سعد ياسين يوسفقراءة نقديّة في مجموعة (مرآة ونصف وجه)

حينما يكون الشّعر مرآة الشّاعر ووجهه وانعكاساً لروحه المتوهجة فلماذا يسعى إلى إخفاء نصف وجهه عبر مواربة ٍ إبداعيّة كتلك التي سعى إليها الشّاعر قاسم محمد مجيد في مجموعته الخامسة (مرآة ونصف وجه)؟.(1)

عبر العصورعمد الشّعراء إلى اعتماد المرآة في صورهم الشّعرية بحثا ًعن ذواتهم ووسيلة للدخول لأعماقهم والتعبير عنها عبر ثنائيّة الرَّائيّ والمرئيّ، ولمناجاة الآخر الذي يبدو أمامه كقرين قد يعرفة أو يتنكر له الرَّائيّ .

وبالرغم من وجود هذا النمط من الأشتغال في الشِّعر الغربيّ والشِّعر العربيّ قديمه وحديثه إلا أنَّ الكتابات النقديّة التي تناولته لم تكن كثيرة .فقد ظهر بشكل أو بآخر هذا الأسلوب من الكتابة الإبداعيّة في الفكر الصوفي كما عند ابن عربيّ وابن البسطاميّ وكذلك في الأدب الأسطوريّ.

" وتحمل المرآة في دلالتها الأسطوريّة جذراً رمزياً يربطها برغبة نرسيس في رؤية وجهه منعكساًعلى صفحة الماء،والفنيّة بكونها دالا ً شعريّاً وأدبيّاً عاماً يمكن أن يحمل معه تقنيات خاصة ترتبط بالانعكاس وتشويه الانعكاس معاً أو التشظية والتناثر .." (2)

كما وظهرت تقنية استخدام المرآة في الأدب الشعبيّ قبل أن يطورها شعراء الحداثة ليعبروا عن ذواتهم بحرية أكبر وهي تنشطر إلى ظلٍّ وآخر وقرين . يقول الناقد جابر عصفور:

"إن رمزيّة المرآة هي رمزيّة قديمة، تضرب بجذورها في الميراث الإنسانيّ الأسطوريّ والفولكلوريّ والإبداعيّ على السَّواء، وهو ميراث ظلَّ مصدر إلهام، في بعض جوانبه، لإبداعات حديثة، من مثل ما كتبه لويس كارول عن "أليس في المرآة" أو ما ظل مصدر إلهام الكتّاب الذين استغلوا العلاقة الرمزيّة بين المرآة والأشباح، أو المرايا السّحريّة التي نعبر منها إلى عوالم أخرى، أو حتى المرايا التي هي القاسم المشترك في الفنون التي أناب عنها شكسبير (1564 - 1616) التمثيل، كي يجعل غايته أشبه (بإقامة المرآة أمام الطبيعة، لكي تعكس للفضيلة محيّاها، ولجسد العصر والمجتمع شكله وأثره) "(3).

كما برز أسلوب المرآة في شعر البياتي ونازك الملائكة والسَّياب وصلاح عبد الصّبور ومحمد عفيفي مطر لما تتيحه لهم المرآة من تحرر في الوصول إلى أعماق ذواتهم وهواجسهم ومخاوفهم، ويشير الباحثون والمختصون في مجال النقد الأدبيّ الحديث إلى أن دخول المرآة إلى الشِّعر الحداثيّ العربيّ كان على يدي أدونيس من خلال ديوانه (المسرح والمرايا)

يقول الناقد أ .د . حاتم الصكر في كتابه مرايا نرسيس: " لقد برز اهتمام أدونيس بالمرايا كرمز من رموز الشخصية قبل أن يتخذها تقنية سرديّة يقف أمامها ليرصد ما يترآى في أعماقها، وقد تعقبنا ورودها في شعره فوجدنا أنها تزداد تردداً وتكرراً وذكراً كلما أوغل أودنيس في مغامرة التحديث وأمتد بشعره الزمن .فقد كان القناع الرمزيّ والأسطوريّ يغلب على تقنية شعره الأول مع ذكر المرآة كوجود خارجي .(4)

وإذ يتخفى شاعرنا قاسم محمد مجيد خلف مرآته فهو يريد أن يظهر مالم يستطيع البوح به بشكل مباشر. وتتعدد أشكال البوح في قصائد الديوان وتأخذ أشكالاً متعددة ترسم نصف الوجه المخفي عن المرآة إذا ما افترضنا أنَّ النصف الظاهر هو ما نعرفه عن الشَّاعر .

"إن المرايا توهمنا بأنها حياديّة تعكس ما ينطبع عليها أو يترآى أمامها أو يُعرض عليها . وفي حقيقة الأمر تكمن وظيفة المرآة في كونها (تُضاعِف) وعبر فعل المضاعفة هذا تعطينا تعزيمة  القرين "(5)

وعبر تحليل النصوص التي وردت في مجموعة (مرآة ونصف وجه) يمكننا أن نرسم ملامح الوجه المخفي عن المرآة عبر ما يوحيه النصف الظاهر لنكمل صورة وجه الشَّاعر وذاته ورؤيته للعديد من القضايا الحياتيّة الجوهريّة ومحاولة الحصول على أجوبة للأسئلة المتعلقة بالذات والحياة والموت والمرأة والحبّ والوطن والغربة والعودة إلى الطفولة ومفردات الحياة اليوميّة التي أثرّت في بناء شخصية الشَّاعر فسعى إلى البحث عنها عبر مراياه والتي يمكن أن نصنفها عبر المسارات التالية:

1 - البحث عن الذات:

تُظهر لنا قصائد المجموعة أن الشَّاعر يسعى - عبر المرآة - للبحث عن ذاته التي أثقلتها صعوبات الحياة وانتكاساتها وهو بحث عن الهوية والوجود في ظل التشتت والضياع الذي يعيشه الشاعر الحداثيّ اليوم وهذا ما وجدناه في أغلب نصوص الشَّاعر قاسم محمد مجيد ويتجلى ذلك في قصيدة (تنويعات) هارمونيّة هاربة والتي تظهر فيها ملامح الوجه الآخر  في المرآة حينما يسبغ عليه الرَّفض وكأنَّه هو من يريد الهروب من نصف وجهه الموارب:

" هذا الشخص أعرفهُ

أو ...  لست متأكدا "

قد أكون انا ....

أو أحداً أخرَ

يشِبهُني ....

أين اجد روحي التائهة  ؟

والأيام  مَلأَتِ  رأسي

بالأكاذيِب " (6)

ويتجلى هنا نكران ملامحه التي قد لاتتطابق مع ما يشعر به من ضياع وغربة روحه التي تتلظى في خِضمِّ هذا الصراع الوجودي للذات وهي تصطدم بالكثير مما حولها من زيف وأكاذيب في مسيرة البحث عن روحه، ولذا تتحول صورته في المرآة هنا إلى صورة مغايرة قد تكون هي القرين التي يبث من خلالها هواجسه ومخاوفه في الحوار بين الرائي والمرئي عبر العنصر الثالث (المرآة)، وهو هنا بعد أن يشك بما يراه مشيراً إلى أنَّه قد يكون شخصاً آخر يعود إلى السُّؤال الصعب (أين أجد روحي)؟

وهذا السُّؤال الذي يطرحه الشَّاعر هنا يحيلنا إلى سبب النكران لما يراه والذي لايعدو مجرد رأس مليء بالأكاذيب، ولذا فالهروب الذي يمارسه في رحلة البحث عن الذات هو بسبب ذلك التشظي الذي يعيشه وأنعكس على روحه التي يبحث عنها بعد أن أدرك أكذوبة الحياة ولاجدواها في ظلِّ غياب الروح عنها ..ولذا فهو يخفي نصف وجهه الذي شوهته محبطات الحياة , وأحزانها في عملية رفض وتجاهل لأكاذيبها . والرفض هنا لا يأتي وفق الثنائية التي نحن بصددها أي  بينه وبين نفسه فحسب،بل تتعداها إلى الآخرين  حتى حينما يكون بينهم فينكر وجوده ليعيش غربة الذات مع الآخر الذي لا يحفل به ولا بأسئلته الكونية ولا بأحزانه شاعراً وإنساناً.

"فِي شَظايَا الدَّمْعِ المُكَدَّسَةِ فِي الْمِرآةِ

ثَمَّة آخَرُونَ

لَا أَعْرفُ نَفسِي بَيْنهُم

وَالعالمُ لَا يَحْفل بِأَسْئِلتِي

بلْ يَظُنُّ...  أَنَّني أهْذِي" (7)

وهنا تتجسد حالة الاغتراب بكامل ثقلها وهي تضغط على روح الشَّاعر، والاغتراب حالة لازمت الإنسان منذ أن طُرد من الجنة لينزل إلى الأرض، وبايولوجيا يتجسد بمغادرة الإنسان رحم أمه وقطع حبل المشيمة الذي يربطه بها، وللاغتراب مسبباته النفسيّة والفكريّة والاجتماعيّة، وهنا يحيلنا الشاعر قاسم محمد مجيد إلى التناص مع المتنبي في غربة الشَّاعر عما حوله والتي تجسدت في أكثر من موضع وقصيدة  في  شعره لكنَّها كانت هنا الأكثر وضوحاً:

" وهكَذا كُنتُ في أهلي وفي وَطَني    إنّ النّفِيسَ غَريبٌ حَيثُمَا كَانَا "(8)

ويصل الاغتراب عن الذات أعلى مراحله حينما ينكر الإنسان نفسه ووجوده كما في هذه المقطع:

"ماذا؟  .... لوَ يُمهِلنِي

حَتَّى  أَعْرِفَ

مَن أَنَا؟

مَتى وُلِدتُ؟

أَينَ أَسْكُنُ؟ "(9)3263 قاسم محمد مجيد

2- عبثية الحياة:

تلح نصوص الشاعر في بعض مضامينها على تصوير لاجدوى الحياة وعبثيّتها، ويُعد (البير كامو) من أبرز منظري العبثيّة لكنه يحاول أن يوظِّف العبثيّة للوصول لحياة فاضلةٍ تحملُ معنى حقيقيًّا، وعند ذلك يجب على الإنسان أن يحياها بالقيم السّاميّة التي لا غنى له عنها، فلم تكن عبثيّة الكون هي سبب نشوء مذهب (كامو) بل قصور هذا الكون عن المعايير العقلانيّة هو ما سبب ذلك النشوء، ومن الأفكار التي نصّت عليها فلسفة (ألبير كامو): "إنَّ عدم الوصول إلى الرضى الكامل في الفهم يسرع في عملية المخاض"، (10).

ولعلَّ الحروب العبثيّة التي عاشها العراق قد أنعكست على منجزشاعرنا قاسم محمد مجيد  مثلما تسببت الحروب التي شهدتها أوروبا في ظهور مفهوم العبثيّة وانتشاره في الأدب الأوربيّ  وخصوصا بعد ظهور رواية الفيلسوف الفرنسي (البير كامو) (أسطورة سيزيف).

ولو تأملنا منجز الشَّاعر قاسم محمد مجيد لظهر لنا بوضوح ذلك الإحساس عنده كما في عنونة قصيدته (العزف على كمان أخرس) والذي يؤكد لاجدوى الحياة وعبثيّتها ويتأكد ذلك في متن القصيدة:

" مادام  القلب

كَهْفُ تصفرُ فيه الريح

لا ضير أن يعلق شريطا" أسودا"

على صورة معلقة للحياة فوق جدار" (11)

وهنا يرثي الشَّاعر نفسه وحياته بعد أن وضع شريطاً أسود على صورتها  مؤكداً افتقاده لمعنى الحياة وسرّ وجودها المتمثل بالحبّ بمعناه الأوسع، والصُّورة التي علقها قد تكون شكلاً أخر للمرآة وتقنية مقاربة لها وأعود هنا إلى مقولة (البير كامو) في الحبّ بمعناه الوجوديّ إذ يقول:

" لا بد لنا من حبّ، حبّ واحد عظيم في حياتنا، حيث أن ذلك يعطينا فرصة للهروب من جميع اللحظات التي تمتلىء فيها باليأس المميت." (12)

ويترادف الحبّ عند الشَّاعر بالحلم، ولكن حتى الحلم عنده غير متشكل ويخفيه ضباب الوجود الخانق لذلك فأحلامه هاربة عن التحقق وهو غير قادر على الإمساك بها مما تجلعه موغلاً في عبثيّة الحياة، لأنه كلما حاول أن يفتح عقدة الحياة بالحبّ هربت الأحلام ليضعنا وحالته هذه في تناص مع عذابات سيزيف وصخرته التي تسقط كلما رفعها إلى القمة .

" ما .. أن تفتحَ عُقدةَ الخيطِ

حتى تجلِس أحلامُك

على  سَرِيرٍ من الضباِب

و تهرُب  " (13)

3- الذّهاب إلى المجهول:

يعد الذّهاب إلى المجهول وتحولاته في مرآة الشَّاعر قاسم محمد مجيد مرادفاً ومجاوراً لعبثيّة الحياة التي يحياها في خِضَمّ صراعه العنيف مع مقوضات الحياة التي تدفعه لتجاوز أهم الأسئلة التي تواجهه بعد أن تيقن أن أجوبتها لا تورثه سوى الإحباط والحزن ولذا فهو يشيح بوجهه عنها ويعبر عن رفضه لواقعه ولشكل الحياة التي يحياها تحت ظلّ زمن (وقت) لا شكل له حتى في المرآة .

والسُّؤال الذي يلح علينا هو  هل كان الشّاعر يرى زمنه في المرآة كقرين له في تحولاته وعدم ثباته فيجابهه بالرفض؟ وهنا طبعا أصبحت المرآة هي الثابت التي يقيس بها الشّاعر الرائيّ ثبات الأشياء ومصداقيتها، وأن عدم ثباتها هي شكل من أشكال التحول إلى المجهول الذي يهدد حياة الشّاعر ووجوده وكيانه.

"مثلما تمشي الايام بدلالٍ الى المجهوِل

لا  تبرَّر للهَفْوات

ولا لأسئلة تجلبُ الغَمّ

فما لا يغتفر

أنك على قيد وقت

لا وجُه ثابت له حتى في المرآةِ " (14)

وفي نصّ من قصيدة (كما يحدث دائماً) يعبر عن مرارة الحزن وبلغة تهكمية لا يعيها إلا العراقيّ المهموم والموجع بما يلاقيه دائما من نتائج محبطة  وهو يرى في مرآة وجهه الآخر كل تلك الخسارات التي تقوده إلى اللاشيء  سيّما حين لا يجد لما يقدمه للحياة سوى الجحود الذي جوبهت به (شمهودة) الشخصيّة الشعبيّة التي تلطم مع الكبار ولا ينالها إلا الفتات مع الصّغار، ومأساة (جبر) الذي لم يرَ من حياته شيئاً بين رحلتة من الولادة وحتى القبر ...وكأنه وُلد للمجهول واللاجدوى من تحولات الحياة .

وما جملة (فما الذي تريدهُ أكثر) التي يختتم بها الشَّاعر هذا المقطع إلا تعبيرٌ ساخرٌ عما تمنحه الحياة ورفضٌ لمآلاتها بهذا السُّؤال الذي يواجه به الشَّاعر نفسه ...

"صَعبٌ

أَنْ نَخْسِرَ دَائِماً

وَيقْذِفُنا الحُزنُ لِحُزْنٍ

وَلَا نُقلدُ

إِلَّا نَياشينَ شِهْمودَة

وَوسَامَ صَبْر جَبْر

فَما الذِي نُريدُهُ أَكْثَر؟!!" (15)

وتأتي جملة (وَيقْذِفُنا الحُزنُ لِحُزْنٍ ..) لتؤكد إطباق دوامة المجهول ولا نهائية الخسارات التي يعيشها الشَّاعر وقد عمد إلى استخدام كلمة (يقذفُنا) ليؤكد القوة الهائلة لفعل الحزن وديمومته واستمراره وقد جاء بصيغة المضارع، فيما تظلّ إرادة الشَّاعر هنا مسلوبة وهو يتطلع إلى صبرٍ لن يوصله إلا إلى القبر وكأنه هنا يجترح مواجهة من نوع آخر بسخريته مما هو فيه .

ويشكل الاحساس بالخسارة واللاجدوى شكلاً من أشكال  عدم يقينيّة تحقق الحلم وبُعد مناله رغم الثمن (النول) الذي يدفعه الشَّاعر وأبناء الوطن الفقراء والذي من الممكن أن يتجسد  بتضحيات الشُّهداء وأعَمار الكادحين ومستقبل أجيال بأكملها مما يدفعهم إلى الإحساس القاتم بأنهم ذاهبون إلى المجهول:

" دفعنا غاليا" (نول) الأوهام

لذا لم تمطر السَّماء

أرغفة

ولا أسماكا ولا حتى  ... جرادا" (16)

وهنا تبرز بوضوح المرارة التي تكتنف قسمات الوجه المخفي في مرآة الشَّاعر والتي يحيلها تهكما وسخرية من الأوضاع التي يعيشها شعبٌ بأكمله تحت وطأة الوعود الزائفة وسرقة قوته ومستقبله وتدمير حضارته، فإذا كان الرغيف حلم الشَّعب فقد أصبح هنا مجرد كذبة دفعت الشَّاعر إلى أن يتمنى أن تمطر السَّماء جراداً وهو يعرف أن الجراد آفة الحقول وعنوان موتها وفنائها وهو المضاد للرَّغيف بمعنى الحياة، ولكن في الحقيقة أراد الشَّاعر هنا أن يشير إلى المجهول وسرابيّة الحياة ويقرنه بالموت .

"من السَّابِقِ لأوانِه

أن  تعْترفَ !

أَنك  تَائِهٌ  في بيْداء

فلا الرَّمل عَضّ  أَنْياب  العاصِفة

ولَا نَبَتَت  زَنْابقُ الماء ,

في  قلبِ السَّرَابِ  " (17)

4- الشَّاعر في مرآة الطّفولة :

وحينما يستشعر الشَّاعر بهول الفجيعة ووطأة المجهول الذي يحيطه فأنه يلوذ بمرآة طفولته ويبحث في مخزوناتها عمّا يعيد النور لملامح وجهه المخفي،ففيها من المخزون العاطفيّ والوجدانيّ ما يمنح الإنسان شعوراً بالصَّفاء والطَّمأنينة ولذا فاستدعاء الطّفولة يعبر عن خصب ذاكرة الشَّاعر وقدرته على المواجهه، إذ يرى غاستون باشلار" أن تاملات الإنسان الشّاردة تتجه إلى مرحلة الطّفولة حيث جمال الصّور المحفوظة منذ الطّفولة في الذّاكرة ".(18)

ولذا فأن شاعرنا بعد فزعه من الوجوه المتحجرة التي واجهها في حياته والتي لا تعكس سوى العدائيّة القاتلة يلوذ بالوجوه التي عرفها في الصّغر وهي وجوه أقرب النّاس إليه .. وهذا استرجاع للحظات الجمال والوجوه بوصفها ذكريات لحياة يسودها الصّفاء والأمان والنّقاء وهو هنا قوة وليس نكوصاً، " فإذا كان مصطلح (النّكوص) كما يراه علماء النّفس  يعكس إرتداداً لمرحلة الطّفولة فإنه في الأدب يكتسب بعداً إبداعيّاً يستحق التأمل وخصوصاً حينما يوظف الشّاعر الذاتيّ بالموضوعيّ .

" حَفِيدَتي  , طيبة

خَطَّتْ عَلَى الْبابِ

بطَبْشورٍ اَبيَض

نِصفَ جَدول الضَّرْب

وَنصفَ خَريطَةٍ لِلبلَاد (19)

وإذ يستدعي الشَّاعر طفولته بما تكتنزه من رموزعذبة وتوق لعوالم الضَّوء وحرية الرؤية وحرية التطواف وهو يلبس بدلة بحار، وهذا ما يندرج في خزانة أمنياته يوم كان طفلاً، فإنما ليواجه بطفولته سؤالاً مهما وهو كيف يهرب ليتخلص من الظّلم والمجرمين والأشباح الذين يحاصرونه ويسلبونه الحياة .

"ما زلتُ الطِفْلَ

بِبدْلةِ بَحارٍ

لمْ أَظفَرْ بِجوابٍ قَط

كَيف؟

أَهْرُبُ

منَ الَّليلِ

المَمْلُوءِ غِيلاناً وأشْباحاً (20)

فالبحث هنا في لامرئيّ الشَّاعر قاسم محمد مجيد  قادنا إلى وجه رسمته غضون الألم والحزن والفقد والإحساس بلا جدوى الحياة وعبثيّتها وإنحدارها إلى مآلات مجهولة أفقدته كينونته وأحرقته بنيران الفجائع التي حلّت بالبلاد والعباد فما عاد يجرؤ أن يُظهره إلا من خلال سِتار كي لا ينكأ جراح قلبه المثكول،فيما يسعى إلى مداواة تلك الجراح بحلم الطّفولة وكنوز مباهجها التي نحملها في ذواتنا حتى الرَّمق الأخير .

أما المرئيّ في مجموعته فلا يتحاج إلى تحليل وتفصيل فهو يؤكد أن قاسم محمد السَّاعدي شاعر وطن بإمتياز يستمد رموزه من عمق حضارته ليعود لنا سامقاً بكل قسمات وجهه البهيّ  .

أَمْسُكُ بالفُرشاةِ

أُرَافِقُ كلكامش وَخِلِّهِ إِلَى غَابَاتِ الأَرْز

وَأَطْلِقُ عنوةً سَرَاحَ

رَجُلٍ يَشْبَهُ نَفْسَهُ مَحْبُوسٌ فِي مِرْآةٍ (21)

وهكذا يتغلب النّور على الظّلام على عتمة نفس الشَّاعرالمتعبة بالبحث عن ذاته وكينونته  كاسراً المرآة  لتعلو أغاني الضِّياء التي كتبها الشُّهداء في سفر محبتهم للوطن وبناء مجده، وهنا ينتصر الشَّاعر للحياة في مواجهة المجهول والظَّلام .

 

د. سعد ياسين يوسف

.............................

(1) قاسم محمد مجيد، مرآة ونصف وجه، مجموعة شعريّة،   2021

(2) ينظر د. حاتم الصكر، مرايا نرسيس الأنماط النوعية والتشكيلات

البنائية لقصيدة السرد الحديثة، (دراسة) دار خطوط وظلال،عمان

2021ص78

(3) ينظر جابر عصفور، رمزية المرآة.. قراءة في الدواوين الأخيرة

لمحمود درويش، مجلة العربي العدد (587)،صفحة  أدب ونقد .

(4) ينظر د. حاتم الصكر، المصدر السابق ص83

(5) د . حاتم الصكر، المصدر السابق ص79

(6) مرآة ونصف وجه ص19

(7) المصدر نفسه ص71

(8)   ديوان المتنبي، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت 2008

ص182.

(9) مرآة ونصف وجه ص38

(10) تمام طعمة، العبثية في أدب البير كامو، مقال، موقع جريدة

النهار82- مارس -2019

(11)   مرآة ونصف وجه ص24

(12) من أقوال المشاهير، ما قاله البير كامو عن الحب موقع حكم نت.

(13)  مرآة ونصف وجه،  نفسه ص51

(14) نفسه ص 57

(15) نفسه ص67

(16)  نفسه ص64

(17) نفسه ص 50

(18) غاستون باشلار،علم شاعرية الأحلام الشاردة، المؤسسة الجامعية

للدراسات والنشر، بيروت 1991ط1، ص22

(19) مرآة نصف وجه، ص54

(20) نفسه ص 62

(21) نفسه  ص65

 

حيدر عبدالرضاالماثول السردي بين جمالية الموضوعة والمغالات في التفاصيل

توطئة: لا يمكن للمتلقي من أن يدرك طبيعة الأحداث في النص الروائي، إلا من خلال أعطاء للزمن الخطابي بعدا متميزا وخاصا.باعتبار أن الزمن في الخطاب هو ذلك الجزء الملموس من النص، فهو بمثابة الجزء المعاين من الظاهر في وقائع (الماقبل ـ المابعد) وهنالك بالمقابل ثمة أزمنة خارجية تبدو بعيدة العلاقة بالمعمار الزمني الداخلي للنص، أي أننا بإمكاننا اعتبارها أزمنة خارج زمن النص.من خلال قراءتنا إلى رواية (ساق البامبو) للكاتب سعود السنعوسي، وجدنا تلك القرابة ما بين (زمن الخارج / زمن الداخل) فمن خلال العتبات المناصية للرواية تعرفنا على جملة تصديرات خطاطية ما من متوازيات البنية الزمنية التي تتم بموجبها إنتاج المقصود الدلالي من عين الراوئي نفسه. أي بمعنى ما واجهتنا سببيات وأوليات مصاحبة في تشكيل هذا النص كحال ما غدا يبرهنه السنعوسي في عتبات روايته ككلمة للمترجم ومراجعة وتدقيق من قبل شخوص هم من يشغل بالضرورة زمن الحكاية في المدار الروائي.في الواقع لدينا ونحن نقرأ هذا العمل الروائي عدة مآخذ، وذلك ما سوف نشير إليه إجمالا في فروع مباحث قراءتنا هذه.

ـ إشكالية المسميات وضديات الأرحام وغلو الهوية

بين ما لم يفترض وما لا يمكن افتراضه، تنقاد متعلقات كينونة الفعل الرحمي بما لا يشتهى له من التقارب في التخصيب ومبادرة التكون في غفلة من التقريظ القسري، الذي استطاب فيه ذلك الاحتواء من الوجه العرقي المحمول في تفاصيل دخيلة خاصة من مصداق اللامتوقع واللامقول في الخطوط العريضة من النص.وفي ضوء معطى هذا المخاض في متواليات الماثول التجنيسي في النقش الرحمي، صار لتلك الأرهاصات وجودا ذات علاقة نواتية متكونة من علاقة مفارقة ما بين طرفين متفاوتين.وفي الحالة التشريحية اللاموقعية تتوالى عينة ذلك الكائن المتصاعد سيرا حثيثا نحو بداية نهايته وصولا إلى اثبات حالة وجوده المفترض في زمن تراجعت فيه وسائط تعالق الأرحام ونفي نقاوة النطق وسادت فيه ضديات رقيبة على مشهد مفارقة الهوية وغلوها.

1ـ العربي المهجن وأختلافية الاستجابة في زمن الحكي:

تتصل بمواقع السرد في رواية (ساق البامبو) ثمة متحكمات ترتيبية خاصة في جعل ترسيمة الأحداث، تركا لحاضر السرد في مختلف توجهاته في المتتابعة ضمن الاواصر الخطية الأحداثية، لذا نعاين إلى ذلك التسلسل في مجرى صيغ زمن الحكاية، يبرهن لنا على أن الرجوع من ناحية النقطة التي وصلة من خلالها الشخصية عيسى أو خوسيه: (عندما كنت هناك، كان الجيران وأبناء الحي، ممن يعرفون حكايتي لا ينادونني بأسمائي التي أعرف، ولأنهم لم يسمعوا ببلد أسمه الكويت كانوا ينادونني Araboأي العربي رغم أنني لا أشبه العرب في شيء إلا في نمو شاربي وشعر ذقني بشكل سريع . / ص17 الرواية ) في هذا النوع من خصوصية العلاقة ما بين الحقيقة وإهمالها من قبل ضديات العرق الآخر، تتوالى وقائع محكيات السارد المشارك عيسى الذي عاش في بلد والدته الفلبين، بعد أن تم انفصالها عن والده راشد ذلك الأب الكويتي الذي ارتضى لمصير ولده الوحيد أن يكون عربيا مهجنا على أرض حقول البامبو. ومن خلال حكي السارد المشارك في النص، تتبين لنا وقائع حضور الأم جوزافين إلى منزل الجدة غنيمة في الكويت بصفة خادمة في عقد الثمانينيات، وقد نشئت علاقة ودية في ظروف عملها في ذلك المنزل مع راشد في منحى كان سببا في خلق تلك العلاقة العاطفية الخاصة ما بين جوزافين وراشد الطاروف: (لم أتخيل قط بأنني سأعمل خادمة في يوم ما/كانت فتاة حالمة.. تطمح لأن تنهي دراستها لتعمل في وظيفة محترمة .. لم تكن تشبه أفراد عائلتها في شيء .. في حين كانت أختها تحلم بشراء حذاء أو فستان جديد كانت أمي لا تحلم بأكثر من أن تقتني كتابا بين وقت وآخر. / ص19 الرواية) هكذا تعرفنا وحدات الحكي في النص على حيثيات الانموذج الانطباعي المتعلق في حياة الأم جوزافين وكيفية رضوخها على أن تعمل كخادمة في منزل عائلة الطاروف . في حين كثفت أسباب الرواية كل مبررات انقياد جوزافين إلى السفر لأجل العمل، بعد ما كانت شقيقتها آيدا قد سبقتها في ممارسة أعمال مختلفة، كنادلة في حانة ثم في مرقص ليلي، مرورا بممارسة مهنة الرقص: (قدمت آيدا الصغيرة أنذاك جسدها لكل من يسألها ذلك مقابل أن يدفع مبلغا يحدده سمسارها.هناك ثمن خاص للرجل الأجنبي يفوق الثمن المخفض الذي يتمتع به الرجل المحلي الفقير. / ص20الرواية) وعلى هذا النحو تتبين لنا من خلال الأحداث بأن الشخصية آيدا أصبحت تتعاطى العهر بأمتيازية لا نظير لها، بخاصة بما يتعلق بذلك المردود المالي الذي كانت العائلة تعده بمثابة المصدر المعيشي الذي يتكفل بكافة مصاريف أمها المريضة ونوازع ذلك الأب الخمار المقامر الذي لا ينفك في عادته من ممارسة هوايته المثلى في جني الديكة ومصارعتها في حلقات القمار: (تتأخر أحيانا عن موعد وصولها، تقلق والدتي بقضائها ليلة كاملة مع أحدهم في فندق ما، وهذا له ثمن مجز/ لا ينظر الأبوان إلى وجه أبنتهما، فنظرهما لا يتجاوز خاصرتها حيث حقيبتها . / ص21 الرواية) .

2ـ دكتاتورية الأب وسطوته الأفيونية:

أن الحضور الذكوري المبني على دعامة القوة البدنية والموقع المهيمن في المنزل، هو ما جعل من ذلك الأب العجوز دكتاتورا مفرطا في جشعه في حب المال والسطوة الكاملة على نهب ما تحصل عليه أبنته آيدا من أثمان امتطاء جسدها طوال ليلة كاملة في فعل البغاء.ويصف لنا السارد المشارك عبر صوته الراوي عن مدى وقاحة ذلك الأب العجوز في أشد اللحظات التي كانت تعيشها آيدا مع معاقرة الخمر والتدخين وقضية جنينها المحشور في رحمها قسرا: (أنغمست آيدا في هذا العالم .أدمنت الشرب وتدخين الماريجوانا.أصبح كل شيء بالنسبة لها مقبولا، وليس ثمة شيء في حياتها له قيمة حملت أكثر من مرة، ولكن حملها لا يستمر، فقد كانت تسقطه فور علمها به . / ص21 الرواية) لاشك أن مسار الرواية يستغرق أشد المراحل انفجارا وضغطا في ناحية الأحوال الحياتية المشرئبة بالعوز والفاقة والبغاء والمخدرات ومهما كان يسعى إليه السارد المشارك في مسروده، تظل لدينا إمكانية خاصة من التحقق في مصداق تلك الظروف التي دفعت جوزافين إلى الهجرة نحو الكويت للعمل.

 

 

ـ تمظهرات المفترض الزمني وهوية الزمن الأدراكي

أن مفهوم الهوية الزمنية في سياق رواية (ساق البامبو) يكتنفها العديد من حالات التجربة المحسوسة والمنقولة على لسان السارد، أو ما كان منقولا من خلال روي والدة الشخصية عيسى، لذا وجدنا بدورنا أن أغلب آليات السرد في الرواية، تصطبغ بالشواهد المنقولة، فيما يبقى زمن الأحداث لا يتعدى احاسيس وانفعالات وإيقاعات استرجاعية وارتدادية في حياة الشخصية عيسى.هذا في ما يتعلق بالقسم الأول من حكاية الرواية، التي بدت لنا من جهات أخرى عبارة عن متتاليات من الأفعال النفسية الصادمة التي تواجه أشد الواقف حرجا وإلتباسا بالنسبة الحياة الشخوص الذاتية في الرواية، لذا قد يتوضح لنا الخطاب السردي الخاص بالقسم الأول، على أنه جملة أحداث ووقائع غدا يستغرقها ذلك الحس الأدراكي المستوعب من جهة فراسات السارد المشارك.وهذا ما يعني بدوره أن حالة التوازي بين حياة الشخصية في بلاد أمه تقع كحالة وسائطية مخصوصة إلى ترهين جل التفاصيل الممهدة لأوليات الشخصية جوزافين وكيفية إعادة ممارسة دورها كخادمة في منزل السيدة غنيمة، بعد ما كانت تحيا تحت ضغط الحاجة في موطنها الأصل.

1ـ الاغتراب المصيري في بنية الصراع السردي:

يقدم السارد المشارك ملامح وشخصية والدته أمام خيارات عسيرة من ناحية بقاءها في موطنها الأصل بصيغة البغاء: (في الوقت الذي كانت فيه والدتي على وشك أن تكون نسخة عن خالتي آيدا بمصيرها البائس. / ص23 الرواية) أو أن تجد لها فرصة نادرة في إطار من الهجرة للعمل في أيا من بلدان الخليج، وقد شاءت الفرص جوزافين حول عثورها على ذلك الاعلان الذي كان يحمله أحد جيرانهم، وقد يتلخص ذلك الأعلان باستقبال الراغبين في العمل في دول الخليج عن طريق الوكيل في مانيلا: (التقطت والدتي القصاصة من يده وكأنها تحمل صك الإفراج من سجن محتمل قضبانه أجساد الرجال الجائعة. / ص23 الرواية) يطرح لنا السارد المشارك خيوط واهنة من استعدادات لحظة ضاغطة على جملة خيارات مصير والدته، بيد أنها أي ـ جوزافين ـ جعلت تتلمس من كل ضغوطات واقعها المرير خرجا لوجودها في زمن يقع بها خارج حدود موطنها الذي غدا لا يوفر لحياتها سوى المزيد من التفاصيل المخلة بصحة عفتها وكرامة أنوثتها المساومة بمقابل حفنة بخسة من المال تمنحها بأعصاب مشدودة بالنتيجة إلى ذلك العجوز المقامر في حلبة عراك الديكة الفائزة والخاسرة.

2ـ غبار اللاهوية في خطاب ملامح الخذلان العاطفي:

أن مسار الأحداث الروائية في مرحلة انتقال جوزافين من الفلبين إلى ذلك المنزل الذي تحكمه الجدة غنيمة تعد بالمساحة الظلية من دائرة الإفراغ من هموم ومشاعر الفاقة وشحيح العيش بالنسبة لجوزافين، خصوصا أن ما تحمله الفقرات الأخيرة من حياة أهلها في مانيلا، لا تنبض إلا بالمزيد من البؤس والتقهقر في زاوية عمرية مظلمة.فهي تركت خلفها شقيقتها آيدا وهي تحمل بين يديها أبنتها اللاشرعية من رجل أوربي: (جاءت ميرلا بشكل جديد..كانت فلبينية الملامح لولا بشرتها البيضاء المائلة للحمرة . / ص22 الرواية) في الوقت الذي كانت فيه العجوز والدتها تلفظ آخر أنفاسها على سرير النزع الأخير.وعلى هذا النحو من تلك المقدمات الأليمة راحت جوزافين تدخل حاكمية عائلة الطاروف، وكلها أملا في تأمين حياة هانئة لأسرتها في موطنها البعيد وبشكل يخلصها شخصيا من جنحة ممارسة البغاء قسرا هناك. لكن الأمور والمواقف جاءت تنسج تفاصيل مأزومة جديدة من علاقة عاطفية بالمعنى الدقيق بين جوزافين والأبن البكر راشد: (عملت والدتي في بيت كبير، تسكنه أرملة في منتصف الخمسينات مع ولدها البكر وبناتها الثلاثة.هذه الأرملة أصبحت جدتي في ما بعد.. كانت جدتي غنيمة أو السيدة الكبيرة كما تناديها والدتي، حازمة، عصبية المزاج في أغلب الأحيان. / ص29 الرواية) وتشتمل هذه الفقرات على ما يحيط ويخص جغرافيا البيئة التي قدر للشخصية أن تحيا فيها بذات الجملة من الخشونة والقسوة والتمايزية التي مازالت آثارها عالقة فيها من خلال ما تلقته فيما سبق من تصرفات ونوازع والدها المخمور وشقيقتها التي تعد علامة سلبية في ذلك المحيط من العائلة .وقد لا ينفصل صوت السارد المشارك بأية حال من الأحوال عن بث لغته المشخصة نحو تلك اللحظات الواصفة إلى وقائع أحوال الشخوص وأطوارهم ذات النزعة التمييزية البغيضة، ارتباطا له بما لا يفوت لنفسه فرصة الاستباق داخل ذلك الوجود من العائلة سرديا (هذه الرملة أصبحت جدتي فيما بعد) .

ـ الفضاء الحلمي بين الذاكرة الشحيحة والألفة المفقودة

تكشف لنا جملة الأحداث الروائية في النص عن الظروف والكيفيات التي تم من خلالها ذلك الاعتراف بجاذبية العاطفة بين راشد الكاتب الروائي المدلل من قبل والدته غنيمة وبين الفتاة الفلبينية جوزافين بما يرجح لدينا الاحتمال المتعاطف من قبل راشد بادىء ذي بدء نحو هذه الفتاة العاملة، ولكننا عند متابعة صعود الاحداث الروائية نستفهم باليقين الراسخ بأن الأثنان كانا على آهلية محققة من حسن تبادل قناعة الحب والعاطفة الأكيدة المتمظهرة من الشخصية راشد نبذا منه لكل مقادير وأحكام الأعراف والتقاليد والتمييزية السائدة في سلطة والدته غنيمة: (ـ:أبهذا فقط نصبح زوجين ؟ / لم أكن مقتنعة بأننا أصبحنا زوجين بالفعل، ولكنني وبسبب الشعور الذي أحمله اتجاه أبيك، سلمت بالأمر / تقدمت والدتي بخطوات مترددة إلى حيث المركب.. تركت نعليها على رمال الشاطىء .خاضت قدميها في الماء الذي أحذ يرتفع كلما خطت خاصرتها بذراعه ..حملها إلى سطح المركب .. شرع بإبعاد المركب عن الشاطىء بواسطة قصبة خشبية طويلة.. ثم أدار المحرك ما أن وصل إلى منطقة يصعب فيها سماع هديره.. جلست أمي إلى جواره ضامة ركبتيها إلى صدرها، مخفية تفاصيل جسدها الذي شفت عنه ثيابها المبتلة . / ص41 الرواية) .

1ـ الخطاب المباشر واللامباشر من أوجه السرد:

تكاد أن تكون الشخصية الروائية في محامل النص تناوبا مباشرا أو غير مباشر في صيغة الخطاب المسرود، أي بمعنى ما، كأن يورد جزءا منه نحو الآخر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة رغم أن الأثنان يحملان ذات الدلالة من التوصيف والتشخيص والإيصال النقلي، كحال هذه الوحدات: (بعد يومين من مولدك سافر الأثنان غسان ووليد، وليتهما لم يفعلا! / فوبيا الطيران وجدت لها حليفا يساعدها على قتل وليد . / ص50 الرواية) لينظر القارىء نحو الكيفية التي ورد الخطاب فيها بطريقة مصحوبة بأسلوب مباشر والآخر غير مباشرن وكأنها صياغة إحالية بترتيب واقعة تحمل في ذاتها الدلالة ذاتها. وهناك بالمقابل ثمة ما يكون أداة تناوب عن صوت السارد المشارك وكأنه الشخصية بذاته، ولكن الفرق يبقى في حدود إجرائية خاصة في وسيلة توصيف النقل والمنقول بحال الواقعة: (بعد مرور وقت، خرجت خالتي آيدا من غرفتها، تسند ميرلا منفرجة الساقين على خاصرتها، وتحمل في يدها مظروفا / تقول والدتي: كان والدي قد بدأ بالشخير . / 23 الرواية) على هذه العلاقة المتناوبة يظل الهاجس الخطابي يحمل في ذاته طريقان من الخطاب الأول، يتم عن طريق الخطاب المباشر من لسان السارد، الثان، يتم عن وسيط لسان حال المنقول عن جهة الفاعل، وبهذا الأمر يلجأ الاستباق النوعي على مستوى خطابا مباشرا وغير مباشر، متخذا من مواقع التناوب علاقات نقلية متعاضدة في المستوى الضمائري.

ـ العلاقة الزمنية:

ـ السرعة.. الإبطاء: بين المواقع المحكية.

أن آليات الزمن السردي في محكيات رواية (ساق البامبو) يحتفظ بذاته بعدة أوجه من الأزمنة السردية (السرعة ـ الإبطاء ـ التتابع ـ المابعد ـ الماقبل) وتعد هذه المجموعة من الحوافز الزمنية بمثابة زمن ماضوي أو زمن حاضري سريع أو زمن ابطائي أو زمن ارتباطي أو زمن تعالقي أو داخلي أو خارجي أو نفسي أو عاطفي أو عدائي أو أليف، كما أن حالات هذه الأزمنة جميعا ذات جملة أسباب علائقية محركة فعل النواة الدلالي في النسيج الروائي، ولا يمكن للقارىء من ملاحظتها، دون التمعن الفاحص منه في خاصيات كل نوع على حد ما من الوظيفة.

1ـ زمن السرعة والإبطاء في فواعل السرد:

قد يتداخل الزمنان، فتتزامن واقعة الحكي إلى جانب زمن الخطاب، ولكننا عندما نتعامل مع بعض الوحدات الواقعة في بؤرة نواة الحكي، نجدها حائزة على درجة ما من القفز الحدثي أو السرعة الزمنية، وهذا الأمر ما صادفنا عند حال بعض وحدات النص هنا قاب قوسين: (كم كنت أعشق الأرض التي نشأت بها .. كم من الوقت كنت أختلي فيه بنفسي متأملا الأشياء من حولي، حتى خلتني أحدى أشجار أرض جدي . / ص93 الرواية ) من مثال هذا القبيل واجهتنا عشرات الأزمنة الإبطائية في واصلات التصوير السردي، ومن شأن هذه الوحدات، كونها تظل تشخيصا في انسراحة جارية على لسان السارد المشارك دون أن نفقد من هذه الإبطائية مساحة ما من تمثيلات الوحدة الوظيفية المتكونة في السياق النصي، بل يمكننا القول إجمالا أن الزمن الإبطائي في محاور رواية السنعوسي هي أكثر إيغالا في أفعال النص من مساحة القفزات الزمنية للأحداث. أما من ناحية العلاقة الواقعة ما بين (زمن السرعة / زمن الإبطاء) جعلت تتوالد أزمنة أخرى كشاكلة وحدة الزمن التتابعي أو المتعالق أو النفسي أو المغلق أو المفتوح.وبمجموع هذه الأزمنة ذات الوظائف الملحوظة في وحدات الرواية بأقسامها الظاهرة والمضمرة، إذ لا يمكننا تناولها إجمالا في محل دراستنا هذه، لأننا نحرص على مجال فكرة وصياغة مباحثنا في شكلها المستقل في المعاينة المخصصة لها .

ـ تعليق القراءة:

في الحقيقة أود أن أشير في نهاية قراءة مباحثنا النقدية إلى مثل هذا القول الذي يقر لذاته إقرارا جماليا بكون موضوعة الرواية ذات مواصفات جديرة بالاهتمام والعناية النقدية من كل النقاد، كما وتستحق ما وصلت إليه من الترحيب والتقويم من ناحية الفكرة الروائية. ولكننا لدينا كما قلنا في بداية القراءة بعض المآخذ على جوانب كثيرة من النص والتي قد لا يسعنا المكان إلى وضعها في قائمة خاصة من المناقشة والتداول، سوى ما أقتصرنا عليه من رصد حجم تفاصيل الإسراف والغلو في توظيف بعض من التفاصيل السردية الفائضة عن حاجة الموضوعة الروائية والتي لا يمكننا عدها بالمحاور العضوية في بناء الرواية إلزاما.فهناك تفاصيل حقا أسرف السنعوسي في سبكها وإيراد مواردها في غير حقيقة محلها تماما، كما وبالمناسبة أود الاشارة إلى كيفية تحول عيسى الشخصية الروائية في النص على حين غفلة إلى تجربة روائية فجأة ودون حتى مقدمات فنية مقنعة من السنعوسي نفسه إلى إقناع القارىء حول هذه الصدفة الغريبة التي تحول فيها عيسى إلى روائيا تترجم فصول روايته المكملة لرواية والده، في حين نحن نعلم بأن عيسى لم يقرأ مخطوطة رواية والده اطلاقا، بل كان الأولى بصفة الروائي هي الشخصية خولة بحكم كونها من كان يتابع مراحل وصول رواية والدها راشد، فما يخبرنا السنعوسي على هذه الإشكالية الكبرى في روايته، في حين تبقى من جهة هامة النهاية الروائية لروايته (ساق البامبو) وكأنها وحدة إنشائية باردة ولا تعبر بدورها عن هذا الكم الهائل من بناءات الرواية على امتداد أقسامها السردية.لذا أقول للقارىء العربي والكويتي تحديدا، جاءتنا الخاتمة الروائية وكأنها مفصولة تماما عن الطابع الذروي الجاد الذي كان ينبغي أن تكون عليه الخاتمة الروائية، وليس مجرد مؤثثات مشهدية تصور لنا حب عيسى لوطنه الكويت وهو يساند مباراة كرة القدم.

 

حيدر عبد الرضا

 

محمد المحسنكائن أبيض جميل لا يليق السواد إلا بفساتينها

"أشتغل في كوني الشَّفيف، ولا أسرارَ مهنية لي.. كلَّ يوم، أتعلّم وأعلّم. يُقال لي وأقول، أتبادل المعطيات والخبرات والمعارف، لي فضيلة التبادل وسخاء الشراكة وحسُّ الإنصات.. "

سميرة بنصر.هذا الكائن الأبيض الجميل، لا يليق السواد إلا بفساتينها.. تنتظر الآن، كما لم تنتظر بحياتها وطنا عربيا حرا لتدعو الجميع لوليمة السلام والحرية..

سميرة بنصرالشاعرة التونسية المتميزة.. من مواليد ولاية بنزرت المطلة على بحر متماوج يروي أقاصيص وأمجاد من عبروه في رحلات عبر الأقاصي يحدوهم أمل في غد مشرق تصان فيه كرامة الإنسان.. ، نشأت وعاشت صباها هناك، في بيت نهلت منه الأدب والجمال والشعر..

بدأت في عمر المراهقة فخطت أحاسيسها على الورق وكبرت قصائدها شيئا فشيئا وباتت اليوم أكثر ابداعا وجمالا..

وإذن؟

الذهاب إلى الشعر إذا عن طريق النثر، يشبه تمام الإبحار غربا إلى الهند، ففي كلتا الرحلتين ستصل إلى أرض لم تتوقعها، لست بحاجة لأورد هذا التعريف، حتى أتكلم عن الطريقة المبتكرة التي تسوغ فيها الشاعرة التونسية سميرة بنصر قصيدتها، في مضمار هو بمطلقه نثر.. أتذكر سعد سرحان، هذا الشاعر المغربي هو أيضا من هواة هذه المغامرة، إلا أن الفاعلية التي تحصن بها سميرة قصيدتها، التي تبدو هي من ينتصر في النهاية على ثوبها، ما يجعلها تنبع من عملية إطلاق معنى ذاتية، يتشكل من خلالها، فلا يخضع لعمليات خارجية أو أي اعتبارات أخرى، نتكلم عن معنى يورده على هيأة شطح، نعلم أن الأول (المعنى) منوط بالقارئ الذي يضطلع بإنتاجه، حتى أنه لا يتأتى له ذلك من منطلق تأويلي صرف وإنما بالتفاعل الذي يحدث بين طرفي العملية الإبداعية القصيدة / القراءة

ما الشطح .. فقد لا نسلم أنه عملية بناء وإنتاج، داخل مفهوم أفق الانتظار، حيت يتفاعل تاريخ الأدب، والتصوف، والخبرة الجمالية، والرؤية الفلسفية، بفعل آلية الفهم لدى المتلقي، فالشطح عند -سمية بنصر- الذي يتبدى أكثر في قصيدتها (همس النسيم) ليس مراكمة نتف بعض التعاليم السريالية البيضاء، بقدر ما هو فعل حر لعلاقة حب واضحة، مثل فضيحة، تخلعها القصيدة وتبغي بها نفسها لقارئها.

فهذه الشاعرة التونسية سخية، على مستوى كتابتها الشعرية ومنجزاتها الإبداعية كثيرة الظهور في الملتقيات و الموائد الثقافية، لكنها تنأى بنفسها عن الزعيق العام، للاشتغال الهادئ والمتواصل داخل مرسمها، بعيدا عن الأضواء ومتحالفة بقوة مع متنها وفنها، الذي خطته لنفسها انتباها كاملا داخل الساحة الثقافية التونسية، قصيدتها بقدر ما فجرت فيها طموحها الشخصي، على مستوى تطويع اللغة، وكسر بنيتها، بقدر ما حققت مكاسب أكثر لقصيدة النثر، إنها إلى حد بعيد أشبه بذلك الطفل الذي ينخرط بشغف في حفر الأرض؟، أكثر من شغفه بما سيفضي إليه هذا الحفر، فهذه الشاعرة التي جاءت لتؤسس لا لتقتفي أثر غيرها، برهنت للعقلية النقدية المستشرية، أن المفاهيم المدرسية كما القراءة الانطباعية على السواء، لا يمكن أن تخفي مهما استرعت من معاول، ذلك الضوء الهارب من القصيدة، ذلك الذي تخبئه عميقا في ثوبها حتى تشعر هي نفسها بالدفء، وتعرف أنها مازالت على قيد الشعر.

قصيدة غاصة بالموجات التعبيرية للمجاز الجمالي، هكذا أسميها، فالشعر الذي تستخدمه كضوء، تشعله حتى نراها، لا يمكن أن يصبح مرئيا إلا في علاقة بالبناء المولد له.. والبناء في هذه القصيدة هو سلسلة من الإرغامات التي توجهنا إليها الشاعرة، حتى نقوم من خلالها بإنتاج وتداول واستهلاك المعنى التعبيري، عبر لغة جديدة عمدها كامل أجزاء المتن السطري خاصته، وهي لغة مشرعة مثل نوافذ، يتسلل من خلالها القارئ إلى عوالم الدهشة في هذا المتن، على اختلاف أشكالها ومكوناتها وكيميائها، وهي كفضاء تشكل في الوقت نفسه لحظة الفعل الخصوصي العميق للشعرية،

فهي بهيئتها المتفردة، بزيها الجديد المبتكر، تجعل فعلا أولئك الذين يدركون دور الشعر في إضفاء المعنى وإعطاء حياة موازية، وجعل العالم أكثر إنسانية، يعرفون بالتأكيد أن هذه القصيدة بالذات قصيدة فادحة، فهي تبغي الالتفات إلى بنيتها الدلالية الظاهرة والعميقة، ضمن أبعاد ومداخل وأنماط نقدية جديدة، ترخي ضوءها أيضا على الطرح البصري، الذي تشيده، لا الإرتكاز على المعجم اللغوي ومشاغله التبئيرية فقط.

لا يفوتنا أن الشاعرة التونسية سميرة بنصر شاعرة وكاتبة دون مفاضلة، تقول بهذا الخصوص في حوار كنت أجريته معها (أصور نفسي مثل شخص ينام فوق سرير يتسع لوسادتين، بحيث يتيح لي هذا الوضع المريح التمدد فوق هذا السرير، بوسادتيه الوتيرتين الناعمتين، بما لا يسبب لي تشنجا في الرقبة أو المكوث على نفس الوضعية المحكومة بالضيق، أثناء النوم وفي الأحلام أيضا.بحيث أستطيع أن أنتقل من وسادة الشعر إلى وسادة التشكيل، وأنا فوق نفس سرير الإبداع بمعناه الواسع.هذا على سبيل المجاز.. )

فهذه الشاعرة القادمة-كما أسلفت-ولاية بنزرت الحالمة مهد الحب والجمال والكرم الفيّاض عودتنا على اللعب الحر والطليق فوق المنعرجات الحارقة للحافة في المضمون، كما في التقنية الموظفة، ترغب بشدة في هزم جسور التواصل مع القارئ، بل تقترح عليه أن يندمج معها في أجواء المكابدة الشعرية، قلت عنها ذات يوم في إحدى مقارباتي (تتأمل-سميرة بنصر-مسارها الشخصي فيما هو يتمثَّل مسار الحركة التشكيلية في بلدهِا، وفي العالم.هكذا ينبغي أن يتصرَّف كل فنّان يريد أن يتطوَّر.ولذا نراها تختزل الهِبات كلَّها في هِبَتها.وهي تشتغل في كونها الشَّفيف، ولا أسرارَ مهنية لها.كلَّ يوم، تتعلّم وتعلّم. يُقال لها وتقول، تتبادل المعطيات والخبرات والمعارف، لها فضيلة التبادل وسخاء الشراكة وحسُّ الإنصات، لا تضجر ولا تقلق ولا تتهيّب من روح التَّتلمُذ.ومن ثم، نراها تتطوّر باستمرار، وتتحوّل دونما توقف في عملها الفني، وفي رؤيتها التِّقنية والجمالية.. )

على سبيل الخاتمة:

تتميز الشاعرة العربية التونسية سميرة بنصر بوضوح نصوصها والتكنيك اللغوي باستخدامها المفردة المفرطة بالجمال البعيدة عن الترهل القريبة من الابتكار، فهي لها موهبتها المتفردة في تأثيث بيتها الشعري وتزيينه بالفكرة والصورة والتكثيف والانزياح ، لكن برأيي أهم ما يميزها في اشتغالاتها الشعرية هو "الاستنباط " الذي تعتمده كدائرة مركزية في توزيع أدوارها المستمدة من الحياة المعاشة، وهي بذلك توفر ذخيرة كبيرة من الأدوات لاستخدامها ضمن المنظومة العامة للقصيدة..

نقرأ واحدة من قصائدها الجديدة المفعمة بالتكثيف والترميز:

كان هنا.. حدّثت عنه أثار قدميْه

كان هنا.. أجابت الشّجرة التي غرسها من ألف عام

كان هنا.. قالت الريح التي شربت بقايا كأسه ، فـترنحت

كان هنا.. قالت الصخرة

قالت حبّة الرّمل: لا تستهن بي فإني الصّخرة الكبرى قبل حقبة

رأيته.. كان يمرُّ من هنا..

أخيرا.. أكتفي بالقول: قبعتي.. يا سميرة بنصر.. يا من تكتبين بحبر الروح.. ودم القصيدة..

***

محمد المحسن - ناقد تونسي

 

نجاة الزبايرإطلالة على (نبض) الشاعرة فاطمة بوهراكة

(أخطو مسافاتي

على الجمر)

الشاعرة

***

قطرة من نبع البداية:

كما همسات الصباح تُشرق

تمشي الهوينى بين سنابل العبارة

تضعُ شارة اختلافها وتصدح عاليا بالغناء

يتوهجُ شِعرها بأسرار صغيرة

ترسم ملامَحها بأنفاس الفجر

فتولدُ من كفها أوطان من ماء.

***

فاطمة بوهراكة؛ هذه الشاعرة التي تسكنها هواجس الكتابة، فتحت باب إبداعها للجمال غازلة الحب بخيوط الروح لكل الغاوين.

هل موسيقاها تلك؛ قد صنعت من اسمها أيقونة تميزها، أم تراها مثل النهر الهادر الذي تزهر في جنباته الأحلام؟ 

الوقوف على عتبات الجراح

حين نحاور قصائد الشاعرة بوهراكة، يتحقق لنا عنصر الرغبة في اكتشاف ذاتها التي تشكل النص من خلال خيوط خفية تربط بنياته الجمالية، وترسم طقوسا فنية تحمل طاقة لغوية تفجر مكنونا نفسيا هو بمثابة اعترافات منكسرة على عتبة العتاب. تقول:

أيها الساطع في نور مهجتي

أهديتك سنبلة

مضمخة بالحب والوفاء

أهديتني خنجرا

مرصعا بالدم والوعود.(..)

هكذا تفتح ذاكرة العشق النازف حاملة كل أوجاع الكلام، حيث جاءت كلماتها متدثرة بالشجن الكثيف، فشتاء الخيانة يصب في وريدها انكسارا لا يلملم شظاياه غير التأمل في الذي كان.

فاطمة بوهراكةغبية هي الذكريات

المشتعلة في صدري

الملغوم بالأسرار

تافهة هي حواديث

الزمن المر

المكدسة على جدران

الخيانة.

فهل احتراق الذات الهشة في كف المعاني المسكونة بالأوهام الكاذبة قد مزق نسيج قلبها، فأضحت مثل كتاب البحر الكبير الذي تدفن فيه أسرارها؟

بلهاء هي الأرصفة المعبدة

تحت قدمي

تجالسني خلسة بين الحضور

وقيت المساء

تسدل الستائر الغجرية

على قلب جريح (..)

لقد خلقت شاعرتنا علائق بينها وبين المكان، وانفتحت على التحاور الصامت معه، مكتفية بالتقاط صورة تواجدها في انسياب عاطفي أثرى اللحظة الإبداعية.

فهي تنقل للقارىء مشهدا غنيا بالتوتر والقلق، إذ أسقطت ظلالها المشروخة ذات مساء على الرصيف الجامد كي تخرج من دائرة الألم، واصفة شرود الروح وهي تقتنص معاني وحدتها.

أتوجع

أتوسد بقايا أشلائي

المبعثرة.

إن هذا البعد الاستعاري قد حمل في إشاراته الرمزية فيضا من الألم، جعل الشاعرة تتمدَّدُ بين سطورها وهي تردد من خلال ناي أوجاعها نشيدها الغجري الحزين الخاضع لبنية الاستمرارية، من خلال حضور الفعل المضارع بشكل قوي.(أتوجع، أتوسد).

شراييني مدججة بالعطاء

ساعة الجحود

متعبة أنت يا أنا

لحظة الوعود

تكتبين نهاية الألم

المدفون

في ذاكرة الزمن التائه.

لقد استثمرت لغة مكثفة كي تحاور ذاتها، إذ ترددت في جنبات نصوصها حيرة حاصرتها في دائرة زمنية تائهة.

إنها الأنا الممزقة بين العطاء والخذلان، فهذه الطاقة المتْعبَة لا تتحرر إلا من خلال نثر الصخب النفسي بين البياض والسواد.

وريدي مدجج بالصراخ .تقول

لكن سرعان ما حاولت الذات الملتاعة استثمار طاقتها في الصمود لاستعادة جزء كبير منها.

ساعة الإقصاء

أتحول ..أتيه

أتمرد

داخل هذا القفص

أنقش الحناء فويق الورق

المبعثر على الجدران

ألهو بالألم

أنسى ما تبقى مني

أداعب جرحي

لأرسم وجها يشبهني

كثيرا يشبهني.

في مخدع الجراح حملت لنا الشاعرة مراوغاتها التي رصدت اغترابها وهي تنسكب فوق الورق (تيها وتمردا)، تحاول بحس مزاجي أن تُحَوِّل ظل الاحتراق الذي يلازمها إلى شمس تخفي من خلالها ذكريات لم تحمل غير الندم.

آه , كم عمرك أيها الوجع

المشاغب تحت الظلام

وحرقة السؤال تعصف بي

 

تتأوه شاعرتنا وحيدة بين ضلوع السؤال (كم..) ، والذي يحلينا نحو خراب عاطفي لا نهاية له، مخاطبة الضياع والسلبية التي تحيط بزمنها النفسي لتصير الذات هنا ذاتين، فأي انشطار هذا الذي يستخدم مفردات تفتح عينيها على واقع يغرق في لجة الغيم؟

وحيدة أشاطر نصفي

لأرسم وجها نورانيا

يخيفني هذا الوجه

يشنق يدي – عبثا.

لتكون الكتابة خلاصها وهي تنتقل رحالة بين دروب لياليها.

نبض يضيء ليل الحنين

بين الشغف والتمرد نسمع نبضا خافتا يمر على جسد القصيدة كي يعلو صراخها، (لكل هذا الألم أرفض كينونتي). تقول

هكذا تحولت الشاعرة إلى لغة تطوف بنا أحداق المساء، متماهية مع ذاتها في تفاعلها مع الوجود، فلماذا تُصر على أن تقص علينا قصصا من نار خساراتها، فهل هي مرآة هشة لواقع كسر أغصانها المرهفة، حتى تحول جسدها إلى مرفأ لنوارس الخيبة والندم؟

تقول:

أيها الراحل عبر المسافات

كسرت صوتي

حطمت وجهي

ونسيت أني المزهوة

بالانتصارات ....

إذا كان للوجه دلالات مختلفة حسب المفردة المستعملة، فإن الشاعرة هنا قد شكلت معانيه من خلال صراع صارخ بين عواطف غائبة بعيدة في الزمن، لكنها منثورة في الحاضر مثل حُبيبات الندى.

فالفضاء الدلالي لانكسار الصوت و تحطيم الوجه، تعنيف يسلط الضوء على مغاليق النفس التي تحاول أن تجد مهربا في الاعترافات الشجية التي رافقت ضعفها، فتجربة الشاعرة داخل نصها يذكرنا بانتصاراتها التي نسيها الآخر، أيا كانت طبيعة تواجده في حقل انفعالها العاطفي الذي يفغر فاه أمام مرايا عنفوانها. تقول:

3256 فاطمة بوهراكةنزيف القلب

المهجور … المكسور

وأنا القريبة / البعيدة

أضحك / أبكي

أمزق بقايا المرايا

المرصعة

في قلبي المحمول على

النعش

أحتفل بزغاريد الشجن

أمضي

أمضي

فأمضي …

 

إن امتداد الحزن في نصوص الشاعرة فاطمة بوهراكة قد جعلها تنوء تحت ثقل الاغتراب النفسي الذي يعتبر من لبنات الشعر المعاصر، والذي يواجهه الشاعر من خلال القصيدة.

هكذا استطاعت أن تَعْبُرَ بالقارىء نحو ضفة أخرى، حيث خلقت علاقة مصالحة مع الذات من خلال تقبل قلق الحياة والتحليق في المدى العاري.

فبنية التكرار (أمضي..) قد أحالتنا نحو حالة معنوية وضعت فاصلا زمنيا بين الذي كان وبين ما سيكون، إنه التوغل في أحراش لغة رشيقة تنتصر على تقاسيم الألم.

فما هذا النحيب الذي أسال القصائد مطرا لا يستقر إلا بين ثنايا الروح، وهي تحاول الانتصار على الشعور بالتعاسة من خلال التخييل؟

سقوط الذات بين ذراعي المعنى

تتحرك شاعرتنا المتألقة تحت سقف لغة شفافة كي تصطاد جدائل الريح المسافرة بين الآهات، وفوق خِصر الوقت نراها مثل قيثارة حزينة تردد:

بين الجدران

متعبة أنتِ يا أنا.

نلمس من خلال هذه الصورة البصرية زخما نفسيا اجتاح البياض، وكأن المفردة أضحت من طين تنفخ فيه من روحها فتغدو حمامة تبحث عن السلام الروحي.

وما (الجدران = سجن الواقع) سوى هذا النبض الذي سال قصائدَ احتفت بالذات الإنسانية على حافة الكون.

تقول:

تصرخ لحظة الألم

حمقاء هي الذكريات

مفعمة بلغة البلاء / الغباء

تؤثثني هذه الجنازة

الضاربة في عمق الجسد

تقطع شهيتي ليلة

الفرح

وكأس دمع يعزف سمفونية

الإخلاص المر.

فهل تُشكل هذه المرارة انهزامها أمام توترات الحياة، أم هو مجرد أكسجين جمالي تتنفس من خلاله الرئة المبدعة كي تستقبل نصالا تتكسر فوق النصال؟

تقول:

غريب هو الصدق

ملعون هو الصبر

في زمن الغدر

المقنع بالعسل

المتيم بالخطيئة.

إنها دروب تستضيء بمصباح بكاء خفي، حيث يقطع جسد الحلم المسافات ركضا، ثم يستلقي بين لثغة معانيها.

جسدي سنبلة صيف

راقصت أوتار

العشق والقدر

داعبت أغصان الهجر

ساعة الصخب الممتد فيك

إلى الأبد....

نظرة من أفق النهاية:

تعتبر الشاعرة والباحثة الباذخة العطاء فاطمة بوهراكة اسما متفردا في الساحة الثقافية، فكان ديوان (نبض) المترجم إلى ست لغات (العبرية / الفرنسية / الانجليزية، الاسبانية / التركية والكردية) ريحانة زرعتها بأنفاسها في تربة القصيدة المغربية المعاصرة .

فجاء شعرها حزينا يتشظى فيه الجسد، وتتمرد الروح على السائد لكي تقول للعالم (أنا هنا للتميز أغني.)

وهي لم تكتف بالتعبد في محراب القصيدة، بل سافرت إلى كل مكان كي تغني نشيد اختلافها، من خلال بحثها وعملها الدؤوب على توثيق القصيدة العربية في موسوعات متعددة.

 

نجاة الزباير

 ..................

* صدر ديوان (نبض) سنة 2012

 

3258 عروس الفراتإن الحياة عموماً تخضع لتحولات كبيرة، وانتقالات حادة من زمن إلى زمن، ومن بيئة إلى أخرى. وهذا أمر فطري جُبلت عليه، فلا ثبات لواقع معين، وجديد اليوم سيصبح  قديماً غداً، وهكذا على الأصعدة كافة، فبعد إن كان الشعُر سجلَ تأريخ الأمة وديوان مفاخرها ومآثرها، ومستودعَ حوادثها وأحداثها، ولسانها الإعلامي، صار النثر والسرد هو صاحب هذه الهوية بعد التحولات التي شهدها العالم.

وحين نتحدث عن الأجناس الأدبية التي تتصدر المشهد الثقافي العربي عامة، والعراقي خاصة، نُشَخِّص تصدر الرواية كجنس أدبي وكنمط سرديِّ يستوعب كل مشكلات الحياة، ويهضم كل مسارتِها، ويواكب عجلة التطور السريعة، فهي الأقرب الى النفس البشرية، وتأثيرها هو الأكثر ديمومةً من غيره من الأجناس الأدبية، وهي الأكثر متعة وتشويقا للمتلقي .

أود هنا التحدث عن الشخصية في رواية "عروس الفرات" لكاتبها "علي المؤمن". وكما هو معلوم أن السرد الروائي يقوم على مجموعة من العناصر التي يربطها الروائي ببعضها لتشكل النظام العلائقي السردي، ومن أهم هذه العناصر (الشخصية). والشخصية: هي العنصر المحوري في النظام السردي، وهي القطب الذي يقوم عليه الخطاب السردي، وتُعد العمود الفقري والركيزة الرئيسة في العمل الروائي.

أما الشخصية من المنظور السيكولوجي فيرى بعض الباحثين أنها مجموعُ الاستعدادات والميول والدوافع والقوى الفطرية الموروثة، والصفات والاستعدادات  والميول المكتسبة، وعليه فدراسة الشخصية وفق هذا  المنظور تعني الاهتمام بتلك الصفات والاستعدادات، وتحليلها بالشكل الذي يجعل لكل شخصية صفاتها التي تميزها عن غيرها، والتي تؤثر تبعا لذلك  في دورها المُعد لها في العمل الروائي، ولاننسى أن الروائي يجعلُ الدمَ يسري في أنحاء الجسد السردي عن طريق أنسنة تلك الشخصيات، بحيث يترك لها المجالَ والفضاءَ الحر للسير والتحرك داخل العالم السردي المحبوك، ولعل هذه الصفة هي الأبرز في رواية (عروس الفرات) إذ ترك المؤمن المسرح السردي حراً طلقاً من غير تقييد مما أدى الى سلاسة السرد وتلقائيته الممتعة.

وقبل الشروع بالدخول الى النص، أود أن أثبت ملحوظةً، فمثلما ثبتنا أن الرواية والسرد عموما تتصدر المشهد الأدبي والثقافي، لابد من تثبيتِ نقطةٍ مهمةٍ: ألا وهي قصدية خلق النظام السردي بعناصره المختلفة من زمانٍ ومكانٍ وحدثٍ وحبكةٍ وشخصيةٍ، فحين نقرأُ بعضَ الروايات نشعر أنها كُتبت لهدفٍ معين، ولاسيما تمظهر بعض الشخصيات، ويمكن أن نتابع تمظهرات الشخصية النصرانيىة والشخصية اليهودية في الرواية العراقية بعد 2003م مثلاً، لنرصد ثمةَ محاولات لتلميع بعض الشخصيات واخفات أخرى، أو تسليط الضوء على جانب وطمسه عن آخر، وذلك كله يعود إلى المسابقات الأدبية والجوائز المالية القيمة والمغرية، فأصبح الكاتبُ يكتب من أجل الفوز، حتى وإن كان على حساب بعضِ الحقائق والوقائع الاجتماعية  والثقافية والسياسية التي ينتمي إليها العملُ الروائي، بينما مع "عروس الفرات" يشعر  القارىءُ أن العملَ كُتبَ من أجل قضيةٍ جماليةٍ، وهذا رفعَ رصيدَ الفنيةِ فيها، وزاد رصيدَ التأثيرِ في المتلقي، ورفعَ  منسوبَ الصدقِ الفني فيها.

شخصيات عروس الفرات:

قام "تودوروف" بتصنيف الشخصيات على النحو الآتي:

1- الشخصية العميقة: وهي التي تؤدي وظيفة فكرية، وتسعى لتثيبت هذه الأفكار؛ لذا تكون أكثرَ حيويةً  وحركيةًً داخل النص.

2-  الشخصية المسطحة:هي شخصيات خافتة الظهور ، ولاتسهم بشكل  فاعل  في الحبكة الرواية.

3- الشخصية الهامشية: وهي شخصية غير حاضرة فيزيولوجيا في النظام العلائقي السردي؛لكن حضورها يكون حضورا فكريا، عبر أطروحاتها الفكرية.

وبناءً على هذه التصنيفات يمكننا تتبعَ الشخصياتِ الرئيسةِ في الرواية والتي حازت على اهتمام المؤلف وسعى إلى إبراز صفاتِها الخارجية والداخلية، وميزها عن شخصياتٍ أخرى ثانوية ضئيلة الحضور، تسهم في إضاءة بعض الجوانب الخفية للشخصية الرئيسة.

وضالتنا في إطار ذلك هي رصد الجانب السيكولوجي النفسي للشخصيات، وما تشعر به وما يدور في دواخلها، وهو بالطبع لاينفصل عن البعد الاجتماعي والفكري للشخصية، كي نرى كيف  عبر السارد عن نفسية هذه الشخصيات وإحساساتها وشعورها، وتفاعلها مع واقعها المعاش، ولاسيما إذا ما عرفنا أن الرواية من روايات القمع السياسي، وأن بيئتها الأولى (مدينة النجف الأشرف) وهي مدينة دينية  عُرفت بكثرة دورها العلمية والثقافية، وامتازت بأنها موطنٌ للعلماء والفقهاء من العراق والعالم الإسلامي كله، وهذا الواقع سينعكس حتماً على شخصيات الرواية وحركيتها وخط سيرها العلائقي.

"عروس الفرات" هو عنوان يُحيل المتلقي مباشرة إحالةً تأريخية متمثلة بـ "عروس النيل" تلك الأسطورة المصرية الراسخة في ذهن المتلقي العربي، إذ كانت تُزيَّن الفتاة كعروس وترمى في النيل كي يرضى عن الناس فيكفّ  فيضانَه عنهم، والعامل المشترك هنا هو مفهوم التضحية ودفع الظلم، فكما كانت عروسُ النيل كبشاً للتضحية والفداء بوجه الظلم، كانت (عروسُ الفرات) مفهوما للتضحية والفداء بوجه نظامٍ سياسي جائر، بدأ مسيرته بالقمع والقتل والتهميش والإقصاء.

ـــ عائلة السيد عبد الرزاق حسين الموسوي: أولاده: عادل، أحمد، صلاح، ياسر، شيماء، وأمهم حليمة (أم عادل).

زوجة عادل( نور) وزوجة أحمد ( ياسمين )

الأحفاد: هشام وآمنة (أبناء عادل)، علي( ابن أحمد)

عائلة نجفية مثقفة ومتعلمة وميسورة الحال، وقد أظهر السارد شخصيات العائلة بشكل دقيق على المستوى  الداخلي (النفسي والفكري والثقافي والاجتماعي ) وعلى المستوى الخارجي الظاهري ( الملامح والشكل والملابس الخ...)، وكان  قلمُ  الروائي بمثابة عين الكاميرا التي تلتقط أدق التفاصيل، فلم يغفل شيئا مما جعل الصورةَ أتمَّ وأبهى وأكثرَ تأثيرا.

- شخصية الأب السيد عبد الرزاق الموسوي: وهو أستاذ متقاعد من كلية الفقه،  ظهرت الشخصية بعمقها الفكري وحكمتها وحذرها، وقلقها الدائم على أولادها، نتيجة الوضع السياسي المخيف، المتمثل بكثرة الاعتقالات العشوائية والظلم والتنكيل، فضلاً عن أجواء المراقبة ومصادرة الحريات، فقد كان الوالد يردد عبارةً وهي: (( الحيطان لها آذان))، ولم يستطع  رغم  قلقه الشديد على فلذات أكباده وحرصه عليهم، أن يقيدهم ويضيق عليهم، فهو يؤمن بحرية الرأي؛ لذا بدت شخصيته تعاني صراعاً بين ما يؤمن به وخوفه على أولاده وعلى دفء أسرته.

وسيبقى الأب الى نهاية المطاف يعاني الأمرين، فكره ومعتقده أم فلذات أكباده ؟! ولمّا توالت الأحداث وخسر كلّ أبنائه وأحفاده، حتى الطفل الصغير "علي" لم ينج، أدرك السيد عبد الرزاق أن هولاء القوم هم الشيطان نفسه!! فلم يتنازل ولم يذل نفسه، وبقيت روحهُ عامرةً بالإيمان والعقيدة الراسخة، إلا أن موقف الاعتداء على ابنته "شيماء" واغتصابها  أمامه، أنهى حياته وغيّب صوته المتمتم بذكر الله.

- شخصية الأم "حليمة": قد  أظهر السارد صفاتها، وهي صفات المرأة العراقية الأصيلة، فهي المرأة والأم الحنون التي تبذل مهجتها لأجل أولادها، وتسخر حياتها من أجل سعادة أسرتها. هذه الأم البسيطة الطيبة كانت ذكيةً، وحدسُها  متفوقاً، ربما لأن الأم بقلبها تشعر بأولادها وتدرك الخطر المحيط بهم قبل وقوعه!!. هذه الأم التي تعرضت لأقسى المواقف؛ إذ شتتوا أسرتها، وغيبوا أولادها، وجردوها من الكرامة، وخلعوا حجابها، فجعوها بابنها (صلاح)، وقتلوا ابنها الأصغر (ياسر) وهو يافع في المرحلة المتوسطة أمام عينيها، لم يكن لها بعد ذلك إلا أن تفقد عقلها، وتبقى تعيش كجسدٍ خاو، رجلٌ في الدنيا وأخرى في الآخرة، حتى تقطّع الألغامُ جسدها على الحدود العراقية الإيرانية إبان رحلة التسفير القهرية، لتحلق روحُها المعذّبة ملتحقةً بأولادها.

- "عادل": طبيب مثقف متدين، ينتمي لحزب الدعوة الإسلامية، ويشارك في اجتماعاتهم، بدا في أول  الرواية أنه الشخصيةُ المحوريةُ الفاعلةُ، وقد بدت شخصيته عميقةً وهادئةً ومتزنةً، قوية غير مربَكة، إلا أن شخصيته غير نامية، وانتهى دوره بإعدامه هو وزوجته وأولاده ( آمنة وهشام).

- "صلاح":  المهندس الكهربائي، كان طيباً خجولاً متديناً، يحب ابنة خالته (زهراء) التي عقد عليها قرانه ولم يتزوجها بعد، فلم يملهم النظام الصدامي لإكمال فرحتهم، فأعدم صلاح  وفجع به أهله. وعلى عادة النظام الإجرامي قد أخذ  الأمن ثمن الرصاصات التي أطلقوها على الشاب صلاح.

- "أحمد": شخصية نامية، بدأ دوره يتصاعد تدريجياً، ليكون هو البطل في هذه الرواية، كان مندفعاً لايخاف ولايتراجع، ولايبالي، يدافع عن قضيته ولا يفكر بحياته وعمره، ولاسيما بعد أن أعدم البعث السيد محمد باقر الصدر، فكان إعدامه تأكيداً على أنه أعتى نظام، وأن المستقبل سيكون خطيراً جداً في الأحوال كلها، سواء أن انتظموا في عمل سياسي أم لم ينتظموا !!

شخصية أحمد (البطل) العميقة، عانت من أزمات متتالية، فمن طرده من وظيفته بحجة أن أخاه معدوم، إلى استشهاد السيد الصدر ووقعِ الحادثةِ عليه، ثم مشاركته في الهجوم على مديرية الأمن في بغداد رداً على إعدام الصدر، وجرحه في كتفه، وحمله لوثائق مهمة جداً تخص "الدعاة"!، ثم استدعاء مواليده للخدمة لعسكرية ليزوجوا به وبأبناء جيله في حرب لا ناقة لهم فيها ولاجمل. وقد  رفض "أحمد" هذه الحرب وأصر على  عدم الالتحاق!!

لقد وظّف السارد (المونولوج الداخلي )، ليبين العصف الفكري والألم الذي يعانيه "أحمد" وذلك حين سأله ابنه "علي" عن عودة عمه: (إيه يا علي لقد سافر عمُك  حقا.. ولاندري متى يعود! أيعود أم لا؟ إنه الآن كالأسد المقيد!!)).

وهكذا كان كل شيء يسير نحو المجهول، فلايمكن التخمينُ أو التكهن بما يحدث  في ظل  نظام إجرامي، لايفرق بين صغيرٍ أو كبيرٍ، رجلٍ أوامرأةٍ، عالمٍ أم إنسانٍ بسيط، فلاعاصمَ من ظلمهِ وتجبرهِ!!

اعتقلوا أحمد وسط الشتائم  والإهانات والاعتداء بالضرب عليه وعلى أسرته، ليواجه بعدها تحقيق الأمن العامة والتعذيب بشتى الوسائل الشيطانية، أرسلوه الى الجبهة ملتحقاً، وقد وقع تعهدا بعدم الفرار، وبالفعل تم نقلهم الى الخطوط الأمامية للجبهة على الحدود العراقية الإيرانية، وهناك التقى بزميله من أيام الدراسة "عباس" وقد أفلح في إيصال رسالةٍ مكتوبة إلى أهله  بيد "عباس"!

مازالت شخصيةُ أحمد تنمو وتزداد فاعليتُها، ومازال عنيدا مندفعا لايبالي العواقب  في سبيل تحقيقِ أهدافه، ومازال يبحث عن الحرية والخلاص!!

هنا بدأ يخطط للفرار  فتركيبته النفسية منذ البداية كانت تتمرد وتضيق ذرعا بالواقع المقيِّد، فلن يستسلم وإيمانه بقضيته كان عصاه التي ستلقف إفكَ البعث الإجرامي، وعليه؛ رتّب هو وصديقه "عباس" للفرار، وليكن مايكن، فالحياة في  ظل هذا النظام كانت موتاً بطيئاً، وكانت سُما يسري في أرواح الأبرياء ليسلبهم  الأنفاسَ تدريجيا!!

وأخيراً؛ نجحا في تنفيذ خطتهما وهربا، ولكنّ الصحراء المتراميةَ أمامهم، صحراءَ عميقةً ومخيفةً، والطريقُ خطرةٌ جداً!، فهي رحلةٌ ما بين الألغام المزروعة والصواريخ والطائرات الحوامة، إنها رحلة المجهول!!

"عباس" فتك به الجوع والعطش، وضعف جسده ولم يعد يستطيع المواصلة، فارق حياته وترك "أحمد" يواجه المجهول لوحده، وبدت ملامحُ شخصيته أكثر في هذا الموقف العصيب، فالمصائب صقلته وجعلته قوياً رغم الألم. صلّى على صديقه وحفر قبره بحربة بنديقته  وإصرار أظفاره!! ثم انطلق ليواصل رحلته.

وصل "أحمد" ونجا من الموت، فاق من سكرته وهو يتمتم باسم "عباس"، لم يكن ليصدق أنه نجا!! وهو الآن برفقة إخوته العراقيين الذين سبقوه بالهجرة. وبعد أن استعاد عافيته ورمم جسده، انتصب واقفا حاملا بندقيته، هاتفاً: (ها أنتم معي جميعا..سيدي الصدر.. أخي عادل ..أخي صلاح.

وصلت إلى "أحمد" رسالةٌ من زوجته "ياسمين" تخبره بأنهم تم تسفيرهم إلى إيران، وأنها الآن في معسكر المهجرين، واختتمت الرسالة بــ (زوجتك المفجوعة أم علي). هنا يعود السارد إلى المونولوج الداخلي ليعبر عن حال "أحمد" النفسية وحيرته، هل يفرح لمجيء زوجته أو يفكر في حال بقية أفراد الأسرة؟! لم تمهله نفسه!! سؤالا تلو الآخر!! صراعٌ ولهفةٌ وترقبٌ ولوعةٌ يعالجها بينه وبين ذاته!!

حتى التقى بزوجته "ياسمين" في مخيمات المهجرين قسراً من العراق، التقى بها وقد غيرت المصائبُ ملامحَها، فبالكاد ميزها وعرفها !!

- "ياسمين": شخصية نامية في الرواية، بدأت هادئة تحرص على سعادتها، تحاول الحفاظ على ولدها وحيدها. وظف السارد تقنية ( الاسترجاع ) ليجعل ياسمين هي المحور الفاعل من بعد أحمد، فهي التي أكملت تفاصيل الرواية، وهي التي تولت مهمة تتمة النظام العلائقي السردي، فهي التي شاهدت كلَّ عذابات الأسرة بعد غياب "أحمد"، شهدت مقتل "ياسر"، وحال عمتها ( أم عادل )، إذ طاش عقلها من هول المصائب، وعذابات عمها ( أبو عادل) وثباته على عقيدته، والأفظع من ذلك أنهم قتلوا ابنها الوحيد "علي" أمام عينيها، ورأته كالطائر المذبوح يستنجد بها!!

بدت شخصية "ياسمين" مهزوزةً حين تعلق الأمر بصغيرها، توسلت بالضابط، قالت له: (أقبُّل أقدامَك.. دع إبني.. سأعترف بما تريد.. فقط اترك ولدي)!!، لكنها لم تفلح في الحفاظ عليه! فالمجرمون لايفرقون بين صغير  وكبير فهم بلا ضمير!!

"ياسمين" كانت تسمع صراخ "شيماء"، فتلوذ بعمتها (أم عادل) التي لا تشعر بشيء من حولها!!. وبعد إعدام "شيماء"، شهدت موت عمتها المسكينة باللغم الذي قطع جسدها، وهنا انهارت وأخذت تصرخ: (هل هذا مصير امرأة ربت أولادها وتعبت كي تعيش معهم؟!!)..

- "شيماء": الإبنة الوحيدة الجميلة، رسم السارد شخصيتها وأظهر طباعها التي تجمع بين الأنوثة والطفولة ورجاحة العقل، فهي طالبة في كلية طب الكوفة، وعلاقتها بإخوتها علاقة صداقة ومحبة. اعتقلت أيضا مع عائلتها، وكانت قوية كنخلة شامخة، لم تلن ولم تتنازل، فهي من تلك الأسرة المؤمنة بقضيتها!!.. عذبوها وأهانوها ولم ينالوا منها، اتخذوها وسيلةً للضغط على والدها الذي كان يحاول إسكاتها خوفاً عليها، ومن ثم لم يفلح؛ فقد جردوا عنها ثيابها واغتصبوها أمام والدها، وصراخها وصل الى عنان السماء!!. فارق الوالد حياتَه على أثر ذلك، واقتديت شيماء الى الإعدام وهي تنظر الى الأرض المليئة بالدماء، تحاور نفسها: (هذه دماءُ من ياترى؟ بعد قليل  ستنتعش هذه البقع بدميَ الجديد).

صوّر لنا السارد حالة "شيماء" النفسية وسماتها الداخلية، فهي قوية وثورية، لم تخف يوماً، شجاعة وصلبة، حتى لحظة الاعتداء عليها كانت تقاومهم!..كانت تشكو لوالدها من صعوبة الموقف، فقد ستر ظلام الليل عُريها، فكيف الحال إذا بزغ النهار؟! توقعت ما سيقومون به، وبالفعل حدث!!، وبقيت شامخة حتى أعدموها وتدلى رأسها وارتفع مقامها!

- النقيب "فلاح": ضابط الأمن الذي صوره السارد بدقةٍ، بشكله، بسيجارته، بأسلوبه الشوارعي. بدا كحيوان مفترس، بلاقلب، بلامنطق. ولاعجب فهذا خريج الدراسة الابتدائية، وقد كوفىء على إتقانه الاجرام والتعذيب بأن يكون نقيباً !!، وهكذا كانت طرق الوصول الى المناصب والرتب، كلما بالغت في الإجرام صرتَ أكثر حظوةً !!.

شخصية النقيب "فلاح" بدت مصداقاً لفكر البعث وسلوكه وتعامله مع الشيعة الذين يشكلون أغلبية العراق، فهم بنظره لايستحقون الحياة، وهم إيرانيون ولايحق لهم العيش بسلام !

أقفل النقيب "فلاح" محضر الدعوة بالتزييف، زاعماً موت "عبد الرزاق الموسوي" بالسكتة القلبية!! وموت الطفل "علي أحمد" بمرض الحصبة، وتم إعدام "شيماء عبد الرزاق" لانتمائها لحزب الدعوة العميل، وقُتل "ياسر" أثناء محاولة هروبه من الاعتقال، وتحويل "حليمة نوفل جاسم" و"ياسمين محمد جعفر" لدائرة التسفيرات!!. وبمنتهى البرود مسح عرق جبينه البارد وخرج بوجهه المصفر غير آبه لما جرى.

اختتم  السارد الرواية بحوار بين "أحمد" وزوجته "ياسمين". "أحمد" الذي بدا في تلك الآونة كبركان أخرس، يحاول كبتَ نيرانه، يحاول تكميمَ بئرِ صرخاته من هول ما سمع!!. ثم تماسك وقال لزوجته: (فداء للعقيدة ياحبيبتي، عبد الرزاق الموسوي سيبقى حيا بحفيده علي الذي سيولد من جديد)!

اختار السارد هذه النهاية التي تفتح الأفقَ لبدايةٍ جديدةٍ، فالحق حقٌّ، ودماء الشهداء تنبت وتنمو!. (سيولد).. السين: حرف الاستقبال للزمن القريب، مع الفعل المضارع المبني للمجهول، الذي يوحي  بعظمة الجهة الواهبة للولادة وهي الله (جل جلاله) وكلمة (جديد) محملة بالدلالة الإيجابية والتحفيز.

إذن؛ ربما تكون عروس الفرات هي "شيماء" تلك الضحية البهية، وما تعرضت له من ظلم واعتداء!!، أو ربما تكون عروس الفرات هي العائلة َ كلَّها (عائلة عبد الرزاق الموسوي)؛ لأنها تعرضت للظلم والتنكيل والتهجير والقتل!

لايفوتنا أن نذكر مرة أخرى قدرة الروائي السردية، فكان سرده يوازي الكاميرا التي ترصد وتلتقط كل الزوايا، الألوان.. الأبواب.. الشبابيك.. المفارش... الخ، وهذا يجعل الرواية مرشحةً للعمل الدرامي أو السينمائي.

اتضح أن بنية شخصيات هذه العائلة عميقةٌ قويةٌ متسلحةٌ بالعقيدة وحب الوطن؛ لذا كلما كُسرت نهضت من جديد وواصلت مسيرتها. وبيّنت الرواية دور المرأة وحضورها وتحملها للعذابات بإزاء الرجل.

هذه الرواية الواقعية تحدثت عما جرى في ظل النظام البعثي البائد، وعكست ما تعرضت له العوائل العراقية في الوسط والجنوب، وبينت ماعانوا من تعذيب وتهجير وانتهاك للحرمات، وإقصاء وتهميش وقتل وتنكيل، مع أنهم مخ العراق وقلبه النابض بالحياة، إنهم دماؤه الساخنة التي حفظت أرضه وستحفظها على مرّ العصور.

 

د. أمل محمد الأسدي - جامعة بغداد

 

محمد الاحبابيالتوكيد:

استعمال الشَّاعر للتوكيد أسلوبًا يرجع إلى الدور الذي يؤديه هذا التِّكرار في تناغم الجرس، وإيجاد الموسيقى التي تبعث الايقاع المنسجم،()وللشعر نواح عدة للجمال، أسرعها إلى نفوسنا ما فيه من جَرْس الألفاظ وانسجام في توالي المقاطع)(1)، فالرسالة الشِّعرية تتحرك بين المبدع والمتلقي، وهذه الحركة قوامها الغنائية التي تستمد جذورها من مبدعها، ثم تصل بالمتلقي إلى حالة الشَّاعر النَّفسية التي كان عليها عندما أبدع شعره، ولا يمكن أن يتحقق كل ذلك إِلاَّ برقيّ الوظيفة الشِّعرية التي يمثل التّكرار أعلى درجاتها . (2)

1- التوكيد اللفظي:

يُعدّ هذا النَّوع الأساس في ظاهرة التِّكرار، لأن الشَّاعر يهدف من وجوده إيصالَ أمرٍ ما للمتلقي، وإليه قصد النُّقَّاد القدماء في دراستهم للتكرار (3)، فالشَّاعر عندهم يكرر اللفظة أو العبارة لوظيفة يريد توكيدها، فخرج التِّكرار عندهم إلى أغراضٍ كثيرة منها التَّأكيد والوعيد والتَّهديد والتعظيم، واشترطوا في قبول التِّكرار أن يأتي لغرض ويؤدي فائدة (4).

ويستطرد الشاعر يحيى السماوي في وصف ما يحدث في العراق من قتل عشوائي وتصفيات جسدية بشتى الذرائع بقوله:(5)

يحدث أنْ يُـقـتلَ عصفورٌ

لأنّ ريشـهُ

ليس بلون ِ جُـبَّـة ِ الإمامْ

يحدث ُ أنْ يُصفـَعَ ظبيٌ

في الطريق العامْ

لأنه لم يُـطِـل ِ اللحية َ ..

أنْ تـُطـرَدَ من ملعبها غـزالة ٌ

لأنها لا ترتدي عباءة ً

طويلة َ الأكمامْ

يحدث ُ أنْ يُـدكَّ حيٌّ كامل ٌ

وربما مدينة ٌ كاملة ٌ

بمعول انتقامْ

بزعم أنّ مارقا ً

أقام في بيت ٍ من البيوت ِ

قبلَ عامْ

وليس أصدق من هذا الشعر في وصف واقع وطن الشاعر الراهن، ولا أبعث منه على الحرقة والاستنكار، أستخدم الشاعر التكرار للتوكيد في مطلع القصيدة بقوله (يحدث أنّ) ثلاث مرات، فالتوكيد ينطلق منه الشاعر في بث أفكاره ومحاولاته المستمرة في تصوير حال العراق بعد الاحتلال، كما شرع في تكرار (لأنّ + اداة النفي) ثلاث مرات، كما كرر أسماء الحيوانات الرقيقة (عصفور، ظبي،غزالة)، وكرر حرفي (الألف، الميم) خمس مرات،هذه التكرارات الاختيارية تتداخل مع بعضها لتشكل مزيجًا صوتيًا يسهم في المقومات الصَّوتية الإجبارية للقول الشعري في اكتمال شكل الإيقاع الذي يسيطر على الشاعر . (6)

ويستعين يحيى السماوي بالتكرار وسيلة توكيدية وأسلوبية تحفظ انسجام نصه في قصيدته (ما قاله التاريخ)  حيث يقول: (7)

لا تقنطي يا حبيبتي

لا تقنطي

ثمة في الغد مُتسعٌ للفرح..

ستتدلى:

الزهور من الشرفات..

العناقيد من الأغصان..

الحقائب المدرسية من ظهور الأطفال

وخونةُ الوطن من الحبال …

الحبال المتدلية من سقف الصفحات السوداء

في كتاب التاريخ!!

وظف الشاعر التوكيد اللفظي في عبارة (لا تقنطي) مرتين، باستخدام (لا) الناهية + تقنطي دلالة على ترسيخ التغيير القادم في نفس المخاطبة، وتتكرر مفردة (الحبال) مرتين في القصيدة، وتأتي وقفة الشاعر التوظيفية مع (الحبل) كأداة عقاب – مشنقة – يتدلى منها خونة الوطن،ولكن لاحظ ما الذي يحيل إليه (واو العطف) في بداية هذا المقطع، إنه يحيل إلى (تدلّي) نقيض يؤجج الوقع النفسي للصورة، ويشيع الإحساس التفاؤلي رغم النهاية العنيفة .

التوكيد المعنوي

وقد عبر الشعراء عن مواقفهم من الغربة والحرمان من العيش في الأوطان بوسائل تعبيرية فنية متعددة وظفوها في بناءِ قصائدهم فنيًا، بلغة شعرية موحية، ومنها التوكيد المعنوي، فهذا الشاعر يحيى السماوي يلجأ إلى هذا الأسلوب، وهو يتابع أخبار وطنه الجريح معبراً عن حزنه وألمه لما حلّ به حيث يقول: (8)

كلانا جائـع والـزاد جـمــــــرٌ         كلانا ظامىءٌ والماء صابُ

كلانا فيه من حـزن سهـــولٌ        وأوديةٌ ومن ضجرٍ هضابُ

كأنّ لقـــلبـه عـقلاً وقــلبـــــاً          لعقـلٍ فهـو سـحٌّ وانـسـيــــابُ

نحس بمدى سيطرة الحزن على نفس الشاعر، وفكره حتى يكرّر هذه الألفاظ (كلانا جائع، كلانا ظامىءٌ، كلانا فيه من حزن سهولٌ) وهذا التوكيد المعنوي وتكرار هذه الكلمات ينبعث من أعماقه، فهو لا يسأم تكرارها، والتكرار هو الوسيلة الأساسية التي يستطيع السماوي أن يبيّن لنا مدى علاقته النفسية بالعراق وحنينه إليه، يوظف السماوي الكلمات بصورة تثير عواطف المتلقي (كأنّ لقلبه عقلاً وقلباً لعقل)، فحاز تكرار الكلمة في النصّ أثراً بيناً واضحاً في الموسيقى، إذ تکون القيمة السمعيّة لهذا التكرار أكبر من قيمة تكرار الحرف الواحد في الكلمة، ويكون هذا التكرار ناتجاً عن أهمية هذه المفردة وأثرها في إيصال المعنى، فضلاً عن ما تقوم به من إيقاع صوتي داخل النصّ الشعريّ، و(تكرار الكلمات يمنح النصّ امتداداً وتنامياً في الصور والأحداث لذلك يعدّ نقطة ارتكاز أساسية لتوالد الصور والأحداث وتنامي حركة النصّ)(9).

وفي قصيدة (شمس عمري) (10) التي يستدعي السماوي فيها قصة نبي الله يوسف (عليه السلام) في توضيح فكرته حيث يقول:

بَريء من دمي الأخوة والذئبُ !

أنا كنتُ عدوّي

قدتُ للبئرِ بنفسي قدمي

أتبعُ صوتاً في الهوى

غيرَ لبيبِ

فالشاعر السماوي يستدعي القصة، ولكنه يخالف مضمونها عندما يتحدث عن نفسهِ فأخوته براء من دمه، واخوة يوسف ليسوا كذلك، فما وصل إليه من إرادته: (أنا كنتُ عدوّي، قدتُ للبئرِ بنفسي قدمي) ثم يستطرد في القول (أتبعُ صوتاً في الهوى غير لبيب) وهذا الصوت نابع من القلب ولم يكن من العقل، لذا يؤكد الشاعر تأكيداً معنوياً (بنفسي) مع الاقتران بالباء وهو حرف جر يفيد التوكيد، وهذا ما زاد في تقوية التوكيد وبلاغة اللفظ، فهو لم يدع مجالاً للشّك في تأكيده.

الاستفهام

مقدمة:

يُعدُّ أسلوب الاستفهام من الأساليب اللغوية والبلاغية التي تضفي على دلالة التراكيب دقة المعنى وانفتاحه على دلالات أخرى تعتمل في النفس وصولاً إلى إثارة فكر القارئ، وتُشكل الظواهر الأسلوبية ثيمات رئيسة في كينونة النصوص وتجلياتها (11)، فاستدعاء ظاهرة دون غيرها يتوقف على ماهية تلك النصوص وانتماءاتها المعرفية، وقد بدا لنا أن نلم بين الظاهرة والنص في جهدٍ معرفي يقوّمُهُ استقراءٌ دقيق وقراءة فاحصة للمتن المدروس، فالنص يجمع بين التأمل والأسئلة المحيرة، وقد تمثل في الشعر عند الشعراء ، والظاهرة هي أسلوبية الاستفهام، التي تعدُّ من الأساليب المهمة في توليد الدلالة في النص الإبداعي، ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا: إنها أقرب الأساليب الإبداعية إلى ماهية الشعر، كونه يمثل أداة فريدة يعتمدها من يتبنى هذا المضمون الشعري، يتركز التوظيف الاستفهامي في الموضع الذي يمثل وجهة النظر القلقة والمتأملة، تخرج دلالة الاستفهام في شعر الشعراء إلى دلالات أخرى كالإنكار والتوبيخ والتهكم والاستهزاء (12)، فالاستفهام فيه غير حقيقي، أما الشعراء فقد جمعوا بين قضاياهم الذاتية، والنظرة التأملية لقضايا العراق والأمة العربية .

وهنا نريد القول أن هناك ميزة في هذا الجيل من الشعراء ربما تشكل القاسم المشترك فيما بينهم بكتاباتهم التي نقرأها اليوم، ألا وهي ميلهم ؛ لأن تكون أغلب كتاباتهم تَنحْوُ نحو (الاستفهام) ومنه إلى التشعب، أي أن وحدة الموضوع لم تكن من اهتمامات هذا الجيل في الشعر، نعم التنوع مطلوب، لكن وحدة المعنى ضمن القصيدة الواحدة هو مطلب مُلح لتثبيت الفكرة وتواصلها وسلاستها وفق الحبكة التي يقتضيها النص .

وهذا يحيى السماوي يبث شكواه في قصيدته (سأنام مغتبطا) لكنه متفائل بالغد وأن العراق سيعود معافى بقوله: (13)

متفائلٌ

رغم المشانقِ والحرائقِ

واجتياح ِ السُّلّ ِوالطاعون ِ

والقهرِ المبرمج ِ

رغم هذا الليلِ والكابوسِ

والعيش الزؤامْ

متفائل أن الغد الآتي سيشهدُ

من يعيد الماءَ للناعورِ

والناعورَ للبستانِ

والبستان َ للكفِّ التي حرثتْ

الشاعر متفائل رغم اليأس والشعور بالخيبة والإحباط، وكأنه أستحضر بيت الطغرائي: (14)

أعلل النفس بالآمال أرقبها   ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

فهو يؤكد على التفاؤل والأمل فهما يبعثان عزيمة وإرادة للاستمرارية في الحياة، فالمحرر المزعوم احتل البلد وجثم على صدره، وقيد حرية الشعب بأسره، وحاول أن يتغلب على عقول الأدباء والمثقفين ويسلب إرادتهم، ويشيع في أرواحهم الخضوع والانقياد لما يريد ولكن هيهات أن يتحقق له ذلك، فالمقاومة الوطنية كانت له بالمرصاد، فالشاعر عندما يشكو من المشانقِ والحرائقِ و السُّلّ ِوالطاعون ِ والقهرِ المبرمج ِ والكابوسِ والعيش الزؤامْ لكنه مؤمن بأن العراق سيعود معافى وسوف يتحرر بسواعد أبنائه من الاحتلال واذنابه، وأن هذه البلاد لا يمكن لها الاستكانة والخضوع فهي أرض الرافدين وأرض الأنبياء والحضارات.

يلتفت السماوي إلى حال وطنه الراهن في ضعفه، وهوانه في مقابل الماضي المشرق الذي كان عليه، فيندفع إلى المعاتبة والتأنيب، موظفًا بعضًا من هذه الألفاظ والتراكيب للتعبير باللغة التي تثير في الذهن دلالة الارتباط بالماضي الزماني والمكاني المتمثل بالتراث ويتجلى التكرار الختامي بقوله: (15)

هل هذه بغداد؟ كنتُ عَرفْتُها       تأبى مهادَنَة الدَخيلِ العاقِ

تأبى مُساوَمَةً على شرفِ الهوى    فتذودُ دونَ شَذاهُ بالأرْماقِ

ورثتْ عن المنصور صهوة عَزْمِهِ   وعن الحسين مكارمَ الأخلاق

هل هذه بغداد؟ تأكلُ ثدْيها       فإذا بها وخؤونَها بوفاقِ !

هذا عراقُك يا رشيدُ كبا بِهِ       جَوْرٌ وعدوانٌ وفأسُ شِقاقِ

عندما يوظف السماوي أسلوب الاستفهام في مقطوعته الشعرية لا يعني أنه لم يدرك المستفهم عنه، فهو يعرف تاريخ بغداد مهد الحضارة والرقي والانفتاح ويتذكر بل ويذكر رجالها الأفذاذ من المنصور المؤسس لها والرشيد الذي جعل منها مركزًا حضاريًا وثقافيًا عظيمًا بتأسيسه بيت الحكمة فيها، فهو يدرك كل ذلك وأكثر غير أنه يرى أن واقعها وحالها في زمانه لم يكن كما يعرف، فبغداد دُنسَ شرفها، وهي المعروفة بعفتها وعفافها فهي تموت ولا تأكل بثدييها، لأنها حرة أبية، وقد وظف السماوي هذا المثل في مقطوعتهُ ليعبر عما يريد ونص المثل العربي القديم (تموت الحرة ولا تأكل بثدييها) (16) وقد وظف الشاعر نوعين من التكرار حيث كرر عبارة (هل هذه بغداد) مرتين، دلالة على تغيير ملامحها الجميلة بأخرى لم يتعرف عليها الشاعر، كما استعمل التكرار الختامي من خلال حرفي الروي (الألف والقاف) فأعطى للقصيدة جرساً متناغماً، وفي البيت الثالث استدعي (المنصور) الذي بنى بغداد بقوة عزمه، واستدعى (الحسين) صاحب المبدأ الثابت الذي لا يتزحزح مع أن الحسين (رضي الله عنه) لم يَر بغداد لاستشهاده قبل تأسيسها بحوالي تسعين عاماً، ولكن القيم والأخلاق والمواقف التي يتسم بها الحسين قد وصلت الى بغداد وغير بغداد، ولا نستغرب ذلك لأن بُناتها هم أبناء عمومته، واستدعى (الرشيد) صاحب العصر الذهبي، ومن أشهر رموز الدولة العباسية في بغداد، فحملت هذه الأبيات القدرة الفائقة على صياغة الأفكار والمفاهيم وطرحها في إطار شعري عبر مجموعة من الجمل المتناسقة والتعابير السليمة، فالأفكار التي يسوقها الشاعر في هذا النص تقوم على مبدأ استخلاص العبرة والموعظة وحسن التبصر من خلال إظهار التناقض والتضاد في الماضي المزدهر والحاضر الذي كبا به جورٌ وعدوان وفأس شقاقِ.

وفي استفهام جميل من قصيدة للشاعر يحيى السماوي يقول:(17)

كيف اجـتمعَت فـيـه كلُّ هـذه الأدران؟

خنـازيـرُ بملابس مـاريـنـز ..

مُـرتـزقـة ٌ أوغـاد ..

مُـنـاضـلـون للإيـجـار ..

لـُحـى ً مُـحـنـّاة بالـديـنـاميـت ..

لـصـوص ٌ هـاربـون من وجـه الـعـدالـة ..

أهـذا وطـن ٌ؟

أم مِكـَبُّ نـفـايـات ٍ بشـريـة؟

كيف اتـَّسَـعَ

لكل هذه المـقـابـر الجماعـيـة ..

آه ... ما أصـغـرَ وطني !!

كيف أصـبحَ مـنـديـلا ً في جَـيـب سـفـيـر؟

ومن هنا يبدو للباحث أنَّ أسلوب الاستفهام الانكاري الذي يعتمده الشاعر لا يكون الهدف منه معرفة إجابة، وإنما توصيل انطباع إلى المخاطب، يكون وراءه تعجب واستنكار ونفي وتقرير، وهذا النوع من الاستفهام يكون محلاً للسؤال عند الشاعر، والمتتبع لشعر التفعيلة عند يحيى السماوي يلمح تدفقاً ملحوظاً في استخدام أسلوب الاستفهام(18) فالشاعر هنا يعيش الاغتراب النفسي والصراع الداخلي، ولا شك أن يحيى السماوي، بتوظيفه لهذا الأسلوب الواضح، تمكن من كسر قيود الخوف بلغة صادقة مليئة برفض واقع الاحتلال، نلاحظ أن التكرار لدى الشاعر وصوته في القصيدة يستمر فقد كرر استفهامه خمس مرات، فهو يرسم لوحة معبرة عن ظلم المحتلين .

وفي قصيدة أخرى للشاعر يحيى السماوي : (19)

فلِـمَـنْ يخـزنُ غـيمي مـطـراً

ولِــمَـنْ ذقـتُ الـذي لـم يُـذَقِ؟

........

ولِـمَـنْ يـدَّخِـرُ الـدفءَ دمـي؟

ولِـمَنْ تنبضُ عُـشـباً حَـدَقي؟

ألغـيـر العـشـقِ يا مُـوقِـظـةً

في رميمي شعـلةً من رَمَـقِ؟

إن بنية التكرار الاستفهامي في القصيدة عند يحيى السماوي يشكل رافدًا مهمًا داخل قصيدته، فقد(يقوم هذا النظام على أسس نابعة من صميم التجربة ومستوى عمقها وثرائها، وقدرتها على اختيار الشكل المناسب الذي يوفر لبنية التكرار أكبر فرصة ممكنة لتحقيق التأثير، من خلال فعاليته التي تتجاوز حدود الإمكانات النحوية واللغوية الصرف، لتصبح أداة موسيقية ودلالية في آن معاً)(20) إنَّ كثرة الاستفهام في المقطع يدلّ على الصراعات النفسية، التي يعانيها الشاعر في المنفى، لأنّ الملمح الأسلوبي في هذا التكرار أن هذا الاستفهام إنكاري لا يراد منه جواب جاء لتأكيد المعنى، أعطى هذا التكرار في المواضع الخمسة في هذا المقطع الطاقة الايحائية التي تثير المتلقي للتأمل في الصور الفنية التي ساقها الشاعر واحتوتها بنية النص .

 يتبع

 

د. محمد الأحبابي

..............................

(*) من البحث الذي حاز به الباحث شهادة الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث .

(1) موسيقى الشعر، ابراهيم أنيس، ص13.

(2) انظر، بناء الاسلوب في شعر الحداثة، محمد عبد المطلب ، ص126.

(3) انظر مجاز القرآن، أبو عبيدة معمر بن مثنى(210ه)، علق عليه فؤاد سزكين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج1، ط2، 1981م، ص12. وانظر، الحيوان، أبو عمرو بن بحر الجاحظ (255ه)، تحقيق عبد السلام هارون، ص201، وانظر لسان العرب، جمال الدين ابن مكرم، مادة وَكَدَ.

(4) انظر، التكرار في الدراسات النقدية بين الأصالة والمعاصرة، فيصل حسن الحولي، جامعة مؤتة، 2011م، ص20.

(5) ديوان (البكاء على كتف الوطن)، يحيى السماوي، ص59 .

(6) التكرارات الصوتية في لغة الشعر، محمد عبدالله القاسيمي، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 2009م، ص57.

(7) ديوان (شاهدة قبر من رخام الكلمات)، يحيى السماوي، ص46 .

(8) ديوان (قليلك .. ولا كثيرهن)، يحيى السماوي، ص28 – 29 .

(9) حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر، حسن الغرفي، ص84.

(10) ديوان (أطفئيني بنارك)، يحيى السماوي، ص 31.

(11) انظر، أساليب الاستفهام في الشعر الجاهلي، د. حسن عبد الجليل، مؤسسة المختار، ط1، القاهرة، 2001م، ص6.

(12) -انظر، أسلوب الاستفهام في الأحاديث النبوية في رياض الصالحين (دراسة نحوية بلاغية تداولية): ناغش عيدة، جامعة مولود معمري، الجزائر، 2012م، 17.

(13) ديوان (الأفق نافذتي)، يحيى السماوي، ص 180 -181.

(14) ديوان مؤيد الدين الحسين بن علي الطغرائي الاصفهاني: تحقيق د علي جواد الطاهر و د يحيى الجبوري، مطابع الدوحة الحديثة، قطر، ط2، 1986م، ص306.

(15) ديوان (نقوش على جذع نخلة)، يحيى السماوي، ص 165 – 166.

(16) المنتقى من أمثال العرب وقصصهم: سليمان بن صالح الخراشي، دار القاسم للنشر والتوزيع ،الرياض، ط 1، 2007 م، ص32.

(17) ديوان (شاهدة قبر من الرخام الكلمات)، يحيى السماوي، ص34.

(18) انظر، ديوان (ثوب من الماء لجسد من الجمر)، يحيى السماوي، ص35، 42، 142،119، وانظر ديوان(شاهدة قبر من رخام الكلمات) ص11، 19، 34،35، 39، 40...الخ.

(19) ديوان (لماذا تأخرت دهراً)، يحيى السماوي، دار ينابيع، دمشق، ط1، 2010م، ص158.

(20) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية، محمد صابر عبيد، ص188.

 

انور غني الموسويما يميز الشاعر عن غيره هو امتلاكه رؤية متميزة عن الحياة واشيائها، ان يستطيع ان يرى ما لا يراه غيره، ان يعبر عما لا يمكن التعبير عنه، ان يكون صانعا للفكرة الجميلة بلغة جميلة . ان الشاعر بذلك يكون صانع الكيانات وصانع التواريخ الكتابية، اذ ان الرؤية الخاصة والتعبير الخاص والتفاعل الخاص يعطي للفظ المعين او للمعنى المعين وجودا مستقلا ومتميزا وتشكلا في الوعي خاصا به وفق ما قدمه الكاتب، وكذا حال جميع التعبيرات او المعاني او الفكر التي يوظفها او يخترعها الفنان او الاديب شاعرا كان ام قاصا ام غير ذلك.

الكتابة الابداعية تعتمد في جزء منها على التوظيف، لأجل اعطاء الكلمات او التعابير اكبر طاقة تعبيرية، وهذا احد اسرار الجمال في اللغة الابداعية . لذلك كانت اللغة الرمزية، وكما انه يعتمد فيها توظيف ما كان له تاريخ وأبعاد معلومة في الخارج فيعطي بتوظيفه كمّا تعبيريا يطور الطاقة التعبيرية، فإن الكاتب ايضا يعمد الى ان يخلق رموزه الخاصة ويوظفها في كتابته . فيكون لذلك الرمز الموظف تاريخ غير الذي في الخارج وهذا ما نسميه التاريخ الكتابي ولو اقتصر التتبع على النص يكون لدينا تاريخ نصيّ .

ان عملية خلق الرمز هذه ادب متفرد يحقق درجات عالية من الجمالية وقوة التعبير وعمق الإمتاع .و لخلق الرمز واعطائه تاريخا كتابيا شكلان، اما ان يكون بسيطا وساندا او ان يكون معقدا  ومحوريا . الرمز الكتابي المحوري هو ما يعمد الكاتب ويتقصد تعبئته بالرؤى والافكار فيكون مرآة تعبيرية يستحضر بها الكاتب رؤاه وافكاره عند التوظيف، اما الرمز البسيط الساند فهو نتاج طبيعي لتعبيرية الشاعر، فيكون لكثير من الالفاظ والمعاني التي يوردها الكاتب ويستعين بها تاريخ ولا يقتصر ذلك على الشخوص بل يشمل المفاهيم حتى اسماء الزمان والمكان . بل حتى الافعال.

نص ( تبتل في محراب القلب ) للشاعر العراقي المبدع يحيى السماوي كان نموذجا متقدما في عملية خلق الرمز والتاريخ النصي .سواء للرمز المحوري ام المساند .

الرموز النصية المحورية

في النص ثلاث شخصيات رئيسية لها تاريخ نصي متطور مغاير للخارج تعمّد وتقصّد الشاعر ان يكون لها هذا التاريخ في نصه، المتكلم والمخاطب والوسط وهو مجموعة من الاشياء جعل لها الشاعر تاريخا مغايرا للخارج  .

1- تاريخ المتكلم في النص

كتب الشاعر بصيغة المتكلم في النص فقال:

مُـذنِـبـا ً جـئـتُـكِ \ فـي يـمـيـنـي: دمـعـةٌ تـسـتـعـطِـفُ \فـأنـا الـمـفـضـوحُ\ خـذلـتـنـي لـغـتـي\ وأسَـمّـيـنـي: جـريـحـا ً\ وأسَـمّـيـنـي: الـمَـغـيـبْ ..\ وأسَــمِّـيـنـي الـمُـصـلّـي بـيـن مـحـرابـيـن ِ\ وأسَـمِّـيـنـي: مَـسـيـحـا ً دون إنـجـيـل ٍ ..\ فـسـيـرويـنـي الـذي فـي بـئـر جـرحـي مـن صُـراخ ٍ

وبـقـلـبـي مـن لـهـيـبْ

من الواضح ان قاموس الألفاظ المتعلق بهذه الشخصية قاموس كئيب ونادم واحتياجي وتوسّلي، وبهذا فإن الشاعر قد برع في ان يجعل هذه الشخصية تتجلى حسب رؤيته من الندم والرجاء انه تجلٍ بديع للندم والرجاء .

نحن اوردنا المقاطع حسب التسلسل الزمني للعبارات في النص، ولو لاحظنا لوجدنا حكائية تطورية عن شخصية المتكلم في النص، فلدينا في البدء مجيء مع وضوح الغاية والهدف من المجيء ثم تلعثم وعدم قدرة على المواجهة، ثم الجهر بالقضية والمراد، ثم الخاتمة التي يرسمها الشاعر والتي تبين نهاية الحكاية ورأيه في رد من ذهب اليه .

2- تاريخ المخاطب في النص

خاطب الشاعر شخصية بصيغة المؤنث في النص قائلا:

مُـذنِـبـا ً جـئـتُـكِ أسْــتـجـديكِ صـفـحـا .. \ وأسَـمّـيـكِ: دوائـي والـطـبـيـبْ\ وأسميكِ: شـروقـي ..\ وأسَــمّـي مـهـبـط َ الـيـاقـوتِ فـي عِـقـدِكِ: سَــفْـحـا\ وأســمِّــيـكِ: الـتـي تـخـتـزِلُ الأسـمـاءَ والأشـذاءَ ..\ والـفـوزَ الـذي يـجـعـلُ خِـسـرانـيَ ربـحـا ..\ وأسـمِّـيـكِ: الـفـراديـسَ .. الـيـقـيـنَ .. الـقِـبْـلـة َ .. الـمـحـرابَ ..

والـوادي الـرّحـيـبْ\ وأسَـمِّـيـنـي: مَـسـيـحـا ً دون إنـجـيـل ٍ .. وقُـربـانَ الـمـراثـي..\

وأسَــمِّـيـكِ: الـصّـلـيـبْ\ والـعـنـاقَ الـشّـفـعَ والـوِتْـرَ فـابـعـدي حـيـثُ تـشـائـيـنَ ..

اركـبـي الـمـوجـة َ والـرّيـحَ ..\احـجـبـي الأمـطـارَ والأنـهـارَ عـن بُـسـتـان صـدري  ..

من الوهلة الاولى يبين لنا الشاعر ان من ذهب اليها هي مصدر العطاء والخير والكرم وهذا تمجيد ورسم قيمي وأخلاقي، ومع هذه البداية العالية فإن الشاعر لم يتوقف عندها بل ذهب منطلقا في تمجيد اكبر حتى يصل الذروة في قوله (اسميك  التي تختزل الاسماء)، ثم لا يكتفي الشاعر بالمعنى الفردي بل ذهب نحو المعنى الجمعي بالتقديس والمعرفة فيصف المخاطب بالمقدس والمعرفة القبلة واليقين . ثم يعلن ان المخاطب هو المصير المحتوم له ( انه الصليب للمسيح ) وعناق الشفع والوتر . ويختمها بالخاتمة التي اشرنا اليها من رأيه في ابتعاد المخاطب وفرض عدم استجابتها له .

ان تاريخ شخصية المتكلم هنا لا يمكن الا القول انه تاريخ صناعي فذ خلاق، تجاوز الحدود في التصور والامكان، حتى تخلل مناطق العمق في الشعور الانساني، وهو انعكاس الى صدق شفيف باح به الشاعر في صوره التخيلية الرفيعة .

3- تاريخ الوسطيات

اورد الشاعر مجموعة من الاسماء جعلها وسطا تعبيريا لأجل ايصال افكاره الا انه أعطاها  معنى قصديا مخالفا للخارج، بمعنى انه لم يأت بها استعارة ومجازا فقط وانما قصد ان يهبها معنى واسما غير اسمها ومعناها الخارجي فقال:

سـأسـمّـي وردةَ الـرُّمّـانِ: جُـرحـا ..\ وأسَـمِّــي زهـرة َ الـتـفّـاح ِ فـي خـصـركِ: صُـبـحـا\ وأسَــمّـي مـهـبـط َ الـيـاقـوتِ فـي عِـقـدِكِ: سَــفْـحـا .

لقد اخترل الشاعر اشارات ودلالات في عبارات ومضية ايحائية ولغة متوهجة اعطت للغة طاقة تعبيرية كبيرة جعلت لتلك الاشياء التي سماها باسماء مغايرة  ونعتها بنعوت مختلفة عن واقعها تشكلا متميزا في الذهن، صانعا بذلك تاريخا لها نصيا  مغايرا  للخارج .

الرموز النصية الساندة

من الاشياء التي صار لها تاريخ متميز في النص، عند الاستعانة بها وتكررها في النص هي فعل التسمية بصيغة ( اسمّي ) ومن خلال علاقات التجاور والتوصيل يمكن ملاحظة التقابل بين المسميات والتسميات والتي عكف الشاعر عليها قائلا:

وأسَـمّـيـكِ: دوائـي والـطـبـيـبْ \وأسَـمّـيـنـي: جـريـحـا ً \ وأسميكِ: شـروقـي ..\وأسَـمّـيـنـي: الـمَـغـيـبْ \ وأسـمِّـيـكِ: الـفـراديـسَ .. الـيـقـيـنَ .. الـقِـبْـلـة َ .. الـمـحـرابَ ..والـوادي الـرّحـيـبْ \ وأسَـمِّـيـنـي: مَـسـيـحـا ً دون إنـجـيـل ٍ .. وقُـربـانَ الـمـراثـي ..\وأسَــمِّـيـكِ: الـصّـلـيـبْ

وهو اسلوب بلاغي موسيقي من حيث المعنى، فيكون لفعل التسمية تاريخ تكراري بالصور التي يظهر فيها، وهناك خط تطوري اخر للتسمية هو الفصل بين تسمية المتكلم وتسميات المخاطب وتسميات الوسط وتأخذ معانيها ودلالاتها مما ذكرها في تلك الجهات .

من الامور الساندة التي صار لها تاريخ في النص اعضاء الجسد حينما يقول:

حـامِـلا ً جـثـمـان أمـسـي .. \فـي يـمـيـنـي: دمـعـةٌ تـسـتـعـطِـفُ الـعـفـوَ وقـلـبٌ يـتـشـظّـى !\

ويـسـاري: تـشـتـكـي ثِـقْـلَ كـتـابـي الـمُـسـتـريـبْ .

لقد صار للجثمان ولليد اليمنى وللقلب ولليد اليسرى، تاريخ مغاير للواقع انها كيانات تعبيرية للرجاء والاستعطاف ما عادت وسائل للحياة فقط .لقد ابدع الشاعر في صوره وتوظيفاته فعلا .

***

النص الأصلي

( تـبـتـُّـل فـي مـحـراب القلب )

شعر / يحيى السماوي / العراق

مُـذنِـبـا ً جـئـتُـكِ أسْــتـجـديكِ صـفـحـا ..

*

حـامِـلا ً جـثـمـان أمـسـي  ..

فـي يـمـيـنـي: دمـعـةٌ تـسـتـعـطِـفُ الـعـفـوَ وقـلـبٌ يـتـشـظّـى  !

ويـسـاري: تـشـتـكـي ثِـقْـلَ كـتـابـي الـمُـسـتـريـبْ

*

فـضـحَ الــجَّـهْــرُ عـذابـاتـي ..

وزادَ الـسِّــرُّ والـتـأويـلُ فـضْـحـا

*

فـأنـا الـمـفـضـوحُ فـي الـحـالـيـن ِ: إنْ صَـمْـتـا ً وبَـوحَـا  ..

*

يـتـسـلّـى بـحُـطـامـي نـدمٌ أشـرسُ مـن نـابِ الـلـهـيـبْ

*

خـذلـتـنـي لـغـتـي فـالـتـمِـسـي لـيْ فـي كـتـابِ الـعـشـقِ نُـصْـحـا ..

*

سـأسـمّـي وردةَ الـرُّمّـانِ: جُـرحـا ..

*

وأسَـمّـيـكِ: دوائـي والـطـبـيـبْ

*

وأسَـمّـيـنـي: جـريـحـا ً

نـزْفُـهُ الآهـاتُ والـدّمـعُ الـصّـبـيـبْ

*

وأسَـمِّــي زهـرة َ الـتـفّـاح ِ فـي خـصـركِ: صُـبـحـا ..

*

وأسميكِ: شـروقـي ..

وأسَـمّـيـنـي: الـمَـغـيـبْ ..

*

وأسَــمّـي مـهـبـط َ الـيـاقـوتِ فـي عِـقـدِكِ: سَــفْـحـا

*

لـهـضـابِ الـفُـلِّ والـريـحـان ِ والآسِ الـبـتـولـيِّ الـرّطـيـبْ

*

وأسَــمِّـيـنـي الـمُـصـلّـي بـيـن مـحـرابـيـن ِ

يـسـتـنـشـقُ نـعـنـاعـا ً مـن الـجـيـدِ

ومـن مـئـذنَـتَـيْ صـدرِكِ طـيـبْ

*

وأســمِّــيـكِ: الـتـي تـخـتـزِلُ الأسـمـاءَ والأشـذاءَ

..

والـفـوزَ الـذي يـجـعـلُ خِـسـرانـيَ ربـحـا ..

*

ويُـحـيـلُ الـسّـوطَ غُـصـنـًا ..

و جـدارَ الـكـهـفِ نـهـرا ً

مـوجُـهُ الـشـهـدُ وشـدوُ الـعـنـدلـيـبْ

*

وأسـمِّـيـكِ: الـفـراديـسَ .. الـيـقـيـنَ .. الـقِـبْـلـة َ .. الـمـحـرابَ ..

والـوادي الـرّحـيـبْ

*

وأسَـمِّـيـنـي: مَـسـيـحـا ً دون إنـجـيـل ٍ .. وقُـربـانَ الـمـراثـي ..

وأسَــمِّـيـكِ: الـصّـلـيـبْ

*

والـعـنـاقَ الـشّـفـعَ والـوِتْـرَ *

الـذي يـدرأ أحـزانَ الـمـنـافـي

وعـذابـاتِ الـفـتـى / الـكـهـلِ / الـغـريـبْ

*

فـابـعـدي حـيـثُ تـشـائـيـنَ ..

اركـبـي الـمـوجـة َ والـرّيـحَ ..

احـجـبـي الأمـطـارَ والأنـهـارَ عـن بُـسـتـان صـدري ..

فـسـيـرويـنـي الـذي فـي بـئـر جـرحـي مـن صُـراخ ٍ

وبـقـلـبـي مـن لـهـيـبْ

***

بقلم: د . أنور غني الموسوي

........................

* الشفع والوتر: عددان أقسم بهما الله تعالى في سورة الفجر في قوله: (والشفع والوتر) .. والوتر في المصطلح الفقهي هي الصلاة التي تختم بها صلاة الليل وسميت بذلك لأنها تصلى وتراً أي ركعة واحدة أو ثلاثاً أو نحو ذلك .. أما صلاة الشفع فيراد بها الركعتان اللتان تسبقان الوتر .

 

محمد الاحبابيالكناية

تُعدَّ الكناية أحد الأساليب البلاغية التي تقوم على عنصر الانزياح، وإن الصورة الكنائية في أي نص أدبي تقوم على الإيحاء، لأن هناك (أولاً المعنى أو الدلالة المباشرة الحقيقية ثم يصل القارئ أو السامع إلى معنى المعنى أي الدلالة المتصلة وهي الأعمق والأبعد غوراً فيما يتصل بسياق التجربة الشعورية والموقف)(1)، والكناية طريق من طرق الإيجاز والاختصار، فتلك هي مزيّتها على غيرها من أساليب البيان، (والصورة الحسّيّة التي نواجهها في ظاهر الكناية، أو التمثيل أكثر دلالة على المقصود من معناها الأصليّ المجرّد، وإذا لم يحدث ذلك، فقدت الصورة قيمتها وكانت الحقيقة أولى وأنفع منها) (2) .

وفي قصيدة للشاعر يحيى السماوي(نقوش على جذع نخلة) يستدعي شخصية تراثية ذات دلالة دينية سلبية بواسطة الكناية، وهذه الشخصية ذات ارتباط مباشر بشخصية (أبرهة)، وهي شخصية (أبو رغال) الذي كان دليلاً لجيش أبرهة، عندما قصد الكعبة من أجل هدمها فيقول:(3).

باسم الفرات المُستباحِ

وباسم نخلِ مُثكَلٍ بالسَعفِ والعرجونِ

حتى باتَ مذبوحَ الظِلالْ

فاكنسْ بمجرفةِ الجهادِ الوَحْلَ

واسْتَأصِلْ جذورَ "أبي رغالْ"

وتابع الشاعر رسم مشهد الفاجعة التي ألمّت به معتمدًا أسلوب الكناية، يختار الشاعر ما يناسب صورته التي يشكلها، إذ يمثل هذا الرمز صفة الخيانة، لذا يؤوله تأويلاً خاصاً يلائم طبيعة التجربة المستوحاة من الواقع الذي صوره، فجعل من هذه الشخصية ذات دلالة رمزية متجددة من خلال إضفاء الأبعاد المعاصرة في تشكيل صورتها التي رسمها، فيتحقق التحرر من الرمزية السوداوية، عند التخلص من كل الذي يؤدي دور (أبي رغال) في خيانة أهله ووطنه .

ويستدعي الشاعر يحيى السماوي رمزاً يتسم بدور بطولي، هو الخليفة (المعتصم) معززه بشخصية (صلاح الدين) في نص شعري واحد، ممّا عمق التجربة التي صورها الشاعر في قصيدة (نقوش على جذع نخلة) التي يقول فيها:(4)

كيف يقومُ بيننا "مُعتصِمٌ"

يذودُ عن كرامة "الحُرَّةِ"

حين يَسْتبيحُ خِدْرَها المنبوذُ و الآفكُ والهَجينْ

إن كانت "الأمة" قد أوكلتْ " العِصْمَة" للغريبِ

فهو الآمرُ  الناهي ... وليُّ أمرِها ..

وصاحبُ القرارِ – وقتَ الفَصْلِ – بين الظنِّ واليقينْ ؟

كيف يقومُ في جموعِنا "صلاحُ الدينْ "

ونحن لا " صَلاحَ " في نفوسِنا

مُسْتبْدِلين لذّةً زائلةَ بـ " الدِّينْ "

يستدعي يحيى السماوي رمزين تاريخيين كان لهما الحضور الفاعل والأثر الكبير في التاريخ العربي، فيبدو أنّه لا يرمز لشخصهما المتمثل بالحمية العربية ونصرة المستنجد بهما، وإنّما وظفهما كدلالة رمزية للانقياد وراء المحتل، وهو توظيف عكسي، إذ استدعاهما في مجال السخرية من القادة السياسيين الذين سلموا العراق إلى المحتل على طبق من ذهب وينفذون كل ما يأمرهم به، أن يحيى يستدعي القادة العظام ويخاطبهم، ليخبرهم بما حدث للعرب في العصر الراهن، فيكشف الواقع المتردي الذي لا يجود بأمثالهم، وقد كرر الشاعر المعنى في (فهو الآمر الناهي، وصاحبُ القرارِ) دلالة على تحكم في البلد وقوله (الغريب) كناية للمحتل الغازي، وكرر أداة الاستفهام(كيف) للتعجب، وكرر أنواع الانتهاك والاستباحة من قبل(المنبوذُ والآفكُ والهَجينْ) فتبين أنَّ رؤية الشاعر في تشكيل صور نصوصه ذات طابع مؤلم .

ويبقى السؤال معلقًا عند يحيى السماوي بحاجة إلى إجابة في المقطع فيقول:(5)

سواءٌ كان الحارسُ ذئباً وطنياً

أو خنزيراً عولميّاً

فاليماماتُ

لن تجد البستان

غيرَ مقبرة..

وطني مستنقعٌ؟

إذنْ:

سأتضرع إلى الله

أنْ يجعلني

صرصارا !

قول الشاعر(الحارسُ ذئباً وطنياً) كناية عن الحاكم المحلي المستبد، والذي لا يتوانى في قتل أبناء وطنه، فهذان  الذئب أو الحاكم لهم صفات مشتركة ومتشابهة  منها الغدر وعدم الرحمة والإنسانية، ثم يتحول الشاعر في قوله(خنزيراً عولميّاً) كناية عن المحتل الخارجي الذي يزرع بذور الشر ويمنع اليمامات من العيش بسلام في الوطن، كونه أحتل البستان الذي جاء كناية عن الوطن المحتل، والذي تحول إلى مستنقع لكل من هب ودب.

والصورة الكنائية تتحقق عندما يكون الشاعر قادراً على نقل أفكاره وعواطفه من خلال الصياغة، ولذا تكون الصورة العبارة الخارجية للحالة الداخلية للشاعر، وتتجلى هذه الصور في مقطع يحيى السماوي بقوله: (6)

يـا أوّل الـخـطـواتِ

فـي إســراءِ قـلـبـي نـحـو فـردوسِ الـهـوى:

مـن أيـن يـدخـلُ بيت نشوتِنا

الـتـجـافـي ؟

نـحـن ابـتـكـرْنـا لـلـهـوى لـغـةَ الـمـودَّةِ والـتـبـتُّـلِ

والـتـصـافـي

الـغـصـنُ لا يـجـفـو الـجـذورَ

ولــيــسَ مـن طــبــعِ الــضـفـافِ

أنْ تـرتـدي ثـوبَ الـرَّحـيـلِ

إذا تـعـرّى الـنـهـرُ مـن أمـواجـهِ بـعـدَ الـجـفـافِ

الشاعر يحيى السماوي خلع الحياة الإنسانية على الطبيعة وجسد من خلالها علاقات الحب بين الغصن والجذر وبين الضفاف والنهر، فبهذا التوظيف من خلال الكناية رسم صوراً لدقائق وجزئيات هذه العلاقة التي تكونت بين عناصر صورته، وأعطت الجمالية والقيمة لنصه،فقوله (فردوس الهوى) كناية عن الحب الجميل، وقوله (حقلنا) فأنه يكنى بذلك عن حياته الخاصة، وقوله (التجافي) فإنه يكني بذلك الفراق عن اتصافه بعدم اللقاء ووحشية الفراق المؤلم.

يتناول الشاعر يحيى السماوي الكثير من الموضوعات بجمالية عالية التأثير من خلال خيال خصب ولغة جميلة جزلة فخمة الإيقاع ووزن يتناسب مع المضمون، تناول الحنين إلى الوطن، ومعاناة الغربة، مقارعة الاحتلال والفساد السياسي، الدفاع عن الوطن والأمة، ومن أجمل ما يمكن أن نقرأ له هو الغزل أيضا، ففي غزلياته نجده فتىً غِرّاً مليئاً بالعاطفة الحارة الملتهبة حد الرغبة الجامحة المندفعة، كما في قوله:(7)

سَكن الرَّبيعُ حقولها ..

وأنا الخريفُ بدأتُهُ

من قبلِ ميلادِ المواسمِ

والفصولْ

..........

صَدّقْتُ كِذبي

كيْ أكَذِّبَ صِدقَها..

فأنا صديقي مَرَّةً..

وأنا عدوّي والعَذولْ

الشاعر رسم مشهد عشقه معتمدًا أسلوب الكناية، واختار ما يناسب صورته التي يشكلها، فقوله (سكن الربيع حقولها) كناية عن حبيبته والتي هي في مقتبل العمر، وقوله (أنا الخريف بدأتهُ) كناية عن عمر الشاعر الذي  بلغ الشيخوخة، فالشاعر طَوّع اللغة بما يناسب حالته النفسية، ونرى انزياح العبارة في قوله(ميلاد المواسم والفصول) حيث أسبغ عليها صفة الحياة والولادة،  وهذا ما يزيد دهشة المتلقي وتفاعله مع النص، وجاء التكرار في صور متناقضة بقوله(صدقت كذبي) و(أكذب صدقها) تدور حول الشاعر ذاته بقرينة تكراره للضمير(أنا) ثلاث مرات، بدلالات وصور مختلفة فهو: الخريف وهو الصديق والعدو والعذول .

وفي مقطع مأساوي يصور الشاعر بلده العراق فيقول:(8)

في "المسلخِ الوطنيِّ"..

ينهشُهُ المنافقُ ..

والمُدَجَّنُ..

والوليُّ اللصُّ ..

والذئبُ الدخيلْ..

فقد عبر الشاعر بوساطة أسلوب الانزياح الكنائي عن كل ما يعتري الوطن من قتل بدم بارد وبدون سبب على أيدي المحتلين وأعوانهم  فقوله(المسلخ الوطني) كناية عن الوطن، وقوله (الوالي اللص) كناية عن الحاكم المحلي، وقوله (الذئب الدخيل) كناية عن الغازي المحتل، وقد جاء النص مترابطاً من خلال تكرار حرف العطف (الواو) ثلاث مرات، حيث أعطى (الواو) منطلقًا للشاعر في ذكر صفات المحتلين واذنابهم .

بواعث التكرار في اللغة

توطئة:

إن اللغة أمر مشترك، تصدر عن متكلم لتصل إلى  متلقٍ،(واللّغة فعلٌ لسانيٌّ، أو ألفاظ يأتي بها المتكلم ليُعرِّفَ غيرهُ ما في نفسه من المقاصدِ والمعاني)(9) وإن تنوع دواعي القول هو السبب في وجود أساليب متنوعة في العربية، ولما كانت اللغة هي الوسط الذي تتجسد فيه أخيلة الشعراء فتظهر للعيان محملة بأنفاس لها سماتها ومذاقها، فلا بد لنا إذن من وقفة نتبيَّنُ فيها أهم خصوصيات لغة الشاعر لنتعرف على تلك القدرة التي يبدع بها الشاعر، (فالأدب إعادة تشكيل دائم للغة)(10).

والشاعر المبدع هو الذي يستطيع أن يشحن لغته بالموسيقى والصورة وتراكم تجربته المنبثقة من تفاعل الفكرة والحدث مع العاطفة والشعور، لتأتي لغته متميزة فريدة، تحمل سمات الشاعر ذاته، وقد استوعب شعراء السبعينيات كمًّا هائلاً من الظواهر الصوتية التي يمكن أن تحقق للقصيدة نوعاً من الإيقاع الناتج من بنيتها اللغوية، وليس من حق أحد أن يفرض هذا الوزن العروضي بوصفه الأداة الوحيدة لتحقيق الوزن (11)

وعملية الإبداع الفني عند الشعراء تبدأ باللغة فالشاعر (إذ يحاول البحث عن لغة خاصة، منفصلة عن الموروث ـــــــ في اللغة العادية بصفة عامة، واللغة الشعرية بصفة خاصة ـــــــ متجاوبة مع واقعه المعيش سيجد نفسه أشبهَ بالإنسان الأول وهو يبتدع لغته)(12)

فالشعراء يحاولون أن يكتشفوا مجاهل أنفسهم وعوالمهم الباطنة، كما يكتشفون لغتهم ويعيدون بناءها لتكون قادرة على الإيحاء بعوالمهم الجديدة، بقدرة الشعراء على هذا الإنتاج الرفيع، لكن هذا الإنتاج لا يكون عند الشعراء الحق بمعزل عن استشعارهم لحق الأمة عليهم، وضرورة جهادهم بكلماتهم لتبلغ الأمة مسارها الصحيح (13).

إن ثقافة الشعراء وتجربتهم تقف دائماً وراء عملهم الإبداعي الخاص، بما تحملُ لغتهم من (الغموض الخلاق الذي ملأه بكم وافر العتمة، لكنها (عتمة مضيئة) شبيهة (بمصباح الفلاسفة) فهو مصباح لا يضيء لنفسه وبنفسه، وإنما يضيء للآخرين)(14)، فهم يتصورون وجود متلقٍّ يتذوَّقُ الشعر على شاكلة تذوقهم له، وذلك عندما يبتعد عن الألفاظ الوعرة الصعبة يتخيلون وجود قارئ يحب اللغة السهلة البعيدة عن الغرابة، كما يتصورون أن العكس صحيحٌ، وليس العبرة أن يستعمل الشاعر اللفظ السهل، ولكن العبرة في أن يسبغ عليه من روحه وفنه ما يجعله في التأثير، كألفاظ الشعر التي تفعل فعل السحر(15) والباحث في الشعر العربي يجد (أنَّ الأثر الشعري لا يوجد إذا كان المتلّقي لا يتقبّل المحتوى الشعري المبثوث في الرسّالة الشعريّة) (16).

واعتماد الشعراء على لغةٍ قريبة من الحياة اليومية السهلة، يعد دليلاً على مدى قدرات الشعراء الإبداعية فليس من السهل تحقيق المعادلة الصعبة بين الواقعية اللغوية والسَّمت الجمالي الجذاب، ولهذا فإنهم يسعون دائماً إلى اعتماد اللغة المركزة والفكرة المختزلة للكلمات وفق لغة سهلة لا تخدش كبرياء الخاصة، ولا تتكبر على العامة، ولا تخرج عن إطار الفن (17).

ويعلل الدكتور صلاح فضل إقبال العامة على هذا الأسلوب بقوله: (ولعل ذلك يفسر ارتفاع نسبة "مقروئية" هذا الأسلوب لدى الفئات العمرية والمستويات الثقافية ذات الوعي المحدود، إذ تعود إلى خاصية التكرار المشبعة للدلالة الأساسية مع تجليات من جانب، واختيار الإشارات الحسية المفرطة في بداهتها من جانب آخر، جنوح واضح إلى نوع خاص من الانحراف، لا يتصل على وجه التحديد بتركيب الجمل ولا ببناء المتخيل وامتياحه من المخزون الانثروبولوجي العميق في الوجدان العربي، وإنما باقتحام المناطق المحظورة في المستوى العام لاستفزاز القارئ وتحريضه)(18) نحو توجه جمعي.

لهذا استحقت لغتهم أن تكون لسان حال الفقراء من أبناء الأمة التي عانت ويلات الاستعمار والفقر وعدم الحرية، عليه انتشرت أشعارهم في أرجاء البلاد العربية، لأنها تعبر عن كل الجماهير العربية، ويحضر في شعرهم الإبداع في المعاني والتراكيب والأخيلة والبنى التي تشير إلى مخزونهم الثقافي والحضاري والشعري.

ولا يمكن أن نتصور وجود شاعر كبير ونص عظيم دون تصور وجود عشرات الشعراء الذين قرأ لهم هذا الشاعر ليكون هذا النص، إن ما يضيفه الأديب المبدع في ساعات إبداعه إلى هذه الألفاظ والتركيبات من دلالات، مستمدة من تجربته الشخصية (19).

وكل شاعر أصيل يمتلك معجمًا خاصًا، قد يشترك في كثير منه مع شاعر آخر، غير أن هذا المعجم يظل متميزاً، وذلك من خلال أمرين، أولهما: نوعية هذه الألفاظ التي يختارها الشاعر، والمضمار الذي تدور حوله، لأن ذلك يعكس نفسيته وتجربته، والأمر الثاني: هو مدى تعامل الشاعر مع هذه الألفاظ، وكيفية تركيبه لها (20) .

والشعراء موضع الدراسة لا يأتون بألفاظ بعيدة عن تناول أيدي الناس سواء أكانت سهلة، أم صعبة تحتاج إلى الرجوع للمعاجم، ولكن ما يميز معجمهم الشعري هو استخدامهم إمكانيات اللغة وبلاغتها فكل واحد منهم يذكرنا بالشاعر أحمد مطر الذي كان ( يستخدم كل حيل اللغة من البساطة الكاملة إلى البلاغة المعقدة، فيذكي حرارته آناً من خلال الإيجاز، وآناً من خلال الإطناب، وطوراً من طريق حذف التفصيلات، وطوراً من طريق التكرار)(21)  وكيف يستطيع الشعراء بشيء من التأمل أن يحولوا لنا كل ما حولنا شعراً عذباً، فيه جمال وبصرٌ بالحياة ومجاميع من اللفتات الوجدانية والذهنية(22)

" يتبع "

 

د. محمد الأحبابي

.......................

(*) من البحث الذي حاز به الباحث شهادة الدكتوراه في النقد الحديث .

(1) جماليات الأسلوب الصورة الفنية في الأدب العربي، د. فايز الداية، دار الفكر المعاصر، دمشق، ط3، 2012م، ص 141.

(2) الصورة الفنّيّة في التراث النقديّ والبلاغيّ عند العرب، جابر عصفور، ص 332.

(3) ديوان (نقوش على جذع نخلة)، يحيى السماوي، ص129.

(4) ديوان (نقوش على جذع نخلة)، يحيى السماوي ص114.

(5) ديوان (مناديل من حرير الكلمات)، يحيى السماوي، ص195.

(6) ديوان (تيممي برمادي)، يحيى السماوي، ص111.

(7) ديوان (أطفئيني بنارك)، يحيى السماوي، ص15.

(8) ديوان (أطفئيني بنارك)، يحيى السماوي، ص46.

(9) القواعد الأساسية للغة العربية، السيد الهاشمي، دار الهيثم، القاهرة، (د-ط)، 2009م، ص9.

(10) إشكالية المصطلح النقدي بين الوضع والنقل، صلاح فضل، الكتاب العربي، الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، بغداد، (د-ط)، 19.86م، ص77.

(11) انظر،  شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة، د. محمد عبد المطلب، ص14.

(12) بنية الخطاب الشعري (دراسة تشريحية لقصيدة أشجان يمنية)، عبد الملك مرتاض، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1986م، ص35.

(13) انظر، عناصر الإبدع الفني في شعر أحمد مطر، كمال أحمد غنيم، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 1998، ص 78-79.

(14)  شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة، د . محمد عبد المطلب، ص12.

(15) أنظر: لغة الشعر، د جميل سعيد،  مجلة المجمع العلمي العراقي، 1973م، العدد 22،   1 /70 .

(16) أساليب الشعرية المعاصرة، د. صلاح فضل، ص23.

(17) انظر، الشاعر الغريب في المكان الغريب التجربة الشعرية في سبعينيات العراق، شاكر لعيبي، ص 43.

(18) أساليب الشعرية المعاصرة، صلاح فضل، ص79.

(19) انظر، شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة، د. محمد عبد المطلب، ص15.

(20) انظر، عناصر الأبداع الفني في شعر أحمد مطر، كمال أحمد غنيم، ص108.

(21) عناصر الأبداع الفني في شعر أحمد مطر، كمال أحمد غنيم، ص109.

(22)  انظر، دراسات في الشعر العربي المعاصر، د . شوقي ضيف، مكتبة الخانجي، القاهرة، (د – ط)، 1953م، ص95.

 

 

محمد المحسن(الشعر يستطيع كل شيء.. حتى عندما لا يستطيع شيئاً..)

الفعل الثوري العربي الذي تحقق في السنوات الأخيرة إبان إشراقات ما يسمى ب”الربيع العربي” لم يكن معزولا عن خطاب الشعر،مثلما لم يكن معزولا عن الخطاب الذي تنتجه وسائل الإعلام.لقد كانت القصيدة كامنة في وجدانات هؤلاء الشباب فعلى سبيل المثال كان الشباب يرددون أثناء الثورة قصائد محمود درويش وأحمد فؤاد نجم وغيرهم، كما استعادت الثورة التونسية وبعدها الثورات العربية الأخرى قصائد شاعر عظيم بقيمة أبي القاسم الشابي،حيث صدحت الحناجر في ساحات وشوارع وميادين مدن عربية عدة “إذا الشعب يوما أراد الحياة..فلابد أن يستجيب للقدر”. فما هو دور الشعر في ثورات الربيع العربي؟

وهل ساهم في تأجيج مشاعر الثوار،أم أن الثورات قد شكلت مصدر إلهام للشعراء ولو على حساب القيمة الشعرية؟

وبسؤال مغاير أقول: لماذا يجب على الشعراء (وأزعم أني واحد منهم) أن يكتبوا شعرا أو نثرا،عن الثورة؟ !

هو سؤال أبله كما ترون،ولكنه،ككل أبله،يلح في طلب إجابة شافية،وككل أبله لن ترضيه الإجابات المخاتلة،أو تلك المبنية على الركون إلى البدهيات والأعراف.

والوجوب المفترض عن الشعراء-أو المفروض عليهم !-هو إما نابع من ضمير الشاعر نفسه، من ضيقه بما احتشد في وجدانه من مشاعر وانفعالات صاخبة، لن تهدأ حتى يخرجها كلمات على الورق، أو أنه نابع من إحساس الشاعر بواجبه في التعبير عن مشاعر وانفعالات الآخرين ممن حرموا القدرة على الكتابة، وفي كلتا الحالتين يراد منه أن يكون اسهاما في الفعل الذي جرى على الأرض-الثورة.

وكأني بالشاعر ما يزال يعتبر نفسه،ويعتبره الأخرون،صوت أمته،وضميرها الحي،الحامل لهمومها وأفراحها وآلامها،المعدّد لمناقبها،الممجّد لإنتصاراتها، الرائي لقتلاها، الشاتم لأعدائها…

وربما هو كذلك،أو كان كذلك، في جاهلية انقضت (أو هكذا حسبناها !)،قبل أن تخرج الأمور عن مجرد نزاعات قبلية بالسيف والرمح عن مرعى وكلأ، وقبل أن تتعقّد العلوم والإختصاصات،فيتولى آخرون فيما بينهم تلك المهام التي كانت منوطة بلسان الشاعر وفصاحته، وأعني بهم علماء الإجتماع وعلماء السياسة وعلماء الإقتصاد وعلماء التاريخ وعلماء الحرب وعلماء النفس وعلماء الإعلام..حتى علماء الكلام !.

حضور الشعر في الثورات العربية :

يقول الشاعر المصري جرجس شكري عن حضور الشعر في الثورات العربية:”الشعر بصورته المباشرة كشعر وكقصائد، ربما لم يكن حاضرا بشكل مباشر. الأقوى من وجهة نظري هو حضور الشعرية في التجمع أو في ممارسات الثوار. الأفعال التي كان يمارسها هؤلاء، هي الشعر من وجهة نظري”. غير أن الشاعرة اليمنية ابتسام متوكل، رصدت حضورا شعريا قويا خلال الثورة اليمنية سواء أكان الشعر فصيحا أو عاميا أو شعر تفعيلة أو شعرا عموديا.

ويبدو أن قصيدة النثر لم تكن حاضرة بنفس شكل القصيدة الإيقاعية، وتقول الشاعرة اليمنية:” المجتمع اليمني مازال مجتمعا سماعيا ولهذا السبب، الإيقاع والعبارات الحماسية تحرك فيه الكثير، لذلك كانت الثورة اليمنية حافلة بالإنتاجات الشعرية، على مستوى الأغاني والقصائد والإصدارات أيضا”. وتضيف:” في تاريخ الثورات العربية كان الشعراء دائما في طليعة من قادوا الفعل الثوري التوعوي، ومازال هذا الفعل حاضرا في اليمن إلى اليوم ومنذ ثورتي 1962 و 1963″.

على سبيل الخاتمة:

أثارت الثورات العربية وخاصة السورية الكثير من الأسئلة حول دور الشعر والشاعر، وكيف يمكن لشاعر أن يصطف مع قاتل أو يتغاضى عن صرخات الضحايا ويغوص في كتابته إلى عالم الأحلام بعيدا عن الواقع؟ كما يثار سؤال آخر عن وسائل الإعلام التي صدّرت إلى الواجهة شعراء بعينهم لمجرد الموقف بعيدا عن السوية الشعرية.

ويشكك البعض في مستوى كثير من القصائد التي كتبت في لحظة الانفعال، ويبدي موقفه إزاء ضحالتها الفكرية وافتقادها للشاعرية، ويذكر أن القصيدة المنددة بالقتل لا توجب السباب أو الشعاراتية المباشرة.

وفي هذا السياق،هل يمكن للشعر أن ينهض بأي دور في زمن الثورة،وفي أزمنة الغمة؟ أي دور ذاك الذي يتأمّله المرء من الشعر في زمن الرغبة عن القراءة وتهميش الثقافة؟ هل للشعراء أي تأثير يذكر في العالم العربي؟ وهل ما زال الشاعر يمثل ضمير قومه ولسان حال شعبه،أم أن هناك مستجدات تفترض آليّات التعامل معها؟

تحية للنص المدهش الذي يعكس وجه الحياة المتجدّد،تحية للقصيدة المتشبثة بهويتها كقصيدة،فمكانها ومكانتها بقامة أبجديتها،وليس بمهارتها في استرضاء السلطة وتملقها،وإن كانت سلطة شعبية..

إن التطلعات كلها مشروعة أمام”ثورة الشعر” لتحلّق القصيدة في فضاء الحرية بأجنحتها وأسلحتها وجمالياتها الخاصة كظاهرة فنية أصيلة..

ختاما،لا ينبغي أن نظلم الشعر،إذ من المؤكّد أن الأبيات الشهيرة لأبي القاسم الشابي وجدت سياقها الطبيعي في الشعب الذي أراد الحياة، فاستجاب القد،وفي القيود التي انكسرت بمجرد الانتصار على الخوف،وإجبار طاغية على الفرار خوفاً من الشعب،لكننا سنظلم الشعر كثيراً إذا اعتبرناه مجرد حطب للثورة..

إن الشعر يستطيع كل شيء حتى عندما لا يستطيع شيئاً..

 

محمد المحسن

 

عبد الجبار نوريفي رواية تشيجوف "المغفلة" واحدة من أروع الروايات القصيرة في تأريخ الأدب العالمي، وأنطون تشيخوف من كبار الأدباء الروس على مدى التأريخ في صناعة القصص القصيرة إلى جانب أستمراره بمهنة الطب بتشخيص أمراض المجتمع وبحبكة سردية يظهر نفسه بعدة شخوص ليغيير مجرى الحوار لصالحه فهو يبدو في الرواية هذه دكتاتوريا وسيدا وحاكما مستبدا ثم مصلحا وواعظا وبالنهاية فهو الكاتب والروائي الروسي البارع "أنطون تشيخوف".

وهو صاحب الدرس التربوي الثوري التصحيحي التعليمي للأنسان والذي هو أثمن رأس مال ويختم روايته الفذة بهذه العبارة الخالدة مدى الدهور{ما أصعب أن تحيا ضعيفاً في هذه الدنيا} يحثُ بها المتلقي برفض الخنوع والقبول بالمسكنة والذلة والأستسلام، فهو يرفض الأنسان الضعيف يحثُ على الثورة والتغيير بطريقة غير مباشرة، وفي مجمل رواياته كان قريباً من طبقة الكادحين والفقراء وشغيلة اليد والفكر والمستضعفين والمظلومين .

سيدي تشيخوف أن بطلة روايتك (يوليا فاسيليفنا) ليست الوحيدة التي خضعت للظلم بمحض أرادتها فالشعوب العربية هي الأخرى شربت من كأس الفاشية والنظم الشمولية حتى الثمالة تنازلوا عن حقوقهم بصمت وشكروا حكوماتهم ورضوا بالفتات .

وجدتُ أجمل ما في هذه القصة أستعمال الرمزية في عدم التسمية لصاحب البيت متعمدا لعدم أستحقاقه أي أسم ينادى به وبالتالي يجعل المتلقي يكتشف قصدهُ "زرع بذرة الثورة والتمرد على الواقع" عندما صرخ بوجه المربية (يوليا): هل ممكن أن تكوني عاجزة إلى هذه الدرجة؟ لماذا لا تحتجين؟ لماذا تسكتين؟ وهل يمكن في هذه الدنيا الآ تكوني حادة الأنياب!؟ فهي كلمات محفزة مشجعة للتمرد، ربما حفظ شبابنا التشرينيين درس المربي الثائر تشيخوف " وصرخوا عالياً بهذا الشعار الثوري التصحيحي {أنزل آخذ حقي}!؟

وثمة ظاهرة معاناة الأنسان الصغير أو الأنسان المسحوق برزت لامعة في سرديات الأدب الروسي، أمثال تشيخوف في قصصه القصيرة المغفلة و البدين والنحيف التراجيدية الساخرة، وناظر المحطة لبوشكين، والمعطف لغوغول، والمساكين لدستويفسكي--- وضمن هذا التيار الأصلاحي الثوري سوف أستعرض قصة تشيخوف القصيرة " المغفلة " التي تقوم أصلاً على نظرية مفهوم الصراع الطبقي الذي يكون ملازماً لحتمية التأريخ في التغيير بصناعة هذا الأديب الفذ يتمثل بجمال الفكرة مع رشاقة السرد والميل لمبدأ الصراع الطبقي بترويض النص  السردي في مركز الأعصار الذي هو الذات البشرية، وبما أنهُ كان طبيباً بالأصل فلا غرابة أن يستعمل المبضع في تشخيص أمراض المجتمع ببراعة فائقة وأن يقوم بتشريح الذات البشرية سايكولوجياُ برافعة قيمية لأخلاقيات الثورات الأصلاحية في (رفض الخنوع مقروناً بترويض الذات البشرية نبذ القسوة المفرطة بأحاطة الرواية بهالة من التشويق .

والمفارقة تجد تشسيخوف يستعمل قيمة (الأجر) أي النقود  كمعيار للتغيير في تصوير الذات البشسرية في مبدأ رفض الظلم جعل تشيخوف الصراع الطبقي ركيزتهُ لوجود طبقتين (البورجوازية والعمال) والغريب أيضاً هنا أن الطبقة البورجوازية هي من تحرك عقل العاملة يوليا للمطالبة بحقوقها أي صراع الأضداد (الدياليكتيك لفريدريك هيغل) . 

الدرس القاسي في قصة المغفلة

{أجرى تشيخوف لقاءاً أو حواراً تراجيديا مأساوياً مرّاً (بأعتقادي) مع مربية أطفاله (يوليا فاسيليفنا) وأعّدّ لها درساً قاسياً ليختبر قوّة أعصابها، وتبيان مدى تأثير جرعات الصراع الطبقي في عندياتها، وهل هي مستعدة وراغبة في التغير؟ أم أنها وطبقتها المسحوقة مقتنعة بالكفاف والمسكنة !:

{ لقد أتفقنا على أن يكون مرتبك 30 روبل، قالت 40، رد عليها بتأنيب: يا (يوليا) أنهُ مسجل عندي، المهم أنّكِ أشتغلتِ شهرين فقط، ردت يوليا هامسة وبخجل شهرين وخمسة أيام سيدي، وكرر أنّهُ مسجل عندي، أذن تستحقين 60 روبل تخصم منها:

9 روبلات لتسعة أيام آحاد . 2 روبل لكسرك فنجان وطبق . 12 روبل لثلاثة أعياد . 10 بسبب تقصيركِ لتسلق الولد الشجرة وتمزقت سترته . 5 روبلات بسبب تقصيرك أيضاً سرقت الخادمة حذاء الطفلة . 10 روبلات أخذتِ مني سلفة في يناير الماضي --- هنا همست يوليا لم آخذ ! وكرر السيد أنه مسجل عندي ---- المهم مجموع الخصم 48 روبل --- وهنا أحمرّ وجهها وظهرت حبات العرق على أنفها الطويل الجميل، وأغرورقت عيناها بالدموع وقالت بصوت متهدج وحزين مليء بالأنكسار: أنا لم آخذ سلفة سوى 3 روبلات من حرمكم، أنتفض السيد حقاً؟ أنا لم أكتبه أذن أصبح مجموع الخصم 51 بقي لك عندي 9 تسعة روبلات فقط، فتناولتها وقالت: " شكرا " سيدي .

وهنا أنتفض السيد وأستولى عليه الغضب وهو يردد ياللشيطان (على ماذا تشكرينني ؟؟) أنّي نهبتك! وسرقتك وسلبتك، فعلام تقولين شكرا ؟؟ قالت في أماكن أخرى لم يعطوني شيئاً، قلت لم يعطوك ؟؟؟ أليس هذا غريبا !! لقد مزحتُ معك هذه نقودك الثمانين في المظروف جهزتها لك مع درس قاسٍ لك أن لا تكوني عاجزة، أحتجي، لا تستكيني بل يحتاج أن يكون لك أنيابٌ حادة--- وقالت بصوتٍ واضخ " يمكن " وسألتها الصفح،  وتمتمتُ مع ذاتي (ما أبشع أن يكون الأنسان ضعيفاً في هذه الدنيا) نص (كتاب المغفلة تأليف أنطون تشيخوف – مترجم)

وليسمح لي الكاتب العبقري "تشيخوف" بأستنساخ قصته القصيرة هذه على ما جرى ويجري في طننا العراق وبسردية أطول قصة ولا تزال أحداثها المأساوية تجري منذ 2003 ولحد الساعة وأضنها لم تنتهي أحداثها  بعد ! وتقسيم الأدوار: بحكومات المحاصصة الطائفية والأثنية وغياب المؤسساتية في نظام (اللادولة) التي تمثل دور الكاتب الروائي، والشعب العراقي دور المغفل، وأستحقاق الشعب بميزانية مليارية في كل عام حوالي 110 مليار دولار أمريكي، ولكنه خرج صفر اليدين بميزانية خاوية، وبثالوث الفناء (المرض والفقر والجهل) ومادا يده للقروض الدولية، ووقع صيدا سهلا تحت تأثير مخدر الديماغوجية بالوعود الكاذبة المؤطرة بالخُدع السرابية الموهومة، وهو الأخرتجلبب الخنوع والمسكنة والقبول بحكومة الفاشية والشمولية ولمدة 35 عاما، التي أدخلت العراق في حروب عبثية أستنزفت شبابه وحصار دولي ظالم أستنزف الأخضر واليابس  والمحصلة النهائية كان نصيبه السكوت؟! . 

وتحية لأنطون تشيكوف في روايته المتألقة والرائعة " المغفلة " والتي أخضعها للصراع الطبقي بمغزى ثوري جدي {أن الحياة للأقوياء والشجعان لا مكان فيها للضعفاء والمغفلين، وهي تمثل براعة الحبكة عند تشيخوف في هيكلة القصة أنسنة وحبا وجمالا ، والشكر لهُ خصوصا عندما جعل نهاية القصة مفتوحة للقارئ، لأقول: 

نعم سيدي الحياة للشجعان لا مكان للضعفاء، إن (أرخنة) الأحداث في وطني تفرض عليّ كشاهد حي مخضرم أن أستذكر موروثات أسلافي القيمية أخلاقية في الأباء والكرامة وأختيار طريق التضحية بالرغم من أن قواعد الأشتباك مع المستعمر وحكومات الفاشية الظلامية ليست بصالح شعبنا لغياب التكافؤ اللوجيستي والعسكري فأختار طريق التحدي والتحريرببيرق المهوال الشعري وباللهجة الفراتية للتحفيز للتغيير{ها --- كل حي بالدنيا عليه موته !؟} وهذه بعض الأنتفاضات التي نفتخر بها 

– ثورة العشرين 1920

- أنتفاضة 1952  

- الأنتفاضة الشعبانية 1991

-أنتفاضة تشرين 1 تشرين أول 2019

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد  

 

 

محمد المحسنويحلق بالقصيد بأجنحةٍ من تميز.. ها أنا شارد في تفاصيل الغياب.. إنموذجا

النسيان هو الفناء الذي يترصد الذاكرة،بينما الذاكرة هي ذروة سنام النضال الإنساني تجاه الفناء الذي يترصد أنفاس الحياة فوق الأرض،قبل أن يودي بها الفناء الأخير إلى أرذل النسيان تحت الثرى،ولذا لا تتخلق الذاكرة إلا في رحم النسيان،ولا تولد إلا على مهد منه،بينما النسيان سياج أبدي مضروب حول كل جهات الذاكرة في متلازمة قدرية لا انفكاك لها ولا تراتبية تحكم طرفيها،إنما سجال أزلي بين سطوة المحو وأحلام البقاء!.

وعليه نقول إن اجتراح ذاكرة للأشياء هو الحيلة الإنسانية الأقدم لمجابهة النسيان،وهو جزء من صراع الإنسان الأبدي مع الفناء بمختلف أشكاله وتجلياته،والتي يعد النسيان ضمن صورها الأقسى،حتى ليبلغ به الحال أن يكون معادلا للموت ذاته،بل ربما عد الموت فناء رحيما إذا ما قيس بمواجع النسيان وفادح خساراته في كثير من الأحيان .

وحين يكون العمل الإبداعي هو الناهض بمهام الذاكرة فإنه حتما يتحرك ضمن إطارين اثنين :الإطار الفني،والإطار التوثيقي،ويراوح بينهما بحرفية لا تكتفي بالأول فتكون محض إبداع لا أثر فيه لمكنون الذاكرة،ولا تتماهى بالآخر فتكون مجرد وثائق متلبسة حللا فضفاضة من الإبداع لا تمنحها شرعية الانتماء لمفهوم العمل الإبداعي الحقيقي .

هذه اللوحة الشعرية النازفة تطرح قضية نفسية قد تكون نتاج تجربة شخصية للشاعر أو هي معالجة لقضية ما.. ربما هزت مشاعر الشاعر التونسي القدير طاهر مشي..:

ها أنا شارد.. في تفاصيل الغياب

كل الأحلام رسمتها

في خارطة النسيان

يؤرقني ذلك الشرخ

مازال ينزف من ذاكرتي

عربد جرحي

وانشقت البسمة عن الشفاه

فمن يقاسمني الظلام

سأمضي وحيدا

كما كنت ملقى جريحا

على ناصية الوجع

فكيف أبوح

وأطرق باب النسيان الموصد

لا شيء ينقصني

فما تزال الأدران تسكن أوردتي

ووجعي

يتمادى

يقودني إلى حافة الجنون

شاردا في تفاصيل الغياب

والشوق يلتهم نبضي

يدمر مملكتي

فتمضي الأيام

خوالي

من يقاسمني الوجع

والآه تلو الآه

كما الطوفان تجرفني غريبا

لا أعرف نفسي

ولا نفسي تعرفني

لا شيء ينقصني

قافية القصيدة مشردة

كما أحلامي الموؤودة

(طاهر مشي)

ربما يكون من اليسر بمكان أن نتبين مدى انسجام النص مع حقيقة كونه ذاكرة انطلاقا من بنيته الشكلية وإطاره الخارجي،على أن مقاربة تلك الحقيقة استنادا إلى حمولات النص ومضامينه،وانطلاقا من عمقه أمرا ليس باليسير، والتوصل إليه يتطلب إيغالا فيما يسيجه ذلك الإطار الخارجي بداخله من البنى اللغوية،وما تنطوي عليه من مضامين النص وطاقاته النفسية والعاطفية،وما استطاع أن يؤويه إلى عوالمه من دلالات، إيحاءات وأبعاد،وما تمليه عملية التذكر،ومدى حيوية تلك العملية إلى جانب الصهر الإبداعي لكل ذلك في قالب النص الذي اضطلع بمهمة شاقة توثق للإبداع وتبدع للتوثيق لتثمر ذاكرة تختزل بداخلها الشوارع ويمتزج فيها الزمان والمكان لتبقى شاهدا يتأبى على النسيان .

لم تخل القصيدة من بعض الانزياحات الدلالية والصور البلاغية التي تناثرت هادئة بين الأبيات التي هذبها الشاعر وأبدع في تطريزها..

كانت الصور تتسلسل طيعة غير مصطنعة وكأنها زبدة لمخيض الوجع الذي شكلها على مقاس معين ليستسيغها القارئ وهو يتتبع أبياتها بهدوء و..كأنه ينتظر مع الشاعر بصيصا من النور..

ومن البيت الأول تستوقفنا الموسيقى بتأثيرها الفعال في بلورة الحس الجمالي لهذا النص معتمدة على تلك الأصوات اللغوية المتناغمة لتُخرجَ ما اكتنف الحالة الشعورية المكتنزة على وتيرة واحدة لم ينطفئ أوارها من أول حرف إلى آخر كلمة وهذا بطبيعة الحال لا يكون إلا بالإيقاع الداخلي والخارجي الذي تؤسسه الحروف والكلمات وتشيده الدلالات والإيحاءات..

فطوبى للشعر بقلوب تعطي الأدب لوحات من جمال متفرد.

ختاما أقول:

الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي..شاعر باذخ الحرف..يعرف من أين يورد الشعر..يمتطي صهوة الحرف ويحلق بالقصيد بأجنحةٍ من تميز..

الشاعر طاهر مشي أراه وأؤمن بأنه علامة فارقة في عالم الشعر الفصيح على صعيد الشعراء العرب بشكل عام وعلى صعيد شعراء الفصيح في بلادنا (تونس التحرير)

قاصرٌ هو الحرف عن الإمساك بكل خيوط إبداعك أيها الشاعر السامق..

وأتمنى أن أكون قد طرقت بعضاً من ملامح الجمال بين ربوع قصيدتك الخلابة الرائعة..

 

محمد المحسن - ناقد تونسي

 

يتخذ الأديب السوري باسم سليمان من الكتابة "شعرا وقصة ورواية ومقالا صحفيا" مساحة للبوح يسجل فيها أهم مواقفه من الحاضر العربي عموما والسوري خصوصا.  وهو يملك في رصيده الإبداعي أعمالا كثيرة، يمكن أن نذكر منها: مجموعة قصصية بعنوان: تماما قبلة، صدرت عام 2009،  ورواية "نوكيا" الصادرة عام 2014، و"جريمة في مسرح القباني" وهي روايته الصادرة عن منشورات ميم الجزائرية عام 2020، وفيها حاول باسم سليمان المزج بين أساليب عديدة.

تستحضر هذه الرواية مدينة دمشق  لتجعل منها فضاء رحبا  تتمسرح عبره أحداثها المختلفة، ويلجأ باسم سليمان إلى استدعاء مجموعة من الأمكنة "الخاصة" التي لها علاقة عضوية بالخطاب العام المؤسس لتمفصلات الرواية. فمقر الشرطة، ومسرح القباني، وجسر الرئيس، ومزة الجبل، وحارة الخزان وغيرها هي الأمكنة التي تم توظيفها قصد رسم معالم الشخصيات الرئيسية التي تلعب دورا بارزا في تشكيل الأحداث الفاعلة فيها.

ونعثر على شخصيّات المحقق هشام والمساعد جميل وبائع الكتب المستعملة وعبد الله بن أمة الله الذي يعد بمثابة الخيط الجامع لخيوط العملية السردية، كونه "الضحية" التي تدور حولها التحقيقات بهدف كشف تفاصيل الجريمة.  كما يستدعي الروائي شخصية من الواقع السوري وهي المحامي السوري " هائل منيب اليوسفي" الذي كان يكتب نصوصا للتمثيلية الإذاعية "حكم العدالة" . وقد اقترضت الرواية من هذه التمثيلية شخصيتي المحقق هشام والمساعد جميل.

وتحاول رواية "جريمة في مسرح القباني" الغوص في العوالم الجوانية لأهم شخصياتها، ويتجلى ذلك من خلال البحث في مواطن الصراع النفسي الذي تعيشه شخصيات كل من المحقق هشام وأحدب جسر الرئيس وعبد الله ابن أمة الله. ونجد شخصية المحقق التي تتجسد في الرائد هشام، الذي يشرف على عملية التحقيق في جريمة مقتل عامل النظافة ومحرك الدمى "عبد الله بن أمة الله" يوم عيد الأضحى في مسرح القباني، ويتعرف هذا المحقق على أحدب جسر الرئيس بائع للكتب المستعملة، أين كان يزوره في بسطة الكتب لاقتناء  بعض الكتب.

أما شخصية أحدب جسر الرئيس فهي من الشخصيات المحورية التي تنبني عليها أحداث الرواية، فهو المتهم الرئيس في جريمة قتل عبد الله بن أمة الله الذي وجد جثة هامدة في مسرح القباني، خاصة وقد كانت بينهما علاقة صداقة. ولبائع الكتب المستعملة حكايته الخاصة التي ترسمها الرواية، فهو...القادم  من مدينة حلب عام 1979 إلى دمشق هربا من ثأر يطارد عائلته، كانت  انفجارت الأزبكية بدمشق عام 1981 سببا في إصابة ساقه مما خلف أيضا حدبة في ظهره ، كان يعمل حارسا ليليا في مسرح القباني، وبائعا للكتب المستعملة في، وهو الأمر الذي سهل عليه أن يعيش متنكرا عن الذين يطاردونه قصد الثأر منه...  (ص25)

ويتم اتهام أحدب جسر الرئيس بجريمة قتل عبد الله بن أمة الله، كونه كان حاضرا في مسرح القباني وقت الجريمة، صبيحة عيد الأضحى. غير إنه يدافع عن نفسه قائلا: " طلب مني زجاجة ماء، فهرعت إلى محرسي لأجلب له ما يروي عطشه، ولما عدت وجدته مستلقيا على خشبة المسرح. تحيط به الدمى ومن ضمنها دمية الجثة التي تمسك بخيط يلتف على رقبته، فيما تقبض الدمى الأخرى على ثلاثة خيوط. تنطلق من يده اليسرى وساقيه، بينما بقيت يده اليمنى حرة من قيد الخيط، ظننت أنها خدعة أو مزحة ثقيلة منه، إلا أن ذلك لم يدم طويلا ، فقد كان ميتا، لم أدر ماذا أفعل، فاتجهت كالمسرنم واتصلت بمخفر الشرطة مبلغا عن وجود جثة على مسرح القباني. (ص 30)

أما الشخصية الثالثة فيمثلها عبد الله بن أمة الله،  وهو  "للحقيقة لا يملك اسمه الأول، فكما نعرف، اللقيط لا يوضع على بطاقته الشخصية اسم الأب والأم والنسبة، هو من النازحين من تفجيرات الأزبكية في الثمانينات من القرن الماضي، لقد وجده أحد الجنود ملقى على الأرض بجانب الحطام الذي خلقه التفجير يلفه قماط قد اسود وأكلت النار بعض أطرافه، مما تسبب له بحرق كبير في وجهه وحروق متفاوتة في جسده، ليودع في الأخير في ميتم زيد بن حارثة...  (ص22)

وترتبط شخصية عبد الله بن أمة الله بلحظة حزينة من تاريخ سوريا تعود إلى عام 1981 على إثر تفجيرات   الأزبكية التي خلفت  حوالي 175 ضحية، السبب الذي جعل "عبد الله بن أمة" يعيش في ميتم زيد بن حارثة في دمشق، وبعد بلوغه السن التي تسمح له بمغادرته، يجد نفسه في الشارع مستقبلا حياته الجديدة التي يبدأها عامل نظافة يجوب شوارع وحارات دمشق.

يمتلك عبد الله بن أمة الله هواية جمع الصور وتحريك الدمى، فهو موهوب في هذا الفن، إذ يشكل بالدمى التي يمتلكها عالما موازيا للعالم الحقيقي الذي لم يمنحه إلى وجها مشوها وهوية مضطربة. ففي هذه الدمى يبحث عن هوية بديلة، هوية غير مجروحة، وذات متخففة قدر الإمكان من العنف والفوضى والمعاناة. كما تستمد هذه الشخصية وجودها من الواقع الخاص الذي تعيشه سوريا منذ سنوات عديدة.  ويجعل عبد الله بن أمة الله من عالم الدمى نوعا من التعويض عما تعيشه الذات المقهورة جراء ما تعيشه باستمرار. كما إنه كان يعول على جمع الصور أن يجد نصفه المشوه، باحثا فيها عن عائلته، وعن أهله، ولكن هيهات.

وتُظهر هذه الرواية على موقف وجودي خاص، حيث تؤخذ شخصياتها المحورية مهمة تبيان هذه الحالة، التي تتحول مع تنامي أحداث النص إلى نوع من القلق،  الذي ينسحب على كثير من الأفراد  في عالما العربي الجريح.  لهذا نقع على نوع من التداخل بين مصائر هذه الشخصيات، إذ يتجلى كل ذلك ضمن إطار نسيج سردي تتوزع فيه الأدوار وتتباين الأفق، رغم تشابه أسباب ومنطلقات رؤيتهم لهذا القلق الوجودي. وهو ما يتجسد بشكل لافت مع المحقق هشام وبائع الكتب المستعملة وعبد الله بن أمة الله.

ويتداخل في هذه الرواية أيضا عالم البشر بعالم الدمى، فهما يتقاسمان النظرة نفسها إلى المصير المشترك، فكل من شخصيات العالم البشري ودمى العالم الموازي تنطلق من رؤية فجائعية للعالم،  وهي خاصية لصيقة بهذه الرواية، مما يجعلنا نضعها ضمن "حساسية" خاصة تجمع بين المتناقضات، حيث نعثر على حالات الحدّ والشبهة، والشفقة والنقاء والتضحية والثواب والعقاب والتحول والخطيئة ...الخ، وهي الحالات التي  لا يمكن إلا أن تجتمع في الإنسان كونه كذلك.

تستمر أحداث الرواية ضمن مخطط سردي يطبعه طقس شعائري، تمتزج فيه مواقف عديدة تجاه الوجود الإنساني،  ومصيره المحتوم، كما يختلط الدنيوي بالمقدس، وذلك من خلال تمثيل سردي تتماثل فيه قصة الأضحية كما جاءت عند النبي إبراهيم عليه السلام، بحيثيات موت عبد الله بن أمة الله صبيحة عيد الأضحى، وما لهذه الحادثة من رمزية خاصة. وكذا حضور قصة قابيل وهابيل وعلاقتها بقتل الإنسان لأخيه الإنسان انطلاقا من فرضية الإزاحة من المكان.

أما "الجثة" فهو اسم "دمية" من عالم الدمى الذي يملكه عبد الله بن أمة، وهي بطلة مسرحيته التي وسمها بـ "مسرحية الجثة"، التي يحصل عليها المحقق هشام بعد زيارته لغرفة الضحية. وتدور أحداث المسرحية  بمناسبة الحوار الذي يدور بين الجثة ومنكر ونكير، لهذا هذه فإن هذه الفكرة تحيل على الصورة المتخيلة لما قد يقع للإنسان بعد موته.

تبقى رواية جريمة في مسرح القباني من الروايات المحفّزة في كل مرة على القراءة، والسبب في ذلك أنها تتمنع على الرؤية الوحيدة والقراءة النهائية، خاصة وقد ركزت على الأسلوب السردي البسيط. والطرح الفكري المركب؛ بمعنى إن الروائي باسم سليمان يسعى جاهدا إلى الاعتماد في تشكيل نظرته العامة على مخزونه الثقافي والمعرفي المتميز، مما يوفر للقارئ طبقتين؛ الأولى ترتبط بروح  شفافة سردا ولغة، والثانية طبقة معرفية وفكرية واسعة ومركبة. وقد تم له ذلك من خلال شخصيات عمله ومدى انخراطها في التعبير عن واقع قلق متوسلة بخطاب يحاول تفكيك جملة من الأسئلة الوجودية المتعلقة بمصير الإنسان الذي أصبح تائها.

 

د. طارق بوحالة - الجزائر

 

 

 

حيدر عبدالرضاديوان قصائد (نار القطرب) إنموذجا.. المستعار البوهيمي بين معابد الدال وأفعال المرجع المؤسطر.. الفصل الثاني ـ المبحث (1)

توطئة:

أن فعل القراءة في احياز دلالات قصائد ديوان (نار القطرب) تقودنا نحو تلك الممارسة الشعرية التي تكفلتها الذات الراوية للشاعر، حيث تبدأ في حدود إجرائية صورية مؤسطرة في مجالات تشكل الملفوظ القصدي عبر وسائل حميمة وشاقة في تحميل موقعية أفعال النص بتعاملات إدائية خاصة بدليل ذلك المحمول المقارب بـ (المستعار البوهيمي) وهو يتلفظ وجوده القناعي بوسائط مؤولة من الاستعدادات الاسلوبية المتخيلة من أفق إنتاج الدلالة الشعرية المتعالقة ما بين حقيقة الدال الشعري وممارساته النواتية في مرجعية المؤسطر من تأويلات الخطاب الشعري الخاص والعام الكامن في مؤشرات القصيدة.

ـ المتشكل النصي وشيفرات الرؤية الإحالية

قد لا أزعم لنفسي أن قراءتنا المبحثية في مجموعة الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الكبير حسين عبد اللطيف، قد تفي بكل ما في ثريا تجربة هذا الشاعر الفذ، ولكننا حاولنا تقديم في كتابنا هذا مجموعة دراسات تدعمها رؤية الناقد في استنطاق النصوص على النحو الذي يجعل من قراءتنا محض آليات نسبية في مقاربة هذا المنجز الكبير للشاعر.تحدثنا في مباحث الفصل الأول عن بعض من النماذج الشعرية في ديوان (على الطرقات أرقب المارة) ولأننا لم نتناول كل قصائد هذا الديوان، فلعلنا سوف نعاود دراسة البعض الباقي منها في ضوء ضرورة إجرائية خاصة.وتبعا لهذا نفتتح في مباحث هذه القراءة ما تتوافر عليه قصائد ديوان (نار القطرب) لنرى بمعنى من الدقة والعناية، ما المجال الاسلوبي والإجرائي الذي تتصدر فيه تجربة هذا الديوان الشعري من تعاملات دوالية أخذت لذاتها في قرار النص ذلك الشكل من (التشكل النصي) المقارب إلى الاستفادة والاستثمار من مرجعية الأفكار والمداليل المؤسطرة في مشهد المعبد البوذي القصدي من معادلات الشاعر الكيفية:

(1)

نفق البوذي

قرب الماء

وقع الخارق

في الخان...التمّ الشحاذون...

دقائق خمس

سألوا المولى

فتدلّت...

من أغصان الليل الشمس . / ص65  قصيدة: أناشيد من الأوبنشياد سفينا سيفاترا

إن ماهية الوعي بجدلية الشكل الأحوالي في مقاطع قصيدة الشاعر، تفضي بنا إلى مراجعة ذلك الأفق المرجعي من شيفرات الموضوعة الشعرية لديه، احتسابا لحدود انطباعها الطقسي والخاص بالعبادة البوذية، ولكن قصيدة الشاعر لم تفسح لذاتها التواصل في مكونات ذلك المنسك الوثني، بل إنها أخذت في توصيف أحوال رؤيتها الموضوعية في ذلك الطقس جاعلة من مؤثثاته، سياقا كاشفا في محددات إضائية خاصة. وذلك ما تتحدد به جملة (نفق البوذي) وجملة (قرب الماء) أن العملية الدلالية في مشهد هذه الجملتان جاءتنا ملمحا لوصف مفردات حصيلة بيئية ـ سكونية، مصدرها ذلك الباعث في دال (البوذي) أو ذلك الدال المتمثل بواصلة (الماء) في القرب أو البعد السكوني من قيمة (الدال المتحول ـ المنفذ لعلاقة الأداء) وصولا بحقيقة خطى (وقع الخارق) بعدا رمزيا جعل يتبنى في حركيته الأحوالية ذلك الظرف المكاني المضمر من رؤية الحال والاظهار في موجه المرسل إليه (في الخان ... التمّ الشحاذون..) وبهذا الأمر تتبين لنا عناصر المكان دون ملحقاته التحيينية، شحذا منا إلى التقاط ما تجود به تفاصيل البوح الرقمي من القصيدة العنقودية،  من سكونية خارقة في بث واصلاتها الدلالية (سألوا المولى .. فتدلّت ... من أغصان الليل الشمس) وتنتهي بنية الأسطر الأولى بهذا الحال المنقطع وجوديا، لتتضح من وراءه تلك الروح الطقوسية الخاصة في محاكاة أفق الخوارق البوذية، وما تقتضيه من إيهامية في بث مقصودية الواقعة الموصوفة.

1ـ بنية شعرنة الدال في مرآة الفعل المراوي:

وتنقسم المكانية في معلنات القسم اللاحق من النص المرقم بما يوفر للنص في ذاته، ذلك المستوى من مسوغ تقانة (العلامة المراوية) زمنا استعاريا ـ في تقويم التوظيف الإيهامي في مرسلات الذات الشاعرة.

في أحلام الفقراء...

سطعت مرآةٌ...

وتساقط خبزٌ،  / ص65 ص66

أن العلاقة الكافية في مشهد هذه الفواعل الشعرية، تتلخص في كونها دلالات خفية، فيما تتأنسق منها محاور الأحوال في صورة ملفوظية ذات متداولة دوالية مؤملة بروح الانفراج المرادف من المعنى، أي بمعنى ما أكثر محسوبية ودقة، نقول أن جملة (أحلام الفقراء) هي الذروة الضالة من مساحة زمن (أمنية ـ حلم: مفارقة ـ جوع ـ ضياع = الفقراء ـ المرآة = وسيلة منظور إليه) أي القابلية الذواتية المعكوسة في رحم المرآة، هي حقيقة تنم عن ما في داخل دال (الفقراء) من لهفة رغبوية في الطعام والشراب، لذا وجدنا حالة الفعل المراوي في صور الفقراء، تحقق لهم محض أطياف من رؤى(وتساقط خبز؟) بدلالة أخذت تنسحب في عموميتها إلى حالة خاصة من عبر موجه جهة(شعراء= فقراء) اقترانا لها بذلك التشظي في تداعيات زمن الصورة الكلية من المتحول الأقصى من ذات الشاعر القولية:

كان الخبز: جرائد

وقصائد

يحيا

فيها

الله./ ص66

وما يعنيه بهذه الدوال الشاعر، هو ذلك المتمنى بمرموز(الخبز) وإحالته إلى حالة قصدية في زمن الأحداث المرجعية، وبهذا الأمر تنبسط أحلام الفقراء لتكون صورة ذلك الشاعر وهو يوصف حضوره الزمني في المرآة على هيئة مزدوجة من رؤى الفقراء في الذات المراوية نفسها.

2ـ تشوفات الحال في تراكيب الأنا الظلية:

وإذا كان الشاعر قد احاطنا في المقاطع المرقمة من قصيدته (أناشد من الأوبنشياد سفينا سيفاترا) تلك المقاصد من رؤى المكان والظرف (الطقوسي = المراوي) فهنا في هذه المشهدية الأخيرة من النص يدفعنا الشاعر نحو تشوفات الحال بالاستفادة من العلامة الظلية، وإذا كان الدال الفاعل في النص هو علامة ظلية إلى ذلك الكائن المفارق، فما دور المحدد المجسم من ذلك المشار إليه؟:

وأنا مركوزٌ في نقطة

يتجمهر حولي الناس

لم يأتِ القافز

فوق الظلّ....

ولم يكشف وجهي الحراس . / ص66

قد تستفيد هذه الأحوال من الدوال ، من حيز الاشارات المختزلة، حيث يتعمق مكنون الطاقة المتماهية في قناع النص، بما يوفر لها حالة من المطابقة في الدلالة الفيضية من العدم في مقابل محمول تلك الذات التي هي كينونة متمحورة في غيابها الملموس، لذا فهي مرئية من ناحية حضورها العضوي، إلا إنها مغيبة في غيرية ذلك المكنون من الأسطر (لم يأت القافز ـ فوق الظل ...) وهنا الاداة التابعة للمحذوف ما يمهد لنا الظن بأن الذات في حالها مفصولة عن وجودها العيني، بذا ظلت ظلا(ولم يكشف وجهي الحراس) يعيدنا الشاعر حسين عبد اللطيف إلى اسقاطات الوعي الكينوني من رماد المجسم الجسدي، الذي هو بلا وجود أصلا، سوى ذلك المظهر الهلامي المنسي من وجه ووجوه الشاعر في ذاكرة الظل والظلال.

ـ الملفوظ النواتي  بين الإمكان الوجودي وشعرية الفعل الكوني.

إن قابلية المتابعة في شعر(حسين عبد اللطيف)هي الحصيلة الفاتحة من (إرادة الفعل) نحو تكوين الصورة الإطارية للذات الواصفة في الأقنعة الغائبة من مصاحبات المعنى الخلوصي المتكامل في زمن النص..أي أود الأشارة هنا إلى مجموعة قصائد (نار القطرب) التي هي عبارة عن مجملات دلالية تأويلية تستعين ممارساتها في خطاب التجزأ واللاحاق بما يوفر للمعنى مشاهدات نصفية من إكتمال التفاصيل المحققة في مبعوث المرسل الشعري.بهذا المضي من هذه التوطئة المبحثية القصيرة، نقرأ قصيدة (منطقة) لنستنتج من حدوثاتها الاحوالية، ذلك الخيط الرابط بفكرة ذلك الإيحاء بالرجل البوذي تشكيلا ورؤية ودليلا:

جسدي سرج

أسري في الليل عليه

لأزور

بلاد الله

وأبحث

عن نقطة

في أرضِ ما . / ص67

أن آليات العنونة (منطقة) تشكل في ذاتها ذلك الحيز المتصل ما بين (أنا ـ جسدي ـ نقطة ـ سكون ـ حركة) وهذه الجملة من الأوضاع تجيبنا على محتوى تجربة النص الذي راح يعاين لذاته، ومنذ جملة (جسدي سرج) ذلك الاقتران الفعلي في جملة الطواف الوجودي (أسري في الليل عليه) لتشتغل هذه الصلة الإلتحامية بدورها نحو دال (أزور) لتكون استجابة مرتبطة من غائية الحركة والتواصل إلى (بلاد الله) إذ يتحول اداة العطف على فعل المعطوف(أبحث) لتشكل جانبا متجليا للكشف عن غائية الوسيلة المتممة والملخصة في (عن نقطة .. في أرض ما) وعلى هذا النحو من التصديرات الدوالية، نفهم بأن للشاعر تصوراته المرتقبة بحساسية أفعال نصه، وذلك إبتداءا بالعتبة اللاحقة من السطر القادم (يتوحّد فيها الكون) ومن هنا سوف نتعامل مع حالات الأنا الواصفة في مقاطع النص، على أنها إسهاما فاعلا من حصيلة (الوجودـ العدم ـ اليقين ـ الكينونة) وحتى بلوغا بهذه المقاطع من النص:

يقع الفعل: فتأتي الحركة

ويكون سكون الموت . / 67

قد يتسع مثل هذا التصور من الرؤية الشعرية بالاشارة نحو اماد خاصة من سرانية الحركة الازلية أو البرزخية التي تتحملها مقترحات المعطى المؤول(الوجود: فعل = حركة: سكون ـ الموت = عتبة برزخية من اللامتناهي) ولكننا عندما نواصل الاطلاع على باقي الاسطر في المتن النصي، تواجهنا مجددا حكاية ذلك البوذي في واصلة محورية حميمة وملفتة في كوامن قصديتها:

بوذياً ... أدخل عاصمة النار

أفني جسدي

للجمر: تضاريس الأعضاء

وللفقراء الأسمال . / ص67

بهذا الشكل البوهيمي ينعطف بنا الشاعر نحو بعدا صوفيا، في التمظهر الدلالي، مما يجعل قراءتنا للدوال تنحو منحى يكتنز لذاته ذلك المعطى الاحتمالي رمزيا وفضائيا إزاء مبررات إنتاج الجملة الروحية من المقطع: (بوذياً ... أدخل عاصمة النار) تنتج مفردة (البوذي) تلك المساحة الخاصة التي تتكفل بمثالية الحركة نحو الخلاص من أعباء الوجود، أو أنه بمعنى آخر، ذلك المتسلح بخلفية الفعل الروحاني المضاد لوهج الاحتراق، أو لربما يقصد من خلال وارد الجملة اللاحقة (أفني جسدي للجمر) كعادة طقوسية في العبادة الوثنية نستخلص منها معنى التطهر أو التزكية في سبيل جملة (وللفقراء الأسمال) فعلى الرغم من ما للجملة من محققات ضمنية في وظيفة التدليل، إلا أنها تكشف عن حالها المعروف في حيز خاص من الانجاز المدلولي:

في ماء المرآةْ

رحي

وسقوط الظل: على القاع

فليجرِ النهرَ...

... ليجرِ النهرَ ...

ليجرِ

وليبحث

عن نقطةْ

في أرضِ ما

يتوحّد فيها الكون. / ص68 .ص69

أن طبيعة الدوال من التكرار والحذف والتأخير والتقديم، وهو ما يتراءى لنا في جملة (في ماء المرآة .. روحي) أن الدلالة المرآتية ها هنا تقدم لذاتها رسما سيميائيا صار يجسد المراحل العمرية من ذاكرة الذات، فيما تبقى هذه الذات بمثابة المتمحور الروحي الذي هو بمرونة المثول الظلي الشفيف في قاع العمر الزمني في حياة الشاعر(فليجر النهر... ليجر النهر...ليجر) أن المضاعفة التكرارية في جملة (فليجر النهر ...) هي في ذلك المستوى المتماهي من حقيقة الوجود للذات وواقع عدمها التعددي في المرمز، غير أنها تتواصل في لازمة جاءت بصيغة تأثيرية وكأن مراد الشاعر منها الخلوص من صورتها الوهمية، افتراضا لها بذلك البحث عن(وليبحث عن نقطة ... في أرض ما) إذ تتنازع في دواخل الذات، ذلك التعلق بحياة أخرى أكثر طهرا ونقاوة من ملحقات حياة ذلك البوذي،  الذي أختار لنفسه الخلود في جحيم النار، طلبا أوتماهيا مع الأرواح الخالدة في المعتقد الوثني، لذا فهو يواصل بحثه في نهر الحياة عن ذاته الأخرى، امتدادا نحو ذلك الكون اليوتوبي العميق:

يستيقظ أطفال في العشب

يتوقّد قنديل البيت

لهب يتلولب فوق الأشجار

شجر يتهجّد...

ريح الشرق تصلّي

وحصاةْ

تتمطّى

في ماء المرآةْ . / ص68

ـ تعليق القراءة:

لا شك أن تجربة قصائد ديوان (نار القطرب) ذات مكابدات ذاتية وجودية خاصة، فهي من جهة ما تشكل دلالات الاحساس بالضياع والتيه الكوني للذات نفسها ..ومن خلال دراسة مباحثنا لهذه النماذج من الشعر في هذا المنجز، وجدنا الذات الراوية في محاولة منها إلى تأسيس ذلك الكون المغاير في الذاكرة والحلم والحاضر والغائب من مقترحات الأداء الاستقدامي بالأشياء والحالات نحو ذلك الفضاء الاستجابي من سلطة المستعار البوهيمي المتراوح بين معابد الدال التماثلي وأفعال أفق المؤسطر المرجعي.

 

سونيا عبداللطيفوصلتني بتاريخ يوم 21 /01/ 2021 هديّة تتمثّل في كتاب من جنس الرواية تحت عنوان: رسائل مؤجلة من صاحبتها الكاتبة فوزية البوبكري ترجو مني الإطلاع عليها وتخصيص موعد إن أمكن لتقديم كتابها…

في الحقيقة، ألقيت نظرة على الكتاب، عنوانه، غلافه، سريعا تصفّحته، فالوقت لم يكن مناسبا لسبر أغواره، فتركته جانبا، لكن بمكان يظلّ دوما قبالتي، حتى لا يغيب عن ذاكرتي، في اليوم الموالي من تسلمي الرواية سافرت إلى المغرب ولم أعد إلى تونس إلاّ يوم 03 /12/ 2021 ومنها ذهبت الى مدينتي قليبية، فمكثت عشرة أيام مع العائلة بين التزاماتي الأسرية وواجبي تجاه والدتي المريضة، إلى جانب ذلك كانت اهتماماتي مركّزة على كتب شعراء وأدباء كنت نسقت معهم لاستضافتهم في نادي الأدب، فلم يكن لي وقت لمطالعة كتاب غيرها، وكانت آخر أمسية قدمتها في نادي الأدب الذي أشرف عليه بجمعية ابن عرفة الثقافية بالسليمانية بتاريخ 14 ديسمبر، استضفت فيها الشاعر الجزائري رياض عيساوي، ومن الغد واكبت ندوة في كلية تسعة افريل وفي طريق العودة الى بيتي اختفى هاتفي الجوال الذي يتضمن كل أعمالي وصوري وفيديوهاتي من ضمنها تلك التي وثّقتها والتقطتها وسجلتها خلال سفرتي إلى المغرب ولم انشرها بعد، لقد سرق في غفلة مني فكانت صدمة كبيرة تلقيتها وصفعة قوية جعلتني أنهار… ومع ذلك واصلت نشاطي فحضرت أمسية تقديم مجموعة شعرية لصديقتي كوثر بولعابي بمدينة الثقافة يوم 18 ديسمبر ومن الغد 19 لبّيت دعوة لحضور أمسية نسّقتها الشاعرة هدى ولهازي بمدينة تستور، ثم ذهبت إلى المنستير لحضور مهرجان البحر ينشد شعرا أيام 24_ 25_ 26 من ديسمبر، وإثره مباشرة قصدت مدينتي، فحياتي مقسمة بين العاصمة ومسقط رأسي قليبية، واعتذرت عن حضور أمسية يومي 28_ 29من نفس الشهر بالكاف…

في مستهلّ العام الجديد واصلت نشاطي بنادي الأدب فقدمنا ضيفا يوم 04/ 01/ 2022 الدكتور قاسم بن عبد القادر الونيسي وكتابه علم الكلام الجديد، إشكاليات الموضوع والمنهج،

ثمّ أمسية يوم 11/ 01/ 2022 قدمتُ فيها الأديبة محبوبة الخماسي، ومن حظنا حصلت مستجدات مما أجبرت الحكومة تصدر بيانا يتمثل في حظر الجولان ابتداء من العاشرة مساء، إلى الخامسة صباحا، وإيقاف وإلغاء وتأجيل كل تظاهرة ثقافية بالبلاد لمدّة نصف شهر… بسبب انتشار الفيروس الجديد المتحول للكورونا في تونس…

قرّرت أن ألازم البيت، وأوفر وقتي للقراءة والمطالعة والكتابة ومراجعة بعض كتاباتي…

أول كتاب وضعته أمامي كتاب شعر للشاعرة سونيا القابسي * في رحاب الجلنار * فاطلعت عليه ودونت كلمة في حقّه فموعد تقديمه يوم 18 /01 /2022 والذي أجل ريثما تعود الأنشطة الثقافية إذا لم يحصل تمديد…

الكتاب الثاني هو رواية * رسائل مؤجلة * كنت أنقله معي حيث أذهب وأنتقل، غرفة الجلوس، غرفة النوم، المطبخ وقليبية حين أسافر …

طالعت منه يوم الخميس 13 /01 /2022، 59 صفحة، ومن الغد صارت عددالصفحات التي قرأتها منه 127 غير أنّ التعب والنوم كانا عليّ سلطانا فأترك الكتاب الذي شدّني، راق لي أسلوبه وموضوعه واللغة التي كتب بها، في اليوم الثالث انشغلت بأشياء أخرى ما حز ّفي نفسي لأنّي رغبت أن أتمّ فهو حقا كتاب ممتع، فقررت في اليوم الرابع أن أخصص كل وقتي لإكماله مهما كلفني ذلك، والحمد لله كنت وفية لنفسي وعند كلمتي، فلم أترك الكتاب من يدي إلاّ لدقائق إما للغداء أو لحاجة أكيدة أو للردّ على مكالمة هاتفيّة، و أتممت قراءة الرواية في مساء ذلك اليوم…

*رسائل مؤجلة* رواية، أجّلت قراءتها بسبب انشغالي بالحياة وأمور كثيرة، اكتشفت فيما بعد أنّها لا تستحق التأجيل،

أجل، فهي في منتهى الروعة، بناء، لغة، أبعادًا ومعنى، كتبت بحرفيّة وبإتقان الكاتب الكبير المتضلّع، المطّلع على الأجناس الأدبية المتنوّعة وله من الزّاد الثقافي والمعرفي ما يكفي لكتابة مثل هذه الرواية بإبداع متميّز وشغف واضح، ومحبة لفعل الكتابة ذاتها،

كيف لا، والكاتبة قد أجّلت كتابتها، ما يزيد عن الأربعة عقود، وإن كانت لها كتابات تسبقها، تتمثل في مجموعة قصصية ومجموعة خواطر في كتاب الكتروني ومساهمات في أعمال جماعية في الشعر والقصة والخواطر …

رواية * رسائل مؤجلة * للكاتبة فوزية البوبكري التي أجّلت كتابتها كلّ هذه الفترة قد تلتمسون لها العذر حين تتطلعون عليها وتعرفون حقائق ما يجعلكم تُكبرون في هذه المرأة هذا التحدي وهذا الصبر وهذه القوة، من أين لها بكلّ هذه العزيمة لتكتب ما تريد وما أرادت أن تكتبه منذ الصغر، وكيف جاءتها هذه الجرأة لتكتب ما كتبته بذلك الصدق والحب وبسرد جميل وجذاب ومشوّق وبتلك التفاصيل الدقيقة، حقا هي رواية ممتعة ورائعة…

أقولها بصدق، وأعي ما أقول وأتحمل مسؤؤلية كلامي ورأيي في الرواية التي انبهرت بها أيّما انبهار، وأستمتعت بقراءتها أيّما استمتاع، بحياتي ما شدني كتاب مثلها، وربما حصل، غير أنّ لهذه الرواية طعم خاص ونكهة خاصة، فيها ألف سبب وسبب لتجعل القارئ ينجذب إليها ويعجب بها، واستغرب لماذا رواية مثل هذه لا تدخل في المسابقات الأدبية، ولا تحرز على الجوائز، بل لو كان بيدي لكنت رشحتها لجائزة نوبل وسلمتها لها…

تقديم الرو اية ماديا:

صدرت الرواية عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع سنة 2021 صورة الغلاف للفنان زبير المنذري، بنيّ اللون، ورد عنوان الكتاب واسم الكاتبة بالأبيض وجنس الأدب بالأصفر، الصورة تمثل كتابا كبيرا مفتوحا، في صفحته اليمنى خطّت رسالة من ثمانية أسطر موزعة على شكل قصيدة نثرية وفي أسفلها توقيع صاحبتها بالاسم المصغر، فوزية وإضافة عبارة الأم لها،

يقول نص الرسالة:

أحلامنا التي ظننا يوما أنها لن تتحقّق…

لم تخلف موعدها معنا…

هي فقط تعثرت بأرجوحة وقت غيمة

شتاء وبعثرة حرف…

ولكنّها ستأتي ذات صباح وستكون يوما

ما تريد…

الأم… فوزية

تجمل هذه الرسالة ثقة كبيرة بالنفس، وأمل أكبر، وتفاؤل بالغد وأنّ الأحلام، ستتحقّق وسيشرق صباحها مهما تعثّرت في هدنات الزّمن أو عطّلتها العراقيل، وستأتي مهما تأخرت وتحلّ بين يدي صاحبها كما رسمها وأرادها…

في الصفحة اليسرى وضعت لوحة زيتية فوق صفحة الكتاب لمشهد بحر تتمازج وتتماوج فيه الزرقة في تماهي مع زرقة السماء فتلتقيان عند خط الافق في المدى وتحجب صورة الكتاب بالاسود والرمادي حتى لا تظهر، هذا الازرق هو الجمال والصفاء والنقاء ويعطي الطاقة الايجابية لمن يتأمله بحرا كان أو سماء، لما يتميّزان به من اتساع و امتداد …

بين الصفحتين، في مستوى اتّصال الأوراق بالكتاب، وقفت امرأة رشيقة القوام، فاتنة المظهر، بفستان أبيض طويل، وشعر أسود صقيل، تنظر ناحية اللوحة التي على يمينها وتتأمّلها، …

علاقة ثلاثية الأبعاد لا يمكن حصرها في كلمات أو فكّ لغزها الا بسبر أغوار الكتاب، والاطلاع على ما روته الكاتبة لنتبين علاقتها بالكتابة والكتاب والبحر، وما يمكن تكهّنه من هذه الطمأنينة التي عليها الفتاة الواقفة في الصورة والتفاؤل في الرسالة المخطوطة ومنظر البحر والسماء الزرقاوان الجميلان، ما يمكن استخلاصه هو أنّ البطلة وصاحبة الرواية تبدوان منصهرتان فتبدوان شخصية واحدة تعتدّ بذاتها وتعيش أحلامها في سكينة وراحة بال…

في قفا الكتاب صورة نصفية للكاتبة بوجه مبتسم، منشرح، هادئ، وتعريف موجز جدا بها: اسمها، لقبها، مدينة مولدها، والأعمال التي صدرت لها، ثم مقتطف من فقرة جاء في ص 19 من الفصل الاول من الجزء الاول للرواية، يوحي باسترجاع ذكريات بعيدة لطفلة تركت اللعب مبكّرا للاهتمام بشيء اخر لا يروق لوالدتها والتي نفهم من هذا المقطع انها سليطة وجبارة من خلال الأوامر التي تصدرها على عكس ذلك يصلها صوت اخر تقول انه حبيب لقلبها واذنها… من يكون صاحب هذا الصوت الذي تشير إليه يا ترى؟

تضمنت الرواية 305 صفحة، احتوت على تقديم غير طويل للناقد الدكتور حمد الحاجي، ثم توطئة قدمتها الكاتبة لروايتها شارحة علاقتها بالأحداث والشخصيات و تصرح أنها مراوحة بين الواقع والخيال، وان في هذه الحكاية ما يتصادم مع حكايتها وربّما حكايات اخرى، وتقول ان الاحلام لا تغادر أصحابها مهما كانت الوانها، وتبقى احلاما مؤجلة لا تكتمل، …

ثم يأتي نص الإهداء موجّها إلى أول حب في حياتها وهو والدها، الذي بنى لها شخصيتها، حفيدها غسان الذي جعلها تقتحم العالم الأزرق مما يسر لها الكتابة ومسك القلم، ثم شقيقتها فاطمة التي آمنت بقدراتها وشجعتها على نفض الغبار الذي تراكم على فكرها بنفخة، ثم واخيرا الى زوجها رفيق دربها الذي كان معلمها وعلمها الولوج إلى عالم التكنولوجيا

لا يوجد فهرس للرواية ما يساعد القارئ على معرفة عدد محاوره

إنما قسمت الكاتبة روايتها الى جزأين وجعلت لكل جزء تصديرا وفصولا…

الجزء الأول:

عدد صفحاته بعد حذف صفحات التقديم والتوطئة والإهداء 162، وعدد فصوله ثمانية، بعضها يطول ما يجعلها تجزئه الى فقرات قد تطول وقد تقصر هي الاخرى ويكون موضوع السرد في كل فصل حكاية تتناولها…

نصّ التّصدير:

" وأصعب معركة في حياتك عندما يدفعك الناس إلى ان تكون شخصا آخر " لوليام شكسبير

وكأنّ الرّوائية تريد القول أنها عانت في حياتها من قومها ما جعلها تعيش مرحلة صعبة أليمة لأنها تحياها اضطرارا وليس اختيارا وتلك هي المعاناة بعينها،

فهل تمهّد لنا السّاردة موضوع محاور روايتها وان كل الأحداث التي سترويها لم تكن باختيارها ولم تكن بدافع يصدر عن قرارها، بل بفرض من الناس الذين حولها فلبست جبتهم وما لبست هندامها، …

الجزء الثاني:

عدد صفحاته 132، عدد فصوله إثنى عشر بعضها يطول هي الاخرى فتتعدد فقراته وبعضها يقصر فيها فقرة واحدة لا تتعدّى ثلاثة صفحات، وتبدؤه بنص التصدير الآتي:

" الحياة أمل فمن فقد الأمل فقد حياته " لأفلاطون

هذا التصدير يجعلنا نفهم ان الكاتبة بالرغم من المعاناة التي تكبدتها في حياتها وحسب ما يوحي به التصدير الاول بسبب ان المجتمع فرض عليها ان تعيش حياة ليست حياتها، فهي تعيش على الأمل الذي لم تفقده حتى لا تفقد حياتها وهذا يدل على قوة شخصيتها وثباتها وصمودها في وجه العواصف والتيارات التي تحول بينها وبين السعادة، …

مضمون الرواية:

قلت ان الرواية راقت لي شكلا ومضمونا، بناء ومحتوى، شدّتني كثيرا ما جعلني أعجّل بإكمالها لمعرفة اطوارها، والكشف عن أسرارها، رواية أحسنت السّاردة جيدا حكيها، ببراعة افكارها، بمتانة لغتها، بحبكتها وطرافتها، وفطنتها… أدركت جيدا كيف تنال من عقل القارئ، تختاله، تفاجئه، تروح به وتجيء دون ان تفقده تركيزه او تجعله يملّ لعبتها، فهي قد اتقنت شدّ حبال اللعبة، وراحت تحرّكها كما اردات هي ولا كما اراد السرد، وتبعناها باختيارنا منبهرين من بداهتها وقوة ذاكرتها وهذا الربط المتين العجيب بين ماض بعيد وحاضر قريب، الساردة متمكنة من أدواتها أيّما تمكّن، الأحداث راسخة في مخيّلتها كما لو حدثت البارحة، متشبّعة بكل المعارف ولها ثقافة واسعة، فهي مطّلعة على عدّة أجناس أدبية من فقه ودين وفلسفة وعلم اجتماع وغيرها، وهذا يدل على كثرة اطلاعاتها ومطالعاتها منذ حداثة سنّها، اذ تقول أنّ الكتاب كان ديدنها منذ تركت اللعب بالدمية مبكرا وهي مازالت طفلة، جاء في صفحة 19:

" كيف كان لعقل طفلة في السابعة من عمرها ان تحيل ظلام الليل نورا؟ …

نورا تنسجه حول نفسها لتجعل منه عالما خاصا بها تبحر فيه من خلال كتاب… "

وتقول في ص 21

" لم يكن بمقدور أحد أن يفهم عقلها وما يدور فيه من تساؤلات ولا ما وراء جلوسها لساعات في ركن من الغرفة تدقّق في ورقة ممزّقة من صحيفة أو من كتاب وجدتها ملقاة على الطّريق… لا احد يفهم لماذا تخفي مثل هذه الأوراق بين ثنايا كتاب للقراءة أو كراس للمحفوظات …"

لا أريد أن أسد على القارىء متعة الإطلاع على الرواية وفقد شهية القراءة، ولكن سأبدي رأيي بصراحة في الشخصية التي جعلتها الساردة البطلة لأفكارها وساعدتها على استعراض مراحل عديدة من حياتها فقد كان الاتفاق بينهما واضحا والتخطيط محكما وخطواته ثابتة من اين ستبدأ وإلى أين ستمضي ومتى ستنتهي، …

الراوية جعلت بطلتها جالسة في مكانها على كرسيّ هزّاز وجعلت حركة بقية الأبطال التي تظهر في الرواية برغبة من البطلة التي لم تذكر اسمها في الرواية كان الحكي فقط على لسان الغائبة هي، وجعلتها تجذب خيوط لعبتها كما تشاء، تقحم الشخصيات كما ومتى تشاء، مرة تسترجع ذكريات ماض بعيد مضى عليه عقود اكثر من خمسة، فتتحدث عن جبروت والدتها والمجتمع الذكوري الذي ولدت فيه والعادات والتقاليد التي يفرضها على المرأة ورفضهم ان تكون متعلمة أو متحررة، وسلوكات بعض الجارات والعجوز وحكاياتها المفزعة التي ترويها لهم صغارا واشمئزازهم من تربية البنات، ومرة تتحدث عن والدها الرجل المثقف الحنون والذي كان الأقرب إليها من حبل الوريد… واخرى تعود بالقراء الى حاضرها والعالم الذي أصبحت عليه بإقحام شخصيات جديدة مثل الحفيدة التي اختارتها أداة لتدخل بنا عالم الماضي وتفتح لنا صندوقها السري العجيب الذي ظل ملازما لها في كل الفترات العمرية وكأنها اختارته ليكون العقدة الكبرى ولتقوم بضبط حبكة الرواية، لا يمكن القول ان نمط تحرك الاحداث بطيء بسبب اختيار الكاتبة موقع بطلتها وهو غرفتها هذا العالم الضيق الذي جعلت منه عالما رحبا، شاسعا مليئا بالأحداث والشخصيات والأمكنة والأزمنة، فجعلتنا نقفز معها من فترة لاخرى ومن حدث لغيره، ومن موقف لنقيضه، وقد كثرت التناقضات فيه من عدة نواحي وجوانب وافكار وأشخاص وايديولوجيات، ولا ننسى تلك الحفيدة ايضا التي جعلت منها المنطلق لروايتها بتلك المقارنة التي أقامتها في التشابه في العمر والشكل والوصف والشعر والحيوية والذكاء والاسئلة، فجعلت حركة الاشخاص على عكس ما رسمناه سريعة متنوعة، متناقضة، وكثيفة …

ربما أرادت الساردة جعلنا نتأثر، برسم البطلة ضحية في بعض المواقف وقد نجحت في ذلك لعمري النجاح الكبير وخاصة في الفصلين الخامس والسادس من الجزء الأول للرواية ولا أخفيكم أني تاثرت لحال البطلة فبكيت لاجلها بمرارة ودون ان أشعر وتعاطفت معها، وهذا دليل على قوة الساردة في نصب الفخاخ ورسم الحبكة التي تريد أن تخترق بها قلب القارئ وجعله في صفّها وهذا يبدو عند قرارات القيمة بطردها من المبيت جورا … وظلم والدتها وجبروتها وقسوتها في عقابها… واستسلام والدها الذي كانت تعتبره الخيط الذي يرفعها وينقذها غير ان الحدث خرج عن سيطرته… والخضوع لسلطة المجتمع وقراراته حتى ان كان جاهلا ومخطئا، فالفرد يقتدي بسلوكات المجموعة ويتأثر بها ويتقمصها وان كانت جائرة، ثم يأتي قرار تزويجها بطريقة تقليدية سائدة لا يناقش فيها كأنها ألواح منزلة من السماء…

تستسلم بدورها البطلة لهذه الاوامر والقرارات لنشفق عليها، تجعلنا نفكر ما مصيرها وقد نسبق الساردة لننشأ بقية الأحداث غير انها تجذب بخيوط اللعبة ككل مرة لتفاجئنا بمواقف تبهرنا تجعلنا نحب أكثر بطلتها ونتعاطف معها ونقف الى صفها ونكبر صمودها وقوة شخصيتها…

حسب رأيي، البطلة ليست في موقف ضعف بل هي في موقف قوة منذ البداية وهي التي تجعل بقية الشخصيات رهن اشارتها بحسب العلاقة التي ترسمها لهم فتقربهم متى تريد وتبعدهم متى تريد، تدخلهم متى تريد وتخرجهم من دائرتها متى تريد، فهي تعيش في كوكب خاص بها وجعلت من ذاتها المحور، الذي يدور من حوله الفلك وبقية النجوم، كما كانت البنت المدللة لوالدها الذي طوّعته لخدمتها …

فهي قابعة في غرفتها، على كرسيها الهزاز، لا أحد يزعجها في خلوتها، لها طقوسها، الكتاب في يديها،

وتدخل وتخرج حفيدتها اليها متى تريد…

وهي تخرج إليهم متى تريد…

تجعل والدها يرأف لحالها متى تريد…

تجعل والدتها تثور وتقسو عليها متى تريد، وتتقرب منها لتحدّ من عظم الازمة بينهما متى تريد…

تجعل زوجها يتنازل عن قول رأيه متى تريد… فجعلته يصمت متى أرادت وجعلته يتحدث متى أرادت …

خبّأت امر الصندوق وسرّه وصمت زوجها في السرد وعدم مناقشته لها في أمور هامة … ثم تكشف سرّ وسبب تحمل زوجها قرارها الجريء متى أرادت، فهل يقبل زوج ليلة دخلته قرار زوجته ان يعيشا في غرفتين منفصلتين دون ذكر السبب ودون بلبلة او فضيحة او طلاق، بل رأيناه يجري في حظوظها لارضائها، يوافق، وسجلها في الجامعة لتكمل دراستها وهي التي صدته عنها…

جعلت والدتها واهل خطيبها وخطيبها يصمتون عن قرار قص شعرها الطويل والذي قالت عنه في بداية الرواية انه تاج على الرأس فكيف تسقط ذلك التاج ولا أحد تكلم او عارض، ان في جعل البطلة تقص شعرها في يوم خطوبتها يدل على قوة شخصيتها، ورفضها للماضي وللعادات البالية ورسم نقطة بداية جديدة لها بطرد كل الاشياء السلبية التي قد تسبب في اكتئابها وفي قصّ شعرها في ذلك اليوم بالذات، شحن بقوة ايجابية كي تنطلق بمعنويات وطاقة جديدة ما يؤهلها لتكون سيدة الموقف والقرار دون قول ذلك، اختيارها للون الرمادي يوم خطبتها ورفضها ارتداء الفستان الوردي الذي اعد لها هو دليل اخر على قوة شخصية البطلة وتخطيطها بذكاء للوصول الى مآربها، جعل الاب يقف الى صفها بعد استسلامه امام سلطة المجتمع ويشترط على الزوج ان تواصل ابنته دراستها من بعد الزواج،

والامثلة كثيرة، وعديدة بالرغم من ان الراوية جعلتنا نركض خلفها ونسايرها ونتبعها بحسب ما خططته لنا بذكاء عجيب بل بدهاء المرأة التي تخطط للوصول الى غايتها وتحقيق ما تريد من أحلام رسمتها في ذهنها، بصمودها وصبرها وتجلدها وتضحياتها وتفانيها…

الخاتمة:

رواية رسائل مؤجلة رواية أكثر من رائعة، جمعت فيها الساردة تقريبا كل المتناقضات، تحدثت فيها عن عدة سلوكات وسلوكيات ونفضت الغبار عن بعض المسكوت عنه في مجتمعاتنا العربية الشرقية البربرية وبعض تقاليدنا الباهتة وبعض القرارات التي تصدر عن جهل وقلة وعي في مجتمع ذكوري نرجسي الرجل فيه يجعلونه محور الكون وتشارك في ذلك المرأة نفسها وعن رضى منها، فهي تستمتع بالرجل الماتشومان وتريد ان يمارس عليها سلطة الماتشيزم بخطة منها لتوهمه انه البطل والقويّ، في حين ان الرجل يتحرك بإرادتها وبقرارات المراة الذكية المسؤولة والتي تحددها هي وترسمها له، …

رواية " رسائل مؤجلة " تروي عدة رسائل في الحياة اختارتها البطلة المرأة بذكائها الخارق كيف لا وهي سليلة الكاهية البربرية وعليسة السومرية واروى القيروانية، … والقائمة تطول، … في النهاية هي المرأة التونسية والعربية التي حين تريد تريد، وتؤجل رسائلها متى تريد لموعد تحدده حين هي تريد…

فتحية شكر للكاتبة فوزية البوبكري التي جعلتنا نعيش أحداث روايتها بين واقع وخيال حتى خلنا أنّ القصة قصتها بل اوهمتنا أنها قصتها وأنها سيرة ذاتية لها بنسج محكم لحبكتها وبإمساك زمام خيوط لعبتها جيدا وتحريكها كما شاءت ومتى بإرادتها وفطنتها …

 

سونيا عبد اللطيف

تونس 17 / 01 / 2022

 

محمد الاحبابيتستمد الصورة الفنية في الشعر أهميتها إلى ما تمثله من قيم إبداعية وايحائية وتعبير متوحد مع التجربة ومجسد لها، وهذا يعني أن الشعر في جوهر بنائه ليس مجرد محاولة لتشكيل صورة لفظية مجردة، لا تتغلغل فيها عاطفة صاحبها، فهي في جانب كبير منها سعي لإحداث حالة من الاستجابة المشروطة بفنية البناء الشعري(1) و(الصورة أخطر أدوات الشاعر بلا منازع )(2) إذ كانت الصورة الشعريّة أحد الأركان الأساسيّة التي خضعت للنقد والتحليل، لأنّها تعدّ إحدى أهمّ الرّكائز التي تُبنى عليها القصيدة العربيّة، وإحدى مكوّناتها الإبداعيّة والفنّيّة، لما يكمن فيها من طاقة جماليّة وإيحائيّة تولِّدها أحاسيس الشاعر، وتعكس بدورها أفكاره ونظرته إلى الحياة والإنسان والكون (3) .

والصورة عند الدكتور إحسان عباس هي (تعبير عن نفسية الشاعر وأنها تشبه الصور التي تتراءى في الأحلام، وأنَّ دراسة الصور مجتمعة قد تعين على كشف معنى أعمق من المعنى الظاهري للقصيدة، وذلك لأن الصورة وهي جميع الأشكال المجازية، إنما تكون من عمل القوة الخالقة، فالاتجاه إلى دراستها يعني الاتجاه إلى روح الشعر)(4) والصورة عند الدكتور جابر عصفور هي(طريقة خاصة من طرق التعبير أو وجه من أوجه الدلالة تنحصر أهميتها فيما تحدثه في معنى من المعاني من خصوصية وتأثير)(5)

أمّا في ما يتعلّق باللغة الخاصّة بشّعراء الدراسة، فهي ترتبط بطبيعة التّجربة التي يعيشونها، فيمكن لهم أن يبنوا لغتهم على الصّراحة والوضوح، ويرسموا صورهم على أساسها، أو قد تتفاوت صورهم في مجالات البلاغة، ولغة الشّعراء الخاصّة هي الوسيلة التي يُعبّرُ الشّعراء من خلالها عن آرائهم وأفكارهم وخيالاتهم، لذلك، فإنّها تتجاوز الصّور التّقليديّة التي كانت في غالبها تقوم على الملموسات، بينما نراها في الشّعر الحديث تتجاوز ذلك المدى الذي يتحرّك الشّعراء في أرجائه (6) .

وفي دراسة الصورة يعتمد الشعراء على عدة عناصر، من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز ورمز وتعبير حقيقي،  وقد كانت الصورة في الشعر (رسم قوامه الكلمات) (7) ومجالاً لتأدية المعنى، وليست عنصر زخرف أو تزيين، ولقد وظف شعراء عينة البحث أنواع الصور في أشعارهم .

المجاز

يُعدَّ المجاز ظاهرة رافقت التطور اللغوي وهي المرتكز الذي تكون عليه بنية النصوص الإبداعية وقد تجاوز مفهوم المجاز الحدود اللغوية، وإذا تأملنا الجانب اللغوي فيه نرى أن اللغة المجازية في تطور دائم.

يُعرّف المجاز بأنّه (ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه)(8) لأسلوب المجاز أهمية إذ يعبّر به الشاعر عن أفكاره ورؤاه التي تترك أثرها في القارئ عندما يتقصى بنى النصّ للوصول إلى المعنى الحقيقي، وهنا تَكمْن بلاغة أسلوب المجاز، أما قيمته فتكمن في وِلَادة المعنى الثاني الذي يفهم من اللفظ الأصلي، عندما يدخل على بنيته الانزياح (9)،

عمد الشاعر يحيى السماوي الى تجسيد إحساساته في النخيل، ولكنه جرده من كثافته الحسية، فتعامل معه بوصفه قوة معنوية، ترمز للشموخ والإباء والرفعة تارة، وتارة أخرى رمز لبلده العراق (10) وارتباطه بذكريات الطفولة وهو في أرض غربته، لأنَّ (النخل رمزٌ للعراق، لشهرته به، وقد يستعمل هذا اللفظ للدلالة على السمو والشموخ والكبرياء)(11). فتنوع الدلالة الرمزية للفظة النخيل تبعاً للسياق الذي ترد فيه، فالنخلة تحتل مكانة خاصة ومتميزة في نصوصه الشعرية، كما أنها تحتل مكانة في الموروث الديني في قوله تعالى ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ١١﴾ ﴿ سورة الرحمن: أية11﴾ ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ١٠﴾ ﴿سورة ق:أية 10﴾ وتبوَّأَت مكانة رفيعة في الأدب العربي، بحيث لا نجد مجموعة شعرية من مجاميعه تخلو من هذه المفردة ودلالاتها، ومنها قوله في قصيدته (إنَّهم يقتلون النخل) (12)

هم يقتلونَ النخلَ  !

إنَّ النخلَ مُتهَمٌ برَفضِ الإنحناءِ

وبالتشبُّثِ بالجذورِ..

وباخضرارِ السَّعفِ..

مُتهَمٌ بإيواءِ العصافيرِ التي

لا تحْسِنُ استقبالَ:

أعداءِ الطفولةِ..

والطواغيتِ الكبارْ..

والنخلُ مُتهمٌ

بتأليبِ المياهِ على الطحالبِ

في بحيراتِ الدهاقنةِ الصغارْ

للكافرينَ بعشقِ نخلتنا القرارْ

نلحظُ أنَّ الشاعر جسد صورة رمزية من خلال تكرار لفظة (النخل)، صور فيها النخيل بأنَّه رمز للشموخ والقوة والثبات (13)، وهذه قيمٌ يعتز بها العراقي ويتمسك بها فهو يرفض الانحناء والخضوع للقوى الغاشمة في كل العصور، فالشاعر عندما يكرر هذه المفردة في شعره أرتفع بدلالة اللفظة من مدلولها المعروف إلى مستوى الرمز، فحاول بوساطة رؤيته الشعرية أنْ يشحن اللفظة بمدلولات شعورية خاصة وجديدة (14)، لأنَّه وجد فيها دلالة سياسية، عمقت من دلالة موقفه الرافض للمحتل.

وقد أحسن تصوير ذلك كله من خلال مقطع (النخل ُ متهمٌ برفضِ الانحناء)، (وبالتشبث بالجذور) ويعود إلى تكرار لفظة النخيل وتحميلها مدلولات رمزية متعددة من خلال ارتباطها بذكريات الحنين إلى وطنه بقوله في قصيدة (إنَّها السماوة فأدخلي آمنة مطمئنة)(15) .

يا نخلةَ اللهِ

السلامُ عليكِ يومَ وُلِدتِ من  قلبي بَتولاً..

والسلامُ عليكِ

يومَ أموتُ فيكِ مـُـضـرَّجاً

بلظى الصّبابةِ والتغــرُّبِ..

والسلامُ على جذورِكِ يومَ أبْعَثُ في الفسيلةِ..

والسلامُ على الفراتينِ..

السلامُ على السماوةِ..

والسلامُ على السلامْ

يجسد الشاعر ثنائية الماضي والحاضر في توحده بـ (نخلة الله) التي يصنع منها رمزاً للحنين أثر إحساسه بالوحدة وهو في ظل غربته. فيعمق دلالة اللهفة والشوق إلى وطنه من خلال استدعائه النخلة رمزاً لذاته المغتربة (16). وكذا فإنَّ استعمال الشاعر لأسلوب النداء بحرف (يا)، الذي يستعمل لنداء البعيد وفيه مد صوتي، خيرُ دليل على أنَّه في ضيق ومعاناة شديدة، واستخدامه التكرار الرأسي من أول المقطع حتى نهايته بلفظ (السلام) سبع مرات بحيث أصبح التكرار منطقاً لتنوع الصور الفنية وجرساً جميلاً، فهو كمن يستنجد بالأحبة والخلان والوطن، ثم أنظر كيف يحن حنيناً شديداً إلى (الفراتين)، وهكذا يجمع الشاعر عدداً من الصور التي جذبته إلى وطنه على الرغم من كل المعاناة، ويجعلها كلها مصدر إلهامه بما في ذلك أيام صباه في مدينته التي صرح بلفظها ومجاورتها نهر الفرات.

وربما شاهد السماوي نخلةٌ في بلد الغربة، فأوحت له ما أوحت به نخلة الأمير الشاعر عبد الرحمن الداخل - وهو في الأندلس بعيداً عن النخيل وبلد النخيل – فهو عندما نظر إليها مفردة هاجت شجنهُ وتذكر بلد الشرق فقال: (17)

تبدَّت لنا وسط الرصافة نخلة           تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل

فقلت شبيهي في التغرب والنوى        وطول  التنائي عن بنيِّ وعن اهلي

نشأتِ بأرض انت فيها غريبة             فمثلك في الاقصاء والمنتأى مثلي

سقتك غوادي  المزن في المنتأى الذي   يصح ويستمري السماكين بالوبل

إن قدرة التشبيه على التصوير والتجسيم وإفراغ المعاني الروحية والأحوال النفسية في صور محسوسة ينطق فيها الأخرس ويحيا بها الجماد ليطرب النفس ويمنح التشبيه قيمة تظل دائماً موضع استحسان الجميع ومنهم  النقاد والبلاغيون ومحل إعجابهم، فالهدف من التشبيه هو نقل الأثر النفسي للمشبه من وجدان الشاعر إلى وجدان القارئ فيستطيع بذلك الوصول لما أراد توضيحه دون أي عناء، وتظهر تقنية الشعراء في إضفاء لمسات إلى التشبيه مثل، الحركة واللون والشكل، فالتشبيه (أوضح الفنون وأكثرها تعبيراً عن واقع الشاعر، وهو أداة الشاعر التي يستعين بها في التعبير عما يعنيه إزاء مواقف الحياة وتلوين ذلك بمشاعره الخاصة)(18) .

وفي مقطع رائع للشاعر السماوي من قصيدته (عيناي نائمتان..لكن النوافذ ساهرة)(19) يقول:

وعرفتُ

أنّ جميعَ آلهةِ المدينةِ

والدُعاةَ إلى الصّلاةِ

سَماسِرةْ

والقائمين بأمرِ أرغفةِ الجياعِ

أباطرةْ

لقد اتكأ الشاعر في نصه على الوصف المباشر والتشبيه في بناء صوره بأركانه المعروفة: المشبه والمشبه به ووجه الشبه، إذ شبه (آلهةِ المدينةِ، والدُعاةَ إلى الصّلاةِ) بالسماسرة، دون أنّ يستخدم أداة التشبيه، وكذلك شبه القائمين على الحكم وأرزاق الناس بقوله(والقائمين بأمرِ أرغفةِ الجياعِ) بأباطرة متخمين من أموال الفقراء والمساكين من أبناء البلاد، وفي الصورتين تشابه واضح وهو ممارسة الغش والخداع لتضليل الناس.

ونلحظ كثافة التشبيه عند يحيى السماوي في قصيدته (سفر نشيد الأناشيد):(20)

أيتّها الرشيقة كرمح أنكيدو

الفرعاء كالنخلة

المنتصبة كالمئذنة

الناعمة كالندى

الهادئة كالنعاس

الصاخبة كشغفي:

إذا لم يكتبْ في دفتركِ

فما فائدته قلمي؟

يبدو واضحًا أنّ التشبيه طاغٍ في بنية الصورة كلها في تكرار رأسي يوحي بالتأثر بالتقليد، حيث جاء التشبيه بذكر صفات المحبوبة (رشيقة، فرعاء، منتصبة، ناعمة، هادئة، صاخبة) يقابلها المشبه بها (الرمح، النخلة، المئذنة، الندى، النعاس، شغفي) باستخدام أداة التشبيه (الكاف)، أما وجه الشبه فهو الجمال والرقة، حيث عَمدَ الشاعر من خلال تلك التكرارات إلى إقناع المتلقي بالعناصر المشتركة بين المشبه والمشبه به .

الاستعارة

تلعب اللغة دورا بارزاً في إحداث التكرار، ذلك أن طبيعتها التركيبية قائمة على النمطية فالتكرار والتماثل أمران لازمان في لغة البشر، ومرد هذا إلى عوامل كثيرة، لعل من أبرزها أن مدى المعاني متسع أكثر من الألفاظ، وهذا يستدعي إعادة الألفاظ على أوجه مختلفة من الهيئات، والدلالات الرمزية لاستيفاء المعاني، (وقد أدرك القدماء ذلك بثاقب بصرهم، وعمق نظرتهم للمسألة، فاعتبروا التكرار سُنْة من سنن العرب في كلامهم، وأن ليس لأحدٍ علا أدراكه في فصاحة اللسان وبلاغة القول أن يجاوزها) (21)، وأن للطبيعة الإنسانية دورًا فعالًا في إحداث التكرار، ( لأن صيرورة هذا الكون قائمة على التكرار وبالتالي لها تأثير على لغة الشاعر التي هي فاعل من فواعل التكرار، لأن المعنى متسع واللفظ محدود، لذا تكون العلاقة، بين اللغة والشعر، تشبه العلاقة ما بين الواقع والوهم، الجسد والروح، الإنسان والله، ولكي نقترب أكثر نقول، ما بين النهر ومنبع النهر) (22) .

ومثال ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي في رثاء ابنائه بقوله : (23)

وإذا المنية أنشبت أظفارها  ...... ألفيت كل تميمة لا تنفع

فقد شبه المنية بحيوان مفترس له أظافر، وقد حذف المشبه به هنا، والقرينة إثبات الأظافر للمنية، ومن أمثلة الاستعارة في القرآن الكريم قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا٤﴾ (سورة مريم آية4) فالاشتعال لا يقصد منه ظاهره، وإنما يقصد شبهه (24)

وقد تميز الشاعر يحيى السماوي بهذا النوع الفني في كثير من قصائده (25)، وفي قصيدته (أنجديني)(26) يقول:

مُذنباً جئتكِ

أستجديكِ صفحا..

حاملاً جثمان أمسي

فانجديني من ذنوبي..

في يميني

دمعةٌ تستعطفُ العفوَ وقلبٌ يتشظى...!

ويساري

تشتكي ثقلَ كتابي المُستريبْ

في هذا المقطع مارس الانزياح دوره فقد جسد النصوص وخرجت عن نسيجها المعتاد بقوله (حاملاً جثمان أمسي) حيث أضفى على الزمن صفات مادية، وكأن تاريخ الشاعر قد مات، وهذا يدل على مأساته في الماضي والذي ينوء جاهداً بحملهِ أو نسيانه، وفي انزياح لغوي بديع يصور لنا مقدرة الشاعر في تطويع اللغة حيث استعار بقوله (دمعةٌ تستعطفُ العفوَ وقلبٌ يتشظى) فأعطى الدمعة صفة من صفات الأنسان، وأسبغ على القلب صفة التشظي والتحطم .

واذا ما نظرنا إلى قصائد الشاعر يحيى السماوي نجد ان ذاته العاشقة تتجلى بصور ومستويات كثيرة ومتنوعة،  ففي قصيدة تضاريس القلب يقول(27).

لثرى الأحبة .. لا الثريّا

يممت قلبي .. واستعنت بأصغريّا

جسراً

يشدُّ إلى ضفافك ناظريّا

ليْ أن أحبك

كي أصدق أنني ما زلت حيّا

نلحظ أنّ الشاعر قد استعمل أسلوب التضاد أول المقطع، فأبتدأ بلفظ الثرى، أي التراب، وقد أنتهى بلفظ الثريا أي الأجرام السماوية، وهذا جناس غير تام (الثرى، الثريا)، وقد أعطى الجناس أساس البنية النصية التي يحتاجها المعنى، وأراد بهذا الجناس أن يبين الفرق بين الثرى والثريا وما بينهما من اختلاف مكاني وقيمي، وقد كرر(الياء، الف) فأكسب التكرار المقطع ايقاعاً جميلاً، وقوله(يممتُ قلبي) وقد أنتج هذا الابدال اللغوي انزياحاً أحدثه الاداء الاستعاري لتأكيد حبه والإرتقاء به.

ويعود يحيى السماوي لتأكيد تسامي روحه إذ يقول في مقطع آخر من قصيدة(تضاريس قلب):(28).

ليْ ان أكون على الخطيئةِ

حين تَطرُقُني عصيّا...

ليْ أن اذودَ عن الحمام

وأن أصيّرَ أضلعي فنناً

وعُشَاً مقلتيا

ليْ أن أرشَّ بكوثر الصلوات أيامي

ليبقى عشبُ عاطفتي بلا دغلٍ

وزهرُ غدي نديّا

كيما أكونَ مؤهلا للعشق

والصبَّ التقيّا.

شكل الشاعر صورة تجريدية تحصلت من أضافة ما هو محسوس (الكوثر) إلى المجرد (الصلوات) ليبقى حبه نقياً بلا شوائب، حيث عمد إلى استعارة الدغل ليعبر به عن كل ما يشوب حبه فيؤثر في نقائه، لقد وظف الشاعر الطبيعة في تشكيل صورة ذاته المتعففة، فأسند العشب بلا دغل إلى حبه لما يمثله من نقاء، كون الدغل رمزاً للشوائب وعدم العفة، وقد استعمل السماوي التكرار الاستهلالي (لي أن) الذي يَمُد النص الشعري بنية مُنسقة، إنّ كل تكرار  قادرٌ على تجسيد الإحساس بالتسلسلِ والتتابعِ والتوقع لدي المتلقي (29).

ولا ينسى يحيى السماوي أبداً قضية  العرب المركزية فلسطين فيقول:(30)

يحدثُ أن أطهر الحقولَ من كل الجراد البشري

في بساتين الفراتين

وفي الجليل ... يافا ... ورياض الناصرةْ ...

وأسرجَ الخضرة في القفار

حتى تستجيل جنة ارضيةً

ضاحكةَ السلالِ...

الشاعر يريد تطهير بلاده من الجراد البشري ممثلاً (بساتين الفراتين) ويريد كذلك تطهير فلسطين من دنس الاحتلال، وهنا تتجلى مهمة الشاعر الوطنية، فالشاعر يريد أن يحيل تلك الأراضي المقفرة جنات وارفة الظلال وافرة الخير بدلالة (ضاحكة السلال) وهي هنا استعارة رامزة لتمثيل الإنسان الآمن والمستقر، فالشاعر يختار رموزه من مساحات مفتوحة وهذه الرموز في متناول  جميع الشعراء(لكن نسق العلاقات التي تربط هذه الموضوعات بالرمز هو ما يحقق للشاعر خصوصيته، ويخلق له لغةً تميزه، وتخصُ عالمه الشعريّ دون سواه)(31)  وقد أستعمل الشاعر الفعل المضارع (أطهّر، أسرج) بمعنى التطهير والاشتعال لتغيير الحال فتتحول الأرض الجرداء إلى خضراء، وقد تكرر حرف الجر (في) ثلاث مرات، مما زاد في تماسك النص وترابطه .

وحين يقول: (32)

هم يبصرونكِ في عيوني غيمةً خضراءَ

في شفتيَّ قافيةً

ونبضاً في عروقي

وهديل فاختةٍ على شجري

وشمساً في طريقي

ويرون أنك آخر الأخبار

في كتب الهوى

الشاعر يحيل هذه المحبوبة إلى كل ما هو جميل، الذي يصيرها غيمة خضراء ويضفى عليها جمال الإخضرار، دلالة على الخير والإعطاء، ويوظف الشاعر عنصري الحيوان (الفاختة) والنباتي الشجر، فيشكل صورة حسية صوتية، هي صورة الحبيبة ممثلة بالفاختة وهي تحط على أغصان حياته، ثم يوظف الشمس فيشبه تلك المحبوبة بالشمس التي تنير حياته، وإن توظيف الشاعر للطبيعة جعله يشكل نصًا استعاريًا، إذ أن هذا الأسلوب(تمتد فيه مشاعر الشاعر إلى كائنات الحياة من حوله، فيلتحم بها ويتأملها كما لو كانت هي بذاته، ويلغي الثنائية التقليدية بين الذات والموضوع) (33)

وقوله في قصيدة (ستسافرين غداً):(34).

سأدخل كهف صمتي

ريثما تخضرُ صحرائي

بوقع خطى إيابكْ

لا عودَ ثانيةً سؤالا حائراً

كيف الوصولُ إلى سحابكْ

انْ قد عجزتُ

من الوصول إلى ترابكْ

سأنيم حنجرتي

فما معنى الغناء

بلا ربابكْ

يكرر الشاعر حرف الاستقبال(السين) ويدخله على الفعل المضارع، ليثبت عدم جدوى الحنجرة على المستوى الزمني، ويظهر ذلك من خلال التشكيل الشعري (سأدخل كهف نفسي) ذلك الشاعر وظف الاستعارة بإضافة ما هو محسوس (كهف) إلى ما هو مجرد (الصمت) فجعل للصمت مكاناً ليدخله، ولكي يسمو بهذا الصمت جعل ذلك المكان كهفاً، ثم يرسم الشاعر صورة بالأسلوب الاستعاري جاء من أسناد ما هو مجرد (النوم) إلى ما هو محسوس (الحنجرة)، ويعلل الشاعر سبب ذلك (فما معنى الغناء بلا ربابك) فالمقطع يمثل حالة متقدمة من حالات العاطفة .

" يتبع "

 

د. محمد الأحبابي

......................

(*) من البحث الذي حاز به الباحث شهادة الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث .

(1) انظر، الرؤى النقدية في ملامح الدراسات الحديثة، د حافظ الشمري، مركز الكتاب الاكاديمي، الاردن، ط1، 2019م، ص51.

(2) تطور الشعر العربي الحديث في العراق، د علي عباس علوان، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، (د-ط)، 1975م، ص41.

(3) انظر، بنية الصورة في الشعر العربيّ الحديث، مطوّلة غسّان مطر “عزف على قبر لارا” أنموذجًا، د. خليل بيضون، مجلة الأداب والعلوم الانسانية (اوراق ثقافية)، بيروت، 2019م، العدد الأول .

(4) فن الشعر : الدكتور إحسان عباس، ص 238.

(5) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، د جابر عصفور، دار تنوير، بيروت، ط2، 1993م، ص10.

(6) انظر، بنية الصورة في الشعر العربيّ الحديث، مطوّلة غسّان مطر “عزف على قبر لارا” أنموذجًا، د. خليل بيضون.

(7) الصورة الشعرية،  سيسل  دي لويس، ترجمة أحمد نصيف الجنابي وآخرون، مؤسسة الخليج، (د-ط)، 1984م، ص81.

(8) الإيضاح في علوم البلاغة، الشيخ العلامة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن المعروف بالخطيب القزويني، راجعه وصححه وخرّج آيه، الشيخ بهيج غزاوي، دار إحياء العلوم، بيروت، ط1، 1998م، ص 254.

(9) أنظر، عبد القاهر الجرجاني بلاغته ونقده، تحقيق  د. احمد مطلوب، وكالة المطبوعات، بيروت، ط1، 1973م، ص146 .

(10) انظر: التصوير الشعري الحالة الشعورية وأدوات رسم الصورة، عدنان حسين قاسم، المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع والاعلان، طرابلس، ط1، 1980م، ص138.

(11) تجليات الحنين في تكريم الشاعر يحيى السماوي، د. ماجد الغرباوي، دار الينابيع، سوريا، ط1، 2010م، 1/ 96.

(12) ديوان (البكاء على كتف الوطن )، يحيى السماوي، دار تكوين، دمشق، ط1، 2008، ص 171- 172.

(13) انظر: صورة النخل في العصر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، صالح علي سليم الشتيوي، مجلة جامعة الملك سعود، الرياض،2007م، مجلد 19، 2 / 279.

(14) انظر: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د عز الدين اسماعيل، دار الفكر العربي، ط3، 1978م، ص 219.

(15) ديوان (تعالي لأبحث فيك عني)، يحيى السماوي، مؤسسة المثقف العربي، ط1، سدني، استراليا، 2012م، ص 46- 47.

(16) انظر، صورة النخل في العصر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، صالح علي سليم الشتيوي، ص285.

(17) عبدالرحمن الداخل (صقر قريش)، قصة وتاريخ، د. سيمون الحايك، القاهرة (د -ن)، 1982م، ص173.

(18) الصورة الفنية في شعر عبدالله الوايل الإحساني، د. خليل عبد السادة هلال و د. محمد عبد الرسول السعدي، مجلة الدراسات الإسلامية، جامعة الكوفة، 2012م، العدد /5، ص53.

(19) ديوان (أطفئيني بنارك)، يحيى السماوي، ص9.

(20) ديوان (مناديل من حرير الكلمات)، يحيى السماوي، دار تكوين، ط1، ص23.

(21) التكرار في شعر محمود درويش، فهد ناصر عاشور، دار الفارس  للنشر والتوزيع،عمان، الاردن، ط1، 2004 م، ص 31 .

(22) نحو تأصيل لمفهوم الانزياح، أحمد محمد ويس، مجلة الفيصل، رياض، 1999م، العدد 274، ص11 .

(23) أبو ذؤيب الهذلي حياته وشعره، نورة الشملان، جامعة الرياض، 1980م، ص57.

(24) أنظر، المجاز في البلاغة العربية، د مهدي صالح السامرائي، دار ابن كثير للطباعة والنشر، دمشق، ط1، 2013م، ص91.

(25) انظر ديوان ( مناديل من حرير الكلمات)، يحيى السماوي، ص110، 112، 117، 123، 127، 124، 153 .

(26) ديوان (أطفئيني بنارك)، يحيى السماوي، ص63.

(27) ديوان (قليلك لا كثيرهن)، يحيى السماوي، ص10.

(28)  المصدر نفسه، ص10.

(29) أنظر، التكرار في الشعر الجاهلي، دراسة اسلوبية، موسى ربايعة، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، الأردن، 1990م، العدد الأول، مجلد 5/ 179.

(30) ديوان (قليلك لا كثرهن)، يحيى السماوي، ص 53.

(31) الرمز الشعري عند الصوفية، د. عاطف جودة نصر، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1978م، ص57.

(32)  ديوان (قليلك لا كثرهن)، يحيى السماوي، ص 48.

(33) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، جابر عصفور، ص224.

(34) ديوان (قليلك ولا كثيرهن)، يحيى السماوي، ص20.

 

 

جمال فودةتُعدّ الصورة الشعريّة سمة أسلوبيّة يتميّز بها شاعر عن آخر؛ لأنّها انعكاس حتميّ لانفعالاته النفسيّة التي يعيشها، وهي الوسيط الذي نستكشف من خلاله تجربته الفنّيّة ونرصد دلالتها، فهي التّركيبة الفنّيّة التي تحقّق التّوازن بين المستوى المطلوب والمُنجز، أو المتاح تفاوتًا بين التقريريّة والإيحاء الفنّيّ، وهي الفاصل بين الظاهر والباطن.

والتعبير بوساطة الصورة يحمل الشعر إلى تجاوز الظواهر من المعاني ويعبر إلى الحقيقة الباطنيّة، وذلك من خلال تشبيك اللغة الشعريّة المؤثّرة بعلاقات تنشئها بين المفردات من خلال وسائل بيانيّة متنوّعة.

فقصائد الشعر الحديث اتّسمت باعتماد واسع على الصّورة الشعريّة وفضاءاتها، فانبثق منها مجال رحب من الصور التي تحاكي مجالات متعدّدة متّصلة بمواقف من الحياة، كما أنّها أبرزت الخبرات الشاعريّة، ودلّت على مفهوم دقيق للأمور، وبذلك تكون قد نقلت مشهدًا حيًّا وتجربة إنسانيّة وافرة.

وإذا كان الشعر تفكيراً بالصور ـ ومن خلال الصور ـ فإن إدراك دور الصورة في بنية النص الشعري لن يتحقق إلا بتجاوز التشكيل اللغوي إلى أفق الإطار الإيحائي الذي يحيط به، حيث تتعانق مجموعة من الأبعاد النفسية والفكرية والشعورية التي يتألف من امتزاجها وتلاحمها نسيج الصورة الشعرية.

والصّورة الشعريّة عند (معروف الرصافي) ليست لغة سطحيّة عاديّة، بل مشاهد لأوجه تعبيريّة متعدّدة ومفتوحة على مؤشّرات سيمولوجيّة قد يعنيها الشاعر في مقاصده، أو يحلِّق بها القارئ في فضاءات معنويّة بعيدة؛ ليعيد تشكيل أبعادها من جديد، باعتبارها العنصر الإبداعيّ الأهم الذي يوظفه الشعراء في إحداث الإثارة، وبعث الدّهشة والتّصادم.

وفي هذه المقالة نقف عند أبعاد الصورة الشعرية ودورها في إنتاج الدلالة في قصيدته (الأرملة المرضع) التي يقول فيها:

لَقِيتُها لَيْتَنِي مَا كُنتُ أَلْقَاهَـــــــــــا

تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَا

أَثْوَابُهَا رَثَّةٌ والرِّجْلُ حَـــــافِيَةٌ

وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَا

بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا

وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَا

مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا

فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَا

المَوْتُ أَفْجَعَهَا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا

وَالهَمُّ أَنْحَلهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَا

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَا

كَأَنَّهُ عَقرَبٌ شَالَتْ زُبَانَاهَا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً

كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا

تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسرَى وَلِيدَتَهَا

حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَا

قَدْ قَمَّطَتْهَا بِأَهْدَامٍ مُمزَّقَةٍ

في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَمْجٌ وَمَطْوَاهَا

مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا

تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَا

يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ

كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَا

تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَا

وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَا

وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَا

وَيْحَ ابْنَتِي إِنَّ رَيْبَ الدَّهْرِ رَوَّعَها

بِالفَقْرِ وَاليُتْمِ، آهَاً مِنْهُمَا آهَا

كَانَتْ مُصِيبَتُهَا بِالفَقْرِ وَاحَدَةً

وَمَوْتُ وَالِدِهَا بِاليُتْمِ ثَنَّاهَا

هَذَا الذي في طَرِيقِي كُنْتُ أَسْمَعُهُ

مِنْهَا فَأَثَّرَ في نَفْسي وَأَشْجَاهَا

حَتَّى دَنَوْتُ إلَيْهَا وَهْيَ مَاشِيةٌ

وَأَدْمُعِي أَوْسَعَتْ في الخَدِّ مَجْرَاهَا

وَقُلْتُ: يَا أُخْتُ مَهْلاً إِنَّنِي رَجُلٌ

أُشَارِكُ النَّاسَ طُرَّاً في بَلاَيَاهَا

سَمِعْتُ يَا أُخْتُ شَكْوَى تَهْمِسِينَ بِهَا

في قَالَةٍ أَوْجَعتْ قَلْبِي بِفَحْوَاهَا

هَلْ تَسْمَحُ الأُخْتُ لِي أَنِّي أُشَاطِرُهَا

مَا في يَدِي الآنَ أَسْتَرْضِي بِهِ اللهَ

وَقُلْتُ يَا أُخْتُ أَرْجُو مِنْكِ تَكْرِمَتِي

بِأَخْذِهَا دُونَ مَا مَنٍّ تَغَشَّاهَا

فَأَرْسَلَتْ نَظْرَةً رَعْشَاءَ رَاجِفَةً

تَرْمِي السِّهَامَ وَقَلْبِي مِنْ رَمَايَاهَا

وَأَجْهَشتْ ثُمَّ قَالَتْ وَهْيَ بَاكِيَةٌ

وَاهَاً لِمِثْلِكَ مِنْ ذِي رِقَّةٍ وَاهَا

أَوْ كَانَ في النَّاسِ إِنْصَافٌ وَمَرْحَمَةٌ

لَمْ تَشْكُ أَرْمَلةٌ ضَنْكَاً بِدُنْيَاهَا

تبدأ القصيدة بهذه الصورة المحورية تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا؛ إذ تتمحور القصيدة كلها حول هذه الصورة التي تتحول إلى بناء رمزي متكامل لموقف شعوري، وفي داخل هذا البناء تتوالى صور جزئية تقوم على علاقات مألوفة أو غير مألوفة، وإزاء هذا التشكيل الفني يتسع مجال الدلالة ويتكشف في كل مقطع جانب من جوانبها.

ومن ثم يستقطب البناء المركزي حوله مجموعة من الصور والإيحاءات التي تدور في فلك الصورة المركزية فتعمق إيحاءها وتضاعف عطاءها، لتكشف رؤية الشاعر وتجسد ـ بإيجاز ـ أبعاد تجربته، وتتوالى الصور الجزئية في سياق القصيدة لتفصيل إجمال الصورة المركزية بالوقوف على خطوطها وألوانها التي تلقى بظلالها على بنية النص وصوره.

يسعى الشاعر في المقطع الثاني لتعميق الإحساس بهذه الدلالة التي تحملها الصورة  "الأم " من خلال باقي الصور التي تتمركز حول محورها، يقول:

بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا

وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا

مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا

فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا

المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَـعَهَا

وَالهَمُّ أَنْحَــــلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا

أول صورة في المشهد السابق هي صورة " الأرملة المرضع" التي تميل إلى تقريب المسافة بين الدال والمدلول، فالبكاء بلغ من العين منتهاه فاحمرّت، والضنى خط آثاره على الوجه فاصفرّ، والبكاء والمعاناة نتيجة فقدان السند، هذه القابلية للتأويل في إطار الصورة تعززها اللقطات التالية حتى تفضى بها إلى تجسيد دلالتها من خلال الاستعارات: الدهر أشقاها، والموت أفجعها، والهم أنحلها،جاءت كلها منبثقة من جزئيات الواقع الذى عايشه بعد أن أضفي عليها من ذاته المرهفة بالحذف و الإضافة، لتصبح مزيجاً من الرؤية و الرؤيا معاً . ومن ثم تتشابك أحزان الشاعر وهمومه في نسيج واحد.

كَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَـا

فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَـا

وَمَزَّقَ الدَّهْرُ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا

حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَـا

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا

كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً

كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا

وهنا جاء الرصافي بتشابيه عكست حال الضياع التي حلّت بالأرملة بعد فقد عائلها، فنراه في تعبيره يعكس حال الضياع التي تعيشها، متأرجحًا من ضياع إلى ضياع، ضياع وجودي، وضياع نفسيّ، وضياع شعوريّ، وضياع فكريّ…، ويسكب ذلك كلّه في تشابيه متنوّعة تبعًا لمنسوب انفعاله وتأثّره،

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا

كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً

كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا

فتارة يسوق التشبيه التامّ، وأخرى يحذف أحد أركانه، مما يعكس حال التّشتت والضياع التي تعيشها تلك الأرملة.

والواضح أنّ التشبيه في هذه القصيدة – بأنواعه كلّها – ترجم حالة الألم التي عاشها الشاعر، والحزن الذي كابده جرّاء ما رآه، فكانت تشابيهه وليدة الحزن المخيم على نفسه، والعامل المساعد في إخراج الصورة بحدود معانيها وتشعّباتها، والمترجم العفويّ لدلالاتها البيانيّة والمعنويّة، والشريك الفعليّ في تظهير المعاني بأبعادها التصويريّة المكثّفة “وتشترك الصورة في توليد بنية المعنى بما تتوفّر عليه من دلالات مكثَّفة، وبما تثيره من أفكار وعواطف في وعي المتلقّي لكي يعثر على الدلالة الشعريّة في النص.

يقول الرصافي:

تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا

حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا

مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا

تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا

يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ

كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا

تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا

وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا

وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَـا

وَيْحَ ابْنَتِي إِنَّ رَيْبَ الدَّهْرِ رَوَّعَهـا

بِالفَقْرِ وَاليُتْمِ، آهَـاً مِنْهُمَا آهَـا

كَانَتْ مُصِيبَتُهَا بِالفَقْرِ وَاحَـدَةً

وَمَـوْتُ وَالِدِهَـا بِاليُتْمِ ثَنَّاهَـا

في هذا المقطع يتمّ الانتقال بالفكرة من المفهوم الحسّيّ إلى المفهوم التجريديّ، أو من المجرّد إلى مجرّد آخر وتُعدّ المؤثّرات الكامنة في النصّ منبّهات تستفزّ ذات المتلقّي عند تفاعله مع أحداث النصّ، وتكون عامل توتّرٍ دائم يشغل ذاته، فتتكوّن في محصّلة قراءته أحكام تتحد فيما بينها لتُنتج دلالة نصية كاملة.

فالتوتّر في القصيدة انطلق مع ظهور علامات الألم وانعدام أفق الأمل بفعل الفجيعة التي حلّت بالأرملة على إثر فقدان زوجها. وفي ظلّ حزنها وفقرها فقدت القدرة على التحكّم بمشاعرها؛ فراحت  تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا

وجاءت الصور بعد ذلك مقرونة بالتشخيص والتجسيد معًا،

كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا

وَيْحَ ابْنَتِي إِنَّ رَيْبَ الدَّهْرِ رَوَّعَهـا

بِالفَقْرِ وَاليُتْمِ، آهَـاً مِنْهُمَا آهَـا

وتمثل الصورة القدرة  الدالّة على التجسيد المتحقّق، وسرعان ما يحمل الفعل المضارع ما يؤشّر إلى الحقيقة المرّة التي تسم واقعها، فينهمر على نفسها الحزن عن طريق تماس الدلالة  بإسقاط  حرف العطف  بين الجمل إذ يجتمع " الفقر" مع "اليتم" على مستوى تصويري واحد يربط العلة بمعلولها، خاصة مع تقدم الفاعل " وَمَـوْتُ وَالِدِهَـا بِاليُتْمِ ثَنَّاهَـا " على الفعل  في حركة أفقية تجعل منه مركز ثقل دلالي  يستقطب  الحدث الناتج عن الفعل، ويؤدى دوراً إضافياً بحلوله  في وسط جديد، كما يظهر ـ أيضاً ـ  مع " فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا "

ثم يأتي "الحوار" وَقُلْتُ: يَا أُخْتُ مَهْلاً ...  ليوازي بين حالة الفقد الداخلي والخارجي، فتقوم الصور الشعرية برصد أبعاد الدلالة من خلال مجموعة الأفعال (أُشَارِكُ، تَهْمِسِينَ، تَسْمَحُ، أَسْتَرْضِي، أَسْتَبْقِي، أَرْجُو، تَرْمِي، تَصْعَدُ، تَشْكُ، أَذْكُرُهَا، و يَخْفَى) تتحرك الصياغة حركة مزدوجة، إذ تتعلق بالماضي وتشده إلى الحاضر، كما تتعلق بالحاضر وتشده إلى الماضي، فتخلق بهذه الازدواجية معادلاً يوازى تجربتها خارج إطار الزمن، وهى تجربة تجمع بين الذات وموضوعها  في لحظة مطلقة  تختل فيها العلائق التي تربط بينهما، أما المعادل  فهو الارتداد إلى واقع زمني لاستعادة علاقة من نوع آخر بين الإنسان وأخيه الإنسان، علاقة قائمة على التواد والتراحم والتعاطف.

لو كَانَ في النَّاسِ إِنْصَافٌ وَمَرْحَمَةٌ

لَمْ تَشْكُ أَرْمَلَةٌ ضَنْكَاً بِدُنْيَاهَـا

وبعد هدأة الحزن الذي ألم بالشاعر؛ يسلّم بالحقيقة المرة (ما جاع فقير إلا بتخمة غني) لكنه لم ينسحب من غمرة الحزن والأسى، بل ظلّ غارقًا في أفكاره، يقلّب نفسه على مواجعها، لتستقرّ معه صوره الشعريّة على هذه الحال، فجاءت مُستهَلَّة بأداة الشرط (لو) الذي يلخص حقيقة الأمر، في البحث عن إيجاد المفقود لا فقدان الموجود!

إن الشعر لا يصبح فناً بمحتواه وإنما بطريقة صياغته لهذا المحتوى، فمن رحم المعاناة ومن الحزن والفقر والانكسارات المتعاقبة تخرج إلى الواقع روح تشع نور الرحمة والمحبة التي تمد طوق النجاة لتلك البائسة .

وهكذا جاءت الصورة الشعرية " تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا " صورة مركزية جوهرية تجسد تجربة الشاعر مع (الأرملة المرضع)، وجاءت كل الصور الشعرية بعد ذلك متفرعة منها مؤكدة لها ومفصلة لإجمالها، إذ تصور القصيدة مجموعة من المشاهد، يكاد كل مشهد فيها أن يقوم بذاته، لكننا ما نلبث أن ندرك إدراكاً مهماً أن شيئاً ما يصادفنا في كل مشهد، كأنه يتخذ في كل مرة قناعاً جديداً حتى إذا ما انتهت القصيدة أدركنا أن هذه المشاهد لم تكن أقنعة بل مظاهر مختلفة لحقيقة واحدة.

 

د. جمال فودة

عضو الاتحاد العالمي للغة العربية

كاتب وناقد من مصر

...................................

* هذا المقال مُهدى ـ لصاحب فكرته ـ الأستاذ الدكتور / إبراهيم خفاجة.

 

محمد المحسنبوصفها وطناً لازوردياً..

تصدير: الشاعر جلال باباي يتعامل مع النص بوصفه غاية في ذاته.. وليس جسراً هشّاً يقود إلى الارتماء في أحضان الجاهز المؤسّسي-

رحيل

أفرغني الرحيل من المعنى

ولم يبق إلا الغبار في الثنايا

لا بدٌ من نثر  إذن

لأنتصر على الغزاة

يلزمني لغة القدامى

لأقتسم الارض طولا وعرضا

وافترش قوافيها بالذبذات

قد طال بي الطريق

ولم أعثر على الأوٌلين

يلبسني رداء اللغة الأمٌ

فأنطوي على سحرها

بتٌ لوحدي

أنا المسافر..أنا السبيل

وليس  لي رفيق إلاٌ عزلتي

لا أرى إلاٌ سواي

وامتطي السراب

بنصف خطاي

لعلٌني ألتحق بالصدى

يقرع مآثرهم الباقية

بما ملكت يداي

سينكسر هذا الرحيل

أخيرا ....

... سآوي إلى مقامات السابقين

وتصبح كل السماء مداي.

جلال باباي

(٩يناير ٢٠٢٢)

يمثل الشاعر  التونسي الألمعي جلال باباي أحد رجالات الثقافة في تونس،وقد أبانت تجربته الشعرية عن تفوّق مبكّر ومقدرة فائقة،في الإبداع الأدبي. إنه  بدون أدنى شك -وجه طبع بحضوره المتميز النشاط الثقافي والأدبي لسنوات خلت في بلدنا.وهو يشكّل  برأيي -إسماً أدبيا مهماً في تاريخ الإبداع في تونس.

إنه شاعرٌ يشبه شعاع الشمس الذي يخترق الزجاج دون أن يلطخه أو يخدشه،وموجة عابرة على سطح المحيط الإبداعي التونسي،ونسمةٌ دافئة،وبسمةٌ حزينةٌ،وفي شعره عبق التاريخ والملح والماء والرعاة،وروائح أعشاب برية عانقت الشمس والهواء.

ويعلّمنا تاريخ الإبداع البشري أن الكتابة الحقيقية لا تنبجس من فراغ،ولا تنسلخ من الجاهز ومن رماد السائد وإنّما تقف على أرضية المشكلات الكبرى التي تطرحها الثقافة وهي تستقبل فجر المعنى المرتبط بتاريخيتها الخاصة،في محاولة لتجاوز مآزقها الخاصة واحتضان زمنها وإيقاع لحظتها.

وجلال باباي – في تقديري-واحدٌ من ألمع شعراء القصيدة الجديدة في تونس.فقد كانت بداياته الأولى مبهرة سواءٌ في مضامينها أو في اكتمال بنيتها الفنية.

لقد جاءت قصائد -جلال-الأولى منذ البداية مكتملةً ناضجة،سليمة النطق مستوية البناء مغلفة بغيوم شفافة من الرمز اللغوي والفني،ففي شعره نلاحظ بشكل غير قليل من الحقائق التاريخية والجغرافية، فضلاً عن الغوص في سديم الطقوس وفي ثبج الأساطير القديمة..

وقد ظلّ -جلال-عبر مسيرته الإبداعية الخصببة وفيّاً لهذه التجربة البكر،ولم يتبرأ منها أبداً

ولم يكن-جلال باباي يتعاطى مع الشعر بوصفه الوسيلة الوحيدة للتعبير وهندسة التلقي،وبوتقةً لاختبار إمكانيات اللغة،ومنصةً لجدل الأفكار،ووعاءً لتأمل الوجود،بل يتعامل مع النص بوصفه غاية في ذاته وليس جسراً هشّاً يقود إلى الارتماء في أحضان الجاهز المؤسّسي.بل إنني أجزم من خلال معرفتي الوثيقة الصلة به وبتجربته الشعرية أنه كان يؤمن أن للإبداع قيمة في ذاته بوصفه كشفاً وفتحاً لأقاليم جديدة تثري رصيد الحساسية الإنسانية وتغني مغامرة الإنسان الباحث دوماً عن ألفةٍ مع العالم والأشياء خارج نظام القمع والرقابة؛وكان يدرك،أيضاً،بحسه الشاعري المرهف،أن الإبداع ليس تاريخ المباركة وإنما هو تاريخ التجاوز والانعتاق من المعنى الذي تفرضه القوة إلى قوة المعنى المنبثق بفعل الكتابة بوصفها عيداً لا يتوقف عن اقتراف البدايات.

لقد كان -جلال-مثقفاً استثنائياً لا يبارك العالم كما ورثه في صيغته السياسية والإيديولوجية. هذا ما يفسّر،ربما،عدم ركون كتاباته الشعرية إلى القول المباشر الذي لا ينفذ إلى جوهر العالم ولا يسافر إليه عبر اختراق القراءات المطروحة عنه ومساءلتها، وإنما كان يرفض أيضاً قراءات العالم التي تحددها الجهات المأذونة وتصادق عليها عائلة الثقافة المقدّسة.

وعليه،فإن قراءة التجربة الشعرية عند هذا الشاعر القدير تتطلب الذهاب الى منهج متوازي يقارب بين المناخات الفنية للقصيدة والمناخات الثقافية والفكرية المحيطة.

ويجد  المتأمل لأعمال جلال باباي نفسه أمام تجربة شعرية جديدة،مملوءة بالتميز والفرادة..وهذا يدلُّ دلالة واضحةً وقاطعةً على أَّن الشاعر يمتلك ثقافةً متنوعةً..ورصيداً فكرياً وأنثروبولوجياً واسعاً..مما أفرز لنا تجربة شعرية متراكمة عبر مراحل عدة من حياة ومواقف الشاعر الثقافية والفكرية..

كل هذا الكم المعرفي والثقافي والأدبي ساعده أن يخطو بالقصيدة خطوات متسارعة ومتطورة الى الأمام..فجاءت قصائده ذات مسافات متوترة.. وفجوات متباينة.. وفضاءات متعددة.. مرةً صاخبة.. ومرةً هادئة..حتى وصل بالقصيدة الى مرحلة النضج...وتفكيك العبارات..وتأجيج الالفاظ...وتفجير المعاني.

أردت أن أقول من خلال هذا أن الشاعر التونسي جلال باباي  شاعر وطني أقام في فضاءات الكتابة بوصفها وطناً لازوردياً ينفخ في قصب الكلمات أسرار الخلق والمعنى الذي يعتق فينيق الذات المبدعة من رماد المؤسسة الثقافية،ومارس الصعلكة الثقافية ورفض عبر مسيرته الإبداعية أن يكون مثقفاً يفكّر من داخل المؤسسة الرسمية،ولهذا ظلّ أدبه منخرطاً في الهم العام بوصفه همّاً مقدّساً.وكان جلال مثقفاً ثورياً نقدياً،سمح لنفسه بأن يعيد النظر في كل شيء.

الشعر،بهذا المعنى،لغة مغايرة ومناهضة للثقافة التي هيمن عليها الخطاب الإيديولوجي الأحادي.

ومن هنا،فإنني أعتقد أن المتأمل الحصيف في ما يبدعه هذا الشاعر المتميز (جلال باباي)  يستطيع -دون كبير عناء -أن يقف بنفسه على ما أقوله الآن.

أردت أن أقول كل ذلك كي تكون دراستي عن الشاعر جلل باباي شهادةً للتاريخ ومدخلاً إلى قراءة ظاهرة المثقف الاستثنائي في تونس المعاصرة، مشيراً إلى أن جلال قد أدرك مبكراً أن جوهر الإبداع يكمن في الانحياز إلى الكتابة الصادقة الجريئة بوصفها سؤالاً وبحثاً ووعداً بإنتاج معادل موضوعي للعالم في أفق الكشف المضيء من أجل قول الإنسان والأشياء.

نخلص مما سبق إلى ما أكدناه أكثر من مرة في هذه الدراسة-المقتضبة- وهو أن«جلال باباي »يمتلك رؤية واضحة تجاه العالم والأشياء،ويغلب على شعره الطابع الرومانسي الملحمي الواقعي،وهو يمتلك مميزات وخصائص تجعل له ملامح مختلفة وتكسب صوته نكهة مميزة بالنسبة إلى الآخرين.

وأختم دراستي بقصيدة «الرقص فوق وسادة الثلج» والتي يقول فيها :-

"يتحدث المارون عند أول الصباح

أن الجليد يصمد بمشاته

لذا ها أنا ذا أثق بهؤلاء الناس

ساخطو عليه

وتراني مجبر على تصديقهم ،

أُكرهتُ على الإستمرار

أكذٌب خطايا

وقد فتحت بي  الفجوات

هادئاً، مثلما عاهدت عصاي

أتقدٌم برباطة الجأش ،

أنزلق مستقيما ًفي يباس الماء

مرتديًا خوذة الربان ،

مُلوٌحاً تجاه النهر الخالد

بابتسامة حزينة قائلا:

"وداعاً يا أحبائي، وداعاً يا أعزائي "

حتى يلتئم الجليد مرة أخرى

سريعاً فوق الجسد الطيني

أثبٌت أصابعي على الغصن

الطاعن من الشجر

حتى لا تخونني هشاشة

العود الأخضر

أتبيٌن موقع  مجدي من وسادة ثلج

بيضاء وبرزخ من ماء

أتفحٌص أيام كهولتي

كي تدوٌنها ملائكة الله

وتسالني : أيّ أثرٍ ستترك في الحياة؟

لا ثروة عندك ولا شيء تصونه!

سوى بيت يشرف على سماء مفتوحة

هل كُنتَ زوجًا يملأ جيوبه بالهدايا

حتى تبكيك الزوجة بعد الموت؟

سيذكر الأولاد والدَهم بمحبّة

فأنا لم أصنعْ لهم أجنحة كافية

حتى يهابون السقوط المبكٌر

ستسألني الملائكة عندئذ،

لماذا جئتَ، إذًا إلى هذه الدنيا

أيها الشاعر؟

أجيب: لكي أنصت إلى أحبتي القراء

يُردّدون قصائدي الجميلة

خلاف ذلك سيكون من العبث

أن أولد  كي أفتش لي عن جواب

لأسئلة طفولتي الأخيرة

وارصفها في مجرى العمر المضني

أقرب إلى صوت الغفران

كان ذلك منذ قدوم

امرأة  كامدةَ البريق في راحتها

الماء والرمل

عاريةَ القدمين،

تروي أحدوثة أسلافها،

تهيٌأ العودة إلى الماء

تخبأ ملح الأرض الخراب

تركتْ صوتها

َ تعبث به الصحراء

تلتمس من الله الغفران

أنصت إلى أنامل الأكورديون

تناجي أقدام المارٌة

يعود الثلج إلى رصيفه الشتوي

ومرٌة أخرى يلتحق بمحرابنا

عازف قيثارة الروح

وتدق في البوادي أجراس السفر "

***

محمد المحسن

  ديسمبر٢٠٢١

 

 

نجيب طلالمن بين المسلمات التي لا يمكن أن نختلف حولها؛ بأن المجتمع العربي بكل تجلياته  تابع تبعية مطلقة للعالم الغربي، بعض منا مكره لأسباب اقتصادية والبعض عن طواعية لأسباب سياسية صرفة والمسألة لا تتعلق بمرحلة ما بعْد الاستعمار؛ بل الإشكالية لها امتداد تاريخي. مدخلها الغزو الثقافي لثقافتنا العربية. فإذا عُدنا للفكر التراثي الخلد وني؛ الذي اهتم كثيرا بالعمران والعصبية؛ نجده يفسر الموضوع بالقول: إن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيِّه ونِحْلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه إما لنظرة بالكمال بما وَقر عندها من تعظيم أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب...ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في مَلبسه ومَركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله.....(1) وبالتالي فالطرح واضح جدا؛ ارتباطا بالآن. فكلما وقع وطرأ للعالم الغربي تغيير في بنيته الاقتصادية والفكرية والإجتماعية ؛ إلا ويسعى المجتمع العَربي عبر أنظمته وساساته وأجهزة الدولة؛ التغيير والتغير لمنطوق حضارة الغرب. بدعوة المواكبة الحضارية؛مما نقفز على عدة محطات أساسية للحاق بالركب الغربي/ الأمريكي، في نفس اللحظة متغافلين عن الخصوصية كمحدد لوجودنا أولا وثانيا عن الذهنية العربية كيف تفكر؟ وكيف تعيش؟ وبالتالي فالتحولات تفرض نفسها كواقع مادي ملموس؛ ولكن الإشكالية الخطيرة؛ هم يفرضون( الآخر= الغرب) علينا أن نتحول مدنيا / اقتصاديا / فكريا / أمنيا / اجتماعيا /..../ ارتباطا ببعض المواثيق الدولية وصناديق النقد الدولي وهذا ليس جديدا؛ بأن المجتمع العربي تبعي وتابع للغرب في كل مجرياته؛ وممارساته وأهدافه؛كما أشرنا. لكن بعْد اجتياح فيروس كورونا المستجد، والذي ساهم عمليا بتعطيل معْظم المرافق الحيوية والإجتماعية؛ جَدليا بشلل في التواصل الجماهيري القائم على الحضور المباشر، سواء في الملاعب الرياضية والمسارح والقاعات السينمائية أو الأندية وغيرها؛ مما تقوى مدخل تقنيات التواصل وتفعيلها وتنشيطها عن بعْد عبر كافة وسائل الاتصال المتاحة والممكنة؛ مما لم يعُد هناك جدل أونقاش؛ ولنؤمن بأننا أمام  ثورة معلوماتية كبرى وغزو تكنولوجي رهيب، وبالتالي فعوالم الرقمنة أمست تكتسح كل المجالات وأمست مقتضياته وفعاليته وتفاعله النموذج المحتذى؛ في هيكلة وتنميط  الحياة الإجتماعية والثقافية والسياسية؛ في العالم الغربي والأسيوي والأمريكي ( تحديدا) وهنا فالعالم العربي يسعى قسرا ومكرها أن يرقمن عوالمه وبنياته؛ فعلى سبيل المثال إذا نظرنا للنموذج التنموي المغربي يقول في إحدى صفحاته: العمل على جعل الرقميات والقدرات التكنولوجية عاملا أساسيا في التنافسية وتحديث المقاولات وتطوير مهن وقطاعات جديدة تتماشى والتحولات العالمية. تعُد البنية التحتية الرقمية وقدرات اعتماد التكنولوجيات الرقمية محددات مهمة لتنافسية أي بلد، بالنظر للمكانة المتنامية للتكنولوجيات الجديدة ضمن جميع قطاعات الاقتصاد، وهو ما يتطلب خدمات رقمية موثوقة وذات جودة. ويمر تعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي عبر مقاربة إرادية وحثيثة من أجل تعميم الولوج إلى الأنترنيت ذي الصبيب العالي في جميع جهات المملكة، وإلى الأنترنيت ذي الصبيب العالي جدا في مناطق الأنشطة الاقتصادية المكثفة. وينبغي أن يكون تأهيل البنية التحتية الرقمية مصحوبا بعملية تحسين سريعة للقدرة على استخدام التكنولوجيات الجديدة (2)

يبدو أن الفقرة جلية وترتكز على علاقة جدلية بين الرقمنة والقدرات التكنولوجية، وذلك لتحقيق المنافسة؛ هاته المنافسة تتشكل عمليا في تحديث المقاولات وتطوير مهن وقطاعات جديدة تتماشى والتحولات العالمية. بما فيها فنون العرض والفرجة؛ وبالتالي فالمسرح العربي في كليته هل هُومستعِد لخوض غمار المنافسة في إطار سوق الشغل رغم تأسيس المقاولات أو الورشات ؟ هل هنالك شروط تقنية وتكنولوجية ولوجستيكي كافية لتفعيل الرقمية الملائمة  تساهم فيها البيئة والمحيط ؟ هل عوالم الرقمنة  بشكل عام في العالم العربي يحذوها  التأطير القانوني والتطبيق الإجرائي لمواجهة التحديات التي تفرضها روح سائر الاتفاقيات في هذا الخصوص؟ هل المبدع العربي منخرط عمليا ونفسانيا وإراديا في عوالم الشبكة العنكبوتية ؟                                   

هاته أسئلة تفرض نفسها بإلحاح:..وذلك ونحن على قناعة تامة، أن الانترنت أسبغ على عالمنا صفة الرقمية في كل شيء. وأصبحت هي الوسيلة المُهيمنة على شبكة الاتصالات بين أفراد الكون، ممن ارتبطوا بعلاقات خاصة وعامة (3) بحيث أمست الشبكة العنكبوتية؛ هي المتنفس والبوابة الأساس في المعاملات والتواصل بشتى أنواعه؛ مما تحول العالم إلى قرية مصغرة؛ تمْتلكه ويَمتلكك وأنت قابع في فضاء ضيق من غرفتك؛ بما فيها العروض المسرحية؛ وهذا تمظهر جليا إبان حمى الوباء الكوفيدي؛ بحيث انتقلت العديد من الأعمال الدرامية والفنية لبيوتات المهتمين وعموم الجماهير؛ مماتحول العرض المسرحي من العالم الحقيقي/ الفيزيقي إلى العالم الافتراضي/ الرقمي. وهاته النقلة المتفردة ليست وليدة اليوم؛ إلا أنها تطورت بتطور التكنولوجيا ووسائل التواصل.

داخل المنصة:

ففي إطار الوضع الوبائي؛ تم توظيف عملي ولوجستيكي لوسائل التواصل بشتى أنواعها كصفحات [الفايسبوك/ face book] و[الهواتف الذكية/] و[اللوحات/  Tablets]و[شاشات الكمبيوتر] و [الإنستغرام / insta gram] و[اليوتيوب/  You tube] ومنصّة  [لنا الفعل/Our Action] و[التليفزيون/ télévision] بحيث كل فرقة ومؤسسة استغلت ما يساهم في تقريب منتوجها الفني والإبداعي للجماهير.  ولقد أشرنا للعديد من التجارب المسرحية التي اخترقت الزمان والمكان لتكون قريبة من جمهورها والمتعطشين للفن الرابع (4) ولقد تحقق إلى حدما شعار (اقعد في دارك المسرح يجي حتى لعندك) الذي رفعه مسرح عز الدين مجوبي بعنابة/ الجزائر؛ إعلانا عن ميلاد المسرح الرقمي في الجزائر؛ بحيث: أثبت المسرح الوطني الجزائري تواجده بقوّة على الساحة الثقافية، حيث لم تكن لجائحة كوفيد-19 أي تأثير على نشاطاته الفنية والثقافية، ليستكمل بعزيمة وثبات تواصله مع جمهوره الذي كان وفيا له في مختلف المناسبات، ويكون بذلك الفضاء الافتراضي... أفضل سبيل  ليكون أبي الفنون قريبا من محبيه. عرف الفضاء الأزرق وقنوات «اليوتيوب» انتعاشا كبيرا للعروض المسرحية، بعد أن حرص القائمون على الفن الرابع في الجزائر، أن لا تكون فترة «كورونا» فترة للخمول والكسل والابتعاد عن عشاق أبي الفنون(5) فهذا الاندفاع نحو معانقة الفضاء الافتراضي كان له حضور قوّي من لدن المتتبعين والمبدعين؛ مما دعم  حلقة تواصل أساسية فيما بينهم؛ وبالتالي: يعدّ مسرح عز الدين مجوبي بعنابة، من بين المسارح التي كان لها حضورا قوّيا خلال الجائحة، حيث تمرد مسيروه على هذا الوباء، وأحيا فيهم روح الإبداع أكثر، ليكثفوا من أعمالهم ويجدّدوا التواصل مع جمهورهم عبر الفضاء الافتراضي، الذي بات حلقة تواصل أساسية فيما بينهم، ويفتح المجال أكثر للتعرف على نشاطاتهم وإبداعاتهم (6) علما أن هاته الحلقة التواصلية لم يقتصر على هذا البلد أو ذاك بل كل حَسب قدراته؛ وإرادة مبدعيه ورغبتهم. وكيف يفهمون  مفهوم التفاعلية؟ وماهي الشروط والأدوات الوسائطية التي يمكن توظيفها لتحقيق جمالية العرض المسرحي الرقمي؛ باعتبار أن الرقمنة بكلّ حمولتها الثقافية والتقنية؛ خلقت منظورا وأساليب جديدة في البناء الإبداعي والفني. وهَذا ما تشير إليه فرقة شكسبير الملكية  في بيانها حول عملها «الحلم» والذي يعتمد على تقنية الواقع الافتراضي بحيث:الآن قررت الفرقة المضي قدماً في تقديم العرض داخل غابة افتراضية، مع الاستعانة بوضع مجسات حركة للممثلين تمكنهم من التفاعل مع ما حولهم والجماهير التي تتابع العرض من منازلها.... وأن العرض الجديد يعتمد على أحدث تقنيات الألعاب والمسارح في إطار تفاعلي يتجاوب مع حركة الممثلين أثناء العرض. ومن خلال الكومبيوتر اللوحي الخاص بهم أو الهاتف المحمول أو الموقع الإلكتروني الخاص بالعرض، سيكون بإمكان الجماهير التأثير على نحو مباشر على الأداء الحي من أي مكان في العالم (7) هنا نلاحظ مدى استجابة الفنان والمبدع الغربي مع التطورات الفارضة نفسها بكل إلحاح، لكي يستعيد المسرح هيبته؛ أو بالأحرى قوته المتجددة والمتطورة بتطور العصر. لأن المسرح الرقمي قضية حتمية عمليا؛ نتيجة التفاعل بين المسرح والتكنولوجيا. وإن كان هنالك بعض معارضيه؛ وخاصة من المؤلفين المسرحيين. لأن سلطتهم داخل العرض إلى حد ما ستنعَدم أوستتقلص؛ في سياق المسرح الرقمي الذي هو عبارة عن: نمط جديد من الكتابة الأدبية، يتجاوز الفهم التقليدي لفعل الإبداع الأدبي الذي يتمحور حول المبدع الواحد، إذ يشترك في تقديمه عدة كتاب، كما قد يدعو المتلقي/ المستخدم أيضا للمشاركة فيه، وهو مثال للعمل الجماعي المنتج، الذي يتخطى حدود الفردية وينفتح على آفاق الجماعية الرحبة (8)

وبناء عليه؛ فمكونات التواصل في المسرح الرقمي  تكمن أساسا في المشاركة؛ مشاركة الجمهور في أحداث المسرحية عبر مختلف المراحل؛ انطلاقا من وضع المتلقي أمام مواقف مشهدية وسيناريوهات تفرض عليه اختيار طرق مواصلة المشاهدة. لتحقيق التفاعل الجدلي الحي مما يتحول المرسل إلى مستقبل والمستقبل إلى مرسل في المسرح الرقمي؛  بناء على مفهوم إرجاع الأثر[feedback] مما تسير عملية التواصل بشكل  تصاعدي في شكل ومتطور وإن كانت الغلبة للأجواء الجمالية/ الفنتازيا التي يخلقها الكومبيوتر كفاعل أساس في العرض المسرحي؛ إضافة للأضواء. مما يصبح النص الرقمي نهاياته متعددة وغير موحدة؛ نتيجة: تقنية النص المتفرع تحقيقا لنمط اللاخطية في الكتابة فضلا على إشراك المتلقي في مشاهد يكون بعضها ارتجاليا، بعد الاتفاق على تيمة درامية ينطلق منها النص، ويبقى العمل الإبداعي على هذه الشاكلة محلقا في الفضاء الافتراضي لشبكة الإنترنت، أو يكون على قرص مدمج، أو كتاب إلكتروني، دون أن تلامس أجنحته فضاء الورق(9)وهذا من بين أهداف الرقمنة في جميع المجالات الحيوية،إلغاء الورق واستبدله بالأيقونات والتدوينات والكودات والإرسالية البرقية؛ مما يلاحظ؛ بأن المؤلف سيموت أو بالأحرى سينصهر ضمن الجماعة؛ وبالتالي فالمطارحة التي أثارها رولان بارت: (موت المؤلف) في سياق ما بعْد البنيوية؛ ونحن الآن (نظريا / وهميا) ك[عَرب] فيما بعد الحداثة؛ هل هي صائبة في سياق [المسرح الرقمي]؟ ومن زاوية تحرير النص من سلطة الكاتب كطرف مهيمن عليه؟ بكل بساطة فالكتابة في المسرح الرقمي هي شذرية بالأساس؛ يتحكم فيها الحاسوب ويبلورها بشكل مختلف عن النص التقليدي المرتب أحداثه في الزمان والمكان؛ باعتبار أن الحاسوب كسلطة تقنية قلص كل الأمكنة جغرافيا أو بالأحرى أمست المسافة معدومة، وكذا الحقب الزمانية. وهكذا بمجرد نقرة على زر؛ يتم اختلاق أحداث  غير متزامنة ولا مرتبة؛علما أن هناك مجموعة من العناصر الرقمية تتداخل في تحقيق فرجة مسرحية تفاعلية: يعتمدها النص التفاعلي في بنائه بوصفه "تقنية مميزة للنص المتفرع، تبنى على أساس نتائج المداخلات النصية التي  يراد فيها استقطاب المتلقي والتفاعل معه (10) بحيث يصبح العمل جماعيا يغيب عنه المؤلف الذي يعكس إلى حد بعيد حياته الشخصية وتجاربه النفسية؛ وبالتالي فالخطاب الرقمي  يستهدف ملامسة الواقع الإجتماعي/ اٌلاقتصادي/ الفكري / بلمسات تقنية تغلف الخطاب بجمالية مفرطة  وساحرة، بعيدا عن العاطفة وشخصنة الأحداث. من هنا نتفق مع رأى ”بارت“ بنوع من المقاربة بأن وحدة النص لا تكمن في محطة انطلاقه، بل في محطة وصوله كنص مسرحي تفاعلي غير محدود: يمكن المتلقي أن يبحر في أي فصل من فصولها على الخيار فينتهي بما لا ينتهي به متلق آخر، وهذا ما يمنح النص حيوية ويجعله أكثر تميزا عن النص التقليدي المائل إلى الثبات (11) بحيث تمثل الروابط العنصر الأساس التي يفرضها [الحاسوب/computer] في تقسم المشاهد و الفصول المسرحية، من تلك الروابط تنطلق حرية القارئ / المشاهد في اختيار أي فصل أو مشهد سينطلق منه عبر عملية الضغط المباشر لكي يحقق تفاعله معه؛ أو العكس؛ ليختار رابطا آخر. فمثل هاته الطروحات على مستوى الكتابة النصية ( الرقمية) دونما الدخول في المجال  التمثيلي/ التشخيصي والشخصية [الافتراضية] أو [الممثل التخييلي] الذي: تنطبق عليه نفس شروط الممثل الواقعي الموجود أمام المشاهد، يكون بطلا أو أكثر غير منظور وغير موجود في عقل المتلقي، ورغم أنه ليس له وجود حقيقي منظور، إلا أن له وجودا منطقيا يفرض واقعيته داخل الحدث الدرامي نفسه. والمتلقي وحده هو الذي يرسم ويحدد ملاحمه ووصفه (12) وهذا موضوع يحتاج لأكثر من وقفة ونقاش؛ فهل هذا الكائن الافتراضي؛ سيلحق الضرر لحيوية وجسد وروح الممثل وحركاته التشريحية التي تجسد الأحداث الدرامية  ؟ إضافة للجانب التقني/ الجمالي. وخاصة السينوغرافيا التي هي القطب الأساس في المسرح الرقمي، والتي تصنع أركاحا / خشبات ( افتراضية ) لها موقعها وفعاليتها في المسرح الأوروبي/الغربي؛ أما المسرح العربي، هل استطاع أن يخترق هذا المجال الإبداعي/ التقني مستغلا شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات التواصل؟ 

بمنطق الواقع الإبداعي؛ فالسؤال يحتاج لجلسات ونقاشات مستفيضة بين المبدعين العرب؛ ووسائل التواصل هي الوسيط لتقريب القاصي والداني من الفنانين ! باختصار أشرنا لبعض التجارب العربية وإن كانت هي محاولات فرضتها طبيعة انتشار الوباء( الكوفيدي) مقابل هذا وإن كان الناقد[السباعي السيد] قدم عِدة تجارب مسرحية عربية (13) ولكن بقراءة نقدية من بين ثنايا الكتاب وبعيدا عن الانطباعية و العُروبية فجُل الأعمال المدرجة في الكتاب (هي) تطبيقات عشوائية للمسرح الرقمي؛ هنا يمكن أن نستثني تجربة الفنان العراقي [محمد حسين حبيب] المتصدر لمشروع نظرية المسرح الرقمي منذ 2005 ولكن تجربته رفقة المخرج [كمال حازم] لأن تجربته تمت في فضاء غربي ( بلجيكا ) الذي يختلف عنا من حيث  التحرر الشديد من كل العوائق الدينية والإجتماعية على نحو مدهش؛ إضافة لمستوى الوعي والعشق للفن المسرحي عند عموم الناس؛هذا على المستوى العام. أما المستوى الخاص؛ فهنالك تقنيين متخصصين وبتقنيات وإمكانيات تكنولوجية بالغة الذكاء في إنتاج أعمال مسرحية رقمية. وبالتالي فما أشرنا إليه (تطبيقات عشوائية) ترتبط من جوانية الكتاب؛ الذي مارس نفي النفي كإثبات يمكن أن نعتبر تلك الأعمال محاولة؛ لأن ليس هنالك تراكم في المجال الرقمي وثانيا: إن المسرح العربي يعاني قصوراً كبيراً في استخدام التقنيات الحديثة وفي ندرة التقنيين الأكفاء، وإن هذا القصور يشمل معظم ميادين المعمار والفضاء وهندسة الضوء والصوت. ومما لاشك فيه أن القصور يشكل أيضا نقطة مهمة في انحسار المسرح العربي وتخلفه عن الركب المسرحي العالمي.... ومن جهة ثانية لا ينبغي أن نغفل دور التخلف التكنولوجي في المسرح العربي على انحسار الجمهور الذي لا يمكن أن يعتاد على متابعة العرض المسرحي في صالات مهترئة وبتقنيات بالية (14) فهذا الطرح معلل عبر الواقع المعاش؛ وما يعانيه المسرح وفنون الفرجة؛ مما يبقى عندنا نخبويا ومنغلقا ومحدودا في التأثير واستقطاب الجماهير؛ علما أن المؤسسات القطاعية أوالمسؤولة؛ لا تساهم عمليا وروحيا في دعم المسرح ومهرجاناته ماليا ولوجستيكيا؛ إذ لا شأن لها سوى تدمير البنى المعرفية والثقافية وبشتى الوسائل الإغرائية أو البيروقراطية؛ تسعى  مؤسسات الدولة لتهميش وإقصاء الفن والمسرحيين؛ وتحويلهم إلى قطيع؛ مما يتفاقم النفاق وتشكيل اللوبيات المزدحمة على بوابة تلك المؤسسات وهو الأمر الذي يجعل حقوق وأعمال الإبداع والثقافة كاسدة، وبالتالي: يعيش المخرج في المسرح العربي في حالة تصادم دائم مع الخشبة، لكونها غير مجهزة بالتقنيات المطلوبة، وعليه فهي لايمكن أن تستجيب لمتطلباته، وإن كان مجهزاً بالتقنيات فهناك غياب أوشح في التقنيين الأكفاء الذين بإمكانهم أن يقدموا للمخرج وللعرض أبعاداً ً وحلولا إبداعية تضفي على العرض جوانب إضافات فنية لا تقل عن إبداع المخرج والممثل والمؤلف (15) هنا فالمسرح الرقمي يحتاج لمنتجين عبر وكالات فنية. باعتبار أن الفن بشكل عام مرتبط بسوق الشغل حاليا؛ وبدفتر التحملات بخلاف ما كان سابقا أن العرض المسرحي؛ يرتبط بالأهواء والظرفية الإنتاجية؛ وبالتالي فأغلب دول العالم العربي هناك منتجين منفذين فقط ولا وجود للمنتجين الحقيقيين، وبالأحرى فهناك في أغلب الأحوال تنفيذ للإنتاج، يدخله أي شخص حتى ولو لم يكن مؤهلا لذلك، يكفي أن يملك شركة إنتاج وبعض المعارف؛ هذه الشركات التي تعرف دينامية مالية مهمة بسبب حصولها على مشاريع إنتاج فنية؛ مما يصبح الفنان معزول عن موضوعه وعن طموحاته؛ مما نجد بأن: المخرج العربي مازال يجد نفسه وحيدا في العملية الإبداعية وفي إنتاج العرض، بينما نجد أن هذه العلاقة على درجة كبيرة من المتانة والحميمية ً في المسرح الغربي والشرقي معا، حيث إن فناني السينوغرافيا والضوء والصوت يتفننون في خلق وتجسيد رؤى المخرج الفنية بل هم يعملون معا في إنتاج العرض، إن الكلية في العمل الإبداعي، هي سمة المسرح المعاصر هذه السمة مازالت ضعيفة إن لم تكن معدومة في المسرح العربي (16) وفي ظل الإكراهات المادية والتخلف التقني والتواصلي؛ فأي أفق للمسرح الرقمي في العالم العَربي؟ وهل سنبقى نجترتاريخ المسرح من الإله الطرقي (ديونيزوس) وعهد يوربيدس وإسيخلوس....؛ ونعيد في نفس الوقت الأسطوانة المشروخة هل عرف العرب فن التمثيل؟   

 

عتبة المنصة:

..........................

 إحالات:

1 ) تاريخ ابن خلدون الفصل 23 اعتنى به أبو صهيب الكرمي ص 77 بيت الأفكار الدولية

2) الرقمية ومواكبة الرقمنة الداخلية للمقاولات بالإضافة إلى ضرورة مواكبة المقاولات الناشئة. التقرير العام - أبريل 2021النموذج التنموي الجديد

3 ) النشر الالكتروني والإبداع الرقمي للسيد نجم،  ص 40 سلسلة الثقافة الرقمية – عن هيئة قصور الثقافة / 2010

4) انظر لصحيفة المثقف بتاريخ

5) الجائحة «تُسرّع» ميلاد المسرح الرقمي في الجزائر مجلة إعلام الهيئة العربية للمسرح بتاريخ11/04/2021

6) نفسها

7) فرقة شكسبير الملكية تقدم فنها افتراضياً صحيفة الشرق الأوسط ع/15414 بتاريخ 09/02/2021

8) مدخل إلى الأدب التفاعلي - لفاطمة البريكي ص.99. ط1/2006 المركز الثقافي العربي/ الدارالبيضاء

9 ) عصر الوسيط أبجدية الأيقونة (دراسة في الأدب التفاعلي-الرقمي) لنذير عادل ص.76. الناشر: دار الكتب العلمية- ط/1-2010 لبنان

10)   نفسها  - ص:  63

 11) مدخل إلى الأدب التفاعلي - لفاطمة البريكي ص.109. ط1/2006 المركز الثقافي العربي/ الدارالبيضاء

12) المسرح الرقمي وحتمية الانطلاق - لمحيي الدين إبراهيم –  مجلة:  ديوان العرب في مارس 2009

13) انظر لصفحات ( 133 - 155 ) لكتاب الدراما الرقمية والعرض الرقمي - تجارب غربية وعربية - للسيد سباعي، رسالة ماجستير- المعهد العالي للفنون المسرحية، القاهرة /  2018   منشورات الهيئة العربية للمسرح      

14) نفسها – ص 154

15) نفسها –  ص 154

16) نفسها – ص 155

 

3237 الحسناء صباحتتعدد المداخل إلى النص الشعري المعاصر وتتنوع، بحكم أنّه يبقى قابلا لأكثر من صورة تأويل، ومنفتحا على أكثر من شكل احتمال للمُمكن والتوقع للكامن.. فمدار الإبداع عامة والشعر منه خاصة، بحث يسكنه الإرتحال إلى المجهول من الآفاق، والقصي من جماليات الكتابة ودلالات الفكر.. توقا لتحقيق المغايرة للسائد الشعري..

وتبدو ملامسة تخوم الكون الشعري الذي تنحته نصوص الشاعرة التونسية صباح مدعاة للتأمّل عبر عناوينها: رقضة على تخوم العدم”، بإعتبار أنّ مثل هذا العنوان قد يختزل مُجمل العلامات الدالة على أسئلة متنه الشعري وجماليات صياغتها.. فالعنوان، رغم ما يشي به-بعده المجازي-، إلاّ أنّه يُضمر كتابة دلالية تجعل منه أحد المفاتيح الأساس لفتح مغالق النّص الشعري، والكشف عمّا تبطنه من دلائل لا تخلو من علامات غموض وتعتيم، وتتوسّل به من أدوات كتابة سحرية، تبقى دوما متغيرة، ومتحوّلة من تجربة إلى أخرى، وحتى من نص إلى آخر داخل التجربة الشعرية الواحدة.. فجوهر الإبداع تجاوز ينبغي دوما أن يدرك المدى الذي لا يُدرك، للكائن من الأشكال، والراهن من أسئلة الشعر.. وتظهر اللغة أسرارها حال الاجتماع والبناء إذ اللفظ في ذاته مجرد أداة ولا يظهر مكنونه ومعناه بغير اجتماع لذا كان اللفظ في مبني بحيث يكون لبنة من لبنات هذا البناء غيره في معجم ..

ولنرى معا مدى توفيق الشاعرة (صباح) وقدرتها على جعل الحرف يبوح بمكنونه وسره بين يديها : قول الشاعرة:

رقصة على تخوم العدم !

أحب قراءتك على طريقة برايل

و أكره أن تغازلني بالمستهلك من الكلم

يا أنت !

أن تحبني

هو أن تلعن حسني

حين تنزل عليك نبوءة العشق

ويصيرك الرب رسول حب

أن تعشقني هو أن تُكفِّرَ جسدي

حين تكتب عليه سلالتك

وتطير على براق الهوامات

وتنهمر على أرضي اليباب مطرا ..

مطر ..

يا أنت !

أسقِطْ من ذاكرتك كل الصور

إني أريد رجلا بلا ذاكرة

ولتشْهَدْ أنني الأنثى احتشاد الماء

نيغاتيف الصور

حزمة الضوء

ألوان السماء

فأنا غجريّة لا ترتضي أنصاف العشاق

ولا تقبل أن تكون معطفا في الشتاء

أنا إمرأة عتيقة إن أحبتك فكت شيفرة شاماتك

بشغف عالم آثار

صيّرت شفتيك أبجديتها

ورتّلتهما بغُنّة الفقهاء

ومن المسافة الممتدة بين ذراعيك فتحت أبواب الفردوس لتعبر إلى السماء

أنا امرأة خريفيّة ،

بوهيميّة..

تجيد التعريّ من أوراقها

 لملإ فراغات النص

حين تنضج الثمار

تقرأ بياضك بشغف

وتملأ نقاطك بشبق:

زوجة شهريار

وسحر شهرزاد

وروعة السرد

في أجمل الحكايات

فتعال

لتكتبني سطور ماء

وتدوّنني أهازيج مساء

ولتجعل ذكرى عبوري عبرك

تاريخ بدايتك ومنتهاك

فأن أحبك وتحبني هو

أن نقهقه معا

تمد نحوي يدك المسعورة

نرقص رقصتنا الأخيرة على تخوم العدم

وببلسم تسكبه من مقلتيك في روحي

نفك سوستة العشق

نمزّق أزرار الليل

أذوّب همساتك في كأس الوقت

وتسكب ضحكاتي في أواني الاشتهاء

ثم ...

نمضي معا إلى سدرة المنتهى

نلوب حول العرش

لنعود أشد عطشا .

صباح نور الصباح

من الجدير –في هذه القراءة المتعجلة-أن نتبيّن معالم البنية الصوتية للتشكيل اللغوي في هذه القصيدة في محاولة لربط هذه المعالم بما لها من دور في إنجاز التجربة، وفي تحقيق قدرتها التأثيرية، فالملامح الصوتية التي تحدّد الشعر قادرة على بناء طبقة جمالية مستقلة (1)

والبنية الصوتية للشعر ليست بنية تزينية، تضيف بعضا من الإيقاع، أو الوزن إلى الخطاب النثري ليتشكّل من هذا الخليط قصيدة من الشعر، بل هي بنية مضادة لمفهوم البناء الصوتي في الخطاب النثري، تنفر منه، وتبتعد عنه بمقدارتباعد غايات كل منهما..

وهذا يعني أنّ إرتباط الشعر بالموسيقى إرتباط تلاحمي عضوي موظّف، فبالأصوات يستطيع الشاعر/الشاعرة/ أن يبدع جوّا موسيقيا خاصا يشيع دلالة معينة، واللافت أنّ هذه الآلية الصوتية غدت في نظر النقاد مرتكزا من مرتكزات الخطاب في الشعر العربي الحديث..

وهذا المرتكز يقوم على معنى القصيدة الذي غالبا ما يثيره بناء الكلمات كأصوات أكثر ما يثيره بناء الكلمات كمعان(2)..

على سبيل الخاتمة:

قد لا أبالغ إذا قلت أنّي لست من الذين يتناولون القصائد الشعرية بأنامل الرّحمة ويفتحون أقلامهم أبواقا لمناصرة كلّ من ادّعى كتابة الشعر، إلاّ أنّي وجدت نفسي في تناغم خلاّق مع هذه القصيدة التي فيها كثير من التعبيرية وقليل من المباشرة والتجريد تغري متلقيها بجسور التواصل معها، مما يشجع على المزيد من التفاعل، ومعاودة القراءة والقول، فكان ما كان في هذه الصفحات من مقاربة سعت إلى الكشف عن بعض جماليات هذه القصيدة مربوطة بالبنية اللغوية التي عبّرت عنها..

وأترك المقاربة القادمة-على مهل-على هذه القصيدة العذبة إلى أن يختمرَ عشب الكلام..

قبعتي.. سيدتي

 

محمد المحسن - ناقد تونسي

.........................

الهوامش :

1- اللغة العليا ص: 116جون كوبن.. ترجمة أحمد درويش.. ط2 القاهرة 2000

2- البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ص: 38-ط-الإسكندرية 19903-اللغة العليا-ذُكٍر سابقا-ص: 74

 

 

محمد الاحبابيالتكرار الختامي

لقد اهتم النقاد بالتكرار الختامي، فقد نال أهمية خاصة عند كل من نازك الملائكة ومحمد عبد المطلب ومحمد صابر عبيد وآخرين، فنازك الملائكة تؤكد على أن التكرار الختامي (لا ينجح في القصائد التي تقدم فكرة عامة لا يمكن تقطيعها، لأن البيت المكرر يقوم بما يشبه عمل نقطة في ختام عبارة تم معناها، ومن ثمة فأنه يوقف التسلسل وقفة قصيرة ويهيئ لمقطع، وهذا هو سر نجاح التكرار في القصيدة) (1)

ويرى الدكتور محمد صابر عبيد أن التكرار الختامي (يؤدي دورًا مقاربًا للتكرار الاستهلالي من حيث المدى التأثيري الذي يتركه في صميم تشكيل البنية الشعرية، غير أنه ينحو منحى نتيجيًا في تكثيف إيقاع يتمركز في خاتمة القصيدة)(2). وعَرَفَ علاء الدين رمضان السيد هذا النوع من التكرار هو تشابه طرفي القصيدة، ويضم هذا التعميم تكرار مطلع الجملة في نهايتها، وكذلك إعادة جملة الختام نفسها في تكرار المتلاحق. (3)

تتسع دائرة الوطن عند السماوي لتشمل الحبيبة ويصبح الوطن هو المعشوقة فيقول: (4)

هَوِّنْ عليكَ فإنَّ حَظَّكَ في الهوى   حَظُّ(ابن عَذرَةَ) في هُيام (مَهاةِ)

يا صابراً عِقْدَين إلاّ بضعةً      عن خبز تنّورٍ وكأس فُراتِ

ليلاكَ في حُضْن الغريب يَشِدُّها    لسريره حَبْلٌ من السُـــرُفاتِ

تبكي وَتَسْتَبكي ولكن لا فتـــــى     فيَفــــكَّ أسْــرَ سبـــيئةٍ مُدْماةِ

يا صابراً عِقْــــدَين إلاّ بـضعة     (ليلى) مُكبَّلــةٌ بقيْدِ (غُزاةِ)

ليلاك ما خانَتْ هواكَ وإنـــما    (هُبَلُ الجديدُ) بـزيِّ (دولاراتِ)

إن (المريضة) في العراقِ عراقةٌ  أما الطبيبُ فمِبْضَعُ الشَهَواتِ

في هذا المقطع من القصيدة تكرار ختامي من مجموعة تكرارات أغنت بنية القصيدة وأضافت دلالات لغوية عميقة، حيث جاءت لفظة (الحظ) مرتين الأولى حظ الشاعر والثانية حظ قيس العامري، وكذلك كرر(ليلاك، ليلى) إشارة إلى البيت المشهور: (5)

يقولون ليلى في العراق مريضةٌ    فيا ليتني كنت الطبيبَ المداويا

وهي إشارة إلى عنوان كتاب الدكتور زكي مبارك (ليلى المريضة في العراق) الذي استعمل فيه أسلوبًا غزليًا نثريًا رائعًا، فمن يقرأه يتخيل ان الكاتب يتغزل بليلى العراقية المريضة في العراق، في حين كان يقصد (اللّغة العربية) التي كانت تحتاج إلى معالجتها، فكان الراحل زكي مبارك من الأدباء الكبار الذين هبوا لمداواتها في ثلاثينيات القرن العشرين فدرس في العربية وأدبها في بغداد آنذاك .

وقد تكررت عبارة (يا صابراً عقدين) مرتين، وهذا المعيار الزمني بمعنى طول الانتظار والصبر، فالشاعر يحاور الذات بصيغة النداء المقصود الذي أجج مشاعر وأثار كوامن أحزانه العميقة، وهو يسدل قائمة التكرار بحرفي الروي (الألف، والتاء) مما جعل للقصيدة إيقاعًا جميلاً، إننا ندرك بوضوح عمق هيامه بوطنه، وصدق تعلقه به وفي ظل هذا التلازم العميق بين الوطن والشاعر تشكلت نصوصه الشعرية، وتوهجت شعلته وهو يؤدي لحن العاشق للوطن، إنه الحب والانتماء الذي يضرب بجذوره في أعماق هذه الأرض، حيث تتفجر من كيان السماوي هذه المعاني لتجسد أجمل معاني الانتماء والحب.

ونرى التكرار الختامي في قصيدة الشاعر يحيى السماوي (إلى من لا يهمهم الأمر) حيث يقول:(6)

سأبقى خائفا على وطني

طالما بقي في " قصر الخلافة "

سياسي فاسد واحد

انتهازي واحد

تاجر دين واحد

إرهابي واحد

عميل واحد

ولصّ واحد

هؤلاء كالطحالب

سريعو الانتشار مثل بثور الجدري

يقف الشاعر منبهرًا من إبداء تساؤله المندهش من تعطّل رد فعلنا تجاه هؤلاء الذين يتعلمون البطولة بأطفالنا والفحولة بأعراضنا كما يقول عنهم: (سياسي فاسد، انتهازي، تاجر دين، إرهابي، عميل، لص) وهي دهشة مشروعة حتى لو كانت شديدة الفوران لأن دافعها المحبة والحرص على حاضرنا ومستقبلنا، كما وظف الشاعر التكرار الختامي بلفظة (واحد) ست مرات، وهذا الشكل التكراري يحدث نسقاً إيقاعياً مركّزاً، ترتاح له الأذن، ويشد المتلقي نحو المعنى الذي يريد الشاعر التعبير عنه، فهو يبرز الواقع الأخطر عندما يتخاذل أبناء الوطن عن الانتفاضة ضد اللصوص والغاصبين، أو أنهم يستمرؤون العيش تحت ظل الخيانة بعد رحيل الاحتلال، فهؤلاء الفاسدون كالطحالب سريعو الانتشار، لذلك يطالب الشاعر بأجراء عملية استئصال كاملة خوفاً من انتشارهم مرة أخرى .

ويتفجر يحيى السماوي وطنية صادقة وغضبًا مقدسًا على الظالمين، وتجسيدًا للمظالم والمجازر البشعة التي شهدتها المدن العراقية والتي يندى لها جبين الإنسانية خجلا، ويتفجّع الشاعر على ما آلت إليه بغداد في قصيدة (هل هذه بغداد( التي يجسد فيها التكرار الختامي ودلالاته العميقة في النص بقوله: (7)

أغمضْـتُ عن شجر الهوى أحداقي

فاسكبْ طلاك على الثرى يا ساقي

غرسوا الظلامَ بمقلتي فتعطـّلتْ

شمسي ونافذتي عن الإشراق ِ

فإذا بتحرير العـراق ِ ولـيمَـة ٌ

حفلتْ بما في الأرض من سُـرّاق ِ

المطلقون حمائمي من أسـرها

شدوا الفضاءَ وروضها بوثاق ِ

ما العجبُ لو خان الفؤادُ ضلوعه؟

إنّ الذي خان العراقَ عراقي

فإذا النضالُ نخاسة ٌ مفضوحة ٌ

فاحتْ عفونتها بسوق ِ نفاقِ

أبدع وأحسن وأجاد السماوي في هذه المقطوعة، لأنه عاد الى أصول الشعر العربي القديم الموزون والمقفى، وبأسلوب راق شفاف عبر عن معاناة وطنه، فإذا تحرر هذا الوطن من نير المستعمر الغازي المستبد، وقع للأسف بأيدي السراق والعملاء من أبنائه الذين اشتركوا في ذبحه وخيانته، وقد عبّر الشاعر يحيى السماوي بتكرار ختامي مبدع، حيث كرر اسم(العراق) مرتين دلالة على حبه لوطنه، كما كانت لغة الدموع ظاهرة في متن القصيدة (اغمض، أحداق، مقلتي) تعبر عن معاناته بشعر راقٍ وموهبة متألقة ومشاعر عفوية ورؤية عميقة صادقة، لواقع وطنه الذبيح وحمامات الدم اليومية التي تغسل أرض العراق الطاهرة، ونجد في هذه الأبيات القدرة الفائقة على صياغة الأفكار والمفاهيم وطرحها في إطار شعري عبر الجمل المتناسقة والتعابير السليمة، فالبنية التي يقوم عليها النص تقوم على مبدأ استخلاص العبرة والموعظة وحسن التبصر من خلال إظهار التناقض والتضاد في الماضي والحاضر.

إن التكرار الختامي في هذا المقطع أعطى جرسًا موسيقيًا يشد المتلقي من خلال حروف الروي (الألف، القاف، الياء) مما زاد جمالاً في الإيقاع الكلي، فالشاعر مهتم بالماضي ويتطلع إلى المستقبل الذي يصبو إليه، وإن المستحيل يمكن أن يتحقق من خلال الانبعاث والتخلص من الواقع الجاثم والتطلع لما هو جديد ومشرق.

تكرار اللازمة

يُعدَّ تكرار اللازمة من أهم التكرارات التي لجأ إليها شعراؤنا المعاصرون، ويعمل هذا النوع من التكرار على تحقيق الوحدة النصية في انسياب وتدفق تجمع بين أجزائه اللازمة بشكل تواتري، وترى نازك الملائكة أن التكرار اللزومي يحتاج (إلى مهارة ودقة، بحيث يعرف الشاعر أين يضعه، فيجيء في مكانه اللائق، وأن تلمس يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات، لأنه يمتلك طبيعة مخادعة، فهو بسهولته وقدرته على ملء البيت وإحداث موسيقى ظاهرية يستطيع أن يُضِل الشاعر ويوقعه في منزلق تعبيري)(8)

وتشترط نازك الدقة والمهارة في اختيار اللازمة لتحقيق التوافق والإيقاع داخل القصيدة، واللازمة الشعرية التي تعود في حقيقتها إلى التكرار الرأسي أو الأبنية اللفظية المتكررة على المستوى العمودي للنص الشعري، والتي تخلق نظامًا بنائيًا توازنيًا ومفصليًا بين الوحدات النصية؛ ذلك لأن الصيغة المتكررة عبارة عن معاودة كلمة أو جملة ثابتة أو محررة بعض الشيء، وهذا ما نجده في تعريف الدكتور محمد صابر عبيد: (يقوم تكرار اللازمة على انتخاب سطر شعري أو جملة شعرية، تشكل بمستوييها الإيقاعي والدلالي محوراً أساسياً ومركزياً من محاور القصيدة، يتكرر هذا السطر أو الجملة من فترة وأخرى على شكل فواصل تخضع في طولها وقصرها إلى طبيعة تجربة القصيدة من جهة، وإلى تأثير اللازمة في بنية القصيدة من جهة أخرى، وقد تتعدد وظائف هذا التكرار حسب الحاجة إليها وحسب قدرتها على الأداء والتأثير)(9).

يأتي يحيى السماوي حيث يستخدم تكرار اللازمة لرفض الواقع المادي الجديد فيقول:(10)

جلالة الدولارْ

حاكمنا الجديدُ ..ظِلُ اللهِ فوقَ الأرضِ

مبعوثُ إلهِ الحربِ والتحريرِ والبناءِ والإعمارْ

له يقامُ الذكرُ ..

تُنحر القرابينُ ..

وتقرع الطبولُ ..

ترفعُ الأستارْ

وباسمِهِ تكشفُ عن أسرارِها الأسرارْ

جلالة الدولارْ

من خلال هذا المقطع يكرر الشاعر(جلالة الدولار) وهو تكرار اللازمة ويبرز الواقع المادي الذي سيطر على القيم والاخلاق وحتى الدين كان غطاء للوصول الى غايات بعيدة عن عقيدة الدين، بحيث أصبح كل شيء يباع ويشترى، وقد كرر الشاعر أفعال المضارع (يقام، تنحر، تقرع، ترفع ، تكشف) دلالة على الخضوع للسلطان الأمريكي الجائر، كما كرر الشاعر حرفي الروي ( الألف، الراء) في معظم أبيات المقطع مما أسهم في تحقيق التوافق الصوتي.

وفي تكرار اللازمة تشغل القدس زهرة المدائن إحساس يحيى السماوي وضميره بعد وقوعها في أسـر الصهاينة قراصنة العصر، فنراه يخاطبها في قصيدته (المتاهة) مكررا اسمها ثلاث مرات فيقول: (11)

يا قدسُ قد رخص النضـالُ وأرخـَصَتْ

شـُهُـبُ الـمناصب ِ باسـمـك ِ الأسـعـارا

يا قـدسُ قــد باعـوك ِ سِــرّا ً فاســألـي

طابا " عـسـاها تـكـشـف ُ الأسـرارا

يا قـدسُ مــا خان الـجـهـادُ .. وإنـّمـا

خـان الــذي بـاسـم الجـهــاد تــَبـارى

فهو يشجب إتـِّجار الساسة بهذه المدينة العربية الإسلامية التي يقع فيها بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين، وكأنهم النخاسون الذين يقيمون مزاداً لبيع العبيد وشرائهم، ففي نداء متكرر للشاعر (يا قدس) ثلاث مرات، فالتكرار إشعاع أسلوبي يؤدي وظيفة دلالية وايقاعية، ولعل رسوخ المبدأ من العوامل التي تفضي إلى الشاعر بأسلوبية التكرار، ويكرر كلمة (الجهاد) مرتين في القصيدة، وتكرار حرفي الروي (الراء و الألف) فالتكرار جاء كالسيل تبعًا لقوة العاطفة المتوهجة في ذات الشاعر الذي يعبر عن موقف عاطفي مشحون بالتوتر الانفعالي، مما أسهم في تحقيق تجانس إيقاعي بين إيقاع المقدمة وفاصلة الختام وكأن هذا التكرار يجعل من القدس بؤرة النضال، لتشكل محورا دلاليا في هذه القصيدة .

والسماوي يتوحد مع الأرض من فرط حبه لها وعشقه وهيامه بها وهذا دليل على الرابطة القوية التي تربط بين الشاعر والأرض ونباتاتها، وهناك دلالات مختلفة ارتبطت بمجموعة من هذه النباتات، فالنخل يصبح معادلاً للأهل ويشارك في المقاومة حيث يقول: (12)

فاخرجوا من وطني ...

وامنحونا فرصة الدَّفن لموتانا

وأنْ نُخْرجَ من تحتِ الركامْ

جثثاً ما بلغَتْ عمرَ الفِطامْ

فاخرجوا

من قبل أنْ ينتفضَ النخلُ العراقيُّ

ويستلُّ سيوفَ الانتقامْ

ارتبطت نباتات الوطن بالشموخ والإباء فهي كإنسان هذا الوطن، يشارك النخل العراقي في المقاومة وطرد المحتل ويلتقي مع الأبطال في صموده ومقاومته، ويذكر الشاعر النخيل في كثير من قصائده الذي يتميز بالصمود والشموخ والعطاء، ورمزيته للطبيعة العراقية هي استمرار التعلق بالوطن ومشاركته في آلامه، فقد كرر الشاعر فعل الأمر (فاخرجوا) مرتين فجاء التكرار: الفاء + اخرج + الواو + من +الوطن . وكرر حرف العطف (الواو) ثلاث مرات، كما كرر حرف الجر(من) مرتين، وكرر حرف الروي في (الركام، الفطام، الانتقام) كذلك كرر الشاعر: أن + الفعل المضارع (نخرج، ينتفض) فشكل هذا التكرار ترابطاً قوياً وانسجاماً عالياً في هذا المقطع .

التكرار التراكمي

تنوعت رؤى التكرار التراكمي وتشعبت اتجاهاته ووظائفه في النقد الحديث والمعاصر، تبعًا للمدارس النقدية والأسلوبية الحديثة التي انبثق منها، فمنها رؤى تناولته من زوايا جمالية، ومنها رؤى تناولته من زوايا نفسية.(13)

ويعرفه الدكتور محمد صابر عبيد بقوله (يتحدد التكرار التراكمي في القصيدة الحديثة بفكرة خضوع لغة القصيدة بواقعها الملفوظ إلى تكرار مجموعة من المفردات سواء على مستوى الحروف أم الأفعال أم الأسماء، تكرارًا غير منظم، لا يخضع لقاعدة معينة سوى لوظيفة كل تكرار وأثره في صياغة مستوى دلالي وإيقاعي محدد، ودرجة اتساقه وتفاعله مع التكرارات الأخرى التي تتراكم في القصيدة بخطوط تتباين في طولها وقصرها) (14) .

أمّا عصام شرتح فيعرفه بأنه (طغيان صيغ أسلوبية تتكرر بكثرة عند الشاعر وبشكل عشوائي دون ضوابط أو فواصل محددة داخل النص الشعري) (15) ومعناه تكرار المفردات أو العبارات بطرق غير منظمة داخل القصيدة، و(تقوم القصيدة على تقنية التراكم الدلالي التي تحيل النص إلى متواليات صوتية أو تراكمات جميلة، حيث يراكم الشاعر عدة حروف وجمل بشكل عشوائي للتعبير عن الحالة النفسية التي يعيشها)(16) .

وفيها يسعى الشاعر إلى تكرار مفردة معينة في القصيدة ويكون هذا التكرار ناتجًا عن أهمية هذه المفردة وأثرها في إيصال المعنى، وتأتي مرة للتأكيد أو التحريض ولكشف اللبس، فضلا عما تقوم به من إيقاع صوتي داخل النص الشعري، والتكرار التراكمي لبعض الصيغ اللغوية على شكل ثوابت، في فواصل مختلفة من النص، يقول الناقد عمر العسري (إذا كانت الوظيفة الأولى للتكرار مقرونة بترديد النص على ضوء التفصيل، فإن الوظيفة الثانية مرتبطة بتجسير المقاطع الشعرية، وتتناثر محققة تراكماً مشهدياً يغني العمل الشعري لكنه في جوهره ينظم الخطاب الذي تحكمه علاقة العام بالخاص)(17)

وفي مقطع للشاعر يحيى السماوي يدعو أبناء العراق للجهاد والمقاومة والوقوف في وجه الخصم المحتل، وإجباره على مغادرة الوطن، وقد برّز هذا التحدي وبث الحماس بوضوح عند الشاعر في تكرار تراكمي واضح حينما يقول: (18)

باسم الدار تَطْحَنُها خيولُ الاحتلالْ

باسم الغدِ المأمول

باسم طفولةٍ سُفِحَتْ

وباسم عُراةِ كهفِ الإعتقالْ

باسم الفراتِ المستباح

وباسم نخلٍ مُثكلٍ بالسَعْفِ والعرجونِ

حتى باتَ مذبوحَ الظِلالْ

فاكنسْ بمجرفةِ الجهادِ الوحلَ

واسْتَأْصِلْ جذورَ (أبي رُغالْ)

(لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى)

حتى يُزالَ الإحتلالْ

حانت صلاةُ الذودِ

حيَّ على النزال .. على النزال على النزالْ

نجد أن معجم النص يشع بالتحدي والصمود، ويبدو أن روح المعارضة دفعت الشاعر إلى توظيف هذه الألفاظ فقد كرر الشاعر حرف (اللام) ثلاث عشرة مرة غطى مساحة المقطع مما جعل المقطع منسجمًا من حيث الجرس الإيقاعي ومحكمًا في بنائه، وكرر لفظة (باسم) ست مرات (الدار، الغد، طفولة، عراة الكهف، الفرات، نخل) بهذه المبررات يقتل الشعب، لذلك يريد الشاعر من أبناء الوطن مواجهة العدو حتى ينالوا حريتهم من المحتلين، حيث استدعى الشاعر شخصية تاريخية (أبو رغال) (19) رمز الخيانة والعمالة للمحتلين، كما وظف بيت الشاعر(المتنبي) بما يتناسب مع رؤيته الشعرية:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ـــــــ حتى يُراقَ على جوانبه الدمُ  (20)

فهو يريد من أبناء العراق أن يستمروا في نضالهم وجهادهم حتى ينالوا حريتهم من الغزاة الأمريكان الطامعين، ففي خطابه يذكر أنّ الجهاد، هو فريضة على كلّ مسلم ومسلمة، فيقول:(حانت صلاةُ الذودِ حيَّ على النزال .. على النزال .. على النزالْ ) ولعل تكرار هذه العبارة في المقطع، لإثارة المتلقي، وتحفيزه على رفض الواقع المرّ، فالتكرار أفاد في توكيد المعنى الذي ألّح الشاعر على إظهاره فضلاً عن تأثيره على الجانب الإيقاعي.

" يتبع "

 

د . محمد الأحبابي

............................

(*) من البحث الذي حاز به الباحث شهادة الدكتوراه في النقد الحديث .

 (1) قضايا الشعر المعاصر: نازك الملائكة، ص 268.

(2) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية: محمد صابر عبيد، ص 199_200.

(3) انظر، ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث: علاء الدين رمضان السيد، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1996م، (د-ط)، ص66-84.

(4)  ديوان (نقوش على جذع نخلة)، يحيى السماوي، ص 74 – 75 .

(5) ديوان قيس بن الملوح مجنون ليلى، رواية أبي بكر الوالبي، دراسة وتعليق يسري عبد الغني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1999م، ص38 .

(6) ديوان (شاهدة قبر من رخام الكلمات)، يحيى السماوي، ص85.

(7) ديوان (نقوش على جذع نخلة )، يحيى السماوي،ص161.

(8) قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، ص163.

(9) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية، محمد صابر عبيد، ص204.

(10) ديوان (نقوش على جذع نخلة)، يحيى السماوي، ص62- 63 .

(11) ديوان (هذه خيمتي فاين الوطن)، يحيى السماوي، ص53 .

(12)  ديوان (هذه خيمتي فاين الوطن)، يحيى السماوي، ص 11 .

(13) انظر: جماليات التكرار في الشعر السوري المعاصر، عصام شرتح، ص 334.

(14) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية، محمد صابر عبيد،ص 219.

(15) أنظر: جماليات التكرار في الشعر السوري المعاصر، عصام شرتح، ص338.

(16) المرجع نفسه: ص338.

(17) بلاغة التكرار في ديوان (دون مرآة ولا قفص): عمر العسري، مجلة عمان، ع147، ص64.

(18)  ديوان ( نقوش على جذع نخلة)، يحيى السماوي، ص 128 -129 .

(19) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، د. جواد علي، دار العلم للملايين، بيروت، (د-ط)، 1968م، ص28.

(20) ديوان المتنبي، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1983م، ص571.