرفكَ الأبيض) فتكتمل الصورة الشعرية الراقية الإيحاء بانزياح تركيبي وفنية التعبير بعدة دلائل، بما تكتم من براعة وصف وتشكيل جمالي يدل على مقدرة لغة في بلاغة الاستعارة لتفسير نقاء السريرة وصفاء النوايا وهذا ينم عن صفات المتوفى بمعطيات الصورة، وضوح روحه المتسامية عن مساوئ البشر فتمثل في مستوى أجرائي غاية الكمال والجمال …

- وتأويل لدلالة أخرى, بإحالة الكفن للحرف وكأنه يُحَمِل حرف المتوفي وهو(شاعر أيضا) مسؤولية موته لمدى معاناته وإحساسه المرهف والموجوع من مطبات حلم الحياة يستوعب الجياشي أثرها، لذا أوعز اختيارها كدلالة لسبب موته سَبَبَت بتحقيق حلم الحياة الأخرى (الموت) …

- وبما أن رمز الحلم يشي للموت أيضا وهو شكل من أشكال الحلم بدلالة (الغياب) وهنا تكمن بلاغة الاستبدال حيث لا يشير الشاعر الجياشي إلى الموت بشكل مباشر لأنه يريد أن يقول أن الموت مجرد حلم كما اليقظة من الحلم هو الاستيقاظ من نوم، باستعارة تشبيهية رائعة الوصف على المستوى الدلالي بتناول دلالة المشابهة، فيشي لنا بعمق المعنى وتكثيف الدلالة على أنه لم يمت ببقاء حروفه وما زال حي يرزق، بوجهة نظر للخيال الفلسفي لمحاكاة يوتوبيا الوجود …

- الكتمان عن الموت وعدم الإفصاح المباشر عنه بتوظيف رمز الحلم بأشكال عديدة متغيرة كوحدة دلالية وما ضمر مضمونها بين أنساق النص فلسفة خصبة المعرفة ومقدرة فكرية للشاعر ورؤاه الضمنية بصوت مختلف متباين الدلالة متضادة القصد فيما بينها، تبرز براعة الشاعر باستعارة واحدة تتآلف مع وحدات النص وتخلق اختلاف دلالي في كل موضع أوحى بها الشاعر لمضمون معين وتلك مقدرة تقنية وخبرة عالية، راقية اللغة تبهر القارئ/ والمتلقي، ليترك التأويل مفتوحا بمدى تأثره ودرجة تفاعله بما يهوى تفسيره وما يلتقط من ثمار معرفته وهي ميزة تواصلية الخطاب الأدبي …

- ونتابع بقطاف آخر و ..

كن مزاراً ،،للصادقين

القادمين من براثنِ الوجع ..!

كُن هودج رفضٍ

للمهطعين في قولة

ال كفى ـ ؟ !

- نلاحظ باذخ جمال التصوير لكينونة النقاء وتقديسه في الصورة الشعرية الآتية (كن مزارا للصادقين) والمؤكدة بـ (كُن) وهي تعبير لكائن قصدية الشاعر يشي بتكوين يقيني لبياض وروح صديقه المغيب بحلم قدره فيعبر عن مكان حلمه المغيب مزارا مقدسا بعمومية صفة الصدق يأوي إليه أشباه لونه الصادق وروحه البيضاء كما يردفها في نهاية النص بالطهر وهو استمرار تعالق نسجة الأنساق بانسياب وحدات الموضوع بتسلسل بنائي محكم وجمال تشكيلي رائع بخلاصة راقية للنقاء الانساني في حلم الحياة…

-  لنطلع على مستوى إجرائي آخر لجوهر الفكرة من الصورة الآتية، (القادمين من براثنِ الوجع..!) فكل القادمين متعبين من قسوة حلم الحياة بأفكارهم وأحلامهم ويشي بذلك رمز براثن في (براثنِ الوجع) تصوير فني بليغ لمدى وحشية التعامل مع الفكر أو المبدأ فيسبب العذاب الإنساني, وما تُسَبب للقادمين من الجراح ألم الحرمان من أبسط الأحلام المشروعة للإنسانية … وكأن الشاعر عندما ينعي صديقه يستذكر كل القادمين من حلم الحياة ودلالة القصد يشي كل من يُغَيَب من حلم الحياة، وباستخدام مفردة القادمين وهي الأرجح من الذاهبين لأن الانتقال من حلم لآخر هو قِدم الشيء، ولربما بدلالة يمكن تأويلها أن الشاعر ينعى نفسه مسبقا أليس هو من سيكون ضمن القادمين!!فحتى في حلمه الآتي يأبى إلا أن يكون طاهر المزار كروح صديقه حين حلم اللقاء …

- ونلاحظ بؤرة القصد وتوجيه الخطاب في كلتا الصورتين السابقتين بتجسيد الإشارة الجمعية (بالصادقيّن والقادمين) تومئ انغماس الأنا للشاعر في محيط الآخر وانتقال وحدة الخاص إلى العام وهو مدلول التحرر من حلم الأنا لحلم الجميع فيعم حيز الرؤيا …

- ورغم مسحة الحزن المتراكم ألا أن درجة الدعم للتصدي لحلم الموت وبعث روح الشجاعة لمواجهة أي مرحلة حلم بتذليل سطوة الخوف الطبيعية والفطرية التي تتلبس البشر بذكر الموت فنلمس درجة التحفيز للتفاؤل حين يخاطبه بـ (كُن هودج رفضٍ) وتكرر مفردة (كن) مؤكد لدلالة الأمر وما تخلق من نبرة تناغم في نسق النص، ولرمزية الهودج لها الأثر التراثي والتاريخي لطقوس دينية ومعجمية عقائدية مكتنزة بالدلالات فالهودج زينة من الأنوار مرتفع لأعلى مكان وفي المقدمة دوما، تشبيه صديقه ليكون كبريق الهودج بأنواره ليضيء طريق القادمين من حلم الظلام (الحياة) فنرى سيميائية بلاغة لمستوى إجرائي بمعيار جمالي لصورة شعرية ساطعة الانزياح باستثمار استعارة بإرثها النفسي والاجتماعي…

- تتمثل موجة انفعالات الشاعر لمرجع ذكرى والتي يثيرها الشعور الغريزي فتنطلق بانفعال عاطفي بصيغة أمر كما في (كُن) بإيحاء صوتي واستعمالها كعلامة قيمة شعورية على مستوى التوصيل الإيحائي توجهنا نحو منطقة الدلالة باستعمال لغة شعرية جميلة التعبير مبطنة البعد وهي أدوات تقنية تقترن ببنية أنساق تبرز حرفنة الإبداع …

- وندرك حوار اللاشعور في نص الجياشي مع صديقه في حلم الغياب يحثه ويشجعه بعدم الاستسلام بلفظة (كن) بصيغة آمر ليبث روح الحلم في تفاصيل غيابه ومنها نرى ايماءة دلالة رائعة البوح للتصدي للموت ونكران هيمنته بروحانية مفارقة لرمزية الحلم مدهشة، تنهمر من رؤى التأمل بروح نقاء و خيال مترف، وتلك فلسفة رؤى سيكولوجية وتاريخية وأنثروبولوجيا متجذرة من اعتقادات وتفسيرات كثيرة عن الموت منذ القدم , وكثير من رموز تاريخ تعتقد بتكرار الحياة بعد الموت، ونستذكر مراجع تاريخية لأهمية بناء أهرامات لسلالات ملوك الفراعنة كمدافن بعد تحنيطهم وحفظ ما يقتنون معهم باعتقاد مآبهم، فجذور الحلم متأصلة بميتافيزيقية التكوين وخلق روح للحياة الأخرى بتحويل الموت لفترة حلم وهذا ما صوره الشاعر في حلمهِ الآتي بأبعاد رؤيوية …

- يدرك الشاعر بإحساسه المرهف لوعة الفراق وتعاني روحه فتنهمر دفقات شعورية التأمل من مدى الرؤى والمتأثرة بالموضوع فيكون الشعور ذاتي التفاعل، يهيم بحرقة الألم بلا وعي في رؤى فلسفته التعبيرية بفكرة القصد، لذا ندرك كنه ترابط الذات بفكرة الموضوع وتلاصق فلسفة الفكر المعبر بدلالات عميقة الأسى، وهنا ذاتية الموضوع تكمن في أوج التألم وعراقة المشاعر الإنسانية، والإحساس الوجداني الصادق والتأثر النفسي الغير مدنس بأي شائبة من أحلام الحياة فنلاحظ تأجج مشاعر التأبين كلما توغلنا في وحدات النص ولنتابع قطافه الآتي …

- تقلب في لظى أحلامكَ

الوجلة من القادمِ

ولظى /ــ الأنتظار

الذي نما .. وأخضرَ

في دجى ثوبكَ

الأبيض المصابُ

بعدوى الغياب /ـ ها إنك

الآن تُدافَ في ندى

حلم التراب

- لَوَنَ الشاعر بريشة لغته أنساق القصيدة بالأبيض والأخضر أضفت التوهج على صور النص فاصطبغت بالعطاء، ولإن الأبيض ولادة حلم جديد والأخضر أنبات روح وبذرة نماء بسينمائية تفاؤل استخدم فحواها كرموز لإيحاءات عميقة متوارية خلف صفة الألوان، ومنها نرى الوصف الدقيق لصفات وخلق الصديق المتوفي برهافة ودقة اختيار ترتبط بدلالة حرفه الأبيض الذي مثل صفة تأكيد النقاء .

- ونلاحظ منحى التشجيع بقوة إرادة للتصدي للخوف من المجهول في حلم الغياب تستمر، فالشاعر يعوم في حلم صديقه بمرحلة الغياب، فيعظهُ بعدم الاستسلام ويطمئنه بأن الغياب حلم سيستيقظ منه حتما وأن طال موعده، وبأن العتمة لا تدوم وما الغياب الا عدوى سيشفى منها, نرى دلالة التأكيد على (عدوى الغياب) ما هي إلا مجرد عارض مرضي لفترة زمنية مما تشي أنها عدوى ستحل على الجميع، لذا يعبر عنها برمز الحلم في الغياب لتفادي قسوة لفظة مفردة الموت وما تكتمه من بواطن الدلالات والتعبير بسبل فلسفية لمحاكاة أرق …

- أبدع الشاعر بطاقة تعبيرية فنية و فلسفة عميقة لتفسير ماهية الموت بزمن غياب مؤقت وعدهُ شكل من أشكال الحلم بتوظيف مفردات بسيطة مبطنة بتنوع دلالي غائر مما يوصلنا لتداولية خطاب رائعة الأثر بتواصلية أدبية لتفسيرات عديدة نابضة على محمل التأويل لعمق ما تحمل الأنساق من صور باهرة الوصف بتوظيف مضمون خطابي لموضوع متكامل بمعانٍ جميلة وما تكتنز من دلالات الصور الشعرية لخطاب عام بتغاير دلالة مفردة واحدة هي رمز الحلم وألبسها هبة المرونة لغرض دلالي متنوع بإيماءة قوة الرمز فاكتست بطاقة ملهمة الإيحاء ومهارة التشكيل ككيان متفرد وحدوي مكتمل الدلالة متجانس مع وحدات النسق في أي صورة كائنة الغاية …

- يجذبنا الأسلوب التعبيري في الصورة الشعرية الفنية الرسم (ها إنك الآن تُدافَ في ندى حلم التراب)، فنية مثالية التعبير تطغي ببعدها الدلالي، فكيف يداف صديقه في ندى حلم التراب؟ يبتدأ الشاعر بظرف الزمان (الآن)والذي يدل على الوقت الحاضر وهي لحظة زمنية آنية غير متوقفة في أي قراءة ستكون الآن فصاعدا زمن غير متوقف، فيكون دلالة زمن افتراضي، يراه برؤيا قلبهن والفعل المضارع (يداف) يدل على استمرارية الرؤيا، بتأكيد متوائم لعمق المعنى لزمن مفتوح الآفاق، يجسد مستوى اجرائي متميز لزمن افتراضي لا مكان محدد يحتويه، ولنتابع الجمال الفني في مجاز مختزل، فنرى (الندى) رمز الطراوة والبلل، و(التراب) من العناصر الأساسية الأربعة وهي أصل الكون والخلق ومنها نشم رائحة التراب المعطر من رطوبة الصباح وشروق النور، تشبيه رائع مبطن وبدلالة تأويله أن صديقه سيعطر حلم التراب وهذا دلالة أخرى لرمز الحلم عميقة الإيحاء وكما نعرف خُلقنا من التراب ونعود للتراب ففيها الكثير من طوبوغرافية الوجود، وصوفية الصورة الشعرية ببعد التخيل، لذا علينا تفتيت كل معجمية لنكتشف ما تحمل في بواطنها البعيدة فنرى الانزياح التركيبي العميق والدلالي الموظف لرسم رؤى فلسفية لمستوى النقاء الذي نوى الشاعر توصيله للقارئ وهو مستوى أجرائي رائع ومكثف جدا لمدى براعة الثقافة الشعرية للشاعر، كما يمكن استقراءه بعدة دلالات…

- نستدل من وصف الموت بالحلم نظرة فلسفية تنم عن رضا مسبق لكينونة الوجود المتغير مبررة لتفسير حتمية زمنية معينة لا تخضع لمدى علم البشر فتفسر بقناعة عرفانية وثقافة عميقة لتتقبل حالة غامضة يقينية التوقع بتكهنات فلسفية ودراية معرفية واسعة باعتقاد رؤيوي لعدم احباط النفس البشرية والتي تسعى دوما للبقاء الأبدي، كما في بعض روايات التراث وأسطورة كلكامش بالبحث عن عشبة الخلود فمن منا لا يتمنى أن يعثر عن سر هذه العشبة؟ وبكذا رؤى يستدرجنا الشاعر لخاصية فكره الفلسفي بالابتعاد عن الوضوح والمباشرة …

-ويوفق الشاعر بفلسفته عن فكرة الموت لصديقه المقرب ليقتنع ولربما يُقنع أنه حلما يخطفه , وجدير بالذكر أن أثر الصدمة لغيابه أهلته لذهنية عميقة الرؤى حول الغياب كما يدل رفضه لعبارة الموت باستبدال فرضي أنها حلما وذلك منطق فلسفي بعيد الرؤى متهجد الخيال لشقاء الإنسان المعاصر، وما تفسيره أن الحياة والممات حلم، والاستيقاظ هو حلم لقاء آخر وحياة مجدية جديدة فنرى فلسفة متفردة الخيال بتكوين عدة دلالات من كلمة واحدة (رمز الحلم) بمرادفات ضدية بين الموت والحياة بتعدد الصور، وتلك مفارقة رائعة على مستوى إجرائي لفلسفة ذاتية قد تغدو واقعية أو خيالية فيتأملها الكثير بحكمة فلسفية مؤملة لتحقيق الحلم …

- ورغم ما شدا الشاعر من حزن في أصقاع الحلم إلا أن أصداء مناجاة روح الشاعر تتهجد بدرجات العرفان الإنساني والوجداني بألم الفراق تجاه روح صديقه المتوفى، ولنتابع بقية القطاف …

إني أراكَ الآن وأنتَ

في عليائكَ ..

متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ

وأنتَ تهرول

على سواترِ الييااااااااااض

تاركاً خلفكَ

كلَ هذا المجون /ــ متطهراً

زاهداً ..

نقياً .. فرااااغ كفكَ يشهدُ

تأكد ياصديقي /ــ لكَ مآب

ولي ذهاب /ــ وسنلتقي

عند منتصف الحلم /ــ إياكَ أن توقظني

من حلمي السادرُ فيك ..!!!

- للضمائر حضور بهي في أنساق النص، تنهمر من العنوان (لكَ) لعتبات النص (ها إنكَ)، وقد تعددت الضمائر ,ومنها ما تركزت في المجاز التعبيري الآتي (إني أراكَ الآن وأنتَ)، ضمير المتكلم (الياء) والمخاطب (الكاف، أنت) كذلك موسيقى التعبير للضمائر في العبارة الآتية (لكَ مآب ولي ذهاب)، اضافة إلى تعدد حرف الأف في معجمية البياض ورسمها بشكل (البيااااااااااض) بتكثيف نبرة النقاء، فما أروع الاختزال لإيصال نبرة الخطاب بمستوى صوتي صارخ النقاء والوفاء متوازي بإيقاع أسلوبي الانفعال وصيغة متوازنة بين المرسل والمرسل إليه، مما يشد القارئ/ المتلقي للتواصل والانهماك العذب في تفسيره وتأويله المتواصل…

- ونرى تكرار آخر في مفردة (الآن) تمثل زمن الحلم وانغماس الشاعر في الرؤى ممتدة باستمرار اللحظة لروح صديقه ودلالاتها بكل حين تأكيد مكثف للزمن الآتي (المستقبل) سبق أن تناولته …

- ولننهل من تعدد الصور الشعرية بفحوى اشكال حلم الحياة الأخرى في زمن الغياب تضمنت الزمان في(حلم يقظتك) والمكان (على سواتر) بأنساق متكاملة الترابط كما في الأنساق التالية…

في عليائكَ ..

متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ

وأنتَ تهرول

على سواترِ الييااااااااااض

تاركاً خلفكَ

- ما يلفت الانتباه بتحفيز الفكر لدلالات عديدة بأن الغياب زمن حياة اخرى مثل(في عليائكَ.. متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ، تهرول) فيها حضور مطلق التأكيد متشرب برؤى الشاعر يعري الموت من سكونه فتبدو الصور بفاعلية تجريدية لحركية الأنسان موازية لأي حياة بحضور دليل الحركة في(متوثب، تهرول، وتثب), فتشكل منحى أجرائي تجريدي الملامح عميق الدلالة مرتبط بحواس حميمية الروح كما تراه العين حاضرا وتسمعه الأذن وجودا برؤيا طاقة الحياة في حلم الغياب وهذا تضاد استعاري رهيب البلاغة …

- كما أوحى لنا الشاعر بدلالة أن اللقاء في منتصف الحلم هو إشارة لفلسفة تسلسل الانعتاق رويدا رويدا من حلم لآخر وهو (الموت) في قصدية مبطنة لفكره الفلسفي، ويوحي بالفراق المتوقع فلكل حلم نهاية كما أسلفنا, وقطاف خاتمة النص…

ــ إياكَ أن توقظني

من حلمي السادرُ فيك ..!!!

يا صديقي ..

- دفقة شعورية لخاتمة رائعة مكملة لترابط ضمائر الخطاب في بنية النص بأسلوب سلس الانسياب مؤكدة الإشارات ما بين مرسل ومرسل إليه، نلاحظ الضمير (أياك) موجه للمخاطب بشكل تأكيدي وتحذيري وآمر، بروعة لغة دقيقة الاختيار أن يجتمع المعنى وتآزر بدلالات عدة في ثيمة واحدة ببلاغة وبيان رفيع المستوى، ولأن الشاعر يود أن يبقى مرتحل في حلم الذكرى لصديقه ليتم اللقاء بحلمه الآخر ب (يا صديقي) تأكيد لأنهاء لواعج الوجع بنداء!، فهل ينتهي حوار فلسفة الحلم ؟…

- بما أن مفردة الحلم شكلت العمود الفقري للنص وتكاد تكون هي الرابط الأساسي للفكرة وثيمة ارتكاز من العنوان للخاتمة، فقد تكررت تسعة مرات من العنوان لخاتمة النص ما بين مرتبطة بضمائر المتكلم والمخاطب أو غير مرتبطة ضمن سياق تركيبي بمهمة وظيفية وقوة توالد دلالي بسياق اسلوبي على مستوى الرمز، حيث تم توزيعها في مواطن النص ولكل منها مدلولها الخاص بانزياحها عن مدلولها المعجمي (الدال) برمزية مختلفة الدلالة متآلفة مع الشكل والمضمون بحضور حسي عاطفي باستعارات مختلفة موشية بكثير من الدلالات المتناقضة الجذابة وهذا ما يوحي للأبداع الحقيقي والمثير للجدل حول قدرة خيال الشاعر واجتهاده اللغوي وخبرته الشعرية بإيقاع متوازن ومؤثر فنرى أمكانية وبراعة تسخير رمز الحلم لأقصى طاقة استثمارية لخلق كون آخر بانتشاء حلم حقيقي …

- كما تكرر اللون الأبيض ثلاثة مرات والمصدر إيقاظ بفعل المضارع والماضي والأمر أربع مرات فكان لها التأثير الإيجابي لمقاربة أخرى …

- نلاحظ على مستوى الأنساق في بنية النص تشكيلة فنية بارعة الجمال ببنية رصينة وترابط وثيق لا تنفك عقده عن أفقية الانزياح ولا عن عمودية التراتب الانسيابي بسلاسة شيقة ممتعة للقارئ/ والمتلقي، ووحدة نسيج متشابك مترابط المضمون شكلت قصيدة نثر معطرة بالاقتدار اللغوي والخبرة التعبيرية بحبكة مترابطة الأنساق وسيميائية عناصر بأسلوب توظيف غاية وقصد تجول في تفكيرنا دوما، إنجاز رائع لنص حديث مغاير الرؤيا بوحدة مفردات وخيال شعوري بتحرر نفسي وفلسفة فكرية بتطويع اللغة لأدوات مبدع …

- وقد تمكن الشاعر جاسم الجياشي من إرساء مستوى أجرائي لدلالة التضاد في الوجود من موت/ وحياة، وغياب/ وحضور، أبيض/ أسود، فراق/ ولقاء.. وغيرها من أحاسيس عاطفية نفسية برمزية الحلم وتحرر من قيود مبهمة عطشى لحرية روح بمنطق فلسفي متميز الفكر بترابط موضوعي ذا فاعلية خطاب نقلنا من الخاص الى العام، ومن ذاتية موضوع لعمومية الخيال، وترجم فلسفته بحواس الإنسانية بأنواع المعرفة ومختلف البيان بخبرة عميقة فأنتج الأبداع بفاعلية أدبية بباذخ اللغة، وبوح ايحائي يشي لنا حكم وعبر برشاقة اللفظ وفنية التعبير بمفردات بسيطة جسدها بمشاعره الجياشة بحزنه العميق فرسم انزياح متغاير بتكثيف الصورة لأبعد ما يلامس خلجات القارئ بتفاعل التلقي فيتوهج النص بصفة السهل الممتنع وهي بلاغة النظم وكثافة الإيحاء ببساطة التعابير وعمق المضمون…

-وللرد على اسئلة تراودنا ضمن النص، نستنبط أن للحلم مآب بين حلم يولد وحلم يغيب وحلم له مآب آخر، وقد بدأ الشاعر بزمن واستدرجنا معه برحلته الفلسفية ما بين زمن حاضر وزمن غائب نستدل منه أن الوجود الطبيعي زمن بكيان مستمر رغم تقاطع أزمنته بأشكال الحلم ورغم قياسها بالمستوى السيكولوجي المؤثر فان الأزمنة أفق كوني متأرجح يجيب على اسئلة فضولنا بكيفية لا تقتصر على نهاية واقعية بل بانطلاقة تزحزح المنطق عن أصوله المعتادة، بنطاق زمني مستحدث ضمن كل قناعة قارئ، وقد تناثر هذا الزمن بوحدات النص بألوان مختلفة من بداية العنوان لخاتمة النص مرادف لرمز الحلم بشكل متوازي بصيغة مدهشة منصهر مع وحدات النص بجمال أخاذ, فلكل زمان مكان يحتويه وبهذا المستوى الإجرائي النص مكتظ بالزمن وهي إشارة فاعلة التأثير تصاعدية التموج تبعد الجمود عن ذهن المتلقي للتفكر بفترات الحلم حين المتابعة ويترك المكان لذهنية القارئ …

- خلاصة:

- يؤكد لنا الشاعر بفلسفة زاخرة التفكر غنية الرصيد المعرفي خصبة الخيال بتمثيل حركة الوجود بتمرير ملامح حلم هلامي الوجوه بتكرار متنوع، فتوالد الحلم بأشكاله الشتى من محور النص القائم على بؤرة تناقضات تجسد كونية عالم الحلم، باقتران رمز الحلم بجوهر الفكرة ومختلف الدلالة ندركه بتمعن التوقف كلاً على حدود معناه وما يخفي من ايحاء يشي بإمكانية تفسيرها وتأويلها ضمن معرفة المستقرئ …

- وبدلالة عميقة التبصر بفكر الشاعر الجياشي تجاه موت صديقه تنعكس بمرآة التصور بعين التوقع بفلسفة الإلهام لمنحى سيرة نفسية ذاتية مستقبلية له وما يجول بخاطره بمخيال فلسفي، يرصد مسبقا تلميح نسيانه بعد مغادرة حلم التواجد (الحياة) الى حلم الغياب (الموت)، بتحقيق شكل من أشكال الحلم والذي لا بد منه في حياة الحلم، ولذا يدرك بيقين حكمته وروحه الناصعة وكما يقال(رحم الله من عرف قدر نفسه)، وها هو يرى نفسه في مرآة حلم صديقه بلا ضبابية ولا هروب، وبكذا يترك لنا انطباعا عن بصمة حلم غيابه المستقبلية بذهنية تغاير سيكولوجية وأثر اجتماعي وتاريخي تراود الشاعر عن حلمه الآتي، قد تكون! أو لأنهم من نفس المحيط وتعاريج مناخ مرسومة على خارطة المصير بنفس المعاناة فالأصالة تجود بنعي الميت فكيف أن يكون التأبين لصديق عزيز، أحرق فراقه القلب وأفاض المآقي…

حقق الله الحلم الشاعر والمفكر جاسم آل حمد الجياشي

***

النص:

لكَ مآب /ــ ايها الحلم ..!!

ــــــــــــــــــــــــ جاسم آل حمد الجياشي

أنيقَ الروح /ــ تلحف حرفكَ الأبيض

كن مزاراً ،،للصادقين

القادمين من براثنِ الوجع ..!

كُن هودج رفضٍ

للمهطعين في قولة

ال كفى ـ ؟ !

تقلب في لظى أحلامكَ

الوجلة من القادمِ

ولظى /ــ الأنتظار

الذي نما .. وأخضرَ

في دجى ثوبكَ

الأبيض المصابُ

بعدوى الغياب /ـ ها إنك

الآن تُدافَ في ندى

حلم التراب

تدثر ..

تدثر /ــ بالسحاب

تدثر .. لكَ موعد

في الإياب /ــ عند منعطف

أولى الحكايا

أولى الصرخات

الرافضة /ـ ؟!

لم أشأ يوماً ياصديقي أن اوقظك من أحلامكَ ــ إلا رغبة مجنونة سُكبت فيَ اليوم

لإيقاظكَ من صحو أحلامكَ التي سَكَنت مشافي الجنون! ولادتها المتعسرة /ــ ؟!

على يدِ قابلة الرعب .. أُجهضت ..!!

منذ زمنٍ ..!

إني أراكَ الآن وأنتَ

في عليائكَ ..

متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ

وأنتَ تهرول

على سواترِ الييااااااااااض

تاركاً خلفكَ

كلَ هذا المجون /ــ متطهراً

زاهداً ..

نقياً .. فرااااغ كفكَ يشهدُ

تأكد ياصديقي /ــ لكَ مآب

ولي ذهاب /ــ وسنلتقي

عند منتصف الحلم /ــ إياكَ أن توقظني

من حلمي السادرُ فيك ..!!!

ياصديقي ..

***

بحث: إنعام كمونة

 

 

عبد الجبار نوريجاءت روايات أيزابيلا ألليندي كي تعالج وتفند العديد من الآراء الخاطئة كي تتحول أعمالها إلى أكثر الروايات شعبية في العالم، وأخذت النجومية والصدارة بين كتاب أمريكا اللاتينية، ورواياتها الأدبية تعد من أهم أصوات الأدب والذي يسمى ب(جيل الواقعية للأرواح السحرية) والتي عبر عنها الروائي غابريل غارسيا من خىلال رائعته "مائة عام من العزلة" .

وهنا أنفردت أيزابيلا بأطلالة حداثوية في عالم الأدب التي هي "الواقعية السحرية" بتوليفة الحبكة السردية مع أسطورة الفانتازيا العالية في ملحمة عائلية ترقى إلى ما يعرف حداثوياً بالأدب الملحمي حيث وجدت الروائية العبقرية التشيلية تفاسيرها في حركة التأريخ التي هي ذاكرة الأمم والشعوب في صراعاتها الطبقية، وهو شيءٌ طبيعي حين تنحو الطبقات الفقيرة إلى ما هو معروف بألعاب الحظ ولو أنها من أختراعات مافيات المال والفساد للوصول إلى المال السهل، وهنا تقول: أيزابيلا (أنهم نسيوا أن هذا الطريق لا يفيد ألا ممارسيها ومشغليها وأن الثروة الحقيقية هي (المعرفة) وتردف هل توافقوني الرأي؟) .

وفي حواريات الرواية "بيت الأرواح" توضحت هويتها اليسارية الثورية عند تعرض بيتها وبيوت المحاصرين لمداهمات سلطوية غير قانونية بأمر من بوش بالقرب من مسكنها عند خليج سان فرنسسكو وجدت ألليندي نفسها تقود المسيرة الأحتجاجية وتردد نفس شعارات السبعينات في تشيلي {الشعب المتحد لن يقهر} لذا عرفت ألليندي على أن تكون ناشطة نسوية وهي أول من تبنى شعار {المذهب النسوي} .

رواية "بيت الأرواح" وطقوس أيزابيلا في الكتابة

لكل كاتب طقوسه الخاصة عبر ما مرّ به من ظروف نفسية وجمعية عندها يبدع بنسج الحرف، فمثلا أجاثا كريستي ألهامها الحمام هو المكان الملائم الذي تأتي فيه أفضل الأفكار، أرنست همنغواي أديب نوبل الذي فضل الكتابة واقفاً على قدميه، ويكتب المسودة بقلم الرصاص، والجواهري العظيم الشاعر يكتب شفرة ستين بيتاً شعرياً على علبة السكاير، وتعتبر ألليندي من مبدعات الحرف قدمت للقراء أجمل تشكيلة من منجزات أدبية في الأدب اللاتيني منها بيت الأرواح، وباولا، وأبنة الحظ، وصورة عتيقة، وأفروديت، فأيزابيلا ألليندي الروائية التشيلية تكتب بصحبة الزهور وتوقد الشموع للأرواح وتحيط نفسها بالبخور وتجلس على مكتبها في الصباح الباكر وتقول: أنها تجهز تلك الأجواء ولا تعلم تحديداً ماذا ستكتب على وجه الدقة، وعادة تكتب مباشرة على الكومبيوتر ولا تستخدم الأوراق ألا ما ندر .

تدور سرديات الرواية "بيت الأرواح" نهاية القرن التاسع عشر في دولة تشيلي، نُشرتْ الرواية عام 1982، حازت الكاتبة بها على جائزة الأدب البارانومي، وتُرجمتْ إلى ما يقارب الثلاثين لغة، وحولتْ هذه الرواية إلى فيلم سنة 1993 بطولة الممثلة الأمريكية الحسناء (ميريل ستريب)، وأجواء الرواية الأسطورية المعتمدة على التوليف الجميل والرائع بالربط بين الواقع والأسطورة وبعبقرية نادرة وبحبكة درامية ترقى إلى الملهاة ذات النهايات الحزينة والمؤرقة أحياناً كثيرة بيد أنها بقيت عالقة بالروح لتجربة عايشها الكثير منا حتى وأن لم يقم بأطلالة على مجريات أحداث الرواية، وتتمكن هذه العجوز المعجزة من التأثير المباشر في تحريك خيوط اللعبة الدراماتيكية في ملامسة أحاسيس الروح للمتلقي بمشاهدة أجواء العنف والحرائق الآدمية للماضي البعيد والقريب لتكوّنْ منها سحابة داكنة من الأسى في الحاضر، وتبدأ العمل في كل رواية بعد أجراء بعض طقوس التأمل التي تشمل أشعال الشموع وتبخير أجواءها بتمتماتٍ سحرية متناغمة مع الوجدان وهي تقول: {أنا أمرأة سياسية تكتب التأريخ الخفي للحب والجنس والعواطف من دون الأهتمام بالأسباب الأقتصادية التي خلقت أحداث التأريخ، أنا مهتمة بما يحدث للناس، لأمي وجدتي وقريباتي والنساء في الشارع والأطفال}، وهوشيءٌ جديد وطاريء لم يُذكرْ في نصوص الكتب الرسمية، وأكتشفت خلال غربتها في فنزويلا: {بأن جذور الأنسان ترتبط بدواخله وليس بجغرافية الأرض، وهي تقول لجدها في أول الرواية كرسالة: {بأن الناس يموتون فقط حينما تنساهم، وأنا لن أنساك مطلقاً} .

وأنها تروي وقائع حقيقية مع شيء من الخيال، وهي حقاً ملحمة رائعة تروي مجريات تلك الأسرة التي وظفتها أيزابيلا في بيت الأرواح تعايش مجريات زمنها وتأريخها، بيد أن هذه المعايشة المسكونة بالأرواح قد تجاوز قدرهم الزمن والتأريخ ككل، وأن الشقاء يتطور بريشته البارعة السحرية فينقلب إلى (مقاومة) والثروة تتحول إلى طاغية مستبدة، وأن تفسير أحداث الرواية تسير بكل أنسيابية شفافة تكاد تكون فطرية طوعية فيها كل شيء هش وكل شيء عميق وكل شيء تفسيره صعب، وترفض أن يكون هذا قدرها، لأن مصير الشعوب لا يمكن ألا أن يكون جميلاً، غير أن الكاتبة والروائية التشيلية اليسارية الواقعية تكشف عن سر الخطأ والصواب وترى عبر المشقة والألم المتجسّدْ بالصراع الطبقي للوصول إلى المستقبل بأنواره، وتحلم .. وتحلم كما هوديدن الشعوب في أدمانها في تعاطي هذا المسكن (الحلم) ربما وبالتأكيد تتحقق الألوان لأنّها مغموسة بدم تلك الشعوب، وتحث على تكملة مسيرة الألف ميل بالتضحيات لأنها من رؤى الشعوب المقهورة التواقة للتحرر والأنعتاق تلك هي بيت الأرواح وتريد أن تقول في النهاية: {... تجربة تشيلي خطأها وصوابها والتضحيات العظيمة تتلخص بشهادة " ألليندي " والأمل الذي لا حدود له} .لذا أصبحت رواية " بيت الأرواح " تجسّد الواقعية السحرية المطرزة بالفنتازية السحرية، فكانت محاولة جادة لأستعادة الوطن الذي خسرتهُ والعائلة التي فقدتها، بل هي الرواية التي أوصلت مؤلفتها إلى النجومية وحازت الكاتبة على جائزة "الأدب البانورامي" لكون الرواية لها أبعاد سياسية وسوسيولوجية وترويها بشفافية سامقة من خلال شريط مذهل من الواقعية السحرية عبر توليفة فنتازية محببة.

وأخيرا تكتمل المتعة أنصح بقراءة الرواية بيت الأرواح لأيزابيلا الليندي سوف تغدو قهوتك بطعم الكتب ....

 

عبدالجبارنوري

أديب عراقي مقيم في السويد

 

 

 

فاطمة واياوفي رواية "أحجية إدمون عمران المالح" للكاتب محمد سعيد احجيوج

صدرت مؤخرا عن دار هاشيت أنطوان نوفل ببيروت رواية "أحجية إدمون عمران المالح" للكاتب المغربي محمد سعيد احجيوج كثاني عمل روائي له بعد رواية "كافكا في طنجة".  يستلهم الكاتب بشكل ما حياة الكاتب المغربي إدمون عمران المالح ويبني عليها روايته.

لعل ما جمع بين الكاتبين هو تلك الحساسية المفرطة اتجاه ما يمكن أن نعتبره بديهيات الأخلاق الإنسانية والتي تم تجاهلها بفعل عوامل لعل أبرزها الشطط والظلم ولكن أيضا الطمع في إرضاء نرجسية فارغة. أجل أليست الغطرسة الإسرائيلية هي أيضا غطرسة التتويجات الكاذبة في مجملها؟ لا فرق بين اغتصاب الأرض واغتصاب الأفكار. لا فرق بين سرقة التاريخ وسرقة الجوائز. لا فرق بين تزوير الحقائق من طرف حكماء التاريخ وبين تزوير توقيعات التحكيم في سباق الجوائز... بالنهاية من سيربح التتويج أليس فقط الكذب والبهتان؟

من يحكي عن من؟ ماهي الحدود الفاصلة بين إدمون عمران المالح الكاتب المغربي اليهودي وعضو لجنة تحكيم جوائز الأدب وعيسى العبدي الصحافي الشيوعي المعارض، وهو أيضا الاسم المستعار للكاتب عمران المالح في توقيعات مقالاته، وبين عمران المالح المهاجر اليهودي لأرض الميعاد ومحمد سعيد احجيوج المعارض لكيفية سير الجوائز الأدبية في عصرنا هذا؟ إنه أيضا من جانب آخر سؤال الهوية والانتماء، والذي تمكن الكاتب من مقاربته باعتباره إشكالية وجودية ومعرفية في الآن نفسه.  فحين يتساءل عمران عن معنى الانتماء المزدوج الذي تمثله هوية اليهود المغاربة بين انتماءه للمغرب واحتضانهم من طرف فرنسا، حيث لا يبدو أنهم كانوا يشعرون بالتناقض بين الانتماءين، وهو أمر سيختلف منذ أن أصبحوا مطالبين بالانتماء للوطن الموعود الذي بالنهاية سيغدو هو كذلك سرابا ووهما بعد انتهاء نشوة الانتصار في حرب الستة أيام- والوقوف عند حقيقة عنصرية الحركة الصهيونية ونبذ اليهود ذووا الأصول العربية.

ورغم أن الكاتب وضع القارئ منذ الصفحة الأولى في حقيقة المغامرة التجريبية التي يسلكها به عبر صفحات روايته حين استهلها بقولة عبد الفتاح كليطو: "ينبغي التيه ليتحقق الوصول" إلا أن المتلقي سيتيه فعلا مع تيه الراوي، فلا الحاضر حاضرا ولا الماضي انتهى فعليا ولا وضوح للمستقبل الضبابي. تختلط أيضا الأمكنة، فلم يعد الراوي في تيهه يفرق بين الجغرافيات المتعددة من شرقها، فلسطين التي لم تعد كذلك، وفرنسا والمغرب... بين مكناس والدار البيضاء مرورا بالعرائش قبل الوصول لميناء الحسيمة حيث انطلقت باخرة إيجوز لنقل اليهود المغاربة لأرض الميعاد. وكأني بالكاتب هنا يمارس ما يمكن تسميته بالتجاوز أو بمعنى آخر استكناه الخيال لمقاربة العلاقة بين التاريخ والراهن والمستقبلي مكانيا وزمانيا.

2139 محمد سعيد احجيوجأما عن رمزية الشخصيات التي لا تقف فقط عند حدود الكاتب المغربي إدمون عمران المالح، بل إن الكاتب ربما تعمد تسمية الشخصية المحورية والتي تمارس نوعا من ديكتاتورية فكرية وأخلاقية، وأعني هنا غولدشتاين، فهل هو مستوحا من رواية جورج أورويل 1984 حيث يمثل الأخ الأكبر بنفس الاسم غولدشتاين الديكتاتور والمتحكم في مصير الكتب والناس أيضا، أليس هو؟ ربما، ولكنه بالتأكيد يمثل يهود ألمانيا أي اليهود ذووا الأصل الأوروبي الذين يمارسون ديكتاتورية بحق اليهود الشرقيين. يمكن القول بأن الروائي محمد سعيد احجيوج اعتمد أيضا تداخل التقنيات، ويجب القول إن تقنية الميتاقص التي تعتبر من تقنيات ما بعد الحداثة في الرواية، هي في حد ذاتها تقنية تتوخى التكثيف التخييلي للعمل الروائي، فإذا عدنا إلى تاريخ السرد نجد أن مثل هذه التقنية قد استخدمت في روايات قديمة، ربما هي قديمة قدم السرد الروائي والقصصي والملحمي كذلك، كمثل رواية الكاتب اليوناني لوكيوس أبوليوس، "الحمار الذهبي"، والتي تميزت بالكثير من التشظي والميتاسرديات حيث تتضمن العديد من القصص.

في المتن السردي المتشظي إذن نجد أن البطل يرى الأشياء والأحداث تنفلت ولكنه يرفض تقويمها أو تشكيلها بنفسه، يرفض أن يفرض عليها أي فهم محتمل، أو يتآمر عليها، فهو لا يطلب منها شيئا البتة، حاسة النظر عنده راضية باتخاذ طابع هذه الأشياء فقط، ووصفها بدقة متناهية وهو ما نجح الكاتب إلى حد بعيد فيه. كما أنه استلهم تقنية وصف العواطف والتهيئات والأوهام كما هي دون محاولة منه اختراقها أو توجيها، تقويمها أو حذفها. ما تنبئ به رواية أحجية إدمون عمران المالح كذلك هو تقنية تهجين النص الروائي مثل ما جاء عند ميخائيل باختين حيث يرى بأن "مزج لغتین اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد وهو أيضا التقاء ّ وعیین لسانین مفصولین بحقبة زمنية، وبفارق اجتماعي، أو بهما معا، داخل ذلك الملفوظ".

ليس هناك رواية حداثية ولا ما بعد حداثية إذا كان القصد التراتبية الزمنية، فالعمل الروائي الذي ينزاح عن المألوف من التقنيات التعبيرية من أجل توظيف أساليب مختلفة لحد التناقض هو في أي عمل سردي تخييلي عمل إبداعي يتجاوز التصنيف الزماني والمكاني أيضا. فمحمد سعيد احجيوج كعادته يكرس القواعد التعبيرية الجمالية، إنه يعود مرة أخرى بعمله هذا ليثبت أن العمل الروائي أو الإبداعي بشكل عام هو عمل يسعى لتجاوز القوالب الجاهزة ليحدث ثورة تعبيرية، وهو دأب المبدعين الحقيقيين منذ بداية التعبير الروائي، فهو حين  يعلن بأنه سيحل معضلة الزمكان وستكون روايته آخر الروايات العظيمة، وكأني به يسير على خطى الروائية الإنجليزية رائدة تيار الوعي فيرجينا وولف خاصة في عملها "رواية لم تكتب بعد" ذلك أن احجيوج لا يهدف إلى قص الأحداث أو تتبع الشخصيات بل كان يهدف أيضا من خلال روايته هذه البحث عن طريقة لكتابة الرواية وكأنه يريد أن يخبرنا بأنه ما زال يجرب وسيظل كذلك بحثا عن طرائق تعبيرية أكثر تحررا وأعمق حداثة حتى في ما بعد حداثيتها، وهو يتعمد إشراك المتلقي أو القارئ، بحثا بطبيعة الحال عن قارئ غير عادي أو ربما في محاولة لتحويل القارئ العادي إلى قارئ شريك في الحكي وفي العملية الإبداعية.

في الرواية لا يجب أن نقف عند الأحداث فما هو محكي هو مجرد تقنية استعان بها الكاتب ليبعث رسالة أو ربما ليوهمنا بأنه يعلن موقفا من الجوائز وأيضا من هجرة اليهود المغاربة، ولكنني لا أعتقد أن هدف الروائي كان كذلك، فما يجب أن يبحث عنه أو أن يشعر به المتلقي هو التكثيف التعبيري وتقنيات الخروج عن المألوف في التعبير الروائي، ولعل الكاتب يهدف من خلال ذلك أن يثبت ما بدأه في روايته السابقة "كافكا في طنجة" وهو الاحتفاء بالأدب العبثي وهدم الحدود التقليدية بين طرائق التعبير الروائية من أجل رواية تجريبية بامتياز تسعى لأن تواصل التأصيل لرواية ما بعد الحداثة.

وإذا كان جاك دريدا قد قال بأنه لا يوجد شيء خارج النص، فإن التعامل مع التاريخ في الرواية كان مجرد وقائع في خدمة السرد وليس حقائق، فالرواية هي نص أدبي وليس تأريخا للأحداث التي ضمنت في ثنايا النص، كأجرأة لابد منها لتكثيف التعبير الروائي ليس إلا. ذلك أنه ليس على الروائي أن يكون مؤرخا ولكن له أن يوظف أحداثا تاريخية بشكل تخييلي لخدمة رؤيته السردية.

تظل مسألة النقد النسوي في الرواية كأحد الروافد الحداثية في السرديات الحالية وربما في السرديات الكبرى كذلك، غائبة الى حد ما رغم أنه يمكننا أن نتساءل: هل يمكن مقاربة شخصية أو صوت للاميمونة من هذا الجانب؟ ربما أن الروائي محمد سعيد احجيوج في متنه هذا لم يتعمد التوغل عميقا في شخصية للاميمونة، غير أن تتبع مسار هذه الشخصية وما يحكيه الراوي عنها ينم على أن الثقافة اليهودية والتي كانت هنا في النص الروائي هي نفسها الثقافة المغربية تنم على سيطرة الفكر الأبوي وربط الشخصية النسائية بالعار والفضيحة.. هي إشارة قوية رغم أن متن السرد جعلها في جانب ثانوي، ربما هي فعلا مكانة المرأة في هذه الثقافة: هامشية أو ربما أن الكاتب تعمد جعلها قابلة للتأويل كدأب السرديات الما بعد حداثية التي لا تهدف بالنهاية إلا إلى التلميح فاسحة المجال لحرية المتلقي في التخييل والتأويل كذلك.

بقيت الإشارة إلى تقنية التناص والتي لم تكن بشكل مكثف إلا أنها كانت حاضرة، من خلال النص الأمازيغي الذي أورده الكاتب في ص 20 المنقول عن نص لايميل لاوست حول علاقة اليهود بأهل سوس بالمغرب أو قصيدة قدس الذهب في ص 46، من موقع باب الواد هي أمثلة على تقنية التناص. من هنا يمكن القول بأن اللقاء غير المرتب بين إدمون المالح وعمران المالح وعيسى العبدي ومحمد سعيد احجيوج كان متعددا عبر لقاءات متشابكة أو لقاءات شائكة.. ما يعني أن الكاتب هدم الحدود بين الراوي والكاتب والشخوص في عملية تجريبية تنطلق من استلهام مميزات أدب ما بعد الحداثة بشكل ما أو بتعبير أدق إلى حدود ما فيما يتعلق بالسرد وصوت الراوي. في ظني أن الرواية يمكن تصنيفها في خانة الرواية الجديدة، على اعتبارها لا تتبع الطرق الخاصة بأدب ما بعد الحداثة وحسب ولكنها أيضا استطاعت أن تكون تجريبية جديدة من حيث خرقها وانزياحها عن القواعد التقليدية للرواية من حوار وزمن خطي وعقدة متسلسلة. فالروائي محمد سعيد احجيوج جعل من نصه رواية جديدة ورواية تجريبية بل يمكن أن نقول إنها رواية اللارواية.

أخيرا كيف استطاع الروائي محمد سعيد احجيوج أن يمنحنا رواية متشعبة الطرائق كثيفة التجريب متشظية المواقف في أقل من مائة صفحة؟ ربما لا أملك جوابا وأن السر عند الكاتب ولكن أقول فقط أن ذلك إنما يدل على أن الروائي بعمله هذا الثاني بعد "كافكا في طنجة"، وللإشارة فإن روايته الثالثة "ليل طنجة" والتي فازت بجائزة الروائي الكويتي اسماعيل فهد إسماعيل في دورتها الأولى ستصدر في سبتمبر 2021، استطاع أن يجنبنا مرة أخرى خيبة الأمل وإرهاص التنبؤ الأول والذي لمسناه في مجموعته القصصية انتحار مرجأ في بداياته السردية، فكان في أحجية إدمون عمران المالح في مرحلة أرقى من التجريب السردي الذي بالتأكيد سيضيف تراكما سرديا عميقا للمكتبة العربية والمغربية على وجه الخصوص.

 

د. فاطمة واياو

ادنبرة في 22 ديسمبر 2020

 

 

جمعة عبد اللهالعمل الروائي يتسم بالرصانة والمكاشفة والصراحة بالجرأة الثاقبة، في طرح جملة مفاهيم اجتماعية غير منصفة على الصعيد الميدان الاجتماعي والسياسي والديني، الايغال في سايكولوجية الذات والمجتمع. في كشف الاسرار الداخلية والخفية وكشفها الى العلن. في التصرف والسلوك، في النسيج المجتمع الذكوري بما يحمل عقله من ثقافة وموروثات تتلون في كل مرحلة وتغيير. ومنطلقات المتن المتن الروائي يثير جملة من التساؤلات والتعليلات في مفاهيم الحب والخيانة الزوجية المتبادلة. في مفاهيم العنف الاسري داخل الاسرة الواحدة، او بين الزوج والزوج. والابعد من ذلك مسألة الطيش في الازدواجية الشخصية (الراهب والشيطان في روح وجسد واحد). ومسألة الابعد حيوية في عصب الحياة العامة، ماذا احدثته من تغيير ثورة الياسمين في (تونس) وماهي ثمارها وما قدمته للوطن؟. هذه المنطلقات تناولها المتن الروائي في صيرورة الطيش والازدواجية. والغور في المستجدات التي احدثتها ثورة تونس وما حصة الوطن من التغيير. هذه الاشياء الحيوية تناولتها احداث المتن الروائي. لكن العنوان للرواية (طيش الاحتمالات) يغوص في عمق الاشياء. التي تمثل انتهاكات صارخة للانسان والوطن، وخاصة المرأة التي يقع على كاهلها الانتهاك والوصاية تحت نفوذ الرجل الشرقي، في غيوم الانهزام والاحباط والانكسار النفسي والروحي للمرأة. وكذلك يقع بؤس حال على ثورة الياسمين في تونس، التي قادت البلاد الى الخراب والنفايات والقمامة، قادته الى الاهمال والحرمان والفساد، حينما سرق الاسلام السياسي الثورة. الذي صعد على الاكتاف الاخرين، وتنكر لهم بالاجحاف والاهمال والحرمان، كشفوا عن حقيقتهم بأنهم مجموعة لصوص لا غير، في سبيل امتطى السلطة فقط لاغير (اللعنة على هذا البلد الذي اصبح مطية لعصابة من اللصوص تسرق منا حتى رغيف الخبز) ص63. يتناول النص الروائي هذه المكشوفات على حقيقتها الدامغة في الحدث السردي الذي يميط اللثام عن الخطوط الحمراء، التي يتبجح فيها المجتمع بوصايته على المرأة، في طيش والهروب من الحقائق الدامغة، التي تؤدي الى المحاصرة والخناق على المرأة، بأن تتحول الرابطة الزوجية الى سجن والسجان هو الرجل او الزوج في الاضطهاد والتعسف. لذا فأن الخطاب الروائي موجه الى العقل الاسلامي السلفي والمنغلق في طيش الازدواجية. بأن تكون المرأة تدفع فاتورة الحساب بالخيانة الزوجية المتبادلة. ان تكون تحت رحمة تسلط الزوج بالعنف الاسري والاكراه، مما يجعل هذا الطيش، ان يقود الى الاحباط والهروب. (مريم) ورثت ذكريات مؤلمة وحزينة من ابيها العربيد المتوحش، في وحشيته تجاه أمها المسكينة وهي تتذكر ذلك وهي صغيرة السن، حين تجد الدموع والكدمات والدماء تملئ وجهها وجسمها، جين تجد أمها تتقيأ كل يوم من القهر والحسرة والالم، وتحاول ان تخفي وحشية زوجها عن أبنتها الصغيرة. وحالتها تدعو الى الرثاء. ورثت (مريم) هذا الارث الثقيل والمحزن. وتزوجت من رجل ثري متمكن مالياً. لكنه لم يعوضها عن الاحداث المؤلمة في روحها. لم يعوضها بالحب والحنان الزوجي، رغم انها انجبت منه بنتان، واملها ان تشعر بالراحة والامان من الذكريات المؤلمة التي تحملها من ابيها البشع والمتغطرس بالمعاملة الوحشية، لم تجد من الرابط الزوجي سوى الخناق، كأنه الحبل الذي يلتف ويضغط على عنقها. لم تجد سوى الحرمان والاهمال والغطرسة، فزواجها لم يضمد جراحها، بل زادها جرحاً وقيحاً، فأحست بشيء ينقصها، فالتجأت الى شبكة التواصل وتعرفت على (مريد الداهش) الكتاب والشاعر اليساري، الذي عانى الحرمان والسجون في سبيل الوطن. وعندما جاءت ثورة الياسمين في تونس. لم تعترف به بل سحقته كما تسحق نفايات القمامة، وكان يأمل النفس بالمعجزة التي تنقذه من معاناة الحياة القاسية (لكن عن أي معجزة تتحدث ايها الاحمق، فما الذي جنته الثورة على البلاد ؟ هي فقط الوجوه التي تبدلت، أنصرفت الذئاب وحلت الثعالب ) ص18. وكانت (مريم) تمارس هواية الرسم والرسومات، لذلك تخيلت صورة حبيبها في ذهنها وعقلها قبل ان تتلقي به وتراه  وجهاً لوجه، بل رسمته  بملامح الحب وغزيرته التي تحمله في قلبها، ولكن هذا الحب لم يجلب لها طوق النجاة لمحنتها الحياتية والنفسية. لان حبيبها عاجز في اكمال مقومات العيش، عاجز عن تأمين الحياة الزوجية كما ينبغي. لان الثورة صادرة حقوقه المشروعة، واهملته وحرمته من كل شيء. لم يجد من التغيير السياسي، سوى الاستمرار بالمحنة والمعاناة (هذا الوطن موبؤ يغتال خيرة ابنائه. أما سمعتم مؤخراً بذلك المتحصل على شهادة الدكتورا، لم يكتفِ هذا البلد بحرمانه من الاعتراف بشهادته وكفاءته العلمية، بل تم حبسه والتخفي على هذا الحبس) ص63.. ولكن (مريم) تستمر بالضغط عليه لكي ينقذها من السجن الزوجي، ان يحرمها من الحنان الزوجي، بل يقابلها بالخيانة الزوجية. لذا فأن الخيانة الزوجية متبادلة بين الزوجين. ولكن لكل منهما دوافع وذرائع ومبررات في الطيش. نجد (مريم) تشكو من تسلط الزوج بعقليته الاسلامية السلفية المنغلقة والمتعصبة. يجبرها على ترك هواية الرسم والرسوم، لانها رجس من الدنس الشيطاني، ويضغط عليها بقوة ان تترك مهنة التدريس، لان الزوجة الصالحة مكانها البيت وليس العمل. يضغط عليها في لبس الحجاب وترك سروال الجنز، لتكون زوجة صالحة،يستشيط غضباً من ملبسها ويعتبره نشاز غير مقبول (- أيتها السافرة الحقيرة لقد أخلجتني أما الجماعة، ولن أتسامح معكِ أبداً، لا يمكن ان تكوني أبداً زوجة صالحة وانتِ تعمدين الى عرقلة مسيرتي، من أنتِ لتحطمي نجاحاً كنت أحلم به اعواماً طويلة) ص80. ويصبح البيت الزوجي مرتع المشاحنات والتنافر والجدل العقيم بينهما. واجبارها في ترك عملها لان المكان الزوجة الصالحة البيت والمطبخ (- أن ما تدرسيه حرام، كبيرة من الكبائر ومكانكِ الجحيم سأعرف كيف أربيكِ أيتها الفاسقة.

- هذه الفاسقة التي تتحدث عنها، هي أم أبنتيك) ص94.

وبطريقة غير مباشرة يعرف احدهما يخون الاخر. (مريم) تفكر في الانتحار والموت من حبها لا يفضي الى الانقاذ. والزوج كل اهتماماته الروحية والذاتية تنصب الى مستقلبه السياسي والحزبي، الفوز في الانتخابات واعتلى مركز ونفوذ مهم في الدولة. بينما (مريم) تعاني جفاف الحياة والحب المتحجر كالصخر، وقد ضجرت من الوعود العشقية بكلمات ليس لها فعل ورصيد (- اصبح كلامي معكَ الآن تفاهات، نسيت ما كان بيننا في الايام القليلة الماضية ؟

 - انتِ تعرفين معزتكِ عندي، وتعرفين مدى تعلقي بكِ) ص96. ويطلب منها الاستعداد للسفر والهروب معاً خارج البلاد. الهروب من معاناة الحياة الشاقة، ويحدد لها موعد السفر واقلاع الطائرة من مطار تونس (قرطاج) ويحضر هو في المطار وينتظر (مريم) بفارغ الصبر، ولكنها لم تحضر ويهرب وحده مجروح القلب والوجدان. وبراعة الكاتبة لم تتوقف الى هذا الحد في الخاتمة، وانساقت في درامية الحدث بالصدمة المفاجأة، لكي يتمعن القارئ بالتفكير والتأمل. بحضورة ندوة لتوقيع على اصدار الرواية تمس السيرة الحياتية لها، وحينما انتهت الندوة بالتصفيق والقبول على براعة الرواية، يدخل رجل مسن ويلوح بيديه بنسخة الرواية ويزمجر بانفعال وعصبية (- هذه السيدة كتبت القصة الحقيقية لزوجتي التي تقيم الآن بأحدى المصحات العقلية، وعرضت هذه القصة على الناس، ولهذا سأرفع قضية في شأنها وعليه ان تتحمل كل التبعيات فعلها الشنيع) ص114.

 

جمعة عبدالله

 

حماس العبدلينشأت المقامة في قرن كانت سمته الاضطراب السياسي والاجتماعي فجاءت نتيجة لتلك التقلبات التي عاشها مجتمع القرن الرابع للهجرة في جميع أصقاع إمبراطوريته إذ يرى البعض في المقامة وجهين وجه هزلي ووجه جاد لغاية إصلاح المجتمع الذي بدأ بالتفكك على المستوى القيمي والمجتمعي.

فما هي الأساليب الفنية التي اعتمدتها المقامة في الإضحاك؟ وكيف تمثلت محاولتها في الإصلاح؟

تعد المقامة من أبرز الفنون النثرية في العصر العباسي التي تقوم على أساس القص والسرد وتدور معظم أحداثها حول فعل التَّكْدِية التي ابتدعها بديع الزمان الهمذاني، لتحكى في المجالس والمقامات وتميزت بوجهين أحدهما هزلي والآخر جدي فماهي خصائص الوجه الهزلي في المقامة؟

تميزت المقامة بجملة من الخصائص الفنية التي ساعدت في إبراز الطابع الهزلي للمقامة، من بينها البنية القصصية من عنوان وسند ومتن ومقومات للقص وأنماط للخطاب. أما العنوان فكانت المقامة من بين أولى من وضعت العناوين ورسختها كسنة أدبية لم تظهر حتى في الشعر إلى غاية القرن العشرين وظهور الشعر الحديث. وتنقسم مرجعية العنوان إلى ثلاث، فهو تارة مستمد من المكان كالمقامة البغدادية والموصلية أو الدمشقية وتارة أخرى من أسماء لشخصيات كالجاحظية أو الإبليسيّة وفي مشاهد مغايرة من موضوع المقامة كالخمرية أو الوعظية وغيرها. إلى جانب بنيتها القصصية لما تحتويه من مقومات للقص، فيمكن اعتبارها أولى إرهاصات كتابة القصّة في الأدب العربي. إذ نجد الشخصيات موزعة بين رئيسية كأبي الفتح الإسكندري وراوٍ هو عيسى بن هشام وشخصيات ثانوية متمثلة في الضحايا الذين أوقع بهم أبو الفتح الإسكندري. وزمان مطلق وعام في الغالب، ومكان يختلف مع اختلاف وجود البطل وإقامته وأحداث يدور رحاها حول قطب الكُديةِ والتسوّل بالأدب والاحتيال على الناس. دون أن ننسى أنماط الخطاب المتنوعة بين السرد والوصف والحوار في كل المقامات. إذ يمكن اعتبار المقامة جمعا في مفرد بما تحتويه من تناص، فنجد إحالة على شكلين، هما الشعر والنثر، ودمجهما في المقامة الواحدة كالبغدادية مثلا أو المقامة البشرية التي مطلعها:

أفاطم لو شهدت ببطن خبت ** وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا

وللتوضيح هنا، فإن هذه المقامة هي عبارة عن نص شعري إنعدم فيه النّثر. أما النّثر فيحيلنا إلى أجناس أدبية كالقصة مثلما أسلفنا القول. وجنس الوصية في المقامة الوصية وجنس النادرة والحديث وفي ذلك مسايرة من الهمذاني لذائقة تشبعت بالحديث فكان سنده وهميا. فكانت كل هذه البُنى والخصائص الفنيّة التي تزخر بها المقامة في خدمة الهزل والإمتاع. إذ يُعدّ هذا الأخير من وظائف المقامة التي رصد لها الهمذاني مجموعة من الأساليب البديعيّة كالسجع والجناس. فنجد الإضحاك عبر الحركة، ويكون موجودا خاصة في المقاطع الغنية بالوصف، حيث يعمل الرّاوي على إخراج الشخصيات في صورة كاريكاتورية هزلية، ومن ذلك قوله في المقامة الحلوانية: "يدلكني دلكا يكُدُّ العظام ويغمزني غمزا يهدُّ الأوصال" أو المواقف التي تخلق الإضحاك والدهشة كموقف السوادي و عيسى بن هشام أو حتى مع الشّواء في المقامة اليغدادية، وعبر المفارقات الخالقة للإضحاك كسُكر عيسى بن هشام ودخوله للمسجد للصلاة والإضحاك عبر الكلام الذي يقوم على استعمال مقال لا يتناسب مع المقام، وصولا إلى حد الهذيان فتحسبه ضربا من كلام خرافة أو ضربا من سجع الكُهّان كخطاب الحجّام في المقامة الحلوانيّة.

نخلص إذن، على أن الإضحاك وسيلة من وسائل الإمتاع في المقامة، تتنوع أشكاله وأساليبه، مظهرة التناقض و الاختلاف بين المقام والمقال، أو بين الظاهر والباطن. غير أن وظيفة الإضحاك في المقامة تتجاوز مجرد الإمتاع لتبلغ منشودا ألا وهو النقد والإصلاح، فماهي تجليات ذلك؟

لا يتمثل منشود المقامة في إخراج نموذج أدبي، بقدر ما هو محاولة لإصلاح ما يمكن إصلاحه في مجتمع تلاشت فيه قيمه وسادت فيه أخرى. وهنا يكمن الوجه الجاد للمقامة، إذ أراد الهمذاني من خلال فعل التّكدية ومن خلال صاحبه المُكدّي أبو الفتح الإسكندري أن ينتقد مجتمعه ويريه عوراته وزيف أخلاقه الذاهبة في أسفل السافلين. فشخصية الإسكندري التي اصطفاها الهمذاني، وهي شخصية من نسج خياله، متقلبة في سلوكها، متلونة في ملامحها، متغيرة في صورها. فتغيرها من تغير المكان وإظطرابها من صفة الزمان، وفي ذلك إشارة إلى انحطاط القيم والأخلاق من العراق إلى الشام وصولا إلى بلاد الهند والسند فكان أبو الفتح موصوفا تعددت صفاته بتعدد مقاماته مفرد في صيغة جمع حاله من حال الزمان وصفته من صفة المكان فهو المتسول الذي يستجدي الناس بأدبه وفي ذلك إحالة على ما آل عليه وضع الأديب والمثقف في ذلك القرن وما حل به من فقر وتهميش ومقارنة بين شاعر البلاط وشاعر الأسواق فتارة يصبح إماما يؤم الناس في المسجد يعظهم وينصحهم وفي الليل يصبح مقبلا على الدنيا مشرف على لذاتها خشية فواتها وذلك ما يبدو واضحا وجليا في المقامة الخمرية فبدؤها توبة وصلاة ومنتهاها أوبة للذة والحانات وتارة أخرى يتقمص صورة الأديب ويطرح رأيه في الفكر والشعر والنثر فالبليغ في نظره من لم يقصر نظمه عن نثره في المقامة الجاحظية فشخصية أبو الفتح الإسكندري شخصية اختلطت فيها ملامح عصره فأصبح انعكاسا لإنسان عصره ومثالا على ما يعتري الدولة الإسلامية من الشرق على الغرب فالمقامة تعبير على ما أصاب الإنسان من تحقير وتشييئ ويبدو ذلك جليا في المقامة الحلوانية فأصبح  رأس الإنسان بما يحتويه من فكر وعقل وحكمة ومعرفة نظيرا بل قل أدنى من رأس الغنم والحيوان.

صفوة القول أن تقلب أبي الفتح الإسكندري ليس إلا محاولة من الهمذاني في تصوير واقع عصره الذي اضمحلت فيه القيم العربية الأصيلة كالجود والكرم. وسادت فيه أخرى كالطمع والبخل والرياء. فكان البطل ينازع واقعا لا صورة له ولا قيم له كأنه الفراغ عن لم تحمله حملك.

قصارى القول بأن المقامة جمعت بين وجهين متناقضين وجه ظاهره هزل وقفا باطنه جد. فهي جماعة للتناقضات حمالة للأوجه من فنيات كشعر ونثر تحمل في طياتها منشودا يعبر عن غائيتها هو النقد من اجل الإصلاح.

لقد كانت المقامة تعبيرا حقيقيا على ما اعترى مجتمع القرن الرابع للهجرة فكانت تجسيدا لرغبة كاتبها في إصلاح المجتمع عبر فكره وإبداعه وأدبه ولكن على أي مدى يختلف الحريري في مقاماته عن الهمذاني؟  

 

حماس العبدلي

معهد الوفاء تونس

 

 

وليد العرفي شعر: قصي عسكر أنموذجاً

تُحيلنا ومضات الشاعر قصي عسكر على إعادة طرح التساؤل عن العلاقة بين الشعر والفلسفة من جهة، والبلاغة واللغة من جهة أخرى، وأيهما يمنح الآخر جماليته التي تمتلك المشاعر وتستلب الأفئدة، إنها طبيعة الكتابة التي تعني فيما تعنيه لعبة التفنن بالجمال، ومحاولة الإغواء بمكنونات المعنى، وما فيه من اجتراحات تؤدي فيه التراكيب دورها في تحقيق عنصر الإدهاش والمفاجأة، يبدو السؤال مفتاح العلاقة بين الشعر والمعرفة ؛ فبالسؤال تُبنى أولى لبنات المعرفة، وتؤسّس عليه معمارية المبنى الفنّي للقصيدة، وأقول القصيدة بمعزل عمَّا قرَّ عليه النقد في تحديد الكم لتصنيف النص الشعري؛، فالقصيدة من وجهة نظر جمالية هي القدرة على إحداث عنصري الإمتاع والإدهاش بعيداً عن الكم، ولعلَّ قول القدماء بيت القصيد، وهذا أجمل بيت قيل في الغزل أو الرثاء إنما يأتي في هذا السياق، ووفق هذا الاتجاه أرى أن الشعر العربي لم يكن غافلاً عن طرح تلك العلاقة بين الشعر بوصفه فنَّاً جماليَّاً والفلسفة بكونها علماً معرفيَّاً كاشفاً، ومفتاح تلك العلاقة يتجسّد بالتساؤل الذي يفتح مغاليق الرؤى، ويكشف عن مُضمرات المسكوت عنه في الوعي.

إنَّ التساؤل يعني اكتشاف المُضمر، وهو غالباً ما يكون تساؤل العارف الخبير، لا المستفهم المنتظر للجواب، ألم يقل الشاعر عنترة :

هل غادر الشعراء من متردم           أم هل عرفت الدار بعد توهم ؟

إن طبيعة التساؤل في هذه المطلع الطللي ليست استفسارية، إنما هي ذات طبيعة إخبارية عارفة، ويبدو لنا الشاعر قصي عسكر وفق هذه الرؤيا عارفاً بالجواب في تساؤلاته التي يطرحها في تساؤلاته لا أسئلته : "هل أكتب آخر أنفاس الماء؟ "

تساؤل ينفتح على تأويل مخيلة القارىء، بما تُشير إليه دلالة الماء في الذهن، بوصف الماء أساس الخلق، وعنصر الحياة، وما أسطورة البحث عن ماء الخلود هنا بعيدة عن مخيلة المتلقي، وقد جاءت وفق تركيب إضافي مع لفظ أنفاس بصيغة الجمع ما يعني أن الماء هنا يحمل رمزية مادية واقعية، وأخرى أسطورية، وبتحليل فيزيائي؛ فإن الماء يتكوَّن من الهيدروجين والأوكسجين، وهذا الاتحاد بين المكونين، إنما يعكس طبيعة الحياة التي ترمز إليها لفظة الماء: " وجعلنا من الماء كل شيء حي "

" هل من قبرٍ لا يرغب في جثّةْ"؟

يبدو التساؤل هنا عنصراً من عناصر البناء الفني الذي عمد إلى أنسنة الجماد، وأسبغ على غير العاقل صفات العقل والإرادة والاشتهاء، وهذا التزامن الحسي بين الحواس جعل منها تقنية أسلوبية تقوم على الدهشة ومقاربة المشاعر الخافية، مثلما تتغلغل اللاوعي؛ لتنسكب في مساحات من التفكير الخلاق، ووفق هذه الرؤيا تتلاحق الأسئلة التي أشبه ما تكون بجمرات يقبض عليها الشاعر: قصي عسكر عبر تواتر يُوازن بين المُتضادات، وجمع غير المعقول بالمعقول، وغير الممكن بالممكن، إنها اللغة المتخلّقة التي تُولّد لغة من لغة، وكأننا أمام حروف غير الحروف التي نعرف، وكلمات غير الكلمات التي نألف، ومردُّ كل ذلك إلى قدرة الشاعر عسكر التي تعتصر الفكرة في قالب من  التشكيل القائم على الاختزال والاختصار والتكثيف والعمق في الآن نفسه: " هل تأمن لو ثانيةً أن ترقد في قبر مفتوحْ

أتُرى تأمن أن تجعل رأسك في فمِ تمساح مفتوح؟"

إنها تساؤلات أحادية الطرح، وهي لا تتوقع أكثر من رأي، ولا يُمكن أن تحتمل أكثر من إجابة. أما التقنية الثانية التي لجأ إليها الشاعر عسكر؛ فهي التعليل وتقوم على طرح الفكرة معللة بأسبابها: " أن تُلقي حجراً في الماء الراكد

ذلك يعني تمنح للطير جناحاً آخر

هنا يعمد الشاعر إلى التفسير والتعليل؛ فإلقاء الحجر يرمز إلى رغبة الشاعر في فتح آفاق جديدة من المعرفة، وخرق فضاءات مجهولة بهدف الكشف عما هو خفي، وبهذه الأبعاد الجمالية يبدو لنا الشاعر قصي عسكر قابضاً على جمرة الشعر، وهو يصوغ لغته بكل أناقة ورهافة حسٍّ، وشاعريَّة .

 

د. وليد العرفي

 

 

سعد جاسملقد مضى اكثر من نصف قرن من الزمن على رحيل الشاعر العراقي الكبير والمبدع الفذ (بدر شاكر السياب) الذي كان قد اختطفه القدر بالموت في قمة شبابه الزمني وابداعه الشعري، وذلك بعد معاناة طويلة مع المرض والفاقة والفقر. السياب الذي كان له قصب السبق في  تحديث الشعر العربي والبسالة  في ايقاد وحمل شعلة الحداثة في الشعرية العربية مع مجموعة من الشعراء العراقيين والعرب من أمثال:

نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري ومحمود البريكان وغيرهم من الشعراء .

ان السياب كان ومنذ حداثة عمره، قد تأثر بالشعراء القدامى  وذلك من خلال قراءاته العميقة لمعظم الشعر العربي في كل عصوره وازمنته وانماطه واشكاله المتعددة وكان قد تعمق بالقراءات الاسطورية والميثيولوجية والتوراتية والانجيلية والقرانية التي كان لها اثرها الكبير وتاثيرها العميق في بناء ثقافته الشاملة ووعيه الشعري المتوهج، ثم أولع بالثقافة الغربية وتأثر أشد الأثر باعمال وليام شكسبير الشعرية  والمسرحية

وحرص على قراءة اعمال اهم الشعراء الغربيين مثل: ت. أس . إليوت وكيتس ووردزورث وكولردج وغيرهم .وقد استفاد منهم واستثمر نتاجاتهم الابداعية المدهشة في تعزيز خبرته الشعرية والجمالية واثراء رؤيته الفكرية ولغته وصوره الشعرية . وويمكننا ان نشير الى مدى تاثره واستفادته من الشاعرة الانكليزية "إيدِث سِيتوِيل" التي كانت قد فتنته بقصايدها المتفردة وبنصوصها الثرية بالاستعارات والمجازات والإيقاع الشعري العالي .

وذلك من خلال تآلف الألفاظ وموسيقى الكلمات..

2136 بدر شاكر السيابوقد انعكس كل هذا في شعره الحديث شعر "التفعيلة" بتنويع طول الأبيات وقصرها أحياناً، مع محافظته على تفاعيل القصيدة الخليلية العربية . ولكنه لم يلتزم بشكل بيت الشعر العربي المعروف والموروث منذ قرون سالفة . وقد أبدع في ذلك،وتعلم التكرار، من قصائد "سِيتوِيل" كما يظهر هذا في معظم قصائده خاصة في "أنشودة المطر"  تكرار: مطر... مطر... مطر.. وكأنَّ كلمة مطر عنده هي رمزٌ للخصب وللمرأة وللوطن في آن معاً .

كان منتفضاً ضد الأنظمة الاستبدادية، وكان ينشد للثوار وهم يحتجُّون ضد الطغيان والظلم والجوع.

كانت قصائده تلحَّن وتغنَّى في السجون والمعتقلات، لتزرع الأمل والعزم والصلابة في نفوس المحتجين، من خلال قصائده

الخالدة: المومس العمياء وحفَّار القبور و"أنشودة المطر"

تميزت قصائد السياب بالخروج عن القصيدة التقليدية وبالحزن يسكنها، بسبب ظروفه الصعبة التي عاشها وبسبب

الداء العضال الذي أودى بحياته في سن مبكرة.

ومن أهم مميزات شعره:

أولاً: استخدام المجاز بكثرة، فهو يعرِّف الصورة الفنية بأنها صياغة جديدة تمليها موهبة المبدع وتجربته، وفق تعادلية فنية بين طرفين هما: المجاز والحقيقة"

ثانياً: توظيف الأسطورة، ويعتبر السياب من أهم الشعراء الذين جعلوا الأسطورة رموزاً  في اشعارهم، أخذ هذه الرموز من حضاراتٍ مختلفة كالبابلية والرومانية والأشورية واليونانية والفرعونية، وقد رصَّعت قصائده الرموز فزادتها جمالاً على جمال..

شعر السياب ثريٌّ بالإيحاءات والدلالات،وكتاباته مشحونة يالعاطفة الجياشة والثورة والشجن،   وقد ساعدته ثقافته الواسعة أن يجسِّد في شعره معاناته الجسدية والنفسية خير تجسيد.

تعدَّدت موضوعاته الشعرية، وفاحت منها رائحة الموت والمنيَّة، والحزن والغربة ومن أهم تلك الموضوعات:

ثالثاً: الحب والفقد: وقد كان فقده لأمه فقداً لأقوى حبٍّ في الوجود وهو القائل: " أماهُ ليتك لم تغيبي خلف سورٍ من الحجارة"

رابعاً: الغزل:  وجد السياب في حبه للمرأة تعويضاً عن حبِّ الأم المفقود وهو في الرابعة من عمره، دمامته جعلت معظم النساء اللواتي أحببنه يتركنه، لكن َّ الخيبات العاطفية التي لاحقته في حياته،  كانت إلهاماً فجر شاعريته ورصَّع قصائده بالألق. 

خامساً: الشعر الوطني:  كان ثائراً في وجه الظلم والاستبداد فأحس بالغربة وهو يعيش في وطنه العراق، ونظم قصائد

للقضية الفلسطينية وحيَّا نضال التونسيين والجزائريينوالمصريين ضدالاستعماروالطغيان.

تكرر ذكر الموت في قصائد السياب وطغى على كل ماعداه من أشعار، فهو مثلاً يقول:

(أهكذا السنون تذهب

أهكذا الحياة تنضب؟

أحسُّ أنني أذوب... أتعبْ

أموت كالشجرْ

ياايها الاله

أريد ان نموت)

وفي البدء والخاتمة، فان السياب والحداثة كانا صنوين وكذلك تؤامين متداخلين حد التوحد والتماهي بما لايقبل الانفصال والاختلاف على هذه الحقيقة  مطلقا . ولايخفى علينا فقد تفوق السياب على ذاته واصبح: شاعرا نسيج نفسه، والراءد الحقيقي لحركة الحداثة الشعرية العربية،

حداثته لم تأتِ بمحض مصادفة أو مجرد نزوة من نزواتْ حب الاختلاف والاستعراض والادعاءات الفارغة، لا بل انها كانت نتيجة مخاض عسير ومعاناة حياتية في غاية القسوة والالم والفجيعة.

 

سعد جاسم

 

عبد الرضا عليللشاعر الدكتور شاكر التميمي

حين تكونُ الفجيعةُ مدخلاً ...

 في صبيحة الخميس الموافق 24 - 12 - 2020م ترجَّلَ عن صهوةِ الدرس الأكاديمي الأستاذ الشاعر الدكتور شاكر هادي التميمي بعد مرضٍ عضال لم يمهله طويلاً، ولعلَّ قراءتي هذه لمجموعته الشعريّة الأخيرة الموسومة بـ [الليل لحنُ صبابتي] هي التعزية التي أقدمها بين يدي قرّائه، وطلابه، ومحبِّيه متضرِّعاً إلى اللهِ جلَّت قدرته إن يطيِّب ثراه، ويجعل الفردوس مثواه، ويلهم أهله السلوان، ويعظّم لهم الأجر.

***

الأكاديميّونَ الذينَ يُجيدونَ صياغةَ قصائدِ الأعالي في أسلوبي شعرِ الشطرينِ، و التفعيليِّ قلَّةٌ في هذا الزمنِ الراهنِ، وهذا الأمرُ لا يشكِّلُ منقصَةً، ولا قدحاً، إنَّما هو تأشيرٌ لظاهرةٍ ليس غير ؛ ومن هؤلاءِ القلَّةِ الشاعر الأكاديميّ شاكر هادي التميميّ.

 وقصيدة الأعالي التي نعنيها هي تلكَ التي تحاولُ أن تخالفَ السائد، وتخرجَ عن طاعتهِ، وتتجهَ نحوَ المستقبل، وكما يرى أدونيس فهي (ليست ابنةَ نموذجِ أبٍ، وأنَّ لها بنيَتها الفنيَّةَ الخاصّة بها، ورؤياها الخاصّة بها، وعالمَها الخاص بها)⁽¹⁾ وهذا لن يتحقَّقَ إلاّ بالإدراكِ الفلسفيّ للنصِّ، وإجابته عن الأسئلةِ الملحَّةِ للذاتِ الشاعرةِ التي تعرفُ كيفَ تستخدمُ مسكِّناتِ الأوجاع. 

***

 في مجموعته الشعريّةِ هذهِ الموسومةِ بـ (الليلُ لحنُ صبابتي) بعضُ الظواهرِ والتقنياتِ الفنيّة التي تلفتُ انتباه الناقد، وتدعوهُ لأن يقف عليها منهجيّاً، ويقربها للمتلقي الجاد، لكونِها أدوات الشاعر التي تفضي إلى الإبداع.

 فمن الظواهر:

1 ـ التوظيف الفنِّي لبعضِ الرموزِ التاريخيّة، والأحداثِ:

 ففي قصيدة (هوّن عليك) توظيفٌ لرمزَي هارون الرشيد الخليفة العبّاسي الخامس (149ـ 193هـ) وعليّ بن موسى الرضا(ع) الإمام الثامن للشيعةِ الإماميّة (148ـ 203هـ) على نحوٍ سياقيٍّ جميل، مذكِّراً كيفَ كان الرشيدُ يتباهى قائلاً للسحابِ: (في أيِّ مكانٍ شئتِ أمطري فسيُحمل إليَّ خراجُك.) لكنهُ حين مات لم يحظَ بحفرةٍ لتكونَ قبراً له حتى إن كانت تحتَ أقدام عليّ الرضا عليه السلام فضاءً، في حين أصبح قبر الرضا (ع) مزاراً يحظى بزيارة الناس من شتى الأجناس:

إيّاكَ أن تغترَّ في حالٍ لها

لو أنّها صَدقتْ لما

عَصفتْ بقارونَ الذي

أغرتهُ في أموالها

ورشيدُها إذ قالها

أنّى تشائي فامطري

كلّ البلادِ بلادُنا

لكنها بَخلتْ عليهِ بحفرةٍ

من تحتِ أقدامِ الرّضا

  وفي قصيدة  (موت الضمير) توظيفٌ لواقعةِ الطفِّ التي استُشهِدَ فيها الإمام الحسين، وأخوته، وأبناؤه، وأصحابهُ عليهم السلام، وهو توظيفٌ أُريدَ بهِ تشبيه ما تفعلهُ بعض الجماعات المسلحة في العراق هذه الأيام (من جرائم  قتلٍ وحشيٍّ بحقِّ المتظاهرين) بما فعله شمرُ بنُ ذي الجوشن، وابن مرجانة (عُبيد الله بن زياد) في واقعةِ الطفِّ:

وكأنَّ الشّمرَ حيٌّ

يأنسُ اليومَ بحصدٍ للنّحور

وابنُ مَرجانَةَ مزهوَّاً يُنادي

دونَكم كلَّ شَريف

إنّما نَحيا بموتٍ للضّمير

وفي قصيدة (الولاء) يعودُ إلى تذكيرِ قارئهِ برموز الشرِّ الجددِ  الذين تمَّ تعيينهم سفراء للعراقِ، وهم كسفراءِ يزيد قديماً:

قالَ يَدري

بابنِ مرجانةَ إنْ رامَ رسولاً

من ذوي تلك الصفاتْ

سوفَ يأتي بالزناة

فَمَزايا الفاسِدينْ

كلُّها تَحظى بِتَقديرِ الطُّغاةْ

وهناك رموزٌ أخرى وظّفها شاعرنا في بعضِ قصائدِ هذه المجموعة، كتوظيفه للحرِّ الرياحيِّ في قصيدة (الحرّ الرياحي) و توظيفهِ لـ (جون بن حويّ) مولى أبي ذرٍّ الغفاري في قصيدة (جون الحسين)، فضلاً عن توظيفهِ الإشاري لـ أبي الفضل العبّاس عليه السلام في واقعة الطفِّ في قصيدة (نهر العلقمي.)

2 ـ ظاهرة التلميع بالشعبي:

ونعني بها ميلَ الذاتِ الشاعرة إلى الإفادةِ من بعضِ الأغاني، أو المردَّداتِ، أو الأمثلة الشعبيَّة، أو الهتافات، وغير ذلك ممّا يسبغُ على النسيجِ نوعاً من المفارقة، أو الوخز بالإبر، كما في قصيدة (يا حمد) التي جعل عتبتها تفصحُ عن ذلك الميل، فضلاً عن إيرادِ المردّدِ الشعبيّ (ساعة السودة) في سياق الكلام، لتنتهي الذات الشاعرةُ بإيرادِ الاستهجانِ، والسخريةِ ممَّا آلت إليه الأوضاع:

يا حَمَدْ أسرجتُ خَيلي

علَّني أحظى بركبِ النّازحينْ

حينَما آستَوحشتُ دَربي

ورأيتُ السّالكينْ

يَجمعونَ الأمنيات

في غَرابيلِ المنافي

بعدما اغتالوا العراق

وجدارَ العمرِ عمداً أسقطوهْ

كي يَعيشَ الناسُ آلامَ الحيارى المُتعبينْ

يا حَمَدْ جَفَّتْ يَنابيعُ الأماني

بِرَغيفِ الخبزِ كانوا يَحلَمونْ

ساعة السّوده عَليهُمْ

برِقابِ النّاسِ صاروا يَحكمونْ

 وقد شاعت هذه الظاهرة في القصائد الآتية: (أحلام السلام) و(تسمحين) و (نريدُ وطناً.)

2131 شاكر التميمي

 3 ـ ظاهرة إدخال الكلمة الدالَّة حتى تبدو كأنَّها حكمة:

كما في قصيدتيه: (اخبريني) و (وبالوالدينِ إحسانا)، فقد كانت الكلمةُ الدالَّةُ في الأولى متبلورةً  في الدعوةِ إلى إثارةِ المحبِّ بالفتنةِ، لكونهِا زاد الفقير:

وافتنيهِ

إنّما الفتنَةُ في الحبِّ حَلالْ

فهيَ قوتُ الفُقراءْ

وكانت في الثانيةِ مجسَّدةً في تحذير الابن العاق من أنَّ ما ارتكبهُ من عقوقٍ بحقِّ أبيه سيراهُ في عقوقِ أولادهِ:

 

أسقَيتَني من كؤوسِ الذّلِ يا ولدي

يوماً سَتَشرَبُها قد قيلَ في السُّنَنِ

4- ظاهرة القصيدة الوامضة:

ونعني بالقصيدة الوامضة القصيدة التي تُعنى بالإيماءةِ، أو اللمحةِ الخاطفةِ المركَّزةِ التي تبتعدُ عن الإطالةِ، والاسترسال، لكونها تميلُ إلى الاختصار المركَّزِ فتقولُ الكثيرَ عن المسكوتِ عنه في بضعةِ كلمات، كما في قصيدة (طعنةِ خنجر) التي جرت على إيقاعِ الكامل، واستخدمت شعر الشطرين أُسلوباً لها:

الظّهرُ مكشـوفٌ وكنـتُ أظنُّهُم

يَحمـونَ ظَهري إن يَحينَ غِيابي

ما كنتُ أحسَـبُ أنّ طَعنَةَ خِنجَرٍ

تجتاحُ قلبي والرُّماة ُ صحابـي

أشعَلتُ عَشري حينَ كنتُ بِقربِهم

وأنا اللَّـديغُ وما شَكوتُ عذابـي

 وهي ثلاثةُ أبياتٍ دراميّة اتخذت المناجاة النفسيّة تقنيةً لها، فأثارتْ أوجاعَ الذاتِ التي أصيبت بضيرِ الأصدقاء، وعنتهم، وكشفتْ عن حُزنٍ ممضٍّ كبير.

 وتندرج قصيدتا:  (ليل العاشقين) و (كانوا أحبّتي) تحت هذه الظاهرة كذلك .

***

ثانياً ـ التقنية الفنيَّة:

 ثمة منجزات فنية عديدة في هذه المجموعة توزّعت في أكثر من تقنية في الأسلوبينِ معاً: شعر الشطرين، والتفعيلي سنقف على بعضها ؛ وهذه التقنيات هي ممّا أفادته القصيدة الحديثة من الفنِّ السردي في جانبهِ الدرامي تحديداً، وأهم هذه التقنيات:

1 ـ المناجاة النفسيّة:

 وهي التي يسميها النقاد بـ(المونولوج الدرامي) ويعنون به حوار الذات الشاعرة مع قرينها الكائن في أعماقها على نحوٍ خفيٍّ  لا يُسمع، وهذا الحوار ليس  موجَّهاً إلينا، ويمكن أن يكون خطاباً إلى لا أحد أحياناً

 ففي قصيدة (يا ويلتي) مناجاة نفسيّة على لسانِ بطلةِ القصيدة يُثيرُ فزعَ الذات الشاعرة التي كان قلبها غافلاً يوم أن صدَّق وعودَ حبيبٍ كاذبٍ غشّاش ارتمى بحضنٍ آخر ليعيشَ الفرحَ والسعادة، ولتعيشَ ذاتُها ألمَ الخذلانِ، والندم، والصدمة:

كم كنتُ مغرمةً بهِ

صدّقتُ ضحكتهُ التي

كانت تُغازلُ بَسمتي

حتّى جُننتُ بسحرِها

فسقَيتُهُ الحبّ الذي

بيديهِ أشعلَ نارَهُ

يا ويلتي من غفلتي

أألومُ قلبي وهو يشربُ كأسَهُ

أم طيبتي

فبغفلةٍ صدّقتُهُ

واليومَ أحيا وحشتي

في غرفتي

ويعيشُ بالفرحِ الجميلِ حياتهُ

يا ويلتي

 ويمكن أن يتوسّعَ القارئ الذكيُّ بإدراج قصيدتي:(أسرجِ القلبَ لتحيا) و(جريحُ اللسان) ضمن هذه التقنية أيضاً.

2 ـ السرد الوصفي:

 وهي تلك اللوحات المتتابعة لتقديمِ الحبكة للمتلقّي، التي لا تخلو في الأعمِّ الأشملِ من تداخلٍ مع المحاورة، أو التداعي الحر، وقد أكثر منها شاعرنا شاكر التميمي حتى بلغت ثماني عشرةَ قصيدةً هي: (عبَّارة الموت)، و(ليل العاشقين)، و(أحلام)، و(حدثتُها)، و(لغة العيون)، و(أشتهي أن ألتقيك)، و(لا لقلوبٍ مهاجرة)، و(يضربون)، و(نغم القلب)، و(الحبيب الأوّل)، و(الليل لحنُ صبابتي)، و(كانوا أحبّتي)، و(نهر العلقمي)، و(قلبي على ولدي)، و(تسمحين)، و(هيَّا بنا)، و (نريدُ وطناً)، و (عراق الكبرياء).

  ففي (ليلِ العاشقين) تتدفَّقُ الصورُ تباعاً، من خلالِ بضعةِ أسئلةٍ ملحّةٍ تثيرُها الذاتُ الشاعرةُ أمام القلبِ الحزينِ، وتنتظرُ منه الإجابات، ففيها مسكّنات أوجاعها:

أيّها القلبُ أما آن الأوانْ

لم يَعدْ لليلِ سحرٌ

مثلما كان زمانْ

كان ليلُ العاشقين

دمعةً تجري وحلماً

ينثرُ البهجةَ في كل مكانْ

يافؤاداً ملَّ من كثرِ السّؤال

أوَما زلتَ غريباً

تَسألُ الغادين عمّن

ضاعَ في ليلِ التّجافي

أسرجَ الليلَ وقد فاتَ الأوانْ

***

3 ـ تقنية الحوار:

  ونعني به نزوع الشاعر إلى خلقِ حوارٍ بين بطلِ القصيدةِ، وآخر على وفقِ الموقف الذي يقرِّرُه سياق الحدث، وقد يشترك في هذا الحوار أكثر من واحد، وهو الذي عناه النقادُ بـ (الديالوج) أو المحاورة التي تجري بين اثنين، أو أكثر، وتتجلّى فيها مراعاة البناء النفسي للمتحاورينَ، سواء أكانوا متّفقينَ، أم مختلفين في الرؤى.

 وأجمل حواريّات هذه المجموعة (كما نزعم) هي:(سؤال) و(وتبسّمت) و(أحلام السلام) و (الحرّ الرياحي.)

  ولعلَّ المتلقّي الكريم سيدركُ، وهو يُتابعُ ديالوج قصيدة (سؤال) عمقَ الحيرة التي كانت عليها بطلة القصيدة، وعمق ما كانت تختزنه ذاتها من آلام، وهي تحاور السائل، وتجيبه عن أوجاعِ نفسها الكبيرة:

وسألتُها

أيّ المراكبِ تَركبينْ

وبكلّها قد تَغرقينْ

رَبّانُها لا يَستَحي إن ضاعَ كلُّ الرّاكبينْ

قالت أقِلني عَثرتي

وأنا التي قد غَيّبتني وحشَتي

حتّى نَسيتُ هَويّتي

ما عدتُ أذكرُ دينَها

في كلّ يومٍ تَرتَدي

ديناً ودينُ ملوكها

يغفو على أوجاعِ أهلي المتعَبينْ

فاستَوحَشوا الدّربَ الذي

ما عادَ حلواً في عيونِ السّائرينْ

4 ـ تقنية الراوي: والراوي في قصائدِ شاكرِ التميمي هو راوٍ عليم، وليس راوياً موضوعيّاً، لكونِ أبطال قصائدهِ هم الذينَ يروونَ الحدثَ، أو اللوحات،  وهنا تحتملُ روايتهُ المبالغةَ، والتمحّلَ، وزيادةَ الإيغالِ في تهويل النتائج، كما في قصيدة (موت الإنسانيّة):

لَقد أتعَبْتَ إحساسي

يَموتُ الوردُ في المَشفى

ولا مِن مُنقِذٍ يأتي

أماتَتْ غِيرَةُ الراسِ؟

***

 إيقاع نصوص المجموعة:

 سحرُ الشعرِ في موسيقاه، ويجيءُ تالياً لسحرِ لغتهِ العالية السليمة، فالنسيجُ المصاغُ باقتدارٍ يحتاجُ إلى معيارٍ دقيقٍ يقيسُ حركاتِهِ، وسكناتهِ على نحوٍ تنغيميٍّ تدركهُ الذاتِ الشاعرةِ تحديداً، وهذا التحديدُ هنا محصورٌ في أُسلوبي الشطرينِ والتفعيليّ اللذينِ اتخذتهما ذائقةُ شاعرنا شاكر التميمي معياراً لنصوصهِ في جميعِ قصائد هذه المجموعة.

 وحين استقرأنا نصوص هذه المجموعة البالغة سبعةً وخمسينَ نصَّـاً (57) كانت النتائج تشيرُ إلى أنَّ الشاعر مالَ إلى وزني الرمل،والكامل على نحوٍ واضحٍ ملفتٍ للنظر كما في الإحصائيات الآتية:

أولاً ـ كانت حصّةُ الرملِ منها ستاً وعشرين قصيدة (26.)

ثانياً ـ وكانت حصّة الكامل منها خمساً وعشرين قصيدة (25.)

وتوزَّعت الباقيات على النحو الآتي:

البسيط = خمس قصائد (5.)

الطويل = قصيدة واحدة .

  وواضحٌ أنَّ الميل إلى الرملِ، والكامل كان بسبب كون الأوّل من بحورِ الطربِ الغنائيّة التي تثيرُ النشوةَ في سامعِها لانسيابِها على اللسان⁽²⁾، وكونِ الثاني من أكثر بحورِ الشعر العربي غنائيّة، وليناً، وتنغيماً ⁽³⁾.

  وحسناً فعلَ شاعرُنا في توكيدهِ على الأوزانِ الغنائيّةِ لأنَّ بناء النسيج عليها يزيد في سحريّة أدائها، ولعلَّ قول  فيثاغورس: (الكون مبنيٌّ  بناءً موسيقيّأً) هو الذي حدا بـ نيتشا (كما نظنُّ) أن يقول: (العالم بدون موسيقى غلطة كبيرة .)

***

  أخيراً نقول: إنَّ نصوصَ الأستاذ الدكتور شاكر هادي التميمي  هي من نصوصِ الأعالي، التي يتوافرُ فيها الإدهاشُ، والمغايرةُ، والابتكار، ومخالفةُ السائدِ، والجرأةُ في تناولِ الوجعِ الإنساني سواء أكانَ هذا الوجع  في الجانب العاطفي (الوجداني)، أم الاجتماعي، أم السياسي، فضلاً عمّا في ذائقتِهِ من نباهةٍ في توظيفِ الرموز، واستخدام التقنية الفنيّة، والإيقاع الذي يحدث الإثارة، و نظنُّ كلَّ الظنِّ  أنَّ الزهاوي كان محقَّـاً تماماً حين قال:

إذا الشعرُ لم يهززْكَ عندَ سماعهِ

فليسَ خليقاً أنْ يُقالَ لهُ شعرُ

***

قراءة: ا. د. عبد الرضا عليّ 

.............................                 

إحــــالات

(1) الثابت والمتحوّل،ج 3: 146.

(2) ينظر: المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها (عبد الله الطيب المجذوب) ج1: 126 -131، وينظر كذلك ما كتبه الشيخ جلال الحنفي في (العروض..) 309 .

(3) ينظر كتابنا (موسيقى الشعر العربي قديمه وحديثه) 44، دار الشروق / الأردن ـ 2009م.

 

 

منذر الغزاليللكاتبة التونسية زهرة خصخوصي

مدخل إلى البلاغة النوعية:

تنقسم البلاغة العربية إلى ثلاثة أقسام:

علم البيان، التشبيه والاستعارة والكناية....

علم المعاني الخبر والإنشاء...

علم البديع: المحسنات اللفظية والمعنوية، السجع، الطباق، المقابلة....

"الصورة الشعرية ما فتئت تحظى بمكانة كبرى في دراسة النصوص، في حين أغفل النقد الأدبي دراسة الصور في النصوص السردية... إن الصورة التي يتناولها د. محمد أنقار، وحلقة تطوان، هي صورةٌ سرديّة... بمعنى أن أنقار يؤسس دعائم البلاغة السردية... الصورة الروائية (السردية) هي صورة لغوية تخييليه وإبداعية وإنشائية تتشكل في رحم السرد، وتتفاعل مع مجموعة من المكونات التي تشكل الحبكة السردية. ومن ثمّ يمكن الحديث عن صورة الموضوع، وصورة اللغة، وصورة الفضاء، وصورة الشخصية... وغيرها من الصور التي تستنبط من داخل النص السردي... تتمثل جدة هذا المشروع في تأسيس بلاغة جديدة تسمى بالصورة الروائية، أو بلاغة الصورة السردية، أو البلاغة النوعية."( *)

بلاغة العنوان

العنوان هو العتبة الأولى التي تواجه القارئ ، والذي كشف عن قصد منه، بنية النص، أو يضع إطاراً تخييلياً لدى القارئ ويفرض أسئلة تحاول تأويل معناه، ودلالته، وبالتالي الوصول إلى فهم دلالة النص، أو المساعدة في فهمها، من خلال محطات متعاقبة أثناء القراءة، يقف فيها القارئ، محاولا الربط بينها وبين العنوان. قد يصل إلى غايته في إحدى تلكم المحطات، وقد لا يصل. وقد يصبح العنوان، بصفته حقلاً دلالياً منفرداً، حقلاً للتأويل يتعاضد مع النص بأكمله في فهم المعنى الكلي الشامل.

من العيون قفّة... هو تناص مع مثل شعبي، كما أوضحت الكاتبة في هامش أسفل النص. بلاغة العنوان تأتي من تناصه مع المثل الشعبي، في هذا التناص يستعير ليس فقط  لغة المثل، بل يختزل، كما المثل الشعبي تجربة حياتية، مرّت عليها العصور الطويلة ورسختها في أذهان الأجيال المتعاقبة.

وبلاغة هذا العنوان تأتي أيضا من انزياحه الدلالي حيث هو صورة مبنية على الكناية، قفة العيون هي الكثرة التي تحاول أن تعوّض فقداً للنظر، وشوقاً للرؤية، لا تطفئه عينان اثنتان.

بالإضافة إلى ذلك الغموض الذي يغلف العبارة بغلالة شفيفة، لا تحجب ولا تكشف؛ غير أنها تبقي القارئ معلّقاً بخيط أملٍ وفضولٍ لذيذ لمسح كنه ذلك العنوان.

بلاغة الفضاء السردي(المكان والزمان)

1- بلاغة المكان القصصي:

"كلّ الأدراج خاوية…ترتطم يدها بالخشب البارد أنّى مدّتها، فتعود إليها موجوعة حانقة، ثمّ تعاودها الرّغبة في عناء البحث من جديد لتغرق في الفراغ"

بهذا الفضاء المكاني الغامض والمفتوح في آن، تفتتح الكاتبة القصة. خواء من جهة، وفراغ من جهةٍ أخرى... ولا شيء واضح أو محدد.

"فجأة أضحيت أتسمّر مكاني أخشى بالسّقف ارتطاما، أخشى بالجدار اصطداما، وتضيق حولي الدّائرة"

بهذا الوصف الشاعري الحامل لتأويلات لا تنتهي، يتوضح الفضاء المكاني قليلاً؛ لكن دون أن يحده أو يحدده أي جوار مكاني آخر، سوى سقف تخشى أن ترتطم به، وجدارا تخشى أن تصطدم به... وهذا الوصف الشاعري الحامل للتأويلات يزيد من بلاغة المكان، فليس كل سقف هو سقف مادّي، وليس الجدار جدا را من حجر.. لكننا نمضي مع الكاتبة في رحلة اكتشاف لحدود المكان...

"تمدّ يدها بحذر إلى يمينها، تتحسّس الفراغ، تحاول العبور إلى مكتبها المحشور في الزّاوية، آخر ملجأ لأسرارها الشّحيحة". صورة تتلوها صورة، وغموض يقود إلى فراغ...

وأخيراً، يكتمل بناء المكان القصصي بهذا السطر الذي يقع في منتصف القصة تقريباً... "طرقات خفيفة على باب الغرفة تنتزعها من تلك الأريكة البالية ومن متاهة الذّاكرة". لكن مع اكتماله ما زال المكان صورة شاعرية، ليس مجرّد بيت، وليس مجرّد باب، ولا أريكة.. هو مكان مفعم بالسحر، بالذكريات، والفراغ المحيط.. صور شعرية أساسها التشبيه والاستعارة والكناية، استثمرت الكاتبة البيان لأقصى طاقة ممكنة في رسم مكان غير محدود، رغم أنه محدّد، يصلح أن يكون أي مكان، الجدار والسقف، والباب، كلها عناصر تصلح أن تكون مادية مكونة لمكانٍ مادي محسوس ومحدود، وفي الوقت نفسه تصلح أن تكون أي مكان، ولا مكان... هو مكان اصطلاحي، كوني، حامل لكل تأويل ممكن من القارئ... هو الوطن في أحد تجلياته. هو الحياة في تجلٍّ آخر... هو كلّ ما يراه القارئ، أيّ قارئ، كل ما يحتاج أن يتمثله.

يكفي أن نقرأ إحساس البطلة بالمكان، بهذا المونولوج الشاعري الجميل:

"وتضيق حولي الدّائرة.

تضيق وتضيق وتضيق…

ولا ضلع في الدّائرة يسندني.

لا ضلع في الدّائرة…”

2- بلاغة الزمان القصصي:

كما بنية المكان في القصة، جاءت بنية الزمان، شاعرية منفتحة على التأويل مالكة للإيحاء...

أول مرة نلتقي بالزمن في سيرورة الحدث بهذا الوصف: "أوّاه…كم سنينا مضت تلتهم السّنين".

نعلم أنها سنين... وهذا كل شيء.

"كان خريف..."

"وكانت الشّمس في خفر تقبّل ثغر الغروب "

"الشتاء مذ ذاك الخريف ما أتى"

زمن القصة في السرد جاء في الزمن الماضي، أما الزمن الحاضر، زمن الحدث المرتبط بالمكان القصصي، فلا خبر عنه، كأنه لا وجود له في خارطة الزمن... أو كأنه كلّ الزمن.. كل لحظة، لا اسم لها. إذا كان الزمن في ذاكرة يقين توقف عند ذاك الخريف، فلأنّ الكاتبة، وعن قصد لا تريد أن يأتي الشتاء... لأنّ الشتاء يجلب الربيع، ولا ربيع يأتي بعد الحروب... هكذا يخبرنا النص، في إحدى قراءاته.

يتعانق المكان والزمان، بصور بليغة، تؤدي إلى الضياع، والضيق، والعدم... إلى انعدام الإحساس بالزمن. في الناحية الخلفية للصورة، نقرأ الهروب من الزمان، من العمر المقيّد بحياة كأنها دائرة تضيق وتضيق.

بلاغة الشخصيات

يقين، وحلمي. هما شخصيتا القصة الوحيدتان.

بلاغة الشخصيات القصصية تتبدّى في ناحيتين.

الناحية الأولى: اسم الشخصية، وتعاضد الاسم مع جنسها.

يقين هو اسم الشخصية المؤنثة، الذي يوحي بالثقة المطلقة، بالإيمان المطلق. المعنى المعجمي للاسم يقين هو: العلم الراسخ و المعرفة الحقة.

واسم الشخصية المذكرة هو حلمي، المنسوب إلى الحِلْم. وهو : الصبر والأناة مع القدرة والقوَّة، والعقل .

اليقين والصبر، الإيمان والعقل... في القراءة النسقية مع موضوع النص تكون قيمة الاسمين وأهميتهما. إذا كان المكان يوحي بالضيق، والزمان يوحي بالعدم، والخاتمة عماء مع عجز، فالعدم والضياع والعجز هو ضياع لليقين، والصبر، والقدرة، والعقل... هو ضياع للحياة الإنسانية بقطبيها المذكّر والمؤنث، لينتج عن ذلك العقم والجدب. أو ينتج مجتمعاً تائهاً عاجزاً، منحرف الخطى، أعمى البصر... والبصيرة.

بلاغة السرد

الحدث، من حيث البنية، جاء وفق خط زمني متكسّر متقطع، يمضي إلى الأمام في استرجاعاتٍ عديدة حملها على عاتقه مونولوجٌ هو قطعٌ شعريةٌ، أو نظراتٌ فلسفية:

“كم أجدني في قصر مداي قد استطلت !

كم أجدني في ضيق مداي قد اتّسعت !

فجأة أضحيت أتسمّر مكاني أخشى بالسّقف ارتطاما، أخشى بالجدار اصطداما، وتضيق حولي الدّائرة.

تضيق وتضيق وتضيق…

ولا ضلع في الدّائرة يسندني.

لا ضلع في الدّائرة…”

يلاحظ القارئ بسهولة استثمارها للطباق: قِصَر – استطالة؛ ضيق – اتساع.

والرمز: الدائرة

والكناية: لا ضلع في الدائرة يسندني.

بالإضافة إلى بلاغة تكرار المفردة: تضيق وتضيق وتضيق؛ والتنويع في الأسلوب بين الخبري والإنشائي

أو:

"“أوّاه…كم سنينا مضت تلتهم السّنين

وأنا أنتظر معجزة الإياب…

قالوا “مات”…

لم قالوا ” قد مات”؟

لمَ ذريتني لقمة للشتات…؟

أنّى ذريتني وعانقت الغياب…؟

كم سنينا مضت…؟ كم ذريتني مضغة في فكّ السّنين… !”

وكذلك يجد القارئ تلك المتعة البيانية باستغلال تقنيات اللغة الشعرية، من ناحية التنوع الأسلوبي بين الإنشائي والخبري، إضافة إلى التكرار، والإيقاع. بل وطبوغرافيا رسم الأسطر على الورقة، والتقطيع إلى مقاطع على غرار قصيدة النثر.

بلاغة الحدث

الكاتبة لم تأت بالحدث جاهزا مقيّداً، ولم تكتف بالتقطيع الزمني؛ إنما بنت الحبكة على أعمدةٍ بيانية متفرّقة، إما بشكل وصفٍ بليغ، غاية في الجمال، مكتنز بالتراكيب البيانية من ترميز و مجاز واستعارات متنوعة.

"ويقين تمسي ذوباً في كفّ الوصال، ذوبا من حنين كم جمّدته بيض اللّيالي تعقلها مذ ذاك الخريف".

" كانا معاً، تحت جدار البيت يقصّان الخشب قطعا لمواقد الشّتاء

والشتاء مذ ذاك الخريف ما أتى…

كانا يقطعان الخشب المتيبّس، وفي رحم يقين قد شُدّ إلى المشيمة بذار فرح للرّبيع"

 أو جاء بعرضٍ حواريّ، كأنه، لجمال بيانه، مناظرةٌ شعرية:

"تهمس: ”الحمد لله أن ظللت حيّاً سليما”

يتمتم: ”ما أدراك أيقين؟

ألا ترين جزز الشّيب من هول أنياب الأسى؟

الشّيب راية الألم، راية الوجع الدّفين…

وكم أثخنني مساء ذاك الخريف وجعاً! ثمّ ألا ترين سا…”

“الوجع سيّاف الفرح يا عبارتي الهائمة…

الوجع، واحرّ قلباه، سيّاف الأوينات الحالمة…”

 كأنها تضمّ حبات لؤلؤ في خيط من حرير، لا يظهر جمال صنعته إلا بعد اكتمال عقد خيطه...

هكذا جاءت بنية الحبكة في القصة: مروجاً، أو بقعاً من الزهور، أو بركة ماء شفافة؛ كلُّ عنصرٍ جميلٌ بذاته؛ لكنّ جماله لا يكتمل إلا في اكتمال الحبكة وخاتمتها، تلك الصورة التي تفيض أسىً وفلسفة:

"يضمّ حلمي زوجته إليه ويمدّ رجله إلى الوراء ليغلق الباب. فجأة تدوّي قرقعة: تاك، تاك: تكككك”

تصرخ يقين:” ما هذا…؟”

يردّد حلمي:” لا تجزعي، هي عصاي أتّخذها ساقا وبها أغالب الوهن…”

تشهق يقين فزعا ممّا سلبتها السّنين…

جزعا ممّا يحجبه عنها العمى، تشهق يقين…

تهمس:” لأراه… ربّاه، قفّةَ عيون”.

بلاغة الموضوع

حبكة القصة غُزِلت على موضوع الحرب، وأثرها على الأنسان والمجتمعات، وما تخلّفه من دمار لبنية الأوطان وبنية الإنسان معاً.

غير أنّ البناء الجيّد للحبكة، واختيار الاسلوب والصور السردية، وتوظيفها التوظيف المناسب استطاع أن يرتفع بقيمة النص من قصةٍ عاديةٍ فردية إلى قصةٍ إنسانية، وكونية شاملة.

الحبكة انبنت على رجل وامرأة، تفرّقهما الحرب، وتفقدهما ابنهما المنتظر، يلتقيان بعد أن فقدا الأمل باللقاء، فيكون الرجل مبتور الساق، وتكون المرأة عمياء.

لأنّ الرجل، في ثقافتنا المحلية، وفي الذاكرة الجمعية للإنسانية، هو المسؤول عن السعي للرزق، لأن الرجولة قوّة وصبرٌ وأناة، فإنّ بتر ساق بطل القصة يعني التوقف عن السعي، العجز، وفقدان القدرة.

ولأن المرأة هي العين الساهرة على الأبناء، المراقبة لشؤون الأسرة الحانية العطوف... لأن الأنوثة جمال وحنان وثقة بالقوة مستمدّة من قوّة (بعلها)، فعماها هو فقدان الأسرة البصر والبصيرة، الحنان والرأفة، وانهيار الثقة بالقوة.

الأسرة هي المجتمع الإنساني، بذكره وأنثاه، بقوته ويقينه وجماله واكتماله، والحرب تحوّل المجتمعات إلى كتلٍ من بشرٍ عاجزين، فاقدي البصيرة، فاقدي الحلم والجمال.

خاتمة

الصورة السردية، في استثمارها الجيد آن الكتابة، وفي قراءتها قراءة واعية، تؤدي مجموعةً من الوظائف من الناحية الجمالية، وفي تحسين البنية السردية من حيث التكثيف وآلياته وتقنياته، وفي بناء الحبكة بناءً متماسكاً، وبناء الشخصيات وإعطائها الدلالات الأوسع التي تنتقل بالحدث من حدث بسيط آنيّ، أو فردي إلى تجربةٍ إنسانية شاملة، تجعل النصّ أيضاً كونياً في تجلياته وقراءاته.

أما شعرية اللغة فتتبدى في ارتفاع مستوى البيان والبديع، باستغلالٍ كامل لطاقة اللغة، وتوظيف وهج البلاغة وقدرتها في احتواء الحدث والسير به نحو الذروة والتنوير الختامي، بعدد من التراكيب والصور البديعة، التي تعيد إحياء البلاغة العربية التقليدية، بتجديد عصري، يمثل حداثة سردية خاصة، في بناها المختلفة.

وهذا النّصّ "من العيون قفّة" مثال للبلاغة السّرديّة صورا ولغة.

 

منذر فالح الغزالي

بون 23/12/2020

..........................

(*) د. جميل حمداوي (أحد تلاميذ الدكتور محمد أنقال)

..........................

مِنَ العيون قفةٌ(*)…

قصّة قصيرة بقلم لأديبة التونسية زهرة خصخوصي

كلّ الأدراج خاوية… ترتطم يدها بالخشب البارد أنّى مدّتها، فتعود إليها موجوعة حانقة، ثمّ تعاودها الرّغبة في عناء البحث من جديد لتغرق في الفراغ…

تجمع أشلاء حيرتها وتنتصب واقفة.

"كم أجدني في قصر مداي قد استطلت !

كم أجدني في ضيق مداي قد اتّسعت !

فجأة أضحيت أتسمّر مكاني أخشى بالسّقف ارتطاما، أخشى بالجدار اصطداما، وتضيق حولي الدّائرة.

تضيق وتضيق وتضيق…

ولا  ضلع في الدّائرة يسندني.

لا ضلع في الدّائرة..."

تمدّ يدها بحذر إلى يمينها، تتحسّس الفراغ، تحاول العبور إلى مكتبها المحشور في الزّاوية، آخر ملجإ لأسرارها الشّحيحة.

يئنّ الدّرج المنخور تحت قبضتها وهي تسحبه إليها، يُشرق وجهها بابتسامة ظفر، تسحب لفافة قطن، تتحسّسها كأنّها رضيع في قماطه، تفكّ عقدة صغيرة تلفّها، ثمّ تضمّ كفّها عليها كأنّها عصفور تخشى فراره.

ترفع كفّها واللّفافة القطنيّة، تقرّبها من وجهها، تتشمّها، فيغزو خدّيها توهّج فرح طفوليّ.

تضع في فمها حبة اللّبان المرّ وترتمي على أريكة باهتة الألوان، ألوان ما اغترفت منها نظراتها منذ الصّعقة والشّهقة وطوفان الشّتات…

حبّة اللّبان المرّ شهد يمحو لبرهة من الزّمن علقم الحياة الذي تكابده…

حبّة اللّبان المرّ حلوى الذّاكرة، فاكهة مجلس أمّها الحنون، تمائم العرس في كفّ الصّبايا، وباقة ورد في قفّة السّوق الأسبوعيّة…

وكم باتت حبّة اللّبان، في عتمة خطى يقين،  مشاعل لمتاهات الحكاية ...!

وكم صارت يقين تعشق كؤوس حبّات اللّبان !

طرقات خفيفة على باب الغرفة تنتزعها من تلك الأريكة البالية ومن متاهة الذّاكرة.

تتّبع صدى الطّرقات…

تسوس الطّرقات خطاها.

بصوت كالرّجيف تسأل:” من…؟”

صوت هامس رهيف يأتيها من خلف الباب: "يقين…؟"

يهتزّ قلبها لصدى الصّوت الهامس الرّهيف، تعضّ على شفتها، تشدّ قبضتها على فستانها، وتسند رأسها على الباب كالخدرة مردّدة:”من…؟ من أنت؟”

ويفترّ ثغرها بالضّياء،  كأنّها ترى ابتسامته النّضّاحة عذوبة وهو يجيب:" أنا حلمي … زوجك أيقين، افتحي الباب."

تأسرها رعدة تجتاح كامل جسدها حتّى لكأنّها تسمع أسنانها تصطكّ.

"أوّاه…كم سنينا مضت تلتهم السّنين

وأنا أنتظر معجزة الإياب…

قالوا “مات..."

لم قالوا "قد مات”؟

لمَ ذريتني لقمة للشتات…؟

أنّى ذريتني وعانقت الغياب…؟

كم سنينا مضت…؟ كم ذريتني مضغة في فكّ السّنين... !"

تزداد حدّة الطّرقات، وحلمي خلف الباب ينادي:" أيقين افتحي الباب، أيقين..."

يزغرد المفتاح في أكرة الباب، وتفيض أنهار العناق.

ذات الرّائحة الحبيبة تؤوب إليها والصّوتَ الحبيب، والجسمُ النّحيل ذاته، كعهده، في العناق رحيب، وكثير من البكاء الغريب الغريب…

ويقين تمسي ذوبا في كفّ الوصال، ذوبا من حنين كم جمّدته بيض اللّيالي تعقلها مذ ذاك الخريف.

كان خريف…

والأخبار هلّلت لانتهاء القتال، الحرب لملمت أوزارها، تركت للرّياح أن تكنس أوراق الأزيز، أن تضمّد جراح الغيمات حتّى تعشق وجه الشّتاء…

وكانت الشّمس في خفر تقبّل ثغر الغروب.

كانا معا، تحت جدار البيت يقصّان الخشب قطعا لمواقد الشّتاء.

والشتاء مذ ذاك الخريف ما أتى…

كانا يقطعان الخشب المتيبّس، وفي رحم يقين قد شُدّ إلى المشيمة بذار فرح للرّبيع…

قال:” أسمّيه جمالا”.

قالت:” أسمّيه ربيعا”.

لكنّ قصفا جائرا شوّه ذاك الجمال، أجهض ذاك الرّبيع، وبسط رداءات الخريف على كلّ الخطى، واستيقظت يقين على جسد يخنقه البياض، على بصر يخنقه الظّلام، على خبر يقول: "زوجك ضمّه موكب الأموات..."

تتخلّل أصابع يقين شعر زوجها، تبتسم، تهمس:” الحمد لله أن ظللت حيّا سليما”

يتمتم:” ما أدراك أيقين؟

ألا ترين جزز الشّيب من هول أنياب الأسى؟

الشّيب راية الألم، راية الوجع الدّفين…

وكم أثخنني مساء ذاك الخريف وجعا ! ثمّ ألا ترين سا…”

تلذعه سياط نشيجها، يبتعد عن حضنها قليلا، يمسح بكفّه دموعا حرّى  وهو يهمس بصوت رجيف : "زال الخريف أيقين… ها قد عدت، ها نحن نجتمع من جديد…

مواجعُ الفقد تذبّها ساعة الوصال.

المواجعُ ريح يكسر أمواجَها دوامُ الحال من المحال، و لله الحمد أن ما دامت حال… "

يشتدّ النّشيج، يحتضنها حلمي من جديد، لكنّها تسحب نفسها منتفضة وهي تصيح: ”أعماني ذاك المساء يا حلمي… إنّي عميت.”

يتأمّل الزّوج عينين لا تريانه، يشرق فؤاده بالنّحيب، يعقل سيّاف الفرح لسانه.

"الوجع سيّاف الفرح يا عبارتي الهائمة…

الوجع، واحرّ قلباه، سيّاف الأوينات الحالمة…"

تكنس العينان المعتمتان ابتسامته وإشراقات النّظرة المشتاقة.

يتفحّص زوجته الضّريرة فلا يرى غير الأسى.

مشارط الآه تنقضّ على الفؤادين العليلين بلا رحمة.

يضمّ حلمي زوجته إليه ويمدّ رجله إلى الوراء ليغلق الباب. فجأة تدوّي قرقعة: تاك، تاك: تكككك”

تصرخ يقين:” ما هذا…؟”

يردّد حلمي:” لا تجزعي ، هي عصاي أتّخذها ساقا وبها أغالب الوهن… ”

تشهق يقين فزعا ممّا سلبتها السّنين…

جزعا ممّا يحجبه عنها العمى، تشهق يقين…

تهمس:" لأراه… ربّاه، قفّةَ عيون*"

 

زهرة خصخوصي/ تونس

..............................

(*) إحالة على مثل تونسي ترجمته إلى الفصحى هي:” والأعمى يتمنّى قفّة عيون”