حيدر عبدالرضاللشاعر عبد الأمير خليل مراد

التحاور النسقي بين حسية شعرية الوجود واللاوجود في ذوات الأشياء

توطئة:

لعل فضاء القراءة إلى مجموعة قصائد (صحيفة المتلمس) للشاعر عبد الأمير خليل مراد، تقودنا نحو تلك العلاقة النسقية المتأسسة ما بين ثنائية الوجود واللاوجود في ذوات الأشياء احتمالا،وصولا منها إلى استكمال وقائع ضمنية أنا الشاعر / الآخر المرجعي، اقترانا بأسباب القول الشعري وأحواله الحسية المتواشجة وآفاق إجرائية ذاتية موصولة من الوعي المحمول بأيقونة أسئلة ومقاصد المعنى المضمر في علاقات دوال القصيدة . وعند قراءتنا إلى الأنماذج الشعرية في منجز المجموعة، تواجهنا كيفيات ومرجعيات خاصة من أمكانية النص الشعري، وذلك بدءا مما تنتجه دعوات المبعث الدلالي في حدود النظرة الإيحائية في شاعرية النص .

ـ منظور الرؤية ومواجهة الزمن المرجعي

عند قراءتنا إلى قصيدة (صحيفة المتلمس) تواجهنا مثالية العلاقة المرتبطة ما بين خاصية الأنا الشعرية وأفق أسفارها في مركبات الأطلال من التفاصيل والاستعارات المتندرة في بواعث الأحساس الفاحص في ملفات حالات القصيدة:

كَمْ مرَّ مِنَ الأَزمانْ

وَأنا كَصيّادٍ يُبْحِرُ في الَمخْطوطاتِ

(مَخْطوطاتٍ للحبِّ وأخرى للمَوتِ)

أُحْصِي الُمدنُنَ الباقيةَ (بابلَ، دلمونَ، الحيرةَ، سومرَ

وَأكدْ)

وَالمُدنَ الزائلةَ (نَحْنُ)

وَتاريخَ الأشخاصِ (مُلُوكاً، صَعَاليكَ، غُلاةً،

شُعراء) . / ص80

إذا تعاملنا مع هذه المقاطع الأولى من النص، على أساس من أنها مخطوطة في مؤشرات (الذاكرة السير ذاتية / وثيقة الأمكنة) فلربما قد لا نقف على واصلة العلاقة الشعرية التامة مع مرجعية مخيلة الأماكن إلا من زوايا نسبية في المقايسة والاحتواء الاستدلالي المحض، نقول من جهتنا الخاصة أن الشاعر أراد تأسيس لنصه استراتيجية خاصة متكونة من علاقة أنا الشاعر وحدود تعاملات المستوى النسقي من التناص ودلالات المحاكاة المتباينة ومسار مشخصات لغة الموضوعة الشعرية، وهذا الأمر بدوره ما جعلنا نواجه جملة مفهوم (منظور الرؤية) عبر سرانية وعلنية إزاء محددات جمل (كم مرة من الأزمان / وأنا كصياد يبحر في المخطوطات = مخطوطات للحب وأخرى للموت) أي أن محاور المرجعية الزمانية والمكانية أخذت تحضر في محمولات علاقة قصدية مواضع مستترة (الذات الشاعرة ـ الأداء ـ تحول الحالات ـ تحول الزمكانية = علاقة تنافذية قيد الفاعل المنفذ) وهكذا تبقى ركيزة الواصلة الموضوعية ما بين الأزمان والأمكنة والذوات، كمفصلية منفذة أخذت تحددها علاقة الأنا / فاعل الحالة، في مرحلة البحث والاستقصاء (كصياد يبحر في المخطوطات / أحصي المدن الباقية / المدن الزائلة نحن / تاريخ الأشخاص) والتعامل الأوحد في وظيفة الوحدات يبقى في مجموعة الجمل، ما يماثل علاقة عادلة ومتفاعلة في الإحصاء التذويتي إلى محاور العلامة المرجعية في جمل المدن ودلالات الأمكنة:

مِنْ كلكامشَ إلى عَبْدَ الأَمير ....و .... و....و

(وَلا تاريخَ إلاّ تاريخُ الأَشخاصِ)

أَتَهَجَّى أَبْراجي بِكآبةٍ

كأَنّني عَلى شَفا حُفرَةٍ مِنْ هذا العالَمْ

أقفُ .... ! . / ص80

الشاعر يسعى إلى استعادة تواريخ الأجناس الآدمية، في سياقية جذرية متنوعة، بدءا من كلكامش وحتى مرحلة الشاعر نفسه نزولا إلى متشكلات الصيرورة المتنوعة في كرنفالية فضاءات التنقيط في بنية المحذوف، فيما تبقى مروياته تحوي ذلك الحدوث العدمي من جملة (أتهجى أبراجي بكآبة) واللقطة الثانية هي حالة توكيدية في مجال الانفصال أو اللا تواصل مع عدمية الوجود في حراك الأشياء الخارجة من معنى موقفية الشاعر الاعتبارية (كأنني على شفا حفرة من هذا العالم) . أما الحال في قصيدة (الأرجوحة) حيث نقرأ:

ظِلاّنا يَقْتربانِ مِنَ العَتَبة

هذا يَتَخَلَّقُ في نَهْر العُمْرِ ....

خَفِياً

وَالآخرُ يَفْتَضُّ تُخُومَ الوَقْتِ ....

وَيَمْضِي . / ص78

علاقة المفتتح الصوري في النص، تزدحم في حيز شعري ملتئم على كينونته الذاتية وسيرة ذلك المنشطر نحو حساسية تفارقية من الوجود الآخر (ظلانا يقتربان من العتبة .. هذا يتخلق في نهر العمر .. خفيا .. والآخر يفتض تخوم الوقت .. ويمضي) من الواضح أن هذه العلاقة النصية في متن مستوى المقاربة مرتبطان أرتباطا وثيقا في مهمة مسافة الزمن والفعل الدوالي لذا نجد مضمار المدلول يعتمد مطابقة ما منشطرة من شيفرة (الوجود / اللاوجود / الأنا / الآخر) وصولا إلى غاية المتحدث تعديلا في مسار العلاقة التوصيفية في حالات موجهات المتكلم ووظائفه الأحوالية:

يَتَوزَّعُ في فاتَحةِ الخِصْبِ ... فُصُولاً

مِنْ خُبزٍ وَدماء

هذا ظِلُّك ... أمْ ظِلّي ...

أَمْ نَصلُ قَتيلْ

يَقْذفُني كالأُرْجُوحةِ في الحَلَبة

وَيَلُمُّ بقايايَ حُقولاً مِنْ شِعْرٍ

وَرُواءْ . / ص78

 

1ـ التبديل والاستبدال:

تتكشف الدوال في المقاطع المعروضة أعلاه في نص القصيدة عن حالات ابدالية ـ استجابية شبه تضامنية وحساسية وظيفة الاستبدال في مستويات حراك الجمل، مما جعل الخطاب في المقاطع أكثر تداخلا وتفاعلا ما بين ثنائية الإبدال والاستبدال، وصولا نحو الركيزة الذاتية المضمرة في السياق الدالي، وعلى هذا النحو نستعرض ما قاله الناقد السيميائي جوزيف كورتيس من هذا القول: (مشكل الاستبدال كله نوع من العملية المعكوسة للتبديل وفيه الدال يمكن أن يقابل مدلولات مختلفة، وبالعكس نفس المدلول يمكن أن تعبر عنه دوال مختلفة . / سيميائية اللغة ـ جوزيف كورتيس / ص64) وبهذا المعنى يمكننا معاينة الإجراء الاستبدالي في جملة (هذا ظلك .. أم ظلي) أن التعادل الافتراضي في بنية الاستبدال هنا تكشف لنا عن حاصلية الناتج في بنية المحذوف من الفضاء النصي ـ اقترانا لها بذلك الحاصل المفترض بين العلاقة الإشارية الواردة في الجملة، وذلك المدلول القائم بينهما في مسار التبديل الدلالي، وذلك ما يجعلنا نفهم جملة (أم نصل قتيل) على أنها المخصوصية المرجحة في دلالة المحتمل الذي هو بمثابة العلاقة المماثلة في مسار الوظيفة الظلية المتقادمة من دليل الأرجوحة .

ـ أنسنة الصورة الشعرية وحساسية الأستدعاء المضمر

تتأكد أنسنة حالات الصورة الشعرية في منحى بنيات قصائد مجموعة الشاعر، نحو ذلك التفعيل الدلالي المخصوص عبر وحدات البنية الدوالية في القصيدة ومحتملاتها المتشكلة في خلق الصورة التشكيلية الأكثر غورا في كوامن لغة المحاور الشعرية، وبهذا الصدد تواجهنا قصيدة (الطائر) وقصيدة (العتايج) وقصيدة (الشاعر):

جَسَدٌ ناحِلٌ كالقَصِيدة

لا زَادَ غيرُ هَشِيمِ الحُرُوفِ

وَبُرْعُمُ ضَوْءٍ يُزنِّر في الذاكرة . / ص50

تتأكد من هذا الفضاء محاور أنسنة الذات الشاعرة إلى محمولات أحوالها الداخلية المؤولة بأوصافها من ناحية الاستثناء واللحظة القاسية من استجابة صوت أنسانية الشاعر ـ تعبيرا صوريا ظاهرا أخذ يكشف عن أشد اللحظات في انسانية أحوال الشاعر وأنسنة دواله الواصفة، والحال يطرح ذاته في قصيدة (تقاسيم الناي الأولى) وقصيدة (إيماءات بعيدة) والحال أيضا من أنسنة المحاور في قصيدة (قطاف) المهداة إلى الكاتب ناجح المعموري:

بِأيِّ فَمٍ سَتَقُولُ القَصِيدة

الرَّبَابَةُ دَارَتْ بِنَا مِنْ زَمَانْ

وَعَلَى حائِطٍ مِنْ رَمِيمِ البَقَايا

رَأَيْتُ المَدِينةَ تَبْكِي ... وَفَانُوسَها

جُثَّةً فِي الظَّلامْ . / ص30

ـ تعليق القراءة:

لاشك أن موجهات قصائد مجموعة (صحيفة المتلمس) للشاعر المتفرد عبد الأمير خليل مراد، بمثابة فضاءات للنموذج الشعري المتمخض عن فاعلية مركزة في أدق تفاصيل شعرية الواقعة المرجعية وسمو الدلالة المنفتحة نحو لغة المعطى الداخلي والخارجي من طاقة الرؤيا الإيحائية المؤثرة لدى الشاعر .. أقول حاولنا في الفروع المبحثية من مقالنا هذا، تقديم قراءة بسيطة ومقتضبة عن سمات الإجرائية الدوالية في متون قصائد المجموعة، والتي أخذت تكشف لنا بالوقائع النصية عن علاقات دلالات القصائد المحملة بطبيعة مركزة في جمال اللغة ونصاعة الأسلوب الشعري المتاح في مجال نصوص المجموعة عبر كامل وظائفها التي لا تتوقف على مسارات الشعرية الآنوية من مساحة لغة الشاعر الذاتية، بل أنها ذلك الخطاب الحلمي في الزمن واللازمن وعبر مقترحات ذلك البديل العدمي من جدوى تحاورية وجودنا النسقي على شاشة الوجود أو اللاوجود في ذاتية الأشياء المصورة في مضمر القصيدة .

 

حيدر عبد الرضا

 

احمد عواد الخزاعيبمعزل عن عناصر الرواية الرئيسية، التي يستمد القارئ منها معطيات النص ودلالاته، كتب سعد سعيد روايته (فيرجوالية) لتكون نصا حكائيا مجرداً، يشكل الحوار عموده الفقري، بغياب عنصر الزمان، الذي يلعب دوراً مهما في بناء النسق الحكائي وتسلسله، وعنصر المكان المسؤول عن منح القارئ منصة لرؤية الاحداث والتفاعل مع بيئتها، اضافة الى افتقادها اهم عنصر في السرد الروائي وهو (الحدث الحقيقي)، الذي يشكل قطب الرحى الذي يدور حوله النص ويستمد منه شرعيته ووجوده. كل هذا الارباك الذي احدثه سعد سعيد في ابجديات السرد الروائي، هو بالمحصلة لا يشكل مثلبة عليه، بقدر ماهو ايذان بولادة اسلوب سردي حداثي، يمكن ان يتواكب مع التطور الحضاري والتقني الذي يشهده العالم، برؤية فنية تفاعلية تستمد ادواتها منه، فهو نص افتراضي غرائبي غير واقعي في معطياته وبواعثه، ينشأ من حصول عطل في حاسوب روائي، ينتج عنه حوارات جدلية افتراضية بين الكاتب ووحدة (SSR2981957-TS) في الحاسوب والتي لم تخلو هذه الجدليات من حضور المنطق والفلسفة فيها.. (SSR2981957-TS  لا يفهم معنى كثير من الكلمات يستخدمها بشر مثل فلوس جنس، انثى، رجل، امرأة، شرف، اخلاق، مبادئ وغيرها) بعد هذا الحوار بين انس حلمي مع وحدة SSR  في الحاسوب، والذي يطلق عليه اصطلاحا (السرد الكاذب) كون احد طرفي الحوار ليس له وجود حسي على ارض الواقع..  تقرر وحدة  SSR الحاسوب بأن تنشر كل حوارات الروائي انس حلمي على مواقع التواصل الاجتماعي (قرر SSR2981957-TS  ان يستعيد معلومات محذوفة وينشرها على موقع حقيقة حيث تعود بشر مدير انس حلمي ان ينشر بعض ما يكتب). هذا الحوار الافتراضي الكاذب، يفتح للنص مدخلاً اخر اكثر صدقاً من سببيته، عندما يبدئ جهاز الحاسوب باستعراض حوارات انس حلمي مع مجموعة من اصدقائه والذين كان معظمهم من النساء، وهنا يبدئ  سعد سعيد باستخدام ادواته الفنية والمعرفية في صياغة شخصياته وميولها وافكارها وتناقضاتها، بغياب البعد السيميائي عن النص وتفاعلاته البيئية (تأثيث مكان الحدث) و(التشيؤ: اي ارتباط الابطال بالمكان وتأثيراته النفسية والسلوكية عليهم).

سبع شخصيات مختلفة (بيئياً ومعرفياً وثقافياً ونفسياً وسلوكياً) اتجاه ثابت معرفي وثقافي ونفسي واحد هو (انس حلمي)، الذي اشار النص في بعض محطاته على انه الروائي نفسه، وذلك بذكر أسم روايته محل النقد (فيرجوالية) وهذا اشعار تطميني للقارئ لإيقاعه بما يعرف ب(وهم الاقناع) اي حضور الروائي في نصه.

حوارات مطولة واخرى مقتضبة، وانتقالات سردية سريعة بين هذه الحوارات، التي تنوعت بين شاخصين رئيسيين هما (الثقافة والجنس) مع الحفاظ على بؤرة علائقية مركزية، هي علاقة البطل انس حلمي مع (روح هائمة) والتي سعى الروائي الى انتشال هذه العلاقة من واقعها الافتراضي الى الوجودي، حين اقدم بطله على السفر الى استراليا لرؤيتها، بعد ان عرفت بطبيعة علاقته الجنسية مع قريبتها ميساء، في انتقالة سردية عمودية، غريبة ومفاجئة تقاطعت مع افقية النص ونسقه الحكائي، الذي اخذ منحاً حوارياً افتراضياً هو اقرب الى ما يسمى ب(مسرح العبث)، فأنتقل النص من التعاطي مع العالم الافتراضي وبواعثه النفسية وتأثيراته على سلوك الانسان المعاصر، الى الحديث عن اخلاق ومبادئ البطل انس حلمي، الذي رفض ان يمارس الجنس مع روح هائمة، لتعارض هذا الفعل مع مبادئه واخلاقه وقيمه السامية.. لكنه برر هذا العمل على لسان بطله في حوار لاحق بينهما :

2175 سعد سعيدروح هائمة :لكن أعبرت المحيط الهادئ لتبقى ثلاثة ايام فقط هل انت مجنون؟

انس حلمي: لقد اخبرتك منذ البداية

روح هائمة: مالذي اخبرتني به؟

انس حلمي: انني مجنون

ربما فسرت مفردة (مجنون) الكثير من التذبذب الذي طال شخصية البطل انس حلمي، وتأرجحها بين (الرذيلة والفضيلة، العهر والشرف، الصدق والكذب، المكر والنبل)، وما يفسر جزء من هذا التذبذب، هو الاطار الحكائي العام الذي منحه صفة (الصياد) في العالم الافتراضي الذي زج نفسه فيه هربا من مشاكل زوجية معقدة.. لكنه حاول ان يظهر خلاف ذلك، بلعبه لدور الضحية بين الحين والاَخر، كما في طبيعة علاقته مع (ميساء) التي لقبها بالعاهرة، حين خطط والح عليها لاستدراجها الى لقاء حقيقي كي يمارس معها الجنس، وعندما تحقق له ما اراد، استنكر ما حصل، والقى باللوم عليها .

(فيرجوالية)  نص رائد في عالم السرد الروائي، لانه انتهج التجريد كأسلوب حداثوي، متعكزاً على ركيزتين أساسيتين:

اولا: العنوان الغريب (فيرجوالية) الذي اشار الروائي الى معناه من خلال حوار ثقافي بين انس حلمي وروح هائمة :

- اهلا بك في العالم الافتراضي في الفيرجوالية

- ماذا ؟

- الفيرجوالية هي كلمة من اختراعي مأخوذة من (virtual world) وهي تعني العالم الافتراضي.

لكن هذا المصطلح العلمي التقني الذي استنبطه الروائي من مفردتين انكليزيتين، هو قريب من حيث اللفظ والمغزى من مصطلح طبي يسمى (متلازمة فيرجولي): وهو نوع من الاضطرابات النفسية النادرة، التي توهم الشخص أنه يرى جميع الناس شخصًا واحدًا، فأي شخص يقابله سواء يحبه أو يكرهه هو نفس الشخص.

وهذه المقاربة التي ربما تكون قد حدثت مصادفة في العنوان، هي مماثلة لجزء من السلوك النفسي للبطل، الذي اعتمد على الشك والريبة والميل الغرائزي مع كل المتحاورات.. لكن يبقى ما اشار اليه الروائي في تعريف العنوان هو الأساس في تعاطينا مع النص وعنوانه.

ثانيا: العالم افتراضي، الذي زج الروائي ابطاله فيه، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ونوافذه التي تتيح للمستخدم التحاور مع الاخرين بكل حرية، وتجريد النص من كل ادواته الفاعلة والمؤثرة، التي تشكل دعائم رئيسية للفن الروائي التقليدي، واعتماده على الحوار فقط في ايصال ما يريد، مستخدماً لغة حداثية، وهي الاداة الوحيدة لدى سعد سعيد في ادارة النص، والتي اتسمت بالبساطة والذكاء في انتقاء المفردات، ومراعاة المستوى الثقافي والمعرفي للمتحاورين، وحضور الاصطلاحات الحداثية العلمية والتكنلوجية المعاصرة، وكان يجب ان يبقى النص في هذا الاطار الافتراضي التجريدي، ومنعه من الانزلاق الى الواقع الفعلي، كما حدث في علاقة البطل مع روح هائمة، وتطور هذه العلائق الافتراضية بدافع غرائزي منفلت، لكن الروائي اعادة النص الى واقعه الافتراضي التجريدي من خلال الخاتمة، التي مثلت حوارا افتراضيا كاذبا بين وحدة SSR وبين انس حلمي، عَبر حوار فلسفي يعي جيدا ازمة الانسان المعاصر في هذا العالم المادي وسطوته عليه:

- يا مسكين هذا الذي لن تستطيع اتقانه ابدا ولذلك ستبقى مجرد الة

- قلت لك اني لست بالة

- كائنا ماكنت انت لست بإنسان ولذلك لن تفقه المنطق الحقيقي

- لم افهم ما تريد قوله

- ولن تفهم .. فالإنسان يستطيع ان يخرق المنطق احيانا ومع ذلك يبقى بأمان.

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

جمال العتابيعمار المسعودي يمتلك أفقه ولغته الشعرية المميزة بإسلوب يعرفه، شديد الإخلاص له، المسعودي ابن (الصلامية) إحدى قرى الحسينية في كربلاء، كتب أول قصيدة له على كيس سمنت، كان أبناء القرية يقرأون للسياب والجواهري، ويقرأون الروايات ويتابعون الأحداث السياسية بعد إعلان الجمهورية الأولى في تموز 58، أولئك الذين تأثروا بالإنفتاح على حركة التجديد في الثقافة العالمية، تركوا بصماتهم على أجيال لاحقة، ومنهم عمار المسعودي، فأصدر مجموعته الشعرية الأولى في بداية التسعينات، وتلتها مجاميع أخرى، آخرها ديوانه الشعري، (عمار المسعودي يزرع بهجته) عام 2017.

هنا تتحول القرية إلى رمز لعالمه الخاص، عالم الروح والعقل، وحتى الخلود، فالشاعر في كل قصائده الوصفية لهذا العالم، يستعين بالمشهد الواقعي اليومي مادام يفيض بالحيوية من حوله، والقصيدة طافحة بالبراءة والبساطة والنقاء بنفس غنائي دافيء، والمتتبع لقصائد المسعودي يجد للطبيعة وجوداً سحرياً ، وأصبح هم الشاعر أن يجمع المكان والزمان والأشياء في لحظة الحضور الأزلي، فإزدحمت قصائده بالتفاصيل و عناصر الطبيعة الساحرة من حوله، ونثر أسماء القصائد موزعة على الأ شجار والفاكهة والمياه والحقول والريح والنخيل والأرض والأقمار والسماء، وأسراب الطيور، والندى والعطش وكأنها أقواس قزح مفعمة بالصور والألوان، والأنغام الصافية، إذ لا تكاد قصيدة واحدة في الديوان تخلو من هذه المفردات.

ان قوةً ما تتملك المسعودي تجد قرينتها في مرتع الطفولة التي ما تزال تشغل كل ركن من أركان وجوده، انه يدرك ما يكتب سوف يرتبط بلا شك بأجمل الأشياء، حين يجدها مصدراً لسعادته وكما يختار، وثمة لغة يحتفظ الشاعر بأسرارها لا تتوفر لشاعر آخر :

لو أني من أوراق وأغصان وأشجار فقط/لكان سهلاً علي أن /أبوح بأسراري عن هجرة الطيور

وفي قصيدة عناصر خالدة يقول:

لا أبحث عن الإرتواء/ما يشدني هو العطش، لأختبر شفتيَّ/لأراقب ما تهرّبين من المطر.

ثمة ساحر خفي يحول الاشياء الى نقيضها أو ينقلها من حال الى حال، هذه الطاقة والإنفعالات لا تلبث أن تجد لها متنفساً في الطبيعة للتعبير عن حرمان من لذة الحب، فإستطاب هذا الحرمان.

يميل المسعودي الى الإيجاز باللفظ، إلى حد الإكتفاء بالإشارة، مقتصد في التعبير، القصيدة لديه تكاد تتحول إلى نقش مختصر أو رسالة مكتوبة على جناح طائر،

لنتأمل (فاكهة لبهجاتي) :

لا أريد أكثر/من أن أغني/لهذه الأنهار/أن أخضرَّ/

بدلاً من عشبة نائية/أن أهدأ/صخبي صار /يؤلمني

وفي قصيدة أخرى يتصاعد الإيجاز والأقتصاد في اللغة:

أنا ريح/لا تحسن /إصطياد/النوافذ

عمار في أعماقه إنسان وحيد، متواضع، حبيس داخل ذاته، يحب الجمال، فهذه الصور المكثفة البسيطة تشيرالى واقع خفي وراء الواقع المرئي الملموس، مستسلم لإغراءات الطبيعة المضنية، لا يتردد أن يدخل ذاته في القصائد كلها:

(سألني، هنائي، راح عني، خرج مني، رماني في جب، لا تلمني، كلمني، يحيط بذاكرتي، انا عاشق نخيل، صرت طيراً منه، أودعني في بهائه، أتفقد أبي، أحلم ان اكون غنياً، أنا أنزل، اتقطر حزناً، أنا أقرب إليك، من الهامش أنا، أنا حفنة ماء.....).

وهناك عشرات الأمثلة، في قصائد المسعودي غارقة في ( الأنا)، لكنه سعى إلى خلق حالة من التوازن والإنسجام في محاولات ونداءات لأمل وحلم، تعبيراً عن إنتماء شاعر عاشق لوطن فالأنا في نهاية المطاف ليس موقفاً عدمياً خاسراً، لأنه عاش أبعاد المأساة بحرارة وصدق، تمثلها في قصائد(أملأ من عناقيده، عبث، أستبدلها بشجرة، لا أصلح للهجرة، أبني وحياتي تتهدم، وغيرها)، في هذه القصائد، تتحول اللغة إلى التزام بالعالم والإنسان، لاتفقد حدودها الجمالية في الصدق بمعناه الفني الرحب لأن صدمة الكارثة أقوى من هذا التيار الهاديء، والمشكلات أعنف من أن تقنع بالقيم الجمالية والأشكال الفنية المحكمة:

أبني وطناً /أسوِّره بالشموع /مرة وبالدموع

في فهرس الأمنيات يخفي إحتجاجه على فوضى العالم وراء الحزن والإكتئاب، وهو في النهاية حزن يوجهه العقل الناصع والوعي الدقيق، الشعر عنده هنا ملتزم، لا بالمعنى الذي تردده الألسنة دون إحساس، إنه شعر يشارك معاصريه آلامهم :

ليتني أنتمي لهذه الأسيجة

تلك التي نزفت على صلابتها/أعظم لحظاتي

صفوفاً في مدارس /حصوناً في سجون

ان كل شيء في شعر المسعودي يبدو واضحاً ملموساً مبتعداً عن الإنفعال، لكنه ملفوف في غلالة شفافة من الرموز والأسرار، وإستطاع الشاعر أن يملأ فراغ الوجود الموحش أو أرضه الحرام المهجورة، لتتحول حياته وتجربته محوراً يعبر عنها في شعره، فأصبح جزءاً من كيانه الشعري لا ينفصل عن العالم المحيط به، محاولاً التوفيق بين عناصر الخلق الشعري، وكأنه يقول :ليس من الخطأ أن تجد الطبيعة طريقها الى الشاعر والإنسان، بل الخطأ أن يفقد الشاعر إيمانه بالحياة.

يضيف عمار عنصر البهجة في أشد الحالات الإنسانية قسوة، وشعره أشبه بحقل كثيف تشابكت فيه الزهور والأشجار والنباتات، تحلق فيه الطيور، ويقطر الندى، وتحولت القصيدة إلى فهرس مفصل بأسماء هذه الكائنات، التي لا تحتاج الى متخصص للتعريف بها، لان المسعودي يقدمها طازجة نابضة بالحياة.

السؤال الأهم، هل يمكن لقصيدة عمار أن تجدد نفسها؟أم تظل تلوذ بإغراءات الطبيعة؟ بما يعني الإستسلام لها، أشد ما أخشاه أن تحتج الطبيعة على الشاعر نفسه، وتبعده عن القصيدة! بإعتقادي ان المسعودي بإمكانه أن يضيف لتجربته عناصر جديدة ومثيرة، تؤكد نضج وعيه الشعري وعمق تفكيره، ان ما تميزت به قصائده من جمال في الأداء والتعبير، وما تمتعت به من طعم شعري خاص، لا تحجب الدعوة الى البحث عن المعنى الإنساني العميق في تجارب المسعودي المقبلة، لتعلن عن نفسها انها فوق المقارنة مع ما سبقها من آثاره الشعرية.

 

جمال العتّابي

 

 

علوان السلمانالنص الشعري.. اشتغال على البنى اللغوية والصورية والايقاعية (الداخلية والخارجية) لما يمتلكه من طاقة ايحائية وقدرة تفجيرية مستفزة للذات الآخر ونابشة لخزانته الفكرية.. باستثمار التداعي والتفاصيل اليومية لاضاءة العوالم المعتمة بالفاظ متوهجة بعيدة عن الضبابية والغموض ببناء درامي متصاعد.. مقترن بالتحولات المجازية والجمالية باعتماده على ممكنات التخييل الخصب واصطياد اللحظة الواقعية ومزجها به من اجل خلق صوره النابضة بمشاعر منتجها..

وباستنطاق النص الشعري (حيرة) الذي انتجته ذهنية  الشاعر الواعية والمترقبة لواقعها يحيى  السماوي  ونسجت حروفه صورا مشهدية مستفزة.. تعنى بالايماءة الخاطفة المركزة التي تقول الكثير من المسكوت عنه بدرامية اتخذت المناجاة النفسية تقنية لها.. مع توافر عنصر الادهاش والابتكار وتجاوز المألوف والجرأة في تناول الوجع الانساني (سياسيا واجتماعيا..) بتوظيف الرمز التاريخي الذي اضفى على النص نوعا من المفارقة:

سـأظـلُّ مـشـنـوقـاً بـحـبـلِ

الأسـئـلـةْ :

 

الـدارُ ثـكـلـى

والـمـديـنـةُ  أرملـةْ

 

وطـنٌ تَـسَـيَّدَهُ الـلـصـوصُ

وعـاقـدو صـفـقـاتِ نـصـفِ الـلـيـلِ

والـمُـتَـجَـلـبـبـونَ بـطـيـلـسـانِ "  الـبـسـمـلـةْ "

 

فـإذا حُـفـاةُ الأمـسِ بـاتـوا الـيـومَ أسياداً

بـأرفـعِ منزلةْ

فالنص يعتمد السرد الشعري كي يرتقي من التعبير الذاتي الى افق موضوعي يتميز بعمق الرؤية التي تتسم بواقعية تسجيلية مع اشتغال على سايكولوجية الذات انطلاقا من معطياتها وسلوكها النفسي وتحولاتها.. اضافة الى ذلك يسجل المنتج (الشاعر) لحظة حركة الواقع ويرصد متناقضاتها باعتماد المشهد الذي ينتزع اللحظة ويسجلها بعناية متناهية بلغة واعية مرتبطة بمشهدية متعاقبة مبنية على الحوار الذاتي الذي عزز عنصر الدراما..ابتداء من العنوان العلامة السيميائية الدالة..والنص الموازيparatexte والعتبة التي تحتضن عوالمه.. والمفتاح الاجرائي في التعامل مع متنه في بعديه الدلالي والرمزي:

حـتـى مـتـى يـبـقـى عـلـى الـتـلِّ الـجـيـاعُ

مُـحَـدِّقـيـنَ بـسـارقـيـهـمْ

مُـكـتـفـيـنَ بِـشـهـرِ سـيـفِ " الـحَـوقـلـةْ " ؟

 

ولِـمَ اسْـتـحَـلـنـا لا نُـمـيِّـزُ بـيـن " حلاّجٍ " وحـجّـاجٍ "

وفـلاّحٍ وسـيّـافٍ

ولا بـيـن " الـحـسـيـنِ " و " حـرمـلـةْ " ؟

 

فـمتـى تـفـيـقُ مـن الـسـبـاتِ  جـمـوعُـنـا

الـمُـسـتَـغـفَـلـةْ !

فالمنتج(الشاعر) يحاول تحفيز الوعي الانساني مع تركيز على موسقة الالفاظ الموحية والتراكيب الجملية المكثفة التي تكشف عن الجوانب النفسية من خلال حوار الذات..فضلا عن تنمية الاحساس الوجداني والفكري من خلال الصورة الشعرية  التي تقوم على آليتي (المكونات والسمات) من جهة ومن جهة اخرى تجاوزها الى ما هو بياني ومجازي ضمن بلاغة الانزياح والخرق الجمالي وهو يجمع ما بين الحسي والذهني بتشكيل بصري..ونبر ايقاعي جاذب ورؤية واعية مبنى ومعنى..ناثرا تفعيلاته للاقتراب من الحداثة الشعرية..القائمة على الاستدلال باعتماد تقنيات فنية واسلوبية كالتنقيط دلالة الحذف والاستفهام التحريضي الباحث عن جواب مع توظيف الرمز الذي يسهم في تصعيد التكنيك الشعري وتوسيع مديات التجربة الشعرية باستدعاء المستهلك(المتلقي) لتحريك ذاكرته والكشف عن ابعاده الفنية والانسانية.. اضافة الى اتصافه بالتعابير السردية(الحدث والشخصية والحوار بشقيه(الذاتي والموضوعي)..فضلا عن اعتماده خطابا سرديا يتسم بالواقعية التسجيلية المتميزة بالحركة مع اتساع جغرافية المكان البؤرة الثقافية الراصدة للموقف الاجتماعي..

وبذلك قدم المنتج (الشاعر) نصا شعريا شكل دفقة شعورية موجزة العبارة متميز بانسياب صوره المتوهجة مع تركيز على الانزياح والدلالة..باعتماد رؤية متشابكة بينه والواقع بكل تمفصلاته الخالقة لمشهد  ينتزع اللحظة ويسجلها بعناية متناهية مبتدءا بضمير المتكلم من خلال حوار ذاتي وحركة الزمن الخفي..

 

علوان السلمان

 

 

ناجي ظاهرتعيدنا رواية "رحلة الهامي الى الموت"، للكاتب اليوغسلافي رشاد قاضيتش، الى فترة تاريخية عصيبة من التاريخ الوغسلافي في منطقة البوسنة والهرسك خاصة، وتقدّم صورةً للشيخ الشاعر المسلم التقي النقي، ما يذكرنا بشخصية جان فالجان المليء بالقيم العليا والايمان المسيحي الحقيقي، في رواية البؤساء للكاتب الفرنسي ذائع الصيت فيكتور هيجو.

صدرت الترجمة العربية لهذه الرواية بعد ان قام الدكتور جمال الدين سيد احمد، بنقلها الى العربية، عن دار سعاد الصباح عام 1993، ولعلّ هذه مناسب للإشادة بهذه الدار وبدورها الرائع الذي قامت به في رفد الادب العربي بروائع من الآداب الاجنبية المترجمة، وبروائع من ادبنا العربي ايضا، ومن المؤسف ان تتوقّف دار نشر بهذه العظمة وهذا الالق، لتكف عن عطائها الثرّ ولتختفي بالتالي تاركةً افضل الاثار والذكريات، اما صاحب هذه الرواية رشاد قاضيتش فانه من ابناء العاصمة اليوغسلافية سراييفو، وقد ولد عام 1912، وابتدأ حياته الادبية وهو لمّا يزل على مقاعد الدراسة وكان نتاجه الاول في الادبيات الدينية فكتب قصيدة اشتُهرت وطُبعت في بلاده اكثر من عشر مرات في مدح الرسول العربي. عمل في الصحافة ردحًا مديدًا من عمره.

صدر له عددٌ من الروايات حملت اولاها عنوان " الرسالة الاخيرة لباشيسكي"، تلتها رواية حملت عنوان " الحاج لويو"، وفاجأ قراءه بين عامي 1960 و1070 بإصداره عشر روايات من ادب الخيال العلمي، وتُعتبر روايته " رحلة الهامي إلى الموت" التي نتحدث عنها، من اشهر رواياته وقد استلهمها من احداث التاريخ الماضية، واسسها على شخصية تاريخية معروفة في بلاده عاشت ذاتها بصدق وواجهت مصيرها المؤسي بسبب قصيدة احتجاجية نقدية، وجهت فيها سهام نقدها الى مستعمري بلادها من الاتراك، علمًا ان هؤلاء حكموا تلك البلاد منذ بداية القرن الخامس عشر حتى اواخر القرن التاسع عشر، واتصف حكمهم بالفظاظة والقسوة، وهو ما يتطرّق اليه كاتبُنا في العديد من المواقف والاحداث في روايته هذه.

الهامي هو إمام مسجد يكتب قصيدة يصف فيها ما رسفت فيه بلاده من ظلم الاتراك يقول فيها:

حل زمانٌ غريب/ اصبح كل شيء شرًا/ ماذا نتوقّع بالله عليكم؟

لقد تلاشت الطاقة/ اصبح كل شيء سيئًا/ اختفى الناس الطيبون/ ماذا نودّ بالله عليكم؟

ليس هناك عملٌ للتركي/ فقد طمس الظلم العدل/ وأبيدت العدالة.

تبلغ اخبار هذه القصيدة الحريفة مسامعَ الوالي التركي ويُدعى الجيلالي، فيبعث في طلب الهامي، فما يكون من هذا إلا ان يستجيب لدعوته فيسعى إليه في بلدته البعيدة، وهو يعرف انه سيلاقي هناك حتفه. يشرع الهامي في رحلته ويتعرّض لأحداث تُرينا كم هو رجلٌ طيب وانسان منزّه ويمكن اعتباره قدوةً طيبةً لكل من يعرفه ويلتقي به، حتى انه يعطف على كل من يلتقي به، فيقدّم الطعام لكلبةٍ تلد ويوصي من يلتقي بهم من الغجر بها خيرًا، ويقدّم جبّته الجديدة نوعًا ما مستبدلًا اياها عن طيب خاطر ومحبة في العطاء مع امام اخر يلتقي به وينزل ضيفًا معزّزًا مكرّمًا عنده. الرواية حافلة بالكرامات الانسانية التي تذكّرنا بالأتقياء والصدّيقين وتعيد مآثرهم الانسانية الصغيرة في حجمها الكبيرة في معناها الانساني، واعتقد ان هذا أحد اسباب إقبال القرّاء عليها، اضافة إلى ان الرواية مكتوبة بقوة تخييلية تخلق زمنها الروائي وبالتالي احداثَها الخاصة بها.

حتى عندما يصل الهامي ويقف في حضرة الجيلالي فانه يرفض شفقته عليه ويصرّ على احقيته في قول رأيه في وجه الوالي الظالم، ومن وقف وراءه في العاصمة التركية، المقصود الامبراطور التركي تحديدًا. اللقاء بين الاثنين الهامي والجيلالي يرينا كم هو قوي من يعتقد أن الحق إلى جانبه وكم هو ضعيفٌ من ينفّذ الاوامر فحسب. وتنتهي الرواية بأن يتمّ اعدامُ الهامي لينضم إلى قائمة الاتقياء والصدّيقين، في حين يلقى الوالي الجيلالي مصيره المتوقّع فيموت شرّ ميتة، وسط اعتقاد البعض أنه إما انتحر او مات مسمومًا.

اللافت في هذه الرواية، إضافةً إلى ما سبق وقيل، هو هذا الاصرار على الحقّ والايمان به عملًا لا قولًا فحسب، وما يثير الاعجاب بشخصية الهامي هو هذا الايمان العميق بعدالة قضيته، والجرأة في مواجهة قدره ومصيره، ذلك ان اكثر من فرصة للنجاة تتوفر للهامي خلال رحلته إلى الموت، إلا أنه يرفض أن يفر ويفضّل المواجهة، بالضبط كما فعل سقراط عندما فضّل شرب كاس السم وما فرّ.. ليتحوّل إلى ايقونة يفاخر شعبه بها ويرفعها عاليًا كلّما لحقت به المصائبُ وحاقت به المحن.

"رحلة الهامي إلى الموت"، رواية ادبية ترقى إلى مستوى إنسانيٍّ رفيع.. ويمكن قراءتُها في كل زمانٍ ومكان، مع أنها استمدّت أحداثها الأساسية من حادثةٍ واقعية.. فقد مكّنها التخييل الخلّاق من دخول ملكوت الرواية باقتدارٍ ودراية.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

جمعة عبد اللهبراعة في فن السرد وتقنياته في تسليط الصورة على الواقع الاجتماعي، بمفرداته الظاهرة والباطنة، في براعة الكشف الرصين والهادف، بالفهم العميق لتفاصيل الواقع الاجتماعي . في النظرة الراصدة في العمق، وفي الصياغة الواقعية للخيال المتخيل الفني في صياغة الحدث واغناءه بالتعبير الدال، بالمواضيع والقضايا الحساسة، التي تحرك دفة الحياة الاجتماعية، في اطار السرد الفني وبراعته في الكشف الواضح . هناك مثل شائع يحمل وجاهة محترمة في الرأي، يقول: لا يعرف عالم المرأة إلا المرأة، في الخبرة والتجربة والمعاناة، ومن هذا الانطباع تنطلق الكاتبة (زهرة الظاهري) من هذه الفرضية في عالم المرأة، لتصوغ موضوعاتها بالتناول بجوانب شتى ومتعددة بما يخص عالم المرأة ومحيطها المكون الداخلي والخارجي، في التناول والطرح بكل جرأة . بهذا الشكل جاءت المجموعة القصصية (مواعيد آثمة)، في دقة الرصد والملاحظة والنظرة الفاحصة لجوانب الحياة الاجتماعية . وكل نص سردي يملك خصوصية، في الموضوع والحدث، لتشكل المرأة المحور الاساسي من خلال ثلاثين نصاً قصصياً احتوتها المجموعة القصصية . تحمل حكايات سردية، وتحمل أثارة وشحن في نسيج الصياغة في السرد الشفاف والمشوق، وقد تطرقت الى مواضيع شتى . موضوعات . الحب وشجونه ومشاكله بين الحلم والطموح، بين البراءة والخيانة، بين الوفاء والتنصل . موضوعات الاغتراب الحياتي داخل المرأة . وكذلك قضايا الحب المحرم في تعاطي الدنس والرجس المحرم . كذلك مواضيع في غاية الاهتمام النفاق السياسي بالمتاجرة والمخادعة . يعني يمكن القول بأن المجموعة القصصية (مواعيد آثمة) تمثل بانوراما اجتماعية، تدور احداثه بصخب وضجيج الحواس بالمشاعر المرأة . ولكنها في النتيجة، تؤدي الى الاحباط والخيبة والانكسار. لابد أن نأخذ عينة من هذه البانوراما الاجتماعية:

 1 - قصة (مساحة الحلم): تعودت ان تطل من شرفتها في الوقت والموعد المحدد، لتطل على زواية معينة من الشارع، فتجده واقفاً يدخن سيجارته، ويتبادلان النظرات الصمت بينهما . ولكن فجأة اختفى عن وقفته المعهودة . وانطفئ ضجيج الأمل بسرعة، كأنه حلم برق وتلاشى .

2- قصة (رسالة أخطأت عنوانها): تبادلا الحب والعشق معاً، واصبحت هذه الكلمات طرية معتادة على الشفتين (أعشقكِ) و(وكم احبكَ) وكان يراهنان على حبهما بالصمود والبقاء . وكأمرأة عاشقة يأخذها الحلم في البعيد، بالحب المطرز بالازهار الموعودة . ولكن حينما هاجر ورحل، ترك حبه في سلة النسيان . ويبخل عليها حتى في ارسال رسالة واحدة .

3 - قصة (رئيس الحزب) كل اهتمامه منصب بمشاغله السياسية والحزبية . ولم يعر أية اهمية الى البيت الاولاد الزوجة . مما يصبح البيت عبارة عن اغتراب كل واحد في مشاغله الخاصة وعالمه الخاص، منفصلاً عن الآخر، الاولاد في حواسيبهم وهواتفهم الذكية، الام في مشاغلها الخاصة الزينة والعطور والمواعيد النسائية، . كأنهم في بيوت منفصلة عن بعضها البعض . الزوج يبحث عن مركز سياسي وحزبي مرموق . الاولاد في مشاغلهم الخاصة، الام في مشاغلها الخاصة في ظل هذا الزيف الحياتي .

4 - قصة (مواعيد آثمة) حملت عنوان المجموعة : تشعر بوطئة الوحدة ووحشتها على الحواس وضجيجها في البيت الزوجي، الزوج بعيداً عن الحنان وترف بالحب، وتحول البيت عبارة عن اعلان وجبات الطعام يعدونها الطباخين في البيت العامر في امكانياته المادية والمالية الوفيرة، لكنه فقير جداً في امكانياته الروحية . تشعر بثقل هذا الواقع المؤلم وتراودها خواطر في كسر اغلال هذا الطوق الثقيل والمرهق، بأن حياتها اصبحت منسية ضمن جدران البيت، وتفكر بكسر هذا الطوق، في المضيء في طريق مواعيد أثمة . لانها وصلت ان تختار الموت افضل من الحياة التي تعيشها . لكن يؤنبها ضميرها في الاخلال بالوفاء الزوجي . وتشعر بالندم، وتسير مرفوعة الرأس رغم ضجيج الالم ونواح الحياة، فلم تفرط بالحب والوفاء .

5 - قصة (خلف الابواب الموصدة): تتناول مسألة غاية الاهمية والحساسية في واقعنا الاجتماعي . أفراد العائلة (الاب والزوجة والابن والابنة) في غرفة واحدة وعلى فراش واحد . زوجها مفتون بالشبق الجنسي، رغم معارضة زوجته، بأن تقول له دع الاولاد ينامون اولاً حتى لايسمعوننا، ولكن لم يرضخ لطلبها، مما تسمع الهمسات والاهات الجنسية يسمعها الاخ واخته . ويتحرك الاخ ليلتصق بشقيقته، في عممة وهمسات جنسية، ويلتقطها الاب هذه الحركات المريبة، وينتفض بعنف ويزيح غطاء الفراش، ليجدهما بالفعل المدنس .

6 - قصة (الوطن): تمثل الازدواجية المنافقة والمزيفة بالتعامل السياسي المخادع . يصدح في خطاباته الرنانة للوطن والنضال والشهادة والكبرياء الوطني، والايمان بقول الحق والعدل ليزهق الباطل . ويلهب الجموع الغفيرة بالحماس والتصفيق الحار على اناشيد الوطن المفدى . ولكن هناك أمرأة تتسلل من بين الحشود الغفيرة عبر الزحام، تأخذ مكبر الصوت وتلهج في كلامها وسط صمت القاعة والجمهور الحاشد (كيف لرجل لم يحفظ عهد أمرأة أن يحرس وطناً ؟ كيف لرجل عض اليد التي أنتشلته من براثن العتمة الى حيث يصدح النور، أن تستأمنوه على وطن ؟ كيف لرجل وعد ونكث كل العهود أن يبرم تصالحاً مع الوطن ؟ كيف لرجل له مكر ذئب خائن أن يصون عهداً ويذود عن الوطن ؟ كيف لرجل تسلق جدار المجد على عاتق أمرة ثم رماها كما يرمي علكة من فمه بعد أن لاكها طويلاً، أن يطهر الوطن من أردانه؟ أيها الشعب العظيم ألا تعلمون أن من خان مرة يخون ألف مرة ؟) .

7 - قصة (الاغتصاب): ثلاثتهم يعيشون في غرفة واحدة (الزوجة والبنت والزوج) الزوجة تزوجت في عمر صغير لم تتجاوز السن السادسة عشرة، ولكن الزوج توفي في حادث مرور، ولم تنجب منه سوى أبنة واحدة . وظلت ترفض الزواج، ولكن بعد ثلاثة عشرة عاماً، تكاثر عليها القيل والقال، حتى بمس شرفها وكرامتها، اضطرت بالقبول بالزواج، رغم انها كانت تصر على الوفاء لزوجها المتوفي في تربية أبنتها . ولكن هذا الزوج، استغل أحدى المرات غياب زوجته بالتقرب الى ابنتها ومحاصرتها من اجل فعل المحرم (الزنى) بهوس معتوه (أريدك الليلة لي . سأكون لطيفاً معكِ . كيف لم أتفطن قبل هذا اليوم لكل هذا الجمال، مالي وأمك التي هدتها السنين والهموم؟) واغتصبها بعنف معتوه، فأستسلمت الصبية الى هوسه الجنسي غصباً عنها بالفجور المحرم . ولكن في الصباح استيقظ الجيران على صراخ ونحيب الزوجة، فقد كانت رقبة البنت تتدلى من غصن الشجرة . وزوجها غارقاً في بركة من الدماء .

 

جمعة عبدالله

 

حسني التهاميليس فن الإبيجراما الشعري مستحدثا في حقل الإبداع العربي، على غير ما اعتدنا في  القصائد المختزلة  كالومضة والشذرة والهايكو التي لم تكن عربية المنشأ. وطبيعي أن تتلاقح  الشعوبُ مجالات الإبداع فيما بينها كما تتبادلُ أساليبَ الزراعةِ والصناعة والتجارة، ثم تبني على ما تأخذُه، وتصنعُ لها ألواناً إبداعيةً تتشكلُ بثقافتِها وبيئتِها الخاصةِ. فن الدراما مثلاً نشأ في اليونانِ وبلغَ ذُرْوتَه في القرنِ الخامس قبل الميلاد، كان سوفوكليس ويوريبيديس وايسخولوس رواد مسرح التراجيديا، وأريستوفان هو المؤسس الأول للكوميديا. ولولا هؤلاء لما نهضَ المسرحُ الرُومانيُ ولَما سمِعنا بعد ذلك عن كتابٍ مسرحيينَ أمثالِ كرستوفر مارلو ووليام شكسبير ووليم بيكيت وجورج برنارد شو وأوسكار وايلد وغيرهم في انجلترا، وموليير وإميل زولا وبلزاك وجون سارتر وغيرهم في فرنسا، ولَمَا ظهرت لنا مسرحياتُ عزيز أباظة و أحمد شوقي وتوفيق الحكيم وعبدالرحمن الشرقاوي وصلاح عبدالصبور وغيرهم.

كذلك فنُ الإبيجرام -شأنُه شأنُ المسرحِ- واحدٌ من الــفنــونِ الـــتي عُرفت في اليونان قديما. تعني كلمة "إبيجراما"باليونانية الكتابةَ المنقوشةَ على القــبور والــتماثيلِ والآنيةِ بعباراتٍ مُختصرةٍ يَغلبُ عليها طابعُ الحكمة. وقد تأثرتْ بالفنون الأخرى مثل الملاحمِ والفن الإليجي والشعرِ الوجداني. برزَ في هذا الفنِ من مبدعي اليونانِ عمالقةٌ وصلوا بهذا الفن إلى مستوىً رفيعٍ، منهم ملياجروس السوري وكاليماخوس الذي كان مَسْئولاً عن مكتبةِ الإسكندريةِ، ثم انتقلت الإبيجراما إلى روما بعدما أَفَلَتْ شمسُ أثينا، تحولت في عصرِ الرومانِ إلى فنٍ أدبيٍ يقومُ بالدرجةِ الأولى على التركيز، ثم ينتهي نهايةً هجائيةً لاذعة. كان النصُ يتكونُ من بيتينِ ولا يزيدُ عن الستةِ أبيات.  كتبَ كاليماخوس العديدَ من إبيجرامات الرثاءِ، كالتي في رثاءِ صاحبةِ هيراكليتوس وهي من أفضلِ إبيجراماتهِ في الرثاء:

"إيه هيراقليطوس، لقد نبأني رسولٌ بموتك وأغرقني في دموعي. تذكرتُ كم من مرةٍ بقينا في قاعة المناقشةِ وطال حديثُنا حتى غياب الشمس واحسرتاه! فأغلبُ ظنى أنك قد صرتِ منذ زمن طويلٍ رماداً واحسرتاه! يا صديقى الهاليكارناسي. لكن تغاريدَ عندليبكِ ستظلُ تحيا بيننا ولن يمسَّها هاديسُ خاطفُ الجميعِ بسوء" (1)

كذلك قدّم إبيجرامات عن الحبِ  كتاب متميزون كجون دون وأوسكار وايلد وأصبح لها سماتُها الخاصة. عرَّف الشاعرُ الرومانسي الشهيرُ كوليردج فنَ الإبيجرام بأنه "كِيانٌ مكتملٌ وصَغيرٌ ... جسدُه الإيجازُ،والمفارقةُ  رُوحُه" (2)

المُسمى العربيُ:

على مدى عصورِ الأدبِ العربي لم يُعرف فنُ الإبيجرام بهذا الاسم، فقد كان يُطلق عليهِ  فنُ التوقيعة خاصةً في العصر العباسي. كانت التوقيعةُ عبارةً موجزة بليغةً، في الغالبِ كان يخُطُها الخليفة أو الوزيرُ أو الوالي رداً على مسألةٍ أو شكوى، قد تكونُ آيةً قرآنية، حديثاً نبوياً، بيتَ شعر، حكمة أو قولاً مأثورا. لننظرْ إلى التوقيعة التي كتبها هارونُ الرشيد إلى صاحب خراسانَ، عندما  بدأت الرعيةُ تشكو منه : (داوِ جُرحك، لا يتَّسع) (3). عبارةٌ مُوجزةٌ لكنها مُعبرةٌ ومُوحية. يذهبُ الدكتور شوقي ضيف إلى أن العباسيين حاكوا ملوكَ الفُرس ووزراءَهم في توقيعاتِهم على ما يُقدمُ إليهم من تظلماتِ الأفرادِ في الرعيةِ وشكاواهم. بينما يذكرُ الدكتور طه حسين في كتابه " جنة الشوك" أنَ هذا الفنَ  لم يكنْ معروفاً في العصرِ الجاهلي أو في صدْرِ الإسلام، لكنه ازدهر بالعراقِ في العصرِ الثاني من عصورِ الحضارةِ الإسلاميةِ، ثم اختفى هذا الفنُ في عصورِ الضعفِ الأدبي. في مطلعِ عصرِنا الحديثِ دأب الشعراءُ على تقليدِ الشعراءِ الجاهليين ولمْ يحْفلوا بهذا النوعِ من الفن.

حفل الشعر العربي  قَبل العصرِ العباسيِ  أيضا بتلكَ التوقيعاتِ، رغمَ أن الشعراءَ لم يضعوا لها مُسمىً أو تعريفاً مُحدداً، مثالُ ذلك بيْتا الحُطيئةِ في هجاءِ نفسِه:

أَبَتْ شَفَتايَ اليَومَ إِلاّ تَكَلُّمًا                  بِشَرٍّ فَما أَدري لِمَن أَنا قائِلُه

أَرى لِيَ وَجهاً شَوَّهَ اللَهُ خَلقَهُ                فَقُبِّحَ مِن وَجهٍ وَقُبِّحَ حامِلُه (4)

وأيضا قولُ بشارَ بن بُرد :

قالوا: العَمى مَنظَرٌ قَبيحٌ ...  قُلنا: بِفَقدي لَكُم يَهونُ

تَاللهِ ما في البِلادِ شَيْءٌ ...  تَأْسَى عَلى فَقدِهِ العُيونُ (5)

وغيرها من أشعارِ كبارِ الشُعراءِ التي تتسمُ بالإيجازِ الشديدِ، وتحملُ في طياتها معاني السخريةِ والهِجاء.

في العَصْرِ الحديث:

كان للدكتور طه حسين السبق في خوض غمار تجربة الإبيجراما الشعرية، حيث قدمَ له في كتابهِ " جنة الشوك" ثم أتبعَ المقدمة بنُصوصٍ نثريةٍ ينفي تطابقَها مع فن الإبيجرام الدكتور ابراهيم عوض، لأنها تفتقدُ للإيجازِ والتكثيفِ، ولم تكن قفلاتُ نصوصِه كـ"النصلِ الرقيقِ"، إنما مضتْ على نحوٍ رتيبٍ خالٍ من المفارقةِ التي هي روحُ فن التوقيعة، نلحظُ ذلك في نصٍ بعنوان " حرية ":

" قال الطالبُ الفتى لأستاذهِ الشيخِ: ألم ترَ إلى فلانٍ وُلد حُراً وشَّبَ حراً وشاخَ حراً، فلما دنا من الهِرم آثرَ الرِقَ فيما بقي من الأيام على الحريةِ التي صحبها في أكثر العمر؟!"

قال الأستاذُ الشيخُ إلى تلميذِه الفتى: أضعفته السنُ فلم يستطعْ أن يتحملَ الشيخوخةَ والحريةَ معا، وأنت تعلمُ أن الحريةَ تُحمِّلُ الأحرارَ أعباءً ثِقالاً".(6)

على الرغم من ذلك، يُحسبُ لعميدِ الأدبِ العربيِ السبقُ في التنظير لهذا الفنِ في عصرِنا الحديث.

يحملُ ديوانُ الدكتور عز الدين اسماعيل " دمعةٌ للأسى .. دمعةٌ للفرح" ملامحَ الإبيجرام الشعري. يتفجر الكتاب بمفرداتٍ شاعرية وصور تتسمُ بالحيويةِ والجمال. تناولت معظم نصوصه عبثية الحياةِ من خلال إثارة أسئلةٍ حائرة متشائمة لا تجد أجوبةً على المطلق:

أعرف أن الجسم النابض يخرسه الموت

يتحول في القبر ترابا

فإلام تؤول ملايين ملايين الأفكار

اللائي كن يجلن قبيل الغفوة

بعقول ملايين الموتى في صمت؟(7)

يعرض النص حقيقة الحياة والموتِ ويكشف عن كنههما، ثم ينتقل إلى تساؤلٍ حائرٍ مُترتبٍ على الحقيقةِ التي كشفها في البيتين الأولينِ، تكتملُ الحيرة وتصل ذروتها في هذا السؤالِ : "فهل كانت لحظة ميلادي المبهم هي لحظة موتي المرجأ؟"

في ( فصل الحجارة) انتقل الشاعر بثورتهِ إلى الهم الإنساني والعربيِ عندما تناول  انتفاضةِ الشعب الفلسطيني، يقول الشاعر في قصيدةِ: " صرخة":

"كان مقدوراً علينا منذُ آلاف السنين

أن يصفونا لكي نصنعَ جدراناً لبيت

أو سياجاً حولَ دار

غيرَ أنَّا اليوم صرنا في أكفِ الأبرياء

صرخةً تصنعُ بنياناً لأمة" (8)

يمتلكُ ديوان "دمعة للأسى .. دمعةٌ للفرح" تلكَ "السِمة الانفجارية في التأمل والدلالةِ والإيحاء" ، ونستشعر في قراءة الديوان بأن عز الدين اسماعيل تنحى كلية عن الرؤية الواعيةِ كناقدٍ بصيرٍ وتراءت له الأشياء فبصرها بعينِ الشاعرِ المهمومِ، وتفجرتْ بداخلهِ جمرةُ المشاعر والأحاسيسِ.

في عامِ 1964 كتبَ الشاعرُ عز الدين المناصرة قصيدةً عنوانها "توقيعات"، قرأها في ندوةٍ أدبية بمقر "الجمعية الأدبية المصرية" بعابدين، في حضور الشاعرينِ صلاح عبد الصبور وعز الدين إسماعيل. توالت قصائدُ التوقيعاتِ في معظم أعمال عز الدين المناصرة الشعرية تحتَ ذاتِ العُنوان "توقيعات". في ديوانه الأول "يا عنبَ الخليل،1968" نجدُ قصيدةَ "نقوش كنعانية"، ينطبق هذا الاسمُ تماماً على المسمى الأجنبي "الإبيجرام" أي النقشُ على الأشياء. يعدُ المناصرةُ واحداً من هؤلاءِ الشعراء الذين كانوا يعشقون التجريبَ للأنماط الغربيةِ وإعادة تشكيلِها في إطارٍ شعريٍ عربي.

لقد استفاد المناصرة من التوقيعات العباسيةِ النثرية وقصيدةِ الهايكو اليابانية والإبيجرام اليوناني. ويرى المناصرةُ أن "كل توقيعةٍ قصيدةٌ قصيرة جدّاً، لكن ليست كلُ قصيدة قصيرة توقيعة". يعتقدُ أن هذا النوعَ  الشعري يرتكزُ على الإيجازِ والتكثيف وعمق المعنى والإيحاء. يمكنه من خلال هذه القصيدة القصيرة أن يوصل للمتلقي رسالةً موحيةً  تثيرُ انفعالاتِه وتحركُ مشاعرَه :

"رجعتُ من المنفى في كفّي خُفُّ (حُنَيْنْ)

حين وصلتُ إلى المنفى الثاني

سرقوا منّي الخفّيْنْ" 1964.  (9)

في قصيدة " هوامش على دفتر النكسة" يقول نزار قباني في هامش "2":

"مالحةٌ في فمنا القصائدُ

مالحةٌ ضفائرُ النساء

والليلُ، والأستارُ، والمقاعد

مالحةٌ أمامنا الأشياء" (10)

تتكون القصيدةُ من عشرينَ هامشاً، كل هامشٍ بمثابة توقيعة تتسمُ بالإيجازِ الشديد وتنتهي نهاية أشبه بالنصلِ الحاداد والخاطفِ على حد تعبير الدكتور طه حسين.

أحيانا تأتي التوقيعة نهايةِ نصٍ طويل يسيرُ في تسلسلٍ وهدوء حتى يحدثُ توتر شعري في جزئية التوقيعة، وهذا هو شرطُ الشعرية. يتضمنُ هذا النوع من التوقيعةُ مفارقةً تُحدثُ الإدهاش والمتعةَ لدى القارئ . لا تكونُ القصيدةُ القصيرةُ توقيعةً إذا خلت من التكثيفِ والإيحاء. تعتبر الإبيجرام من القصائدِ التي تحتاجُ إلى خُصوصيةٍ شديدةٍ في كتابتِها، حتى في قراءتِها، لا يكتبُها إلا كبارُ الشعراء الذين يمتلكون الحِنكةَ اللُغويةَ في رأي  العلامةِ والفيلسوف اللغوي تشومسكي.

لقد دأب كبارُ الشعراءِ خاصةً المجددين منهم على أن ينقبوا عن الأنماطِ الإبداعيةِ الجديدة كي يظلَ صوتهم الشعري متجددا ومتفرداً، رغبة منهم في التجريبُ لأنه أداتُهم الفريدة في تشكيل طريقهم نحو التجديد، معتمدينَ بذلك على تنوعِ ثقافاتِهم وخبراتهم الحياتية. لعلَّ من أهم الأسبابِ التي دفعت طه حسين وعز الدين إسماعيل وعز الدين المناصرة إلى التشبثِ بقصيدة الإبيجرام، تلكَ التحولاتُ الفنية والفكريةُ في تجربتهم الإبداعية، رغبتُهم في التخلصِ من المُباشرةِ والخِطابيةِ إلى الإيحاءِ المُكثفِ، وحرصُهم على مجاراةِ نمطِ عصرِنا المُتسارعِ والمُتشابكِ. يعُبرُ الشاعرُ يوسف الخال عن هذا التوجهِ بقولهِ: «نحنُ نجدّد في الشعر، لا لأنّنا قرّرنا أن نجدّد، نحنُ نجدّد لأنَّ الحياةَ بدأت تتجدّد فينا، أو قُل تُجددنا. " (11). لم تعد القصيدةُ المُطولةُ في ظلِ الأحداثِ المُتواترةِ التي لا تسْمحُ للقارئِ إلا بقدرٍ ضئيلٍ من الوقتِ لالتقاطِ أنفاسِه للقراءةِ والإطلاع. لذا ارتأى الشعراءُ مجاراة هذا الإيقاعَ السريع اللاهثَ اعتقادا منهم في أنه الأنسب للذائقة العصرية وأنه  سينطلقُ بهم إلى آفاقٍ رحْبةٍ يُعبِّرون من خلالها عن انفعالاتِهم بشكلٍ مُقتضبٍ ومُوحٍ بعيداً عن التأنقِ اللفظيِ والابتذال. بالإضافة إلى أن معظم الألوان الشعرية القصيرة يجمع بينها عنصر المفارقةِ التي تثيرُ ذهنَ القارئ وتحركُ عاطفتَه ودهشتَه.

الإبيجراما والومضة:

لفنِ الإبيجراما سماتٌ متعددةٌ، منها الجنوحُ إلى واقعيّةِ المضمونِ الشعري، الإيجاز اللفظي مع التّكثيف الدلالي، البساطةُ في التركيب البنائي للنص، الدهشةُ المنبثقةُ عن المفارقة، وإحداثُ فجوة توترٍ شعري قادرةٍ على التأثيرِ في المتلقي. تلك الفجوةُ سِمةٌ شعريةٌ، لا نكادُ نجدُها إلا في النصوصِ المُبدعةِ القادرةِ على التحليق. من الواضح أيضاً أن الذاتَ الشاعرة في التوقيعةِ تتجسدُ عبر الضمائرِ الدالة علي ذاتِ الشاعر، كما نلحظُ حضور الأسطورةِ بكثافةٍ داخل القصيدة عن طريق المزجِ بينها وبين الأحداثِ المُعاصرةِ المُرتبطةِ بالواقعِ الذي يُحيطُ بالشاعرِ ويشكّل عالمَه وتجربتَه ورؤيتَه الشِعريّة.

هناك نوعٌ من القصائدِ القصيرةِ لا تكونُ نهايةَ مقطع يطلقُ عليها "قصيدةُ ومضةٍ مُكثفة، خاتمتُها مفتوحةٌ على تأويلات تُمثلُ مُفارقةً شعرية"،هي أشبَهُ بالبرقية، تقدمُ صورةً واحدة أو انطباعاً واحداً باقتضابٍ شديدٍ، يهدفُ الشاعرُ من خلالِه إلى إحداث تأثيرٍ جمالي لدى المُتلقي. تُقدم هذه القصائد لقطةً سينمائية درامية تهتم بالإيقاع الموسيقي في التشكيل الفني". لقد عرَّفَ الشاعرُ عز الدين المناصرة الومضة  بأنها "قصيدةٌ قصيرةٌ مكثفة؛ تتضمنُ حالةَ مفارقةٍ شِعريةٍ إدهاشية، ولها خِتام مُدهشٌ مفتوح، أو قاطعٌ حاسمٌ، وقد تكونُ قصيدةً طويلةً إلى حدٍّ معين، وتكونُ قصيدةَ توقيعة إذا التزمت "الكثافة والمفارقة، والقُفلة المُتقنة المُدهشة" (12)

تعتبر الومضةُ الشعريّة تصويراً للحظةٍ أو مشهدٍ يعبرُ عن إحساس شعريّ خاطفٍ يمّر في مخيلةِ الشاعرِ  فيصوغُهُ بألفاظٍ قليلةٍ وموحية. تعتبر قصيدة الومضة وسيلةً من وسائل التجديد الشعري، أو شكلاً من أشكال الحداثة التي تعبرُ عن روح العصر بتشابكاته وتعقيدات أحداثه. تكون الومضة ملائمة للروح العصرية، لأنها تنجحُ في التعبير عن هموم الشاعر وآلامه، كما أنها تلائمُ في شكلها مبدأ الاقتصاد الذي يهيمنُ على حياتنا اليومية. ساعد على نشوءِ هذا النوع من الشعر ورواجهِ ذلكَ التحولُ الفكريّ والفنيّ والإطلاع على الأنماط الشعريةِ الأجنبيةِ. على الرغم من أنَّ قصيدة الومضةِ أو التوقيعة تفتقرُ إلى عُنْصري الوزنِ والقافيةِ، إلا أنَّها تُبقي على الإيقاعِ الداخليِ الذي يتشكلُ في نسيجِ اللغةِ وتناغم المعانى.

مختتم

لم يقتصر شعرُ التوقيعة في الأدب العربي على التجاربِ الإبداعية التي قدمها طه حسين وعزُ الدين اسماعيل والمناصرة ولا حتى على توقيعاتِ محمود درويش وأحمد مطر ومُظفر النواب ونزار قباني، لكِنَّ مُعظمَ كتابِ قصيدةِ النثرِ آثروا هذا الفنَ الشعريَ، لاحتوائه على حقولٍ دِلالية متعددةٍ يمكنُهم التعبيرُ عنها بشكلٍ مُوجزٍ ومُوحٍ يُدخلُ القارئَ في حالةٍ من الدهشةِ من خلالِ المفارقةِ التي تُحدث نوعاً من التوتر الشِعري، تجعلهُ في تأهبٍ دائمٍ للوُلوجِ إلى عالمِ الشاعرِ، وتقصي أبعادِ النص، فيما يُشبهُ الرحلةَ المُضنيةَ والممتعةَ في آنٍ واحد.

 

حسن التهامي

....................

المراجع:

(1) القصيدة العاطفية عند شعراء المدرسة الأيونية

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%AF%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%B7%D9%81%D9%8A%D8%A9_%D8%B9%D9%86%D8%AF_%D8%B4%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%A1_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B3%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9

 (2 ) نضال القاسم، النص الإبداعي بين السيري والمتخيل الشعري 2015 ، ص 184

(3) جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي - الجزء الأول، دار القلم للطباعة و النشر و التوزيع - بيروت / لبنان, ٠٦‏/٠٦‏/٢٠٢٠، ص 263

(4) https://www.aldiwan.net/poem22063.html

(5) الموسوعة العالمية للشعر العربي

http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=8938

(6) طه حسين، جنة الشوك،  مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ، 2013، ص18

(7) جهاد فاضل/ الفكر والإبداع ، السبت 6 ربيع الاخر 1434 هـ - 16 فبراير 2013م - العدد 16308

(8) شكري عزيز الماضي، دمعة للأسى .... دمعة للفرح ...إشكالية مصطلح «الإبيجراما» إلى روح الراحل الكبير عز الدين اسماعيل، جريدة الدستور، فبراير 2007

(9) توقيعات شعر:عز الدين المناصرة، دنيا الوطن، 2017،

(10) د. عصام شرتح,،  دار الخليج  نزار قباني - دراسة جمالية في البنية والدلالة، 2017 ص 24.

(11) عرض وتقديم : حواس محمود ، أحمد بزون، قصيدة النثر العربية الإطار النظري، الناشر: دار الفكر الجديد الطبعة: الاولى 1977.

(12) أ.د حفناوي بعلي، داراليازوري العلميه للنشر والتوزيع راهن الشعر في نهايات القرن: أصوات الملحمة وأصداء التوقعية والصوفية، 2008 ، ص 9

 

 

السعيد بوشلالقتأليف مكسيم غوركي Maxim Gorky

النسخة التي بين يدي طبعة 1990. عن دار الأنيس موفم للنشر – الجزائر. تتكون من 458 صفحة من الحجم المتوسط.

- «الكتب الممنوعة تنطق بالحقيقة».

- « ساعدني. أعطني نوعاً مِن الكُتُب لا يعرف أيّ إنسان طعم الراحة بعد أن يقرأها. يجب أن نضع قنفذاً تحت كُلّ جمجمة، قُنفُذاً يُحسن الوخز». ص176. 

- «عظيم أيتها (الأم)، ليتكِ تعلمين كم هو مُدهِش هذا.. إنه بكُلِّ بساطة شيءٌ رائع..» - الأم ص90.

- «وإنه لرائع أن تمشي أُمٌ وابنها جنباً لِجنب..» - الأم ص445.

يقول مكسيم غوركي نفسه «قلب الأم زهرة لا تذبل.»

إنّ هذا قليلٌ مِن كثير مما يمكنني الخروج به مِن انطباعاتٍ بعد قرأتي لهذه الرواية الرائعة «الأم».

في رسالة كتبها فرانز كافكا في 1902 إلى صديق الطفولة وزميل الدِّراسة الناقد والمؤرخ التشيكي أوسكار بولّاك (1883 - 1915)، يتسأل عمّ يجعل كِتابًا ما جديرًا بالقِراءة، يُجِيب كافكا بِعِبارة تحولت إلى أيقونة حول موضوع اختيار القراءة، تقول: «أعتقد أنه يجب علينا فقط قراءة الكُتب التي تُدمينا، بل وتغرس خناجرها فينا، وإذا كان الكِتاب الذي نقرؤه لا يوقظنا من غفلتنا، فلِمِ نقرؤُه أساسًا؟ الكُتب التي تُحزننا بعمق مثل وفاة شخص نُحِبُّه أكثر مِن أنفُسِنا، مثل أن نُنفى بعيدًا في غابة بِمنأى عن الآخرين، كأنه الانتحار. يجب أن يكون الكِتاب هو الفأس التي تكسر جمودنا، هذا هو اعتقادي.».

- يلزمني كتابٌ واحد من هذه الكُتُب الممنوعة، كِتابٌ لاذِع جِداً.. ص172.

إنّ هذا الكِتاب ينهال على أرواحنا كالحظ العاثر، فيضغط علينا ويؤثر فينا بِعُمق، مثل مطرقة تكسر الجليد المُتجمد فينا..

- ليت لي الألفاظ التي أستطيع أن أُعبر بها عمّا في قلبي لـ (الأم).

- أحداث الرواية:

الرواية تتكون من قسمين:

1 - في القسم الأول؛ تبدأ الرواية بوصف الحالة المزرية التي كان يعيشُها العُمال في روسيا القيصرية قبل الثورة البلشُفية، حياة كريهة وكئيبة: (إنها الحياة، كالماء العكر تنساب رتيبة بطيئة، سنة بعد سنة، وكل يوم يمر، يمر وهو يحمل نفس العادات القديمة اللازبة، في التفكير والعمل، وما من أحد يستشعر رغبةً للتغيير فيها..) ص05. (كانوا وقد تعودوا أن تسحقهم قوة ثابتة لا تتغيّر، لا يتوقعون أي تحسن في حياتهم، بل يعتقدون أن كل تغير قد يطرأ على هذه الحياة، لن يكون إلاّ وسيلة تجعل نيرهم أشد وطأة..) ص06. ويتخذ مكسيم غوركي من تلك البداية أرضيةً لتوصيف حياة (ميخائيل فلاسوف) والد بطل الرواية (بافل فلاسوف)، ومدخلاً لتشريح الواقع المعيشي الذي كانت تعيشه أسرته، وتأثير ذلك فيه، وفي نضجه وتحوله الفكري والعقدي. فقد كان والده رجلاً لا يُعاشر، مات بعد أن بلغ (بافل) ستة عشرة سنة، واستراحت من عنفه زوجته الأم الطيبة (بيلاجيا نيلوفنا) البطل الحقيقي للرواية؛ التي يرتكز عليها السّرد. لم تبكه زوجته كثيراً ولم يسفح عليه (بافل) دمعة واحدة.

لا شيء يتردد في تلك الضاحية البائسة سوى صافرة المعمل، يبدأ النّهار بهذا الصّوت الكئيب، وينتهي به، يخرج العُمال من المعمل إلى الحانة، يملؤوا بطونهم بالفودكا ليعودوا آخر المساء إلى بيوتهم فيستفرغوا في زوجاتهم ضرباً وعُنفاً.

في هذا الجو العائلي والاجتماعي العنيف والكئيب نشأ (بافل فلاسوف)، لكن برعاية أمٍّ حنون رغم شظف العيش. وفي يوم أحدٍ، وبعد وفاة أبيه بخمسة عشر يوماً، عاد (بافل فلاسوف) إلى المنزل ثملاً، (وتناهى إليه صوت أمه: - كيف ستتمكن من إعالتي، إذا ما بدأت تُدمن الشراب؟ فأغمض عينيه وأجاب: - إن الجميع يشربون. وتأوهت (بيلاجيا) وهي تعلم أن الرِّجال لا يجدون مكاناً آخر سوى الحانة، ينشدون فيها المُتعة، ومع ذلك فقد أجابته: - أما أنت فيجب ألّاَ تشرب؛ لقد شرب أبوك كثيراً بالنيابة عنك؛ وعذبني كثيراً، وباستطاعتك أنت أن تُرفق بأمك.) ص11. وأصغى (بافل) إلى كلمات أمه الحزينة الوادعة، وتذكر كيف عاشت أمه في الصَّمتِ، والنِّسيان، يُعذبها الانتظار الممزق، انتظار الصفعات، فقد كان لا يمكث في البيت إلاّ قليلاً تجنباً للقاء أبيه.. وبتأثر بدأ التحول في حياة (بافل)، وأخذت الحياة في منزل آل فلاسوف الصغير تتابع سيرها أكثر هدوءاً وسلاماً من ذي قبل، ومختلفة بعض الشيء عمّا هي عليه في المنازل الأخرى.

كان (بافل) يشتغل باندفاع دون تغيب عن العمل، وكان كثير الصَّمت، عيناه تعبر عن عدم رضاه، نظرته أكثر صرامة، وكان يبدو كمن ملأه غيظ أخرس. كان رفاقه من قبل يأتون إليه، أما الآن فقد انقطعوا عن زيارته، لأنهم لا يجدونه أبداً في البيت. وكانت أمه تلحظ بكثيرٍ من الغبطة أنه لا يُقلد أترابه في المعمل، ولكن إحساساً بخطرٍ مجهولٍ كان يجتاح قلبها. عندما كانت تلمس عناده وتهربه من الانتظام في تيار الحياة العامة. ولاحظت أنه أخذ يحمل كُتُباً ويقرأها في الخفاء ثُم يُخبئها في مكانِ ما.

كانت الأم (بيلاجيا) تعرف أنه يذهب إلى المدينة، ويتردد على المسرح، ولكن أحداً لم يعد من المدينة ليُخبرها أنه رآه. كان يُخيل إليها أن ابنها يغدو على مَرِّ الأيام أقلّ ثرثرة، ويستعمل ألفاظاً جديدة لا تفهمها، واختفت من لغته التعابير الفجّة القاسية، وتغيّر في سلوكه، فأصبح مظهره أكثر بساطة ورقّة، ومشيته أشدّ اطمئناناً وتحرراً، وأصبح يُساعدها في أشغال البيت، ويُخفف عنها عبء مشاغلها، ولم يكن في الضّاحية كلها من يتصرف مثل هذا التّصرُف.

كان عدد الكُتُب عند (بافل) يزداد باطراد، وأصبح يُخاطب الأم بحُبٍّ واحترامٍ وتبجيلٍ وتعظيمٍ، لكنها استشعرت القلق عليه عندما يُفاجئها متردداً: لا تقلقي يا أُماه فسأعود مُتأخراً. من خلال هذه الكلمات كانت الأم تستشعر أنه ينطوي على شيء قوي وجاد. وكان القلق يُداخلها فتُفكر(إن الآخرين يعيشون كرجال، أما هو فيحيا كراهب، إنه مُسرف في الجدية والاتزان وهذا ما لا يتلاءم وسنه.) ص15. سنتان ومشاعر الخوف والقلق تنمو بلا انقطاع.. وأدركتْ الأم أن ابنها قد وهب نفسه إلى الأبد لأمرٍ غامض رهيب ليعرف الحقيقة.

كانت الغرفة الصّغيرة في بيت آل فلاسوف مقراً لاجتماعات (بافل) ورفاقه في أمسية كل سبت، يتناقشون ويتجادلون على مرأى من الأم (بيلاجيا) التي كانت تقدم لهم الشّاي وتنصت إلى أحاديثهم، إلى أن صدمتها كلمة (اشتراكيون) التي لم يستوعبها عقلها. (كانت الأيام تنزلق يوماً بعد يومٍ كحبات السّبحة، وانجمعت أسابيع وأشهرٍاً، وفي كل سبت، كان رفاق (بافل) يجتمعون في منزله. وكان كل اجتماع من اجتماعاتهم كدرجةٍ في سُلّم ٍ طويل. هين المُرتقى، يُفضي إلى البعيد البعيد، دون أن يدري أحدٌ إلى أين؛ سُلّمٌ يرفع ببطء أولئك الذين يتسلقونه.) ص37. وأخذت وجوهٌ جديدة تظهر في تلك الاجتماعات، حتى ضاقت بهم غرفة آل فلاسوف الصغيرة. (كانت حياتهم تزداد حركة وحرارة، وكانوا ينتقلون بِسُرعة مِن كِتَابٍ إلى آخر، كما ينتقل النّحل مِن زهرةٍ إلى زهرة.) ص45. (ولفت البيت الصّغير في طرف الضّاحية انتباه النّاس، فراحت الأبصار المرتابة تخترق جدرانه، وأخذت تحوم فوقه أجنحة الشّائعات من كلِّ لونٍ، وكان النّاس يُحاولون أن يكتشفوا السِّرّ الغامض الّذي يُخفيه.) ص46. وانتشر الحديث في الضّاحية عن الاشتراكيين الّذين ينثرون في كلِّ مكانٍ وريقاتٍ مكتوبة بالحبر الأزرق تفضح بعنفٍ ما يدور في المعمل، وتتحدث عن الإضرابات العمالية، وتهيب بالعمال إلى الاتحاد والنضال من أجل مصالحهم. كانت الأم تعرف أن هذا كلّه مِن صُنع ابنها، وترى النّاس يتألبون حوله، فتختلط مخاوفها على مستقبله بزهوها في أن تكون أُمّاً لمثله. ويُعتقل الابن (بافل فلاسوف) ورفاقه، ويُزجُ بهم في السِّجن بِتُهمة توزيع منشوراتٍ محظورة وتحريضية على الأمن العام، ويتحول الدّور إلى الأم الصّغيرة (بيلاجيا) ويتحول بيتها الصّغير إلى مركز لجمع وتوزيع المنشورات، وتتمكن مِن إدخال تلك المنشورات إلى داخل المعمل بواسطة العربة التي تجرها لبيع المأكولات للعمال. (أندريه) يخرج مِن السِّجن ويقيم  في بيت الأم الصّغير (بيلاجيا)، ويعاملها كأم له، وتتمكن الأم مِن زيارة ابنها (بافل) في السِّجن، وبعد مدة يغادر (بافل) السِّجن، ويقترب يوم أول ماي/أيار، ويُقرر (بافل) حمل  العلم الأحمر، علم الثّورة، رغم عدم رِضا (ساندرين) و(الأم) و(أندريه). يحل أول ماي/أيار، ويقود (بافل فلاسوف) مظاهرات العمال الكادحين حاملاً راية الحُرية العلم الأحمر، ويتم اعتقاله ورفاقه، ويظهر دور الأم (بيلاجيا) وهي تحمل ما بقي من السّارية والعلم الأحمر الممزق. وهنا يمكن التساؤل: ألهذا أطلق (مكسيم غوركي) على روايته هذه اسم (الأم)؟ وتتجلى رمزية اسم (الأم) فالأم هي: الحرية، الأرض، الوطن، الشّرف، التّضحية...

2 - وفي القسم الثاني من الرِّواية وبعد اعتقال ابنها (بافل) ورفاقه، تقف الأم (بيلاجيا) وحيدة حائرة وعيناها مسمرتان على اللاشيء، وملأ صدرها كالسحابة القاتمة، تبلد مغموم ضيّق عليها أنفاسها، وظلت على هذه الحال، إلى أن أخذتها غفوة، فغرقتْ في سباتٍ عميق كأنما قد لفها إعصار، ورأتْ في المنام ابنها (بافل) وهو ينشدّ: - أيُّها المعذبون في الأرض هُبُّوا.. كان هو يُغني فيطغى صوته على كلِّ ضجيج، وكانت هي تسير في أثره، فزلّتْ بِها القدم فجأةً، وهوت إلى حُفرةٍ لا قرار لها، وكانت هذه الهوة تعوي كلما اقتربت منها. وأفاقتْ مِن حُلمها تُزلزلها رجفة، كأن يداً ثقيلة غليظة قد أطبقت على قلبها فعصرته في لعبة قاسية. وجاء الرفيق (نيقولا إيفانوفيتش) ليأخذها للإقامة عنده في المدينة كما اتفق مع ابنها (بافل). كانت حياةٌ أخرى قد بدأت للأم، وعهداً مليئاً بالأحزان. (لاحظت بيلاجيا أن نيقولا كان يسير حتى في منزله الرّغيد بحذرٍ وشرود، كأنّه غريبٌ عن كلِّ ما يُحيط به، وكان وهو يُركز نظارتيه بأنامل يده اليمنى الدقيقة، يُدني وجهه من الأشياء التي يراها، ويرنو إليها بطرف عينه، ثم يُجمد بصره، في استنطاقٍ أخرس، على ما كان يثُير اهتمامه منها.) ص226.

وفي حوارها مع (صوفيا) أخت (نيقولا إيفانوفيتش)، كانت الأم (بيلاجيا) تتسأل عمّا سبب لها الحيرة: (آه... إنّه ذلك النّهار، أول أيار، الذي سبب لي الاضطراب... فأنا أشعر أني لست على ما يُرام، كما كنت أسلك طريقين مختلفين في آنٍ واحد: تارةً يُخيل إليّ أني أدرك كلّ شيء، وتارةً أخرى أجد نفسي فجأةً كأني أغرق في الضّباب.) ص232. وقال (نيقولا) لأخته: (سيكون هناك مهمة جديدة تنتظركِ يا صوفيا؛ فأنتِ تعلمين أننا قررنا إصدار صحيفة خاصة بالرِّيف، ولكننا فقدنا بسبب الاعتقالات الأخيرة، الصِّلة المُباشرة، وليس بمقدور أحد سوى بيلاجيا أن يعثر لنا على الشّخص الذي سيتولى مهمّة التغلغل في الريف. وعليكِ أنتِ يا صوفيا أن تُرافقيها..) ص233. (وبعد أربعة أيام وقفت كل مِن الأم وصوفيا أمام نيقولا وهُما ترتديان أسمال امرأتين فقيرتين مِن سُكانِ المدن... وخرجت المرأتان في صمت إلى شوارع المدينة، ومنها إلى الحقول... وراحتْ صوفيا تتحدث بمرح عن نشاطها الثّوري، وكأنها تروي نزوات طفولتها، لقد عاشتْ بأسماء مختلفة وأوراق مزورة، وكثيراً ما تنكرتْ كي تفلتْ من الجواسيس، كما نقلتْ قناطير مِن الكُتُبِ غير المشروعة مِن مدينة لأخرى، ونظمتْ هرب كثيرٍ مِن الرِّفاق مِن المنفى، واجتازتْ بهم الحدود ورافقتهم إلى مدن أجنبية.) ص241. حلت المرأتان في المكان المحدد بلوغه لإيصال الكُتُب والمنشورات، وهناك أشار الرفيق (ريبين) لرفاقه إلى الأم، لقد انتزعوا مِنها ابنها مِن بين الصُّفوف، فأخذت أمه مكانه.. وأما (صوفيا) فقد ألّهبتْ نار الثَّورة في الرَّيف، فراحت تتحدث عن معركة الشُّعُوب في العالم من أجل حق الحياة، وسيأتي اليوم الذي يرفع فيه الكادحون رؤوسهم.

واستمرت الأم بيلاجيا في نقل وتوزيع الكُتُب والصحف والمناشير الممنوعة، وأخذت نظرتها إلى الكنيسة تتغير تماماً. فقد (كانت ترى الخيرات موفورة على الأرض، وترى الشّعب مع ذلك يعيش في العوز والحرمان. إنّه نصف جائع إلى جانب ثرواتٍ هائلة لا يُمكن حصرها. وفي المدن تقوم معابد تعجُّ بالذهبِ والفضّة، ويحار ماذا يفعل بهذه الكنوز، في حين يحتشد البؤساء في ساحات هذه المعابد وهم يرتجفون، وينتظرون أن تدس في أكفهم الممدودة سحاتيت الإحسان. وكانت قد رأت من قبل هذا المشهد، رأت الكنائس وحلل الكهنة الموشاة بالذّهب، وأكواخ المعدمين، وأسمالهم المُخزية، ولكن ذلك كان يبدو لها أمراً طبيعياً، أما الآن فإنّها تجد هذا الوضع شيئاً مهيناً لا يُطاق، ولا يرتضيه الفقراء الذين يُحِبُّون الكنيسة، أكثر مما يُحِبُّها الأغنياء، ويرونها ضرورية لهم أكثر مِن أولئك... لقد استخدموا حتّى الله لكي يخدعونا.) ص277، 278. وكانت الأم تعود من رحلاتها هذه سعيدة متأثرة بما رأتْ وسمعتْ خلال الطّريق، ويبعثُ فيها الشّجاعة وحُسن الرِّضى، شعورها بأنها قد قامتْ بِعملها على خير وجه، وكانت تقول لنيقولا: (جميل أن يُسافر المرء إلى كل مكان، وأن يرى كثيراً من الأشياء. إنه بذلك يدرك كنه الحياة، لقد عُزِل الشّعب ونُحي جانباً، فأقعى مهاناً، ولكنه لم يتقبل ذلك مختاراً، فهو يسائل نفسه، لِمَ يُرِاد لي أن أظل معزولاً؟ لِمَ أجوع والخير دافق؟ لِمَ أنا بهيمٌ جاهل؟ في حين تنتشر المعرفة في كلّ مكان؟ .. لقد بدأ الشّعب يثور شيئاً فشيئاً على الحياة التي يحياها؛ إنه يشعر أن الجور سيخنقه إذا لم يأخذ هو بنفسه قضيته بين يديه..) ص279.

وتتوالى أحداث الرّواية في تصاعد درامي بفرار (نيقولا فيسوشيكوف) من السِّجن، وموت (إيغور) في المستشفى، والصدام مع البوليس في تشييع جنازته.. وتزور الأم (بيلاجيا) ابنها (بافل) في السجن وتطمئن عليه وعلى رفاقه. وتكلف الأم مرة أخرى بنقل المنشورات إلى الرِّيف. وفي طريقها إلى الرِّيف كانت الأم تتلقف كلمات الحوذي وهو يلسع بسوطه ظهر الحصان كأنها في حلم، (كانت ذاكرتها تستعرض أمامها سلسلة الأحداث الطّويلة التي عاشتها في سنواتها الأخيرة. لقد كانت الحياة مِن قبل تبدو لها خارجية نائية، لا يدري أحدٌ مَن صنعها، ولماذا صنعها؟ أما الآن، فإن كثيراً مِن الأشياء تتكون تحت سمعها وبصرها، وبِمؤازرتها؛ وكان هذا يوقظ فيها إحساساً مُشوشاً يمتزج فيه الشّك بشعور الرِّضى عن الذّات، والحيرة بالحزن الهادئ.) ص325. بعد الظهر بلغت (بيلاجيا) قرية كبيرة تُدعى (Nikolskiè) وهي مُنهكة القوى ترتعش مِن البرد، وفجأةً (أبصرت الرفيق (ريبين) يقتاده حارسان؛ ويداه مكبلتان وراء ظهره.. وتولاها الذّهول فلم تحول بصرها عن (ريبين)؛ وكان هو يتكلم؛ وكانت هي تسمع صوته، ولكن كلماته كانت تُحلق بلا صدى في فراغ قلبها المظلم المرتعد. وعادت إلى نفسها... وتوقف الحارسان أمام الجمع الذي كان يتضخم بلا انقطاع وهو محتفظٌ بِصمته، وارتفع فجأةً صوت (ريبين) الممتلئ: - أيُّها المسيحيون: سمعتم بتلك الأوراق التي رويت فيها الحقيقة عن حياتنا كفلاحين؟ إنّهُمْ مِن أجل هذه الأوراق يضطهدونني لأنني أنا الذي وزعتها على الشّعب... أيُّها الفلاحون: ثِقُوا بِما تقوله هذه الأوراق، فقد يقتلونني بسببها. لقد ضربوني وعذبوني... وسأتحمل كل شيء لأن الحقيقة قد سُطِّرت في هذه الأوراق، والحقيقة يجب أن تكون أغلى لنا مِن الخُبز!... أيُّها الفلاحون: ألَا ترون كيف تعيشون؟ ألَا تعرفون أنهم يسرقونكم، ويخدعونكم ويمتصون دمائكم؟ إن كلّ شيء يتوقف عليكم؛ فأنتم القوة الرئيسية على الأرض، ومع ذلك ما هي الحقوق التي تملكونها؟ إنّ حقكم الوحيد الّذي تملكونه هو أن تنفلقوا مِن الجوع!... أيُّها الفلاحون. فتشوا عن تلك الأوراق واقرؤوها، لا تصدقوا السلطات والكهنة حين يقولون لكم إن أولئك الذين يحملون لنا الحقيقة ليسوا سوى كفرة عصاة، إن الحقيقة تتسرب إلى العالَم كله خفية، وتبحث عن أعشاش لها في ضمير الشّعب. إنها بالنسبة للسلطات كالسِّكِين، كالنّار، إنهم لا يتقبلونها لأنها ستذبحهم وتحرقهم. إن الحقيقة بالنسبة لكم خير صديق، ولكنها بالنسبة لهم عدوٌ أشِر... وهي من أجل ذلك تتخفى.) مِن ص328 إلى ص332 بتصرف.

نجحت الأم في رحلتها إلى تلك القرية، (كان يَسُرُّ الأم أن تحقق رغبتها في النهاية، أنْ تُحدث النّاس عن الحقيقة بنفسها. يستطيع الشّعب أن يسير مع أصدقاء كهؤلاء، أصدقاء لا يُلقون السِّلاح مُكتفين بمكاسب ضئيلة، ولا يتوقفون عن الكفاح قبل أن يدحروا الخداعين، والأشرار، والطّماعين جميعاً..) ص353. وعادت الأم إلى المدينة.. فتح (نيقولا) لها الباب، وفوجئ بأن الحقيبة كانت فارغة تماماً، فقد وزعت الأم كل ما كان فيها من صحيفة في الرِّيف. (وتحدث نيقولا طويلاً عن رفاقه الذين كانوا يعيشون في المنفى، وعن أولئك الذين فروا منه، واستأنفوا عملهم تحت أسماء مستعارة... قصص الأبطال المتواضعين، المتجردين عن كل نفعٍ، والذين يكرسون قواهم كلها للعمل العظيم، لإصلاح العالم. وكانت ظلال ناعمة ودودة تكتنف الأم، فتملأ قلبها عطفاً حاراً على هؤلاء المجهولين الذين كان خيالها يختزلهم جميعاً في كائنٍ واحد عملاق، لا تنفد قدرته ولا تغيض شجاعته. كان هذا الكائن يُرود الأرض ببطء، ولكن بهمة لا تعرف الكلل، فينتزع منها بيديه الممتلئتين عفن الدجل الذي راكمته العصور، ويكشف لأعين النّاس الحقيقة البسيطة المُتألقة، حقيقة الحياة.) ص371.

تتواصل السردية بتدبير الرفاق خطة لهروب (بافل) مِن السِّجن، تخبره أمه بذلك أثناء زيارتها له في السِّجن، لكنه يرفض الهروب؛ يُسلمها ورقة مكتوب عليها: (لن نهرب أيُّها الرِّفاق فنحن لا نستطيع ذلك، ولا يستطيعه أحدٌ مِنا، لأننا أن نفعل نفقد احترامنا لأنفسنا...) ص384. وتقام محاكمة (بافل) ورفاقه، وجاء الدور على (بافل) فكانت كلماته على صلابتها مشعة ومحرقة. موجهاً خطابه لهيئة المحكمة الصورية المزيفة، مُرافِعاً بصوت واضح وهادئ: (- نحن ثائرون، وسنظل كذلك ما دام البعض يأمرون والآخرون يعملون. نحن نكافح ضد مجتمع أمرتم بأن تحموا مصالحه، مجتمع نحن خصومه الألداء وخصومكم، ولن يحل بيننا الوئام إلاّ حين ننتصر. وسننتصر نحن العمال.. وأنتم في الحقيقة، أنتم جميعاً أيُّها الأسياد. عبيد أكثر مِنا. إن عقولكم هي المستعبدة، أما نحن فلسنا عبيداً إلاّ بأجسادنا. إنكم لا تستطيعون أن تتحرروا من نير الأغراض والتقاليد التي تقتلكم معنوياً، أما نحن فلا شيء يمنعنا من أن نكون أحراراً في ذواتنا. والسُّموم التي تنفثونها فينا هي أقل خطراً من الدواء الشّافي الذي تهرقونه في وجداننا دونما إرادة منكم، وهذا الوجدان يكبر وينمو بلا انقطاع، ويزداد دوما تأججاً.. إنكم لا تجدون شخصاً واحداً يستطيع أن يُناضل إيديولوجياً باسم سلطتكم، فلقد استنفدتم حججكم كلها، هذه الحجج القميئة بأن تحميكم من هجوم العدالة التاريخية، كما أنكم لا تستطيعون أن تأتوا بجديدٍ في نطاق الفكر، إنكم أُبتُليم بالعقم فكرياً، أما أفكارنا نحن، فإنها تنمو وتتأجج وتزداد إشراقاً، وتكتسح جماهير الشّعب، وتنظمهم في نضالهم مِن أجل الحرية.. ومِن المستحيل عليكم أن توقفوا عملية تجدد الحياة إلاّ بالقسوة والخداع..) ص415، 416. أما الأم فلم يكن ما قاله ابنها جديداً عليها، فقلد كانت تعرف أفكاره، ولكنها كانت لأول مرة تحس قوة إيمانه الجارفة. وكان هدوء (بافل) يصعقها، وخطابه يتكثف في صدرها، في حزمة مشعة من يقين مضئ..

قررت المحكمة نفي (بافل) ورفاقه إلى سيبيريا، كان القرار منتظراً من الجميع إما النفي أو الإعدام.. وأومأت الأم إلى ابنها ورفاقه وكان بودها أن تنتحب، ولكنها كانت تخجل من دموعها. ولم يزدها هذا القرار الظالم إلاّ يقيناً وإيماناً بمواصلة ما بدأه ابنها ورفاقه.

وأخيراً تختتم الرواية بضبط واعتقال الأم (بيلاجيا نيلوفنا) وهي تحمل وتوزع خطاب مرافعة ابنها في المحاكمة. وكانت تردد إنكم لن تخنقوا الحقيقة في أعماق بحار من الدّم...

 - نقاط على هامش الرواية:

- بدأ مكسيم غوركي في كتابة رواية (الأم) في يوليو 1906 وأتمها في ديسمبر من نفس السّنة في إيطاليا، وتُرجمتْ إلى عدة لغات. ولم ينفك المؤلف يعدل روايته إلى أن استقرت على شكله النهائي في سنة 1922.

- لقد كانت نية مكسيم غوركي أن يجعل من هذه الرواية أداة تجنيد، وذلك ما حمله على الإسراع في تأليفها وإذا بلينين يُخاطبه قائلاً: (لقد أحسنت صُنعاً إذ عجلت به. إنه كتاب مفيد علماً أن العديد من العُمال انظموا في الحركة الثورية وهُم بلا وعي حقيقي. والآن إنهم سيقرؤون (الأم) مِن تلقاء أنفسهم وتحصل لهم فائدة جمة ممِن ذلك.. إن الكتاب هذا لجدّ مواةٍ لوقته.) وبعد مرور أكثر من قرن على تأليف هذه الرواية نقول وإنه لا يزال كذلك.

- رواية (الأم)؛ فيها وصف لتطور العلاقات الطّبقية، وتطور تفكير شخصياتها وخاصة شخصية الأم (بيلاجيا نيلوفنا) التي تحولت من امرأة خانعة مستسلمة لزوج عنيف لا يكاد يمر يوم إلاّ وهي تتعرض للضرب والاحتقار والإهانة،  فتتحول تدريجيا بعد وفاة زوجها، واعتناق ابنها (بافل فلاسوف) للنضال العمالي والعمل الحزبي الشيوعي، وترتقي في سلم السرد إلى امرأة  مناضلة على استعداد للعمل والتضحية في سبيل القضية ضد الظلم واللاعدالة في حكم روسيا القيصرية.

- يمكن تصنيف رواية (الأم) لـ مكسيم غوركي على أنها رواية دعائية للعمل الحزبي الشيوعي ولهذا استحسنها لينين وأشاد بها وبكاتبها.

- مَنْ يقرأ مرافعة بول فلاسوف في المحكمة في متن رواية (الأم) من ص414 وإلى ص417. سوف يتأكد مِن أن إعجاب الزعيم فلاديمير لينين برواية الأم وثناؤه على كاتبها مكسيم غوركي؛ كان مرده إلى تلك المرافعة.

- تأتي نهاية الرواية على درجة عالية من القوة والتضحية. فهي حتى وإن كانت تنتهي بإدانة بول وأندريه واعتقال الأم؛ لكنها لا تعبر عن إخفاق أو سلبية، ولا تقلل في شيء من حتمية انتصار ما يحمله أولئك الأشخاص من قيم العدالة والإنسانية. فلقد كان أولئك في الواقع يعلمون أن مصيرهم المعتقل أو المنفى. وعلى خلاف ما قد يظنه بعض القراء من أن نهايتها كانت سلبية ومحبطة، فعلى العكس تماماً لقد كانت خاتمة الرواية ايجابية ومتفائلة.

- اقتباسات من رواية: «الأم» لـ مكسيم غوركي Maxim Gorky 

- أنا لست بِحاجة لأن أعرف كيف كان النّاس يعيشون مِن قبل، ولكنني بِحاجة إلى أن أعرف كيف ينبغي أن يعيشوا اليوم. ص 32

- إن أولئك الذين يقولون بأنّه ينبغي لنا أن نعرف كُلّ شيء هم المصيبون. إن نور العقل يجب أن يهدينا، وإذا كُنّا نود أن نمد بالنور أولئك الذين يغرقون في الظلمات، فيجب أن يكون باستطاعتنا الرّد بشرفٍ وأمانةٍ على كلّ الأسئلة، يجب علينا أن نعرف الحقيقة كُلّها، والبهتان كُلّه. ص 33

- عندما تحين ساعة المعركة، لا يبقى هناك من وقتٍ لتنظيف الأظافر. ص 33

- رفّ، كفراشة ليل عمياء مهيضة الجناح. ص 36

- أهناك فوق سطح الأرض اُمرؤٌ لمْ يُذلّ؟ لقد اُذِقْتُ الهوان حتّى لمْ يعُد الهوان يثير حنقي. ص 55

- إن دُموع الأمهات لا تنضب فعندهن منها ما يكفي... وإذا كانت لك أمٌّ فهي تعرف ذلك جيدًا. ص 62

- إنهم يُعذبون الرُّوح، وهذا العذابُ أشد إيذاءً وألمًا حين تقترفه أيديهم القذرة. ص 64

- يجب أن يُجدد الإنسان. إذا كان جَرِبًا فَقُدهُ إلى الحَمّام، أغسله وألبسه ثيابًا نظيفة، فإنه سيشفى... ولكن كيف ننظف الإنسان من الدّاخل؟ هذه هي المشكلة. ص 68

- إنهم يخدعوننا حتّى في الله؟. ص 68

- عندما تتحدثون عن الله تعالى، يجب أن تكونوا أكثر حذرًا. ص 69

- لم أكن أتحدث عن الله الطيب الرحيم الذي تؤمنون به، بل عن الله الذي يُهددنا به الكهنة، كما لو كانوا يُهددوننا بعصى، عن إله يُراد باسمه أن يخضع العالم كله للإرادة القاسية، إرادة البعض... لقد زيفوا لنا حتى الله. ص 69

- ليس العقل مرتكز كلّ شيء، بل القلب، فالعقل منطقة في الإنسان، لا ينبت فيها شيء آخر.. أبداً. ص 70

- إن المكان المُقدّس يجب أن لا يظل فارغاً، وأن نفسنا نقطة حساسة، إنها المكان الذي يسكنه الله. فإن يهجرها يشق فيها جُرحًا، وعلينا أن نكتشف إيماناً جديداً، أن نُبدع إلهًا يكون صديقًا للنّاس. ص 70

- إن الله هو في القلب ، وفي العقل، وليس في الكنيسة. الكنيسة هي قبر الله. ص 71

- عندما يتحرر الشّعب يُقرر نفسه ماذا يحسن به أن يفعل. إنهم يحشون رأسه بأشياء لا يُريدها، وهذا يكفي ليختبر نفسه. فلرُبّما كان يود أن يرفض كلّ شيء، الحياة كلّها، والعلوم كلّها، ولرُبّما رأى أن كلّ شيء موجه ضده، كإلاه الكنيسة مثلاً، وليس لكم أنتم إلاّ أن تضعوا بين يديه الكُتُب كلها، وسيجيب هو بنفسه جيداً. ص 71

- إن النّاس ليسوا معصوبي العيون كلهم، بل هناك من يعصب عينيه بنفسه. ص 72

- نحن أول من يعمل، وآخر من يعيش. ص 77

- لا تُعلن الإضراب، فالشعب مُتعطش إلى الرِّبح ولكنه جبان.. إننا لا نستطيع أن نُزيح مزبلة كهذه بمذراةٍ واحدة. ص 82

- إنك تتكلم جيدًا، هذا صحيح، ولكنك لا تمس القلب، والشرارة يجب أن تُلقى في أعماق القلب. إنك لن تُقنع النّاس بالمنطقِ، فالحذاء لطيفٌ جدًا ولكنه شديدُ الضّيق على أقدامهم. ص 82

- إن النّاس لا يُصدقون الكلام المُجرد العاري، بل يجب أن تتألم ليُصدقوك، وأن تغمس كلماتك بالدّم. ص 82

- بعضهم ينهمك في حلب الشّعب، في حين يُمسك الآخرون بِقُرونه. ص 86

- إنّه لجدوى لكم أن تقبضوا على اللصوص، لا أن تُطاردوا الشُّرفاء. ص 94

- لقد أفلت منِّي كُلّ شيء وباتت نفسي مُغلقة كمنزلٍ مهجور. إنّها عمياء صماء.  ص 110

- إنّك لا تُصبح قسيسًا بمجرد التّطلع للأيقونات. ص 116

- عندما يكون المرء شاباً يسهل عليه كُلّ شيء... ولكنه يغدو كلما تقدم في السِّن، غنياً بالأحزانِ، فقيراً بالقوى، وبالعقل... ثم لا يعود يملك شيئاً. ص 118

- الضربة تظل أقل إيلاماً حين يتلقاها المرء من عصاه. ص 131

- الوجه مرآة النفس. ص 137

- الحياة ليست حصاناً، ولا يمكن حملها على الجري بالسياط. ص 137

- يجب أن نُسلح الرأس أولاً... ثم نسلح الأيدي بعد ذلك. ص 138

- إن الهباب يتكدس في القلب إذا كانت إذا كانت جذوته لا تشتعل بصفاء. ص 138

- يا إلهي. ما أكثر البشر في هذه الدُّنيا... ومع ذلك فكلهم يشكو على طريقته. فأين إذن أولئك الذين يعرفون الغبطة؟. ص 139

- كصيادٍ اقتنص صُدفةً طائراً جميلاً. ص 146

- أيُّها الرِّفاق، إن تغيير النظام الرّاهن عمل عظيم، ولكن؛ يجب أن أشتري حذاءً جديداً لكي يتحقق هذا العمل السريع. ص 149

- إن أكثر النّاس مزاحاً هم أشدهم عذاباً. ص 151

- إن النِّساء يحببن البكاء، فهن يبكين من الفرح كما يبكين من الحزن. ص 158

- إننا مرغمون على كره الإنسان لكي نستعجل اليوم الذي نستطيع فيه أن نقدره دونما تحفظ. يجب أن ندمر مَن يعرقل سير الحياة، مَن يبيع الآخرين بالمال ليضمن لنفسه الراحة والأمجاد. ص 163

- عندما تسير في الطّليعة يجب أن تقاوم حتى نفسك، يجب أن تعرف كيف تضحي بكل شيء، أن تضحي بكل قلبك، وليس بالأمر العسير أن يكرس المرء حياته لقضيته، أن يموت مِن أجلها. إبذل ما استطعت البذل، ضحِّ بما هو أغلى مِن الحياة، يتنامى بقوة أعز ما هو فيك، تتنامى حقيقتك. ص 164

- هذه هي الحياة. أرأيت كيف أن النّاس مهيؤون ليقف بعضهم في وجه البعض الآخر؟ وسواء كان ذلك باختيارهم أو على كره منهم ، فإنهم مجبرون على أن يضربوا. ومَنْ؟ رجلاً مغتصب الحقوق مثلهم، وأشد شقاءً منهم لأنه حيوان. إنّ رجال البوليس والدّرك والجواسيس هُم جميعاً أعداء لنا، ومع ذلك فهُم بشرٌ مثلنا. إنهم يُرهقون لدرجة ينضحون معها دماً وعرقاً، ولا يُعاملون كبشر. وهكذا يُستعدى النّاس بعضهم على بعض وتُسمل أعينهم بالغباوة والخوف، وتُوثق أيديهم وأرجلهم، ويُضطهدون ويُستغلون، ويُسحقون، ويُضرب بعضهم بيد البعض الآخر. لقد مُسِخوا بنادق ومطارق وبلاطاً. ثُمّ قيل: هذه هي الدّولة!. ص 169

- إنّ الحياة نفسها لا تمزح أبداً؛ والكلب في الوقار الحقير ليس كالكلب في الحظيرة... ولكل سربٍ مِن الكِلاب طريقته في النُّباح. ص 175

- إنّ الفلاح والسّيد يختلفان في طبيعتهما، فعندما يأكُل الأول كفافه لا ينام الثاني ليله مِن التُّخمة. مما لا شكّ فيه أنّ في كُلِّ طبقة فئةٌ سافلة. ص 175

- لقد انغرزت المهانة في قلبي كسكين.. مِن أجل ذلك.. يرتعشُ قلبي. ص 176

- ساعدني. اعطني نوعاً مِن الكُتُبِ لا يعرف أيّ إنسان طعم الراحة بعد أن يقرأها. يجب أن نضع قنفذاً تحت كُلّ جمجمة، قُنفُذاً يُحسن الوخز. ص 176

- لِنُدَاوِ الموت بالموت.. ومعنى ذلك أنّه يجب أن نموت ليُبعث العالَم، أن تموت الألوف لتحيا الملايين في الأرض كُلّها. وإنّه ليسيرٌ أن يموت النّاس، إذا كانوا سيبعثُون، إذا كانوا سينتفِضون مِن قبورِهم. ص 176

- إنّ الفلاح لا يهمه أن يعرف مِن أين جاءت الأرض، بل يهمه أن يعرف كيف توزعت؛ وكيف انتزعها الكبار مِن تحت أقدام الشّعب؛ وسواء كانت هذه الأرض تدور أو لا تدور، فلا أهمية لذلك؛ لأنك تستطيع أن تُعلقها بحبل، أما المُهِم فهو أن تُعطي ما يُؤكل، أن تُغذي البشر الذين يعيشون عليها. ص 178

- يكفي أن تنفخ مِزمار ليرقص على صوته أولئك الذين لا تنغرس أرجلهم في الأرضِ، فنحن لا نحس الأرض تحت أقدامنا، ويجب أن لا نحسها، لأننا نحن المهيؤون لدفعها إلى الحركة، سنهزها مرةً واحدة فينقلع النّاس منها، ثم نهزها ثانية فينقلون منها أيضاً. ص 182

- يجب أن يسير المرء مع الحقيقة حتى ولو كان على حافة قبره. ص 192

- أيها الرِّفاق، يُقال أن الأرض تحمل على ظهرها كل أنواع الشُّعُوب؛ ولكني أنا لا أصدق ذلك، فليس على ظهر الأرض سوى شعبين، سوى عرقين لا انسجام بينهما أبداً، هما: الأغنياء والفقراء. ص 193

- كان الحشد كطائرٍ أسود ينشر جناحيه واسعين ويقف متربصاً متأهباً للارتفاع والتحليق، وكان بول هو منقر ذلك الطائر. ص 201

- شربت؛ ولكن الماء لم يُطفئ غلتها، فهي لا تستطيع أن تُخمِد في صدرها تلك الجذوة المتأججة التي تذيبها، جذوة القلق والشُّعور بالمهانة. ص 215

- إنّ أبناءنا هم قُضاتنا، وسيُحاكموننا بعدل، لأننا تخلينا عنهم في هذا الطّريق. ص 216

- وعيناها مسمرتان على اللاشيء. ص 217

- سأمشي دون مللٍ صيفاً وشتاءً إلى أن أُلاقي حتفي كحاجٍ في طريقه إلى كعبته. ص 222

- إن أبناءنا الذين يحتلون في قلوبنا المقام الأعلى يُضحون بحريتهم وحياتهم، إنهم يقضون نحبهم دون أن يتحسروا على أنفسهم فهل أتوانى أنا كأم. 222

- وزفرت الأم... ودندن سائق العربة وهو يلسع بالأعنة ظهر الجواد: هيا... تقدم. ص 224

- إن الحقول خاوية كنفسها. ص 225

- لا أدري أين هو مكان رأسي، ولا أكاد أعرف نفسي، لقد كان عليَّ في الماضي أن أدور طويلاً حول النّاس، لأقول لهم شيئاً ما دون مواربة... أما الآن.. فإني أفتح صدري في الحال، وأبوح دفعة واحدة بأشياء لم أفكر بها من قبل. ص 231

- لا يمكن لامرأة إلاّ أن تفهم الموسيقى لا سيما إذا كانت معذبة. ص 236

- إننا نحن أبناء الشّعب، نحس كل شيء؛ لكننا نعاني صعوبة في التعبير عن إحساسنا. إننا نخجل لأننا ندرك، ولكننا لا نستطيع أن نبوح بذلك؛ وكثيراً ما نثور بسبب هذا الضّيق، ضد أفكارنا. إن الحياة نفسها تصفعنا وتثخننا جراحاً مِن كل جانب، ونحن نود أن ننعم بالرّاحة، ولكن أفكارنا تُحرِّمها علينا. ص 237

- يُخيل إلي إني أعرف الحياة كثيراً، وعندما اطلع عليها عن قرب، ليس في كتاب ولا في انطباعاتي الخاصة عنها، بل حين تنتصب هي نفسها أمامي. ص 240

- إنّ السّادة والفلاحين مثل القطران والماء لا يتمازجون. ص 255

- إن في الحياة لحظات طيبة نود ألا تؤمن بقذارة الإنسان وجنونه؛  لحظات، تأخذك فيها الشّفقة على النّاس جميعاً، غنيهم وفقيرهم. إن الغني أيضاً يضل الطّريق؛ إن أحدهما يُعميه الجوع، والآخر يُعميه الذّهب. فيا أيها النّاس، يا أيها الأخوة، احنوا الرؤوس قليلاً، وفكروا، ولا يُخيفنكم أن تُفكروا. ص 264

- الطيبة، قوة عظيمة. ص 267

- في بعض الأحيان يُحدثكِ أحد النّاس، يُحدثكِ فلا تفهمينه، إلى أن يتفوه بكلمة ما لا تدرين ما هي، كلمة بسيطة، ومع ذلك، لا شيء سوى هذه الكلمة يوضح لك فجأة كل شيء. ص 270

- إن المرء ليعيش الحياة عندما يرجو شيئاً فيها خيّراً، أما إذا تلاشى هذا الرجاء، فأي معنى يبقى للحياة بعد؟. ص 276

- الشّبع من الحياة يجر وراءه ضرورة الموت. ص 287

- إنّ حياة الرّجل الطّيب أليمة، وموته يسير.. فكيف ستراني أموت!. ص 296

- يبدو لي أننا نتسرع كثيراً حين نقول عن إنسان ما، أنه مات. لقد ماتت شفتاه، ولكن كلماته ما برحت حيّة، وستظل إلى الأبد، حيّة في قلوب الأحياء. ص 298

- إن القليل القليل من السّعادة كافٍ لكل إنسان، ولكن ليس هناك من يتمنى هذا القليل. وإذا كانت السّعادة كبيرة، فإنها تصبح رخيصة. ص 302

- ليس لي أن أختبئ مِن وجه حقيقتي، فحقيقتي تعيش فيّ . ص 331

- فتشوا عن الحقيقة، واحرصوا عليها، وثِقوا بمن يحمل إليكم الكلم الطيب، ولا تضنوا بقواكم من أجل الدِّفاع عن الحقيقة. ص 340

- اعملوا من أجل الحُرّية، فستهبكم الحُرّية الخُبز والحقيقة. ص 340

- حاسة شمٍّ جيدة، وهذا ما يميز أنوف النّاس الشُّرفاء، لأن هذه الأنوف في الحقيقة، لا تهيم في الشوارع طويلاً، وعلى غير هُدى. ص 348

- عليك أن تعرف، أنت نفسك، قيمتك لا بالنسبة إلى أعدائك ، بل بالنسبة إلى أصدقائك. ص 356

- يجب أن يعرف المرء كلّ شيء، أن يعرف كيف يخاف، وأن يعرف كيف يكون شُجاعاً. ص 357

- هناك حالات يفهم فيها الأمي أكثر من المتعلم، لا سيما إذا كان هذا المتعلم يأكل جيداً. ص 357

- إن قيمة الرّجُل هي عمله الشخصي. ص 362

- ذلك الألم الحاقد، ألم الذئبة، ألم الأم التي تبكي أولادها الرّاحلين. ص 363

- إن المرء ليغدو رغماً عنه ضارياً، في هذه الحياة الضارية. ص 365

- خِصاماً طيباً خيرٌ من سِلمٍ رديء. ص 370

- هذه هي الحياة، نضحك في النهار خمس مرات ونبكي مثلها. ص 378

- إن الحياة العائلية تضائل فعالية الرّجُل الثوري، تضائلها باستمرار: الأطفال، وفقدان الموارد، وضرورة العمل الدائب لكسب العيش، في حين أنه لا بد للثوري من أن يُنمي فعاليته بلا انقطاع، وفي كل اتجاه، وهذا يتطلب وقتاً. ومن الواجب أن يكونوا دائماً في الطّليعة، لأنهم هم الكادحين الذين اختارتهم قوة التاريخ لتهديم العالَم الهرم، وبناء الحياة الجديدة، فإذا ما ظلوا في المؤخرة، وإذا ما استسلموا للنّصَبِ، أو لإغراء مغنم صغير قريب، كان ذلك وبالاً، بل كاد أن يكون خيانة. ليس هناك من نستطيع أن نسير معه بنفس الخُطى، دون أن يُفسد علينا إيماننا، ومن واجبنا ألا ننسى أبداً أن مهمتنا ليست في تحقيق مغانم صغيرة، ولكنها فقط في تحقيق نصر كامل. ص 389

- إن القلوب الفتية هي دائماً أكثر قُرباً إلى الحقيقة. ص 407

- إنك إذا أهنتني فصفعتك، وكنت أنت الذي ستحاكمني مِن أجل ذلك، فإنني سأكون أنا المُخطئ بلا شك، ولكن البادئ من هو؟ إنه أنت. ص 408

- المجتمع الذي يعتبر الإنسان أداة لإثرائه هو مجتمع لا إنساني. ص 415

- إذا اضطر لأن يذهب إلى لقاء الموت، فسيُلاقيه بنفس البساطة ، وعندما يأتيه الموت، سيسوي نظارتيه ويقول له: «رائع»..  ثُمّ يموت!. ص 434

- وإنه لرائع أن تمشي أُمٌّ وابنها جنباً لِجنبٍ. ص 445

- العقل لا يُغرق بالدّم. ص 456

***

قراءة: السعيد بوشلالق

 

عبد الرضا عليلم تكتفِ أساليبُ كتابةِ الإبداعِ بتنوِّعِ الأشكالِ حسب، إنَّما تعدَّتْ ذلك إلى تعدُّدِ أشكالِ الرؤيةِ في فلسفةِ النصِّ... أي لم يعُدِ النصُّ شكلاً واحداً، إنّما أضحى أشكالاً، ورؤى⁽¹⁾.

وإذا كانت قصيدةُ التفعيلةِ هي الوليد الحداثيّ لقصيدةِ الشطرينِ، فإنَّ الشكلَ النثريَّ، ونعني بهِ  أساليبَ الكتاباتِ الشعريَّةِ الجديدةِ كـ (قصائد النثرِ المركَّز) أو (النثرِ الشعريّ) أو (قصيدةِ النثر) السائدةِ الآنَ هيَ الوليدُ المنفلتُ لقصيدةِ التفعيلةِ التي كانت تسمّى بـ (الحرَّة) أيام جيلِ الرادةِ: السيّاب، والملائكة، والبياتي، والحيدري، وغيرِهمِ، مع أنَّنا كثيراً ما كنّا نميلُ إلى تسميتِها بـ (النصِّ المفتوحِ) للتصادمِ الحاصلِ بين مفهومي (قصيدة) و(نثر).

ومع أنَّنا نؤمنُ أنَّ السائدَ ـ في الأعمِّ الأشملِ ـ  راكدٌ، وأنَّ المغايرَ ـ في الأقلِّ الأندرِ ـ متحرِّكٌ، إلاّ أنَّ المغايرَ المختلفَ قليلٌ جدّاً، لذلك كان تأكيدُنا على أنَّ القابضينَ على جمرةِ (قصيدة النثر) لا يتجاوزونَ عددَ أصابعِ اليدينِ، مع بعضِ الاستثناءاتِ القليلةِ . وورود الموسويُّ واحدةٌ من  أولئكَ القابضينَ والقابضاتِ على جمرتِها، مع أنَّها في (لا أسمعُ غيري) قد استخدمتِ الأسلوبينِ: المفتوحَ، والتفعيليَّ.

***

في(لا أسمعُ غيري) محاورُ عديدةٌ: أسلوبيَّةٌ، وفنيَّةٌ، منها ما كانَ جديداً، ومنها ما كان قد ظهرَ في مجموعتيها السابقتينِ: (وشمُ عقارب) و(هل أتى...؟)، وقد وجدَتْها هذهِ القراءة حريَّةً بالإشارةِ، وهي:

1 ـ تأخيرُ إكمالِ الصورة:

ونعني به أنَّ الشاعرةَ لا تكملُ الصورةَ التي تبتدئ بها إلا بعد استرسالٍ مقصودٍ يؤطِّرُ المشهدَ كاملاً، وهو أمرٌ نظنُّ أنَّ الذاتَ الشاعرةَ هي التي كانت وراءَ تأخّرِ الجواب على هذا النحوِ المقصودِ، ففي (نخلة الآه)⁽²⁾ ترسمُ الذاتُ صورةً لامرأةٍ لا نعرفُ من تكون إلاّ بعدَ إكمالِ جوانبِ المشهدِ السردّي:

ـ المرأةُ التي فرَّ الوقتُ من أصابعِها

استحالت نخلةً دون عذوق..

مرَّ الغائبونَ تحتَ ظلِّها دونَ أنْ تمنحَهم تمرةً

أو تُلقيَ عليهم تحيَّةَ المسافرِ

تلكَ المتَّشحةُ بالغيابِ والموتِ

تلكَ التي تُسبِّحُ  باسمِ الثُكلِ سرَّاً

وتضحكُ من قلبِها المعطوبِ بالذاكرة

تلكَ التي تعشقُ الفكاهةَ

لكنَّها تعرفُ جيّداً أنَّ العالمَ أبخلُ من أن يمنحَ فرصةً

لامرأةٍ دقَّ الفقدُ مسماراً بين عينيها

تلكَ المرأةُ التي اصطفاها الحزنُ حتى الموتِ

كانت

جدَّتي.

فبين لفظةِ (المرأة) ولفظةِ (جدَّتي) تدفَّقت صورٌ شتّى بقصديَّةٍ وتصميمٍ مخطَّطينِ من لدنِ الذاتِ الشاعرة ليس غير.

ثمَّ سارت على النهجِ نفسه (في قصيدة غير معنونة) ص:77، فجعلت صورَها الفنيَّة تتداعى على نحوٍ إخباري، لتنتهي كلُّها فيما قرَّرتهُ الذاتُ الشاعرةُ من إكمال:

لم تكنْ سماءً لأهزَّ بابَها بالأدعيَةْ

لم تكنْ حقلاً لأرشَّ دربَهُ بما قطَّرتْ وردةٌ روحَها

لم يكنْ جداراً لأنقشَ عليهِ ظُلمتَهُ

لم تكن ورقةً لأصنعَ منها طائرةً تُشيرُ للريح

لم تكنْ ريحاً ليُغريَها الفضاءُ بالصفير

لم يكن صفيراً ليختبئ خلفَ حنجرةٍ

ما ارتطمَ الآنَ

لم يكنْ سوى مسمارٍ معقوفِ الرأسِ

دُقَّتْ بـ حوافِّهِ الروحُ...

وهذهِ النصوصُ لا تحتملُ التأويلُ مطلقاً .

كذلك كانت قصيدتاها غير المعنونتينِ في الصفحات: 51، 92 قد استخدمتا هذه الظاهرةَ الفنيَّة.

2 ـ التقنية:

منجزاتُ (لا أسمعُ غيري) الفنيَّة عديدة، لكنَّ أكثرَها تركيزاً اهتمامُ شاعرتِها بـ منجزَي: المناجاةِ النفسيَّة، والصورةِ السرديَّة، وهما منجزانِ من منجزاتٍ عديدةٍ أفادَها الشعرُ من تقنيات السردِ، واشتغلَ عليهما في القصائدِ الدراميّة.

والمناجاةُ النفسيّةُ هي حديثُ النفسِ إلى النفسِ، أو إلى القرينِ المتماهي معها، وهذا الحديثُ كما يقولُ ت.س. إليوت: (هو صوتُ الشاعرِ يتحدَّثُ إلى نفسِهِ، أو إلى لا أحدَ... فإذا لم يتحدّثْ الشاعرُ إلى نفسِهِ مطلقاً، فإنَّ المنظومَ لن يكونَ شعراً حتى إذا كان بلاغةً فذَّةً. وجزءٌ من متعتِنا في الشعرِ هي اللذَّةُ التي نستقيها من سماعِ كلماتٍ غيرِ موجَّهةٍ إلينا.)⁽³⁾

كما في (قولِها في قصيدة غير معنونة) ص/ 56:

لمنْ تعودينَ...؟

والمساءُ (يحطُبُ) أسماءَهم

يُكفِّنُ وجهَ المسافاتِ بالذكرى

يَعدُّ الحكايا طريقاً إلى الدمعِ

أتبكينَ...؟

هُم غدروكِ

وغادروكِ

فلا تُبصري الدَّربَ

واشربي الدمعَ بالذكريات

واحبسي القولَ عن تَرفِ السؤالِ

ولا تسأليني...

أمّا تقنيةُ الصورِ السرديَّةِ، فهي أعلى استخداماً في اشتغالاتِها، لاسيّما المتداخلة بالمحاورةِ، أو في ما اصطُلِحَ عليهِ بـ (الديالوج) كما في قصيدتِها غيرِ المعنونةِ في الصفحةِ 66:

واقفةً والظلامُ يحزمُ الحقائبَ

يغزلُ عباءةً للمكانِ وينظرُ..

أخطو

فـ يعلقُ القلبُ بخطوتي..

لا ترحلي..

لا ترحلي، فالمساءُ كفيفٌ

وكفِّي(عُكّازةٌ) للوهمِ

بينما الرحيلُ مُعجِّلٌ يعوي

مُدّي ذراعَكِ فالمساءُ فاتَ

ولا عثرةَ ينظرُها عابر

أو بقاء.

وكما في الكثير من قصائد المجموعة.⁽⁴⁾

3 ـ أنسَنةُ الموتِ:

2170 ورود الموسويعلى الرغمِ من كونِ الموتِ لغزاً يحتاجُ حدوثُهُ إلى تعليلٍ مقنعٍ، فإنَّ سكانَ وادي الرافدينِ القدامى وجدوهُ(في صورةِ سخطٍ  مكتومٍ، وإحساسٍ دفينٍ بالظلمِ)⁽⁵⁾، مع أنَّ قيمَ الإيمانِ تراهُ حقَّـاً ليس غير.

ومهما اختلفَ الناسُ في تعليلِهم لهُ، فإنَّهم انتهوا إلى كونهِ النهايةَ المحتومةَ لكلِّ ما هو حيٌّ على وفقِ قولِ كعبِ بن زهير بن أبي سلمى:

كلُّ ابنِ أنثى وإنْ طالتْ سلامتُهُ

يوماً علـى آلةٍ حدباءَ محمولُ

لكنَّ الشعراءَ الذين أدركوا مغزاهُ فلسفيَّاً اختلفوا في تصويرهِ، ولعلَّ أنسنتَهُ، لم تردْ إلاّ عندَ القلَّةِ القليلةِ منهم، ومن هذه القلّةِ كانت ورود، مع  أنَّ ثالثَ النهرينِ رآهُ ذئباً:

ذئبٌ ترصَّدني وفوقَ نيوبهِ

دمُ إخوتي وأقاربي وصحابي

إنَّ أنسَنةَ الموتِ وتشخيصَهُ، ومحاورتَهُ هي ما تجعلُ النصَّ مغايراً، ففي النصِّ الوامضِ (غير المعنون) في الصفحة 68 تخاطبُ بطلتَهُ الموتَ قائلةً:

أيُّها الموتُ ترجَّلْ قليلاً

ثمَّ شيخٌ لم يُتِمَّ صلاتهُ بعدُ

أمٌّ تُعدُّ الغداءَ للعائدينَ

وطفلٌ يُحايلُ الوقتَ ليلعبَ

كذلك فعلَ بطلُ قصيدةِ (خادمُ الغيبِ) ص:98 حين انبرى يؤنسِنُ الموتَ، ويُخاطبُهُ قائلاً:

أيُّها الطارقُ العجولُ

ولِّ وجهَكَ شطرَ المقابرِ

ولا تقعُدْ عندَ بابِ عبدِكَ

فما أنا سوى حزنٍ فقير

لا يملكُ غيرَ حفنةٍ من المتعبينَ

يا سيّدي الموتُ...!

لكنَّ أجملَ أنسنةٍ شعريّةٍ كانت بصياغةِ ماهرٍ  نابهٍ كان قد ربطَ نفسَهُ للأسفِ بالطغيانِ بعدما استساغَ قضمَ الجزرةِ خشيةً من عصا الدكتاتور ومنظّمتهِ السريّةِ في قصيدة (زيارة) حين خاطبَ عبد الرزاق عبد الواحد الموتَ قائلاً:

من دونِ ميعادِ

من دونِ أنْ تُقلقَ أولادي

أطرقْ عليَّ البابْ

أكونُ في مكتبتي في معظمِ الأحيانْ

أجلسْ كأيِّ زائرٍ، وسوفَ لا أسألُ لا ماذا، ولا من أينْ؟

وحينما تُبصرُني مغرورَقَ العينينْ

خذْ من يدي الكتابْ

أعدْهُ لو تسمحُ دونَ ضجَّةٍ للرفِّ حيثُ كانْ

وعندما تخرجُ لا توقِظْ ببيتي أحداً

لأنَّ من أفجعِ ما تُبصِرُهُ العيونْ

وجوهَ أولاديَ حينَ يعلمونْ.

***

ما تقدَّمَ كانَ بعضاً من حقَّ المجموعةِ، ومبدعتِها على النقدِ المنصف، أمَّا ما عليها فيكادُ لا يُذكرُ، ولا يقدحُ بلغتِها، ونسيجِ نصوصها، وشعريّتِها إطلاقاً، وهو حقُّ النقدِ على المجموعةِ الشعريّةِ، ويمكنُ أنْ يُعدَّ من بابِ الاختلافِ في وجهاتِ النظرِ ليسَ غير، وهذا الاختلافُ ينحصرُ في ملاحظتين:

الأولى ـ لا نرى مبرِّراً لحجبِ عنواناتِ بعضِ نصوصِ المجموعةِ، فقد يظنُّها بعضُهم جزءاً من قصائدَ أخرى.

الثانية ـ ثمَّةَ خطأٌ شائعٌ يجبُ تداركُهُ في جملة (من أبدلَ قلبَكَ بالحجارة..؟) في صفحة 48، فقد قالت في نصٍّ لم تعنونْهُ:

منْ دقَّ بابَ الفتنة..؟

من أيقظَ الظباءَ النائمةَ تحتَ قلبِك ..؟

منْ أبدلَ قلبَكَ بالحجارة .. ؟

منْ رمى حجراً ببركةِ الحُبّ .. !

منْ حوَّلَ الحبَّ مستنقعاً للنقيقِ،

والحشراتِ السَّامَّة.. !

فقد كان على الشاعرة أن تقولَ: (منْ أبدلَ بقلبِكَ الحجارة ..؟ ) أو (منْ أبدلَ الحجارةَ بقلبِك )، لأنَّ المتروكَ هو ما تعلَّقَ بالباء، بدليلِ قول الحقِّ في الآية 61 من سورةِ البقرة: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ).

مع عظيمِ الإشادةِ بهذا المنجزِ الإبداعيِّ الجميل.

 

د. عبد الرضـا عليّ

...................

إحــــالات:

(1) ينظر كتابنا: قيثارة أورفيوس قراءات في السائد والمختلف،         ط1، 135، دار العارف، بيروت،2017م.

(2) لا أسمعُ غيري،68، ط1، دار شهريار، البصرة، 2018.

(3) أصوات الشعر الثلاثة، ترجمة سلمان محمود حلمي، مجلَّة(الفصول الأربعة) بغداد خريف 1954، ص: 54 ـ 71، وينظر كذلك كتابنا: الأسطورة في شعر السيّاب، ط3، 102، ـ 103،دار العارف بيروت 2017م.

(4) تنظر نصوصها: رقدة أخيرة 18، وانحناءة 36، وحقائب خاوية 57، وغير المعنونة 66، وشيخوخة الظلّ 61، وغيرها الكثير.

(5) فرانكفورت وآخرون (ما قبل الفلسفة) ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، 246، دار مكتبة الحياة، 1960م. وينظر كذلك كتابنا: الأسطورة في شعر السيّاب، ط3، 173، دار العارف بيروت 2017م.

 

 

صعوبة القصة القصيرة:

بادئ ذي بدئ ينبغي أن نعترف أنه ليس من السهل أن تكتب قصة قصيرة، فتجارب العديد من الكتاب تشهد أنهم استهلوا حياتهم الأدبية بفن القصة القصيرة، وحين استحوذ عليهم الفشل وضاقت بهم السبل تحولوا إلى الرواية والشعر أو ممارسة النقد. ولعل نجيب محفوظ في مصر وإدريس الناقوري ونجيب العوفي في المغرب خير مثال على ذلك ورغم ذلك نجد بعض الكتاب امتطوا صهوة التحدي وأصروا على سبر أغوار هذا الفن واقتحام أدغاله مؤثرين المعاناة والمكابدة على السير في طريق معبدة. ومن هؤلاء نجد الدكتور علي القاسمي الذي نشر في الآونة الأخيرة العديد من القصص القصيرة في المغرب وفي المشرق على السواء. والغريب أن النقد لم يلتفت إلى ما صدر عن هذا الرجل رغم توافر العديد من عناصر الجدّة والجودة فيه، وكأن النقاد أبَوا أن يعترفوا به كاتبًا للقصة القصيرة، وفضّلوا أن يبقى في المجال الذي مارسه وبرع فيه ونعني به علم المصطلح وما يتعلق به. وقد صدرت له مؤخراً قصة قصيرة بجريدة يمنية قدم لها الشاعر الناقد الدكتور عبد العزيز المقالح بعبارات شديدة الإيجاز لكنها تحمل من غنى الدلالة وقوة المعنى  ما ينطق صراحة بنضج القصة واستواءها فنيا وبتنوع واتساع ثقافة صاحبها. يقول الدكتور المقالح متحدثا عن تطور الفن القصصي في الوطن العربي بعد أن استبد به الإعجاب بقصة الدكتور علي القاسمي وبقصص أخرى :    " ويكفي أن أقلية متميزة بدأت تكتب القصة القصيرة بمفهومها الأحدث وقد تحولت كتابة القصة عند هؤلاء من هواية إلى رغبة عميقة وإلى محاولة تتجاوز السائد في هذا الفن ليس على الواقع المحلى وإنما على المستوى العربي أيضا وأمامي وأنا أكتب هذه الومضات نماذج ترقى إلى أفضل مستويات القصة القصيرة في الوطن العربي والعالم بعد أن تخلت عن العبارات الإنشائية والوصف الفضفاض، واعتمدت الكلمة  الدالة الموحية، وهذا ما يجعلني أكرر مقولات سابقة حاولت أن تؤكد على حقيقة أن القصة القصيرة هي قصيدة العصر الحديث وأنها استطاعت بما امتلكه كتابها من موهبة وثقافة واسعة أن يأخذوا أجمل ما في الشعر وهو اللغة وأجمل ما في القصة وهي الحكاية ويخرجوا إلى القارئ بهذا المزيج البديع الذي يسمى بالقصة القصيرة المعاصرة."

وفي الحق أن حكم الدكتور المقالح ليس وليد قراءة عجلى وسريعة ولا نابع عن محاباة ومجاملة.

تستوي قصة الغزالة على رقعة مكانية صغيرة إذ غطت ربع صفحة لا غير، أي  ثلاثة أعمدة لا يتجاوز طول الواحد أربعين سطرا وكل سطر يتكون من بضع كلمات  لا يفوق عددها خمسا أو ستا على الأكثر وعمودا رابعا يتعدى الثلاثة بقليل. وتستغرق قراءة القصة ربع ساعة في أكثر الأحوال، وهي تنهض على موقف واحد تناوله الكاتب بكثير من الكثافة والتركيز اللذين تتطلبهما وحدة الزمان والمكان وهو ما أهلها أن تتمدد على سرير القصة القصيرة بجدارة واستحقاق ومن دون حاجة إلى الاستنجاد بسرير بروست .

سحر الحكاية:

باسم الحداثة، قام الكثير ممن يسمون أنفسهم كتّابًا بإخراج نصوص تتشكل من جمل متناثرة لا رابط بينها ولا معنى لها وسمّوها قصصا قصيرة تروم بناءً حديثاً يسعى إلى التجاوز و خلخلة أنماط السرد التقليدي وزحزحة أفق انتظار القارئ.  وعوض أن تجتذب هذه القصص القارئ وتستهويه حدث العكس، لأنها تفتقد تلك المتعة التي كانت توفرها كل أنواع السرد والتي تنهض أساسا على الحكاية ، صحيح أن الأجناس الأدبية في حاجة إلى التغيير والتطوير، لكن من غير أن تتلاشى المبادئ الأساس التي تكوّنها . فالتجاوز يتم في إطار القواعد نفسها التي يقوم عليها كل جنس .

إن الدكتور علي القاسمي شديد الوعي بهذه المسألة لذلك تجده يحرص كل الحرص على إضفاء طابع الجدة على كتاباته من غير أن ينزلق في متاهات الغموض، متسلحا بكثير من تقنيات الكتابة القصصية، وتجده أيضا يصر على إمتاع القارئ وإهدائه لذة القراءة من خلال حكاية مشوقة يمتزج فيها الواقعي بالمتخيل ويأخذ فيها العجائبي بعدا رمزيا.

العجائبية:

يحاول كثير من كتاب القصة والرواية توظيف العنصر العجائبي في أعمالهم الإبداعية ولكن نادرا ما ينجحون في ذلك لعجزهم عن جعله عنصرا فاعلا في السرد يلتحم مع باقي العناصر ليشكّل لوحة سردية واحدة ذات بناء متراص ومتكامل، فتتحول نصوصهم إلى عناصر متفككة تبدو عليها كثير من علامات التكلّـف والتصنّع، ولا تحمل أي مدلول ولا تبشر برؤية واضحة أو هدف مرسوم. وحين نقرأ قصة "الغزالة" للدكتور علي القاسمي نكتشف قدرته البارعة على تجاوز هذا المنزلق، ونقف على نجاحه في بناء عالم عجائبي تتقاسم فيه البطولة أجناس مختلفة، وتتصارع فيه الشخوص صراعا يجذبك إلى فضاء يشعرك بكثير من التردد والدهشة وأنت ترى الأحداث تنمو وتتفاعل في اتساق وانتظام، فيأخذ الواقعي والعجائبي بُعداً واحداً، وتمتزج الأشياء وتختلط وتصير شيئا واحداً، إذ تنمحي الحدود بين الإنسان والحيوان ويشتركان في القسمات والعلامات، ويتحد الثابت والمتحرك ويتساويان في الصفات والأفعال، وهكذا  لا نميّز في البطولة بين البطل الإنسان والغزالة والذئب، ولا نفرّق في المكان بين الصحراء والخيمة والمدينة ، إذ تسهم هذه العناصر جميعها في بناء القصة وتتضافر من أجل أن تعطينا نصا له نكهة خاصة تتأسس على مفهومي " الانقلاب والمفاجأة " (1)، وهذا يذكرنا بنصوص مبدعين كبار نذكر منهم أحمد بوزفور في رائعته " حدث ذات يوم في الجبل الأقرع " التي توجد ضمن مجموعته القصصية " النظر في الوجه العزيز" مع اختلافات طبعا في طريقة الحكي وملامسة القضايا والإشكالات.

إن الدكتور علي القاسمي نجح في تجاوز تقنيات الوصفة والمعايير وتجاوز مستوى الانتماء التصنيفي وخص نفسه بخطاب وصنعة تلفّظ منفردة من خلال علاقة تحويل لا علاقة استنساخ.(2)

البعد الرمزي:

إن المتأمل في قصة الغزالة يلاحظ ورود كثير من الرموز التي وظفت في أدبنا العربي قديمه وحديثه: الصحراء، والغزالة، والذئب، والدم. ومن الذين وردت هذه الرموز كثيراً في أشعارهم نذكر الشاعر العذري قيس بن الملوح الملقّب بمجنون ليلى والذي وجد النقّاد في أشعاره مجالاً خصباً لتجريب مناهجهم الحديثة وبخاصة المنهج النفسي. وإذا كان قيس بن الملوح قد نقل " مأساته وصوّرها في هذا المشهد الصحراوي صراع بين ذئب عاد وظبي  جميل مع انتصاره هو للظبي وانتقامه من الذئب" (3)، فإن الدكتور علي القاسمي قام باختزال الصراع الذي يعيشه الإنسان مع ذاته ومع الآخر في ظل التحولات السريعة والمعقدة التي يشهدها العالم المعاصر، تاركاً باب تعدد القراءات والتأويلات مفتوحاً على مصراعيه، ما دام النص قابلاً لكل الاحتمالات.

جمالية اللغة:

رغم أن الكاتب يؤلف باستمرار في مجال علم المصطلح وصناعة المعجم، ورغم دأبه على حضور الندوات واللقاءات العلمية وحرصه على إثراء النقاشات بآرائه، ورغم أن هذه المشاركات تتطلب لغة علمية دقيقة ليس فيها إيحاء أو مجاز أو رمز، فإن صاحبنا حين يخلع عنه بردة العالم ويرتدي لباس الأدباء، تتغير لغته أيضاً وتأخذ تلوينات وأشكالاً مختلفة وتصبح لغة مجازية فيها إيحاء وفيها انسياب وفيها ماء ورونق، على حد تعبير البلاغيين، إذ يتعذّر أن نصادف كلمة تخالف الذوق أو تعبيراً  معقداً أو فكرة غامضة؛ كل شيء يخضع لميزان السهولة والوضوح في غير إفراط، وانزياح في غير تفريط.

للاطلاع

الغزالة / د. علي القاسمي

 

الدكتور عبد الحميد العبدوني

أستاذ النقد الأدبي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في مكناس ـ المغرب

.................................

(1) إدريس الناقوري، ضحك كالبكا (الرباط: دار النشر المغربية، 1985) ط1،ص 120

(2) محمد برادة،  لغة الطفولة والحلم (الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986.

(3) محمد غنيمي هلال، "مجنون ليلى بين الأدب العربي والفارسي" في مجلة "فصول" العدد الثالث 1983، ص 151

 

 

عبد الله الفيفيناقشنا في مساقاتٍ سابقةٍ مزاعم أحد القمامصة أنَّ أخطاء في البناء النحويِّ قد وقعت في "القرآن الكريم"، مستندًا في أقواله إلى قواعد النحاة، التي إنَّما قُعِّدت بعد نزول "القرآن" بأكثر من مئة سنة.  وقلنا إنَّ ذلك مناقضٌ لمنطق النظر العِلمي، ومعايير التطبيق، وإنَّه من البدهي أن لا يُطبَّق قانونٌ ولا تقعيدٌ على حالاتٍ سابقةٍ على سَنِّهما؛ فلا تجريم على ما وقع قبل سَنِّ القانون.  وهذا أمرٌ متعارفٌ عليه في القوانين والشرائع والأنظمة كافَّة. ومع ذلك، وللإنصاف، فليس ذلك القُمُّص وحده من رُكِّبت عيناه بحَوَلٍ مَعْرفيٍّ في هذا الشأن، فإنَّ بعض النحاة ما انفكوا مثل القُمُّص، من قَبله ومن بَعده، بزعمهم شموليَّة القواعد النحويَّة لما قبل تقعيدها وما بعده، ولولا جهودهم ما وجد الطاعنون من هذا الباب مطعنًا.  وإذا كُنَّا نُجادل مَن يطعنون في بناء "القرآن"، وهم يتكئون على وسائد من كتب التراث، فلا نكران أن بعض أرباب التراث هم من يضعون الموادَّ الأوَّليَّةَ والأدوات البدائيَّة بأيدي الطاعنين، بحُسن نيةٍ، وإنْ بسذاجةٍ لا يُحسَدون عليها. 

ونحن ندافع مزاعم من يتَّخذ قواعد النُّحاة حُجَّةً للطعن في لغة "القرآن"، يأتي- للمفارقة- من يُدافع عن تلك المزاعم؛ من حيث لا يُبصِر المِخْرَشةَ التي في عينيه، مُدَّعيًا شموليَّة تلك القواعد لغةَ العَرَب، وأنها، بالفعل، لم تَدَعْ صغيرةً ولا كبيرةً إلَّا أحصتها؛ وأنَّه لا اختلاف بين قواعد (أبي بِشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي، بالولاء، المعروف بسيبويه، -180هـ= 796م) وبين لغة العَرَب، إنْ في صدر الإسلام، أو قبل الإسلام، أو حتى على امتداد الزمن، منذ الأزل إلى الأبد!  وهو ما لم يدَّعه سيبويه نفسه، ولا غيره من العقلاء، أيام كانوا يفكِّرون بعقولهم التي في رؤوسهم، لا بعقول غيرهم. لكنَّ بعض المعاصرين يدَّعون ويدَّعون؛ لأنهم لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يعدلون؛ من حيث هم قد بُرمِجوا على حماسيَّات حزبيَّة خاسرة، تُفقدهم القُدرة على التمييز، وتعصُّبات فاسدة، تصطنع لهم الخصوم دائمًا، بحقٍّ أو بباطل.  وكان صاحبي جالسًا القرفصاء، فمدَّ رجليه، متنفِّسًا الصعداء، قائلًا:

- وعندئذٍ، ما على (أبي حنيفة) في أن يمدَّ رجليه من بأس!  لقد تبيَّن أن القُمُّص (زكريا بطرس)- الذي صجَّتْنا مقالاتُك بادِّعاءاته- ليس وحده، وأنه وتلك العاقبة من النحويِّين المعاصرين على مِلَّةٍ واحدة؛ فقمامصتنا كانوا أولى بالمواجهة من قمامصة الجيران!  ولكن ما وقفَ امرؤٌ يومًا دون أهله مدافعًا، إلَّا تكشَّفت له الأيام عن عدوٍّ في ثياب صديق!  ولله في خلقه شؤون! 

- ولولا ذلك لما أرهق هؤلاء أنفسهم في محاولة استدخال العربيَّة قبل التقعيد إلى قعر القُمقم النحوي.  وكان يسعهم القول، لولا المكابرة، إنَّ لغة العَرَب قبل التقعيد عالمٌ أوسع منها بعد التقعيد.  "ولكن ضاقَ فِترٌ عَن مَسيرِ"! 

- أ من أجل هذا اضطرتهم تلك الإشكالات، التي لم يشاؤوا الاعتراف بأسبابها الحقيقيَّة، إلى تخريجاتٍ مضطربةٍ كثيرةٍ لما خالف قواعد النحاة؟

- أجل، وقد عرضنا أطرافًا من طرائفها في مساقات سابقة. 

- قواعد النحاة، في ذاتها، صحيحةٌ منهاجيًّا، وهم إنَّما بنوها على الغالب ممَّا أدركه استقراؤهم.

- نعم، وهذا ما نقول. غير أنَّ هذا شيء، والزعم بأنها قواعد جامعةٌ مانعة، ولا يخرج عنها عربيٌّ إلَّا شذوذًا، شيءٌ آخَر.

- بل أكثر من هذا، تبدو كأنَّها- لدى قمامصتنا النحاة- وحيٌ يوحَى، أو كأنَّها كانت قائمةً منذ الأزل باقيةً إلى الأبد. 

- وليس في هذا مبالغةٌ في الوصف؛ فلولاه لما قال بعضهم: إن لغة آدم كانت العربية الفصحى، وبلهجة قريشٍ تحديدًا، وطِبق قواعد (رائحة التفاح الفارسيَّة)! 

- إنها شُموليَّةٌ تصوُّريَّةٌ طفوليَّة، إذن، تُقحِم الإديولوجيا في ميادين العلوم الإنسانيَّة، تجدها في التاريخ، وفي اللغات، وفي غيرهما. ولا جديد تحت الشمس.

- ولذا تنتهي إلى مصادراتٍ عجيبة، تَسبح في عوالم بدائيَّةٍ من تصوُّر اللغات، نشأةً وتطوُّرًا، كان من إفرازاتها، مثلًا، القول: بالتوقيفيَّة في اللغة، وأنها ليست بمنتَجٍ بَشريٍّ، وُلِدَ وتطوَّر مع الإنسان عبر مئات السنين وآلافها. 

- لو كانت فكرة التوقيفيَّة بمعنى الهِداية، لصحَّت لدَى المؤمنين، فالله أعطى كلَّ شيءٍ خَلْقَه ثمَّ هدَى.

- فكرة التوقيفيَّة لا تقف عند هذا الحدِّ، يا صاحبي.  ومَن يركب مثل هذه الشطحات الغيبيَّة مضطرٌّ إلى وسائل احتياليَّة شتَّى، من التأويل والتخريج، لسدِّ عجزه عن الإقناع بما كلَّف به نفسه، "ولا يكلِّف الله نفسًا إلَّا وُسعها".

- علام هذه التهوُّكات؟

- لأنَّ هؤلاء يتسوَّرون محاريب هم غير مهيِّئين لها أصلًا، لا نفسيًّا ولا ذهنيًّا؛ لأنَّ أحدهم لا يتعامل مع الظواهر، ومنها الظاهرة اللغويَّة، بواقعيَّةٍ وعقلانيَّة، فضلًا عن الأخذ بأسباب البحث العِلميِّ الصحيحة، بل بخيالات، واعتقادات، ومواريث، وتمذهباتٍ اتباعيَّة، لا دليل عليها، فإذا هو لا يلوي- في نهاية المعراج- على غير العواطف والتقليد والترديد. 

- أ لأجل هذا خاض الخائضون، مثلًا، للمحاججة على أنَّ "القرآن" نزلَ وَفق قواعد النحاة تمامًا، وبالضرورة، وأنَّ الظواهر المخالفة لتلك القواعد لها تخريجاتٌ لديهم عويصة، أمَّا ما خالفها من كلام العَرَب عمومًا، ومن شِعرهم خصوصًا، فإنَّما هو من المرذول والشاذِّ عن لسان العَرَب؟

- قَد جَرَّسوا الدَهْرَ وَقَد بَلاهُمُ ... هذا وهذا دَأبُهُ وَدَأبُهُمْ

وما بلاهم غير ذاك؟!  ومَن شَذَّ شَذَّ في النار!  ولهذا أيضًا لم يجدوا بُدًّا من وصم الشعراء بالعِيِّ والخَبَل؛ فقالوا، مثلًا: إنَّ (امرأ القيس)، و(النابغة الذبياني)، في الجاهليَّة، و(جميل بن معمر)، و(ابن الدُّمينة)، في الإسلام، وغيرهم كثير من شعراء البادية، كانوا لا يُحسِنون نظم القوافي، فاتَّهموهم بالوقوع في ما سُمَّوه لنا: (الإقواء)، وهو اختلاف حرف الرويِّ في الحركة.  وتلك ظاهرةٌ فاشية في الشِّعر العَرَبيِّ القديم، إذا طُبِّقت عليه قواعد النحو.

- عجيب.. وكأن أولئك الشعراء كانوا صُمًّا!

- واقعيًّا، ما كانوا ليقعوا في الإقواء ولو كانوا صُمًّا بُكمًا، بل لو كانوا، إلى ذلك، غير شعراء.

- وهل عُهِد مثل هذا عن الشعراء، وبأيِّ لغةٍ أو لهجةٍ قديمةٍ أو حديثة، عربيةٍ أو غير عربية؛ بحيث لا يُدرِك الشاعر نشاز النغم في قافيته؟ 

- سَلْ نفسك! وهل سمعتَ أنت قط أنَّ الشاعر العربيَّ العاميَّ، الذي لا يقرأ ولا يكتب، يقع في مثل هذا؟! 

- لا.. لم أسمع شخصيًّا، لكن لعلَّ في أُذنَيَّ وَقْرًا!  السؤال: كيف لا يحدث ذلك إلَّا في الشِّعر العربيِّ القديم؟ 

- ومَن قال غير النحاة إنه يحدث؟!  والسبب واضحٌ وراء هذه الحُجَّة!  فحاشا أن يقال- لدَى غلاة النحاة- إنَّ الشاعر القديم إنَّما كان يستجيز في البناء ما يخالف قواعدهم الفولاذيَّة في الإعراب، وأهون الشَّرَين أن يقال: إنَّه كان من بلاهة الحواسِّ وتبلُّدها بحيث لا يفرِّق بين الضمِّ والكسر، فيرفع الرويَّ تارة ويكسره تارة!  فأنْ يقال بالكسر في القوافي أهون من أن يقال به في النحو. وربما صحَّحوا لبعض الشعراء بأيديهم؛ كي تستقيم قوافيهم ونحوُهم، وكفى الله النحويِّين التعليل والتفسير! 

- وقديمًا ضُرِب المثل بحُجَّة النحوي في الضَّعف، وشَهِد على ذلك شاهدٌ منهم، وهو (ابن فارس، 395هـ= 1004م)، صاحب "مُجْمَل اللغة"، قائلًا، متغزِّلًا غزَلًا نحويًّا، لا إقواء فيه:

مَرَّت بنا هيفاءُ مَجْدولةٌ ... تُركيَّـةٌ تُـنْـمـَى لتُركـِـيّ

تَرْنُو بطَرْفٍ فاتنٍ فاترٍ ... أضعفَ مِن حُجَّةِ نَحْوِيّ!

- كما قيل "أوهن من بيت العنكبوت"!  ليسوا سواءً، على كلِّ حال، "مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُون."  غير أنَّ أوهنهم، طَرْفًا وبيتًا وحُجَّةً، من يقف ضدَّ الدعوة إلى النقد والتجديد والإصلاح، رافعًا عقيرته بالدفاع عن الرجال، لا لشيء، سِوَى أنهم من السَّلف الصالح، في نظره.  حتى إنك لتراه لا يحفل بالدفاع عن اللغة العربيَّة، من حيث هي، ولا عن النحو منهاجًا، بل عن أرباب النحو من كبراء الأعلام والشخوص.

-  يُضاهئون قول الذين من قبلهم.  وتلك ثقافةٌ متوارثةٌ لدَى الأُمم، مِن اتِّخاذ الأحبار والرهبان أربابًا؛ بما تشرَّبه العوامُّ وأشباههم، تربويًّا وتعليميًّا، من أنَّهم فوق المراجعة والاستدراك والنقد والمساءلة، والعياذ بالله! 

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

 

حيدر عبدالرضاللكاتب الكبير محمد خضير

النص القصصي بين الوقائع السردية ودال التماثل الصوري

توطئة:

تتشخص عبر علامات القابلية القصصية في مؤشرات الحكاية في مبنى قصة (احتضار الرسام) ضمن مكونات مستوعبة من أداة الوظيفة التماثلية في مشهد الصورة المتصلة وحدود هوية الشخصية المرجعية (عبد القادر الرسام) اتصالا منها وذلك الفضاء المناص المتمثل بسيرة وتجربة الشخصية المتماثلة (محمود أفندي) عبر ثيمة أفق علاقاتها المتخيلة حيال تأريخها المقرون بوقائع أمكنتها وأزمنتها وبؤرة تفاعلاتها كأرهاصات تداولية إزاء وقائع شخوصية هي حالة من الأشكال التي تبدو وكأنها (مداليل انتقائية) ووظيفة علاقة الشخصية المحور إزاء مجسدات مستوعبة من عوالمه الرسومية، أي بمعنى ما نقول أن فضاء أغلب المحاور في النص، لربما هي هيئات بانورامية مخصوصة في متخيل لوحات محمود أفندي، ذلك الرسام الموظف بهيئة وملامح وسيرة الرسام البغدادي عبد القادر .

ـ لوحة تمهيدية من خلفيات واقع التنصيص

تحيلنا عتبة الاستهلال في واقع النص بدءا بذلك الزمن الموظف حكيا على لسان السارد العليم، مضيا نحو ذلك الزمن في معاينة أوليات حياة الشخصية محمود أفندي بذلك التوظيف (البانوسيرذاتي) للمكان والزمن وعتبة حراك ومحققات الوظائف النصية، بما يصب في ثيمة العتبة الأولى من زاوية مساحة تعريفية ـ وصفية، شاهدا على منظور وقائع حياة الشخصية المحور: (تعلم محمود أفندي، الرسم متأخرا، عندما كان أسيرا في ـ بونا ـ أشترى جميع الكراريس وأقلام الرصاص من حانوت المعتقل، كما أشترى حراسه الهنود المسلمون كراريس وأقلاما أخرى من المدينة .. بدأ برسم السفينة التي نقلت الأسرى من البصرة إلى  ـ بومبي ـ على نموذج لها مطبوع على كارت، ثم رسم حراسه وزملاءه معتمدا على صور كاميرا سمح بها لأحد الأسرى . . وفي أناة،و مزاج إستوائي، طور محمود أفندي أسلوبه في رسم ـ البورتريهات ـ / ص77) يمكننا أن نقول ـ تجوزا ـ أن للفضاء المسرود ظلا وأبعادا تشكيلية دقيقة ورموزا مشخصة خفية تأويلية، رغم ظاهرها الذي يكشف عن سرد سيرة ذاتية للشخصية لا أكثر، ولكننا لو دققنا في مجرى مؤولات الإيحاء بالسيرة للشخصية، لوجدنا ثمة سياقية ترتبط وتواريخ استراتيجية مرحلة تأريخانية ثنائية من المحسوس المصور وتشكلات فضاء تماثل الشخصية: (الزمن النوعي = موازاة الحدث = اللحظة المستعادة = الاستباق بالمصدر = خلفية الفعل الحكائي ) ويسهم حضور صوت السارد العليم في تأثيث تصورات زمنية تابعة منه وتابعة إليه، نظرا لذلك النوع التركيزي في مضارع وماضوي مدار النص المموه . غير أن أهم ما يلفت الانتباه في المشهد النصي، هو ذلك المسار الذي يرسم فيه الشخصية رؤى ومجسدات لوحاته النصفية: (كان يلقي بالوجوه في جحيم من الفحم وخلفيات هي ستائر ذات ثنيات حادة أشبه بستائر من الصفيح .. وبالطبع كانت في الخلفيات مسامير ونوافذ وبنادق وأحيانا زهور جامدة في مزهرياتها جمودا معدنيا .. ولعله أراد أن يسجل درجات الحرارة التي تصل إلى درجة 47 مئوي في التماعات هذه الأزهار ونعومة ملمسها وسخونتها وجوها الرطب، وجسد على الأزهار قطرات ماء، فيما كانت الوجود تنضح عرقا .. / ص77 القصة) أن عملية تلاقح سياق النص، حيال مناصات الأبعاد التشكيلية، التي أخذت تندرج ضمن متحققات وصفية موفقة في علاقة وحدات مدلولها المثقل برطوبة المحاور المكونة للمساق المضمر من سلطة ورؤية اللامرئي في النص لعل فيوضات درجات الحرارة للصورة والأزهار والوجوه الفحمية، تذكرنا بعتبة مقدمة أقاصيص المجموعة، حيث تكون درجة حرارة نضوج القصص في غرفة الكاتب: (و 45 درجة مئوي هي واقعية، لأنها درجة حرارة غرفتي الكائنة على السطح، فوق المطبخ، حيث كتبت قصص هذا الكتاب . / ص5 غرفة في درجة 45 مئوي) على أية حال تسعى اشتغالات وحدات النص، ضمن راصدة دلالية مثيرة، أو مستهدفات ضمنية غاية في الاعتدال والتبلور الوظائفي، وفي سياق إيحائية الفضاء النصي تقودنا وحدات النص نحو مواقع أثيرة من تخوم ذاكرة القص: (أما الرسم الوحيد الذي بقي من رسوم الأسر فهي الصورة التي رسمها لنفسه، بجوار طاووس، ولأنه طواها وأخفاها بين ثيابه طويلا فقد احتفظت الصورة بثنياتها بين ثيابه طويلا فقد احتفظت الصورة بثنياتها حتى تمزقها . / ص77) ويتكرر حضور السارد بالمدلول المرجعي حول زمن الرسام محمود أفندي مركزا بالترتيب التصاعدي نحو تفاصيل ذات علاقة متواترة وزمن الأسر، مع التأكيد على القيمة العلائقية ما بين الوقائع والإشارة إلى تلك الملامح المائزة في تفاصيل اللاحق من المسرود القصصي .

1 ـ زمن السارد وكيفياته المتخيلة في ملفوظ الشخصية:

ولما كان مجال ـ زمن السارد ـ مجالا كيفيا نحو كشف علاقة زمن الملفوظ في النص وشخوصه، إذ نعاين تحولات وأدماج زمن السارد داخل وحدة الشخصية العاملة، وصولا منها إلى مساحة ذلك الوعي المناوب بين صوت الأنا الساردة وتفاصيل متحكماتها في شرط كينونة الشخصية عبر أبعادها المركزة والهامشية من متن المبنى النصي . وللزمن القصصي في النص صيغة صنيعة بالتوازن الذاتي، كما حال الظلال بعد اكتمال مواضع سقوط الضوء . لنتأمل زمن السارد عبر مركبات نظائره الموقفية المرسلة في خطاب وحراك حالات وأفعال الشخصية .. فصوت الزمن المتخيل يكاد يكون ذاته زمنا تابعا للسارد العليم، لذا فليس غريبا في بث واصلة ملفوظ الشخصية من خلاله، كوحدة متعاضدة وتعاضدية في الصورة الحكائية ومرجعيتها، مما جعل أشد الأمكنة تطاولا بالظلال الموضوفة تأخذ مداها الحدوثي وتشكيلي داخل موضوعة النص: (بعد إطلاق سراحه أفتتح دكانا لرسم الوجوه في الميدان، إلا أنه أغلقه، وحول غرفته في الدار التي يسكنها صوب الكرخ إلى أستوديو، وأنكب يرسم مدينة بغداد، جزءا فجزءا، معتمدا على كتب الرحالة ومذكرات المؤرخين والولاة . بدأ يرسم مجموعة من التخطيطات للولاة العثمانيين، ونفذ معظم هذه التخطيطات على نوع من ورق الأكياس الأسمر، ولم يستخدم غير أقلام الرصاص والفحم والحبر الصيني . وفي المجموعة هذه اكتمل طابعه الخاص في رسم الوجوه . / ص77 . ص78 القصة) أن واصلة زمن السارد العليم، أخذت تبلورا جامعا ما بين التبئير الداخلي والخارجي ولدرجة وصول الأمر إلى أن يكون التبئير لفضاء الشخصية القصصية تبئيرا مزدوجا، إذ أن زمن ملفوظية السارد لا تتوانى في تقليب مرجعية انموذج الشخوصية، في أبعاد تنكشف معها مواقع صفرية من حوارات وإيهامات الشخصية المستخدمة عبر حال لسان السارد العليم ذاته مع سبر أغوار علاقاته في الألفاظ والوقائع المسرودة تشكيلا: (ففي تخطيطات الحبر يظهر رأس الوالي ضمن تفصيلات خيالية وديكورات حياة يومية حافلة: أحمد باشا يصارع أسدا، مرتضى باشا يمارس التنجيم، السلطان الرهيب مراد متنكرا في زي درويش . / ص78 القصة) وعلى هذا النحو بدت أداة السارد العليم، كوظيفة في ترسيخ محيط موجهات الشخصية، منها إلى تشغيل استبدالات المبنى ببلاغة الفضاءات والتحركات التمثيلية الموظفة بالمسرود المتواتر وصفا .

2ـ ملحمة الوصف المكاني وصورية الوقائع المرسومة:

يمنحنا السارد العليم حالات هندسية متشكلة بأدق معاينة إيحائية بأوضاع المكونات المكانية في فضاء النص، لذا بدت من خلالها أفعال وكينونة عوالم الشخصية وكأنها حالات مؤدلجة في عضوية المكان نفسه، وعبر تلك الذاكرة الخاصة من أسترجاعية الشخصية لمفكرتها المدونة والتي تتلخص في نقل أفعال وأدوار علاقة الرسام بالوالي داود باشا عبر وقائع مرض الطاعون المستشرى في مدينة بغداد: (كان محمود أفندي قد تابع الوالي داود باشا في جولات عدة يخرج بها ليتفقد شؤون الولاية .. وكانت تلك الجولات تصيب محمد أفندي بإنهاك شديد .. أنه يجلس الآن أمام منضدة العمل ويشعر بخذلان أصابعه التي تتحسس ملمس الورقة الخشن قبل أن يضع الوالي في بداية جولة أخرى . / ص79 . ص80) أن القص الفذ محمد خضير، كان يسعى إلى تجسيد الوقائع المرجعية المتعلقة بزمن وحقبة الوالي داود باشا فعلا مجسدا داخل رسومات اللوحات التي يقوم بإجراء بث حالاتها محمود أفندي تخيلا، فالوقائع في حراك محمود أفندي مع الوالي في أحياز المدن والشوارع ومصارعة الطاعون وتحسس جدران أزقة الظلام في ممرات الليل الأسمنتية، ما هي إلا جولات مصورة أو مرسومة على أوراق سمراء، يقوم بخط الحوادث فوقها محمود أفندي نفسه، تماثلا مع حوادث مرجعية عمادها المصادر والمراجع وما قاله الرواة ـ ويعيد النص مدارج حوادثه التكوينية من قبل الرسام عبد القاد البغدادي أو محمود أفندي ضمن شريط حوادث مدونة في الذاكرة أو مخطوطات التأريخ الكولونيالي . نحن هنا نفترض في مقالنا ولا نعطي دلالات قطعية إلى القارىء، بل أن كلامنا هنا هو حصيلة مؤولاتنا في ظل قراءة تحولات النص احتمالا .

3ـ النص كوقائع صورية: من الحوادث المسرودة إلى منظور اللوحة:

سنتكلم في هذا الفرع من مبحثنا القصير، حول إجرائية مسار قصة (احتضار الرسام) وكيفية ما كان في الإجراء النصفي من وحدات السرد حوادثا وواقعة في النص أم أنها كيانية مصورات قام برسم لقطاتها الرسام محمود أفندي ؟ أقول أن مساحة العتبات الأولى من النص كانت مؤشرات تكوينية مخصوصة في واقع تصوير النواة الأولى من تفاصيل حياة محمود أفندي، بدءا من كونه أسيرا وحتى واقعة فتحه لدكانه في رسم الوجوه . أما القسم الثاني من عمليات وصف موقع مسكنه إزاء مياه الشاطىء وسحرية الأوصاف البليغة في معمارية واجهات الشرفات والأسيجة وطوابق العمارات، كل هذه الأوصاف كانت وصفا ساحرا يديره الكاتب على حال لسان السارد العليم، كما وكل أجراء النص، ولكن ما هو ليس بالوقائع الحادثة في النص، هي جملة تحركات محمود أفندي مع داود باشا، أنما هي لغة اللوحات التي قام برسمها محمود أفندي في غاية من الخصوصية الخاصة من عملية تدوين الوقائع المرجعية على هيئة من اللقطات المونتاجية التي كان داود باشا يتمثلها افتراضا في جائحة الطاعون حين ذاك في مدينة بغداد وهذه المحاور والوحدات هي ما قصدناها تحديدا قاب قوسين: (فبعد أن غادر داود باشا السراي توجه إلى القلعة / فلم يخرج معه سوى سماك كان يجهز له طعامه / وفي القلعة أخبره سائس مذعور أن أمير الإسطبل مريض في المخزن / وإلى هنا وضع الرسام السماك والسائس المذعور خلف الوالي والحصان / وخلف جميع رسم جزءا من القلعة وأبراجها الخالية من الجنود / أي تعبير مناسب سيطبعه محمود أفندي على وجه الوالي وهو يتعثر بالجثث في سوق السراي / يجرجر محمود أفندي أصابعه في تعب شديد على أرض سوق الهرج / هكذا أفاد موظف الكمرك الذي جدوه في باب الخان / بعد ذلك ظهر الموت / في هيئة رجل أحدب ذي وجه فأري يحمل فأسا ويجري أمام خيالة الوالي . / ص81 .ص 82) من هنا نفهم أن اللغة تنتجها الصورة بطريقة ما . فالكاتب الكبير محمد خضير، أعاد من خلال هذه المحاور والوحدات أنتاج اللقطة السردية عبر فعل خطاب اللوحات التي قام برسمها الشخصية محمود أفندي،و صرنا منها نتعرف على أهم الوقائع المرجعية في منظور النص المتخيل عبر التدوين أو ما قاله الرواة؟.

ـ النص التأويلي بين حلمية الدال واحتضار المصير الشخوصي .

في الواقع أن امكانية قصة (احتضار الرسام) تحفل بأجواء خاصة من وظائف ودلالات التشكيل والمواربة في النص الآخر من لغة التأويل، وتبعا لهذا وجدنا الجزء الأخير من النص يعبر عن إيهامات العقل الباطن في اللاوعي الشخوصي، استنادا إلى تلك الفضاءات من الصوت الماضوي المجتر لمداليل الحياة الماضوية ووحداتها الذاكراتية: (لا يتذكر محمود أفندي أين ألتقى بهذه الوجوه، المصبوغة والشاحبة، لنساء ورجال في كامل أزياءهم الغريبة، والتي مضى على ارتداءها وقت طويل، فتراكم عليها الغبار،و حالت ألوانها وتجعدت أذيالها وأكمامها .. على الأرجح، فإن النساء هن راقصات ومغنيات .. غواني ما بعد الحرب اللواتي جئن مع الأنكليز . / ص86 . ص87 القصة) أن القاص كان يسعى في مجمل هذه الوحدات في عرضها المجرد من المحددات الزمنية، كوسيلة خاصة في تقديم محاور الحالات والوحدات والحوادث والأطياف عوضا عن الضوابط أو المؤشرات الزمنية لها، فهو أي السارد العليم، راح يعرض جملة من الحوادث بطريقة مباغتة حلمية وكأنها آليات زهايمرية لفقدان ذاكرة الشخصية بفعل العوامل والظروف العمرية والمرحلية، لذا بدت لنا حالات توظيف هذه الوحدات: (كان يفوح من هؤلاء عطر فاسد ينفذ من اللحم المتفسخ والقماش العطن .. كن يصبغن شعورهن، وشفاههن حمراء قانية صلبة كالرخام ن وبينهن من هرمن، وجف جلدهن . / ص87) وعلى هذا النحو نعاين بأن الزمن في الجزء الأخير من النص، غدا ذات رؤية خاصة مساحتها أفعال ماضوية في الذاكرة، وهو الأمر الذي جعلنا نرى إبطاء حركة النص في حدود مجتزأة من أوصاف الزمني المستعاد في النص القصصي .

ـ تعليق القراءة:

أن خيال وذائقة القارىء لعوالم الفذ الكبير الأستاذ محمد خضير في نصوصه القصصية، لربما نتراجع كثيرا في محدداتنا التأويلية عند قراءة عوالم هذه النصوص، وخاصة فيما يتعلق وتأويلات عوالم أقاصيص (في درجة 45 مئوي) فهذه النصوص في حد ذاتها هي غاية في الاستقصائية البانورامية في دال ملحمة الموصوف القصصي، والأدائية والإجرائية فيها مختلفة عن نصوص أقاصيص (المملكة السوداء) ففي مجموعة أقاصيص (في درجة 45 مئوي) ثمة وسائل تقانية ودلالية تحتاج من قارئها القصصي مساحة مضاعفة من التأويل لا القراءة الاسقاطية الفجة . وهذا الأمر ما وجدناه في قصة موضع بحثنا (احتضار الرسام) . أقول مجددا وليس جديدا، أن تقانة دلالات هذا النص، ماراح يشغل ذلك الانبعاث الفني المتفرد الذي راح منه توظيف حياة الوقائع النصية عبر لغة الحوادث السردية إلى لغة مستحدثة وحداثوية من منظور خطاب اللوحة عبر غايات قصدية ملائمة بظروف النص الموضوعية والفنية المؤولة .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

 

خالد جودة احمدفى رواية "شعاع هرب من الشمس"، للأديب "سمير المنزلاوي"، والصادرة بسلسلة الإبداع العربي بالهيئة المصرية العامة للكتاب، يتمثل مفهوم التوبة في جلاء، فالبطل الروائي القادم من الريف كي يدرس بالأسكندرية محملا بزاده الأخلاقي ونصائح والده والشيخ جابر إمام المسجد والذي يرتقى هو نفسه منبره أحيانا واعظا للناس.

توجه البطل الروائي إلى قريبه "سعد الزناتي" فأتاح عن طريق أحد أصدقائه حجرة يستقل فيها ليبدأ دراسته الجامعية، ولكن تلك الغرفة كما اتضح من أحداث الرواية كانت محلا لممارسة الرذيلة، ففي يوم أغبر كان فيه وحيدا أتت إليه فتاة من فتيات الليل سرعان ما ارتكب الخطيئة معها، ومن المفارقات المفجعة أن البطل كان حينها يكتب مقالا عن "الأخلاق الريفية" لمجلة الحائط بالكلية التي يدرس بها، ولم تستغرق المقاومة لدى احتدام الصراع النفسي لديه كثيرًا، فسرعان ما انهارت مقاومته بسهولة، هل لأنه لم يكن محصنا بدرجة كافية كما يقول المثل السائر: "بعض العفة ألا تجد"؟، أم أن البيئة مؤثرة بدرجة حاكمة، فالمدينة بماديتها وطقسها العاصف في العلاقات الإنسانية يحيل للتفلت ونفي الإحجام، يقول مدللا على أن المدينة غولًا جبارًا لا يرحم: "نعم ... نحن في القرية بعيدون عن المواجهة ... ظروفنا تحتم علينا الفضيلة" (ص 70 – الرواية). لكن الكاتب لم يدعنا دون الإجابة ودون طرح وجهة النظر الثابتة عن معنى أصالة الأخلاق فقد ردت عليه زميلته الطالبة: "لست معك .. الإنسان مسئول عن عمله فى القرية أو فى المدينة والفضيلة لا تتجزأ" (ص 70 – الرواية).

وبتلك الرؤية الفلسفية تتصل حلقات مفهوم التوبة في هذه الرواية الممتعة والمؤسسة على رؤية للصراع النفسي الهائل لدى البطل بعد السقوط، حيث الندم الهائل فور ارتكابه المعصية محققا أول شروط التوبة، فالضيق العنيف يجتاحه في مناجاته: "لم أجرب الشعور الجارف بالندم بعد الخطيئة .. كيف انحدرت هكذا عند أول فرصة .. نصيحة أبيك لا تزال ساخنة (كن رجلا كعهدي بك) أين الرجولة.. انك صفر على الشمال ... ضعيف مسلوب الإرادة .. هل أدركت الآن أنك منافق.. لمح عنوان المقال في إهمال كأنه يسخر مني" (ص 60 و ص 61 - الرواية "بتصرف").

إن الانهيار إلى الخطأ ليس معناه فقدان الأمل في التغيير والإصلاح، وهذا المعنى خاصة هو ما تؤسسه قيمة التوبة وتشتد في المطالبة به، صحيح أن العبارة الفارقة هنا مقالة: "إننا بشر"، لكن يأتي الرد: "كلمة بشر ليست مرادفة للخطيئة" (ص 72 – الرواية)،  وقد قام الكاتب بحل هذه الإشكالية بتقديم نموذجًا آخر في الرواية يجسد الخطيئة والشر بصفه محضة، ليس ترددًا، والسقوط غير المقصود، ولكن عن عمد وإصرار،  وهى شخصية "محمود الحلاق" والذي قاد نادية زوجة "سعد الزناتى" إلى الموت، كما لوث من قبل "سعد" القادم ببراءته وسذاجته من الريف يود أن يحصد ثمار غربته، إنه شخصية الفاسد التي تحيي  لنفسها فقط وتنتهك جميع القيم والأعراف الحسنة.

لقد حقق بطل الرواية "حسن عبد الكريم" المعنى العاطفي الكريم، عندما وجد تلك العاطفة المسئولة مع خطيبته بالكلية "عايدة"، وينفي بذلك فقدان الثقة بكرامة العفة، وإشراقة الخلق النبيل، ففى حوار بينه وبين أحد زملائه من الشباب والذي يقول مشككًا في أي فضيلة: "دعك من هذا ... كلنا ماديون .. ولا أعفى أحدا حتى من بليت سجادته من الصلاة" (ص 99 – الرواية)، ويضيف مقالته أن غطاء الرغبة في الجنس يكون أحيانا بكلمات براقة من الصداقة والحب: "أتحداك وأتحدى كلماتك المعسولة من صداقة وحب لو اختليت بفتاة ونجت منك.  ما هذا؟ لمس العربيد الجرح" (ص 100 – الرواية)، لكنه عاد ودافع عن قصدية الرواية النيرة: "ليس هذا مقياسا تلغى به الفضائل إنك بهذا تلغى تكريم الإنسان وتجعله بهيمًا يعربد في الشهوة".

وقدمت الرواية فقة التوبة، باجتياز مسافة دقيقة في الفهم، وسبر غور النفس، بحيث لا يبالغ في جلد ذاته فيفقدها ويسقط للأبد، حيث حسم البطل لدى توبته القضية، فلم ينهار أيضا تحت سياط الذنب ليوغل أكثر في التفكك والتحلل الدائم، وفهم المنزلق الخطر لمن يقارف المعصية ثم يتابع الهاوية أكثر وأكثر: "كلا ... لست مجرما يا ضميري بطبيعتي .. كانت نزوة .. حب استطلاع .. نلت جزائها منك أطنانا من الندم .. لست شريرا بالفطرة .. محمود الفاسق .. يعيش على دم الأعراض ... لا يتراجع هذه هويته .. " (ص 114 – الرواية)

هذا التصنيف للبشر وتحديد موقفنا منه هو العلامة الكاشفة وبجلاء عن موقف الرواية في دعم قيمة التوبة بهذا الأسلوب المبدع، ولم تقتصر على ذلك بل قدمت أيضا الحل الناجع بالعودة إلى الأصالة إلى مناخ الريف والمناسب أكثر للفضيلة، ويذكرنا هذا بالأثر القائل بترك الأرض التي فيها تم مقاربة المعصية ، فهذا "سعد" يجسد الأمر بجلاء وفى عبارة صريحة: "نادية .. اغفري لي .. لقد قررت التوبة . قلت بدهشة : ما سر هذا التغير المفاجئ . صدقيني ... عندما وصلت القرية شعرت بالدفء ..." (ص 93 – الرواية)، وينفذ هذا الأمر عمليًا بعد وفاة زوجته "نادية"، فيرحل عن أرض أثقلته بالدواهي والكذب، فعندما يذهب "حسن" للسؤال عنه فقيل له: "ذهب .. عاد إلى هناك"، لتكون خاتمة تلك الراوية الشيقة.

 

خالد جوده أحمد

 

 

جمعة عبد اللهللكاتب (واثق الجلبي) اسلوبية روائية خاصة، تعتمد على نهج التداعي الحر في المتن الروائي. في نمطية التعاطي التي تفتح مجالاً واسعاً في تدفق الافكار والخيالات والهواجس والارهاصات بالتدفق الشديد. لكي يعطي الصورة الكاملة على المشاعر الحواس الداخلية ومكنونها، ونجد حالة التأزم الصاعدة، انعكاساً على تأزم الواقع وهمومه الثقيلة. وجد المنفذ في افرازها على المكشوف، لكي تدلل على حجم الازمة والتأزم الذاتي والحياتي. في الاستنباط والاستنطاق. يصوغها في لغة سردية رشيقة وسلسة، ومشحونة في زحمة الانفعالات والعواطف المتضاربة بالشحن. وتسلط الضوء على الواقع الخاص والعام.ويكشف المتن الروائي عن حالة متأزمة لرجل فقد كل شيء في الحياة وظل وحيداً. الزوجة متوفية، ابنته تدرس في الخارج، اصدقائه خطفهم الموت فرداً فرداً مع زوجاتهم. لم يبق له سوى جهاز التسجيل الصغير، يسجل سيرة حياته الماضية والواقع الذي يحيطه. يعيش بين جدران المطبخ، والجهاز التسجيل الصغير يسجل احاديثه لزوجته المتوفية، في استذكار الزمن الماضي (فلاش باك). يجمع الازمنة المتخلفة والمتنوعة في مكان ثابت هو (المطبخ) الذي هو بمثابة المحور الرئيسي، الذي تتوالى عليه الاحداث في المتن السردي. يسجل انطباعاته عن الواقع الاجتماعي والسياسي من خلال مطبخها القائم، فالمطبخ هو في صلب الاحداث. التي تعطي الصورة المكانية القائمة في فعلها السياسي والاجتماعي. مطبخ الحياة وما ينتجه من دلائل. نجد ان المطبخ مصاب بالضبابية والعمى والفوضى. ولا ينتج سوى القمامة والطعام الفاسد والمحروق. وتلعب به عوامل الخيبة والاحباط، مما يشعر انه في حالة انهزامية دائمة باليأس وانعدام الرؤيا. لان المطبخ لا ينتج سوى القاذورات السياسية، تصلح لنفايات القمامة. هذه حقيقة الواقع ويدخل في دهاليزه دون رغبة منه. ويخاطب زوجته المتوفية عبر جهاز التسجيل. قائلاً (عزيزتي دخلنا المطبخ جميعاً بلا رغبة منا، فاذا رمينا في القمامة فهذا قدرنا وما أظن) لان المطبخ لا ينتج سوى القمامة والسكين العمياء. فالحذر من نفاد اسطوانة الغاز، أوفي حالة انفجارها، طالما الغموض يحيط بالمطبخ. في طعامه المحترق والفاسد لا يصلح إلا للقمامة، وضمن الطقوس الباردة والثلجية كأن ضربها جليد الشتاء، مما جعل الحياة تصاب بالعمى والغطرسة والفوضى، والشعور بالندم من انظمة المطبخ البالية والمتهرئة و التي تعافها النفس، لأنها تعيش في الماضي السحيق. تجعل الحياة ضائعة بقطرات الماء لا طعم ولا لون لها، كأنها مصابة باللعنة (لم أحب الانظمة القبلية حتى التاريخ، المنسلخ عن البشر الذين عاشوا على الصراعات، لم أعر لها بالاً، الذي يهمني هو العيش بسلام بواقع أقترضته من جيب الغيم) هذا البؤس الحياتي داخل المطبخ، في حياة ليس له رغبة ولاطموح فيها، لان السريالية غلفتها بغلافها، فأصبحت أشبه بالحوار بين الاطرش والابكم، وغير صالحة للحياة (وليس من المعقول ان يعيش العاقل ثمانين سنة بين الحمقى، ولا يفقد عقله، فكيف ستتم عملية حساب هذا الكم الهائل من المجانين). هذا المطبخ المشؤوم، لا يصلح للحياة، سوى الخيبة والاحباط والانهزام، هذا المطبخ الذي طرد منه (أدم) بسبب الطعام. ولهذا لابد من محاسبة الانبياء الذين دخلوا في هذا المطبخ العقيم (لا أعلم هل جلس الانبياء وفكروا كما أفعل الآن ؟ لاشك انهم سيحاسبون لانهم دخلوا الى هذا المطبخ واكلوا من قدوره) هذه الحالة المتأزمة، بينما الناس تريد العيش بسلام. ولكن المطبخ اصبح كالعقرب السام لكل منْ يدخله. لانه يعتمد على الازدواجية المنافقة. ويبحث عن الاخلاق والعصمة الاجتماعية في نفايات القمامة، والواقع غارق في المستنقع الاسن. يتحدث عن الحب وهو لا يعرف منه سوى متعة الجسد والهزيمة، ولكن المحبون يكتبون بشكل آخر للحب (عندما يتحول الحب الى جنس يفقد مصداقيته ويتلاشى، لتقوم عملية البحث الجديد عن جسد آخر وروح جديدة). ويتذكر من شريط احداث الماضي عن زوجته المتوفية، كيف كانت ليلة زواجهما الاولى (ألتقينا ونحن لا نعرف بأن الذي سيجمعنا كرهي للتفاصيل وحبك ِ لها، صدركِ الصغير لم أمسكه إلا قليلاً فبرودتكِ الجنسية كانت سبباً في عدم تفقدي لجسدك وتفاصيله، وبأستمرار حتى أنكِ لم تكملي رقصتك الاولى في ليلة العرس) يشعر بالفوضى الحياتية المزعجة. بعدما رحل الجميع عنه، وشاخت الحياة لم تعد إلا مشقة متعبة له، وعليه الرحيل حتى يرتاح وغير أسفاً للحياة الرتيبة والجامدة، فلا أمل ل في الحياة (لا أمل لي في العيش كل الذين أحبهم تركوا الحياة وغادروا، لم يبق إلا المسجل أمامي وأخاف منه، كأنه وحش يترصد أنفاس المثقوبة) ان يرحل بصمت دون اوجاع. وتوقف جاز التسجيل الصغير،أسلم روحه بصمت دون وداع.

 

 جمعة عبدالله

 

 

حسين فاعور الساعديملحمة أم مأساة؟

من يتابع الشاعر العراقي ريكان إبراهيم يجد أن هذا الشاعر الكبير فيما يكتبه في الآونة الأخيرة يأخذ الشعر العربي إلى مكانه الصحيح ويوظفه في عرض قضايا سياسية واجتماعية كبيرة تشغل الإنسان على مختلف انتماءاته ليس للبكاء عليها وإنما لمواجهتها وإدراكها.

هذا الشاعر كطبيب عام وطبيب نفسي يدرك جيداً العلاقة المباشرة بين الروح والجسد تماماً كما العلاقة بين الفن والمعتقد. ففي كثير من الأحيان يتراءى لنا أن المعتقد قد يعيق الفن أو يشكل حجر عثرة في طريق تحليقه. وقد يكون ذلك صحيحاً إلى حد ما. لكن الفن الذي يتجاوز المعتقد أو يقفز عنه ليس فناً لأنه منذ البداية شكل معول هدم وأداة تدمير. وأي فن هو هذا الذي يهدم ولا يعمر؟ كل أديب حقيقي يدرك أن الأدب يؤدي دوره من خلال احترام المعتقدات والعادات والتقاليد وليس بالانقلاب عليها.

"دار المسنين" هذا المصطلح أظن أنه دخيل على تراثنا ويتناقض مع معتقداتنا. وأظن أن الشاعر قال "دار" ولم يقل "بيت" كما هو متداول في المجتمعات التي تتعامل مع هذه الأطر كظاهرة حضارية، لأنه لا يحب هذه المراكز ولا يرتاح لها  ومن بداية القصيدة يظهر لنا أن الوجع شامل وعميق:

ماذا تُسمّي البيتَ حين يكونُ مَقْبرةً

وفيها أهلُها يتحركّونْ

ماذا تُسمّي الميتّين بدون مَوتْ

والناطقينَ بدون صَوتْ؟

ماذا تُسمّي القبرَ حين يصير قبل الموت

بيتْ

هذا هو الوضع العام، بتساؤل هادئ جداً وموجع جداً ومأساوي جداً يضعه الشاعر أمامنا بكل قسوته وبشاعته ومرة واحدة ومنذ البداية. ولِمَ لا، فالجميع يعرف ذلك. والشاعر لم يفعل شيئاُ أكثر من إيقاظنا أو لفت انتباهنا أو تذكيرنا. وهدفه هو تهيئتنا لما سيقوله لاحقاً.

وماذا سيقول لاحقاً أصعب من أن بيوتنا مقابر ونحن نتحرك فيها. وأننا أموات دون موت وقبورنا هي بيوتنا قبل أن نموت. وفوق كل ذلك مصيرنا جميعاً هو الموت.

الشاعر لم يطفئ الأضواء. الظلمة سائدة ومسترخية. والمسرح قائم وموجود ولكننا نسيناه فجاء ليلفت انتباهنا أنه سيروي لنا ملحمة مأساة هو متأكد أنها ستوجعنا كما أوجعته لأنها تمس مشاعرنا ومعتقداتنا وعاداتنا وتقاليدنا الجميلة الرائعة كما مست تقاليده ومعتقداته.

الحدث في هذه القصيدة الملحمة هو الموت الذي لا مفر ولا مهرب منه. وهو يحوّم بشكل متواصل فيما وراء كلماتها يطل أحياناً ويختفي أحيانا لكنه يظل محركها وشاحنها رغم أن أحداثها تدور في دار المسنين. الشاعر اختار دار المسنين لأنها المسرح الأكثر ملاءمة لمسرحية تتحدث عن الموت - مأساة الإنسان. يضاف إليها مأساة أخرى أن يضطر قبل الموت للعيش في ذل دار المسنين عيشاً الفناء أفضل منه بكثير:

"ليعيشَ في دارٍ يرى عنها الفناءَ أحبَّ

من عيشٍ ذليلْ"

هذا التجنيد الذكي لكل ما فينا من مشاعر هو تحضير مناخنا وأجوائنا لما سيقوله. هو تهيئة أرواحنا المدفونة لبدء العرض الموجع. ركلة خفيفة لعقولنا بسؤال بسيط لتستيقظ من سباتها. ونفض للغبار عن كل ما فينا وما حولنا: "ماذا تسمي البيت حين يكون مقبرة؟"

بعد هذا التحضير الذي أيقظنا ونبهنا لما نحن فيه تبدأ المأساة أو الملحمة التي سيرويها لنا الشاعر، بطرقات خفيفة على باب المكان-المسرح الذي تدور فيه وهو دار المسنين:

قد قالَ لي : مَنْ أنتَ؟ مَن في البابِ؟

قلتُ: أنا الطبيبْ

أنا عالِمُ النفسِ المليئةِ بالخراب وبالنَحْيب

أنا مَنْ نذرتُ بَقيّتي لعلاجِ مَنْ عاشوا

وهم موتى، فبعضُ حياتِنا موتٌ، وبعضُ

الموتِ أَهونَ من تَرقبِّه الرهيبْ

الدرامية واضحة ويلقي بها الشاعر كقنبلة مما يؤكد أننا في سياق قصيدة مأساوية. لكنها أجواء ملحمة تتراءى من خلال الأسلوب السردي في عرض الأحداث.

ليس من تمجيد وليس من بطولة تستحق التمجيد. ما هي إلا حالة رديئة تعبر عما وصلنا إليه من تردي يحاول الشاعر عرضها أمامنا لننتبه لها. هو يعد الأجواء ويضبط الديكور استعداداً لما سيقوله لاحقاً. يحشد ما أمكن من معطيات وتفاصيل ويضعها أمامنا: حارس، طبيب هو عالم نفس وجمهور من الأحياء الأموات.

الحدث هو فحوصات روتينية لهؤلاء الأحياء الأموات. والحدث عبثي وربما تراجيدي لأن المعالِج لم يعالج نفسه مما جاء يعالج الآخرين منه. أهي مهزلة أم تراجيديا؟ ومن خلال هذا الحدث يعرض لنا الشاعر مأساة هؤلاء القوم التي في الحقيقة ما هي إلا مأساته هو أيضاً ومأساتنا جميعاً.

"من أنت؟ من في الباب؟" المكان مغلق والسائل متوتر كما يبدو جلياً من بنية السؤال. فيجيء الجواب ليتكون حوار درامي يبدو من خلاله بشكل جلي أننا أمام مأساة. السائل متوتر والمجيب لا يقل عنه توتراً لأنه يعرف تماماً أنه لا فرق بينه وبين من جاء ليعالجهم فهو يعاني مما يعانون ومصيره لا يختلف بتاتاً عن مصيرهم. هنا هو البرزخ بين المأساة والملحمة. في هذا البرزخ تبدأ القصيدة الملحمة وبطلها هو الطبيب المعالج.

قمة المأساة أن تبث الأمل للآخرين وأنت أحوج ما تكون إليه. وقمة البطولة أن تساعد الآخرين وأنت أحوج ما يكون للمساعدة. ما أصعب أن تبتسم لتخفف عن الآخرين وأنت تبكي في داخلك. هذه هي حال الطبيب الشاعر. ولكنه مطالب بأن يكون قوياً مبتسماً وعليه تأدية هذا الدور . "أنا من نذرت بقيتي". بقيتي، تعبر تعبيراً صارخاً عما يدركه البطل من تفاهة حياته التي لا تختلف عن تفاهة حياة زبائنه التي لم تكن وما هي إلا انتظاراً رهيباً للموت.

الشاعر يقف بنا في البرزخ وبهدوء تام يحافظ على التوازن بين المأساة والملحمة. يلمّح ويسرد لنا المغامرات والبطولات الملحمية لبعض ساكني الدار ويذهب إلى الحوار الدرامي ليعرض تفاصيل المأساة :

فأنا صديق الأشقياءِ، فأنتَ مَنْ؟

أقعى على حِقْويهِ يرقُبني وقالَ : أنا الرقيبْ.

أنا حارسٌ في بابِ دارِ مُسنَّنينَ بآلةِ

الزمن العصيبْ

- حَسَناً ومِمّن أنتَ تحرسُهمْ ؟يقولُ:

من الهرَبْ

- يا صاحبي، أرأيتَ في دنياكَ

مَوتى يهربون؟

هذا الحوار المأساوي الذي سيتكرر مع التقدم في السرد هو الضوء الذي يستعمله الشاعر ليكشف رويداً رويداً قسوة وفداحة ما نحن فيه وإلى أين وصلنا. كان بإمكانه الاستغناء عنه والإبقاء على ملحمية القصيدة لولا استياءه ورفضه للحدث المفروض عليه بحكم عمله وواجبه كمعالِج.

"أقعى على حِقْويهِ ثانيةً وقالْ:

إدخلْ لتعرفّ ما هُناكَ ومَنْ هناكْ

دارُ المُسنّين الذين تزورُهم يا سيدي

هي آخِرُ الوَقْفاتِ في دربِ الذهاب إلى

الهلاكْ

يقفُ القطارُ بها ويأخذُ مَنْ أطالَ

الانتظار

وينامُ مَنْ قد ظلَّ، منتظِراً قطاراً

آخراً يأتي إذا طلعَ النهارْ"

الحدث في هذه القصيدة الملحمة هو "الفناء" أو الموت الذي لا مفر منه وما الحياة إلا انتظارا حتمياً له وسيراً حثيثاً إليه. قطار الموت يمر بين الحين والآخر يأخذ ما يستطيع ويترك المنتظرين للمرة القادمة.

الحياة هي محطات انتظار للموت، وهي محطات متتالية ينتقل فيها الإنسان من محطة إلى أخرى بشكل روتيني. لكن أن يُلقى به في "دار للمسنين" كمحطة أخيرة في انتظار المصير الرهيب هو قمة المأساة. و"أقعى" هي التعبير عن احتقار الشاعر لهذه المحطة وللقائمين عليها.

"عندما يتشابَهُ ضوءُ النهارِ ونورُ

المساءْ

عندما يستوي حَرُّ صيفٍ وبَرْدُ شتاء

عندما تستوي الظلماتُ ونور المكانْ

عندما يستوي ال يعلمونَ ومَنْ يجهلونْ

عندما يُصبحُ المبدعونَ وسعر الترابِ سواءْ

عندما تكثُر ال عندماتْ

تجفُّ الحياة"

الشاعر يغير بحر القصيدة ليحشد لنا مزيداً من المعطيات التي تؤكد تفاهة حياتنا. ليس الهلاك هو فاجعتنا الوحيدة وإنما حياتنا أيضاً فاجعة بسبب التباس الأمور علينا إلى حد لم يعد أي فرق بين الجيد والسيئ ولا بين الخير والشر. هذه الفوضى تجعل من حياتنا صحراء جافة لا طعم للإقامة فيها.

الشاعر كمصور ينتقل بالكاميرا بين دار المسنين وبين الحياة في خارجها. وبعد إظهاره للفوضى وتشابه الأشياء في الخارج يعود إلى داخل الدار ليظهر لنا المسنين كدمى تتحرك ببطء شديد بين أسرة مغطاة بالأبيض الذي يذكرنا بالموت. هذه الدمى التي تتحرك ببطء شديد تعاني من العزلة النفسية والجسدية. أجساد واهنة ووجوه صفراء تنتظر الفاجعة. تنتظر قطار الموت الذي سيمر بعد قليل ليأخذها إلى مصرها المحتوم. وصف دقيق وتأكيد على الفوضى القاتلة التي تزيل الفواصل لتختلط الأشياء وتغيب المعايير: أسرة للموت أو للنوم. قمصان بيضاء ملابس للنوم أو أكفان. نزيل واحد في الغرفة احتراماً للخصوصية أو لأن القبر لواحد فقط.

وسط هذا الاستعداد للموت وفي أجواء هذه الجاهزية للمصير المحتوم يلتقي شاعرنا بكلكامش البطل الأسطوري الذي رفض الخنوع للمصير المحتوم والاستسلام للفاجعة.

" - أخي مَنْ أنتَ؟ أسألُهُ فينظرني بنصفِ

العينِ ثم يقولُ: كَلكَامشْ.

- أعِدْ ما قلتَ!مَنْ تَعنيْ؟

- أأنتَ صديقُ أنكيدو؟

- أأنتَ الفارسُ المسؤولُ عن طوفانِ وادينا؟

أجابَ: بلى، فقلتُ: إذنْ، لماذا أنتَ في دار المُسنّينا؟

هنا ابتسَما...

وقالَ: المَرّةَ الأخرى ستلقاني ...أنا وحدي.....

لأذكُرَ كُلَّ ما عندي."

حتى كلكامش الذي رفض الهلاك وخرج في رحلته الشهيرة باحثاً عن سر الخلود، يقيم هنا في دار المسنين. لكنه لم يستسلم للهلاك ولن يستسلم وسيكون أخر من يصعد على آخر قطار. هل يعزي نفسه؟ فهو سيرحل وينضم إلى الهالكين قبله. ولكنه سر الحياة الذي يدفع للتشبث بها إلى آخر رمق.

كلكامش لم يستسلم وأوجد لنفسه وظيفة حتى وهو في دار المسنين. سيعرّف الشاعر بمن جاءوا إلى هذه الدار. سيقوم بذلك وهو يعرف أنه في يوم ما وفي لحظة معينة سيكون وحيداً هو أيضاً وبعد أن يقول كل ما عنده سيصعد إلى آخر قطار.

في دار المسنين لا قيمة للزمن ولا صراعات لأن الحياة فقدت قيمتها ولم يبق فيها ما يستحق النزاع والمنافسة. كل من في الدار في حالة انتظار أصعب من الموت. الشاعر يعود ويكرر في أكثر من موقع في القصيدة وبأساليب مختلفة أن الموت أفضل من الانتظار وأفضل من الوحدة وأفضل من الضعف.

- لماذا وَحْدَكَ الآنا؟

+ أجابَ وكان يَحكي لي:

لقد رحلوا.....

فهُم كانوا هنا، مرضى، بلا مأوى

كبارَ السِنً، لا أهلٌ ولا مَنْ يسمعُ الشكوى

لقد رحلوا ولم أرحَلْ

لأنّي قد رفضتُ الموتَ، بلْ قَرّرتُ أنْ أحيا

فعاقبني إلهُ الماءِ أن أقضي حياةً لا أرى أحَدا

لقد أغضبتُ آلْهتي فذُقتُ الهمَّ والنكَدا

في هذه الملحمة الحدث الظاهر هو دار المسنين. المحطة الأخيرة في انتظار قطار الموت. لكن الصراع الحقيقي الذي يجتاح الشاعر ليس هذه المحطة وإنما الأحداث الخفية التي تتناولها القصيدة المأساة بالتلميح لأسباب عقائدية مزروعة في نفس الشاعر وليس لديه إجابات واضحة عليها. أحيانا يقول عن الموت أنه فناء وهذا يتناقض والإيمان بالآخرة. وأحياناً يقول عنه هلاك وهذا أيضاً يحمل في داخله أن الموت هو النهاية. لكن الشاعر يعود عن ذلك على لسان جلجلمش :

وسوفَ يمرُّ عليَّ الجميعُ هنا مثلما مرَّ من

قبْلِهم آخرونَ، وراحوا لأنَّ الجميعَ الى ربِّهم راجعونَ...

إيمان لا لبس فيه بأن الموت ليس النهاية واعتراف واضح أن الجميع سيبعثون ويرجعون إلى الله سبحانه وتعالى.

اللقاء بجلجامش هو الذي أعطى القصيدة الروح الملحمية ولكن الحوار معه جعل منها قصيدة المأساة البشرية المتمثلة في عبثية المعركة التي يسمونها الحياة. عبثيتها لأن كل من يخوضها لديه طموح وحيد هو الخلود. والجميع يعرف أن هذا الطموح عبثي أيضاً.

الأدب الهادف يحمل رسالة. أحياناً تكون رسالة التغيير وأحياناً تكون رسالة التحريض على التغيير. والشاعر هو وكيل تغيير يتطلع دائما إلى الأمام لاستكشاف الطريق وإنارة الدرب. في هذه القصيدة يتعرى الشاعر تماماً ويضع كل نقاط ضعفه كمخلوق نهايته الهلاك. ربما كرد فعل على طموحه في أن يكون مختلفاً. طموحه الذي لم يوصله إلا ليكون واحداً من هؤلاء الذين جاء ليخفف عنهم. وكأنه يقول بسوداوية مفرطة: أنا واحد منكم! أنا لا أختلف عنكم! أنا لا أساوي شيئاً لأن نهايتي كنهايتكم! فكل مشواري في الدراسة وفي التحصيل وفي المعرفة لم يجعلني أختلف عنكم لأن نهايتنا واحدة هي المجيء إلى هذه الدار، دار المسنين، وانتظار قطار النهاية!

مأساة الشاعر هي القلق من النهاية. هذا القلق الذي هو نتيجة مباشرة من خوف خفي من الفناء لا يجرؤ الشاعر على التصريح به. لأنه يتناقض مع المعتقدات. وما استحضار جلجامش إلا من باب محاولة التخفيف من هذا القلق الفظيع. فالشاعر لم يكن وحده من فشل في أن يكون مختلفاً فها هو جلجامش فشل أيضاً. لكن فشله ليس مطلقاً لأنه رفض أن يرحل فالملحمة أو القصيدة خلدته ولكن ليس الخلود الأبدي. منحته فرصة أن يكون آخر الراحلين. ولذلك لجأ الشاعر لكتابة قصيدته كتعبير عن الرفض. هذا الرفض سيوفر له الخلود حتى لو لم يكن أبدياً.

هذه المراوحة بين اليأس والأمل، بين اليقين والشك، بين الضعف والقوة، بين الاستسلام والرفض هي تجسيد لنمط الحياة التي نعيشها. فحتى جلجامش بكل مغامراته وبطولاته جاء إلى المحطة الأخيرة ليصعد إلى القطار الأخير. لم يستسلم وظل على عناده وحبه للخلود. هذا العناد وفر له أن يكون آخر الراحلين. ولكن... أليس في ذلك عقاب أيضاً؟

- أخي مَنْ أنتَ؟أسألُهُ فينظرني بنصفِ

العينِ ثم يقولُ: كَلكَامشْ.

- أعِدْ ما قلتَ!مَنْ تَعنيْ؟

- أأنتَ صديقُ أنكيدو؟

- أأنتَ الفارسُ المسؤولُ عن طوفانِ وادينا؟

أجابَ: بلى، فقلتُ: إذنْ، لماذا أنتَ في دار المُسنّينا؟

هنا ابتسَما...

جلجامش صديق أنكيدو والفارس الذي تحدى الطوفان ونجا منه والذي كتب ملحمة خالدة لكنه في النهاية في دار المسنين. الإنسان مهما كان قوياً يظل ضعيفاً. هذا ما أراد الشاعر أن يقوله لنا. ضعيفاً أمام قدرة الخالق. وضعيفاً أمام مصيره الحتمي.

- لماذا وَحْدَكَ الآنا؟

+ أجابَ وكان يَحكي لي:

لقد رحلوا.....

فهُم كانوا هنا، مرضى، بلا مأوى

كبارَ السِنً، لا أهلٌ ولا مَنْ يسمعُ الشكوى

لقد رحلوا ولم أرحَلْ

لأنّي قد رفضتُ الموتَ، بلْ قَرّرتُ أنْ أحيا

فعاقبني إلهُ الماءِ أن أقضي حياةً لا أرى أحَدا

لقد أغضبتُ آلْهتي فذُقتُ الهمَّ والنكَدا

وجئتُ إلى هنا وحدي لأقضي العُمْرَ مُنفرِدا

جلجامش في دار المسنين كعقاب له من الله سبحانه وتعالى الذي غضب عليه لأنه بحث عن الخلود ولم يرض بما قسمه له الله. هل هي دعوة من الشاعر للقبول بالواقع؟ هل هي تخويف من الطموح؟ لا أظن ذلك. أظن أنها إقرار بأن الخلود الله وحده ما دامت هذه الحياة ولن نحظى به إلا بعد البعث والحساب والعقاب.

القصيدة مليئة بالمتاهات التي تجعلنا نستنجد بكل طاقاتنا العقلية للخروج مهنا. وهي متاهات الشاعر القلق والخائف والمتوتر واليائس لأنه لا يملك الأجوبة القطعية على ما يقلقه.

الشاعر يرى في دار المسنين عقاباً. فهو يعارض هذه المؤسسات ويرفضها من منطلقات عقائدية وأخلاقية وموضوعية معرفية أيضاً. فهو بحكم مهنيته يعرف ما يدور في هذه المؤسسات وبحكم كونه شاعراً يرى أعمق وأبعد مما يراه الآخرون فهو يشعر مع كل من جاء به ذووه وتركوه وحيداً في مثل هذه الأطر. الشاعر يؤمن وبحق أن المسن مكانه حضن أسرته. ونفهم من فحوى القصيدة أنه يعتقد أن أسوأ أسرة أفضل من أرقي دار مسنين. هذه حقيقة لا لبس فيها. فالمسن الذي كد وتعب يجب أن يكافأ ولا يعاقب في آخر حياته. وهذا ما أوصى به ديننا السمح.

كل من عمل في دور المسنين يعرف أن هذه الأطر وخصوصاً بعد خصخصتها هي اطر ربحية هدفها جني الأرباح الطائلة على حساب راحة ورفاهية المسن. والأصعب من ذلك أن الكثير من المسنين المقيمين فيها يعاملون معاملة قاسية تصل إلى الضرب في الكثير من الأحيان. من تجربتي الشخصية أستطيع القول أنه لا يوجد مسن واحد يرضى ويرتاح للإقامة في هذه الأطر. فحضن العائلة بين الأبناء والأحفاد هو المكان المفضل لدى كل مسن.

كم يؤلمني أن أقول ومن تجربتي في العمل سنوات طويلة في هذا المجال أن المسنين في مجتمعنا العربي لا يحظون بما يستحقونه من احترام ورعاية. فكلما تقدموا في السن كلما زاد إهمالهم وكلما زاد الاستهتار بهم وبرغباتهم. وقد جاءت منحة التأمين الوطني المالية للعاجزين لتزيد الطين بلة إذ أصبحنا نشترط خدمتهم بتلقي الأجر. لا يمكن أن أنسى الكثير من الحالات التي كنت أرى فيها المسن في ظروف حياة لا تناسب الحيوان فأتوجه لذويه مرات عديدة دون جدوى. وعندما كنت أهددهم بان القانون يلزمني كعامل اجتماعي في مثل هذه الحالات أن أرتبه في دار المسنين كانوا يعارضون ذلك لأنهم لا يريدون التنازل عن مخصصات العجزة فأضطر للتوجه للمحكمة لاستصدار أمر ترتيب لذلك المسن في دار المسنين. وأذكر الكثير من المواقف التي تقشعر لها الأبدان عندما كان المسن المهمل يبكي أمامنا متوسلاً ألا نخرجه من بيته رغم كل الظروف القاسية التي يعيش فيها.

في مثل هذه المواقف يصاب المعالِج بحالة من الإحباط الشديد ويقع فريسة لتأنيب الضمير نتيجة الصراع الحاد بين المهني والعقائدي، بين ما يطلبه القانون وبين ما تحتمه العادات والتقاليد.

في هذه القصيدة المختصرة جداً لأسباب لا أعرفها والتي كان بإمكان الشاعر سرد المزيد من الحوارات أو توسيعها نلمس بوضوح شديد عالمين متوازيين: عالم الشاعر الذاتي أو الداخلي والعالم الخارجي المحيط به. بين هذين العالمين يتنقل الشاعر جاعلاً من الخاص عاماً ومن العام خاصاً. وهنا يتجلى صدق وروعة الأدب والتزامه.

- أجبْني إذن، هل وُهبْتَ الخلودْ؟

* نعم ْ. إنني الآن أحيا إلى أن يقومَ

الفناءُ، وحين يقومُ الفناءُ أكونُ

قضيتُ حياتي هنا

قضية الشاعر الخاصة هي البحث عن الخلود ولكنها قضية النفس البشرية والدليل على ذلك أن جلجامش الذي بحث عنه قبل آلاف السنين. وها هو يخبر الشاعر انه حظي به ولكن ليس إلى الأبد وإنما "إلى أن يقوم الفناء". وهنا تبدو المأساة الحقيقية بكل أبعادها. خلود في دار المسنين يراقب الداخلين والراحلين في قطار الموت الذي يمر بين الحين والآخر.

على لسان جلجامش ينتقد الشاعر بمرارة من رموا بوالديهم إلى هذه الدار وكانه يتساءل بمرارة شديدة: كيف نرمي في هذه الدور من قدم لنا زهرة شبابه وأفنى عمره في تربيتنا وإسعادنا؟ أيجوز أن نكافئه بهذا الشكل؟

أنا أَبٌ لخمسةٍ وأُمُّهمْ سادسُهمْ

أمضيتُ كُلَّ ما مضى لأجِلِهمْ

وحينما أصفّرتْ غصونُ الشَجَرةْ

وغادرتْني قُدْرةُ العطاءْ

ودَبَّ فيَّ الداءْ

صارَ وجودي نكِرةْ

وهكذا يا سيدي،

كُلُّ يُلاقي قَدَرهْ

في هذا المقطع تخرج القصيدة عن غنائيتها وتتحول إلى كلام بسيط ولكنه جارح كالسكاكين. ربما أراد الشاعر أن يقول لنا مهما زيينا وجملنا ذاتنا البشرية فإنها قبيحة بشعة وناكرة للجميل. ينبهنا إلى هذه الحقيقة علنا نكف عن ذلك لأن مصيرنا جميعاً لا يختلف. فالزعيم سيصل هذه المحطة والعميل الذي يراقب ذلك الزعيم ويتجسس عليه سيصل أيضاً وحتى الشاعر الصادق الملتزم الذي لم يتكسب ولم ينافق سيجد نفسه وحيداً فيها.

أرأيتَ إذنْ يا عالِم نَفْسِ الإنسانْ

كيفَ مصيرُ الزعماءِ إذا شاخوا

ومصيرُ الشرفاء إذا عمَّ الداءْ

أرأيتَ؟ فحتّى دارُ مُسِّنينا تُصبحُ

وكراً للعملاءْ.

فوضى في كل شيء تتجسد فيما تتناوله هذه القصيدة المعبرة. فوضى تجعلنا ضحايا نزواتنا متناسين مصيرنا الحتمي ومنشغلين عنه كقضية القضايا بأشياء سخيفة وتافهة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا مرضى نعاني من داء عام.

شكراً لواجِبكَ المُقدّس في الزمانِ وفي المكانْ

مَرّتْ عليكَ وجوهُ مختلفين في النُعمى وفي

العُمرْ المُهان

يا سيدي أيُّ المصيرين الأحبُّ، الموتُ في عُمْر الزهور

أم عيشةٌ أحياؤها موتى

تمرُ بها الحياةُ بلا هناءٍ أو سرورْ؟

الشاعر يستنجد بجلجامش ليقرر ما الأفضل: موت في عمر الزهور أم حياة طويلة تعيسة لا متعة فيها؟ وكأنه يلوم جلجامش في سعيه وبحثه عن نبتة الخلود. فالخلود المطلق غير ممكن لذلك السؤال هو أي حياة نعيش: حياة سعيدة أم حياة تعيسة؟ حياة ذات معنى أم حياة تافهة دون معنى؟ وبما أن الشاعر يتعامل مع مقولات كبرى كما يسميها الدكتور وليد العرفي كالموت والحياة والخلود فقد استنجد بجلجامش الذي هو نوح والذي عاش أكثر من ألف عام كصاحب أطول تجربة في مراقبة الفئات المختلفة من بني البشر.

النظرة الصوفية الفلسفية تغمر القصيدة. والحوار الذي يتخللها يجعل منها مأساة في قالب ملحمة تحكي مغامرات الشاعر في مواجهة الأسئلة الملحة والحادة التي تعكر صفو حياته. أسئلة لا تخصه وحده لكنه وحده قرر مواجهتها أو طرحها والبحث الشاق عن إجابات لها.

في هذه الدارِ مَنْ هاماتُهم نطحَتْ

غيماً فما أهرقوا دمعاً

ولا ذرفوا

يا عاشقَ الخُلْدِ، يا كَلكَامشُ،

انتحرت

قصيدتي، وهوى من نَخْلِها السَعفُ

أبكى عيوني مصيرُ الساكنينَ هنا

ويَسقُطِ الناسُ إنْ يسقط لهم شرَفُ

الشاعر يختتم هذه القصيدة بالبكاء الصريح والجلي على ساكني دار المسنين الذين هم كما يبدو ساكني الكرة الأرضية والشاعر واحد منهم. بكاء ذاتي على مصير حتمي جمعي يخص كل من خُلق. ما يبكي الشاعر هو هذا الخراب وهذه الفوضى التي تمكن بني البشر من إدراك أن مصيرهم هو دار المسنين مهما علا شأنهم ومهما عظمت مراكزهم ومواقعهم. فلو أدركوا ذلك قبل وصولهم لهذه الدار لسادت المحبة والعدل والتآخي.

خاتمة قوية ومعبرة تستنكر كل هذه الفوضى التي نعيشها والتي جعلتنا لا نحترم مسنينا متنكرين لعاداتنا وقيمنا وديننا التي جميعها تحض على احترام المسنين واحتضانهم.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

قاسم ماضيفي المجموعة القصصية المعنونة "أحلام عالقة" للقاصة المبدعة "سناء النقاش " نسيج حكائي خيوطه أشخاص وأحداث .

كيف تصيغ الأسئلةَ وهي تسبح بفضاء تشخيص الهموم والمشاكل، معتقدة أنها منطلقة من أرضية صلبة يعيشها الواقع العراقي الذي تسيطرعليه آهات المعدومين والمكافحين من أجل لقمة العيش، التي أصبحت عسيرة على أفواه الفقراء والمعدومين، في وطن يصحو على أخبار متعددة يجمعها هاجس الخوف والدم .

"أسئلة طرقت جمجمتي بعنف وآذتني ودمعت عيوني معها" ص28

الأمكنة والأزمنة التي شكلت في معظم قصصها مساحة واسعة كي تستفيد من هذا الزخم الذي تعكزت عليه عبر وسائلها المتاحة كي تصيغها بقلادة معرفية إلى الآخر الذي يسكن جواها والذي ربما غابت عنه تلك الأسئلة بموجب اللامبالاة التي شكلت نسبة كبيرة من الذين أنستهم هذه الهموم والمعاناة نتيجة الانشغال بهذا الظرف العصيب الذي يمرون فيه وهو ما يُطلق عليه الفوضى الخلاقة .

فتلمس في قصص هذه المجموعة معاناة" العتاكات، في نص نقش على جدار الصمت، آخر قطرات الثمالة  أحلام عالقة، رسالة وداع " وغيرها من قصص هذه المجموعة .عذابات كثيرة تشغل عقل الكاتبة التي لامس قلمها الحر هذه المعاناة وغاص في دواخلها من أجل قول الحقيقة، وهي تؤكد عبر حواراتها النارية التي اشتغلت عليها .

"والمواطن الفقير يأكل من القمامة في زمن ترى الذئاب فيه تجوب الطرقات، ترتدي ملابس الإنسان والكثير من أصحاب الوظائف الكبيرة يرتدون أقنعة لتزييف الحقائق وكتابتها بالمقلوب " ص28

ومن هذه الأسئلة التي أكدت عليها القاصة " النقاش " هي إن النص القصصي الذي لا يحقق خاصيته الصورية والعقلانية فهو بعيد كل البعد عن فحوى أهدافه التي إنطلق منها القاصة ولكن هل له من أهمية في تطوير النص القصصي أوبنائه البناء السليم، أي تمكنه من الخوض في كل تفاصيل الحياة،ولا ننسى الإيجابية في التفاعل مع محيطه والتأثير فيه من أجل الإعلاء من درجة تداوله ومقروءيته .حتى إنها أرادت أن ترسل العديد من الرسائل عبر هذه المجموعة وكأنها تخاطب الكثير من الكتاب الذين ينسون ويتناسون هموم شعبهم .

" في زمن غدت فيه القيم والمبادئ مجرد أكذوبة مضحكة يتندرون بها " ً28

وبهذا ظلت الشاعرة والقاصة " النقاش " دائمة البحث عن هذه الهموم التي شغلت فكرها المتنور، والإنساني حتى توصل رسائلها عبر هذه النصوص المعرفية،مؤكدة للقارئ العربي عموما والعراقي خصوصا "أن النص القصصي الذي لا يحقق تفاعلاً مع القارئ، ولا يؤدي وظيفة اجتماعية أومعرفية ولا يعبر عن تصور جلي للمرحلة التي يمثلها يكون معرضا ً للزوال .

" أفكر بالجوع وأنا شبعة لأنني أرى في وجوه الفقراء والمحتاجين جوعا يكاد يأكلني " ص28

ولو تمعنا كثيرا في هذه المجموعة القصصية لوجدنا "النقاش" بأحلامها الكثيرة تأخذك في جولة سياحية مليئة بالصور المتداخلة والتي مرت في حياتها على شكل رحلة توجتها علامة من علاماتها الإبداعية، وهي تتنقل بك من حي إلى حي سواء في بغداد أو في مدن أخرى، وهذه العوالم الدفينة والمتراكمة والمحملة بتقلبات هذا الواقع الذي عاشته .

" فقد جف النهر وباتت الناس عطشى، جف الحليب في الأثداء " ص 108

والتي شكلت لها على مدى تعلقها في البحث عن مكنونات هذا الكائن الذي نما في داخلها الذي عاشته على مر السنين، وبدأت بالبحث عنه عبر تشكيلات حكائية مفعمة بالاحلام الكثيرة التي جعلت منها هدفاً للخروج من طوقها، وهي بهذا ترسل إشارات معرفية عميقة للقارئ على الرغم من انفعال النفس بالمواقف حين يتخيل الإنسان نفسه داخل هذه الأطر أو داخل الحوادث التي يمر بها أي كائن بهذا الكون .

" أحلام اليقظة هي وسيلة تغيير من أجل أن يرقى الإنسان بمعارفه وسلوكه إلى مرحلة أعلى مما هو عليه في الواقع هي مرآة متعددة الوجوه كرغبات صاحبها " ص62

وقد أرادت القاصة العراقية "النقاش" في مجموعتها المعنونة "احلام عالقة" والتي تقع في 108 صفحة من القطع المتوسط، مشاركتها الوجدانية لمعظم شخوصها التي عملت على تحريكها وفق أبجديات السرد المعروفة لدى المعنيين،حيث ما قامت به "النقاش " هو تحويل المعلومة إلى كلام مع ترتيب الحدث .

" صرخة المظلوم تصعد إلى السماء " ص75

تقول عنها القاصة العراقية المعروفة بين الأوساط الثقافية الأستاذة "رجاء العبيدي" أن السرد الذي اعتمدته في مجموعتها مميز وجميل في تناول الأحداث، بمفردات منتقاة ومؤثرة في الوقت الذي نجد بعض مفرداتها ذات إيقاع حاد تستحقها بعض الشخصيات، فإن سعة أفق وخيال الكاتبة قد جعلها تتعايش مع شخصياتها وكأنها واحدة منهم . ص4

" لابد إذن من الصراخ للتنفيس عن النفس ولا بد للهموم من صرخة ليعبر عما في داخله وإلا مات كمدا ً" ص75

وهي بهذا تحوّل همومها من قوة سلبية ضاغطة إلى قوة ايجابية دافعة، وهي بذلك تضع القارئ أمام انبهار حركي في مشاهدها التي كتبت بدقة وبلغة بسيطة خالية من التعقيد والإسفاف،وكأنها ترسم لوحة جميلة كي تهديها إلى قارئها المفضل . وهنا اتساءل عدة أسئلة ما الذي دعا القاصة أن تضع هذه الفلسفة في مجموعتها القصصية ! وهل أرادت أن تقول أن هناك الكثير من الأصوات النشاز في مجتمعنا العراقي، الذي بدأ يتضاءل ويتراجع إلى الوراء من خلال شخوص ابطالها، ونحن كمغتربين نجد هذا القول يؤثر في نفوسنا كثيرا لما فيه من قسوة على النفس البشرية لما يحدث في الداخل من سياسة رعناء يقودها نفر قليل من أصحاب النفوس المريضة والمتسلطة على أبناءنا .

كيف للإنسان أن يفكر ويحلم ويختار ومعدته خاوية؟ أو يستطيع وهو جائع يلهث وراء رغيف خبز طوال يومه أن يقول كلمة حب واحدة للمرأة التي يهوى؟ أو يمكن للأم أن تغني لوليدها وهي تتضور جوعا، أو يمكن للجائع أن يحس أنغام الموسيقى ويطرب، بينما هويفكر برغيف حتى وإن كان يابسا .

بقى أن نذكر أن الشاعرة والقاصة سناء النقاش، عضو مجلس نقابة الصحفيين العراقيين، وفائزة بعضوية "الجندر" العالمية للصحفيات النسويات في الانتخابات التي جرت في انجيرس جنوب غرب فرنسا .

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

سردار محمد سعيدأنا لا اجيد المديح والثناء، وغير متمرس فيه، إنما أقول ما أشعر وما اعرفه حتى ولو كنت ابدو قاسياً لمن يتوجه اليه الخطاب، وانا اليوم بصدد الحديث عن شاعرة متمكنة هي فاتن عبد االسلام بلان ولقد دهشت من كثرة التعليقات والمديح الذي انهمرعليها كالمطر مع قلة التحليلات، وأرى ان نصوص فاتن تستحق المدح ولكنها تستحق أيضاً التحليل والنقد، واعتقد ان فاتن ترغب في الجانب الأخير أكثر من جانب المدح والثناء، ولو ان الجانب الأول يشجي الكثير من الناس بل ويبحثون عنه، وفاتن لبست من الباحثات عن الشهرة وتبحث عن النقد الرصين الذي ياخذ بيدها إلى جعلها تحتل المساحة التي تستحقها .

شواعر النساء قليلات العديد نسبة للشعراء الذكور ولو انهن في زيادة متفاقمة بعد اتخاذ الشعر المنثور وسيلة وطريقاً قد يكون الأسهل تعبيراً، في حين أن شواعر القصيدة الموزنة المقفاة "العمودية" على وفق علمي في وقتنا الحالي يقرب من الصفر، على انه قديماً ذُكرت اسماء شواعر بنسبة اكبر ويمكن قراءة هذا في الكتب المعروفة مثل كتاب أشعار النساء للمرزباني وكتاب أخبار النساء لإبن قيم الجوزية وعلى وفق معرفتي بفاتن من خلال ما نشرته فأعتقد زاعماً أنها مشروع لتكون الضلع المكمل للمربع المكون من الشواعر 1 ليلى الأخيلية 2 علية الاميرة العباسية 3 ولاّدة بنت المستكفي الأميرة الأموية .

الشواعر اللواتي ذكرت رموز كبيرة ولها صفة الإنسانية وهن مفخرة الأنوثة العربية ولي أمل في أن يتصدى أحد الآكاديميين لدراستهن دراسة رصينة في مجتمع أبوي قاس، هن عاشقات لا يخفين حتى اسماء ممن يعشقن فليلى الأخيلية صاحبة أو حبيبة توبة وعلية حبيبة الخادم طل وولادة حبيبة ابن زيدون أما فاتن فحبيبة من ؟

إن الأبيات

حب يزلزلني ويجذبني وقليله خطر بأضرار

 رجل يقامرني على قدح سيجاره حلقات اسرار

والله ذي غمازة صلبت اجفان قلبي دون مسمار

لا يمكن أن توحي بغير الحب، أقول الحب وهل في هذا من عيب؟ الحب الشريف العفيف وإن لم تذكرالإسم صراحة في مجتمع أبوي مقيت ينظر للأنثى على أنها عورة .. وإن كيدها عظيم ... وتهجر في المضاجع، ولكني لشديد الثقة في قوة فاتن وجرأتها سيستدعيانها لتغرد يوماً، ولتتذكر القول "يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، قال إني أريد أن انكحك احدى ابنتي هاتين ...".

فليس من المعقول أن نتجه الى وراء بعد حادثة ابنة شعيب وموسى وبعد عصر ليلى وعلية وولادة بمئات من السنين .

إن فاتن لم تتخذ سبيل التغطية والتمويه في شعرها مثل الكنى أو تقمص شخصية ذكورية فقد سبق وأن اتخذ أو تقمص مثلاً نزار قباني شخصية الأنثى ببراعة مثل صار عمري خمس عشرة

صرت احلى ألف مرة

ومتل

أيظن التي غنتها نجاة الصغيرة

لقد مدحت ليلى الأخيلية أمام الحجاج وفي مجلسه حبيبها توبة بن الحمْير بكل صراحة وجرأة

فتى فيه فتيانية اريحية بقية اعرابية من مهاجر

وقالت فيه بطلب من الحجاج

كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ قلائص يفحصن الحصى بالكراكر

وقالت

فإن تكن القتلى بواء فإنكم فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر

في حين أن علية العباسية بسبب الضغوط عليها كانت تكني أحياناً

ففد قاسمت اخوتها على أن لا تذكر اسم " طل" وعندما كانت تقرا القرأن كما يروى

وهارون يستمع من خلف ستار بلغت " فإن لم يصبها وابل فطل " فتجبجبت وقالت فإن يصبها وابل فـ فـ فالذي نهانا عنه امير المؤمنين .

وهي التي تقول في "طل"

قد كان ما كلفته زمناً   يا طل من جد بكم يكفي

حتى أتيتك زائراً عجلاً  أمشي على حتف إلى حتف

وقالت فيه

طل ولكني حرمت نعيمه  ووصاله إن لم يغثني الله

ومن كناها أنها كنت طل بـ "ظل" فقالت بعدغيابه

أيا سروة البستان طال تشوقي   فهل لي إلى "ظل" لديك سبيل

متى يلتقي من ليس يقضى خروجه  وليس لمن يهوى إليه دخول

وقالت فيه وغنته بعد أن صحفت اسمه إلى "غل "

سلم على ذاك الغزال  الأغيد الحسن الدلال

سلم عليه وقل له   يا غل ألباب الرجال

وكنته "بزينب "

وجد الفؤاد بزينبا     وجداً شديداً متعبا

أصبحت من كلفي بها   أدعى سقيماً منصبا

وغيرها كثير يمكن مراجعته في ديوانها وهنا لابد لي من أن أنبه لكثرة التصحيف فقد صحفت اسم طل إلى ظل وغل وكنته بزينب، فيا لهذا الحب العظيم

أما ولادة بنت المستكفي

انا والله أصلح للمعالي   وأمشسي مشيتي وأتيه تيها

أمكن عاشقي من لثم ثغري  وأعطي قبلتي من يشتهيها

و

اسامر في ليلي سنا طلعة البدر  لبعدك عن عيني وإن كنت في صدري

هواك له شغل بقلبي شاغل   به ضقت ذرعاً وهو- إن حققوا -عذري

 

إنني اتوقع في فاتن التي بلغ صدحها مرتبة متقدمة أن تكون الضلع الرابع إن سعت لذلك فالأرض خصبة ولديها البذروعذب الماء، وآمل أن يمد الله في عمري لكي ارى ذلك متحققاً .

وأذكّر اخيتي فاتن أن تعيد قراءة شواعر النساء للمرزباني و أخبار النساء لإبن قيم الجوزية وتراجع بعض الكلمات فيما إذا كانت مولدّة في المعاجم الكبيرة كلسان العرب والقاموس المحيط " وليس الوسيط" مثل لفظ مُشط بضم الميم ولفظ زغرودة

ولفظ حلقة .

تمنياتي للشاعرة المتصاعدة فاتن بالموفقية، راجياً أن أكون قد أفلحت.

 

سردار محمد سعيد

 

قاسم المحبشيقراءة عابرة للديوان والشاعرة فتحية الفرارجي

الشعر هو نبض الكينونة وصوت الكائن حينما تتوقد المشاعر في روح الإنسان وعقله الباطن. في الشعر وحده يحتدم الانفعال العاطفي مع الخيال الشاعري بإزاء موقف أو حدث أو قضية وينجب القصيدة بوصفها انزياحا إبداعيًا متساميا للكائن، تجعله يحلق في الآفاق المتسامية على أجنحة الصور والمعاني المرهفة الحس والرمز والدالة. مزاولة الشعر ليست بالأمر اليسر كما قد يعتقد من لا يكابد تجربة الشاعر ويعيش لحظة الإنجذاب الصوفي في موقد الاحتراق الداخلي للحدس والكلمة والإيقاع.

فلا يَعرِفُ الشَوقَ إِلّا مَن يُكابِدُه وَلا الصَبابَةَ إِلّا مَن يُعانيها. وحينما ينقدح القصيدة في قلب أنثى جميلة ومثقفة يكون للشعر قيمة ومعنى. إذ تكتسب الحروف والكلمات ملامح حانية ومعاني حميمة. سيدة أربعينية وقورة استمعت اليها وهي تلقي مداخلته الأكاديمية في مؤتمر مناهضة العنف ضد المرأة بشرم الشيخ بعنوان (حياة القوارير بين الصراعات المجتمعية والمؤسسات التعليمية؛ المرأة المعاصرة بين التحديات المجتمعية ومهام جديدة للمؤسسات التعليمية) تكلمت بلغة علمية ومنهجية رصينة؛ أنها الأستاذة الدكتورة فتحية الفرارجي من طنطا الخضراء. تناولت ورقتها مسألة بالغة الحيوية والأهمية عن تحديات الحضارة المعاصرة واثار الثورة المعلوماتية والتحول الرقمي في المؤسسات التعليمية ومنتسبيها من الطلاب والطالبات إذ اشارت إلى أن التعليم الالكتروني يعد أحد نتائج الثورة المعلوماتية التي تميزت بها موجة الحضارة الإنسانية الراهنة؛ حضارة انتصار المعرفة بما تشتمل عليه من بيانات، ومعلومات، وإعلام، وصور، ورموز، وثقافة، وأيديولوجية، وقيم وفاعلين وأفعال وتفاعلات وصراعات بحسب اولفين توفلر. الذي يرى أن المعرفة بهذا المعنى الواسع هي " البديل الجوهري " عن القوة الطبيعية الممثلة في الأرض التي سادت في الحضارة الزراعية، وعن القوة الصناعية الممثلة في المصنع التي سادت حضارتي الموجتين الأولى والثانية. إذ أن كل الأنظمة الاقتصادية اليوم تقوم على أساس " قاعدة معرفية (معلومات، بيانات، حسابات أرقام ... الخ ) وتعتمد المشروعات المعاصرة جميعها على الوجود المسبق لهذا المورد المعرفية المبنى مجتمعياً. ذلك التحدي الذي يتمثل بالتغيرات المتسارعة في مختلف مناحي حياة المجتمع اليوم تجعل مفاهيم التربية والتعليم التقليدية موضع للتساؤل: إذ كيف نعلّم التلاميذ بينما هناك نظريات ومناهج وموضوعات يكون قد عفا عليها الزمن قبل أن يترك التلاميذ مقاعدهم في المدرسة، إضافة إلي أننا نعيش لحظة تاريخية فارقة تجعل التغييرات في الأشخاص عاجزة عن ملاحقة سرعة التغيرات الاجتماعية والثقافية والعلمية المتسارعة في العالم المعولماتي الذي يشهد انفجار الثورة العلمية والتقنية الرقمية على نحو لم يسبق له مثيل منذ بدء الخليقة حتى الآن، واعني إن المعارف العلمية والقيم التربوية في عصر العولمة وانكماش الزمان والمكان تعيش حالة من التغيير والتبدل بوتيرة متسارعة في بضع ساعات فقط بل في جزء من الساعة . وهذا يعني إن تحديات الحياة المعاصرة لا يمكن مواجهتها إلا بالاستجابة الإيجابية الفعالة، وتلك الاستجابة لا يمكنها أن تكون إلا بتغيير جذري في أدوات ومحتويات ووسائل وطرق التربية والتعليم العتيقة. فمجتمع الغد أما أن يكون في الروضة والمدرسة والجامعة أو لا يكون. وهكذا يظل سؤال التربية الملح كما كان في كل العصور. ماذا نريد أن نكون؟ فكيف يمكن مواجهة تلك التحديات  فى بناء شخصية المرأة من عنف لفظى، واغتصاب خصوصيتها وغياب الأمن السيبرانى؟ هل تسهم دراسة الثقافات واللغات فى مواجهة هذا التحدى؟ الارهاب النفسى للمتدينات سواء مسيحية أو مسلمة فى المجتمعات الغربية من المسؤل عن مكافحته؟ أمام خطاب الكراهية وتحويل عالم الرجل والمرأة إلى حلبة صراع تحت مسمى المساواة، هل ستتحمل المرأة فقدان قوامة الرجل ؟ تلك الأسئلة وغيرها هي التي تناولتها استاذة اللغة الفرنسية في كلية التربية جامعة طنطا.

ولا غرابة أن تكون استاذة اللغة الفرنسية شاعرة طالما وهي متخصصة في لغة انجبت رينه ديكارت وجان بول سارتر وميشيل فوكو والبير كامو وسيمون دي بوفار وآرثر رامبو وشارل بودلير وميلان كونديرا.

وعلى مدى ثلاثة أيام من أعمال المؤتمر تعارفنا وعرفت أنها درست في باريس وصارت استاذة للغة الفرنسية وآدابها في جامعة طنطا المصرية العريقة واخبرني بأنها تقرض الشعر ولها دواوين منه. وعدتني بأن تهديني ديوانها وهذا ما تحقق في سفينة الحلم العربي بالقاهرة. أهدتني ديوان

بعنوان وأغلقت المدينة عينيها! مشفوعا بتوقيعها الكريم. العنوان وحده قصيدة. ذكرني ذلك العنوان الباذخ الجمال بسيدة العاشقين رابعة العدوية حينما عبرت عن تباريح عشقها الالهي بقولها الشهير:" إلهي أنارت النجوم، ونامت العيون، وغلَّقت المدن أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.. إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت منى ليلتي فأهنأ، أم رددتها على فأعزى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني، وعزتك لو طردتني عن بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبتك"

وأن تستهل العام الجديد بديون شعري فهذا

أمر يحمل الكثير من المعاني والبشائر السارة.

أخذت المدينة التي أغمضت عينيها فرحا بوجبة ثقافية إبداعية عابرة للأطلسي. وأنا اتصفح الديون تداعت إلى ذاكرتي باريس الوجود والعدم ل جان بول سارتر والغريب ل كامو واللامرئي لميرلوبونتي. إذ كانت رسالة في الماجستير عن الوجود والماهية في فلسفة جان بول سارتر فيلسوف الحرية.

ذهبت الشابة فتحية الفرارجي إلى باريس الحلم والعلم والأنوار فلم تدهشها كما دهشت أوائل القادمين من الشرق وأولهم رفاعة رافع الطنطاوي أول الموفدين المصريين للدراسة في باريس فكتب كتابه المهم تخليص الابريز فى تلخيص باريز " والذي اظهر فيه انبهاره الكبير بالحضاره الفرنساويه. طالبة الدراسة العليا التي تشربت ثقافة أم الدنيا  وتعلمت في جامعتها ذهبت باريس محمولة على أجنحة الثقافة المصرية الحانية فانشدت لباريس تباريح شوق الزائر الغريب إذ كتبت في أغمضت المدينة عينيها:

باريس شوارعك متاحف مفتوحة

بريقها  يَشفى رموشى المجروحة

اطوف فاسمع عزف سمسمية

ويهيم قلبى فى جزيرة منسية

غروبها بأسوان العتــــــــــــــــية

عزمها....عزفها مصانع الغربية الأبية

والسيد البدوي و أصحاب النفوس الذكية

والمرسي أبو العباس و نسمات اسكندرية

تبثها سواقىى الفيوم وندى المنوفية

أولادها قادة و للسادات زعامه دولية

والسيد الدسوقي ذي النفس المرضية

و الدقهلية والقليوبية وقنال الإسماعيلية

والقاهرة واهرامات الجيزة

وفاكهة البحيرة اللذيذة

وعيون موسى وراس محمد بسيناء

وكفر الشيخ و كلياتها الغراء

والبحر الأحمر وشِعابها العلياء

و بنى سويف و السويس الغراّء

ونفرتيتى بالمنيا والأقصر الينعاء

واسيوط وسوهاج الغنّاء

 باريس القاك وقلبى فى السحاب

واحلم بمصر متقدمة تفتح ألف باب

 إنها مصر باهراماتها وقلعتها الأبية

وازهرها الزاهر وكنائسها النقية

ما أجمل لحظة غروب شمسها

و شروق حضارتها الإنسانية.

وهكذا يبدأ الفن لا من اللحم والدم بل من المنزل، من المكان (الإقليم)، فكل الألحان، كل الأزمات الصغيرة المؤطرة السكن، الوطن، الإقليم، الطفولة، المهنة، اللهجة، الثقافة هي مشحونة في اللازمة الكبرى، أغنية الأرض  المنتزعة من أرضها. لقد حملت طالبة اللغات ذكرياتها في مسقط ومدارج الصبا والامكنة في حلها وترحالها. فها هي  مصر وبلدتها ورموزها الحانية تحضر في باريس على أجنحة الحلم والحب والأمل فظمأ قلب الشاعرة الغريبة لم ترويه باريس المثيرة للزائرين  بل يزداد لهيباً وعطشاً، إنها كمن يشرب مياه البحر، كلما شرب زاد عطشه، ولا يرتوي ظماه حتى لو شرب البحر كله. الديون يظم أكثر من اربعين قصيدة منها تلك التي تمثلت فيها الشاعرة صوت الذكر

وهو ينظر إلى جسد الحبيبة المسجاة أمام ناظريه إذ كتبت: 

انظر إليها عندما تكشف عن ساقيها

ويتهادى السحاب على جناحيها

فتغزوه و ينبض بين ذراعيها

وهى تتمايل برشاقة وتعلو بنهديها

فترمى شِباكــــــــــــها

تلتقط نظرتك من بعيد

وفى كونك تذهب أنت وتُعيد

ففى البعد تلتصق الذات

وفى كثرة القرب تندثر الملذات

بجوفها تضغط ...و تضخ أقلامنا

فتكبر و تتضخم أحلامنا

و تحت الأقدام تصغر جبالنا

وتشدُ من الصمت حِبال كلماتنا

فتغزل خيوط الزمان

فيضمنى ويضمنى الأمان

وتمسك بيدى وتحملنى للمكان

انظر إليها عندما تكشف ساقيها

ويتهادى السحاب على جناحيها

ربما كانت الحبيبة هنا هي مصر الحانية

وربما كانت غيمة شارة في سماء باريس وربما كانت حبيبة متخيلة حالة عشقية انعكاسية.

للشاعرة الأكاديمية دواوين أخرى منها؛

صهيل الخيول وألبابها ونبض الورد على الثلج

وجنين في القلب المجروح ولها مؤلفات أخرى

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

 

ابو الخير الناصريفي المجموعة القصصية "ماذا تَحْكي أيها البحر...؟" لفاطمة الزهراء المرابط (1)

تُقدِّمُ هذه المجموعةُ القصصيّة قضايا مُتَعدِّدَةً مُتَنوِّعة، وفي ذلكَ ما يُساعدُ على تَقْديمِ قِراءاتٍ مُتَعدِّدةٍ في هذا العَمَلِ القَصَصيّ.

ولقَدِ اخْتَرتُ أن أتحدثَ، في هذه المقالة، عن قَضيَّةٍ واحدةٍ من قَضايا المجموعة هيَ قضيةُ المرأة، وركّزتُ حَديثي عن قضيةِ المرأة في جِراحِها وسُبُلِ علاجِها، ساعِياً، بذلك، للإجابَةِ عنِ الأَسْئلَة الآتية: ما نَوْعُ المعاناةِ التي تَتَقلَّبُ فيها أَغْلَبُ النِّساءِ داخلَ المجموعة؟ ومَنِ المسْؤولُ عن هذهِ المعاناة؟ وكَيْفَ واجَهَتِ المجموعةُ القصَصيّةُ هذه المعاناة؟ أو فَلْنَقُلْ: ما السُّبُلُ التي تَسْلُكُها نساءُ المجموعةِ لتَضْميدِ جراحِهنَّ؟

1- جراح المرأة

إنّ قراءةَ المجموعةِ القصصيّةِ قِراءةً مُتَتبِّعةً للمَرْأةِ داخلَ جُلِّ النُّصوص تَقُودُنا إلى اسْتِنْتاجٍ مفادُه أنّ أغلبَ نِساءِ المجْمُوعَةِ يَشْتَركْنَ في المعاناةِ النَّفْسيَّةِ، وهيَ مُعاناةٌ نابِعَةٌ من عَدَمِ إحْساسِ الطَّرَفِ الآخَرِ الشَّريكِ للمَرْأة في عَلاقَةِ زَواجٍ أو "عَلاقَةِ حُبّ"- عَدَمِ إحْساسِه بما يَعْتَمِلُ في أَعْماقِ المرأة وعَدَمِ مُبالاتِه باحْتِياجاتها النَّفْسيَّة؛ وذلكَ للتَّرْبية الّتي تَلقَّاها داخلَ مُجْتمَعٍ ذُكوريٍّ يَنْظُرُ للمرأة نَظْرةً دُونِيَّةً تَعُدُّها أقلَّ قيمةً منَ الرَّجُل وأَدْنى مِنْهُ مَكانَةً.

ومنذُ أولِ نُصوصِ المجموعةِ، وهوَ النَّصُّ الْمُسَمّى "أنتِ القَصيدَة"، يَقِفُ القارئُ على ساردة حَزينَةٍ تَبْكي بَعْدَما أدْركتْ أنّ الكلامَ الجميلَ الَّذي طالما سَمِعَتْهُ من شاعرٍ لم يَكُنْ سوى تمارينَ مِنْهُ لتَأْليفِ ديوانهِ الجَديدِ، في حين ظنَّتْ هيَ أنَّ كَلِماتِه الجَميلةَ لها كانتْ صادقةً وصادرةً عن حُبٍّ حَقيقيّ.

ويحْضُرُ هذا الإحْساسُ بالحُزْنِ والوَحْدَةِ في قِصّة "أيّام الباكور" حَيْثُ نجدُ السّاردةَ تُعاني تَكْرارَ وَضْعٍ سَيّءٍ يَتَمثَّلُ في جُلوسِها كلَّ يَوْمٍ وَحيدةً داخلَ البَيْتِ تَنْتَظِرُ عودةَ زَوْجِها بَعْدَ أنْ يَقْضيَ ساعاتٍ «بِحانَةٍ صاخِبَةٍ يَتَجرّعُ كُؤوسَ الخَمْرِ [و] يَرْقُصَ على أَنْغامِ السُّكارى»(2).

والوَحْدةُ نَفْسُها تَتَجرَّعُها السّاردةُ في قِصّة "شَمْعَة" حيثُ «لا أحدَ يُؤْنِسُ وَحْدتَها، سِوى الصُّوَرِ الْمُتَراقِصَةِ على صَفْحَةِ الفايْس بوك...»(3).

ولا يختلفُ الأمرُ في قصّة "أَبْوابٌ مَفْتوحَة" حيثُ تَـمْكُثُ كُلٌّ من الحاجَّتَيْنِ رحمة وزهيرو وَحيدتَيْن داخلَ البَيْتِ في حين يَقْضي زَوْجُ كُلٍّ مِنْهُما أوقاتاً مُمتدَّةً خارجَ المنزل باحثاً عن مُتْعَةٍ فَرْديَّةٍ خالصَة.

أمّا في قصة "سَفَر" فإنّ السَّاردَةَ تُحاولُ تَكْسيرَ جِدارِ الوَحْدَةِ المعذِّبة بأنْ تَخْتلِسَ لحظةً جَميلةً من جِسْمِ شابٍّ مَعَها في مَقْصُورَةِ القِطارِ بَعْدَما اسْتَسْلَمَ للنَّوْم، لكنَّ تَحرُّكَ الشّابِّ وهو نائمٌ تحركاً مفاجِئاً أَفْسَدَ على المرأةِ مُحاوَلتَها وأَرْجَعَها إلى وَحْدَتِها وعذابها.

إنَّ وَحْدةَ الجَوِّ النَّفْسيِّ الَّذي تمرُّ فيه نساءُ أَغْلَبِ نُصوصِ المجموعة يَجِدُ تَفْسيرَه في النَّظْرَةِ المجتَمَعِيَّةِ لكُلٍّ منَ المرأة والرجل، وهيَ نَظْرةٌ لا تخرجُ عن نَظْرَةِ المجتَمَعاتِ الشَّرْقيَّةِ التي تَفْتَحُ أبوابَ التَّحرُّر أمامَ الذَّكَرِ وتُغْلِقُها أمامَ الأنثى وتَرْفعُ في وَجْهِها علاماتِ المنْعِ والحَظْرِ، وذاكَ ما يَؤولُ بهذا الذَّكَر إلى عَدِّ الأُنْثى جُزْءاً من مَتاعِهِ ومُـمْتَلَكاتِه يَسْتَمْتِعُ بها ولا يَتَساءَلُ عمّا لها من حُقوقٍ، مما يُضاعِفُ من قوة المعاناةِ في نَفْسِية المرأة كما تَبيَّنا من خلال نُصوصِ المجموعة الَّتي تَقدَّمَتِ الإشارةُ إليها.

ولَعَلَّ السُّؤالَ الذي يَفْرِضُ نَفْسَهُ هنا هو السُّؤالُ عن السُّبُلِ الَّتي تَقْتَرحُها المجموعةُ القصصية لتَخْليصِ المرأةِ من أَجْواءِ الوَحْدَةِ والعُزْلَةِ والعَذابِ الْمُتَجدِّدِ أو للتَّخْفيفِ من ذلكَ على أقَلِّ تَقْدير.

2- أشكال المواجهة

تَلْجَأُ هذه المجموعةُ إلى أَكْثَرَ من سَبيلٍ لتَضْميدِ جِراحِ المرأة والتَّخْفيفِ من شِدَّةِ عَذابها. وتَتَوقَّفُ هذه المقالةُ عند سَبيلَيْنِ من تلكَ السُّبُلِ هما السُّخْريةُ وصُحْبَةُ البَحْرِ.

2-1- السخرية

تُشكِّلُ السُّخْريةُ سلاحاً تُواجِهُ به المجموعةُ تَناقُضاتِ العَقْليَّةِ الذُّكوريّةِ داخلَ المجتَمَع. ومِنْ أَحْسَنْ ما يُجلّي مَلْمَحَ السُّخريةِ هذا قِصّتان من قِصَص المجموعة هما "لَعْنَةٌ" و"أَبْوابٌ مَفْتوحَة"؛ ففي قصّة "لعنة" يمارسُ أحَدُ الشُّعَراءِ دَوْرَ الأُسْتاذيَّةِ والوصايَةِ على غَيْرِه من المشاركين في نَشاطٍ ثَقافيّ، إذْ لا يَكُفُّ عنِ انْتِقادِ كُلِّ مَنْ يَتَقدَّمُ لقراءَةِ نَصِّه الشِّعْريّ،  وهيَ الانْتِقاداتُ الَّتي جَعَلتِ «الحَسْناءَ وراءَه تَتَبرَّمُ في صَمْتٍ، [و] تَرْتَجِفُ مِنِ انْتِقاداتِهِ القَاسِيَةِ»(4). لكنَّ المفاجَأةَ المضْحِكَةَ تَحْدثُ حينما يَتَقدَّمُ هُوَ لقراءَة نَصّه الشِّعْريّ؛ فقَدْ «صارَتِ الهاءُ ميماً، والثَّاءُ شيناً، وبَقِيَّةُ الحُروفِ تَتَضارَبُ مَعَ بَعْضِها»(5) وذاكَ ما وَلَّدَ مَوْجَةَ ضَحِكٍ داخلَ القاعة.

أما في قِصّة "أبواب مفتوحة" فتَنْشَأُ السُّخْريةُ من تَصْويرِ تَناقُضاتِ بَعْضِ الحُجَّاجِ داخلَ المجْتَمَع؛ فالحاجُّ ملّوك – مثلاً – «رَجُلٌ تَقِيٌّ وَرِعٌ، يُؤَدّي صَلواتِهِ الأرْبَعِ بانْتِظامٍ، يَدُهُ مَـمْدودَةٌ لكُلّ عابرِ سَبيلٍ (...) وعِنْدَما تَخِفُّ حَركَةُ الشَّارع، يحثُّ السَّيْر إلى الحانة ليَحْتَسيَ كُؤوسَ الخَمْرِ حَتّى مَطْلَعِ الفَجْر، ثم يَقْصِدُ الحاجّة ابْريْكَة ليُجَدّدَ شَبابَهُ فَوْقَ الأَجْسادِ السَّمْراءِ والبَيْضاءِ...»(6) تاركاً زَوْجتَه الحاجّة رحمة «تَنْتَظِرُ عَوْدَتَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ»(7)، ثم «يَترقَّبُ شَهْرَ رَمَضانَ ليُطْلِقَ العِنانَ لِلِحْيَتِهِ الخَشِنَةِ ويُواظِبَ على الصَّلاة والعبادةِ منذُ فاتِح رمضانَ»(8).

إن قارئَ هاتَيْنِ القِصَّتين "لَعْنَةٌ" و"أبوابٌ مَفْتوحةٌ" يُلاحظُ أنهما تَبْتَغِيانِ تَحْقيقَ هَدَفٍ واحدٍ يتمثّل في مُحاولَةِ تَقْبيحِ العَقْلية الذُّكوريّة المتناقِضَة، سواءٌ أكانتْ ممثَّلةً في شاعرٍ مُثقَّفٍ - كما في قصة "لعنة" – أَمْ في شَخْصٍ مُسِنّ لم يَنَلْ حَظّا وافراً من التَّعْليم كما في قصة "أبواب مفتوحة".

ومَعْلومٌ أنَّ تَقْبيحَ الذُّكورَةِ في القِصّتيْن يَسْتَلْزِمُ بالضَّرورَةِ تَحْسيناً للأُنوثَةِ ويَنْطَوي على انْتِصارٍ للْمَرْأَةِ وتَضْميدٍ لجِراحِها، ولذلكَ نَجِدُ السَّاردَةَ في نهاية قصة "لعنة" «تَضْحَكُ بَيْنها وبين نَفْسِها وهيَ تُرَدّدُ: منْ يملكُ بَيْتاً من زُجاج لا يَرْمي الآخرينَ بالحَجَر»(9). ولذلكَ – أيضاً -  نَجِدُ الحاجَّةَ رحمة تُطْلِقُ ضَحْكةً صَغيرةً تُبَدِّدُ صَمْتَ اللّيْلِ عِنْدَ لقائها بالحاجَّة زْهيرو وهُما على أُهْبَةِ الهُروبِ إلى مَكانٍ آخَرَ لا تَتَجرَّعانِ فيه كُؤوسَ المعاناةِ المتَجدِّدَةِ كُلَّ يَوْمٍ.

إنَّ هذا الضَّحِكَ السَّاخِرَ لهؤلاءِ النِّسْوَةِ ليسَ سِوى تَضْميدٍ مُؤقَّتٍ لجِراحِهِنَّ وخطوةٍ في مَسيرِ التَّخْفيفِ من العَذابِ الَّذي يَتَقلَّبْنَ فيه.

2-2- صُحْبَةُ البَحْر

يَحْضُرُ البحرُ في هذهِ المجموعة بوَصْفِهِ مَلْجأً تَلُوذُ به السَّاردةُ احْتِماءً من قَسْوَةِ المعاناةِ المتَجدِّدَةِ كُلَّ يَوْمٍ، ولْنَقْرأْ في بَيانِ ذلكَ هذهِ الاقْتِباساتِ المأْخُوذَةَ من بَعْض القِصَصِ:

- تقولُ الساردةُ في قِصّة "ضَباب" وهي تُشيرُ إلى البَحْر: «هذا هو صَديقي، أنظر ما أَحْلاهُ، يَسْتَقْبِلُني كلَّ صَباحٍ بصَوْتِه السَّاحِرِ وعِطْرِهِ الفَوّاح»(10).

- ونقرأُ في قصة "عُبور" هذهِ الجُمْلةَ الَّتي تُخْبِرُ عنِ البَطَلَةِ بالقَوْل: «الوَحْدَةُ تَقودُها إلى أَحْضانِ البَحْرِ»(11).

- وفي قصة "أَمْواج" تُقَرّرُ السَّاردةُ التَّمرُّدَ على أيّامها البائِسَةِ فتَقْصِدُ البحرَ وهُناكَ نجدُها تَقولُ: «أمواجُ البَحْر تَتَراجَعُ وتَتَقدَّمُ نَحْوي مُخلِّفَةً رُطوبَةً مُنْعِشَةً، تخلَّصتُ منَ الحِذاءِ الصَّيْفيّ، حَبّاتُ الرَّمْل المبلَّلةُ تُدَغْدِغُ أسْفلَ قَدَميَّ، والشَّمْسُ السّاطعَةُ تُسَلّطُ أشِعَّتها الحارّةَ على بَشَرتي البيضاء، تُحْرقُني تُخلّفُ احْمِراراً لافِتاً على وَجْهي المتَواري وراءَ الأَبْوابِ المغْلَقَةِ(12).

- ونَقْرأُ في قصة "ماذا تحكي أيها البحر...؟": «البحرُ كانَ هادئاً، يَلْمَعُ من بَعيد تحتَ أشعّةِ الشّمْس، حَرَّرْتُ قَدَميَّ من الحِذاءِ الرّياضيِّ لِتَغُوصا بين حَبّاتِ الرِّمالِ الدَّافئَةِ»(13).

يتَّضِحُ من قراءَةِ المقاطع المتَقدِّمةِ أنّ البحرَ في هذهِ المجْمُوعةِ صَديقٌ هادئٌ، حُلْوٌ، ذُو صَوْتٍ ساحِر وعِطْرٍ فوّاح، وهو ذُو أَحْضانٍ، ومَجالٌ للتَّحرُّر من الأبواب والأماكن المغْلَقَة، إنه مُعادِلٌ للدِّفْءِ والحَنانِ والرَّحْمَةِ التي افْتَقَدتْها نساءُ المجموعة في عَلاقاتِهنَّ بأَزْواجِهِنَّ وبغَيْرهِمْ من النّاس. وبعِبَارَةٍ أُخْرى: إنَّ صَداقةَ البَحْرِ في هذا العَمَلِ الأدَبيِّ سَبيلٌ لاسْتِرْدادِ المرأة لإِنْسانيتها ولتَجْديدِ لقائها بأُنوثَتِها التي كنتْ تَفْقِدُها وهيَ تُعاني باسْتِمْرارٍ من ظُلْم العَقْليّاتِ الذُّكوريَّة داخلَ المجتمع. وكأنّي بالكاتبة فاطمة الزهراء المرابط تَدْعو – بهذه الصَّداقة التي تَعْقِدُها بَيْنَ النّساء وبين البَحْر- إلى الاحْتِماءِ بالطَّبيعَةِ منْ قَسْوَةِ بعض العَلاقاتِ الاجْتِماعيَّةِ الَّتي تُدمِّرُ المرأةَ، وتُدمّر الإنسانَ المعاصرَ عُموماً،  وتُشْعِرُه بالغُرْبَة والعُزْلَة على الرَّغْم من كَوْنِهِ مُحاطاً بآلافِ النّاس.

ولعَلّ في الدَّعْوَةِ إلى الاحْتِماءِ بالطَّبيعَة دَعْوةً ضِمْنيَّةً إلى الصَّمْتِ باعْتِبارهِ سَبيلاً للِقاءِ النَّفْسِ والابْتِعادِ بها عَمّا يُؤْلمُ. ومَعْلومٌ أنّ «الإنْسانَ [يَقْتَربُ] في تَجْرِبَةِ الصَّمْتِ من المقدَّس، ولذلكَ يَقْتَرنُ الصمتُ بالتَّجْربَة الدِّينيَّة بشَكْلٍ عامّ، ويَقْتَرنُ بالتَّجْربَةِ الجَماليّة في الفَنّ أيضاً، ولذلكَ عَبْرَ تَجْرِبَةِ الصّمتِ تَبْدَأ نُسُكُ الدِّين وتَتَفجَّرُ كَلِماتُ الشِّعْر والموسيقى والأَعْمالِ الفَنّية»(14)، ولا غَرابةَ بَعْدَ ذَلكَ أن نَقولَ عَبْرَ تجربةِ الصَّمْتِ وُلِدَتْ هذهِ المجموعةُ القصصيةُ الأولى للكاتبة فاطمة الزهراء المرابط.

 

د. أبو الخير الناصري

.......................

الإحالات:

(1) ماذا تحكي أيها البحر..؟ لفاطمة الزهراء المرابط، منشورات الراصد الوطني للنشر والقراءة، طنجة، ط01، 2014م.

(2) ماذا تحكي أيها البحر..؟، ص77.

(3) نفسه، ص83.

(4) نفسه، ص23.

(5) نفسه ص27.

(6) نفسه ص89.

(7) نفسه ص90.

(8) نفسه ص90.

(9) نفسه ص27.

(10) نفسه ص98.

(11) نفسه ص117.

(12) نفسه ص35.

(13) نفسه ص52.

(14) الصمت رسالة إنصات للوجود، لرمضان بسطاويسي محمد، مجلة العربي، العدد 560، يوليوز 2005م، ص139.

 

 

محمد خالد النباليقراءة انطباعية لنص الأديبة والشاعرة خيرة مباركي

نص شعري كعبه عالي بهذه اللغة المنسابة كالغدير بكل سلاسة المفردة، تحمل بطياتها دلالية وعمق. وتناغمية أضافتها الشاعرة لهذه النثرية. فنشعر بأنه نص مموسق دون إسقاط النثر. ومع هذا الانسياب السلس يشعر المتلقي براحة في النفس. فاللغة رغم الوجع ورغم العتاب والغياب وحالة التشظي، إلا أنها لغة رغم قساوة الموقف وصعوبته تنساب سلسة وهذا يعطينا انطباعا عن نفسية الشاعرة وحالتها الشعورية أثناء الكتابة، تكتب بأعصاب هادئة مسترخية بلغتها الأنيقة، فنشعر بأنها شهرزاد تجلس كأميرة وهي تخاطب الآخر كأنها تتحايل عليه وتوجه رسالتها حتى تجعله ينحني خجلاً لرقتها، وهنا بهذا النص المبهر نجد تصويرا إبداعيا، وقد أثرت النص بالرمز والانزياح الجميل دون الابتعاد في تقاعير اللغة. فكانت صور شعرية من البلور الخالص , وأكاد أحس بحركة متجسدة في النص متوالية الايقاع في الروح وهذا الحب الجارف، وإن دلت هذه النثيرة على شيء فهي تدل على خوف وقلق من القادم والروح المتعبة وكأن الشاعرة خيرة مباركي ترتحل بين جدران الغياب طوعاً .

وقد بدأت الشاعرة بمفردات لطيفة ترضي الذائقة، لطيفة رغم وجود العنوان بين رهبتين فتقول مثلاً (الشغاف، المزامل، ترنيمة، موال) وتنطلق بسرعة للرهبة ومفردات أخرى بلغة أنيقة رغم العتاب، (فارتجفت كخطيئتي.. بآهاتي وقصائدي والغرق بهدير الصمت والمنفى) وبدأت بالتضرع للغياب الذي يجتاحها أن ينجلي تبحث عن وهج حتى يعصف بدمها. هنا صورة شعرية فكيف للوهج أن يعصف هذا تركيب مبهر وتتساءل كيف تواري الحسرات المتتالية حسرتها المحرمة وكأنها تقول أن ألمي مذموم بنظر الآخر إن بُحتُ به فلن تشتكي أو تظهر شكواها، وتبدأ بالتحذير بألا يباغتها حتى لا تضر به قسراً فليست بحاجة لأنفاس معلبة بمعنى نفس العبارات لا جديد حفظتها عن ظهر غيب فكلها مواعيد جاهزة معلبة فهذه خطيئة نادرة وفيها لذة ورعشة. وتتابع " هذا غرسك يتلألأ قمرا في مساماتي " ورغم ذلك تقول له لكن "اليوم أقايض ربيعكَ فهل تبايعني أن تكون "؟ " وأحاول أن أشفيك من هذا المرض "! "وتكون قديساً "، إنه بمثابة تساؤل، وهل سيتغير همسكَ ويبتكر المواعيد ويتخلص من العبارات والمواعيد المعلبة والتي تفتقد لطعمها ونكهتها المتجددة فقد مللت من التكرار تعال واعلن الجنون في جلالة اللقاء، وفي النهاية هي لا تصدق بأن هناك شيء ما سوف يتغير فتباغته بقولها لكن بنفسجة خائفة ترتجف وكأنها تقول لا أثق وهنا أخفت الشاعرة مشاعر أو سلوك احتفظت به لنفسها. فالسؤال يلح عليها ويرتجّ بهوس وبين المعنى والمعنى تبدأ الطواف بين ضفافه فالروح عطشى وزمزمها إشارة لماء الطهر. وتصر بأنها ستقتل عتابه وهنا أظنها تعني لن تسمع ولن تصدق بل سوف ترمي عتابه بالجمرات وكأنها ترمي الشيطان بسبع جمرات .

قرأتكِ كثيراً في النص وقد تجاوز الكثير من الألم والوجع والحرف الصارخ بصمت . كان وجعا ناعما ولذيذا. فكانت الشاعرة خيرة عميقة .

أخيراً لغة النص كبيرة تصويرية . فكم من البلاغة والمفردات الدلالية المبهرة , سامقة المعاني تخطف الأنفاس لعذوبتها. فقرأت وانتشيت لهذا العزف على وتر القلوب .

أقول للشاعرة خيرة : الله على هذا الألق والروعة المنسكبين .

هي كلمات بريشتك الساحرة ومدادك الزمرّدي من أعماق قلبك النازف عسلا وماءاً رقراقا , وبوحك يدبّ النشوة والسحر في النفوس الكامنة المنتظرة بشغف هذا الجمال وقلب ما زال عامرا بالحب لكنها بنفس الوقت ما زالت تقف على شواطئ ساحرة بالنوارس الصديقة  ... وقلم مدجج بالسحر، وقلب ما زال يغيب خلف الشمس فمن ينتشله من الغرق .

 كم تسرقنا الحروف من القلق ومن الفرح وكل الهواجس وحالات الغياب ولكن الأمل موجود ولا نعدمه، دمت وهذا الإبداع والإحساس المرهف بجمال المفردات والتعبير

 

بقلم محمد خالد النبالي

 الأردن 16/1/2021

...........................

بين رهبتين

خيرة مباركي

لي أن..

أجذّرك في الشغاف

أيها القمر المزامل نبضي..

أن أزمّنك بدقائق هاجسي

همستك بيقين الصباح

ترنيمة شاردة في موال شتويّ

فارتجفتُ..كخطيئتي في انتظارك ..

بلى:

همستك بآهاتي وقصائدي ..

فغرقتُ بهدير الصمت بين محرابك

ومنفاي

وأنا أتضرع للغياب أن ينجلي

ويعود وهج العنابر يعصف

في دمي!!

كيف أواري حسرتي المحرّمة

في ثغر ابتسامتي الجديدة؟!

أو أحلّلُك حراما بشغف الرغبة الجامحة!

هل تبايعني نسمةً جنوبيةً الهوى؟

وهل يرقد صهيل المواسم في نهمي؟!

إياك أن تباغتني بهمس دمك الهانئ

وتغزو مساماتي الغافية

ربما سأرضيك وأقطع حبل الشكّ..

فلا تخدش أنفاسك المعلبةَ بالمواعيدِ اليوميةِ ..

كُنْتُكَ نعيمَ الشرفات المفردسةِ

بخصب الحنينِ

وأفشيتُكَ في خطيئةٍ نادرةٍ بين لذّةِ الخوْخِ

ورعْشةِ الترابِ..

هذا غرسُكَ يتلألأ في فؤاد النور.. قمرا يضيء مساماتي!!!!

واليوم أقايضُ ربيعَكَ بالعِتابِ..

فهلْ تُبايعُنِي كيْ أتماثلكَ شفاءً قدسيّا

وهمسُكَ يبتكرُ المواعيدَ في جلالةِ اللِّقاءِ؟؟؟!!!!

لكنّني كبنفسجةٍ طموحٍ:

أرتجفُ

...........

...........

أحلّقُ في زواياكَ

وأرتجفُ

...........

...........

بين ارتجاجِ السُّؤالِ وهَوَسِ المعْنَى

وبين المعنّى والمعنى..

أطوف بين صفائِكَ وعطشِي

بين دواتِكَ وزمزمي..

ولسوف أنحر عتابكَ

وأرميه بجمرات سبع.

***

خيرة مباركي / تونس