جبار ماجد البهادليإنَّ من يُجيل النظر ممعناً قصدية البحث والتأمُّل الفكري والتَّقصِّي المَنهجي في فضاءات رواية (خُطىً في الضَّبابِ)، للأديبة الشاعرة والقاصَّة العراقيَّة ذكرى لعيبي، والصادرة عن دار الدراويش للنشر والترجمة في بلغاريا عام (2020م) في (102) صفحةً من القطع المتوسِّط، سيرى ذلك الكم القصصي العددي الهائل، والكيف النوعي المُحتشد لتمظهرات إثبات النسق الذاتي السيري،وتمثُّلاته الأدبية التي شغلت مِساحاتٍ واسعةً متساويةً من وقائع أحداث الرواية المتنامية درامياً وفنيَّاً.

التَّمثُّلاتُ السِّيريَّةُ الذَّاتيَّةُ

وقد تمثَّلت مظاهر هذا السرد الأدبي الذاتي في سبعة وعشرين عنواناً فرعياً تُشكِّل في حضورها النسقي الحداثوي روافد صغيرةً، أو منابعَ ثقافيةً رئيسةً تصبُّ تغذيتها الفكرية ومرجعياتها المعنوية في دائرة مركز العمل الفنِّي، وفي رؤيته الفلسفية التي تُشكِّل نقطة الإضاءة المشعَّة،وبؤرته المهمَّة في تكامل الوحدة الموضوعية لعنوان الرواية، وعتبته النَّصيَّة الرئيسة الموازية لمتن النصِّ الأدبي (الرِّسالي) . فهذه السبعة والعشرون جدولاً عنوانياً التي احتواها العمل الروائي السردي يَتفرَّدُ منها تسعة عنواناتٍ فنيَّة مائزة برشاقة لغتها التركيبية الانزياحية، وبعدها الدلالي والجمالي العميق الذي يُضيء فضاءات النصِّ الموازي، ويعكس ظلال روحه الموضوعية والفنية أحداثاً، وشخوصاً، وبناءً ولغةً طيِّعة معبِّرةً عن معطيات الواقع الراهن المعاش بوحدتيه (لزمانية والمكانية)، وإسقاط تجلياته وأنساقه الخفية والمتجليَّة على ثيمة الرواية الموضوعية.

والحقيقة أنَّ كلَّ عنوان من هذه العنوانات الصغيرة المُكتَنَزة بصياغة كثافتها المعنوية ودلالاتها السرديَّة يكشف جانباً سيريَّاً إنسانياً قَصصيَّاً مهمَّاً من جوانب الرواية وعالمها، ويرتبط بها فنيَّاً وموضوعياً و(زمكانياً) . وقد تمكّنت الساردة ذكرى لعيبي من الإمساك بتلابيب خيوط هذه العنوانات الثرية بسلاسة لغتها وأحداثها الموضوعية، ونسجها وربطها بواقعة وحدة الحدث الموضوعية التي تشكِّل المُهيمن الأكبر للوحدة العضوية التي بُني عليها فضاء النصِّ السردي بناءً تكامالياً موحَّداً.

وقد تعود أسباب هذا النجاح الفنِّي في تعاضد عنوانات الرواية الفرعية وتعانقها مع عتبة موضوعها الرئيس النَّصِّي هو الغاية والمقصد في بلوغ الهدف السامي في جماليات الإبداع السردي إلى جملةٍ من الأسباب الممكنة، والمسوغات المتاحة في فنيَّة التعبير عن نفسها التي ميَّزت لغة الكاتبة ذكرى لعيبي في حداثة المنهج البنائي النسقي (الأسلوب والأسلوبية)، أي في جماليات لغة الأسلوب طريقاً، ومنهجاً خاصَّاً، وفي الأسلوبية النسقية درساً إبداعياً تطبيقياً بليغاً في تخليق وإعادة إنتاج الحدث الذاتي،وتوظيفه توظيفاً سردياً أدبيَّاً يتماهى بتوقعاته وانشغالاته البنائية النصيَّة مع معطيات ورؤى الواقعة الجمالية، مع مخرجاتها الفنية التي تعزِّزها لغة الكاتبة وأسلوبيتها التعبيرية الرَّصينة في قوَّة التماسك النصِّي وسيرورة السَّبك والحَبك اللُّغوي والدلالي. وقد يكون ذلك النهج الأسلوبي وفقاً لثأثيرات القول البوفوني الفرنسي الشهير من أنَّ (الأُسلوب هوَ الرَّجلُ) .

تَشعيرُ لُغةِ السَّردِ الرِّوَائِيِّ

2679 ذكرى لعيبيإذا كان جوس إدموند في كتابه الموسوم (الوالد والولد) خيرُ من ترَجم لنفسه، وكتب سيرته الأدبية في قالب روائي قصصي ماتع، فإنَّ ذكرى لعيبي قامت بذات النهج القَصصي، والطريقة البارعة، والأسلوب الفنَّي الجيِّد، وصدق العاطفة المكنونة،والقدرة على السخرية من الواقع المعيش في تحقيق الغاية التاريخية من السرد.ولم تغفل عناصر الفن السيري التي تجلب المتعة للقارئ كما يرى إحسان عباس. وذلك لأنَّ الكاتبة كانت صادقةً مع ذاتها في سيرتها ولو كان الصدق نسبياً.

ولعلَّ هذا المؤثِّر اللُّغوي الأسلوبي في (خُطىً في الضَّبابِ) قد جاءت تأثيراته السردية المباشرة على مناخ الرواية وأقانيمها الداخلية مُتجليةً من خلال ما تمتلكه الساردة لعيبي من رؤية فقهيةٍ لسانيةٍ واعدةٍ، وقدرة مساحية إثرائية في تطويع الحدث وتصنيعة جمالياً. فضلاً عن تلك السِّعة الفكريَّة، والاستعداد النفسي المعرفي المكتسب، والقدرة اللُّغوية المخيالية التي تتمتع بها في تولي وإنتاج صور قَصصية سردية انزياحية انحرافيةً ماتعة الإدهاش في كسر تَوقُّع المألوف السياقي، رغم قساوة الحدث وكمية الحزن وضبابية المجهول السَّردي القادم؛ كون الساردة أساساً هي شاعرة إبداعية محترفة في الشعر القَصصي الحكائي، وفي إنتاج تشعير لغة السرد، وتسريد لغة الشعر نثرياً، مما كان علامةً فارقةً في تميِّز بلاغة مستويات لغتها الشعرية والنثرية التي جاءت خالية من مشاهد سرديات الآيروتيك الجنسي المبتذل في الأحداث.

ولنتأمل في هذا السياق اللُّغوي الساردة كيف تتكلَّم على لسان حالها الذاتي في مخاطبة نظيرها السردي البطولي الحبيب المنتظر (أحمد) بلغةٍ مجازية مخيالية طلبية محبَّبة في إيقاع تأثيرها السردي على النفوس " كُنْ ليْ غيمةً تَمطرُني حُبَّاً لترويَ صحراء حياتي، وفجراً من خلاله تُشرِقُ أيامي القادمة"، (ص17) . ثُمَّ تمضي في تشعيرها النثري في الإجابة عن تلك الأماني والتطلُّعات المنشودة، فَتسرِد بلغة المستقبل الآتي بحرف فعل المشاركة السيني القريب (سأروي)، وعلى لسان بطلها أحمد "سأروي نبعكَ صفاءً وأرتوي منكَ كي أديمَ زهراتكَ. تُصبحين على خيرٍ، تُصبٍحُ على خيرٍ"، (ص17) .

فهذه اللُّغة الرومانسية النثرية العالية التشعير الانحرافي في البلاغة الجديدة تقودنا في إحالتها الأسلوبية إلى لغة الساردة بهذا العمل الفني،وكيف كانت تشيع في سيرها، أي بمعنى آخر كيف كانت تُحلِّقُ إبداعياً في صناعة بنية جملها التسريدية خاصةّ وأنَّها التجربة الأولى لها في القصَّ الحكائي، وإنَّما في عالم الرواية الفسيح الذي يقتضي منها نفساً رائيَّاً خاصَّاً ويوجب عليها حرفيةً عاليةً، ومهارةً فكريةً وفنيَّةً كبيرةً في خاصيتي الإبداع والابتداع، والتخليق والتحليق، والمناورة

والمداورة في استمالة قلب المتلقي العادي، والنموذجي الواعي لهذا العالم الكبير،والتأثير به سحريَّاً وجذبه دون انفكاكٍ منه.

لُغةُ الرَّائِي السَّرديَّةُ

فكلُّ هذه المؤشرات الأسلوبية والفنيَّة كانت ميزةً واضحةً، وعلامةً سيميولوجية مضيئةً وجَّهت الساردة لعيبي إلى الكتابة السردية وإتمام العمل الفنَّي بموازاة لغتين خطابيتين تعبيريتين تكشفان عن حالهما، أمَا بلغة المتكلِّم السارد على لسان حال (أميرة) الشخصية الرئيسة الأولى في الرواية وبطلة أحداثها، وهي بالحقيقة القناع أو الماسك الرمزي الذاتي السيري الذي تكمَّمت به الساردة ذكرى لعيبي بطلة الرواية الحقيقية وكاتبة هذا العمل الفنِّي كما تكشف عن ذلك تمظهرات لغة الخطاب السردي الدالة عليها (ضمائر المُتكلِّم) تاء الفاعلية الحدثية "شعرتُ بالتعبِ والمرضِ من هذه الحرب النفسيَّة المدمِّرة،فقررتُ إمَّا إنْ أعود بأولادي إلى العراق أو أبقى لأجلهم وتبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من التحدِّي،اقترحتْ عَلَيَّ نوال أنْ أبقى. بقيتُ ...وليتني لم أفعل"، (ص33) . أو الغوص في أعماق الكتابة السرديَّة بلغة الراوي العليم، وفق النسق الفنِّي الاعتباري المألوف في كتابة السرد الإخباري المعبِّر عن الشخصية الروائية ذاتها، "أصاب المرض أميرة. بَدأَ التعبُ على ملامحها أو ربَّما تعب السنينَ الجائراتِ الموحشات ظهر الآنَ.لكنَّها لم تتوانَ عن إرسال صباحاتها ومساءاتها إلى أحمد"، (ص56) .

وأحياناً أُخر تتخذ لغة السرد طريقاً ثالثاً، فتمزج بين لغة المُتكلِّم السارد أو لغفة السَّارد الراوي العليم، ولغرض فنِّي أو موضوعي يُحتِّم ذلك الخلط الذي يُثري العمل رصانةً وحيويةً لابدَّ منها في البناء السردي بهذا التشاكل الروحي المنعش لها، "لا أدري ماذا أُسمِّي هذا العشق أو الوَلَهَ أو التَّعلُّق الجنوني، لكنَّ أميرة كانتً تعيشةً، وتتنفسه،رغم أنَّ واقعها مريرٌ وألمها كبيرٌ"، (ص54) .وتعليل ذلك الخلط التعبيري بين لغة الأسلوبين يأتي أمراً طبيعياً وتلقائياً غير مقصودٍ؛ لكنَّ الأهمَّية في ذلك المزج هو قصدية التماهي الشعوري الذاتي والنفسي بين شخصية أميرة بطلة العمل الروائي الافتراضية، وشخصية الكاتبة لعيبي صاحبة الذات االسيرية الحقيقية التي تقتفي أثر العمل السردي مُضمرةً شخصيتها بأنساق ذاتيةٍ موضوعيةٍ، وتمثُّلات أدبية إبداعيةٍ.وهذا ما أكسب العمل الفنِّي قيمةً إنسانيةً وموضوعيةً عُليا في التَّحليق بفضاء السَّرد وتخليقه جمالياً.

مُقارَبةُ السَّردِ لُغَةً بَينَ (الفُصحَى العَاميَّة)

فإذا كانت اللُّغة العربيَّة الفصيحة هي السائدة في لغة الرواية في تأثيث وبناء تراكيبها السردية السياقية، فهذا لا يعني أنَّ الساردة ذكرى لعيبي لم تنجح في استخدام مفردات علمية عملية، وتوظيف جملٍ تركيبية في اللَّهجة المحلية العراقيَّة أو العربيَّة الخليجية؛ وذلك؛ لأنًّ الكاتبة السيَّدة لعيبي تُقيمُ منذ زمنٍ بعيدٍ في مغتربها بأُمارة (الشارثة)، أي في الأُمارات العربيَّة المتَّحدة. وأنَّ الجدوى من ذلك التوظيف السردي بلغة العامِّية الدارجة هو الضرورة السرديّة التي تقتضيها واقعة الحدث الجمالية التي تستدعي فيها الكاتبة إلى الميل إلى هذا اللَّون من الانحراف اللُّغوي الماتع؛ وذلك لما تمنحه معطيات هذه التقنية الدخيلة من تأثيرات لغوية ونفسية ودلالية كبيرةً، ويكون الأسلوب كثيفاً وأكثر تأثيراً واستمالةً ووقعاً على النفس في التعبير مما تعطية مؤثِّرات اللُّغة الفصيحة التي تقعَّرت الكثير من مفرداتها، وتصحَّرت بعض كلماتها، وفقدت معانيها، وأصبحت رسوماً جافةً مَيِّتَةً لا نسغ لروح حياةٍ فيها، ولا أثر لرواء ماء يُنعشها أو يُحيها.

ولإنَّ هذا التقارب (الفُصحِي العَامي) يشي بأنَّ تأثير اللَّهجة العامية الدارجة يدخل مباشرةً إلى القلب دون استئذان؛ لكونها لغة الواقع الشعبي المألوف الذي لا يحتاج إلى تفسير أو تعليل أو تحليل معقَّد؛ لخفَّة تكثيفها الدلالي التعبيري، وسعة تأثيرها المعجمي في بناء العبارة السردية وتأثيها تأثيثاً لغوياً مُحكَمَاً ومعبِّراً. وكما استخدمها في الشعر العربي الحديث الشعراء الروَّاد كالسيَّاب والبياتي وغيرهم؛ لدلالتها التأثيرية ووقعها النفسي المأثور الذي دفع الساردة لعيبي إلى استثمارها سردياً في أكثر من عشرة مواضع فنيَّة استدعتها هوية الضرورة الزمكانية لجماليات الحوار القَصصية لعالمنا العربي. فمن نماذجها ما هو معبِّر عن واقع حال لسانها، "ما بي حَيل دَمعة بَعَد"، (ص14)، أي غير قادرة على ذرف الدموع للبكاء، وقولها ماجاء على حدِّ تعبير الحاج جاسم الذي اتَّصل بها هاتفياً متسائلاً عن ألوانها الحالية كيف هي تسير، "مرحباً أَمَّ خالدٍ شلونكم؟"، (ص56)،وقوله أيضاً ساخراً بكناية التعبير عن ذات شخصيتها القويَّة،"خَشم يَابِس"، (ص 57)، أي لها كبرياء جافٌ فارغٌ. وغيرها من الجمل والألفاظ التي تلامس شغاف القلب مما تستدعية حالية المقام السردي، ويَفرضه واقعاً آنياً مؤثِّراً، ولنا في ذلك التأثير النفسي ما تبُوح به أميرة، (ذِكرَى) في التعبير عن نفسها عما أصابها من وجع السنين، وآلامها الخفيَّة، وتكرار خيبات العمر المتوالية التي وصلت بها إلى حالات البكاء الشديدة، ومع ذلك حينما أصابها كلُّ ذلك الشرر راحت تبرِّر ذلك الشعور الضافي بالحنين قائلةً:"أنا بخيرٌ، لا تقلقْنَ (بَسْ شُويَهْ حَنيتْ لَهْلِي) " (ص57) .

ويبدو لي أنَّ هذا الاهتمام الذي تُبديه الكاتبة في تدوين حوارات نصيَّة ساخنة ومؤثِّرة في تأثيث بناء النصِّ السردي وتطعيمه أو تخليقه باللَّهجة المحلية العامية الدارجة كانت مبعث فخرٍ، ومحلَّ اعتزاز الساردة في الكشف عن جماليات هوية لهجتها العراقية الأُمِّ بهذا الإِخبار التوصيفي الذي تُصرِّحُ به لِمُتَلقِّيها قائلةُ: "لأوَّل مرَّةٍ أشعر بجمال لهجتي العراقية هنا[ في الأُمارات].لهجتُنا كانت ساحرةً بالنسبة للخليج، يعشقونَها كما يحترموننا، لأوَّل مرَّةٍ أكتشف أنَّ اللَّهجة العراقية هُويَة أُخرى.."، (ص 67) . أي مثلما أنَّ اللُّغة الفصيحة هُوية البلد، فإنَّ اللَّهجة العامية هُويَةٌ أُخرى تُضاف لإرث تاريخه.

أَرخنةُ المَكانيَّةِ والزَّمانيَّةِ

عندما يكون التداعي الشعوري بجماليات اللَّهجة العراقية العامية هُويَة مضافة أخرى تُضاف إلى سجل إنجازات السارد المبدع إنساناً مرتبطاً بوطنه الكبير، فإنَّ الشعور بالانتماء إلى الأرض التي عاشت فيها الكاتبة مكانياً وزمانياً، والمنبت الذي ترعرعت فيه وطناً (بيتاً صغيراً) يَفوق كلَّ الهُويات الوطنية الأخرى، ويُضفي عليها مُسحةً من جمال الانتماء التاريخي وصدق الأصالة والانتساب التي لا حدود لها. فالمدينة التي شكَّلت تاريخ حياتها الإنساني والاجتماعي والثقافي لا بُدَّ وأنْ يكون حضورها الجغرافي، واستدعاؤها الحضاري التاريخي واقعاً فكريَّاً في صفحات سردياتها أرخنةً وتدويناً، لتفاصيل ذاكرة هذه المدينة، وخلودها الحضاري (الزمكاني) الذي تتداخل فيه لبوس الحقيقة التاريخية بلبوس الخيال السردي لقصَّة لرواية.

فلا شكَّ أنَّ هذه المدينة هي (العُمَارَة) مركز محافظة مَيسان مسقط رأس المكانية، ومنبتها الأرضي الذي عاشت فيه الكاتبة وتنفَّست هواءه، وأرتوت بعذوبة مائه، فلا عجب من تسريد ذاكرتها الثقافية التي تنتمي إليها جذراً وتخليداً وأصالةً لسيرتها الذاتية، "يُقال أنَّها مدينة الحبِّ والجمال، ومدينة الكنوز التاريخية،من تلك المدن الجنوبية الغافية على دجلة بدلالٍ،المطلة على جرف الحياة بأبنيتها الطينية وصرائفها وبساتينها وحقولها المحروثة. من هذه المدينة انبثقت أميرة". (ص7)، أي من مدينة الجنوب (العُمَارَة) عاصمة أقليم مملكة مَيسان في الحضارة السومريَّة ظهرت ذكرى لعيبي إلى فضاء الوجود.فبهذا الانبثاق التاريخي العريق حَريٌّ بالساردة أنْ تَجْمُل أرخنة فن سيرتها الأدبية،وتتغنَّى برموز أمجادها التاريخية الكبيرة، وقد ذيَّلت هذا التدوين الوطني بإقرار صادق إلى هذه المدينة،حبَّاً ووفاءً وانتماءً إلى الأرض التي أنجبتها.

ومن الطبيعي اللافت أنَّ أرخنة هذا الجزء المكاني، لا بُدَّ أنْ يَسبقه أو يَلحقه في هندسة هذا التدوين المعماري السيري الذاتي أرخنةٌ للكلِّ، أعني للوطن الكبير (العراق)، وما شهد وضعه السياسي وواقعه التحوّلي الحديث من جملة أحداث تاريخية جِسَام مؤثِّرة. وقد حفَّز هذا المتغيِّر السياسي الكاتبة الساردة السيِّدة لعيبي واستفزَّ مِهمَازَ وعيها الفكري والثقافي في الخوض بتدوين تمظهرات الواقع السياسي المتهالك، وما جرى للعراق من أحداث وتحوّلات سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية عديدة أدَّت إلى متغيِّراتٍ جديدةٍ لم تكن مألوفةً من ذي قبل، فرضتها سياسة الغزو الأمريكي للعراق، والذي اهتمت بتدوينه في وقائع سردياتها اليومية لهذه المدينة، "بعدَ عام من زواجي الثاني، دخلَ العراق في مُنحنى سياسي خطر، كانت لأوضاع هناك قلقةً ومؤشِّرات على أنَّ البلد سيخل حرباً غير متوازنة"، (ص34) .

لم تكتفِ الرائية لعيبي بهذا التدوين التوثيقي الزماني لشهادتها على جريمة العصر فحسب، بل إنَّها تُعْرِبُ عن موقفها الآيديولوجي الفكري من ذلك الغزو العاتي، وما يحدث في العراق الجديد من مشاهد ومتغيِّرات ألحقت الضرر به وبمستقبله السياسي والاقتصادي. كما أكدت أنَّ "الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، أو معركة الحواسم، أو حرب الخليج الثالثة، مُسمياتٌ كثيرةٌ لمعنى واحدٍ، لتدمير روح العراق"، (ص34) . والكاتبة بقدر ما هي مُنهَمِكَةٌ بوضع همومها الذاتية وظروفها الصعبة ومحنتها على الصعيد الشخصي، فإنَّها لم تَخفِ قلقها البالغ وتشاؤمها عما يحدث لبلدها العراق. فقد كانت واعِيَةُ الوطنِ وحبُّهُ حَاضرةً في دواخل أعماقها،تسريداً وتنديداً، وتدويناً وأرخنة تتناسب مع قالب قصَّتها الموضوعية دون إقحام فجٍ يعيب الاقتصاد اللُّغوي في الترهل السَّردي، وهذا واضح في مدونتها التوثيقية عن مدينة دبي التي وطأت قدماها أول مرَّة أرضها المُبهرة، "لكنَّ دبي مدينةٌ فاتنة، مدينة لا تعرف أنْ تنام دون ترسمَ بناءَ عُمارةٍ أو شارعٍ أو مركزَ تسوّقٍ، لتصحوَ صباحاًعلى وجود مَعْلَمٍ جديدٍ، مدينةٌ تُشعرُكَ بالتَّرف والرفاهية، تُشعرُكَ بأنَّك مسؤول عن نفسك ومستقبلك"، (ص66) .

عتباتُ النَّصِّ السَّرديِّ

إنَّ من يقرأ رواية (خُطىً في الضَّبابِ) سيلفت نظره عنوانها الفنِّي وتركيبه الجُملي الاسمي المثير بدلالاته الإنسانية القريبة، وتوريته الانزياحية البعيدة؛ لكونه حَقلاً دلالياً لغوياً مائزاً يُعلِن بوضوح عن طبيعة النصِّ الموازي أو ما يُسمَّى أيضاً بالنصِّ المصاحب الذي يكشف عن نوع التلقِّي القرائي والجمالي لهذا النصِّ الرئيس. ومن ثَمَّ الولوج من خلال بوابته الكبرى الرئيسة إلى فضاء النصِّ السردي، والتمتع بعوالمه الموضوعية والفنية، ومعرفة اتجاهاته المتجلِّية والخفية الغامضة.

فالعنوان أو النصُّ الموازي أو (المَناص) كما يُسمِّيه بعض الكُتَّاب والنُّقاد هو إحدى عتبات النصَّ السردي، أو مفتاح من مفاتيحه الدلالية المهمَّة التي بواسطتها تتمكَّن من معرفة واقعة الحدث السردي (بؤرة الحدث)، أو كلٍّ ما يمتُّ بصلةٍ إلى النصِّ؛ كونه (ثُريا النصِّ) أو أيقونته السميائية الملغومة بالدلالات والإيحاءات العلاماتية البعيدة، أو بما يتعلَّق به رمزياً.

1- الشَّفرةُ العُنوانيةُ

فحين نذهب إلى تفكيك شفرات النصِّ اللُّغوية نفهم من ذلك أنَّ كلمة (خُطَىً)، هي جمع الجموع لمفردٍ من الكلمات، هو (خُطوةُ)، أي ما تتابع من الخُطواتِ في حالة المشي، وأنَّ (الضَّباب)، هو بخار الماء المتكاثف الذي يَحجُب الرؤية البصرية على سطح الأرض، فتنعدم به الرؤية الكليَّة للمحسوسات الأرضية. أمَّا التعبير الدلالي لهذه الجملة الاسمية المفخخة بالمعاني السيميولوجية، فيُشير بتجلٍّ إلى تلك الخُطى الذاتية السيرية لكاتبة النصِّ، وإلى رحلة التِّيْهِ والضياع الحالية التي خَطَتْهَا الساردة - في حياتها- نحوَ ذلك العالم الضبابي الذاهب إلى المجهول الغيبي اللامُتناهي الذي لا تُعرفُ له محطَّاتٌ واضحة المعالم يقف عند حدودها، سوى تلك العُتمَةِ التي تُغلِّفُ حياتها،والحزن الشديد الذي يَهصُر قلبها كامرأةٍ أُنثى ذاقت وقتذاك مرارة الاغتراب الروحي والجسدي، والحرمان الاجتماعي والثقافي في مرافئ رحلتها السندبادة العرجاء.

فـ (خُطىً في الضَّبابِ)،هي السير في دربٍ مجهول مُنعدِم الرؤية الشمولية، أيْ ضَياعٌ في متاهة من الضباب الواسع الذي لا آخر معلوم له. وليس له هدف أو غاية مقصودة تَعرف نهايته الحتمية،إنَّه طريق الاضطرار الذي تفرضه الأقدار مهما كانت النتائج. وبهذا المعنى اللُّغوي والدلالي يكون العنوان كعتبةٍ نصيَّة قد أدَّى وظائفه السردية الأربع المناطة باشتغالاته: (الإخبارية، والدلالية، والتأويلية، والثقافية) . تلك الوظائف التي ستتضح نتائج حركتها الصورية من خلال عتبات النصِّ الأخرى التي حدَّدها جيرار جنيت للنصِّ الأدبي تغذُّ به سيراً إلى آفاق ورؤىً تغور به إلى عالم سردي ممتد.

2- لَوحَةُ الغِلافِ الأُولَى

أو ما يعرَف بالوجه الأَّول للغلاف الذي تصدَّرت أعلاه عتبة العنوان االرئيسة للكتاب، أي (اسم المُؤَلَّف والمُؤَلِّف) . الذي يُمثِّلُ لوحةً فنيةً بصريةً بسيطةً لطريق سائر مستقيم تُحيط به سماء لونية زرقاء مُلبَّدةٌ بضباب شفيف يتخلَّله فنار ضوئي أصفر خافت ينثال بضوئه الضئيل على المدى وسط هذا الطريق المعتم الرؤية، والذي تشكَّل معالم رصيفه دالة صورية أنثوية سوداء تميل إلى الدكنة المُعبِّرة بدلالة رمزيتها الأيقونية الصورية عن صاحبة الخُطى الضبابية، وقد اختفت ملامحها الشخصية الفارقة كليَّاً، ولم يبقَ منها سوى شكلها الخارجي المُتشِح بلون السواد الدّال على كونها امرأةً تعاني الألم والحزن. فالغلاف على الرغم من كونه تمَّ تشكيله اللَّوني بلون إزرقاق تكثيف السماء إلَّا أنَّه يميل في خفاياه الداخلية إلى ظُلامية الضباب للدلالة على أنَّ الخطى الموضوعية تُشير إلى أنَّها مجهولة النهايات الزمانية والمكانية وغير محدَّدة.

ويُلاحظ على الوجه الداخلي الباطن من لوحة الغلاف الأولى نفسها تترآى لك صورة الرائية الساردة موشومةً باسمها الحقيقي الصريح (ذكرى لعيبي) يَعقبهُ نصٌّ نثري لها يكشف جانباً مهمَّاً من رؤية الكاتبة الشخصية والمسوغات التي دعتها إلى القَصص (السرد الروائي) السيري الذاتي، موضحةً التعبير حول مفهومها الفلسفي عن الذاكرة والقَصِّ الذي تبوح به مرددةً القول: إنَّ "الذاكرة نصُّ يَعبُرَ الأزمنةَ، والقَصُّ ذاكرة ثانية تبقى وتتمدَّد بلغته وأسلوبه. ذاكرة تحمي الكتابة من الموت، رؤىً في أزمنة التيهِ والشتات والركض وراء الحقِّ الغائب، البحث عن المكان - الوطن، عن المأمول - الحبيب- عن ابتكار فصول تتحدى البكائيات التي فتحنا أعيننا على لونها العدم )، (ص 0) .

هذا الهجس الشعوري الذاتي ما يخصُّ رؤيتها الفكرية في إنتاج هذه الرواية، أمَّا ثيمة الرواية الموضوعية وأرخنة فكرتها زمانياً، فقد جاء تعبيرها القَصَصِي الآتي موضِّحاً موقفها الإنساني من تداعيات هذا العمل السردي الروائي الصغير حجماً، والكبير كيفاً، فإنَّ أنساق "روايتي تدينُ الحرب إذ لا مجال للتمويه والتورية في الدمار، تُدين الرجال الذين شَوهوا المبادئ، لنيل مآربهم، تُدينُ الجانب الشَّرسَ من العالم الذي يغتصب عُذريةَ الكلامِ، وشغفَ الحبِّ وبراءةَ الأحلامِ. حكمةُ قَصٍّ أتيتُ بها من وطن الانتماء، إلى فضاء المعاناة. بدأتُ بكتابتها في زمن تنحَّى به عن المسرات،وأنجزتها في زمن جائحة كورنا". وفي الحالتين فإنَّ الزمن الذي تخطَّت به الضباب فاقد لشَّتى أشكال الفرح ومباهج المسرات. كما أنَّها في حكمتها القَصَصِية لمْ تأتِ بأنساقٍ أدبيَّة وتمظهراتٍ ذاتيةٍ سرديَّةٍ خارج وطن الانتماء العراقي إلَّا ما كان مُتَّصلاً بأحداثه.

3- لَوحَةُ الغِلافِ الثَّانيَةُ

أمَّا الوجه الخلفي للوحة غلاف الرواية الثاني الذي جاء حافلاً بلون أصفر جذاب، فقد تضمَّن محتوى عنوان الرواية

أيضاً، واسمَ كاتبتها (ذكرى لعيبي) ؛ ولكن الشيء المهمَّ في هذا الغلاف أنَّه تضمَّن علامتين بارزتين من أيقونات العمل الروائي، العلامة الأولى تضمَّنت جزءاً سردياً مقتطعاً من موضوع عنوانها الفرعي الفنِّي الثامن عشر الذي توسَّط صفحات الرواية باسم (في المنافي نُدركُ مَعنى البُكاءِ) . والذي هو من أهمِّ عنوانات الرواية الدالة على مدلولها الإنساني الواسع الكبير الذي اكتشفته الرائية في مغتربها المهجري خارج الوطن. والإدراك في هذه المحطَّة العنوانية يُشكِّل إدراكاً حقيقياً لمعاناتها الذاتية، ومأساتها الوجودية كأنثى تُجاه الوطن والإنسان والثقافات والتجارب المتعدِّدة التي مرَّت بها في حياتها.

أمَّا العلامة الثانية في هذا الغلاف، فقد كانت صرخةً مدويَّةً، ومكاشفةً علنيةً صريحةً من مكاشفات الذات الأنوية للآخر الذكوري، أي مقاربة الذات السويَّة الأنوية مع الذات العدوانية المتنمِّرة للحبِّ والسعادة والأهداف الإنسانية النبيلة التي يسعى إليها العاشق المُحبُّ، وينشدها حاضراً آنياً وغداً مستقبلياً "في المنافي نبكي بهدوء، نفرح بهدوء، ننكسر بهدوء، نموت بهدوء، الغياب حاضر، الحبُّ حاضر؛ لكنَّ الإنسانية وحدها محاصرةٌ، وحدها مقيَّدةٌ، والمسافات مفتوحة طويلةٌ، الحدود مغلقةٌ، والمنافذ قابلة لتأويل كهنة التعسف"، (ص60) . فلولا رسوخ صفة هذا الهدوء المتسامي تكرَّراً فيناً، والحضور لانكسرت الهمم العَلِيَة،وَكَثُرت الخيبات،وضيقُ الحالِّ والمواجع،انقطعت سُبُل الحبِّ وعوامل الرشاد وَفُسَحُ الأملِ.

ويكفي الكاتبة همَّاً وتوجُّعاً واغتراباً أنها عاشت تجربةً ذاتيةً كبيرةً ثَرةً في المنافي وهذا التعايش السلمي للحياة الجديدة جعلها تبوح به في تعبيرها السردي مبيِّنةً مُدركات مدخلاته الحسيَّة والتجريديَّة، وتأثير نتائج مخرجاته الحياتية عليها. فتؤكِّد بعفويةٍ وصدقٍ لقارئها أنَّ "في المنافي نُدرك معنى البكاء، عندما نُحبُّ شخصاً ولا نَستطيع الوصول إليه، ونُدركُ معنى الابتسامةِ عندما نَسمعُ صوتَ الأهلِ والأحبابِ عَبرَ أَسلاكٍ جَامدةٍ؛ لكنَّها تَنبضُ بهشم، ونُدرك معنى الاحتجاجَ لِيدٍ حَانيةٍ تأخذُ بَأيدينا وَقتَ العَوزِ، ونُدركُ أنَّ الآصرةَ نوَعٌ آخرُ من أنواعِ الحُريَّةَ، ونُدركُ مَعنى الرَّغبةِ في الحياةِ، ومَعنى كلمةِ (وطنٌ)، ونُدركُ معنى أنْ نكونَ لا شيءَ في رَفِّ أَفكارِ مَنْ تَركناهُم خلفَ الحُدودِ"، (60) .

إذن من خلال مُدركاتِ هذا الشعور الجمعي الاغترابي، وأعني المُدركاتِ غير البصرية في المنافي مثل، (البكاء، والابتسامة، والآصرة والرغبة)، وكلمة وطن السحريَّة، واللاوجود الكوني، تكون الساردة العليمة بهذا السمت من التوظيف والتجسيد الأدبي الفَّني لاقتفاء أثر السرد السيري، قد تخطَّت بشموليةٍ ووعيٍ حدود الذاتية الضيِّقة إلى مِساحةٍ أكبر من حدود مِساحاتِ السَّردية الإنسانية في تعويم لغة السَّرد إلى لغةٍ أدبيةٍ ماتعةٍ شائقةٍ في اشتغالاتٍ اشتشرافيةٍ رمزيةٍ تحاكي عقل المتلقِّي، وتماهي ضميره الإنساني الحيِّ عبر وسائط المشاركة الوجدانية، ومن خلال تعدُّد الفعل المستقبلي المضارع المبدوء بنون حروف (أنيتُ) الدالة على المشاركة الخطابية الجمعية، (نَبكي، ونَفرحُ، ونَنكسرُ، ونَموتُ) . وإنَّ تكرار ما بعده لفظة الجار والمجرور (بهدوء) ثلاث مرَّاتٍ يُدلِّلُ على أنَّ الساردة بحاجةٍ ماسةٍ إلى سعةٍ كبيرةٍ إلى عناصر مثل، (الهدوء، والاستقرار، والسكينة)، وهذا ما كشفت عنه شفرات الفعل الزمانية الحدثية الدالة على حقل (البكاء، والفرح، الانكسار، والموت) بمعناه المجازي التعبيري،لا الحقيقي، فضلاً عن أنَّها منحت الغياب لازمةَ حضورٍ يتكرَّر حدوس فعله التخليقي.

4- الإِهدَاءُ

وعند الولوج إلى صفحات الرواية يُطالعك (الإهداء) في أسمى تجلياته كعتبة من العتبات المُكمِّلة لِجماليات النصِّ الأدبي السَّردي. وما يلفت النظر أنَّ الإهداء كان قصيراً جدَّاً، ولكنَّه كان مُكثَّفاً ومُكتنزاً بعبارته التركيبية الدالة على ثيمته الموضوعية اللُّغوية ودلالية العميقة الرؤيا، والبعيدة المغزى في مقصديات الرواية حين يكون الإهداء موشوماً ببصمةٍ إبداعيةٍ عربضة تقول بنبرةٍ تحدٍ مستقبلية: ( إِلى الغَدِ اَّلذِي لَنْ يَأتِي) . فهذا التأكيد إلى المُهدَى إليهِ المنفي كائنٌ لم يأتِ بعد.وَبتجلٍّ يعني أنَّ الغد الذي تروم الوصول إليه الساردة،وتلُّوح به وصلاً لغايتها المبتغاة هو غدٌ مجهول كسراب في عالم ضبابي آخر لم تكن رؤيته البصرية أو رؤياه الحُلُمية معروفة الآخر. وهذا بحد ذاته يُعدُّ تعضيداً مجهولاً وإسناداً مضاعفاً إلى العتبة العنوانية الرئيسة. فلا خُطىً واضحة المعالم تَلوحُ في الأفق القريب، ولا غداً مستقبليَّاً موعوداً يأتي انتظاراً.

ويتناهى إلى ظنِّي كثيراً أنَّ علامات الحزن الشديد الدائم الألم، والوجع الكبير الغائر الجرح الذي تَستشعرُه سيميولوجياً الكاتبة، أو ما مرَّت به ذكرى لعيبي على المستوى الذاتي السيري في مراحل حياتها الإنسانية وفق سرديات هذه الرواية، ووفق عالمها القصصي الشعري الآخر قد انعكست آثاره (المازوشية)، وآفاقه النفسية الأليمة على شخصيتها الإنسانية المثابرة، وعلى كتاباتها الإبداعية شعراً ونثراً .وصار الحزن سِمَةً وظلاً ظليلاً لا يُفارق شكلَ لازمتها الفنيَّة والأسلوبية. وهذا الشعور المستديم يعدُّ ليس عَيباً أو مَثلبةً في أنَّ يكون طبع الإنسان المبدع حزيناً، فمن رَحم الحزن وواقع الفقر والمأساة يولد الإبداع الحقيقي الصادق؛ ولكنَّ العيبَ أنْ يُصبحَ الكاتب إنساناً اضطغانياً كثير الشكوى في حياته لا أمل له يُرتَجى.

5- التَّصدِيرُ والتَّأخيرُ (المَطلعُ والنَّهايَةُ)

منْ يقرأ الرواية بتوءدةٍ وإمعانٍ دقيقين، ويُطالعُ تسريد صفحاتها القصصية بتدبُّرِ المتأمِّلين، سيلفتُ نظرهُ الفكري هندسة البناء الفنِّي لمعمارية تصميم خريطة حُسن البداية، وجماليات خاتمة النهاية (الخروج)،أو ما يُسمَّى بِحُسنِ التَّخَلُّص في إيجاد مخرجٍ مناسبٍ لنهاية الموضوع.فعتبة التصدير الفرعية الأولى (الدِّلُ والدَّلالُ) ابتدأت بعبارة تَغليبية أو ظنيِّةٍ اعتقاديةٍ غير مؤكَّدة التسليم في ترجيح الخطأ الظنِّي على الثابت اليقيني المؤكَّد الصائب الممكن الحدوث. مُصححةً في الوقت ذاته مسار ذلك الانحراف الشكلي بما هو واقع معاش، فـ"غالباً ما نظنُّ أنَّنا لم نجد يوماً مكاناً يتَّسع لنا على هذه الأرض؛ لهذا أحياناً نحبُّ أنْ نتعامى لكي لا نفتحَ أعيُنَنَا على واقعٍ مَريرٍ، جَديبٍ، وأحياناً أُخرى نَنسَى إنَّنا نِساءٌ"، (ص 7) .

في حينً أنَّ منْ يتأمَّل خاتمة الرواية ويقف عند العتبة الفرعية الأخيرة (السابعة والعشرين) الموسومةبـ (أنوارُ السُّكونِ)، سيجد أنَّ المنتهى السردي لها قد خُتِمّ - رغم مرارة المأساة، وفداحة الأمر- بعبارةٍ إشراقيةٍ إنسانية يقينية تأكيدية دالة ٍعلى أُماراتِ الأمل والمحبة والابتهاج الذي تَبوح به السارة لعيبي لقارئها تاركةً وراءها كلّ الخسارات المادية والمعنوية، وَمُؤْثِرَةً في الوقت نفسه جماليات الربحَ في تعليلها الذاتي، "لهذا قررنا أنْ نترك السلام يُخيمُ على فلوبنا وأرواحنا، لنهبط بأنوار السكون إلى أقاصي أوردتنا، فيرويها لِنتفَتَّحَ في دروب العاشقينَ زهرة نيلوفر. (وَصَلَ العَريسُ وَصَلُ العَريسُ) " (102) .

والأجمل من ذلك كلِّه في هذا الختام (السلامي) التخلُّصي أنَّ ختام هذه العتبة السردية جاءَ موشوماً في جمال حُسن المطلع ببصمةٍ إبداعيةٍ أثيريةٍ دالة على رؤية الساردة وفلسفتها الإيمانية في الحياة من أنَّ الإدْبَارَ الضائع في طريقه، لا بُدَّ أنْ يَتبعهُ إقبالٌ عائِدٌ رائع. فحتَّى الخسارات المتوالية في قاموسها السردي ربحٌ إنساني سكوني الأنوار مشرقٍ الآفاق ساطع. والشيء الأخر الذي أمتعنا في القراءة رغم خاصيَّة التجربة الفردية، هو وعي الكاتبة وحسُّها المعرفي الثقافي المكتسب وقدرتها على الكتابة في التضمين التعبيري لنصّوص كُتًّابٍ ومثقفين ومشاهير صَدّرتْ بها مطلعَ بعض ِعتباتها للتماهي مع تكثيفها السردي الدلالي، أو الميل بذكر بعض الأعمال الروائية العربية على لسان أميرة للدلالة على أنها قارئة مُثقَّفة.

شَخصِيَّاتُ الرِّوايَّةِ

من يتتبع أحداث الرواية بتفحِّصٍ دقيق واعٍ، سيلحظ أنَّ هناك تقارباً نسبياً بسيطاً بين شخصياتها الذكورية والأنوثية من حيث الكم العددي، لا النوعي الكيفي لهذه الشخصيات، وعلى الرغم من تَفوّق الشَّخصيات الأنثوية بتسعِ شخصياتٍ، يُقابلهُ سبعُ شخصيات ذكوريةٍ، فإنَّ أحداث الرواية ووقائعها السردية بُنيِتْ موضوعياً وفنيَّاً على خطى شخصيتين أساسيتين رئيستين هُما: شخصية (أميرةٌ) التي ترمز بدلالاتها التكثيفية القَصصية السرديَّة البعيدة إلى شخصية الرائية الحقيقية مُبدعة العمل (ذكرى لعيبي)،والتي تتخفَّى بشخصيتها وراء أحداث الرواية عن بعد بتقَنُّعِ أنساق سيرتها الذاتية، وعن قُربٍ مشاركتها إنتاج سيرتها الأدبية، وبمختلف تمثُّلاتها الأدبيَّة والفنيَّة التي احتوها عتبات الرواية العنوانية (السابعة والعشرون) عتبةً. ومع تطوِّر الأحداث وتناميها فنيَّاً ودرامياً فإنَّ اللافت المفاجئ على شخصية بطلة الرواية (أميرة) هي نفسها تتحوَّل إلى شخصيةٍ ثنائيةٍ مركبة أخرى تُدعى (شامة)، والتي تظهر زوجةً لشهيدٍ قُتِلَ في الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين.

وهذا التحوِّل المفاجئ إلى شخصية شامة التي هي أميرة نفسها نجده ماثلاً في مرجعيات ثلاث عتبات، العتبة الثامنة عشرة التي ظهر فيها لأول مرَّةٍ اسمها الجديد ضمن أحداث السرد في معرض الحديث عن أسباب خطوبتها الفاشة من حبيبها وجارها وزميلها سامي الذي أحبته بصدقٍ، لكنَّ الظروف العائلية لها كانت أقوى من رغبتها له. والعتبة التاسعة عشرة الموسومةبـ (نَغمضُ أَعيننَا رَغمَ مَعرفتنَا بِالحقيقةِ)، والعتبة العشرون التي جاءت تحت عنوان (العودةُ) .

وقد اقتصر الحديث في هاتين العتبتين عن علاقة شامة الإنسانية العاطفية بحيب عمرها وعشيق الدراسة الثانوية سامي الذي ظهر مجدَّداً في حياتها من خلال اتصال هاتفي بعد غياب دام انقطاعه سبعةً وعشرين عاماً. والذي تصف فيه شامة هذا الغياب والظهور الذي طال أمده البعيدة مؤكِّدةً "إنَّها مفارقة غريبة. ظهور موجع في غير وقته،ظهور شتتَ تفكيري، وبعثر خططي"، (ص 69) . وفي ختام العتبة العشرين تُبَرِّرُ شامة مسوغات قصدية اتصال سامي بها في غربتها بمدينة دبي بأنَّه غفر فراقه وأخطاءه وأنساها ما أصابها من أحزانٍ ومآسٍ كارثية بسبه في غيابه "محو الماضي أمر ممكن، فهو لم يعد قضيةً كبرى، كلُّ ما تحتاجهُ النسيان؛لكنْ هل نستطيعُ أنْ نتجنبَ المستقبلَ المُبْهَمَ؟هذا الذي يؤرقنا.."، (ص72) .

أمَّا الشخصية الذكورية الثانية التي تُقابل شخصية بطلة الرواية الافتراضية (أميرة)، أو الراوي الحقيقي العليم لرمزية صاحبة العمل الرسالي الإبداعي الثر السيٍّدة لعيبي، تلكَ هي شخصية الدكتور أحمد ابن عمها فرحان التي ظهرت فجأةً على حين غرته في طيات العتة الفرعية الثانية المسماة (صباحٌ مُقدَّرٌ) . وشخصية أحمد كما تظن أميرة هو الحبيب الأزلي المنتظر للزواج بها؛ ولكن أيَّ زواج هذا الذي يجمع مثله رجلاً متزوِّجاً له أسرةٌ وزوجة وأبناء بامرأةٍ مطلَّقةٍ أرملةٍ مثل أميرة لها بالمثل أسرة وأولاد. والعجيب في الأمر أنَّ الزواج الذي يرومه أحمد ويبتغيه منها زواج كما يرى (تَحتَ غِطاءٍ شَرعيٍ)، أي زواج منقطع مؤقت، أو كما هو معروف في بـ (زواجِ المُّتْعَةِ) في المذهب الشيعي. هذا هو شعار الزواج الذي يسعى إليه أحمد، ويهفو قلبه ظمأً وشوقاً إليه، فتصفهُ مصرِّحةً القول: "لهفي يُطفئِه غطاءٌ شرعي، وخَلوةٌ تنفضُ فيها غبار السنين"، (ص17) . يا لوجع هذه العبارة التي توجسَّت منها أميرة كثيراً، وحسبت لها ألف حساب في كينونتها الذاتية.

أميرة لا ترى في هذا الزواج الطارئ عليها تعويضاً لخساراتها الشخصية الروحية المتوالية، ولا ترى فيه منجاةً حقيقيةً لها، أو تجد فيه ترميماً لسقف الزوجية المنثلم؛ كونه زواجاً غير متكافئ، زواجاً لا يمكن أنْ يكون إلَّا ظلاً لامرأة لا أكثر. فهي مازالت تعيش هِزَّةَ هولِ تلك الصدمة القاسية الأولى لانفصالها عن زواجها الشرعي العلني الأول من زوجها المدعو أبي خالدٍ الذي يَكبرُها بعقد من الزمان ونيِّف كما تذكر الساردة. وما زالت أميرة تعيش وجعاً مريراً من وقع تلك العبارة القاتلة التي كانت سبباً غير إنساني مقنع في انفصالها من زوجها أبي خالد. وذلك حين سألته، لماذال تريد الانفصال مني؟، فأجابها دون تردد قائلاً: "لأنَّي أراكِ نصفَ امرأةٍ"، (ص22) .

هذا هو وقع لسؤال الماحق الصاعق الذي أذهلها نفسياً بِهِزتهَ الشعورية الكبيرة وأفقدها توازنها العاطفي الإنساني والاجتماعي حتى راحت تُردِّد مع نفسها وتسألهاعلَّها تجد جواباً مقنعاً يُشفي ثورة غليلها الموارة من هذا الـ (نصفِ)، "كيفَ نصفُ امرأةٍ؟ألم أنجب له الأولادَ؟ ألستُ ضغيرةً وجميلةً؟ ألست بنتَ حسبٍ ونسبٍ؟"، (ص22)، فجاءت بالجواب المنصف العادل بوحاً،"نعم أنا كلُّ هذه الأشياء؛ لكنِّي عرفتُ تالياً المقصودَ بنصفَ اَمرأة! نَعم التفاصيل مؤلمةٌ ومملَّةٌ"، (ص22) .

إنَّ مثل هذا السياق الجُملي التسريدي الذاتي تُحيلُنا موضوعيته الإنسانية والاجتماعية إلى وقفةٍ تأمليةٍ من المكاشفة والمصارحة الذاتية التي خطتها الساردة لعيبي في الكشف عن الأنساق الخفية المكبوتة أو المسكوت عنها في صفحات سيرتها الزوجية كامرأةٍ أنثى، وإنسانة ساردة مبدعة معاً تنماز بهذه الشجاعة الفائقة من الجرأة الصادقة والصراحة المعلنة في كسر توقُّع تابو المألوف الحياتي للسياق الاعتباري الراهن. فإنَّ توظيف جملٍ ذات مؤثِّر دلالي تسريدي مهمازي كبير مثل، الزواج بغطاء شرعي، أو ما يسمَّى بزواج المتعة، يُعدُّ عند كثير من الناس أو بعضهم من أتباع المذهب نفسه الذي يُبيح هذا النوع من الزواج خطّاً أحمرَ لا يمكن قبوله أو تناوله بهذا الشكل العلني المكشوف، منعاً ومراعاةً لدواع لإحراج لمن يقبله على غيره، ولا يقبله على نفسه، أو ربَّما يتمُّ رفضه نهائياً.

إنَّ التصريح والتلميح بعباراتٍ السرد الذاتي التي تخصُّ المتزوجين من الناس على وجه التحديد، مثل عبارة من يُطلق على شريكة حياته (أراك نصفَ امرأةٍ)، أي تفتقدين إلى حرارة المعاشرة الزوجية الحميمية الجنسية التي أدركت مغزاها الزوجة أميرة متأخراً، وتركت الكاتبة الساردة ذكرى لعيبي تفسير دلالتها الإنسانية التأثيرية التكثيفية المباشرة بذكاء أسلوبي إبداعي بعيد،لا لعجزٍ تعبيري لغوي، أو لحياء ديني، أو اجتماعي يمنعها من البوح بالإخبار عن مقصديتها المعنوية إلى المتلقِّي الواعي ليشاركها متعة القراءة وجماليات التحليل والتأويل والتفكيك الدلالي لشفرات النص الساخنة بالمغازي.

فالكشف عن مثل هذه العبارات الآيروسية بين الأنا وهوية الآخر في نصٍّ سيري ذاتي مكشوف للقرَّاء والمتلقِّين بهذه الجرأة والصراحة المحمودة من والوضوح في مجتمع شرقي يُعدُّ أمراً مفضوحاً ليس هيناً؛ كونها تعدُّ تابوها محرَّماً من ممنوعاً من التابوهات، والعبارات الحميمية التي تخصُّ العلاقة الزوجية السرية بين الزوجين نفسهما. وأنَّ الآخرين غيرُ معنيينَ بهذه الخصوصية الثنائية، ولكنَّ البوح بها في الخطاب السردي الروائي يُحسبُ إلى كاتبة النصِّ السيري لوناً من ألوان الإمتاع في فنيَّة التعبير الأسلوبي الثقافي الحديث الذي يُماهي فيه عقل المتلقِّي وثير شغافه بالإضاءات الإشراقية.

ولو عدنا مرَّةً أخرى إلى سياق العبارات التركيبية السابقة ذات الوقع التأثيري الضوئي اللافت الذي كانت تردِّده (أميرة) مع نفسها في الرَّدِّ على عبارة طليقها الناريَّة، لرأينا أنَّ تساؤلها المرير، ألستُ أنا امرأة صغيرة وجميلة، وبنتُ حسبٍ ونسب وأصول كبيرة؟ وأنَّ كلَّ هذه (الأنويات)، والأشياء، والتداعيات النفسية، هي - حقَّاً- ذاتها مصادر مرجعياتها وأنساقها تنطبق حقيقتهاعلى السيرة الذاتية لكاتبة الرواية السيِّدة ذكرى، والتي جاء تسريداتها على لسان بطلتها الافتراضية (أميرة)، والتي انبثقت جذورها التاريخية وأصولها من مدينة الأهوار السومريَّة الجنوبية مدينة (العُمَارَةِ) التي مزجت فيها سيرتها الذاتية بتاريخ هذه المدينة الطويل العريق،وبلغة مخيالية ذاتَ تأثيرٍ بالغٍ مُؤثِّرٍ ومُحبَّبٍ في النفوس حلَّقت فيها عالياً بِتَشعيرِ السَّرد.

"من هذه المدينة انبثقت أميرة. ابنةٌ جميلةٌ مدلَّلةٌ لعائلةٍ وجيهٍةٍ ومُترَفَةٍ، تأخذ المرتبةَ الثانية بين الأبناء السبعة، تُقاربُ في حُسنها (بنتَ المُعَيْدِي) تلك المرأة التي يُقال عنها إنَّها ملكة جمال الأهوار،أو كما تسمَّى (موناليزا الشرق)، عُيونٌ وسيعةٌ بارقةٌ، وشعر أسود كأنَّه اللَّيل، ينسدل على كتفين مرصوصتينِ، بلون دم الغزال شفتاها، وجهٌ يُشبِهُ انفلاق القمرِ)، (ص7) . وتعضيداً لسيرتها الذاتية أنَّ الكاتبة فعلاً من الأسر الوجيهة والكبيرة الشهيرة في حسبها ونسبها وتاريخها بمدينة العمارة في جنوب العراق. فجدها الشيخ كاظم السدخان (رحمه الله) شيخ عشيرة البهادل العام الذي جمع بين الدين والمشيخة مشهود له بـالفراضة و(الحظِّ والبَخْتِ) على صعيد العراق، أي في البَتِّ بحلِّ المنازعات العشائرية والحكم فيها،وقضاء خوائج الناس. وأنَّ أباها الشيخ لعيبي السدخان - الذي أُغتيل لظروفٍ خاصةٍ- هو أيضاً شيخ عشيرة ومشهود له بذلك في وجاهته ومواقفه النبيلة وطيب كرمه. فكلُّ الذي وظَّفته الساردة لعيبي في فضاء روايتها، والذي جاء على شكل قَصَصٍ حكائي قصير يشكِّل موضوعاً ذاتياً كبيراً صادقاً من جزئيات سيرة حياتها، إلَّا القليل من لبوس المخيال الشعوري اللامرئي الذي يُماهي تفاصيل سيرة واقع حالها الراهن، ويضفي عليه شيئاً من الحبِّ والموضوعية التي تكشف جوانب مهمَّة من فواجع خاصيات المرأة العربية عامَّةً والعراقية على وجه التحديد.

هذه هي قصة حياة (أميرة) االساردة ذكرى التي بدأت بزواج اجتماعي غير متوازنٍ، أو متكافئ بكفَتي الميزان، فلم يُكتب له النجاح أو الاستمرار بعد في خطى الكاتبة الأولى، وانتهى بالانفصال السريع رغم وجود أبناء وبيت أُسري، لكنَّه تصدَّع كجدار بيضة الرَّخِ. ثُمَّ أعقبه زواجٌ ثانٍ آخر فاشل فرضته ظروفها الاجتماعية العصيبة، فجاء رداً سريعاً غير مخطَّط له؛ لردم الهُوة، وملء فراغ ما أحدثه طلاق زواجها الأوَّل الذي لم تُجْدِ خطاه نفعاً، سوى أَلمِ نقعِ غُبارِ الضباب المبهم الكثيف.

وتتوالى خيبات أميرة وخساراتها الروحية والنفسية في خطى مسيرتها الحياتية. فتمرُّ بمرحلةٍ جديدةٍ من صور العلاقات الإنسانية العاطفية، والتي يمكن أنْ تكون انعطافةً تاريخيةً تُجدِّدُ بوصلة مسيرة حياتها المتعرِّجة. فتلوحُ في الأفق القريب بعد ثلاثة عقود من الزمن الغابر، عَلاقة حبِّ قرابةٍ مع الدكتور أحمد ابن عمها فرحان وصديق طفولتها الذي يكنُّ لها حبَّاً عميقاً منذ نعومة أظفارهما حتَّى يوم الاتصال المرتقب بها، رغم كونه رجلاً متعلِّماً ومتزوِّجاً ومستقراً. ولكن هذه الخطوة الضبابية هي الأخرى جاءت متأخرةً عن بداية علاقتهما؛ لذلك فإنَّ آمالها وئدت في رحمها وانتهت مقتولةً بالفشل الذريع الذي يكشف عن نفسه بطلب زواج متعةٍ تحت غطاء شرعي مؤقت،أي تكون العلاقة الزوجية الجديدة علاقة نفعٍ تعويضاً له عن سنوات الحبِّ التي خلت دون تحقيق ارتباط بها. فكانت هذه الخطوة المفاجئة لأميرة المعشوقة آخر الفجائع الثلاث في ضياع خطواتها المستقبلية في دوامة ضباب كثيف يحجب الرئية عن الغد المستقبلي الذي لن يأتي بعد حصاد أوانه.

لم يبقَ من تلك الخطوات الوئيدة سوى أنوار السكون الروحية التي تُعلِّل النفس بالآمال والتطلُّعات والرغبات المستقبلية رغم ضراوة حروبها الزوجية القاسية الثلاثة، ورغم نفاد الصبر، وكثرة العذابات،واستبداد الألم في هذا الزمن العاتي القميء، "أنْ نُمارس العشق في زمنٍ تَنَحَّى عن المسرات، زمن يغتال الآمال ويُبارك الأغطية الشرعية المزيفة التي تُجمِّد الأوصال، وَيَعيبُ الأسقُفَ الأمنةَ التي تَقينا من بردٍ وجُوعٍ. ولا بُدَّ أنْ نتلقَّى صفعةً تُعيدُنا للأثير الأوَّل"، (ص102) الذي بدأت منه خُطى الرحلة الضبابية المعتمة.

وفي العودة إلى شخصيات الرواية الثانوية الأخرى، سواءٌ أكانت ذكوريةً أم أُنثويةً منها؟ والتي أسهمت حدثياً في فعلها الزمني المروري الأسلوبي في البناء التركيبي الفنِّي لتنامي درامية الحدث السيري الموضوعي الكبير في إنتاج الرواية لم نجد لها دوراً رئيساً فاعلاً في تجسيد أحداث الرواية وتخليقها فنيَّاً، وإنَّما كا دورها عرضياً ثانوياً هامشياً مكمِّلاً ومساعداً في توظيف سياقات النصِّ التسريدي الذي ارتقى بمثابرة شَخصيتَيْهِ الرَّئيستَيْنِ (أميرة وأحمد) وتعاضدهما في عقدة الحبكة الموضوعية وفكَّها عملياً. فهما على الرغم من فداحة الأمر والأخطاء الكارثية التي وقعت لهما وعاشا مرارتها، يُعدَّانِ من الشخصيات الإيجابية السويَّة المتعلِّمة الواعية ثقافياً وحضارياً بدلالة وقائع أحداث الرواية التي ختمت بنهايات مفتوحة تركتها بصمة الكاتبة؛ لتمنحَ القارئَ المبدعَ الناقد شيئاً من فاعلية متعة التلقِّي الفكري الإيجابي لأحداث الرواية، وَحَمْلهِ على المشاركة الفنيَّة في هرمنيوطيقيا التأويل القرائي واتباع آليات التدبُّر والتأمُّل وفكِّ التشفير اللُّغوي للنصوص السردية وفق جماليات التلقيِّ، ومن خلال ما يمتلكه من حاسة التذوُّق الأدبي.

 

بقلم: د. جبَّار مَاجد البَهادليُّ

 

 

هدلا القصارمن عناقيد الكلم، وخرزات اللغة، التقطنا نخبة قليلة من شعراء العرب البارزين في إبداعاتهم وأعمالهم الانتلجنسيا، المتجسدة في بلاغة التعبير.. وما تطلب شروط النهضة الأدبية في نتاجهم الأدبي المكمل لمسيرة أشهر شعراء الغرب، اللذين ما زلنا نستشعر وجودهم حتى يومنا هذا أمثال:

الأديب والشاعر التونسي يوسف رزوقة/ والعراقيين عبد القادر الجنابي، واسعد الجبوري/.. والشاعر البحراني قاسم حداد/ والشاعر العماني سيف الرحبي/ والشاعر الفلسطيني منير مزيد / والشاعرين اللبنانيين شربل بعيني، وروبير غانم/ والشاعر الجزائري ميلود حميدة .

وما زال في جعبتنا العديد من شعراء العرب المعاصرين، أبدعوا وأنتجوا لأممهم ثقافة ذات هوية مميزة، قادتهم إلى العالمية، نظرا لأعماق سلطة أقلامهم الأدبية، باختلاف أسمائهم وأعمارهم وجوهر إبداعات أفكارهم الأدبية.. المشتركين بإبهار الحاضر وملامسة الفضاء الإبداعي بأجناسه، الآتية من بؤرة مناطقهم المزكرشة بألوان مشهدهم الممتد من رهيف كلماتهم، وصنيع نهرهم العابر مساحات المحيط، ليرتوي القارئ من شلالات معجمهم، وتوراة ملامحهم المسيطرة على فضاء الجيل الثالث.. من خلال تجربتهم الشعرية الأدبية الإبداعية عامة ، بعبقرية أهدافهم المنسجمة مع تراث بيئتهم وهويتهم الشرقية والغربية والعالم الذي خصب جمال غنائهم.. ، لنستخرج منها دروساً إنسانية اجتماعية سياسية انسانية .. ذات قيمة عالية، ولينقلوا لنا إبداعاهم المهجنة إلى العالم المستمد شرعية استمرار يته من تاريخ وجغرافية العالم العربي ، الذي يقاسمنا ألم المسافة الفاصلة بين ضفتي المتوسط، الشرق والغرب، ليتوحد حلم الإنسان الواحد ككيان يطوف فوق الواقع بالتماهي بين الحلم الإنساني، وبين الواقع العميق، وما برحوا من استخراج أفكارهم وأطروحاتهم الإبداعية ضمن حدود تراثي أدبي برؤية " فيتو مينو لوجيا " مرتبطة بقضايا العالم وتفاعله مع الأواسط الثقافية العالمية، باعتبارهم من الفاعلين في الحركة الثقافية، من ناحية الجمهور والعالمين وتعدد مدارسهم واتجاهاتهم الفنية، وآثار بيئتهم الثقافية، مالئين العصر من إبداعاهم الذاخر منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما، ليقدموا لنا ألوانا متنوعة من الشعر العربي الحديث، المتمثل بلوحات "بروتيريه" جميلة ليكونوا سفراء الشعر الجيل الثالث ، من خلال عروض تخريجات منهجهم الاستقرائي، لنرصد نماذجهم المتشابهة في ما يوائم طبيعة الموضوع الذي يقوم على الانتقائية التي تحقق القيمة النوعية المضافة لديباجية حروفهم المنهجية وتواصل رسائلهم الأدبية المتنوعة ، ليرتوي المتلقي من حليب ثقافتهم وأبجدياتهم حتى الجيل الرابع ,وسننفرد بكل منهم بوررقة منفردة .

منهم من اتبع الصور الشعرية الملموسة، ومنهم من اتبع الأسلوب الفني/ والطابع الشخصي، والتأمل بالنزعة الإنسانية، ومنهم من تميز ببراعة الوصف والتصوير الفوتوغرافي، ومنهم من صهل الألم الإنساني على أوراق مخيلته. ومنهم من اتبع عروض اللغة ... ، ففي كلا الحالات لا يمكننا أن ننكر تشابه عروض تجربتهم وطريقة تعبيرهم عن الذات الملتصقة بالآخر، وتناولهم أنواع إحداثيات الحياة، وأمور الوجود، ليبقوا كالمسرح المتحرك على أوراق إبداعاتهم، ولنرى جوانب العالم من خلال تصورهم، وحيرتهم، وتساؤلاتهم، وآملهم، وبكاءهم وأفراحهم، من جهات مختلفة، جامعين خصوصية الطابع الأستشراقي لإعادة صياغة العالم في مسوغاتهم الفنية الحديثة .

لقد قصدنا من هذه الرؤى أن نورد تجربة كل منهم بإيجاز عن طريقة معالجة معاناة الإنسان، والوطن، والعالم والروح، والشخوص، وأسلوب نقلهم إلى المتلقي، على مدى تغيرات و الزمن الواقع بين الماضي والحاضر في جميع أوراقهم التي سنضعها على طاولة المفاوضات الأدبية لنستخرج من إبداعاتهم أرواح من سبقهم من شعراء العالمين وفق رؤية حديثة .

نعتقد أن مثل هذه الثقافة الجامعة لا يمكن أن تتيسر إلا لأشخاص عانوا من المنافي، وشخصوا لنا مثل هذا الإيقاع الشعري العربي المهجن من ثقافات وسياقات جرمانية، آشورية، كنعانية، فينيقية، هيموغرافية، بيزنطية، إغريقية، سومرية كلاسيكية قديمة وحديثة .....

ومن عمالقة الشعراء الذين استلهموا كتابات المهجر المتعدد اللغات والانتماءات الأوروبية فيما مضى، وكان لهم صدى على الشعر العربي المعاصر الذي لم يخل من مسحة تجديدية للتراث الأدبي الشرقي، وتأثروا بشعراء الغرب هم :

الشاعر ميخائيل نعيمة/ إيليا أبو ماضي/ وديع باحوط / وليم بليك /أحمد شوقي / ورشيد أيوب وعبد المسيح حداد / حافظ إبراهيم / جبران خليل جبران/ ادونيس/ يوسف الخال/ فاروق شوشة /عبد الرازق عبد الواحد/ سعيد اليازجي /بدر شاكر السياب/ عبد المعطي حجازي/ أمين مشرق /مسعود سماحة/ سعيد عقل، امين الريحاني....، وهم بالأساس من بين المتنبئين بفكرة التحديث، ‏ وهم أيضاً من بين اللذين تأثروا بمدرسة الشاعر، ماثيو أرنولد لامارتين/ والفرد دوفينيي/ والشاعر ليرمنتوف /والفرد دي موسيه /وفيكتور هوجو / وشيلر/وهيلدرلين / وكولردج /ووردذورث / وشيلي / والشاعر إليوت .

وهناك العديد من شعراء العرب ما زلنا نشهد على أنهم أصحاب الفضل في إنارة الأدب العربي عامة .

علماً أنه ليس لنا الحق أن نضع مجازا للمقارنة بين هؤلاء الشعراء العظام، اللذين يمثلون رؤيا مختلفة في أغراضهم....، لكننا نحاول أن نستشبه إبداعاتهم افتراضياً، كمرجعاً ثقافياً لرؤيتهم النوعية، وزوايا رؤاهم وأفكارهم المجاورة حضارات غربية التي أثرت في تهجن تكنيكهم، وتطبعهم الذي شاغل نقاد روايات الشعر العربي وتصنيف أجناسه المعبرة عن تجربة جماعية شديدة الارتباط بالمجتمع، والسياسة، والأنا، والآخر ...، بغض النظر عن نرجسية بعض الشعراء المفرطة لاكتساب تعدد اللغات، لكن تبقى أعمالهم عبارة عن نشاط ثقافي علمي على صعيد الأسلوب الجمالي الأكثر تفرعا في تجاوزهم انجازات ومناهج ومفهوم أدباء وعلماء في الحركة الشعرية التي أجمعت على آدائهم وتفكيرهم ونبرة حياتهم ...

لذا نفتح دفاتر تجاربهم ليس إحصاءا لكمية نتاجهم الأدبي أو لمطبوعاتهم الورقية أو الالكترونية ...، وإنما لنوعية ذخائرهم وصيغتهم الأدبية، وفرادة إحساسهم البصري العميق وتفاعله بالشأن الخاص، وهذا ما قادنا الغوص في مستواهم المهجن وما خلفهم، من نبؤءة ممتدة من من سبقهم من أدباء وفلاسفة الأدب عامة، لنتعمق بأعمالهم الأدبية من جديد من خلال تفردنا بورقة بروفيل لكل منهم

يتبع

 

بقلم: الناقدة والشاعرة د. هدلا القصار

 

 

الحسين بوخرطةقراءة تأويلية للقصة القصيرة "جزيرة الرشاقة" للدكتور علي القاسمي

إن قراءة هذه القصة الشيقة بتمعن أبرزت لي مجددا نجومية الكاتب الدكتور العلامة علي القاسمي في تعاطيه التقدمي والحداثي مع المواضيع والإشكاليات التي عرفتها وتعرفها الإنسانية في العصر الحديث مستحضرا تطور مسارات تواريخ حضارات عريقة تصارعت وتنافست مع مرور العصور والأزمنة. بكل موضوعية، كلما زاد تعمق القارئ في تأمله وتفكيره في الثيمات التي يتناولها في كل قصة على حدة، يتضح له أن الكاتب سما بجدارة واستحقاق إلى مصاف الرواد عالميا في سماء الإبداع القصصي، ليحتل موقع نموذج عالم مناوئ للتسلط السياسي والثقافي الوائد لحرية الإبداع والتفكير التفوق الذاتي والوطني والحضاري. اختار بحرية تامة وطنا ثانيا، المغرب، ليتحول ترابه بالنسبة له، بكرم ضيافته وطيبوبة شعبه وخصوصيته السياسية والثقافية والفكرية، إلى فضاء للإنتاج الأدبي والفكري الزاخر بالرسائل والعبر.

الملتهم للقصة موضوع القراءة "جزيرة الرشاقة" لا يمكن أن لا تخالج ضالته الأدبية والحكائية والوجودية خصوصيتها الإبداعية وأبعادها التاريخية الحديثة التي تخص الماضي القريب والحاضر والمستقبل، وعمقها التربوي واللغوي والنفسي والفلسفي والتنموي، وجمالها الأسلوبي والتصويري والتوثيقي. لقد اختار الكاتب العراق كنموذج بلد عربي أو جنوبي مكانا لتوالي أحداث القصة، طامحا بلا شك وصف وتحليل وتوقع العلاقات ما بين الشمال والجنوب عبر الأزمنة الحديثة ومآلها المستقبلي. وهذا الأمر ليس بالجديد عن القاسمي. إبداعه الأدبي تجاوز عتبة الرقي في مسار إنتاج غزير، منح لانشغالاته اللغوية المجمعية والمعجمية، التي جعلت منه رائدا من رواد صناعة المعجم التاريخي العربي، مكانة بارزة إلى جانب نفر من المبدعين في الأدب والفكر والفلسفة التواقين لإتمام معالم مشروع نهضوي عربي بأبعاده النظرية والتطبيقية، وبمجالاته التربوية والتعليمية والثقافية والفكرية والاقتصادية والعلمية.

أبعاد القصة تنفض الغبار على موضوع شديد الحساسية يتعلق بضعف ثقافة حفظ التراث وعلوم الآثار عربيا، وما يرتبط بذلك من ثيمات كمقومات المواطنة والصراع ما بين الشرق والغرب، مركزا على حاستي البصر والذوق في التصوير والوصف. لقد مزجهما بإتقان لصناعة خليط من التصورات السردية واصفا حقيقة ماضي وحاضر ومستقبل علاقة الشرق والغرب بأسلوب ساخر، قدم من خلاله لوحة تعبيرية لتأخر الشعوب المشرقية من جهة، وأهداف الوافدين الجيواستراتيجية (الغرب) من جهة ثانية. لقد تعمد استعمال ضمير جمع المتكلمين للتعبير كون القضية حساسة وشائكة تتعلق بمصائر شعوب مختلفة حضاريا وتفاعلاتهم التاريخية وتباين مستويات نهضتهم وتنميتهم وتطورهم.

لقد محور قصته، حسب تأويلي، وجعل أحداثها تدور حول حقيقة لا يمكن لأحد نكرانها. لقد تخلت دول صانعة عصر الأنوار عن نعومة إيديولوجيته التي كان أساسها التحرر وضمان حقوق الإنسان الكونية، مفضلة خيار أو نزعة الغطرسة التي تجيد، تارة في الخفاء وأخرى في العلن، التعبير العنيف، وممارسة التطاول، والتحكم، والتسلط، وتيسير عمليات استغلال ثروات الشعوب العربية، ليتوج المسار برمته بحدوث هوة بين الشمال والجنوب، يتوسع مداها مع مرور الساعات والأيام والسنوات والعقود.

الوصول إلى مرحلة الإشباع غربا، التي توجت مسار تطبيق إيديولوجية الشمولية والعولمة، أحدثت انفجارا إعلاميا حول تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية والسلوكية، الواحدة تلو الأخرى. تم فرض حرية حركية الرأسمال والسلع والخدمات بسلط مؤسساتية كونية (مجلس الأمن، المنظمة العالمية للتجارة،.....) مباشرة بعد نفاذ سنوات أربعة عقود من الاستقلال تقريبا بالنسبة للدول العربية ودول الجنوب، السنوات التي أعقبت فترة استنزاف استغلالي استمرت تحت غطرسة حركات امبريالية واستعمارية دامت تقريبا نفس معدل المدة.

توجت نهاية القرن العشرين بمستجدات سياسية جديدة فرضت الاستسلام لفترة توقف وتفكير في موضوع البحث عن مقومات حكامة دولية في سياق زمني استثنائي تمت تسميته بمرحلة ما بعد الحداثة. هاجرت منذ بداية القرن العشرين السيولة وقيمة الخيرات الترابية الطبيعية إلى الشمال، أي إلى جزيرة الرشاقة كما سماها القاسمي "كنّا نحن الأطفال نسمّيها "جزيرة الرشاقة". وكان بعضنا يتقعَّر في كلامه فينعتها بـ "جزيرة الرشاقة والأناقة". أمّا الكبار فكانوا يلقّبونها بالعالم الحديث".

تم بعد ذلك إلغاء الحواجز الجمركية، لتنهج الدول الأكثر تقدما في العالم سياسة تشجيع الطلب وتيسير منح القروض، ليترتب عن ذلك تكيفا للعرض مع التزايد الصاروخي للطلب، وتوسيعا للقدرة الإنتاجية للوحدات الصناعية المختلفة. أنهكت أجور الطبقة النشيطة كونيا بتفاقم القروض الاستهلاكية، وتحولت مستحقات البنوك والمؤسسات النقدية والمالية إلى قروض سامة. تقهقر الطلب إلى أدنى مستوياته، وعطل استخدام أنصاف عدد آلات الوحدات الإنتاجية، وسرح الألوف من العمال والعاملات، ليعم توالي حدوث الأزمات المالية. إنها الوضعية التي صور الكاتب تجليات أحداثها بوصف دقيق ساخر للتحولات المباغتة التي طرأت وتطرأ على سلوك وهيئة الإنسان الغربي: ضخامة الجسم والكسل والاكتفاء بمنح التغطيات الاجتماعية والصحية. بالطبع، الدول المتقدمة تكون دائما في بحث عن تعويض خسائرها بمختلف الوسائل، والحفاظ على ريادتها وترتيبها ضمن لائحة الدول القوية.

في بداية القصة أبرز الكاتب التفوق الحضاري المبكر لدول وشعوب الشمال الذي استفاد تاريخيا من ازدهار الحضارة العربية في كل المجالات إبان القرون العشر الأولى الهجرية. إنه التفوق الذي رفع من حدة الوعي الشعبي غربا بضرورة الحاجة إلى إعادة تصفح أحداث تاريخ الحضارات والبحث في التراث والمآثر لتحقيق ديمومة الارتقاء الحضاري كونيا.

الوافدون في القصة مرتبطين بعلم التراث والمآثر، أداموا استمرارية زيارتهم الاستشراقية للدول العربية، لترتفع وثيرة عمليات كشوفاتهم وبحوثهم العلمية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ازدهرت علومهم الإثنولوجية، والأنتروبولوجية، والنفسية بشقيها الفردي والاجتماعي، والتكنولوجية، وتلك الخاصة بالتراث والآثار.

لقد عزموا على السير قدما في هذا الاتجاه في زمن مسار مواز تميز بتفاقم ضعف أو إضعاف أو كساد الثقافة الشعبية والنخبوية لدى الشعوب العربية في كل المجالات تقريبا "كنا نسمّيها "جزيرة الرشاقة" لأنّ بناتها وأبناءها الذين راحوا يؤمّون بلدتنا الصغيرة، كانوا على قدرٍ مدهشٍ من رشاقة القوام، وأناقة الهندام، والنشاط، وخفّة الحركة. قاماتهم طويلة، ولمعظمهم شَعرٌ أشقر، وعيونٌ زرق أو خضر، وملامحُ وسيمة، ووجوهٌ مشرقة، وابتساماتهم أخّاذة".

أبرز السارد الصفة العلمية للزيارات المسترسلة من خلال تعجبه من وتيرة زيارة الوفود لبلدته بالرغم من افتقارها لأي خاصية سياحية جذابة، مبرزا في نفس الوقت بؤس الحياة الترابية المنغمسة في التقليدانية: "كانوا يفدون إلى بلدتنا سُيّاحًا من نوعٍ خاصّ، فلم يكُن فيها ما يسلّيهم. فليس ثمّة دور للهو، ولا مسارح، ولا قاعات للسينما، ولا دور للقمار، ولا منتجعات سياحيّة مزوَّدة بملاعب رياضيّة أو مسابح أولمبيّة، ولا أسواق عامرة بأصناف البضائع اليسيرة الأثمان. لم يكن في بلدتنا ما يغريهم بالقدوم إليها. فهي مجرَّد مجموعة من الدور البائسة ذات الطابق الواحد، المبنيَّة من الطين أو الآجر، المسقَّفة بالجَرِيّد (سعف النخيل)، يتوسّطها مسجدٌ صغيرٌ، وبنايتان متواضعتان لرجال السلطة. ومع ذلك كانوا يأتون إلينا باستمرار جماعاتٍ ووحدانًا ... يتملّون جنباتها، وهم يسترقون النظر إلى كُتب يحملونها بأيديهم، أو يستمعون إلى دليلٍ يرافقهم ويزوِّدهم بالشروح".

وهو يشير إلى مركز اهتمام الوافدين، تربص الفرصة وجلا حقيقة التخلف الذي كان يكتنف ويفتك واقع الشعوب العربية (العراق)، بحيث تم اعتبار آثار مدينة بابل مجرد أطلال وخرائب "كان مركز الجذب الوحيد لهم تلالٌ تقع بالقرب من بلدتنا، وتضمُّ مدينة بابليّة قديمة يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة آلاف سنة، لم يبقَ منها إلا أطلالٌ وخرائب. إنّها بالأحرى آثار مدينة مندثرة. مجرَّد شوارعٍ مهجورة، وقاعاتٍ بلا سقوف، وأعمدةٍ رخاميّةٍ متصدِّعة، وجدرانٍ متهدِّمةٍ نُحتت عليها كائناتٌ غريبةُ الأشكال، بعضها برؤوسٍ حيوانيّةٍ وأجسامٍ آدميّة، وبعضها الآخر برؤوسٍ بشريّةٍ وأجسادٍ حيوانيّةٍ مُجنَّحة. وكانت ترتفع في أحد ميادين المدينة المُكفَّنة بالترابِ، مَسلَّةٌ حجريّةٌ، عليها كتاباتٌ مسماريّةٌ ونقوشٌ وزخارف. وكان في مدخل المدينة، تمثالٌ ضخمٌ من حجرٍ صلدٍ لأسدٍ مرعبِ المنظر، يربض على صدرِ امرأةٍ جميلةٍ مستلقيةٍ على ظهرها".

حالة الوافدين في البداية قبل اشتداد الطمع والاستنزاف والسطو، أي زمن الأنوار والإعلان الرسمي كونيا عن القيم الإنسانية ونعومة السياسات الوطنية والدولية، كانت تطغى عليها الرشاقة والجاذبية وجمالية في المشي والسلوك "كان بعض أولئك السيّاح ذوي الأجسام الرشيقة والوجوه المشرقة، يبتسمون لنا نحن الأطفال عندما نتجمّع حولهم ونحملق فيهم، ويقولون لنا كلامًا بِلغتهم لا نفهمه، فنحسبه تحيَّة مودَّة، خاصَّةً أن بعضهم كان يشفع ما يقول، بقطعة حلوى يعطينا إياها".

أنم الكاتب بطريقة غير مباشرة كيف ازداد تقدمهم الاقتصادي ورفاهية عيشهم تطورا إبان استعمار الدول العربية، واستمر بعد استقلالها بوتيرة أسرع (زمن الحداثة)، وتفاقمت الهوة التنموية بشكل متفاوت بين الدول الإقليمية، وبرزت الحاجة إلى استنهاض الهمم بحثا عن فرص النماء والنهضة عربيا. لقد حقق الغرب شروط المتعة في الأكل والجنس والترفيه، وبالغ في ذلك كثيرا "سمعنا أنّ بلادهم غنيّة عامرة بالمصانع المُنتِجة والمزارع المُثمِرة، وأنّ الناس هناك يمتلكون الدور الجميلة والسيّارات الفارهة التي تفتح بوابات المرائب بأضوائها، وأنّهم يأتون إلى بلادنا بالطائرات التي لم نرَها نحن إلا مُحلِّقة في السماء، أو بالبواخر الفخمة. وكلّ باخرةٍ تضمُّ مطاعمَ راقية، وملاعب، ومسابح، ومراقص ليليّة يُمضي فيها الركاب سهراتهم، راقصين على أنغام الموسيقى التي تعزفها فرق موسيقيّة، حتّى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، ثمَّ يأوون إلى مقصوراتهم المجهَّزة بأَسِرّةٍ مريحةٍ، وفرشٍ وثيرةٍ، وحماماتٍ نظيفة ... وأغرقت القصص، التي كنّا نسمعها عن جزيرة الرشاقة، في الخيال عندما أخذت تتناول أخبار المخترعات والمكتشفات المذهلة، مخترعات لم نسمع بها من قبل: تلفزيون يأتيك بصور الناس وأخبارهم من أماكنَ نائيةٍ، كما كان يفعل جنُّ سليمان، وإنسانٌ آليٌّ يحلُّ محلَ العمّال في المهمّات الشاقَّة، ومركباتٌ فضائيّةٌ تسبح في الكون كالكواكب قاصدة القمر والمريخ، وعقولٌ إلكترونيَّةٌ تأتي بالعَجب العُجاب ... وأعجب ما في جزيرة الرشاقة مطاعمها الفاخرة الكثيرة، المنتشرة انتشار الفُطْر في البادية أيام الربيع ... واتّبعت مطاعمٌ أُخرى طريقةً مختلفةً؛ فعندما تلجها، تجد مائدةً عامرةً بأصناف الطعام وألوان المآكل، فتختار منها ما تشاء وتملأ صحنك بنفسك".

عرج القاسمي كذلك، دائما على لسان السارد، على حقيقة تحول بلدانهم إلى أقطاب جاذبية لشباب العروبة والإسلام، رافضين أوضاعهم المعيشية، متحدين الضوابط الثقافية والدينية التي تقابل مفهومي العرب/العجم، وطامحين في غد معيشي أفضل "وعلمنا ذات يوم أنّ أحد أبناء البلدة سافر إلى جزيرة الرشاقة للدراسة في إحدى جامعاتها الراقية. وتهامس بعضنا باستنكار:" إنّه قرر الإقامة هناك ولن يعود!" وتساءل بعضنا الآخر: " وكيف يرضى أهله بذلك ؟!" وجاء الجواب: " إنّه يبعث إليهم بالمال والهدايا، وقد ظهرت عليهم أمارات الثراء." وقيل لنا إنّه ليس الوحيد الذي يهاجر إلى جزيرة الرشاقة، فهناك مثله الآلاف من جميع أنحاء العالم، ومنهم مَن يواتيه الحظّ، فيصبح من أصحاب الملايين".

البحث المتواصل على الرفع من مستوى المتعة في العيش، يقول الحاكي، جعل الغربيون يستثمرون بقوة في علوم الطبخ والموضة والعلوم النفسية والتربوية، مقارنا ذلك في نفس الآن مع الواقع العربي الميال للجمود، والمعاند بضعفه المعرفي للتكيف حتى مع التطورات الإيجابية ملتصقا التصاقا شديدا بتقاليده وعاداته، معتبرا إياها منافذ للحماية والانغلاق "الطهاة والندل والسقاة هناك يتخرَّجون في الجامعات ... ولكن أخبرني أخي الكبير بوجود كتب متخصِّصة بإعداد الأطباق المختلفة... حتّى ذلك الحين لم نكُن رأينا في بلدتنا من الكُتُب إلا كُتُب القراءة والحساب المدرسيّة".

لم يقف القاسمي عند هذا الحد، بل أدخل قصته منعطفا جديدا. إنها نقطة تحول في الوضع الغربي في اتجاه انحرافي، جعلت الشعوب المعنية تسلك طريقا في اتجاه الأزمات، التي أبعدتها وتبعدها بالتدريج عن القيم الإنسانية الحضارية، وانزلقت الحرية إلى خارج قيم النفعية المشروعة، لتشتد المبالغة في الاستغلال و البذخ "يبدو أن أهالي جزيرة الرشاقة اكتسبوا ولعًا خاصًّا بالأكل، لوفرته وجودته ومذاقه اللذيذ؛ فكثر الإقبال على المطاعم، حتّى صارت تفتح أبوابها أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا، وهي تقدِّم لك ما تشتهي نفسك من وجبات دون التقيّد بأوقاتٍ معيَّنة. فتستطيع أن تطلب من النادل أن يأتيك بوجبة عشاءٍ غنيّة باللحم في أوّل الصباح، وتطلب وجبة الفطور في المساء، وتجمع بين وجبتين وقت الغداء، فأنتَ حرٌّ في اختياراتك. وجزيرة الرشاقة هي جزيرة الحرِّيَّة كذلك. وكلُّ واحدٍ حرٌّ في أن يأكل ما يشاء، ومتى ما يشاء، وحيثما يشاء، وكيفما يشاء. يتناول طعامه واقفًا، أو جالسًا، أو ماشيًا؛ في المطعم، أو المنزل، أو المدرسة أو المعمل".

الإضرار بالبيئة كان واضحا كذلك في القصة عندما أثار السارد ظاهرة المغالاة في الثقافة الاستهلاكية بوسائلها ذات الطابع المؤقت وبحجم نفاياتها الضارة التي تستلزم إعادة تدويرها وتصنيعها الكلي "المطاعم في جزيرة الرشاقة مجهَّزة بما يلزم لتلبية رغباتك. فقد ابتكروا صينيّات من الورق المقوّى يُحمَل فيها الطعام، وأواني وملاعق وشوكات بلاستيكيّة تُرمى بعد استعمالها مَرَّةً واحدةً، وأكوابًا مُغلقةً تخترق أغطيتها أنابيب ورقية تمتص بها دون أن يندلق السائل منها وأنت تشرب وتسوق سيّارتكَ في الوقت نفسه. وكان يصعب علينا تصوُّر جميع تلك الأدوات لأنّنا كنّا نأكل بأيدينا... فرُكِّبتْ أدواتٌ إضافيّةٌ في السيّارة أمام السائق، حواملُ معدنيّةٌ تُثبَّتْ فيها أكواب الشراب وصحون الطعام، وهكذا لا ينقطع صاحب السيّارة عن الأكل والشراب وهو يقود سيّارته".

فاقم البذخ والغنى من حدة كسل الشعوب الغربية، لتنبعث بين تارة وأخرى سلوكات انحرافية جديدة تساعدها محفزات واهية للتجدر في الممارسة اليومية للأفراد والجماعات بسهولة كبرى "أمّا الذين يفضّلون البقاء في منازلهم لمشاهدة برامج التلفزيون أو مزاولة ألعاب الحاسوب، ولا يرغبون في تكليف أنفسهم مشقَّة الذهاب إلى المطعم، فما عليهم إلا مهاتفة مطعمهم المفضَّل، فتصلهم أكلاتُهم إلى منازلهم خلال دقائق معدودات...سيوضع الطعام إلى جانبك لتتناوله، وأنت تستمتع بمشاهدة برنامجك التلفزيونيّ المفضَّل، ممدّدًا على كرسيّك الطويل المريح".

أحدث الحاكي وقفة في حبكته السردية بارزا حدوث منعطف في علاقة الشمال بالجنوب. موازاة مع هذا الانحراف الواضح، طفت إلى السطح مؤشرات ارتفاع الوعي الشعبي والنخبوي لدى الشعوب العربية، وعي مغمور بحرص الغرب الشديد على الحفاظ على تفوقه ودوام سيطرته الحضارية، مانعا انتقال العلوم والتكنولوجيا إلى الجنوب، ومن ثمة التنمية الذاتية لشعوبها "كنا نكبر بمرور السنوات، وتكبر معنا مداركنا. فصرنا نستوعب ما نسمع بصورة أفضل، ونحلِّل ما نرى من مظاهر وأحداث بصورةٍ أعمق، ونفهم. واستمرت الأخبار تصلنا عن وفرة الإنتاج وكثرة الطعام في جزيرة الرشاقة. سمعنا أنّ حكومتها تلقي سنويًّا بآلاف الأطنان من القمح والرز في البحر، وترمي آلاف القناطير من الزبدة والحليب في البحيرات، لتحافظ على ارتفاع الأسعار وأرباح المزارعين. وكان التصحُّر آنذاك يحاصر قريتنا، والجفاف يمتصّ النسغ من جذور نباتاتنا وأغصانها، فيحيلها هشيمًا تذروه الرياح. ويجوع الفقراء".

ارتقى الوعي العربي إلى درجة ملامسة الانزلاق في سلوك الإنسان الغربي، والوقوف على عمق المحددات الموضوعية لتطور العلاقات ما بين العالم المتقدم والآخر النامي أو الذي لا زالت بعض دوله ترزح تحت وطأة التخلف "أخذنا نشاهد أثر الرفاهيّة والترف على أهالي جزيرة الرشاقة الذين يفدون إلى بلدتنا. فقد أخذت أجسامهم تزداد طولاً وعرضًا وضخامةً وقوة. لا بُدَّ أنّهم يأكلون اللحم بكمياتٍ هائلةٍ، فتنمو عضلاتهم، وتمتلئ كروشهم، وتتضخّم أردافهم. وراحت حافلاتهم التي تقلّهم إلى بلدتنا توسِّع من مقاسات مقاعدها لتتَّسع لهم. وصرنا نراهم وقد أمسوا أقرب إلى الجاموس منهم إلى الأشخاص الطبيعيِّين، بسبب انتفاخ وجوههم وبطونهم، وترهُّل صدورهم، وتضخُّم أطرافهم. ولم نعد نسمّي جزيرتهم "جزيرة الرشاقة".

وبأسلوب ساخر كذلك، يمكن أن افتراض أن السارد قد فتح إمكانية حدوث انفراج إيجابي جديد في علاقات الشمال/الجنوب. فمستوى الإشباع القاتل الذي تم الحديث عنه أعلاه، وما آلت إليه أوضاع الإنسان الغربي، أبرز الحاجة الاضطرارية لدى شعوب المعسكرين إلى انبثاق منطق جديد في العلاقات الدولية على أساس مبدأ رابح/رابح "بتضخّم أحجام الناس طولاً وعرضًا وثخنًا، تغيَّرتْ مقاسات الأشياء في الجزيرة. فأصبحت شركات الأثاث تصنع أسِرّةً أكبر حجمًا وأصلب عودًا، ومقاعدَ أوسع وأقدر على الاحتمال. وبعد أن كانت في الجزيرة بضعة محلات متخصِّصة بالملابس الكبيرة الأحجام، أصبحت هذه المحلات هي المعتادة. وأخذ البناءون يوسِّعون الأبواب ومساحات الغرف والممرّات والأدراج في العمارات".

بنفس أسلوبه الساخر الذي ازداد تشاؤما فيما تبقى من القصة، يمكن تأويل عباراته كون السارد ليس متفائلا في شأن مستقبل الحكامة الدولية، تأويل مفاده أن العالم سيعبر إلى مرحلة جديدة، مرحلة ما بعد كورونا وظواهر طبيعية جديدة محتملة، ستعزز اللاتوازن، وستوسع الهوة التنموية والتبعية للشمال. إن التخلي شيئا فشيئا عن استغلال الثروات الطاقية التقليدية (النفط والغاز) وتطور التكنولوجيات والطاقات البديلة النقية بحدة ملفتة ومبهرة، سيخلق اقتصاديات قطرية وعالمية بأسس جديدة. لقد استنفذت مرحلة الاستغلال المباشر وغير المباشر لخيرات دول الجنوب شرعية وجودها، ولم تعد الحاجة إلى تدخلات عسكرية مباشرة. تجاوزت الحروب منطقها التقليدي، لتدخل مرحلة استخدام آليات وأدوات إلكترونية جد متطورة (الجند الروبوتي). ربما الرغد في العيش سيزداد حدة، لكن هذه المرة بافتراض أن ذلك لن يتطلب عملا قارا ودائما، وسيزداد تفاقما مستوى إدمان الغربيين على الأكل والراحة وميولاتهم للكسل والبذخ "تضاءل وصول السيّاح من الجزيرة إلى بلدتنا. وسمعنا أنهم صاروا أبطأ حركة، وأعسر تنقلاً، بسبب ثقل أجسامهم، وأنهم صاروا يفضِّلون البقاء في منازلهم وتناول أكلاتهم الشهيّة. ولعلّهم لا يجدون ما يكفيهم من الطعام إذا خرجوا من جزيرتهم. بل أكثر من ذلك، تناهى إلى أسماعنا أنّ كثيرًا من أبناء الجزيرة يفضِّلون عدم الذهاب إلى العمل من أجل البقاء في بيوتهم ومواصلة التهام الطعام، قانعين بما يحصلون عليه من راتب الضمان الاجتماعيّ الجيِّد المخصَّص للعاطلين عن العمل. لقد أدمنوا على تناول الطعام حتّى صارت عادة الأكل جزءًا من طبيعتهم".

بأسلوب أكثر سخرية، يضيف أنه يتوقع الأسوأ مستقبلا. فإيحاءاته في شأن استفحال الكسل في نفوس الغربيين، وعدم ميولهم أو قدرتهم على العمل وتفاقم لهفتهم للأكل والراحة والمتعة، ليست مجرد فرضية. إنه الواقع الملموس بمؤشرات تنم عن ذلك، الواقع الذي جعله يختم قصته بفقرتين بمضمون يثير الهلع. التطور الآلي والذكاء الصناعي المصحوب بعادات الإفراط في الأكل والراحة، سيترتب عنه إنسان غربي عاجز، سيستثمر كل ما لديه من إمكانيات الضغط للحفاظ على امتيازاته على حساب الإنسان العربي أو الجنوبي "وأخذنا نسمع أخبارًا يصعب تصديقها. سمعنا، مثلاً، أنّ الشرطة في الجزيرة تضطر بين آونة وأخرى إلى خلع باب إحدى الغرف وتوسيعه أو إزالة السقف، لمساعدة رجل تعذّر عليه الخروج من الباب بعد أن أمضى شهورًا في مسكنه وهو يأكل ويأكل. وتواترت الأخبار عن مثل هذه الحالات حتّى أصبح الأمر لا يثير أيّة غرابة في الجزيرة. ولم تتوقّف نجدة المحاصرين (وهو المصطلح الذي أُطلق على الذين لا يستطيعون الخروج من مساكنهم من فرط السمنة) إلا بعد أن تضاءل عدد أفراد الشرطة الذين يمكنهم الدخول من الأبواب ... تكاثر غياب العمّال عن مصانعهم، وازداد تغيُّب الموظفين عن مكاتبهم".

إنه الواقع المحتمل المخيف، الذي سيتطلب جهود مؤسساتية مضنية يجب أن تبذلها الدول الغربية للعودة إلى مقومات سر الوجود الإنساني حسب طبيعته الأزلية "لجأت الإدارات إلى تمديد فترة تناول وجبة الغداء إلى ساعتيْن وثلاث ساعات بدلاً من الساعة الوحيدة المقرَّرة سابقًا، ترغيبًا للناس في العمل. واتّخذت معظم الشركات إجراءات تشجيعيّة متنوِّعة مثل زيادة فترات تناول القهوة أثناء العمل، فكلّ ساعة عمل تعقبها ساعة استراحة لتناول القهوة. ولم تعُد كلمة القهوة في الجزيرة تعني ذلك السائل المعروف، وإنّما جميع ما يرافقه من حلويات ومعجَّنات ومكسّرات ومقليّات ومشويّات، إلخ".

 أما الخاتمة النهائية للقصة، التي ركزت في مضمونها على توقع التطورات المستقبلية غربا، بقدر الميول لاعتبارها مخيبة للآمال، بقدر ما يمكن اعتبارها دقات ناقوس خطر يلتمس من خلالها الكاتب من الدول الأكثر تقدما استباق الواقع لإنقاذ الحياة أرضا، بالتفكير في مقومات عدالة كونية جديدة، وتشجيع العمل والحركة الجسمانية والعقلية وربطها بوسائل العيش المادية، وتفادي تحويل حياة الأجيال القادمة إلى أطلال لأجناس بشرية أخرى لا يعلم صفاتها إلا الله "أصبح العمّال يأكلون ويأكلون ولا يعملون. وبالرغم من جميع تلك المُغريات انخفض الإقبال على العمل، واضطر كثير من المؤسَّسات والمصانع إلى تقليل الإنتاج، وبعضها أغلق عددًا من الأقسام أو أوقف طائفةً من الخدمات، وبعضها الآخر أوصد أبوابه. ولم تجِد المنازل، التي هي في حاجة إلى ترميم، مَن يرمَّمها، ولا الآلاتُ المعطوبة مَن يُصلِحها. وتوقَّفتْ آلاف السيّارات عن السير في الشوارع، لأنّ أبوابها الضيقة لا تسمح بدخول أبناء الجزيرة فيها. وسرى الخراب في جميع أنحاء الجزيرة كما يسري الجرب في البدن، حتّى تصوّرنا أنها ستمسي بمرور الزمن شبيهة بأطلال تلك المدينة البابليّة القابعة بالقرب من بلدتنا".

 

الحسين بوخرطة

 

عبد الرزاق اسطيطورواية "سنوات قبل الفجر" لرشيد الجلولي أنموذجا

تقديــم: إن النقد الثقافي في أبسط مفهوماته ليس بحثا  أو تنقيبا في الثقافة إنما هو بحث في أنساقها المضمرة، وفي مشكلاتها المركبة والمعقدة . ولأن رواية رشيد الجلولي "سنوات قبل الفجر"  تعكس مجموعة من السياقات الثقافية والتاريخية والاجتماعية والأخلاقية والإنسانية والقيم الحضارية  التي تجعل النص نسقا ثقافيا، يضمر أكثر مما يفصح. فقد حاولنا مقاربتها انطلاقا من آليات النقد الثقافي، ذلك لأن النقد الثقافي بوابة لفتح النص. أعني الخطاب وفهمه بحيث يصبح الخطاب وسيلة لكشف أنماط معينة ملتصقة به ومتحاورة معه.

I- قراءة في عنوان: "سنوات قبل الفجر"

يعد العنوان من أهم عناصر النص الموازي وملحقاته الداخلية، نظرا لكونه مدخلا في قراءة الإبداع الأدبي والتخييلي بصفة عامة والروائي بصفة خاصة، فالعنوان عتبة النص، وبدايته وإشارته الأولى، فهو في الحقيقة مرآة مصغرة لكل ذلك النسيج النصي بمعنى علامة فارغة ضمن علامات أوسع هي التي تشكل قوام العمل الفني باعتباره نظاما ونسقا يقتضي أن يعالج معالجة منهجية أساسها أن دلالة أية علامة مرتبطة ارتباطا بنائيا لا تراكميا بدلالات أخرى .

وعنوان رواية "سنوات قبل الفجر" يؤشر زمنيا على زمن أحداث الرواية التي هي سنوات قبل بزوغ فجر الحقيقة في ذهن "عيسى" بطل الرواية.

II- السياقات الثقافية والإنسانية والاجتماعية والأخلاقية التي جعلت من رواية "سنوات قبل الفجر" نسقا ثقافيا.

2676 رشيد الجلوليتعتبر رواية سنوات قبل الفجر للروائي رشيد الجلولي امتدادا لرواية الروائي الأولى "الخوف" إن لم نقل الجزء الثاني لهذه الرواية بعنوان مختلف، فالروايتان معا تشاركتا في نفس التيمات والشخصيات والفضاءات والهموم والمعاناة والقضايا والرؤى.

فالشخصية "البطلة" عيسى الذي تحول إلى كلب في نهاية رواية الخوف هو نفس الشخصية المحورية في رواية سنوات قبل الفجر.

كما أن الفضاء الذي تجرى فيه أحداث الرواية الأولى "عين الجسر" "أبيدوم نوفوم" مدينة القصر الكبير بأحيائها  وهو نفس الفضاء في الرواية الثانية "سنوات قبل الفجر"، ومثلما تقاطعت الروايتان في الفضاء تقاطعتا في باقي المكونات ومنها الأساليب وطريقة البناء، كاعتماد تقنية الاسترجاع، والهذيان، والترميز، والإيحاء، والسخرية، والمفارقة، وهي أساليب تعكس على أن الحياة نفسها مفارقة وغامضة وتحتاج إلى تأويل. فالأساليب الماكرة والمحتالة والخادعة هي ما تجعل من النص خطابا يحتاج إلى جهد معرفي ونقدي للقبض على دلالاته الثاوية بين الحروف والبياضات والعبارات. لأنها تبطن ما لم يقله الكاتب صراحة، وقاله تلميحا وترميزا وإيحاء وسخرية. وهي التي تسمح بالانتقال من الجملة الصريحة والجملة الأدبية إلى الجملة الثقافية المتولدة عن الفعل النسقي في المضمر الدلالي للوظيفة النسقية في اللغة .

فمسخ عيسى وتحوله إلى كلب مع بداية الرواية، يحيلنا مباشرة إلى المسخ عند كافكا كاحتمال ممكن أن يمس الكينونة والكائن، وإلى التراث العربي القديم ونوادر الجاحظ.

فعيسى الذي يرمز للطهر والنبوة، يرى بأن الحياة فيها نوع من المسخ، مسخ لإنسانية الإنسان، بل أكثر من ذلك تدمير لهذه الإنسانية بالحط من قيمتها، وهذا ما عكسته عربدة وتسكع وضياع عيسى باحثا عن الله وعن الحقيقة، والعدالة الاجتماعية، انطلاقا من الوعي الذي تشكل لديه من خلال ثقافته وتجربته في الحياة، وتبنيه للإيديولوجيا الاشتراكية، وهي الإيديولوجيا التي ولدت بالضرورة إيديولوجيات معارضة لها خاصة إيديولوجية الدولة التي من وسائل فرضها العنف والقوة، وهي الإيديولوجية التي سوف تحوله إلى كلب، باعتباره حيوان له رمزيته وعلامته المفارقة.

فبقدر ما يحيل مفهوم الكلب إلى الوفاء بقدر ما يحيل إلى التهميش والاحتقار، فالوفاء يحيل إلى وفاء عيسه لرسالته ولأفكاره ورؤاه  ولماضيه هذا الوفاء بالضرورة سيخلق له معاناة ومعارضين سيكون من نتائجه التهميش والعنف والتعذيب والسجن.

 فعيسى سوف  تتنازعه داخليا مواقفه وواقعه، والمحرك الأساسي لهذا الصراع هو الوعي الشقي باعتبار عيسى مثقفا عضويا يطمح للمكن ويرفض الكائن. يقول السارد: "لم تكن الليلة التي تحول فيها إلى كلب هي أول ليلة في حياته قضاها خارج البيت، فقد من قبل بالعديد من ليالي العربدة والتسكع في متاهة الظلمات على طول بلدة عين الجسر وعرضها" .

هذا الوعي سيدفعه إلى التمرد والثورة على كل أنواع الظلم والتسلط والقهر،  بدءا بظلم والده وانتهاء بظلم الواقع له، الذي حاول أكثر من مرة التعايش معه  لكن محاولاته انتهت دائما بالفشل ، وفي فشله غربة أخرى .وتشظ من نوع آخر. ويمكن تقسيم هذه الثورة عبر مسار أحداث الرواية إلى أشكال.

1)- ثورة بطل الرواية عيسى على الطرق التقليدية في التربية والعنف المصاحب لها:

 مثل هذا العنف أبو عيسى السي عبد الله الرجل الفقير الذي يقتات على ماتجود به عليه الطبيعة هذا العنف الذي كان يمتد إلى أفراد الأسرة كلها بما فيهم الأم، وقد ترك هذا العنف جروحا على جسد وروح ، وذاكرة الطفل عيسى .حيث دفعه تارة إلى التمردن وتارة إلى التسليم وتارة  أخرى إلى الهروب منه عبر العربدة والسكر ومحاولة النسيان "هاربا من حزام والده الجلدي، هاربا من عيني والدي الجاحظتين" .

2)- الثورة على القيم والعادات والجهل والتخلف:

وهي مرحلة تجسدها تحول عيسى من طفل فقير معنف من طرف والده السي عبد الله إلى زعيم للاحتجاجات والثورة، والعربدة والتسكع. ليجد نفسه  في النهاية مترددا على السجون والزنازين السرية.

وسوف تعمل الرواية عبر السارد إلى تقسيم حياة البطل  إلى مراحل زمنية، وأحداث واقعية مترابطة فيما بينها، ومتداخلة باعتماد تقنية الاسترجاع وأسلوب السخرية .وهذه المراحل يمكن ربطها في نفس الوقت بأنواع الثورات والتقلبات والمعاناة التي عاشها البطل ورسمت مسار حياته في علاقته بذاته وبالواقع وبالآخر، يقول السارد مبررا محاولة نسيان عيسى لواقعه وتمرده عليه "في الواقع كان يشرب ليكذب على نفسه ويداري أحاسيسه أنه دون الآخرين مكانة وقيمة" .

ولم يكن الخمر وحده وسيلة للنسيان وشكل من أشكال التمرد على القيم، والانتقام منها، ورد الاعتبار للذات  المسلوبة والمقهورة ،وإنما كان هناك  إضاف إلى ذلك العشق والحب حيث أحب عيسى  ليلى بنت الجيران منذ الطفولة ، فليلى في الثقافة الشعرية العربية ترمز للحب العذري، وفي ذلك مفارقة  أخرى . فعيسى البطل الذي يحمل رسالة الأنبياء، وثورتهم من أجل الفقراء، والعدالة هو عيسى نفسه الذي يعشق، ويسرق ،ويكذب ويمارس كل أنواع الرذائل وفي ذلك ثورة على نظم القيم العربية بأكملها، فعيسى من الداخل يعتبر نفسه ملعون ومطرود من رحمة الإله والناس. وأن النحس، والشؤم رفيق دربه، جعلا منه نبيا عاجزاعن حمل الرسالة وإصلاح الكون " يا عيسى أنت إذن رجل ملعون ... هكذا كان يصارح نفسه، أينما حللت يحل النحس والشؤم"8.

3)- الثورة على السلطة والساسة:

ينتقد عيسى من خلال وعيه كمثقف عضوي جشع وكذب الساسة ونفقهم وظلم الدولة واستبدادها مما دفعه إلى الاحتجاج والثورة خاصة في المرحلة الجامعية، وما بعدها.

حيث عانى من العطالة ومرارة الواقع .هذه المواجهة بينه وبين الواقع ،والسلطة كانت تنتهي به تارة إلى التشرد والضياع والعزلة وتارة أخرى إلى السجن بسبب الثورة على السلطة .وتقف الرواية طويلا على الفترات المظلمة التي ذاق فيها عيسى مرارة التعذيب في السجن وخلفت نذوبا وجروحا لا يمكن للزمن أو النسيان رتقها وعلاجها، يقول السارد واصفا هذه المعاناة: "دفعه الحارس أمامه، واضعا يده بين كتفيه في اتجاه غرفة يطلقون عليها مخدع العرسان، فيها يتم افتضاض بكرة الهمة والاباء لدى الوافدين الجدد "9،

ومعاناة عيسى تذكرنا بما قاساه رجب بطل رواية "شرق المتوسط" لعبدالرحمن منيف.

4)- الثورة على الرموز الثقافية والفكرية والسياسية التي آمن بها ودافع عنها:

بعد صراع مرير مع الذات والسلطة استسلم عيسى للواقع بعد أن قام بإحراق كل الكتب كشكل من أشكال الاحتجاج عليها وعلى الواقع محاولا رسم حياة أخرى، لكنه سرعان ما عاد إليها، وعاد إلى طبيعته  ووعيه الشقي عندما رأى الطفل الفلسطيني يقتل بدم بارد على شاشة التلفاز مما حرك مشاعره ووعيه من جديد يقول السارد كاشفا عن الهزة العاطفية التي أثرت في نفسية عيسى: "وقد نجم في الحقيقة عن هزة عاطفية لا تطاق، سببها الطفل الذي شاهده على الشاشة يموت رصاصة رصاصة في حضن والده"10.

III- لغة رواية "سنوات قبل الفجر" وأسلوبها وعلاقتهما بخطاب الرواية:

إن الانتقال باللغة والحدث من مستوى واقعي إلى مستوى غرائبي "متخيل" هو انتقال من الكائن إلى الممكن، بانتقال أحداث الرواية بفضاءاتها وشخوصها من حدود العقل والتصور إلى "الغرائبي" بأحداثه وفضاءاته وشخوصه باستثمار الأسطوري "أسطورة الفنيق" و"المسخ" واعتماد تقنية المحاكاة الساخرة بقلب الحقائق، والأحداث والفضاءات والملفوظات، حيث يتم في ظلها إفراغ اللغة من حمولتها الدلالية المتداولة، وملئها بحمولة لغة اللامنطق واللامعقول، لغة الهذيان، ولغة الكوابيس والوهم والجنون وفي ذلك دلالة على عنف الواقع والآخر خاصة السلطة.

 والرواية عبر السارد وعبر الشخصية الرئيسة عيسى تدين هذا العنف المزدوج عنف الواقع بمظاهره المختلفة، والمتخلفة "التهميش، الفقر، البطالة، التخلف،  النظم التقليدية في التربية..." وعنف السلطة" البطالة السجن، التعذيب، الحرب..." وذلك بوعي عيسى كمثقف بالأسباب الخفية التي تؤدي إلى هذا العنف، وبرفضه وإدانته لها.

خاتمـــة:

تعكس رواية "سنوات قبل الفجر" نوع من الصراع الداخلي ما بين الكائن والممكن ما بين الواقع المرعب، والحلم أو الرغبة في تغيير هذا الواقع وهدمه وبنائه من جديد، واقع أفضل تسوده العدالة الاجتماعية والديموقراطية انطلاقا من القيم التي تشربها عيسى من الكتب وشكلت وعيه النقدي الثائر ورؤيته للذات وللآخر وللعالم.

 

عبدالرزاق اسطيطو

...........................

الهوامش

1- النقد الثقافي، د. سمير خليل، ص 7 – ص 15، دار الجواهري الطبعة الأولى.

2 - د. شعيب حليفي: النص الموازي للرواية – العدد 46، السنة 1992، ص 84-85

3-  رواية "الخوف" رشيد الجلولي.

4- النقد الثقافي، د. سمير خليل، ص 31، دار الجواهري الطبعة الأولى.

5- سنوات قبل الفجر، "رشيد الجلولي"، ص 7، منشورات دار التوحيدي الطبعة الأولى: أبريل 2019.

6- نفس الروابة، ص 13

7-  نفس الرواية، ص13

8- نفس الرواية ص17

9- نفس الرواية ص160

10-  نفس الرواية ص318

 

 

 

 

2669 شمس تبريز احمد الشطريفي تجربة رواية (شمس تبريز) الصادرة عن دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع للكاتب الشاعر "احمد الشطري" كانت هناك افتراضات لرؤى صوفية عامة في بناءات السرد من جهة ومولداتها الحوارية بمعناها العرفاني النسبي المنفتح من جهة اخرى، والتي اشتغل عليها الكاتب بما يهيء ويقدم الثيمة المسرودة للملائمة والقبول الأكثر لرؤاها الفكرية المتأثرة برؤى الرمزين الصوفين جلال الدين الرومي ومعلمه شمس التبريزي في ضمارِ الارتقاء بروح الإنسان.

وفي متن الرواية وجودات مفصلية مرحلة ومتنقلة بدءاً بكاتب الرواية الشاعر الكاتب، احمد الشطري. وشخصية الشاب "محمد" في العراق، وشخص المولا جلال الدين التبريزي المصاغ من علاقة جلال الرومي مع شمس الدين التبريزي بتكوينه وظهوره في مدينة تبريز الايرانية. ومن بدء بطل الرواية " محمد " في دخوله بصحبة ابيه للمكتبة العامة في مدينته الشطرة و لمح قرائته البيت الشعري لابن الفارض (ما بين معترك الاحداق والمهجِ ... انا القتيل بلا اثم ولا حرج) الذي صار فتح له ليندفع بلهاف و متعة كبيرين لقراءة هذا النوع من صافي الشعر وصدقه.

فمن " محمد " وهو الشاب الرومانسي والعاشق البريء للمراة والجمال، ومن تأثره بتجربة هذيين الشاعرين الرمزين الصوفين الكبيرين، حد لهفته للتقرب لهم، قرر زيارة مدينتهم " تبريز " و تخيل بمتابعته منهم ودعوتهم له لهذهِ الزيارة وهم بهيئة الرجل ذو الوجه الابيض المشرب بالحمرة ولحيته البيضاء المنسربة كما وصفته الرواية، و ولادة رغبة لديه لزيارة مدينة ولادتهم ونشوئهم ولقائهم " تبريز " وبعدها اضرحتهم في مدينة – قونية - وهو يهمس في اذن "محمد" – إيه يا قونية...ما ابعد الطريق وايسر السفر) وقونية مدينة لضريح شمس التبريزي و مولانا جلال الدين الرومي، حيث يجتمع الناس من مختلف الأعراق والأديان في المدينة كل عام وكأنهم يلبون دعوة "مولانا" التي قال فيها "تعالَ .. تعالَ، لا يهم من أنتَ، ولا إلى أي طريقِ تنتهي، تعالَ .. لا يهم من تكون". (عن الجزيرة).

ولعل أبرز ما يميز الفكر الصوفي، ويفعل الروائيين ويدفعهم للتوجه لتوظيفه روائياً كما في هذه تجربة الكاتب "احمد الشطري " هذهِ، هو البحث عن الصفاء الروحي في زمنهم المليء بالضوضاء المنغصة للروح، و منه توظيف هذا النهج في كتابة بعض من الرواية الحديثة، لما يجعل منها نصًا خفيًفا مريحاً يدفع القارئَ للركون الاصفى والتأمل الأصدق لروحه واراحتها من التصدعات في اتزان واثق بوقوفه امام التصديات المراهنة لتمزقه.

 وكما نعرف ان لقاء شمس التبريزي مع جلال الدين الرومي، تحول الرومي من رجل دين عادي إلى شاعر يفيض بعاطفة الحب الإلهي، وبنوعٍ من التلاؤمِ بين روحيهما ليصيرالرومي صوفي ملتزم، وداعية إلى الحب الإلهي كطريقة ومنهج في التقرب لله . لتبدء حكاية الرواية من سفر "محمد" الى مدينة "تبريز" وتعرضه لاصطدام ادخله المشفى وهو فاقدٌ للذاكرة، وما فيه غير الهجس والنطق بأسم المولا " جلال الدين" ليكون اسمه الجديد الذي سجله المشفى له، وصدمته الثانية بموت زوجته الحبيبة له "شيرين" وبعدها اصطدامة في مدينة قم ليستفيق من فقدان الذاكرة بوعي وهو يقرأ سجل كتاباته التي دون بها يومياته.

ومال الكاتب "احمد الشطري" في هذه الرواية وهي الاولى له للكشف عن رؤاه المتعلقة بسيرته الخاصة والمتأثرة بالرمزين الصوفين المذكورين، وهو شاعر معروف بعطائه وحضوره الثري الفاعل، وقد كان محكي الرواية وحواراتها، خاصة اقوال بطل الرواية تحمل الكثير من رؤى وفلسفة الكاتب الروائي " احمد الشطري " المستمدة والمتأثرة في ميله للعرفانية المجانبة لحب المرأة باندفاع طبيعي منضبط بعيد عن الخدش الاخلاقي.

ومن خيال الكاتب "احمد الشطري" وافتراضيات السرد الحكائي وصناعتة للاحداث والوقائع والحوارات وبما ينضج سردية الروي وحكايته، لتشهد الرواية تنضيجاً وتطورًا ملحوظًا في بناءات ومكونات وشخوص الرواية وبما يدفع لشد القاريء كثيرا لما في الرواية من بعث للمتعة لمتابعته لاغوار ومخفي الاحداث. ومن ملخص رؤاه على لسان مسمية الاخر " جلال الدين التبريزي " والمتأتي من اسم جلال الدين ومعلمه التبريزي، ومنه تسمية عمله الروائي هذا باسمه " شمس تبريز".

 وبعد الاطلاع الكثير "للمولا الرومي " وتكون ونضج رؤاه الفكرية بدأ بالكتابة والاصدار وظهور منتجه الكتابي والشعري بإنطباع عرفاني متصوف ومختلف ايروتيكي نزقي اثار المعجب به والمخالف له كما ذكر في قوله (لم اعر كل ذلك اهتماما بل كنت مصرا على طرح افكاري، بغض النظر عما يمكن ان تخلفه من آثار على علاقاتي .و وسط تلك العتمة اصدرت مجموعتي العربية الاولى والتي ربما رأي فيها الكثير نقيضا لطروحاتي الفكرية والعرفانية، فهي عبارة قصائد لاتخلو من الصور الايروتيكية التي راى فيها البعض ترويجا للاباحية. والحقيقة ان هذا التناقض كان واقعيا في كتاباتي دون ان يظهر له اثر في حياتي الفعلية سوى الجانب العبثي والنزقي او الجانب العرفاني . فانا وان كنت ملتزما دينياً لكني لست من المتبتلين او الذين يجاهدون انفسهم بكثرة العبادة والتفرغ لها..)ص76.

ومنه تعرضه لحادث الضرب من البعض كما في قوله (لم يدر في ذهني ان تلك الاطروحات الفكرية او القصائد الشعرية ممكن ان تعرضني الى الخطر وتهديد حياتي، غير اني فوجئت بعد اصداري لمجموعتي الشعرية الثانية وكانت بعنوان، حفريات في جسد امرأة، وكتابي الرابع، مقتل النبي الاخير،، واثناء عودتي من عملي الى البيت مساء فوجئت بمجموعة من الشباب الملثمين وقد انهالوا علي ضربا بالعصى الغليضة ....)ص76.

وكانت للمولا جلال الدين " في مفصل مابعد فقدانه المؤثر لزوجته . ممارسات في الرقص الصوفي والمسمى بالدروشة، وهذا ما يؤكد اندماجه الروحي مع طقوس وشرائع المتصوفة العرافانين، وهي ممارسات من الذكر يقومون بها تابعي الطريقة، و المسمات بـ المولوية، ويكون بالدوران حول النفس والتأمل لكبح النفس كما يرون في ذلك ورغباتهم بالدوران حول النفس، ويرون انها منبعثة من مفهوم دوران الكواكب حول الشمس.

 ومن سير محكي الرواية حيث الشاب " محمد " البريء المراهقة و إستئناسه بمشاهدة جمال المرأة والتقرب منها، كما في واقعة لقاءه ببنت الجيران المندفعه له وما كان منه إلا ان يلتصق مقبلا لها بحرارة قوية، و كما يذكر ايضاً انه يعيش مفتون بجميلات الفنانات مثل (بوسي وميرفت امين وو) وهذا ما يكشفه عن روحه الطبيعية التواقة لعشق الجمال المتجسد لدى المرأة .لكن ما حصل في تحوله لشخصية " جلال التبريزي " وهو الاسم المعروف بدلالته العرفانية القريبة لروح جمال الانثى لا لجسدها . ليفاجئنا بغرابة اندفاعه الشديد حين مضاجعته لزوجته الحبيبة " شيرين " وهو في اول دخول عليها بنهم واندفاع شهواني متسرع حد مزقَ ملابسها الداخلية . وهذا طيش مراهق يتناقض ويتعارض مع سيروة ثيمة الرواية المصيرة للورع والهدوء ومن عرفانية وروح الرمزين الرومي والتبريزي، ليضعنا ازاء تساؤلات غرائبية مختلفة لتوقع المتلقي وقبوله، لفهمنا المتكون ببعد شخصية ورؤى وعرفانية شخصية "المولا الرومي " في الرواية ببعده النسبي المتزن عن جسد المرأة مع عدم انتفائه لجمال المرأة كانثى . وهو فهم لشهوة جنسية متروية بعيدة عن الحمُقَ . ولا بد ان يضعنا الكاتب امام سلوك جنسي اخر مشبوب بالاثارة والمداعبة الايروتيكية .

 و من ميزة كتابات الفكرَ الصوفي لغتها الروحية المنفتحه والمنطلقة بصدق طبيعة الذات الصوفية ومن التصورات لعمق واغوار غرائيبة الرؤى و عجيبها، ما يجعل كتابة الروايةَ أكثر إثارةً ومتعة.وهذا غريب وعجيب الكتبة، يتقارب احيانا مفهوم المختلف والمتناقض الذي يكشفه و يوضحه " المولا جلال الدين "، وكما ذكرناه سابقاً بقوله له (... والحقيقة ان هذا التناقض كان واقعيا في كتاباتي دون ان يظهر له اثر في حياتي الفعلية سوى الجانب العبثي والنزقي او الجانب العرفاني . فانا وان كنت ملتزما دينياً لكني لست من المتبتلين او الذين يجاهدون انفسهم بكثرة العبادة والتفرغ)ص76 . وهنا مايؤكده وصف شدة شبقه ورغبته الجنسية لاول دخول مع زوجته "شيرين" (...وصلنا الى الفندق في منتصف النهار منهمكين وبعد اداء صلاتنا تناولنا وجبة الغداء وصعدنا الى غرفتنا وسط اجواء متشابكة بين الحياء والشوق والرغبة العارمة تبادلنا اول القبلات، كان الشبق قد بلغ بي مبلغه فلم اتماسك نفسي ريثما تنهي خلع ملابسها فاعتصرتها بكل مابي من شوق ومزقت ملابسها الداخلية وسط دهشتها وضحكتها المغلفة بالحياء، بيد انها مالبثت ان بادلتني ....بعد ان اثارت يدي مكامن الشهوة المختبئة وهي تتحسس مفاتن جسدها الغض...) ص80، وهو بوصف كأنه في مغامرة جنسية عابرة يريد ملؤوها قبل فوات اوانها ووقتها الا يكرر بعد . ويمكن لهذا يذكرنا في رؤية ابن الفارض للنشوة واللذة كجزءًا من الذات الإلهية الكلية، وجدت قبل خلق جسده كما في قوله الشعري (وهمت بها في عالم الأمر حيث لا ظهور وكانت نشوتي قبل نشأتي)...لكن هناك من التيارات الصوفية ترى في العلاقة الجنسية عائقًا عن القُرب من الله، ومن أشهر أقطاب هذا التيار " رابعة العدوية " التي رفضت الزواج من المعلم " الحسن البصري" عكس ما ذهب ابن عربي و والمتصوفة الاخرين . وهنا نجد المبررات الصوفيا تاريخية لذهاب الكاتب " احمد الشطري " في توصيف بعض من اندفاعات السلوك الجنسي الشديد والحوار الشهواني في الروي وبمداخلات نفهمها تناقض في رؤاى الكاتب الصوفي وهذا للذات الصوفية المتناقضة عند كبار مفكريها، الصوفية الفكر الذي محور به روايته. ونذكره هنا لعاقته بالمختلف والمتناقض في محي الرواية والذي يتضح انها تناقضات عند السطح وعلى المتلقي الغور في جوانيتها.

 ومن تسلسل احداث الرواية و من انقطاع " محمد" الذي صار بعد الصدمة بشخص " جلال الدين التبريزي" راح للبحث عن العمل ليعتاش به، وبعدها لقاءه في محل عمله من " شيرين " وهي امرأة ارملة ايرانية تبريزية ذات حسن فاتن وشخصية مؤثرة، وقد امتلأ حسه وعاطفته بحبها وباعلى درجات الهيام بها، والتي قابلته هي بنفس الاحساس والحب ليوصفها باعلى حالات جمال الانثى والتي اثارت فيه الكثير من الرغبة بالقبل والعناق اثناء الزواج منها.

" شيرين " التي بقت حاضرة بطيفها في احلامه بعد وفاتها اثناء الولادة لتزوره بحنين متبادل في نومه، ففي دفنها رفض زوجها "المولا" مغادرة قبرها رغم اصرار الحاضرين من اهل الزوجة " شيرين" والاخرين من مقربيه، ليبقى ايام وليالي ينام ويفيق وبما يبرز مدى حبه لزوجته التي كانت بمثل حلم جميل تحقق له ومن الصعب فراقه، ليمضي بعدها في تياه وهو سائرا في البراري والرياض.

 وفي الختم الإشاري المختصر، أن صناعات الكاتب الحكائية وترتيبها وتحميلها للسرد مثيرة باحداثها و وقائعها وشخوصها وافتراضاتها الزمكانية، ومن صدمة وفقدان ذاكرة " محمد " و صناعة شخص " جلال الدين التبريزي" او بتسميته الاخرى "المولا جلال الدين" وما عانه وعاشه، وكذلك ظهور المرأة " شيرين" وزواجه منها و هيامه بها، كما في وصف معاناته في وقت حملها الصعب و وفاتها المريع المفجع له اثناء الولادة، واصطدامه الاخير في مدينة قم وعود ذاكرته ليفكر في ولده من زوجته المتوفيه " شيرين " وكذلك تفكره للعودة لبلده وعائلته العراقية وما يفاجئه من لقاءات غريبة مع عائلته العراقية من طبيعة الاحداث التي حصلت له.

لقد حرص الكاتب " احمد الشطري " في تجربته الروائية الخاصة هذهِ، على الكثير من حالات التنوع الصوفي والتصانيف المشخصنة والمختلفة تاريخياً، كإنضاج لمحاولات يتماهى عندها الخطابان السردي والصوفي لتحقيق ما يمكن من صعب الاقتراب التقديري للخطابين وبطريقة مرضية للتلقي. لكونية الصوفية حالة فكرية تثير الكثير من الاضطراب والتوتر في اخضاعها للقبولين السردي و الفكري وبلوغ النجاح السردي في (صوفنة) الطقس الروائي لإخراج السرد من اللبس وبعض الارتياب الذي يصدم به المتلقي بميولات التصوف الغريبة والبعيدة عن المألوف. ولما لخطاب موضوع الصوفية من غموض واغراق في الرمزية ومن لغته الإشارية والروحية البعيدة الايحاء..

 

خليل مزهر الغالبي

 

 

عبد الجبار العبيديبالعقل والمنطق جاء الاسلام.. من نبي واحد آمن بوحي الرسالة الآلهية دون خوف او تحريف فأراد لها التطبيق في العالمين من بعده دون تغيير، وبنظرة جديدة للوجود والمعرفة والتاريخ .. فقد سبقته ديانات لم تكتمل بالقانون والوجود فأراد له مكتملا نظرية وتطبيقا كما جاءت من الله العلي القديروفقاً للآية الكريمة"ان الدين عند الله الاسلام" . لوضع منهج جديد في اصول التشريع قائم على حرية التعبير والاختيار والحقوق والمساواة .. ثابت الأركان تديره مؤسسة تؤمن به دون تغيير. كما في قوله (ص): "هذا دينكم وانتم به أعرف".

هذا التوجه مع الاسف أنتهى بوفاة صاحب الدعوة في 11 للهجرة حين تحولت المبادىء التي اراد لها ان تُشرع وتنشربين الناس الى سلطة وحكم فردي بعيدا عن الشورى في اختيار الحاكم .. ولم يعد صالحا لكل زمان ومكان فالزمن يلعب دورا في التغيير.. كما أخبرنا القرآن الكريم: "قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدأ الخلق".. استمرت المسيرة الخاطئة بدين اخر سموه دين الفقهاء والمفسرين أضاعوا فيه الدين الأساس في التطبيق.. حتى نكبت الامة به ولا زالت، وكما نراها اليوم اصبحت امة ذليلة بين الامم تستجدي من الأخرين القوة والمَنعة وليس كما أخبرنا القرآن بأنها "خير امة اخرجت للناس".. فهل سيظهرمن يتصدى لهذا الأنحراف الفقهي المتعمد من فقهاء السلطة لتصحيح المسار حتى ولو أعتبر خارجا عن الدين؟ .. أمر في غاية الأهمية ولكن كيف .. والسلطة والقوة والمال والتبعية بأيدي الحاكمين..؟

تمثل الأنحراف بما لم يأتِ به صاحب الدعوة ولم يرضاه القرآن الكريم، حين أبتدعوا المذهبية والأراء الفقهية المتناحرة والفرقة الناجية المفرقة للصفوف والتفسير المخالف للنص الذي حمل لنا التعقيدات الفكرية والفقهية والسياسية.. فمن أين يبدأ الاصلاح..؟ اعتقد علينا ان نعود للتآويل بموجب الآية "7" من سورة آل عمران: وما يعلمُ تأويله الا الله والرسخون في العلم" لنؤول القرأن بما يتطابق مع العقل والمنطق بعيدا عن الميول الشخصية والعاطفية، ولكن من يسمح لنا وسط هذا الضجيج من الفوضى الخلاقة لسلطة لا تعرف من حقوق الله الا النرجسية والكراهية والعصبية القبلية للأخرين.. وكأننا نعيش عصر الجاهلية الأولى في التاريخ..، او نرحل لدين اخر يُسعفنا من الأنهيار والسقوط.. أو نعيش بلادين كما في اليابان والصين.. فهل الدين جاء من اجل التعصب وهضم الحقوق وتحكم مؤسسة الدين فينا وهي غير المعترف بها من القرآن ولا مخولة بحق الفتوى علينا.. أم من اجل الحق والعدل وحفظ كرامة الأنسان.

واليوم نناقش واحدة من هفوات المفسرين الذين غلفوا كل باطل بغلاف الدين الا وهو الناسخ والمنسوخ وكأن الله كان غائب الوعي حين كان يوحي لنبيه بالتصديق..

ونتيجةً لجدل عقيم وقع بحضوري بين اثنين من الاخوة المسلمين حول الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، ايهما أقرب للحقيقة من الاخر، كتبت هذا الموضوع ارجو نشره للحقيقة والتاريخ.

لم يكن الكتاب الذي ألفه الكاتب الهندي سلمان رشدي "الآيات الشيطانية"مستمداً من بنات افكاره، بل كان مستمدا مما كتبه مؤرخونا وكتابنا القدماء وما فكروا ان يوما ما سيأتي على ما يكتبون، من اشخاص يقرؤون ويفلسفون الكلمة ومنه يصنعون القصص والاباطيل ضد النص الديني الذي به يؤمنون.. وما نحن فيه مختلفون، وكان سليما ن رشدي الهندي الأصل والبريطاني الجنسية واحدا منهم.

لقد كتب الطبري في تاريخه الرسل والملوك ج2 ص337 وما بعدهاعن سورة النجم يقول الحق: (والنجم اذا هوى، ماضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى)، فلما انتهى الى قوله تعالى (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى - النجم 1-20) القى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه، ويتمنى ان يأتي به قومه مكملا الاية كما كانوا يتصورون فقال: (تلك الغرانيق العُلا، وان شفاعتهن لترتجى به).. والغرانيق هي الأصنام.

فلما سمعت بذلك قريش فرحت وسرت واعجبت بما قاله الرسول (ص)، حين ذكر آلهتهم بخير، لدرجة ان بعض المسلمين صدقوا ما سمعوا فلم يبقَ في المسجد من مسلم ولا مشرك الا وسجد للاسلام، الا الوليد بن المغيرة الذي كان كهلا لا يقوى على الوقوف والسجود . بعدها تفرق الناس من المسجد وقد خرجت قريش وسرها ما سمعت لمدح محمد آلهتهم وذكرها بخير وقيل في وقتها اسلمت قريش.

لكن مُبلغ الوحي جبريل (ع) لم يُمهل الرسول (ص) طويلا حين هبط عليه وقال له: "يا محمد ما صنعت، لقد تلوت على الناس مالم آآتك به عن الله عزوجل، وقلت مالم يقل الله، فحزن الرسول حزنا شديد اوخاف من الله خوفا كبيرا، فنزلت الاية الكريمة: (وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي اذا تمنى القى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله اياته والله عليم حكيم، الحج 52).

وهنا ذهب الحزن عن رسول الله وعمه الفرح والسرور، لكن المشكلة وكل ما فيها ان ما قاله الرسول على لسانه تصور وليس حقيقة، وهذا ما لم يدركه الفقهاء الأوائل، فبنوا على هذه الاية مسألة الناسخ والمنسوخ واتخذوا منه ذريعة لقلب احداث كثيرة واستبدالها بغيرها بحجة النسخ لبعض الايات القرآنية الشريفة كما في حجة الوداع. واخذ سلمان رشدي وغيره من ضعاف العقول والحاقدين على الاسلام هذه الذريعة ليبنوا عليها قصورا من الرمل بخرافاتهم واكاذيبهم وليهاجموا الرسول والقرآن فكتبوا الكتب وجيشوا الجيوش واقاموا الدنيا واقعدوها على الوهم والضلال.

علماً بأن لا آية نزلت ولا رسول قال، لكنه كان وهماً تردد على لسانه لا غير، لذا فأن الله لم ينسخ آية لانها لم تكن قد نزلت اصلاً بدلالة ان جبرائيل قد قال للرسول: (اني لم آاتك بها، وقلت مالم يقل الله به، انظر السيرةلابن هشام).

لكن الذي حدث ان هذه القضية وغيرها من القضايا الاخرى التي وقفت من الاسلام موقف التعارض لم تعالج من قبل كتابنا وفقهائنا معالجة عقلية فكرية هادئه، بل معالجة عاطفية اثارت رجال الغرب واعداء الاسلام تطرفا لا يقبل الفكر الحر، كما في معارضة السيد الخميني لسلمان رشدي حين اصدر فتواه بقتله اينما وجد، وقامت الدنيا من قبل القاعدة والمتطرفين الباكستانيين ليخلقوا من هذا الصعلوك الذي اسمه سليمان رشدي مثالا للفكر والحرية في اوربا والعالم الاخر.. كون ان العالم يؤمن بفلسفة الرأي والرأي الاخر دون تعنيف..

المهم لولا الطبري وغيره من مؤرخينا لما وجد اعداء الاسلام ذلك السبيل الذي به نالوا منا ومن الرسول والقرآن، كما كان في موقف السيد الخميني وغيره الذين زادوا من اهمية هذا الكاتب واعطوه بعدا اكبر مما يستحق.، وحتى نقف ويقف القارىء الكريم على حقيقة ما جرى لا بد لنا من ان نعرج على موضوع الناسخ والمنسوخ وحقيقته في القرأن فنقول:

الناسخ والمنسوخ، حكاية وهم لا حقيقة.. .

وبانتصار مدرسة الترادف اللغوي التي ابتدعها الفقهاء نتيجة تفسيرهم الفقهي الناقص للقرأن بعد القرن الثاني للهجرة معتمدين على التفسير اللغوي لا التأويل العلمي ظهر الناسخ والمنسوخ لانهما ليس من علوم القرآن، أنما هو علم تاريخي دخيل، فالناسخ والمنسوخ يأتيان على محور الزمن المستغرق للتحول من نوح الى محمد"أنا اوحينا اليك كما اوحينا الى نوح والنبيين من بعده.. . النساء 163". ثم تلتها حالة التحول من حالة الى حالة والتي يمثلها علم الجدل والتناقض، ثم اخضعوا النسخ لعلم الكينونة بموجب الاية الكريمة"ما ننسخ من آية اوننسها نأتِ بخيرٍمنها اومثلها .. البقرة 106".

ان مثل هذا النسخ لا يأتي في آيات التنزيل بل يأتي في الرسالات لانه يقع في سلم التطور الزمني التاريخي للمجتمعات الانسانية، فرسالة عيسى نسخت رسالة موسى ورسالة محمد نسخت الرسالتين، لان تراكم المعلومات والرقي الحضاري يؤدي الى تطور التشريع.. كما هو في القوانين التي تبدل عبر الزمن نتيجة تحول الصيرورة الزمنية في القبول.

لذا فان الناسخ والمنسوخ بحاجة الى مراجعة ودراسة علمية متأنية لكونه جاء مشوها عند الفقهاء، وحتى الفقهاء لم يستوعبوا أن الزمن يعلب دورا في عملية التغيير التاريخي، فحسبوا ان تفسيرهم للقران لامرد له ولا معارض لان عصرهم عصر ديني بحت وعقليتهم مقولبة بقالب التفسير الديني الثابت الذي لا يخضع للتغير او الاجتهاد.. وهذه علتنا اليوم.

ويبدو ان المؤرخين اساؤا الينا بدون قصد، لان المنهجية في الكتابة لم تكن واضحة بعد في اذهانهم وما كانوا يتصورون انه سياتي يوما يظهر فيه اعداء لدودون للاسلام والمسلمين ليضعوا من التصوروالوهم حكاية اشبه بالحقيقة.. والحقيقة ان المؤرخين والفقهاء هم أول من اساء للاسلام والمسلمين وأدخلوا الفُرقة بينهم ولا زالت.

واذا كان الله جلت قدرته قد وقف من الرسول(ص) الذي سمح للاعراب بالاختيار بين الالتحاق بجيش المسلمين من عدمه لدرء خطر الروم شمال جزيرة العرب موقف التعنيف والرد القاسي، بآيتين صريحتين في سورة التوبة أية 120، 43، فكيف يسوغ لنفسه جلت قدرته، ان ينزل على رسوله الكريم مثل هذه الايات وهو المعصوم من اي خطأ يرتكب. هنا يتداخل التفسير والتأويل الواحد بالاخرعند الفقهاء فولد لنا من الاخطاء الكثير والتي بنيت عليها مواقف شوهت من الاسلام والمسلمين، هذا الدين القيم الذي لايدخله الباطل والتحريف .. فأستطاعوا تحويله الى مذاهب وفِرق .. قسمت المسلمين ونزعت من الناس وحدتهم في الدين .. وكما ترون اليوم..

لذا علينا توقي الدقة المتناهية في ايات النسخ في النجم والجهاد والعصمة والتوصية بالخلافة .. ومواقف اخرى فسرت تفسيراً متناقضا في القراءة والتفسير حتى لانقع في خطأ التقدير المستقبلي. وان نرفع من رؤوسنا بأن المقدس لا يناقش، فبعض آيات القرآن الكريم بحاجة الى مراجعة اليوم كآيات ملك اليمين ومعرفة الجنين في بطن امه والكثير التي جاءت في قوانين الحضارات القديمة وذكرها القرآن على سبيل العضة والأعتبار: أما في أية: "السن بالسن والعين بالعين والجروح قصاص حين ذكرت في قانون حمورابي البابلي القديم بالنص.

هذا كان مذهب الاقدمين والقرآن يقر بعملية التطور العلمي: "قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدأ الخلق"، واليوم قد تطور الفكر وزادت العلوم، ومن يستطيع ان يثبت وجوده الفكري هو الذي يناقش ويجادل بلغة العلم لا بلغة العاطفة والتقديس ليصل الى معرفة الحقيقة. والحكماء قالوا" العقل هو الحجة. "

فهل سيفيق علماؤنا من خطأ التفسير ويعودوا لتأويل القرآن لا تفسيره. ليضعونا مع الشعوب المتقدمة والتطور التاريخي الحديث؟ فالوحي لا يناقض العقل، ولا يناقض الحقيقة، فلماذا نحمل النص فوق طاقته لفظاً ومعنىً..

وها ترون اليوم الى اين اوصلتنا مرجعيات الدين الراقدة على الحصيرة والصامتة صمت القبورلا رأي لها حتى في احداث الساعة.. الا فيما يخص المال والسلطة وفتاوى الوهم بعد ان اعتقدنا انها جزء من الدين.. وبأعتقادي ان أديان الأرض كلها لا تصنع عدلا في ظل مؤسسات دينية متفرقة ومتقاتلة دون ثبت يقين.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

نبيل عودةمن أبرز اشكال المقاومة للرواية الصهيونية الاستيطانية في أدبنا الفلسطيني داخل إسرائيل، خاصة قبل التوسع الاحتلالي بعد عام 1967، ان الانجاز الشعري تسامى في مواجهة الواقع بعد النكبة، وبرز بتحديه للرواية الصهيونية، ولسياسة الاضطهاد القومي، وتحول الى خطاب سياسي ثوري مقاوم قل مثيله في الآداب الشعرية لشعوب تواجه مغتصبي اوطانهم ومصادري حرياتهم.

بنفس الوقت نرى محدودية الجانر الروائي في إبداعنا المحلي، واعني داخل مناطق 1948، لا اعني بتعبير محدودية عدم وجود أعمال روائية أو غياب الجانر ألروائي إنما ما أعنيه ان الرواية في أدبنا الفلسطيني داخل إسرائيل لم تأخذ مكانها كلون أدبي له وزنه ومكانته، كما هي الحال في القصة القصيرة عامة والشعر على وجه التحديد، وخاصة في التصدي للرواية الصهيونية، وفي دور الرواية الفلسطينية التعبوي كسلاح ثقافي بمواجهة الرواية الصهيونية الاستيطانية والعنصرية.

يمكن الإشارة إلى عدد قليل جدا من الابداعات الروائية الجيدة في إبداعنا المحلي.. مع ذلك يبقى الفن الروائي بعيدا عن أن يشكل تيارا ثقافيا يمكن الإشارة إليه، وأعتقد ان غياب الرواية لا يعني أننا نفتقد لنصوص روائية، إنما أعني ان روايتنا لم تدخل بعد في المواجهة للرواية الصهيونية، من ناحية الكم والمضامين.

عالج الناقد الدكتور حبيب بولس ( 1948 – 2012 ) موضوع الجانر الروائي في ثقافتنا داخل إسرائيل، بمٌقالين متتابعين أولهما "لماذا لا نملك جانرا روائيا؟" والثاني "عود على قضية الكتابة الروائية". تناول المفهوم الأونيفرسالي للرواية، وهو مفهوم هام للغاية، جاء في مقال د. حبيب بولس “في رأيي أن الأسباب الرئيسية التي تقف عائقا أمام تطور هذا الجانر تنقسم إلى فئتين: أسباب عامّة، أعني بها الأسباب الخارجة عن إرادة المبدع وأخرى خاصّة نابعة عن المبدع نفسه. من الأسباب العامّة سببان هامّان هما طبيعة الظروف التي نعيشها أولا وقلّة المرجعية لهذا الجانر محليّا وفلسطينيا ثانيّا. أمّا السبب الرئيس الخاص فيعود إلى عدم قدرة المبدعين لدينا لغاية الآن الموازنة بين الخطابين: التاريخي/ الأيديولوجي/ الواقعي والخطاب الإبداعي/ الروائي/ التخيلي." او باختصار الخطابين التاريخي والفني!!

حقا وبصدق حدد الدكتور حبيب بولس الإشكالية الأساسية في إطار الخطابين التاريخي- الواقعي والأدبي – الإبداعي (الفني).

الخطابان (التاريخي والفني) ليسا وقفا على الجانر الروائي، إنما هما قاعدة ابداعية شرطية لكل إبداع أدبي قصصي أو شعري أو فني آخر.

السؤال هنا: هل التوازن بين الخطابين، التاريخي والفني هو قاعدة مطلقة؟ وكيف نتعامل مع الخطابين؟ وما هي الشروط اللغوية لتطوير جانر روائي يمكن ان يطور هذا الفن في أدبنا داخل إسرائيل؟

من البديهيات ان الخطاب الأدبي (الفني، طبعا بما في ذلك اللغة الروائية)، أو الحدث التاريخي (الأيديولوجي) يشكلان جوهر الإبداع، كشرط عبر استيعاب المبدع لهذه ألمعادلة، ما يبرز في أدبنا الروائي يؤكد عدم فهم العديد من الأدباء العلاقة التفاعلية بين الخطابين، في معظم الحالات نجد ان الإحساس الذاتي للمبدع هو المنهج السائد، أي يفتقد للمعرفة الجوهرية للصياغة القصصية او الروائية أو الشعرية كذلك.

ان التوازن أو التعادل بين الخطابين في صياغة النص الأدبي ليست مطلقة، كما قد يفهم مما ورد في مقالة الناقد بولس.. أو ما سبق وورد في مداخلتي.

في حديث لي مع د. حبيب بولس قبل وفاته وافقني ان العلاقة بين الخطابين هي علاقة نسبية، تتعلق إلى حد بعيد بقدرة المبدع نفسه في فهم نسبية هذه العلاقة، وإدراك متى يعلى خطابا على حساب خطاب آخر، وما هي محدودية كل خطاب. بمعنى آخر أ تبقى عملية الكتابة الروائية أو الإبداعية، مسألة ترتبط بالقدرات الذاتية والتجربة الذاتية والحس الذاتي والرؤية الابداعية للكاتب.

ملاحظات للتفكير أراها هامة جدا، الملاحظة الأولى ان القارئ العربي لا يتفاعل مع النص السردي كما يتفاعل مع النص الشعري. الملاحظة الثانية هل عقلنا متحرر لنعيد تشكيل اللغة وتحريرها من ظاهرة الاستهلاك التي تفتقد للتفاعل؟ الملاحظة الثالثة، كثيرا ما يستعمل نقدنا صفة الحداثة في وصف نصوص أدبية، وأنا أرى ان هذا التوصيف ينبع عن جهل تام بمفهوم الحداثة التي هي بامتياز ظاهرة ثقافية فكرية واجتماعية غربية لم تنشأ بعد القاعدة الفكرية والمادية لتتطور في مجتمعنا، ليس بالأدب فقط إنما بالفكر الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي واللغوي. ان الحداثة هي بالتعريف الأوسع فكر فلسفي معرفي، أي ليست مجرد وسيلة تعبير لغوية او أدبية او صياغية كما يتعامل معها بعض نقاد ادبنا بجهل كامل لمضمون الحداثة. الملاحظة الرابعة ثقافتنا العربية عامة ما زالت بعيدة عن خلق فكر يتفاعل بعمق أكبر مع الثقافة والإبداع الأدبي. الملاحظة الخامسة لا أرى أننا خرجنا من حلقة الذاتية إلى الفضاء الأوسع إلا بحالات منفردة. بل ويمكن القول إننا في حالة تراجع ومن الضروري الدمج بين الذاتي والموضوعي في ثقافتنا.

ما لم يطرح بما يستحقه من اهتمام، هو إنتاج رواية فلسطينية داخل إسرائيل كرواية مضادة للفكر الصهيوني. وهو فكر تطور وارتقي بظل التطور في الدولة الرأسمالية الاوروبية والفلسفة الأوروبية. وأين نحن منذ لك؟

 حتى على مستوى العالم العربي، الذي يتعرض أيضا للذراع الإسرائيلية الطويلة، لم أجد، وآمل إني على خطأ... ان للرواية المضادة المساحة أو الاهتمام الذي يستحقها موضوع الرواية المضادة بمواجهة العدوان الاسرائيلي.

إذن يمكن القول أننا أمام حالة ابستمولوجية سلبية (الأبستمولوجيا هي فرع من علم المعرفة في الفلسفة متخصص بدراسة طبيعة ألمعرفة مداها وحدودها) والحقيقة المرة انه لا إبداع أدبي أو فني أو فكري خارج المعرفة بمفهومها الفلسفي الواسع، وليس بشكلها كحالة من التطور الطبيعي للإنسان.

أي إننا نواجه معضلة فكرية وليس روائية فنية فقط. مشكلتنا في التشتت الفكري، في فكر الانتقائية، في السطحية الفكرية، وفي النهج السائد بإغفال ابداعات لا ينتمي اصحابها للتيار السياسي الأقوى في الوسط الفلسطيني داخل إسرائيل، واعني الحزب الشيوعي واعلامه، حيث تحول الكثير من النقد الى مدائح مضمونها سياسي وليس ادبي فكري لدرجة اني وصفت نقدنا بانه يتشكل من تيارات عدة، التيار السياسي، تيار القرابة العائلية وتيار العلاقات الشخصية. وبالتلخيص هذا النقد هو عملية تهريج!!

اذن النقد كان مجندا لأهداف ذاتية لا تنتمي بجوهرها للفكر الثقافي، رغم ان بعض النصوص لها قيمة ابداعية، ولكنها لم تكن وراء الحرك النقدي. وجرى تجاهل ابداعات هامة عديدة لأن الكتابة عن اصحابها لا تعلي أسهم الناقد.

توجد رواية عربية  فنية راقية، لكننا في مربع الصراع الحضاري، الذي نواجهه بظل التفوق الإسرائيلي الشامل، نفتقد للسلاح الروائي بصفته سلاحا مضادا للرواية الصهيونية.

قرأت في الفترة الأخيرة أعمالا روائية للدكتور أفنان القاسم، وجدت فيها عناصر روائية لم أجدها في روايتنا الفلسطينية بساحة المواجهة الفكرية والروائية. كالعادة النقد ليس حاضرا لتناولها، والنشر ليس جاهزا لنشرها وهو امر يلحق الضرر بالصراع الثقافي بمواجهة الرواية الصهيونية.

صحيح القول ان الخطاب ألتاريخي الأيديولوجي، أي الحدث أو الفكرة، والخطاب ألأدبي الفني، أي القدرات اللغوية والدرامية، هما القاعدة لأي إبداع أدبي روائي، قصصي، شعري أو مسرحي أو فني ولكنه موضوع مركب أكثر إذا تناولناه من زاوية المعرفة، المعرفة تعني القدرة على التوازن النسبي وليس المطلق وتطوير قدرات المبدع في فهم هذه العلاقة ونسبيتها. بكلمات أوضح: أين يجب ان يعطي المبدع مساحة أكبر لأحد الخطابين وما هي حدود هذه المساحة حتى لا تصبح سلبية وقاتلة للجانر الروائي أو غيرة من أشكال الإبداعات الأدبية والفنية… ومدى الإدراك الذاتي للواقع التاريخي، الاجتماعي، السياسي، الأخلاقي والثقافي.

قال الفيلسوف الألماني هيغل: “ان ما هو معقول هو ما يمتلك إمكانية دخول الحياة”- من هنا رؤيتي ان الرواية المعقولة، لا يمكن في واقعنا الفلسطيني ان تكون إلا الرواية المضادة .

ان اللغة في النص تشكل مرتكزا هاما، والموضوع ليس معرفة التعامل مع اللغة فقط، معرفة التعامل مع اللغة (بحالة الكتابة الروائية والقصصية) هامة جدا، والأهم تطوير القدرة على إنتاج لغة مناسبة للجانر الأدبي الروائي أو القصصي أو الشعري.

وهنا نسأل: هل اللغة الروائية مجرد إنشاء سردي؟ وأضيف ان اللغة بدون فكر هي ثرثرة فارغة !!

ان معرفة صياغة الخطاب التاريخي قد يقود إلى كتابة ريبورتاجية صحفية بغياب الخطاب اللغوي الروائي (اللغة  الفنية -الدرامية)، معرفة الخطاب الأدبي (الفني) قد يقود إلى كتابة نص مليء بالفذلكة اللغوية والنحت الصياغي وصولا إلى تركيبة جمالية لا تقول شيئا للقارئ، إلا ان الكاتب يعرف النقش باللغة، إذن ما ينقص الخطابين، هو خطاب ثالث: “الخطاب ألتخيلي” القدرة على مقاربة الواقع بالنص ألروائي وخطاب رابع: “الخطاب ألدرامي” أي القدرة على بناء الأحداث المتخيلة التي تعبر عن الخطاب التاريخي ليس بشكله في الواقع اليومي، وتغذي اللغة النص بأبعاد درامية جمالية وليس مجرد النقش اللغوي الأقرب للرسم بالريشة. اللغة الدرامية بحد ذاتها تشد القارئ تماما كما تشده صياغة ألحدث ولكن دورها ان تعمق الناحية الدرامية للحدث الروائي.

في المراجعات النقدية لنقدنا المحلي، للإبداع الأدبي بالداخل لا تسرد كل الحقائق حول التركيبة الإبداعية، لأسباب مختلفة، أهمها الجهل الذي يميز بعض ممارسي النقد، وإعطاء دفعة وتفاؤلا للناثر أو الناظم لعل التجربة القادمة تكون أكثر اكتمالا. لكن الملاحظ ان التقييم بلا حدود اضحى نهجا لا يحدم الا العلاقات الشخصية للناقد. هذا لا يمكن فصله عن مستويات الإبداع العامة للأدباء.. ومقياسنا لا يمكن ان يكون حسب الإبداعات العربية أو العالمية. حلمنا ان نصل، لكن الحلم يحتاج إلى الكثير من العناية الغائبة من أجندة مؤسساتنا الرسمية والشعبية. وهناك غياب فكري غير قادر على خلق الرد على الرواية الصهيونية.

بعض ممارسي النقد بلا مضمون فكري لدور النقد، يرتكبون جريمة بحق المبدعين حين يوهمونهم برعونة تفتقد لأوليات الفكر النقدي والمعرفي أنهم بلغوا القمة من اول نصوص اصدروها … ولكنه موضوع آخر!!

النظرية والتحليل النقدي النظري جيد لتحليل العمل، تقييمه ونقده، ان عملية الإبداع مركبة ومتداخلة بعناصر إنسانية وعقلية ومعرفية (ابستمولوجية) وتجريبية واجتماعية واقتصادية وتاريخية أكثر اتساعا من مجرد فكرة تصلح لنص روائي أو قصصي أو شعري.

اعتقد ان مشكلة الجانر الروائي ترتبط بتطوير ألمعرفة وتطوير الفهم لجوهر النقد، بعدم جعله ترويجا يخدم كاتبة اكثر مما يخدم صاحب العمل، وهذا ما يسود بكثافة مسيرة نقدنا المحلي.

اني أدعي ان معظم الروايات التي ظهرت في أدبنا العربي داخل إسرائيل، تفتقد أكثريتها لعناصر روائية أساسية، تكاد تكون خطابا تاريخيا مجردا من القدرة على القص والدهشة وجعل اللغة طيعة متدفقة مثيرة ومتفجرة. طبعا لدينا نصوص روائية جيدة لكنها من القلة بحيث لا تشكل تيارا أدبيا روائيا.

الإبداع الحقيقي، نثرا أو شعرا، لا يعني نقل حدث تاريخي أو انطباعي بلغة سليمة. أو بديباجة مليئة بالفذلكة والألعاب الصياغية. الموضوع ليس إنشاء  لغويا بسيطا أو فخما جدا. هناك لغة للقص تختلف بتركيبتها عن لغة المقالة. تختلف بتركيبتها عن لغة الريبورتاج، تختلف بتركيبتها عن لغة الشعر. لغة تفرض نفسها على كل قوانين اللغة وقيودها، ويبدو لي ان نشوء لغة عربية حديثة يخضع في معظمه لتطور الأدب القصصي والشعري الحديث، ويمكن رصد البدايات الثورية لهذه اللغة الحديثة في الأدب العربي الذي طوره أدباء المهجر. اليوم تلعب الصحافة ولغتها ومفرداتها دورا هاما في تطوير لغة عربية سهلة ممتعة سريعة الاندماج مع المناخ الثقافي وفرضها على اللسان العربي، وانا اسميها لغة الصحافة!!

يجب ان لا ننسى ان الرواية هي وليدة عصر تحرير إرادة الإنسان. الإنسان ولد ليكون حرا، هذا ما أثبتته حركتنا الشعرية الفلسطينية داخل إسرائيل التي ولدت في ظروف تسلط قمعي وإرهابي وحصار ثقافي.

رغم الانفتاح الواسع على الثقافة العربية والعالمية وما أنجزته من أعمال روائية راقية جدا إلا ان روايتنا لم تحدث تلك العاصفة التي أحدثها شعرنا.

بالطبع أرى أهمية ما طرحه الناقد الدكتور حبيب بولس.. حيث كتب: ”في مجتمع كمجتمعنا وفي ظروف كظروفنا نجد أن الرواية دائما تخاتل طموح كتابة التاريخ الفني للمخاض ألسياسي الاجتماعي في فلسطين إبان النكبة، قبلها، في خضمها، بعدها ومحليا أيضا، وهذا أمر من الممكن أن يشكّل منزلقا للكتابة الروائية في ظروفها الاجتماعية المعيشة . فعلى ألكاتب – أي كاتب – أن يحذر التاريخ، وأن يعرف كيف يقيم توازنا بينه وبين الإبداع، إذا أراد فعلا كتابة رواية فنية. وكم كان محقا ذلك الكاتب المفكر ألمغربي عبد الكبير ألخطايي حين قال: “التاريخ هو الوحش المفترس للكاتب".

الناقد بولس استمر في تحليل “الواقع الموضوعي، إذا صح هذا التعبير.. الحائل بتحول الإبداع الروائي إلى جانر مركزي في ثقافتنا. انا ككاتب قصصي وروائي أيضا، ( أصدرت ثلاث روايات ومسرحية عدا المجموعات القصصية القصيرة والنقد الأدبي) أواجه مشاكل مستعصية لا تبقي في نفسي الرغبة لتجربة روائية جديدة، بل فقط للكتابة الثقافية العامة، كتابة المقال الفكري والسياسي والمراجعات الثقافية (النقد كما تسمى مجازا) وكتابة القصة القصيرة، أي لا أجهد نفسي لأكتب رواية رغم توارد عشرات الأفكار الروائية الجيدة . دور النشر غائبة أو تستغل الكاتب لتحلبه. لا مؤسسات ترعى المبدعين. هناك تسيب ثقافي، الكثير من النصوص إنشائي يفتقد للغة الإبداع الأدبي، وبعض نقادنا سيجعلوا من كل نص إبداعا لا مثيل له في الأدب رغم ان الكثير منه لا يستحق القراءة.

القراءة تكاد تتحول الى كماليات، مؤسساتنا غائبة عن الفعل الثقافي. ثقافتنا (الشعرية بالأساس) بنيت بظروف عصيبة من التحدي البطولي، ومن معارك الحفاظ على لغتنا وثقافتنا وانتمائنا القومي، ضد سياسة القمع والحكم العسكري البغيض.

الرواية كانت تاريخيا، معيارا لتطور المجتمعات الرأسمالية، وكما كتب المفكر الفلسطيني الكبير ادوارد سعيد في كتابه الهام والمثير”الثقافة والامبريالية” بأن التطور المبكر للروايتين الفرنسية والانكليزية يتعلق بكون فرنسا وانكلترا شكلتا الدولتين الاستعمارين الأساسيتين، وأن تطور الرواية الأمريكية تأخرت حتى بداية القرن العشرين مع بدء انطلاق الامبريالية الأمريكية إلى السيطرة على العالم .

يُفهم من طرح الدكتور ادوارد سعيد أيضا، ان الرواية شكلت أداة إعلامية لظاهرة الاستعمار لتبريره أخلاقيا (رواية ” روبنسون كروسو” مثلا، حيث يصل الأبيض إلى جزيرة مجهولة ويجد شخصا أسود ويبدأ بتثقيفه وإعادة تربيته وجعله أنسانا راقيا – أي نقل له الحضارة باستعماره لأرضه وتحويله إلى خادم له، وهي تشبه الواقع الفلسطيني مع مغتصبي وطننا) لكن الرواية، هذا الفن الراقي والرائع، الذي أنتجه الاستعمار المتوحش والجشع، خلق الرواية المضادة، أو ألأدب المقاوم بمفهوم آخر، وهذا ما نفتقده لأسباب تحتاج إلى بحث واسع، أشرت إليه تلميحا فقط.

المفكر الماركسي التنويري الكبير لوكاتش، يقول بأن الرواية (الأدب القصصي) ليست إلا ملحمة البرجوازية التي ظهرت على مسرح التاريخ في أعقاب النهضة ألأوروبية وبالتحديد بعد الثورة الصناعية التي جعلت منها الطبقة السائدة في المجتمعات ألأوروبية، يمكن ان نستخلص هنا ان التطور الاجتماعي وتطور الطبقة البرجوازية، بكل ما يشكله ويشمله هذا التطور من مضامين هو من ضروريات انطلاقة الرواية وهي حالة لم تقف أمام تطور الشعر مثلا .. وتاريخيا لم يكن الشعر بحاجة لها.

إذن ظهور الرواية الفلسطينية داخل إسرائيل بدأ عمليا مع تطور المجتمع العربي وبدأ اندماجه بالمجتمع الصناعي عملا وفكرا … لذلك نجد ان الرواية المضادة للرواية الصهيونية كان لها السبق (نسبيا رواية “المتشائل” لإميل حبيبي مثلا)، لكن الرواية بمفهومها الاجتماعي، الفكري والسياسي الشامل، ما زالت تتعثر أمام الرواية الصهيونية الاحتلالية العنصرية، وبالتالي لم ننجح بعد بإنتاج رواية مضادة، والقصد رواية فلسطينية داخل إسرائيل بمواجهة الرواية الصهيونية !!

 

نبيل عودة

...................

ملاحظة: الفت انتباه القارئ لروايتي "حازم يعود هذا المساء" وهي رد على الرواية الصهيونية. رابط الرواية:

 http://www.syrianstory.com/amis-3-26.htmvhf

 

محمد يونس محمدالعتبة الموجه للنص - اثار خطاب الجاحظ لدي اهمية كبيرة، حيث هو اول من اشار الى وضع العنونة الحساس لذا اطلق تحذيره المهم في لحظتنا الحاضرة، بعدما تطورت الافكار ونضجت كثيرا ازاء موقع العنونة العلوي وجدليته، فموقعيا المتن النصي ادنى عضويا من العنونة او العتبة، وذلك في التفكير الفلسفة يتيح للعنونة أن تكون ذلك النص الموازي المتعالي على بنية المتن النصي، واعتقد أن منطقة من تفكير الجاحظ تراسل وجان جانيت تدعو الى أن تكون العنونة اقرب الى نص العلية، وميزة النص الموازي في تعاليه العضوي تجعله محلقا، وهذا يعني تقل نسب تعالقه الا اذا كان هناك ترابط ويثق وعلائق تلازم بين العنونة والمتن، لكن لابد أن نقر بان ذلك التعالي يزيد من هيبة العنونة اكثر، وعلى وجه الخصوص في جانبها الاشهاري والصفة الاعلامية الكبرى، وتشكل العنونة التي ليست على وجه غلاف بل على صدر نص كما في نص فلاح الشابندر، نعم موقعا للعلية واستشرافا شاقوليا على كيان متن شاقولي، ورغم طروحات جان جانيت عن التوازي بين العتبة والمتن او التعالق التام او الجزئي وربما التجاور، لكن التشابك بين الفلسفة والشعر يعطي للفكرة معنى اخر، ويقربنا من الجدل بدلا من التفكير في الاطر العامة للعتبة الفوقية، والتي عادة ما تعطينا صفة فيثاغورسية، فالتسلسل الرياضي على شكل خط مستقيم منحدر من نقطة العتبة الى أن يصل في مساره الى نقطة النهاية، وتشكل العتبة النقطة الاشهارية المتصل بالفضاء الخارجي للنص، وهي الدليل النوعي على عضوية ومضمون المتن النصي .

دهشة تجلي لحظة المنصوصات – الشعر قرين الفلسفة اي هنا هو يضعنا امام سؤال الدهشة الشعرية ولحظة التجلي، فالدهشة ولحظة التجلي يندمجان في منصوصة متوافقة موسيقيا هارمونيا، والدهشة نحيلها الى البعد الفلسفي في الشعر، فالفلسفة الشعرية ليست التعبيرات التي تعنى بتكوين الصورة الشعرية، بل معنى داخل المعنى، وذلك المعنى لا يدرك في السياق العام بل ربما هناك تأويل يبلغه، او في التفسير اللساني للشعر يمكن عبره عزل ذلك المعنى عن المعنى الشعري والذي يمكن أن يكون مقابلا له، والتقابل بين معنى يسعى للتمثيل بسيماء تعين شكلا ولا تعين مضمونا، وهذا لمسناه في بنية النص الشعري لفلاح الشابندر، ورغم اختلاف ايقاعات الجمل بل ايقاع مفردة تحول من بعد الى اخر، من مثل مفردة .

تدنو

تدنو

تدنو

تلتقط

فنجد اختلاف طبيعي بين المفردة الاخيرة – تلتقط – لكن ما سبقها هي مفردة – تدنو – وقد تكررت ثلاث مرات، وهنا يتدخل التفسير اللساني، ويفرق بين مفردة واخرى ليس فقط ايقاعيا، بل لكل مفردة موقعها في النص الشعري، وجدارة انعكاس موسيقى كل مفردة تجعل تعبير يختلف عن اخر، وكما أن بعد الزمن الشعري ايضا يكون متعددا، حيث كل مفردة بوحدة زمن مختلف عن الاخرى، ما دام موقع كل مفردة يختلف عن موقع اخرى، واذا افردنا كل موقع على جهة فتخرج كل مفردة عن تشابهها اللفظي مع اخرى، والشعر من طبيعته الفنية لا يهتم للاستعادات المتكررة من خلال التشابه .

يشكل الفن الشعري اثارة لسيماء المفردات الشعرية، وهذا ما يتيح للمعنى الشعري توسع مداره، وتوسع المدار يحول البعد الافقي الى بعد عامودي او شاقولي، وهذا يتيح حرية اوسع للجمل الشعرية، وتلك الاتاحة مرتبطة بذات الوعي وليس بذات شخصية الشاعر، والا تمرير الافكار الشعرية المجردة خصوصا ستفقد قيمتها، والذات الشخصية افق اجتماعي يصعب عبيه جدا تقبل هذا المعنى الشعري الذي ليس في افق الذات الشخصية وبالكاد تتناسب معه الذات الواعية، وتفسير الشعر موضوعيا يختلف كثيرا عن تفسيره العام، فقد تطور المفهوم الشعري كثيرا ولا مس معاني ما بعد الحداثة، يعني صار لا يلتزم بالقوانين الشعرية القديمة رغم اهميتها، وصار يتوافق مع المنطق الميتافيزيقي التي تتقارب مع روح التطورات .

في اطار المعنى - اختلاف الشعر عن الكلام يوضحه بعد تعدي اللغة شكلها الاجتماعي، فالتعدي الذي تحدثه اللغة الشعرية يحولها من كائن اجتماعي الى كائن ايقوني اي تدخل اللغة في دائرة الفن، وهذا يعني أن لغة الشعر ستمر بتحول من افق واقعي الى افق مضموني اقناعه ليس عاما، والمعنى لا يكون في تطار حقيقته العامة بل في حقيقته الفنية، وبدلا من الادراك يكون هناك تصور شعري، والتصور كما في هذا المقطع الشعري رغم البعد الاشاري لا يمكن حصره كصورة بلا سيماء، وتلامس الواقغ بدلا من ملامسة المعنى النوعي الذي تسعى اليه .

الغارق في كرسيه الهزاز

حين يطقطق

بعكازه على البلاط

يستفز القط الغافي

توجد افعال في هذا المقطع لكن لا يعني هذا أننا خسرنا اللغة الشعرية وخسرنا المعنى ايضا، فذلك يحال الى نسق بناء اللغة، فاللغة مبنية وفق افق عامودي تراتبي، وهذا ما يجعلها مختلف النسق تماما بين المعني والمعنى، واللغة ليست الا صورا وصفية وليست بيانية تماما، والشعر يستحق أن يوصف كما يشاء بحريته ونشاط معناه الدلالي، والمعنى بنشاطه الدلالي في الشعر ليس يحدد ابدا فالشعري دلالته ليست مباشرة وهذا ميا يجعل المعنى يتغير من جملة الى اخرى، فالذي هو غارق بكرسيه الهزاز ليس من يتقصد ايقاظ القط، فهو مفترض والقط النائم ايضا، لكنهما كل منهما يتملك حقيقته التوصيفية، وقد شكلت بنية النص الشعري الاجمالية تحولات للمعنى من افق الى اخر، وذلك من المسلمات الشعرية الفاعلة في بنى النصوص الشعرية، ونص فلاح الشابندر هو بحد ذاته بمرونة كافية للإتاحة للمعنى التحول من مستوى الى اخر، وهذا ما يجعل سيماء النص بحضور مستمر، وكما جوهر النص السيمائي يكون كما لوحة تجريدية في وصفه .

فى صباح الحديقة

فرطة عصافير

تدنو

تدنو

تدنو

تلتقط

مساقط حلواه .....

يصفعها صفعة بسيف الريح

تتقافزُ .....

تتطايرُ ....

يتطايح ضحكات... طفل الحديقة

تتلوها ضحكات... تعدم سابقتها

النسيان البارد الغارق فى كرسيه الهزاز

وحين يطقطق

بعكازه على البلاط

يستفز القط الغافى

القط غافٍ منذ اْن هتف اليبس فى البرية الخضراء

على ضفة الظل

جميل اْن ننسى

والاجمل اْن لا تعرف

ما القادم الاتى

***

محمد يونس

 

علاء حمدمن خلال البنى المحرّضة في النصّ الشعري الحديث هناك خارطة لاتنتهي ونحن ندخل إلى النظريات الشعرية والأساليب والمناهج وكذلك الاتجاهات النصية والتي نعتبرها من أفضل التوجهات للبنى المحرّضة من خلال الذات الحقيقية في النصّ الشعري؛ وتعتبر هذه الميزة من الميزات الحركية حيث أنّنا نحصل على حركة نصية ورسالة موجهة إلى مرسل إليه. هذه الخاصية متواجدة في معظم النصوص من خلال العتبات أولا ومن خلال اتجاهات النصّ الشعري الحديث ثانيا، ولكن المكامن في الذات العاملة تحتاج إلى محرضات لخروجها إلى النصّ الشعري، حيث تستدعي الخصوصية وهي من خصوصيات الشاعر، باعتبار أن الذوات غير متشابهة، ومن الممكن أن نكون في منطقة الحس المشترك، وفي طبيعة الحال هناك المتعلقات حيث تشكل العنونة أهم عتبة نصية تتصدر النصّ الشعري؛ والسؤال الذي يطرأ على المتلقي، هل هناك من إعاقات في الخلق الشعري طالما هناك كوامن في الذات العاملة ويرغب الشاعر بإعادتها وهدمها وبنائها من جديد؟.. نعم هناك بعض الإعاقات واللوازم التي تعيق الكتابة بشكلها النوعي، وأهمها؛ اللغة ونوعيتها وكيفية توظيفها، حيث أن الفكرة التي يلتقطها الشاعر من خلال لحظته الشعرية، تحمل اللغة الطبيعية، وهي الفكرة المقروءة، أو النصّ التنظيري قبيل الكتابة.

تتحول الذات إلى ذات قارئة، ونفس الذات تتحول إلى ذات ناقدة، وبين القراءة والنقد، نلاحظ ظهور بعض المكامن، كأن تظهر أمام الشاعر حالة الهدم والبناء، أو حالة التفكيك والتشييد؛ وهما خاصتان شديتا الأولية في إعادة النصّ الشعري وبرمجته بشكل كلي في الذات الحقيقية التي تحولت إلى ذات خالقة لنصّ من طراز مختلف، ومن الطبيعي أن تكون اللغة المختلفة الخاصة الأولى للمفكرة الذاتية وكيفية الالتفات على مخاتلات النصّ الشعري الفنية.

(1)

القصائد

مصابيح إلهية

لم يغادرها النعاس

ولا تلبس فوق رأسها شَعراً مستعاراً

لذا.... معي

حمّالو الحقائب في الفنادق

وأفندية المدينة

والعاملات اللواتي ينظفّنَ طاولات المقاهي

ومَنْ هربن من مزاد السبي

(2)

كيف أقنع آخرين!

أنّ قصائدي

ليست عجوزا تحمل صرّة ثيابها على عصا

من قصيدة: الكتابة سرّا – ص 7 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

من أهم البنى التحريضة التي افتتح بها غلافه الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد، هي العنونة التي جاورتها بعض الألوان الحارة والباردة، حيث أنّه رسم خصوصية المرآة عندما أطلقها بـ: مرآة ونصف وجه.. نلاحظ أن اللونين الأحمر(الحار) والأخضر (البارد)، شكلا واجهة في الغلاف، لذلك انشغلت مساحة الغلاف من خلال دلالة الألوان ودلالة العنوان؛ فقد اعتمد الشاعر على جملة اسمية في رصد عنوانه؛ فالعنوان الذي اختاره شكل عنصرا في تأويل النصوص الشعرية التي اعتمدها في مجموعته الشعرية. إذ تصبح دلالة النصّ الشعري، ذات علاقة بالعنونة المرسومة.

نتخذ من العنونة، حالة موضوعاتية، وهي الحالة التركيبية من جهة والتي تعتمد تعيين العنونة، وتأويلية تشير إلى النصوص التي تقترب من المتلقي من جهة ثانية.

افتتح الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد مجموعته الشعرية بقصيدة (الكتابة سرّا)، الحقيقة التي التجأ الشاعر إليها، حقيقة المعاني التي تتبناها القصيدة، لذلك من المستعين أن ندرك الأشياء، فالقصيدة مدركة قبل أن تكون ذات معاني عفوية، وقد أكد برتلاند راسل على عملية الإدراك بواسطة المحسوس؛ حيث أن الحقيقة تشكل هنا حقيقة شيئية خارج الوهم والخيال، وبما أن المعاني من متعلقات الخيال أيضا، فقد التجأ الشاعر إلى علاقة النصّ الشعري مع المجموعة الشعرية التي رسمها للقارئ.

(1) = القصائد + مصابيح إلهية + لم يغادرها النعاس + ولا تلبس فوق رأسها شَعراً مستعاراً + لذا.... معي + حمّالو الحقائب في الفنادق + وأفندية المدينة + والعاملات اللواتي ينظفّنَ طاولات المقاهي + ومَنْ هربن من مزاد السبي

(2) = كيف أقنع آخرين! + أنّ قصائدي + ليست عجوزا تحمل صرّة ثيابها على عصا

إنّ وحدة المتغيرات التي أطلقها الشاعر، هي المكتوب وجوبا، أي أنه عاين من خلال النصّية ومحتوى النصّ الشعري الحقيقي، لذلك قد لايتزامن نظام المدلول مع نظام الدال (كما أكد دريدا)؛ ولكن الذي يعنينا هنا مبدأ الكتابة الأحادية، باعتبار أنّ الشاعر شكل عنصرا من عناصر النصّ الشعري وهو الدال على القول والقول الشعري، فقد جعل انتماءه إلى النصّ خارج الاستعارة الخفيفة:

ولا تلبس فوق رأسها شَعراً مستعاراً = القصيدة.. نلاحظ من خلال المقاطع المنقولة بأن هناك مقاطع للظهور، وقد احتوت المعاني القصدية وترتيبات إحالة النصّ المفتتح إلى المتن.

نقسم عملنا إلى قسمين من خلال البنى التحريضة في مجموعة الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد.. الأولى البنية اللغوية والثانية البنية الدلالية وفعل الإثارة ومحتوياته ومدى تاثيره على المتلقي، كحالة من المحتوى الإشاري التي يشير إليها الشاعر، للأشياء أولا ومن ثم للحالة الداخلية الدالة ثانيا.

البنية اللغوية..

من أوسع البنى التحريضية، عامل اللغة ومساحتها وما تحمل من تمظهرات لغوية وتعيينات للألفاظ من جهة، وما تفرضه من وظائف في النصّ الشعري الحديث؛ وإذا تطرقنا بشكل أوسع فهناك الكثير من المحرضات النصية تؤدي وظائفها وتماسكها النصّي، ومنها حالة الانسجام، وحالة الحدث التأثيري، والأبعاد الفلسفية الحاملة لأفعال الإثارة التي تقسم نفسها بأقسام عديدة، حسب حركة الأفعال الانتقالية والحركية وأبعادها في النصّ الشعري.

إنّ الخروج من النظام اللغوي العام ضرورة من ضرورات المراوغة اللغوية في الشعرية، لذلك فإنّ عامل الفعل التأثيري يأخذ نصيبه الأكبر من ناحية المؤثرات واللجوء إلى انزياح اللغة عن مسيرتها النظامية، حيث أن الشعرية تتطلب هذا الانزياح من جهة، وتتطلب أيضا اللغة المختلفة من جهة أخرى. تتقبل نصوص الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد الاتجاهات التأويلية، وهي القيمة الفعالة للغة الفلسفية التي أكد عليها النقاد والمنظرون بوجوب الدخول إلى مفهوم اللغة ومناهجها العالقة (التيار التأويلي، مثله مثل التيار التحليلي، أعطى اللغة مركز الصدارة في اهتماماته الفلسفية، واعتبر مؤسس التأويلية الفلسفية غدامر أنّ الكائن أو الوجود الوحيد الذي يكمن فهمه هو الوجود اللغوي، وأنّ اللغة والفهم يحددان علاقات الإنسان بالعالم – ص 203 – الاتجاه التأويلي – من كتاب الفلسفة واللغة – د. الزواوي بغورة).

مبكراً

دوار البحر

سبّب لنا هذياناً

وتخيّلنا شرطة حراسة السماء

يُنظمون السيرَ

حتى حين يمرّ سرب من اللقالق

***    

قال: صبيّ المقهى

إن كنت متوهّماً

ارجموني

فمنذ ولدتّ

وأنا.. سمكةٌ

سُحب من تحتها الماء

من قصيدة:هناك – ص 11 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

تتراوح اللغة في النصّ الشعري بين القناعة والتأثير؛ فالقناعة تحتاج إلى براهين لغوية كي تكون مؤهلة للمتلقي، بينما التأثير يحتاج إلى عناصر تؤدي إلى دهشة اللغة وميزتها البركانية في النصّ؛ لذلك فإنّ لحركة المتخيل العالية والقصوى، ومدى مايصمت أمامه النصّ الشعري؛ قيمة للبناء النصي؛ والمتخيل قوام على المشاكلة والاختلاف، لذلك فعلاقات الأبنية النصية يتموضع حولها النسق النصّي.

نلاحظ أن الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد، كان مع وظائف لغوية، وأهمها وظيفة البنية الأسلوبية والتي أراد منها وبواسطة اللغة أن يبني نظاما لغويا خصخصه في نصوصه الشعرية..

مبكراً + دوار البحر + سبّب لنا هذياناً + وتخيّلنا شرطة حراسة السماء + يُنظمون السيرَ + حتى حين يمرّ سرب من اللقالق

قال: صبيّ المقهى + إن كنت متوهّماً + ارجموني + فمنذ ولدتّ + وأنا.. سمكةٌ + سُحب من تحتها الماء

في المقطع الأول استخدم الشاعر نظام الإشارات وهو يقودنا من خلال بعض أفعال الحركة الداخلية إلى تأويل واضح، فقد أراد من المقطع أن يكون إحالة إلى المعاني الكامنة، لذلك راح يوظف بعض الرموز ويخرج من أفعال الحركة الانتقالية، ففي المقطع الأول ثلاثة أفعال نسبها مابين الحركة والتموضع، فالفعل تخيل، من الأفعال الانتقالية، حيث يعطي نتائج مغايرة بعد التخييل، لذلك عندما انتمى الشاعر إلى وظيفته الخيالية استطاع أن يستخدم بعض الرموز ومنها.. شرطة حراسة السماء، واللقالق؛ بحيث اعتبر الفضاء الذي أمامه من الرموز غير المنتهية، وبالفعل مساحة الفضاء تجعلنا ننظر إلى الفراغات أيضا لنصطدم بزراق السماء وهو اللون المناسب. بينما ينتقل في المقطع الثاني وهي الإحالة المقطعية والتي تسبب مع كلّ مقطع معنى، فقد تحول إلى صبي غير معرف، ومنحه صفة المجهول؛ فقد استنطق الشاعر الغائب، وجعل اللغة السريالية تستنطق سلطة المقطع، ومن هنا استطاع أن يركز الشاعر على سياق معرفي، وهو الروابط النصية من خلال بنية اللغة التي قوّلها لتصبح ضمن القول الشعري.

هذا الشخص أعرفه

أو... لست متأكداً

قد أكون أنا.... أو أحداً آخر

يشبهني

أين أجد روحي التائهة؟

والأيام ملأت رأسي بالأكاذيب

***   

نام الحظّ

في الظلمة

متى يستيقظ ويشعل المصباح

من قصيدة: تنويعات لونية هاربة  – ص 18 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

إنّ العلاقات التي رسمها الشاعر، علاقات ضمنية، توضعت بين علاقة الألفاظ وعلاقة العلامات، وكذلك علاقة الأفعال وعلاقة الإشارات التي أشار إليها ضمن لغته الشعرية والتي مفادها بعض الرموز الموازية للمعنى والتأويل، وتشكل حالات من تحريض المتلقي وخصوصا تلك الجمل التي يبهرنا بها، فتحمل العجائبية والاختلاف اللغوي.

هذا الشخص أعرفه + أو... لست متأكداً + قد أكون أنا.... أو أحداً آخر + يشبهني + أين أجد روحي التائهة؟ + والأيام ملأت رأسي بالأكاذيب

نام الحظّ + في الظلمة + متى يستيقظ ويشعل المصباح

المنطوق، مالم يقله الشاعر بشكله التوضيحي، فالمعاني مختبئة خلف الكلمات المركبة، لذلك لاتتشابع المعاني عند التأويل، وكلّ نصّ له مضمونه التأويلي الكلي، وله التفسيري الجزئي، لذلك فالعلاقات التركيبية بين الجمل، تصبح امتدادية لكي نحصل على المضمون الكلي، وهو بينة النصّ الشعري، ومدى ثقله في الشاعرية، ومن هنا تتمكن الرموز من احتلال بعض النصوص، ومنها التوضيحية ومنها الغامضة؛ نلاحظ أن الشاعر قاسم محمد مجيد لجأ إلى المعاني الكامنة، فقد أراد أن يقول، وعندما قال لم يكتف بهذا القول، فالقول الشعري مساحته واسعة ولا يستطيع شاعر أن يختصره بنصّ شعري، بل تكون التوزيعية بين النصوص وما يشير إليه الشاعر تؤديان إلى علاقات متجانسة.

يوضح الشاعر من خلال الجمل شكوكه بين الشخص المتواجد وبين حالة الأنا، لذلك فقد أدغم المعنى، وجعل المتلقي بحيرة، كما احتار هو نفسه بين الشكّ النفسي وبين مايواجهه ليختم مقطعه بحركة الأكاذيب التي تواجهه أو تواجه غيره، فقد اعتبر الشخص الأول (الذي ربما يعرفه) علامة للآخرين، أي أنه ناب عن الجماعة، بينما يقودنا في المقطع الثاني إلى الفعل المجهول (الحظ) كما يتداوله العامة بشكل يومي، لذلك فقد نقل الشاعر الحياة اليومية بواسطة اللغة التحليلية من الواقع المعاش إلى لغة الشعر التي تبناها كعمل وهدف لتكون سلطة لناطقها.

ملك الموت اللامرئي

بانتظار...

الضغط على زرّ اللحظة الأخيرة!!

*** 

الليلةَ، ناموا مبكراً

أغلق باب المقبرة

حين.....

 ألغي وقت الاستراحة للتعارف بين الموتى

من قصيدة: نصف وقت.. نصف موت– ص 25 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

عندما ترتبط البنية اللغوية بفاعلها (الشاعر) فهي تعكس العلاقات اليومية أو علاقة الشاعر ببيئته، وهي الأقرب إليه عندما يرغب بطرح المعنى الملائم من الناحية الاجتماعية، لذلك نلاحظ أنّ معظم الشعراء، يميلون إلى الذات العاملة التي تختلط مع عالم البيئة المؤثرة بتفاصيلها أو قيمتها المتعارضة مع أفكار الشاعر.

ملك الموت اللامرئي + بانتظار... + الضغط على زرّ اللحظة الأخيرة!!

الليلةَ، ناموا مبكراً + أغلق باب المقبرة + حين..... +  ألغي وقت الاستراحة للتعارف بين الموتى

الموت يعني اختفاء الأثر الحركي للجسد، ويعني أيضا اختفاء الوجود من خلال حتمية يمارسها الإنسان على مستوى العالم، وعندما تطرق الشاعر إلى الموت وأشار إلى ملك الموت، الذي تتداوله بيئته حسب المعتقد، فقد عكس في ذاته التفكرية على نهاية كلّ شخص، ونهاية الأشياء؛ موتها، بل تفقد حركتها الديناميكية؛ لذلك خلق الشاعر بنية توليدية من الواقع الذي يجابهه، لينتقل فيما بعد إلى معنى مقطعي آخر، أي استطاع أن يحيل المعاني من خلال المنظور التخييلي بواسطة التقطيع النصّي، وهي حالة تنشيطية للنص عندما يعتمد الشاعر الأسلوب التوزيعي.

تشكل البنية اللغوية سلطة من سلطات النصّ الشعرية، لذلك فقد تم تقسيم اللغات التي تنتاب النصّ الشعري حسب الحاجة ونوعية العمل المتداخل بين عناصر النصّ، فنقول اللغة الرمزية واللغة السريالية وكذلك حال بقية الأنواع والتي تنتمي إلى التموضع اللغوي في النصّ الشعري.

البنية الدلالية

إن مساحة المؤثرات الدلالية واسعة إذا ما أبحرنا بهذا العلم الذي له الأثر في بناء وحركة النصّ الشعري، لذلك فمسألة الدال والمدلول وثقافتهما في علم الدلالة أصبحت من اللوازم التي نبحث عنها في الشعرية الحديثة، وذلك إن كان الدال لفظا أو غير لفظ، ولكن اللغة التي تحدثنا عنها ماهي إلا علاقات تربط  بين الدال والمدلول.

إن النصّ الشعري من النماذج المصغرة في الثقافة، وقابل للحوار والتفاعل، أي يحوي على مفاهيم بنيوية ديناميكية وحركية، وتكون أفعال الحركة والأفعال الانتقالية من خصوصيات العمل الديناميكي، حيث أن هذه الأفعال تساعدنا على الحركة الزمنية والتبدلات التركيبية للجمل الشعرية المقصودة، وفي نفس الوقت، لا نستغني عن البنية الصغيرة والبنية الكبيرة اللتين تلازمان النصّ الشعري وتكونان من مكوناته ومتعلقاته في الخلق النصّي.

أيها الإله اللامبالي

لماذا

رسائل استغاثاتنا

مرصوفة على الرفوف

ومختومة بالشمع الأحمر؟؟

من قصيدة: سائق عربة البيرة سابقاً- ص 31 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

ننتمي إلى صيغة النصّ الفنّي، حيث نشتق البنية الفنية من صيغة (تفكّر) والمأخوذة من الفعل فكّر، ونعتبر هذه الصيغة ملكة، وذلك لعلاقتها بالخيال وفعل المتخيل، ومن هنا نذهب إلى حركة الدال في النصّ الشعري؛ فالتوازي الذي أطلقه الشاعر بين الصيغة الدلالية واسم الجلالة المشار إليه، هو المفهوم المركزي الذي رسمه الشاعر في النصّ الشعري.

أيها الإله اللامبالي + لماذا + رسائل استغاثاتنا + مرصوفة على الرفوف + ومختومة بالشمع الأحمر؟؟

المفهوم الدلالي المعني = الرسالة... بينما المفهوم الإشاري:

الإله = الإشارة إلى (لفظ الجلالة)؛ ومن هنا تبينت الدلالة المركزية التي أشار إليها الشاعر وهو يوجه عتبا على نداءات الاستغاثة التي يطلقها الناس وذلك لتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلد (العراق)، وتشمل هذه الاستغاثة حالة عامة متواجدة في بلدان العالم.

لكن

لايهمّني إن عدّه بعضنا بدعة

أريد إلهً !

أحمله في حقيبتي

تارةً...

وتارة أضعه في جيب البنطال

وقبل أن أنام أرشّ

رحيق الأزهار على وجهه..

من قصيدة: سائق عربة البيرة سابقاً- ص 31 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

تغيير المعنى: في اللحظة الإدراكية نلاحظ أن الاسم الذي أطلقه الشاعر لم يكن كافيا، ومن هذا الاعتبار يميل إلى تغيير المعنى بواسطة اللغة الإدراكية (يعتبر تغيير المعنى أحد طرق التسمية الإدراكية. فنحن نعطي لشيء اسما كان فيما مضى اسما لشيء آخر ونشركه معه: مشترك تماثلي للأشياء في التشبيه، ومشترك تجاوري في المجاز المرسل والكناية – ص 100 – علم الدلالة – بيير جيرو – ترجمها عن الفرنسية الدكتور منذر عياشي).

لكن + لايهمّني إن عدّه بعضنا بدعة + أريد إلهً ! + أحمله في حقيبتي + تارةً... + وتارة أضعه في جيب البنطال + وقبل أن أنام أرشّ + رحيق الأزهار على وجهه..

البحث عن إله آخر، فقد أسند التشبيه الإدراكي الشاعر قاسم محمد مجيد إلى عنصر آخر يستطيع الاقتراب منه، وهنا نستطيع أن نقول أن هذا التشبيه من مجاورات النصّ الأول (الأصلي)، إذا أردنا أن نكون مع المقطعية الشعرية، ليكون امتدادا للمقطع الأول، وقد اعتمد الشاعر على أدوات فعلية ومنها الفعل (أريد) الذي يفيد الطلب، ويعتبر من الأفعال التموضعية حيث يعني لنا الرغبة، وقد تكون الرغبة ذات تنفيذ تغييري وقد لاتكون، المهم في الأمر أنه نقل التسمية الإدراكية إلى حيز الفعل وحالته الموضوعية.

إن الوظيفة التي بناها الشاعر، هي العلاقات والعلاقات المجاورة، فتبديل المعنى، اعتمده من خلال بدائل لها أكثر تأثيرا من الأولى، وهي تميز القول عن قول شعري آخر.

هل سجّلتَ مثلاً

عدد عواء صفارات الإنذار

كم استراحت البنادق ثم دوّت

هل تعرف

كم حاولت غيوم الصباح، صدّ الدمع فوق المقبرة

أو أحصيت رقما قياسياً جديداً

لتغريدة، رئيس حزبٍ في جمهرةٍ ميتة؟؟

من قصيدة: عدّ في لعبةٍ خاسرة - ص 43 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

إن جميع التحولات والتشبيهات والاستعارات عبارة عن تحويلات في المعنى، ومن هنا نحصل على إحالة المعنى إلى معنى جديد، ويحافظ الشاعر في الامتداد النصي لكي تكون حالة التأويل في الفهم العام للنص، ومن خلال الجزء نستطيع أن نذهب بالجزء الخاص للنصّ.

هل سجّلتَ مثلاً + عدد عواء صفارات الإنذار + كم استراحت البنادق ثم دوّت + هل تعرف + كم حاولت غيوم الصباح، صدّ الدمع فوق المقبرة + أو أحصيت رقما قياسياً جديداً + لتغريدة، رئيس حزبٍ في جمهرةٍ ميتة؟؟

أحال الشاعر قاسم محمد مجيد المعنى  بواسطة التشبيه، من الصفير إلى عواء، فكانت حالة التشبيه بالكلاب، وهي المسميات التشبيهية الجديدة والتي أعلنها كتسمية إدراكية، وهكذا عندما يوظف فعل الإشارة فإنه يجذب الدلالات الغائبة لكي يوطنها في النصّ الشعري؛ ومن خلال هذه العلاقات نستنتج أن العلاقات التي مرت بنا، هي علاقات مرجعية الذات وماتعلق بها من أحداث يومية؛ وكذلك عملية التسمية التركيبية للجمل الاستعارية كانت من التحولات القصدية التي اعتمدها الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد.

أأحصيتَ... رقم جلوسك

على كتف النهر تصطاد الملل

الليل برائحة الظلام..

والأيام التي نامت في ثلاجة الموتى

*** 

بئس الظنّ

أنّكَ لاتعرف قط

لمَ استبدلُ...... رأسكَ القديم

بمؤخرة نعامة.

من قصيدة: عدّ في لعبةٍ خاسرة - ص 43 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

ندخل إلى دلالة التمكين، ماهي دلالة التمكين التي رسم بعضها الشاعر ورسم من تشبيهاتها في النصّ الشعري المكتوب؛ نحن أمام التحدي بالكلمات، وأمام التعجيز أيضا، ومع النصوص التي تمرّ بنا نلاحظ أن نقد الحالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ذروة المفاهيم التي يرسمها الشاعر؛ إذن ليس من الغريب أن ينساق الشاعر قاسم محمد مجيد إلى دلالة التمكين في رسم الأفعال التحويلية من المباشرة إلى اللامباشرة، فإذا تصدر فعل الأمر في الجملة الشعرية، فهنا نحن أمام دلالة الوجوب، وهي ضمن دلالة التمكين.

أأحصيتَ... رقم جلوسك + على كتف النهر تصطاد الملل + الليل برائحة الظلام.. + والأيام التي نامت في ثلاجة الموتى

بئس الظنّ + أنّكَ لاتعرف قط + لمَ استبدلُ...... رأسكَ القديم + بمؤخرة نعامة.

نلاحظ أنّ الشاعر يثير عددا من الأسئلة دون أن يرسم علامات للاستفهام، إذن كانت الجمل الشعرية تنحو نحو الدلالات المستلزمة والمغايرة للدلالة المركزية، فقد قادنا الشاعر إلى حقيقة المستفهم نفسه وهو يعيش بشكل يومي بين الأحداث البيئية التي تجاوره. فقد اعتمد الشاعر على أدلة النفي والتقرير والاستبعاد. النفي: وهو الدلالة الأولى وتفيدنا عندما ينتمي الشاعر إلى المجهول حيث أنّ الطلب لم يكن على أرض الواقع.

دلالة التقرير:  والثانية هي دلالة التقرير؛ وتكون عندما يكون  الحدث مستقرّا في نفسية الباث، لذلك ذكر مفردة الموت، وهي بعض التصفيات التي حدثت وتحدث في أرض وادي الرافدين.

والثالثة دلالة الاستبعاد: وهو الخروج عن القصدية، لذلك يكون التأويل ذا مصدرية دلالية عندما تنزاح اللغة نحو الثقل الشعري، وهي جزء من المؤثرات التي ينحتها الشاعر عادة في نصّه الحديث.

 

كتابة: علاء حمد - العراق

.....................

* الصورة للكاتب: علاء حمد

 

 

لطيفة حمانوإن الخطاب السياسي شكل من أشكال الخطاب المتعددة، ويستخدم من قبل فرد أو جماعة من أجل الحصول على سلطة معينة عند حدوث أي صراع أو خلاف سياسي وهو ممارسة اجتماعية تسمح للأفكار والآراء أن تنتشر بين فئات المجتمع.

إن الخطاب السياسي ظل حاضرا في الأجناس الأدبية يعبر عن وجهة نظر الكاتب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ويظهر بجلاء في الرواية التي تعكس صراع الذات مع الموضوع، والصراع الطبقي والسياسي، والتفاوت الاجتماعي، وتناحر العادات والإيديولوجيات. في هذا الصدد يرى عبد الرحمن منيف أن الرواية هي المسلك الوحيد للتعبير عن تجربة المنفى وغياب المناخ الديموقراطي والتنديد بالاستبداد والتسلط العربي والسخرية من هزائم العرب المتوالية.

لقد عبرت كاتبات مغربيات عن قضايا سياسية واجتماعية في رواياتهن مثل الكاتبة خناثة بنونة، الزهرة الرميج، سعاد الناصر في روايتها كأنها ظلة والكاتبة حليمة الإسماعيلي في روايتها الأولى أغنية لذاكرة متعبة، وكذلك في روايتها الثانية رجال العتمة التي سنقف على القضايا السياسية التي تضمنتها.

تحكي رواية رجال العتمة قصة إيمان أستاذة الرسم المنحدرة من مدينة جرادة والتي تعيش مع والدتها وشقيقتها بمدينة مراكش بعد وفاة والدها الذي كان عاملا بمناجم الفحم الحجري، تلتقي في حفل موسيقي بالفنان التشكيلي الفلسطيني زياد الحاصل على دكتوراه في علم النفس فترتبط معه في علاقة حب جارف.

تقدم حليمة الإسماعيلي في هذه الرواية أربع رجال كانت حياتهم على موعد مع العتمة، ومع ذلك فإنهم يحاولون التغلب عليها كل بطريقته الخاصة باستثناء والد البطلة إيمان الذي قضى حياته في عتمة المنجم إلى حين وفاته.

أما نجيب ابن الجارة فاطمة صاحبة البيت فهو مكفوف يكمل دراسته في مصر ويتحدى عتمته بالتحصيل العلمي وكتابة الشعر، بدوره أحمد الصديق القديم للبطلة إيمان الذي كان معتقلا سياسيا عانى ظلام الزنزانة.

الرجل الذي عاش أيضا في العتمة هو الفلسطيني زياد الذي اعتقل ومر بعتمة السجون.

تنتهي الرواية بفشل العلاقة العاطفية التي تربط إيمان بزياد بعد أن قرر هذا الأخير البقاء في غزة ومواصلة زواجه الفاشل والاعتناء بأبناء شقيقه بعد أن استشهد الأخ في قصف إسرائيلي استهدف مدنيي غزة. إن فشل العلاقة العاطفية مع زياد سيسبب الألم والأسى للبطلة إيمان ووسط حزنها تفاجأ بأحمد صديقها القديم يخبرها أنه في مطار باريس قادما إلى مراكش.

من خلال قراءتنا لرواية رجال العتمة للكاتبة حليمة الإسماعيلي نجد مجموعة من القضايا السياسية حاضرة بقوة من بداية الرواية إلى نهايتها، هذا الحضور نابع من انشغال الروائية بالهموم السياسية والقومية والإنسانية.

قبل البدء في إبراز تجليات الخطاب السياسي في هذه الرواية لا بد من الإشارة إلى أن هذه القضايا يتقاطع فيها ما هو نقابي واجتماعي بما هو ديني وما هو سياسي وذلك راجع لتعقد الظاهرة الإنسانية. من القضايا التي تطرقت إليها الرواية:

قضية فلسطين: أهدت الكاتبة روايتها إلى فلسطين وتعتبرها وطنا نصب لقلبها كمائن الحب والوجع، فلا غرو أن نجدها قد أفردت للقضية الفلسطينية حيزا كبيرا لتفضح فيه الممارسات اللاإنسانية التي يرتكبها الكيان الصهيوني في حق الفلسطينيين. كما يتجلى اهتمام الكاتبة بالقضية الفلسطينية من خلال اختيار بطل روايتها زياد فنانا تشكيليا فلسطينيا مقيما بالمغرب وهي دلالة أيضا لدعم المغرب الدائم للقضية الفلسطينية.

تحدثت الرواية عن الحرب في غزة [1] :"الطائرات الإسرائيلية تستهدف مبنى جمعية فلسطينية للمعاقين شمال القطاع، مما أدى إلى مقتل فتاتين ".إن البطل كشخصية فلسطينية من غزة جعل الساردة تفصل في الحديث عما يتعرض له المدنيون ،فبعد أن سافر زياد إلى غزة لزيارة والدته التي كانت في غيبوبة بعد إجراء عملية فاشلة ،وتزامن سفره مع الحرب على غزة جعلتنا الرواية نتابع ما يحدث في غزة كما كانت  تتابع البطلة إيمان ما يحدث في فلسطين على القنوات الفضائية[2]:"صباح الوجع يا بلادا لا ينام فيها حتى الشهداء ،صباح الوجع يا بحرا لم يكتف بالمياه فتخضب بدماء أطفال خمسة ذنبهم أنهم كانوا يلعبون على الشاطئ ".

إضافة لما يرتكبه الإسرائيليون في حق الفلسطينيين تطرقت الروائية حليمة الإسماعيلي للصراع الداخلي بين فتح وحماس [3]:"هذا الاقتتال البغيض بين فتح وحماس يوقظ في روحي دم الوطن وعاره ".

بالحديث عن القضية الفلسطينية، ستشير الرواية لقضية اللاجئين الفلسطينيين فالبطل زياد عاش في مخيم للاجئين الفلسطينيين تذكر الروائية هذه القضية على لسان زياد [4]:"لأكتشف بعدها أنني لاجئ وأن كل هذا الفضاء الأزرق الذي يلفني من دفاتر واقلام وحتى وجبات الأكل خلال الفسحة كان هبة أوعلى الأصح صدقة من الأنروا ".

قضية الربيع العربي: في رسالة موجهة من إيمان لصديقها أحمد تقول [5]:"أولا أعترف لك أني فقدت شهية الجلوس للأنترنيت، كما فقدت أنت شهية متابعة الفضائيات منذ اندلاع هذا الموسم الأسود الذي أطلقوا عليه الربيع العربي ..." فالربيع العربي كان حدثا استثنائيا في البلدان العربية أطاح بعدد من الرؤساء العرب وأدخل المنطقة العربية في تناحر داخلي، نتج عنه تعميق تخلف هذه البلدان كما هو الحال في ليبيا وسوريا والعراق [6]" ومجازر تتناسل بسوريا والعراق.

قضية الاعتقال السياسي: لقد تطرقت الروائية حليمة الإسماعيلي لقضية الاعتقال السياسي بكل ما يكتنفها من ظلم وتعذيب وتلفيق للتهم بغية إخراس الأصوات التي تندد بالفساد والتهميش وتتطلع لحياة تستجيب لمتطلبات العيش الكريم ،فأحمد الصديق القديم للبطلة إيمان  ابن مدينة جرادة قد  مر بتجربة السجن وفي كل مرة  يتحدث عن تجربته الأليمة ،وما قاساه من ظلم وتعنيف [7] :"صرخت أنني خرجت في مظاهرة لإنصاف عمال المناجم قاموا بشتمي والتنكيل بجسدي ".سيقضي أحمد خمس سنوات في عتمة السجن بتهمة ثقيلة [8] :"بقيت لعدة  أشهر دون تحقيق وحين حققوا معي أفزعني كل ما لفق بملفي :التحريض على المساس بالأمن العام ".يتذكر أحمد أيضا يوم اعتقاله من بيت أسرته وما سببه ذلك من خوف وهلع داخل أسرته [9]:"غفوت قليلا لأستفيق على طرقات متتالية أفزعت من في البيت ،داهموا غرفتي كعادتهم لكنهم هذه المرة أخرجوني عنوة تحت نظرات أهلي ورعب أمي المسكينة التي حاولت الاستجداء بدموعها ".

اضطر أحمد بعد خروجه من السجن للهجرة إلى فرنسا، والزواج بقريبته للحصول على أوراق الإقامة، لينفصل عنها بعد أن أنجب طفله الوحيد حيث بقي هناك يعاني من الغربة ويحمل ذاكرة متعبة بالحزن والخيبة من تحقق الأمنيات.

قضية عمال منجم جرادة: تعتبر مدينة جرادة مسقط رأس الروائية حليمة الإسماعيلي، ومدينة جرادة مدينة صغيرة توجد شرق المغرب، بعيدا عن العاصمة، تعاني من التهميش خاصة بعد نضوب احتياطها من الفحم الحجري مما عمق معاناة ساكنتها من الفقر والإقصاء.

في رواية رجال العتمة تختلق الروائية شخصية والد إيمان عاملا في مناجم الفحم الحجري، حيث يقضي كل وقته في عتمة المنجم من أجل كسب لقمة العيش بكل ما يكتنف هذا العمل من تعب وقسوة وشروط لا إنسانية، وسيقضي نحبه داخل هذا المنجم مما سيسبب صدمة لعائلته خاصة البطلة إيمان التي ستدخل في حالة اكتئاب، اضطرت فيها للعلاج عند طبيب نفساني. كما أن والد صديقها القديم المقيم في فرنسا كان أيضا من ضحايا المنجم اللعين فقد طرد من العمل بعد أن أصيب بمرض ناتج عن استنشاقه للغازات داخل المنجم.

في رسائل أحمد مع إيمان دائما نجده يتحدث دائما عن والده[10]:"على ضفاف نهر السين، انتحبت طويلا بكيت والدي الذي تمزقت رئته بمرض السيليكوز من أجل أن يشبع بطوننا، لعين ذاك المنجم الذي قتل نصف رواده ". كما يتحسر أحمد دائما في رسائله على مدينة جرادة وما الت إليه أوضاع أبنائها[11]:"يقول لي أخي محمد أن الكثير من الشباب نزلوا للعمل بالحواسي وأغلبهم مجازون في مختلف التخصصات، اضطروا بعد حصولهم على الشهادات الجامعية واصطدامهم بواقع البطالة المتفشي إلى اللجوء إلى باطن الأرض لاستخراج الفحم الحجري.[12]

تظل مدينة جرادة ومعاناة سكانها حاضرة في الرواية، سواء في الرسائل المتبادلة بين إيمان وأحمد، أو من خلا ل السرد الاسترجاعي الذي تقوم به الساردة، أو من خلال الحوار الذي دار بين إيمان وعمتها التي جاءت لزيارتهم من مدينة جرادة حيث تقول العمة واصفة المدينة [13]:"السكون هو العنوان الأبرز في المكان، الزمن يبدو كأنه متوقف منذ عشرات السنين ".

كما تتحدث العمة عن المقاهي المكتظة بالعاطلين وعن المحطة الحرارية التي تلوث هواء المدينة[14] :"في الأفق البعيد تنفث المحطة الحرارية سمومها في الهواء دونما اكتراث بمصير العباد، ناهيك عن انتشار ابار الفحم في كل مكان والتي انطفأت فيها أرواح كثيرة ".

قضية الإرهاب: في معرض حديث البطلة إيمان مع صديقتها سعاد تذكر هذه الأخيرة أنها كانت ستتزوج شابا فرنسيا أحبته لكن الزواج لم يتم وعندما سألتها إيمان عن السبب أجابتها بأنه قتل في حادث إرهابي [15]:"قضى في حادث مأساوي في انفجار إرهابي ". لقد أثارت الروائية   قضية الإرهاب التي تؤرق المجتمع الدولي عامة والمغربي خاصة بعد تفجيرات 16ماي سنة ألفان وثلاثة ويرتبط الإرهاب بالتطرف الديني، وبالفقر فمنفذي تفجيرات الدار البيضاء ينتمون لكريان سيدي مومن الحي الصفيحي الأكثر فقرا بالمدينة، فكثير من التنظيمات الإرهابية تستقطب الفئات التي تنتمي لأوساط فقيرة لتجنيدها قصد تنفيذ عمليات إرهابية تودي بحياة الأبرياء. لعل حديث الساردة عن الإرهاب داخل الرواية بعد حديثها عن الفقر والتهميش الذي تعاني منه مدينة جرادة تريد أن تحذر من العواقب الوخيمة التي قد تنتج عن استمرار هذا الوضع.

بعد الوقوف على القضايا السياسية التي تطرقت لها الروائية في روايتها المتميزة رجال العتمة يمكن القول إن الكاتبة حليمة الإسماعيلي قد استمدت أحداث الرواية من الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تنتمي إليه، وقد عبرت عن هذا الواقع أحسن تعبير ،فتحدثت عما يعانيه أبناء مدينتها جرادة من فقر وتهميش ،وما يعانيه  المعتقلون السياسيون من قهر وظلم ،كما أشارت  إلى قضية الإرهاب .بينما تسرد على طول صفحات الرواية حكاية الفلسطيني زياد كاهتمام من الكاتبة بالقضية الفلسطينية التي تعتبر قضية كل العرب وهي بهذا  تدفع القارئ دفعا للاطلاع على ما يحدث من أحداث  على الساحة السياسية والاجتماعية .

بقلم: لطيفة حمانو

........................

[1] حليمة الإسماعيلي رجال العتمة مطبعة مراكش 2017 ص 194

[2] حليمة الإسماعيلي رجال العتمة مطبعة مراكش 2017  ص 154

[3] نفس المرجع ص 154

[4] نفس المرجع ص160

[5] المرجع نفسه ص 79

[6] المرجع نفسه ص 202

[7] نفس المرجع ص 32

[8] حليمة الإسماعيلي رجال العتمة مطبعة مراكش 2017 ص 130

[9] نفس المرجع ص 79

[10] نفس المرجع ص 181

[11] حليمة الإسماعيلي رجال العتمة مطبعة مراكش 2017ص 182

[12]  نفس المرجع ص 31

[13] نفس المرجع ص 31

[14] نفس المرجع ص 31

[15] نفس المرجع ص 130

 

عقيل هاشمخطاب اللاوعي المتأزم - نكاية بلذّة السّرد

"نهج الرواية الحداثية على مستوى تعدد الأصوات فكل شخصية تعبر عن قناعتها ورؤيتها الخاصة ووجهات نظرها، وقد برز هذا من خلال المنظورات السردية والرؤى السردية المختلفة .."

قد يكون التورط في فعل الكتابة السردية أمرا مستساغا حين نتغلب على الظواهر النفسية والحياتية، ونفضي بالذات إلى محكيات ذات بعد شخصي؛ يدرج في السيرة أو التخيل أو التمثل أو غيرها..

العنوان وظيفة تأثيرية على المتلقي، الإدهاش والإغراء وطرح السؤال المقلق حين تكون دلالته ظنية، أو تكون عباراته تحمل خرقا دلاليا.ونحن أمام عنوان “تختبئ في عينيها الملائكة ” يتبين لنا أنه عنوان صعب القبض على دلالته الصريحة دون العودة إليه بعد قراءة النص خاصة أن علاقة العنوان بالنص علاقة تفاعلية وجدلية.

يكشف عنوان الرّواية على جدل البحث عن الذّات، عنوان يعرّف ذاتا “متشظية”، ويصبح دالا على الذّات ومفسّرا لعدد من جوانبها الغامضة، التشظي في الرّواية ليس علامة ثابثة بقدر ما هو حالة انبثاقية تشمل تفاعل الشّخصية الرّئيسة مع معطيات الحدث المنبثقة أصلا من التحوّل واللاثبات،

"مازن" الشخصية هي من تعبر عن ذاتها وميولاتها وثقافتها ، وسلطة الراوي تتراجع أمام تعبير السارد عن ذاته واختياراته .ومن الملاحظ أن هذه الشخصيات منذ البداية تعيش ما يُشبه الفقد، (حين رأتني أمها على الباب قالت فوراً وبصوت حنين جداً: “صديقتك ماتت”. “إذن لم يكن ورمها كرتزون، بل كان كانسر!” قلت لنفسي) ص26

البطل من خلال السرد يكشف عالمه اللاواعي. إنه الفضاء الذي يكمن فيه "ظلال الحقيقة"وتتشكل فيه صوره وآلياته ومساره وعناصره وعلاقة هذه بعضها ببعض، كما الصفات التي تتسم بها وفي طليعتها الخارق والعبث واللامنطق واللامعقول وسيادة الرمز وانكسار الأزمنة والأمكنة أو دمج متناقضاتها بطريقة سريالية عصيّة على العقل الواعي ومرفوضة من أحكام المنطق. كلها معطيات نعثر عليها في المتن الحكائي..

وقد أجاد المؤلف في رسم الشخصيات إما عن طريق الوصف أو الحوار او المناجاة والتأمل او عن طريق مواقفها من احداث الرواية، فتجسدت أمامنا شخصيات حقيقية من لحم ودم.

اقتباس

(اسمي مازن أيها القاضي، ولدت في المندى بين كتب أبي أحجاره الكريمة، وجنيّاته، يمكنني أن أقول لك ولدتُ بالجامع، علماً انني فعلاً كنت كلما تصاعد نبيذ السخط في رأسي أقولها، وهو على العموم يعني الشيء نفسه. لكن لا، لا أيها القاضي، لا يعني الشيء نفسه، لأني منذ أن قلتها لسوسن ارتبك الوضع، لم يربك سوسن فقط، إنما أربك الممثل والشاعر، أربك الأصدقاء، أربك الناس جميعاً) ...ص7.

تظهر الرواية على أنها ذات طابع مأساوي، لدرجة أنها تبدو سوداوية في بعض فصولها أو تتجه نحو ما يشبه العبثية واللاجدوى، ومن بين القرائن التي تدعم هذا، وجع مدمر لا يؤدي إلا إلى رغبة كاسحة في تدمير الذات، وإتلاف كل معايير الحياة الشخصية وقيمها الخاصة، وجع يجرك إلى عبثية قاتلة وألم عميق.

تتوطد الشّعرية في الرّواية من خلال ما يتلقاه القارئ من إشارات سردية دالة على تحوّلية في مسار الحدث وتطوّره، لحظة القراءة هي لحظة لبروز مستويات النص التركيبية والدّلالية، التي تكشف عن تمازج أحداث سمتها التغيير والتي تهيمن على مفاصل النص بل تندرج ضمن تفجير بؤرة التفاعل بين معطيات الحدث، وبذلك تتأسّس كمحمول جمالي يمنح حركة ما لتيمة النص الإطاري.

أسلوب السرد هو الحكيْ والقصْ البسيط غير المـُتكلّف، فالقارئ يشعر ان الكاتب يحكي له ويقص عليه حكايات ببساطة وعفوية أما الوصف فيُكثر منه المؤلف سواءً كان وصفاً للشخصيات او الأماكن، الأمر الذي مكنّ الكاتب من رسم أماكن وشخصيات الرواية بكل وضوح، وفي أحيان كثيرة بأدق التفاصيل معتمداً تقنية التصوير السينمائي. أما الحوار فيتم بين شخصيتين تتقاطع مع مفردات اللهجة العامية ، ويهدف الحوار الى مساندة السرد في بناء الرواية ورسم الشخصيات وتوضيح أفكارها وقناعاتها وهمومها وتوتراتها، خاصة عندما تظهر لنا الشخصية وهي تناجي نفسها.

اقتباس

(عجزت عن صياغة حكاية متماسكة عما جرى لي أو لسوسن، كل ما أعرفه أنني وضعت السّم في قنينة البيرة، وهي على العموم جرعة قليلة جداً، وضعتها من أجل فرحنا القادم، أنا وسوسن) ....ص 99.

موضوع الرواية غزيرة بالأحداث ومقتضبة الشرح والتعليق، تقف عند التكثيف والتهكم دون أن يتدخل الكاتب في إعطاء وجهة نظر واضحة،متشعب بين عدة شخصيات فيها يختزله وقائع وأحداث تعيشها الشخصيات ويسيرها بطل الرواية ذو النفسية الخاصة، الذي يرى بنظرته الثاقبة التي أوصلته إلى حالة الذهان مما جعل الكاتب أن يترك نهايتها مفتوحة،

السارد –في أغلب الأحيان- يكتفي بلعب دور الملاحظ بتسجيل ما يقع حتى يُقلق القارئ أو يكاد ! وفي إقلاق القارئ، ثمة مساحة لطرح الافتراضات وإنتاج تصورات خاصة قد تصح في النهاية على حسب نباهة القارئ، أو قد تنكسر وتضمحل حين يبلغ القارئ حد اكتمال النص الروائي وتمامه وينتهي بذلك دور السارد كي يبدأ دور القارئ، أي في زمن ما بعد النص الروائي والذي غالبا هو ما يتركه النص في عمق المتلقي من أثر.. “بمعنى أن الرواية محكومة في شكلها الملفوظ وحجمها الملحوظ بعدد معين من الصفحات لكن لها امتدادات زمنية في نفسية القارئ؛ لما تشكل لديه من رؤية ارتدادية في أعماق الذات لتجسيد انفعالاتها

توسل الكاتب بتقنية السخرية جاعلا منها أداة حاضرة ملازمة لأغلب المقاطع السردية، لأن الكتابة مساحة يؤسس عليها الكاتب نقده الاجتماعي والأخلاقي.. فهي “نوع من التأليف الأدبي لواقع يقوم على متناقضات… ومفارقات وتضادات.. كما أنها خطاب ثقافي يقوم على أساس انتقاد الرذائل والحماقات والنقائض الإنسانية.

اقتباس

(“أي تآمر هذا؟” بكت الشاعرة. “ماذا عن قطرتي السّم. قلت”. “أي سم؟ أي عذاب هذا، سوسن لم تمت يا مازن، سوسن بتونس مع طفلها، ألا تراه يسافر ويعود منذ التغيير لغاية الآن؟”) ...ص 112.

يعتمد المؤلف على النهاية المفتوحة في نهاية الرواية لمعظم الشخصيات، فلا يخبرنا عن مصائرها بل يُبقيها لحدس القارئ وتوقعاته بل ورغباته، ربما ليفسح له مجالاً للمشاركة في التأليف. ، ربما أراد من ذلك ابراز قوة الحدث وما يتركه من أثر في وجدان القارئ، وكذلك لتوظيف الإيحاء من خلال الحدث ورمزيته التي تقود القارئ الى ما وراء الحدث نفسه وما يحمله من معنى واستنتاج.

"الكاتب/مازن" ضاق بعالم الواقع فأطلق العنان لجياد أحلامه تسرح في اللاوعي وجحيم يتوغل في العالم الخارق الأخرق الذي لا مثيل لصدقه وأمانته وقدرته على الاصطدام بالواقع واستشفاف المستقبل.

الحكايات المؤلمة نكتبها رغم المها لكن لا نأمل بعودتها. أوَليس الحكاية "الرواية" علماً واستشراف رؤية تنتظر كاتبا مثقفا يحولها إلى مشاهد يصعب عليك أن قراءتها نسيانها؟

وختاما... اقول انها رواية تستحق القراءة بجدارة جريئة مفعمة بالمواقف والعواطف الإنسانية النبيلة منها والمتوحشة حول معاناة المرأة في المجتمع الذكوري خاصة بعد استفحال التطرف الديني في السنوات الأخيرة ما بعد 2003 والذي سلبها ما تبقى لها من بعض الحرية وقد رمز لها الكاتب ب "العوق" . الرواية ترصد التغيرات الفكرية والسلوكية التي حدثت في المجتمع العراقي وتداعيات ذلك على الفرد .لغة الرواية وأسلوبها من السهل الممتنع، وهذا ما ييسّر نقل الرسالة التي تحملها للقارئ المتلقّي. إضافة إلى التلقائية والعفوية في السرد والحوار.. ولا يجيد ذلك إلا من عايش الحدث.. وحتّى ليس كلّ من عايشه قادراً على أن يحكيه.

والظاهر أن الكاتب يولي عناية كافية لغته الباذخة والرشيقة التي ترتقي بنفسها لتواكب الحداثة وبهذا فالكاتب يبتكر أسلوبا لغويا وسطا يخدم لعبة الكتابة وينشر البهاء ويحفر في الدلالات يخلق متعة الإبهار والإمتاع والتشويق في نفس القارئ الذي بدوره يبحث عن هذه العناصر بين ثنايا اللغة كما يبحث عن فكرة جديدة وعميقة بين ثنايا الحكي والسرد.

 

قراءة عقيل هاشم

 

حسيب شحادةلا ريبَ في أنّ الكثيرين من القرّاء قد طالعوا بعض ما دبّجه قلم الكاتب المصريّ القصصيّ الشهير، محمود أحمد تيمور باشا ١٨٩٤-١٩٧٣. تمحورت كتابات محمود تيمور حول الفن القصصيّ، قصص قصيرة، قصص مطوّلة، قصص تمثيليّة، ومنها على سبيل المثال: كلّ عام وأنتم بخير، إحسان لله، انتصار الحياة، أبو الشوارب، تمر حنا عجب؛ كيلوباترا في خان الخليلي، سلوى في مهب الريح، شمروخ، معبود من طين؛ صقر قريش، المنقذة وحفلة شاي، المخبأ رقم ١٣، فداء، اليوم خمر، حواء الخالدة، طارق الأندلس. كما ألّف تيمور في مجالي: صور وخواطر من ناحية وفي الرحلات من الناحية الأُخرى مثل: ملامح وغضون، النبيّ الإنسان، عطر ودخان؛ أبو الهول يطير، شمس وليل، جزيرة الجيب. وأخيرًا ثمة شطر من  الدراسات في اللغة والأدب بقلم تيمور أيضًا، وقلّما يتفطّنها المثقّف العربيّ العاديّ، ومن تلك الدراسات نذكر: مشكلات اللغة العربية، معجم الحضارة وهو قاموس، دراسات في القصّة والمسرح، طلائع المسرح العربيّ.

في ما يلي أتطرّق لما في الكتاب التالي من أفكار وآراء لغوية: محمود تيمور، مشكلات اللغة العربية. القاهرة: مكتبة الآداب ومطبعتها بالجماميز، المطبعة النموذجية، ١٩٥٦، ٢٠٦ ص.  الكتاب مُتاح بالمجّان على الشابكة. يتكوّن هذا الكتاب من سبعة فصول وهي: قضية اللغة العربية؛ لغة المجتمع؛ ضبط الكتابة العربية؛ سلطان اللغة العربية؛ كلمات الحياة العامة؛ مواليد جديدة … في لغة الحياة العامة؛ العامية … الفصحى.  أُسارع في الأمر وأقول بإيجاز: الكاتب محمود تيمور جريء جدًّا في غالبية أفكاره اللغوية حتّى بالنسبة لأيّامنا هذه، بعد ستّة عقود ونيّف من تدوينها، وليس من الصواب طرح الكتب القديمة جانبًا لقِدمها والتهافت على الإصدارات الحديثة لحداثتها فقط . ففي المؤلّفات القديمة قد تكون ومضات وآراء على جانب كبير من الأهمية أيضًا. إنّ العمق والموضوعية والشمولية في التفكير، التحليل والتفكيك ليست حكرًا على عصرنا الراهن فحسب؛ العملية التراكمية التاريخية جدّ ضرورية ونافعة.  كان محمود تيمور عضوًا في مجمع اللغة العربية المعروف بمجمع الخالدين في القاهرة منذ العام ١٩٤٩؛ دافع عن العربية والعروبة؛ حاول إنجاد العربية الفصيحة من الجمود؛ دافع عن العربية المحكية في مصر. كلّ هذا، والحقّ ينبغي أن يُقال، إنّ تيمور لم يدرس موضوع اللسانيات أو علم اللغات (linguistics) في أيّة مؤسّسة علمية. التعليم المنتظم وحيازة الشهادات الجامعية لا تكسب الشخص بالضرورة، لا ثقافة عامّة ولا أخلاقًا حميدة.

* العربية غير اللاتينية:

في الفصل الأوّل يذكر تيمور ظاهرة تحوّل الجرمانية القديمة إلى لهجات فلغات كالألمانية والإنچليزية والهولندية وكذلك بخصوص اللغة الأوروبية الكلاسيكية - اللاتينية التي نبثقت منها لغات كالفرنسية والإيطالية والإسبانية، ويعقّب على ذلك بقوله إنّ حال العربية الفصيحة مخالف للجرمانية القديمة وللاتينية، وذلك لأنّها لغة دين سماوي وهو سبب جمود العربية (ص. ٦). كنت في مناسبة أُخرى (إطلالة على ظاهرة انقراض اللغات ومستقبل العربية) قد تطرّقت لهذه النقطة وصفوة القول: مجرّد وجود كتاب سماوي لا يحفظ بالضرورة لغة ما من الاندثار. ولا يخفى على الكثيرين أنّ منظّمة اليونيسكو قد أكّدت أن العربية المكتوبة ستكون ضمن اللغات المرشَّحة للانقراض في غضون القرن الحالي. تاريخيًا أمامَنا مثَل جليّ لموت أو سبات لغة طوال سبعةَ عشرَ قرنًا من الزمان تقريبًا، بالرغم من وجود كتاب ديني سماوي مقدّس لدى أصحاب تلك اللغة. هذه اللغة فريدة في نوعها في تاريخ اللغات، إذ أنّها أُعيدت للحياة قبل قُرابة  قرن ونصف من الزمان، منذ بداية ثمانينات القرن التاسع عشر في فلسطين، نتيجة تضافر عدّة ظروف ومجهودات مؤاتية ضرورية، وغدت لغة محكيّة حيّة تدرّس فيها كلُّ المواضيع حتّى الطبّ في الجامعات الإسرائيلية، إنّها العبرية الحديثة التي انبثقت عن عبرية العهد القديم (Biblical Hebrew) التي يرجع تاريخها الأقدم إلى أكثرَ من ثلاثة آلاف عام، ومن لغة التوراة الشفوية، المشناة والتلمود ومن عبريةالقرون الوسطى. ويذهب محمود تيمور إلى أنّ لا خير في إحياء العامّية وجعلها لغة كتابة، بدون تعليل ذلك، ولكنّه ينادي بدراسة قواعد العامّية وأصولها على أمل إمداد قواعد الفصحى وتوسيع أقيستها. ففي العامّية اليسر والقدرة على التعبير عن حاجات المجتمع الحالي وتمتاز بالمرونة والطواعية لتغدو في نهاية المطاف لغة المخاطبة والحديث، كما هي لغة الكتابة والتدوين (ص. ١٧٨-١٧٩). سيلاحظ القارىء أنّ ثمّة بعض التناقض في أقوال تيمور حول العامية، ألها قواعد ونظام أم لا.

* إيجاد المصطلحات المناسبة:

يسخر محمود تيمور من المجمع الذي دأب على تعريب المصطلحات الأوروبية نحو التمبيل بدلًا من الأوتومبيل، الخيالة بدلا من السينما، القطار بدلا من البابور، المنامة بدلا من البيجاما، المغنى بدلا من الفيلا، الشطيرة بدلا من الساندوتش. ويأتي بقوائم مبوّبة لكلمات عامّية أو أجنبية ومقابلها البديل الفصيح، ويرى المتابع المختصّ بأنّ عددًا كبيرًا من البدائل الفصيحة لم تدخل حيّز الاستعمال. المشجب بدلا من الشماعة والمعطف بدلا من البالطو، والإرزيز للتليفون، ومتكأ بدلا من كنبة ومهفة بدلا من ريشة، الزَمْزمية أو الزجاجة العازلة أو الكظيمة بدلا من الترموس؛ المِهَزّ بدل سرير الطفل، المنضدة  أو النضَد مكان الترابيزة، رِزمة أو لفيفة بدل باكتة، الزَّهرية بدل الفازة للزهر، موقِد بدل وابور، المِنْزعة بدل الفتّاحة، القدَح أو الفنجانة مكان الفنجان، الشافهة بدلا من الشفّاطة، السِّروال بدل الكلسون، اللِّفاع بدل الكوفية، المنهدة بدلا من السوتيان أو حامل النهود، الغلام أو النادل بدلا من الجارسون، المقْرونة أو الإطريَّة بدلا من المكرونة، المسحوق أو الذَّرُور بدل البودره، السَّنُون مكان معجون الأسنان، المَطْهَرة بدلا من دورة المياه، الحظيرة أو حظيرة السيارات بدلا من الجراج، المَسْلاة بدلا من الكوميديا، التخَفّي أو التشكل بدلا من الماكياج، الزلّاجة بدلا من سكي، كُرة المضْرب أي التنس، رُقعة الحساب بدلا من الفاتورة، دائرة معارف أو مَعْلمة بدلا من الأنسكلوبيديا، مُضَخّم الصوت بدلا من الميكروفون، السلطان بدلا من الامبراطورية، الهَيْضة بدلا من الكوليرا، المدّاد بدلا من قلم الحبر  إلخ.، أنظر ص. ٩٨-١٣٢، ١٤٧-١٥٦، معجم الحضارة.

* العربية الفصيحة:

أوّلًا تجدُر الإشارة إلى أنّ محمود تيمور قد تطرّق إلى بعض المبادىء والأفكار اللغوية العامّة التي لا تتعارض بجوهرها مع ما توصّل إليه لغويّون معاصرون كثيرون. هذه أهمّ الأفكار والمبادىء في نظري (أضفت نقطتي الياء المتطرّفة الساقطتين عند تيمور كغيره في مصر):

ما زالت لغة القرون الماضية مسيطرة على العصر الحديث (ص. ٥)؛  وإنما اللغة من خلق أنفسنا، (ص. ٢٨)؛ … لا خلاف على أن قراءة الكلام غير المضبوط قراءةً صحيحة أمرٌ يتعذر على المثقَّفين عامة. بل إن المختصّين في اللغة، الواقفين حياتهم على دراستها، لا يستطيعون ذلك إلا باطِّرادِ اليقظة، ومتابعة الملاحظة، وإن أحدًا منهم إذا حَرَص على ألا يخطىء، لا يتسنّى له ذلك إلا بمزيد من التأني، وإرهاف الذاكرة، وإجهاد الأعصاب؛ (ص. ٤١)؛  أكبر ما يعوق اللغة فيما يقولون أنها لغة كتابة لا لغة كلام، (ص. ٩)؛ وفي معتقدي أنه لا سبيل لنا إلى التخلي عن النحو، وأكاد أجزم بأن النحو سيظل أساس لغة الكتابة (ص. ١٦)؛

والصواب في اللغة مناطه الشيوع، خطأ مشهور خير من صواب مهجور (ص. ٢٥، ٢٧)؛ اللغة المشكولة مكتملة، واللغة المختزلة غير المشكولة ناقصة. نفهم أولًا لكي نقرأ قراءة صحيحة، على عكس المقصود بالكتابة، (ص. ١٨)؛

 السماع حجة للغة قائمة لمنع الجمود والقياس يجب أن يكون مفتوحًا على مصراعيه لاستقبال أقيسة حديثة (ص.٢٨-٢٩)؛ فساد اللغة وضعفها هو تحجرها، (ص. ٣٠)؛ اللغات الأدبية عامة هي لغات كلام وكتابة معا، (ص. ٤٢)؛ الكتابة العربية غير المضبوطة هي ناقصة، (ص. ٤٣)؛ اللغة العربية اليوم في محنة واختبار، (ص. ٧٨)؛ الفصحى صعبة المرتقى، عصيّة المنال. وأنها ليست طيعة كل الطواعية، ولا مرنة كل المرونة، لملائمة حاجات الحياة في تطورها الدؤوب. (ص. ٨٠)؛ اللسان غير مطبوع على الفصحى، (ص. ٩٢)؛ الفصحى هي القالب المختار لمختلف اللهجات (ص. ١٥٨)؛ قال ابن جني: إن الناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطىء وإن كان غير ما جاء به خيرا منه، (ص. ١٧٦)؛ وقال أبو حيّان: كل ما كان لغة لقبيلةٍ قيسَ عليه، ص. (١٧٦). 

إزاء هذه الجملة من الآراء الهامّة من منظور أيّامنا هذه أيضًا، أقول بكل تواضع إنّ جوهر المشكلة/العائق الأساس في سبيل التمكّن من اللغة العربية المعيارية MSA ناجم عن الحقيقة الخفيّة حتّى اليوم، أو قل غير المعترف بها ألا وهي: العربية الفصحى ليست لغة أمّ أيّ عربي على هذه البسيطة، لغة أمّ كل عربيّ هي لهجة عربية معيّنة. ومن الجدير جدًّا ذكره، أنّ أفضل السنوات وأنجعَها لاكتساب قواعد اللغة بالفطرة، أيّة لغة، هي سنوات الطفل الأولى، قرابة الستّ - السبع، وهي مستغلّة في اكتساب اللهجة المحلية فحسب. إنّ حيويّة أيّة لغة بشرية مستمدّة من كونها لغة حديث عادي في كلّ مجالات الحياة، وهذا غير حاصل بالنسبة للغة العربية المعيارية. إنّها لغة كتابة وقراءة في المقام الأوّل لمن يمارسهما وعدد ممارسيهما ضئيل جدًا نسبيا، وحيّز التحدّث بها جدّ محدود، إنّها مسموعة في حالات ومناسبات معروفة مثل قراءة نشرة الأخبار وبعض البرامج التراثية في التلفزيون والراديو. من البدهي أنّ الناطق بلغة ما كلغة أُم لا يحتاج لتعلّم قواعدها، فهو يعرفها بالسليقة وكثيرًا ما يتعذّر عليه شرح تلك القواعد إذ أنه ليس بحاجة لها. لا نحيد عن جادّة الصواب كثيرًا إذا قلنا إنّ القراءة الصحيحة المضبوطة ما زالت مهمّة صعبة بالنسبة لمعظم المثقّفين العرب اليوم أيضًا، ومن المحتمل القريب جدًا أن يكون الوضع اليوم أسوأ ممّا كان عليه أيام محمود تيمور. أرى، كما نوّه الأديب تيمور، بأنّ إضافةَ بعض الحركات على الكتابة العربية المعاصرة في مواضعَ معيّنة لمنع اللبس وتسهيلًا على القارىء لا بدّ منها، والأمر تقنيًا يسير راهنا. كُتب الكثير عن الحاجة لتيسير قواعد اللغة العربية والتركيز على الجوانب الأساسية العملية في النحو والصرف أي انتهاج القواعد الوظيفية، وتجنّب الكثير من المواضيع التفصيلية والخلافية وفق مدارس النحو، البصرة، الكوفة، بغداد، الأندلس.  ومع هذا، لم يطرأ بعد على العربية ما طرأ على لغات كثيرة من تبسيط وتسهيل وتعديل لسبب معروف للجميع. وأخيرًا وليس آخرًا، ثمّة ضرورة لتوضيح القول المأثور التالي وتعريفه تعريفًا جامعًا مانعا: خطأ مشهور خير من صواب مهجور.

* العربية العامّيّة:

تحت هذا العُنوان وردت آراء صائبة كثيرة في الكتاب وفي بعض الأحيان أطلق المؤلّف نعوتًا عن العامية لا تستند إلى الأبحاث العلمية والمنطق السليم.

من المعروف أنّ للعامية أنصارًا وخصومًا، يكتب الأنصار بالفصحى ويتكلّم الخصوم بالعامية؛ الفصحى هي القالب المختار لمختلف اللهجات (ص. ١٥٨)؛ العامية أقدم من الفصحى (ص. ١٥٨، ١٦٨)؛ العامية عريقة في نسب العروبة، وهي من صنع مجتمع عربي اللسان صميم، ولكنّنا نأبى منها أنها تناتيش لغات تهشّمت، وأحافير لهجات تهدّمت، (ص. ١٧٧). أصاب تيمور هنا كبد الحقيقة بقوله غير الشائع في الأوساط العربية: العامية أقدم

من الفصحى. نعم من المعروف أن المنطوق أقدم من المدوّن المكتوب. يبدو أنّ عمر أقدم لغة مدوّنة هو ستّة آلاف عام في حين أنّ عمر الإنسان يزيد عن المليون سنة.

من الأقوال التي حادت عن جادّة الصواب من حيث علم اللغة الحديث ما يلي: العامّية لا ضابط لها ولا نظام، فإنّها لهمجية غير مهذبة، وليس لها من أصول مستقرة قط، ولا طاقة لها بالتعبير الراقي عن جلائل الأشياء في ميادين الاجتماع (ص. ٩، ٢٩)؛ يذكر تيمور أن بعض علماء اللغة ونقّادها يرون العامية فسادًا للغة الأصيلة وانحلالا، وآخرون يرونها تطورًا واستحالة … وبهذين التقديرين يتميز خصماء العامية وأنصارها (ص. ٨٢)؛ العامية قرينة الأمية - العامية مفتقرة إلى تقعيد وتأصيل (ص. ١٥٨).

 إنّ صدور مثل هذه الأحكام والنعوت عن محمود تيمور لا تتماشى مع ما ورد في مواضعَ مركزية أخرى في الكتاب. أولا في علم اللغة الحديث لا وجود للغة همجية أو مهذّبة أو راقية إلخ. إذ أنّه في مُكنة كلّ لغة بشرية طبيعية القدرة على التعبير عن الأشياء والأفكار والعواطف بطريقتها الخاصّة. ثم كيف يستقيم القول بأنّ العامية لا ضابط ولا نظام لها ويستعملها بلهجاتها الكثيرة والمتباينة بيسر وطبيعية كلغة أمّ  أكثر من أربعمائة مليون عربي. بدون نظام و قواعد لغوية معروفة ثابتة لا يمكن أن يتمّ أيّ تواصل طبيعي بين الناطقين باللهجة ذاتها. ويرى محمود تيمور بأنّ البون بين العربية الفصيحة والعامية ليس ببعيد (ص. ١٦٨) وأنّ الانتقال من العامية للفصحى سهل (ص. ١٧٩). صحيح أنّ العامية غير قادرة في الوقت الحاضر على التعبير الدقيق والشامل عن مجالات العلم والمعرفة في العصر الحديث، لأنّها لا تتعاطى بهذه الموادّ ولم تدخله بعد. الأمّ اللاتينية التي كانت لغة العلوم والكنيسة والنخبة باتت لغة في بطون الكتب، في حين أنّ بناتها كالفرنسية والإيطالية والإسبانية، التي بدأت لهجات محلية مختلفة ما برحت بمرّ الزمن إلى أن غدت لغات علم ومعرفة في أيّامنا هذه.

بالطبع أرى لزامًا على الباحث عامّة، تجنّب إطلاق مثل هذه التعميمات في ظلّ غياب توفرّ إحصائيات تقوم على مسح علمي مدروس. أعتقد جازمًا بأنّ الفجوة أو البون أو الهوّة بين العربية المعيارية واللهجات ككلّ ما زال عميقًا وواسعًا اليوم من حيث القواعد- علم اللفظ/الأصوات والصرف والنحو-  والمعجم. أقول هذا بالرغم من بعض الانحسار في ذلك البون نتيجة للهبوط في نسبة الأميّة في العالم العربي وزيادة إشاعة التعليم ورفع المستوى. لا أتردّد ولو للحظة واحدة بأنّ القول: الانتقال من العامّية إلى الفصيحة سهل، ليس صائبًا حتّى بالنسبة لمعظم المثقّفين إن لم يكونوا جميعهم تقريبا. شتّان بين لغة الأمّ واللغة القومية، بين اللغة الأولى الطبيعية العفوية واللغة الثانية المكتسبة المبنية على القواعد، بين لغة الحياة وبين لغة الكتابة. يقول محمود تيمور: من الخير أن نؤكد لأنفسنا هذه القربى بين العامية والفصحى، ففي هذا التأكيد ما يهبنا الطمأنينة والثقة حين نمسك بالقلم لنعالج الكتابة بلغة غير لغة الحديث، فلا نتوهم أننا ننتقل من لغة إلى لغة، وبينهما بون بعيد، بل نعرف أن قُصارى عملنا في الانتقال من لهجة الحديث إلى لغة الكتابة، إنما هو مجرد صقل للكلمة وتقويم للنطق، وتعديل للجملة، ورعْي لمقتضيات الفصحى في مقام التعبير، فنقارب بين أسلوب الكتابة وأسلوب التخاطب  ما أمكن التقارب، لنيسر للقارىء أيًا كان شأنه سبيل التبيُّن والفهم، ونيسر للكاتب أيةً كانت قدرته سبيل الإبانةِ والإفهام (ص. ١٧٩). ما يقوله تيمور هنا قد ينطبق كلّه أو بمجمله عليه وعلى أمثاله وهم قلّة وفق كلّ المقاييس ثم أنّ المقصود بالنسبة لنصوص سهلة وقصيرة. أضف إلى ذلك أن هناك تسطيحًا وتبسيطًا للواقع.

يُنهي تيمور كتابه بالنداء لإزالة الستار الموهوم بين العامية والفصحى فالعُزلة الموحشة بينهما ليست لصالح الفصحى. يقتبس العرب ويترجمون ألفاظًا وتعبيراتٍ من اللغات الأجنبية فلم لا يفتحون الباب على مصراعيه لولوج الكلمات العاميّة - العامية الفصحى -  ميادين الكتابة والتدوين وفي هذا المزيد من الدقّة والوضوح، المرونة واستجابة للحياة المتجدّدة (ص. ٢٠٦). هذا رأي جدير بالاهتمام الجادّ ولا أظنّ أنّ المجامع اللغوية العربية وما أكثرها قد تصدّت كما ينبغي لهذا العمل. الكلمة الأخيرة هي لما يعتمده معظم أهل اللغة، شيوع الكلمة هو المقياس.

ماذا سيكون مصير العربية المعيارية، اللغة القومية، من جهة واللهجات العامية، لغة الأمّ،  في البلدان العربية بعد قرن من الزمان أو أكثر؟ من سنّة الحياة وجود نمطي لغة أساسيين: اللغة المعيارية، لغة الكتابة والعلوم واللغة الدارجة المحكية في الحياة اليومية العامّة، ولكل مقام مقال. البون بينهما ما زال عميقًا وواسعًا، وهو يتقّلص بمرور الزمن ولكن لغة الأمّ ستبقى على ما يبدو، وبجانبها اللغة القومية وهي نصف حيّة.  اللسان مطبوع على اللهجة وليس على الفصحى. الخوف على اللغة القومية متربص لها من الداخل ومن الخارج!.

 

أ. د. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

 

حيدر عبدالرضاقصة (مخطوطة في قنينة) أنموذجا

علامات النص بين استدلالية الرمز ورحلة السفينة البرزخية


 توطئة:

تتجاذب وتتصادى المحاور الدلالية في صيغة وصوت السارد الكلي المشارك في قصة (مخطوطة في قنينة) بما يوفر إلى مساحة الفضاء التشكيلي ثمة مستحدثات حلولية حبكوية خاصة في مستوى عتبة الاستهلال في ذلك النوع المتمم في التنوع والأمتزاج والتداخل في صيغة أشد اللحظات تفارقا وتباعدا عن ظرفيات الخلفية الذاكراتية المبثوثة عن حال حاصل مفعول الفاعل السارد المشارك في مؤشرات النص القصصي.

ـ التفاعل النصي وسردنة بنية الاستهلال السيرذاتية.

أن التذكير ببعض أوليات صوت السارد المشارك في وظائف أقاصيص عوالم إدغار ألن بو،ما هي إلا جملة من الدلالات العاملة بوظيفة تقديم معنى حكاية النص، كمقدمة دلائلية يقف من خلالها القارىء على مشهودية نقطة انطلاقة النص، بدءا من سيرة الشخصية الساردة وحتى مرحلة التوسط في توليد الأشكال والوظائف المعنية في إجرائية خطية الموضوعة والفكرة القصصية المطروحة في الأحوال السردية.

1ـ إغراء المتلقي وتشويق غواية المعنى:

تتوسل العتبة الاستهلالية في قصة (مخطوطة في قنينة) بذلك التأسيس الدلالي المنخرط في التنوع والتشكيل، مما جعلنا نتعامل وهوية العتبة العنوانية كدلالة محفزة نحو إعادة جل المسافات السرانية الخاصة بوظيفة إغراء القراءة لنصوص ألن بو إجمالا، وعلى هذا النحو الخاص وجدنا عتبة العلاقة النصية الأولى، وكأنها محاولة في استدراج وظيفة (غواية المعنى) دخولا منها نحو خطية آفاق أفقية من جملة اللاتوقعات في هوية المقروء وكيفياته المتحولة في الواصلة الظاهرية والباطنية من التنصيص الحكائي. وتبدو من جهة أخرى العتبة الاستهلالية في هذا النص، كفاعلية مشروطة في علاقة السارد المشارك إزاء تعريف عقبات حياته التي قد مربها إجمالا على عدة مراحل زمنية ومكانية وعاطفية ونفسانية، حتى توصل على حين غرة نحو ذلك الشكل البيني من سرد تجلياته بلسان حالة الظرفي قدما: (ليس لدي ما أقوله حول بلادي وأسرتي، لأن التصرفات السيئة وكر الأيام أبعدتني عن الأولى وتركتني غريبا عن الثانية. وقد اتاحت لي الثروة التي ورثتها ثقافة غير عادية، كما أن نزعة تأملية في تفكيري مكنتني من تنسيق القصص التي تجمعت لدي من دراساتي المجدة الأولى.. وأجتذبتني مؤلفات الاخلاقيين الألمان بشكل خاص، ليس بداعي اعجابي الاحمق بجنونهم النافذ بل للسهولة التي تمكنت بها من اكتشاف نفاقهم / بفضل عادات تفكيري الصارم، قد غيرت بجدب عبقريتي وعجز مخيلتي. أما أرائي المتشككة بكل شيء فقد تركت لي شهرة سيئة. / ص29 النص) عند قراءتنا لعتبة هذا المستهل من لسان حال (الكاتب / السارد الكلي) يمكننا ترجيح طبيعة هذا النوع من الوحدات الاستهلالية إلى من يسعى إلى الوصول إلى غائية مذابة بمحاليل خلطات كيميائية غريبة، وقد أحصاها السارد الكلي من ناحية عدم مؤاخذة هذه القصة بأسباب الأجناس الخرافية أو الطوطمية احتمالا.. من عادات كتابة (إدغار ألن بو) المخاتلة في بنية الاستهلال ثم بالتالي الاشتغال بالنص كتوليدة خاصة من الصوغ الذاتي المضمن على هيئة خلفية مموهة من طبيعة سيرذاتية تابعة إقرارا مباشرا إلى صاحب النص أو تلك الشخصية المراوية الموظفة في محمولات النص ذاته الشخصانية، وقد نلاحظ بأن عناصر العتبات الاستهلالية في نصوص ألن بو، ليس دائما كعلاقة تكميلية صائبة في بنية استدلالات المتن الوحداتي، بل هي عادة ما نجدها عبارة عن جملة تفارقية لخطية المشروع الاشتغالي في فضاء وأحوال دلالات زمن الحكاية ذاتها. فالنص كحال (مخطوطة في قنينة) لربما أحصاه ألن بو ضمن منظومة المزج بين مرجعية السيرة الشخصانية للشخصية الحكائية وبما ينطوي عليه من تراتبية مذكرات الشخصية ذاتها، ثم بالتالي الدخول نحو مفاصل المتن الذروي المترتبة في مشاغل أحوال الحبكة القصصية،و هذا الأمر ليس منافرا ما دامت أدوات القص في هذه المرحلة النصية أخذت تعتمد على إيراد جملة المقدمة السير ذاتية قبل الدخول إلى حبكة النص، وهذا الأمر ما وجدناه لدى أشهر كتاب القصة القصيرة في هذه الحقبة من حياة ألن بو:(بعد سنوات عديدة قضيتها في الاسفار أبحرت عام ـ 18 ـ من مرفأ باتافيا في جزيرة جاوا الغنية المزدحمة بالسكان، في رحلة إلى جزر الأرخبيل، ذهبت كسائح، إذ لم يكن هناك ما يدفعني للسفر سوى نوع من القلق العصبي يسكنني كأنه مس من الجن.. ركبنا سفية جميلة تزن حوالي أربعمئة طن مغلفة بالنحاس تم بناؤها في بومباي من خشب الساج المجلوب من مالابار.. كانت محملة بالقطن والزيت من جزيرة لاشايف، وألياف جوز الهند وسكر البلح، والزيت النباتي،و بضع صناديق من الأفيون.. ولم تكن هذه الحمولة متسقة بعناية مما جعل ألواح السفينة تلتوي.. أقلعنا، تدفعنا ريح لينة،وسرنا أيام عديدة بمحاذاة شاطىء جاوا الشرقي، دون أن يقطع رتابة سيرنا شيء. / ص30 النص)

2ـ مسافة الوصف توليد زمني تقاطعي بوظيفة التوقع:

من حيث الشكل المكاني تتخذ قابلية الوصف شعريتها التفاصلية والترشيحية نحو فضاءات متدفقة من الصوغ الذواتي خارج وداخل النص.و من أجل الوصول بالموصوف إلى نقطة المعاينة،لاحظنا بأن جهات الموضوعة القصصية، عبارة عن إعادة إنتاج سوسيولوجية وصفية دقيقة في منظور أحوال سلطة المكان والزمن ومحكيات الفاعل النصي: (بضع صناديق من الأفيون ـ سفينة جميلة تزن أربعمائة طن ـ القلق العصبي يسكنني كأنه مس من الجن ـ ألواح السفينة تلتوي) فما حقيقة هذه المظاهر الدالة من واقع الوصف؟ أهي محل فجوات عاثرة للرحلة؟أم أنها سياقية أخذت تؤمن الوحدة الكلية لطبيعة المسافة الوصفية لأجواء الوحدات الزمكانية؟ هناك ما يلوح بحدوث أبعاد مصيرية ترتادها أحادية المكان ووحشة جمود الزمن في مستويات سرانية من الوعد والوعيد الفنتازي. إذ ينخرط الواصف بالموصوف سلبا أو أيجابا في آنية المعقول أواللامعقول، أو الفاعل والموضوع الحاصل من خزين الحالات والتحولات السيكولوجية من مستوى الحامل والمحمول في المشخص النصي (القلق العصبي يسكنني،و كأنه مس من الجن. / ص29 النص) يبدو أن حالات الفاعل الذاتي تحيلنا بالمعنى السردي إلى جملة تتعلق بالملفوظ النفساني الخاص بفكرة تحولات النص وأحواله المعروضة والمسرودة، وحتى حلول ثنائية (الحال والتحول) الزمكانية والميتانفسانية،و على هذا النحو نعاين عاملية تقلبات أوضاع مزاجية ونفسانية الشخصية عبر خلفية ملفوظ العلاقة القائمة ما بين الخارج والداخل المنعكسة من حقيقة شواهد الأشياء: (وذات مساء حين كنت مستندا إلى حاجز السفينة جذبت انتباهي غيمة وحيدة معزولة في الجهة الشمالية الغربية.. كانت تلفت النظر للونها الغريب، ولكونها الغيمة الأولى التي تطالعنا منذ أقلعنا من باتافيا، راقبتها باهتمام حتى الغروب، حيث انتشرت فجأة باتجاه الشرق والغرب وطوقت الأفق بحزام بخاري رفيع بدأ كأنه شاطىء رملي / كان البحر يتغير بسرعة، وبدت المياه أكثر شفافية من المعتاد.. ومع أنني كنت أقدر أن أرى قعر البحر بوضوح، فقد أكتشفت بعد إلقاء مقياس العمق، أن السفينة على أرتفاع خمس عشرة قامة.. أصبح الهواء حارا إلى درجة لا تطاق، مثقلا بأبخرة شبيهة بما يتصاعد من الحديد المحمي. / ص30 النص) بهذه الحجم من الوحدات والأوصاف الصورية تتقدم المقاربة القرائية منا، إلى مراجعة بسيطة في مستوى وحدة كلية الوصف ومسافته المشبعة بأوسع اشتغالية الفاعل الذاتي بحجم تلك الاستعدادات والخيارات في مواجهة الاعصار البحري، ولكن ما طبيعة هذا التحول في شواهد مدلولية الرحلة؟ فما المسبب سرديا في كل هذا التحول؟أهي طبيعة الطقس البحري أم هواجس عصابية قادة الفاعل الذاتي وهما إلى العمل بها بمحددات متتابعة من سوداوية المكون الذاتي الشخصاني وحده؟

ـ المحكي بين الفواعل الممكنة وصدامية دليل الميتاواقعية.

لقد بدأ النص بمحمولات واقعية شكوكية واضحة، فيما أقترن المجال الاسلوبي في القص، ضمن مستحدثات خاصة من تحول الفاعل الذاتي وتبدلات الهيئة المكانية والزمنية، بالإضافة إلى حيوات الوقوع تحت سلطان الواقع طريقا مفترضا في مجال الشك والتساؤل والاستفهام الظني،ولا شك أنه ليس الواقع المحايث لوجود الأشياء في أرض الواقع، بل إنها جملة فواعل ناتجة عن المخيلة المموهة التي أخذت تتوهم وتتعدى تماثلات الواقع المرئي في عين موضوعيته الواقعة، إلى هذا الحد من الأمر تعرض الواقع في حادثة غرق السفينة إلى معادلة عسيرة من الذات المتشككة في موضوع التحول من السفينة الغاطسة إلى سفينة أخرى، بملامح فنتازية غابت عنها حقيقة الزمن والوجود، عبر مظاهره (الميتا ـ واقعية) ولمثل هذا الواقع الغريب والمصادقة عليه من طرف الإيهام والتوهم الشخصاني، لا يمكننا سوى متابعة هذه الوحدات من النص: (مع كل عقدة تجتازها السفينة.. كنا في بعض الأحيان نشهق بشدة،و نجد صعوبة في التنفس، وأحيانا أخرى كنا نصاب بالدوار ونحن نهبط بسرعة جنونية جحيما بحرية حيث يصبح الهواء راكدا خانقا ولا صوت تعليق غفوة الحيوانات الخرافية / كنا في قاع أحدى الوهاد حين أنفجرت من رفيقي صيحة فجائية هزت الليل، وصرخ في أذني: ـ أنظر ! أنظر.. يا إلهي القادر ! أنظر! أنظر..حين بدأ يتكلم، رأيت ضوءا أحمر ينعكس كامدا كئيبا وينسكب على جوانب الهوة التي كنا مدفونين فيها ويلقي على سفينتنا ضوءا رجراجا.. وعندما رفعت نظري صفعني مشهد جمد دوران دمي. / ص32 النص).

1ـ الأفعال النوعية وبرزخ زمن الواصلة الحلمية:

و تخضع الأفعال الصورية في مجريات الرؤية الطوفانية ضمن ملازمة ظهور المنقذ البحري، كما لاحظنا في وحدات السرد، المستعرضة قاب قوسين، تاركا الأعصار للفاعل الذاتي مجالا واسعا لخلق كيفيات غرائبية رابطة بين (الحدس ـ التوهم ـ عشوائية مصادرـ واقعية اللاأتفاق المعقول) ومجموعة هذه العناصر في زمن العلاقة الطوفانية والتسلق إلى سطح تلك السفينة العملاقة: (كان هيكلها الهائل بلون أسود غامق لا يزينه شيء من النقوش التي نراها عادة على السفن.. كان صف من المدافع يمتد من الكوى المفتوحة، وعلى سطوحها الصقيلة تنعكس أضواء العديد من قناديل المعارك التي كانت تتأرجح حول حبالها.. لكن ما بدا لنا مذهلا شديد الغرابة هو أن السفينة كانت تنشر كامل أشرعتها، رغم حالة البحر الخارقة والزوابع التي لا تقاوم. ص32 النص) غير أن ما يشكل موضع الأهمية في مسار وحدات النص، ذلك الاختلاف في معمارية السفينة وشروع أشرعتها بأنعدام التأثير إزاء ماهية الطبيعة الأعصارية الهائجة في تلاطم قمم أمواج البحر.

2ـ موازاة الفضاء المحسوس ومغايرة الزمن النمطي:

يسهم حضور السارد الكلي العليم في قصة (مخطوطة في قنينة) ضمن الملامح المشخصة في تقاويم الزمن المضارع الخطي، وهي القيمة المتبقية من تفاصيل وضوح محددات الزمن الفاعلي في بناء موضوعة النص.و لكننا عندما نتعرف بواسطة الشخصية الساردة في النص على محتويات تلك السفينة القادمة من (اللازمن) تتبين لنا مستويات خروج زمن الحكي عن نمطية الزمن المسجل له في مدارات الزمن النصي الانطباعي المجسد في النص، وذلك رغم تقارب فضاء المحسوس لدى الشخصية بما كان عليه البحارة في هذا المركب، إذ هم ممن يقال عنهم هيئات وكينونات خارج الزمن النمطي للوجود الحاضر لمستوى فاعل الزمن الشخوصي: (سمعت وقع أقدام، مما أضطرني إلى الأختباء منه فورا.. مر بالقرب من ملجأي رجل بمشية خائرة مترنحة.. لم أتمكن من رؤية وجهه، لكني استطعت أن ألاحظ هيئته العامة.. كان يبدو عليه الهرم والضعف بشكل جلي.. ركبتاه ترتجفان تحت وطأة العبء نفسه، وبصوت ضعيف ولهجة مكسرة غمغم لنفسه بضع كلمات لم أستطع فهمها.. خليطا غريبا من بلاهة الخرف ومهابة الالهة.. أخيرا ذهب إلى السطح ولم أره بعد ذلك. / ص33 النص القصصي) ولعل مضاعفة الحس الفنتازي في محسوسية الشخصية الساردة،ها هنا غدا يؤشر لذاته حكاية جديدة وجملة احاسيس مغايرة إزاء واقع وفضاء وموضع هذا الرجل العجوز، الذي بدت عليه ملامح غير مألوفة في رقعة زمن وحيوات الهيئة المنتمية إلى عالمنا أو عالم الشخصية الزمانية والمكانية ظرفا. وبمثل هذا الأختلاف تبدأ وظائف (الخارج الزمني ـ اللامعقول ـ المرموز الدلالي ـ المعادل التحولي) كما تتبع المضاعفة الغرائبية المؤرخة منذ أشرعة السفينة،و حتى مظهر نقوشها اللامألوفة وخروجها المتصدي بشراسة إلى هدير أمواج البحر المتوحشة،مرورا بمحتوى طاقمها المتكون من هذا الرجل العجوز بادئا، فيما تتأطر حكاية هذه السفينة في خصوصية علائقية ملغزة ما بين تتابعية مدار الشخصية إلى مجريات الأحداث في أسرارهذا المكان وظهورها المموه بين ثنائية (الموت ـ الحياة ـ تحولات المظهر الدلالي) وتتيح مأزومية الأحداث الشخصية إلى الدوران في أرجاء غرف السفينة: (لقد مررت لتوي أمام عيني وكيل القبطان، ومنذ مدة قصيرة غامرت بأقتحام الغرفة الخاصة بالقبطان نفسه..و أخذت منها الأدوات التي أكتب بها، والتي كتبت بها.. سوف أتابع هذه اليوميات من وقت إلى آخر، صحيح أنني قد لا أجد الفرصة لنقلها إلى العالم، لكنني لن أعجز عن إيجاد وسيلة ما.. في اللحظة الأخيرة سوف أضع هذه المخطوطة في قنينة وألقي بها في البحر. / ص33 النص القصصي) وتبعا لهذا النحو تدركنا فكرة النظرفي دلالة العنونة المركزية في النص (مخطوطة في قنينة) ضمن مؤشرات منظورية دليل الشخصية ومذكراتها المسرودة في المخطوطة، ولكن يبقى السؤال المطروح هنا هو كيفية وصول هذه المخطوطة، ما دام سكان السفينة هم من خارج حدود الزمن المتاح بوضعه المضارع والذي يصل بالشخصية إلى حد عدم التعرف على لغتهم وهيئاتهم الغرائبية والشبحية، كما ينص عليها الدليل النصي بالاشارة على أنهم كانوا لا يملكون قدرة رؤية الشخصية في حال اقتاربه من جوارهم؟ إذا كان الأمر هكذا أي أننا متفقون على أن شخوص السفينة مع حضور زمنهم البرزخي سرا، فقد يمكننا أيضا عد الشخصية المحورية ضمن غياهب المخطوطة المبثوثة في فاصلة اللازمن الحقيقي في النص؟ ولربما تبقى من جهة هامة الحقيقة الوحيدة متعلقة بكاتب النصأولا وأخيرا، لأنه يبقى الشاهد الوحيد بوظيفة كتابة ونقل الحكاية من مدارية منظور البرزخ اللازمني، اعتمادا منه بكونه الدليل الوحيد في بنية زمن الحكاية المتعينة شهودا: (تفحصت كذلك ألواح السفينة، ورأيت أنها مبنية من مادة أجهلها.. لأخشابها صفات خاصة أدهشتني لأني رأيتها غير صالحة للغرض الذي استعملت من أجله، ذلك أنها مملوءة بالمسام، وهو ما عزوته إلى فعل الديدان الذي هو نتيجة الملاحة في هذه البحار.. / وأتتني الشجاعة منذ ساعة وأندسست بين جماعة من البحارة.. لم يبد عليهم أنهم انتبهوا إلى وجودي، ومع أنهم يحيطون بي فقد بدوا غير شاعرين بوجودي إطلاقا.. كانوا جميعهم كالذي رأيته من قبل يرتدون شارات أزمنة غابرة.. كانت ركبهم ترتجف من الضعف، وأكتافهم متقوسة من الهرم.. جلدهم المتغضن يتجعد من الهواء.. وأصواتهم خافتة مرتعدة مكسرة، عيونهم تلتمع بدموع الشيخوخة وشعرهم الأشيب بتطاير في الريح.. وقد تناثرت حولهم الأدوات الهندسية القديمة التي بطل استعمالها نهائيا. / ص34 النص القصصي).

ـ إشكالية الموت النوعي ومرحلية الشيخوخة المطلقة.

يتبين لنا في المحصلة الأخيرة من وظائف وحدات الذروة الحبكوية في النص، بأن (إدغار ألن بو) كان يسعى من وراء دلالات قصته تمويه الزمن الصوغي لشخصية السائح على ظهر السفينة البرزخية الغارقة في حقيقتها منذ الآف السنين، فيما كانوا بحارتها في حقيقة أوضاعهم هم من الذكرى أمواتا في أجساد برزخية مفترضة ومتخيلة من قبل مأزومية الشخصية المتصورة. أن حكاية المخطوطة في قنينة هي الصورة الخاصة من تواريخ قصة البحارة الأموات , ولكنها وظفت بوعي تمويهي مزدوج يتعدى توقعات القارىء والقراءة المدونة في مخطوطة ثيماتية بالغة الدقة والحنكة والسبك التوظيفي في تقنية المضاعفة الغرائبية التي تلاقينا موسومة بأعلى مستويات الوظيفة السردية القصصية المخصوصة في حياة النصوص الابداعية الخالدة.. فالقاص الرائد (إدغار ألن بو) في قصته موضع دراستنا، أخذ يشعر القارىء بادىء ذي بدء بتضمينات الحلم للشخصية السائحة،ثم بالتالي راح يوظف الفضاءات الغرائبية في شواهد الأعصار وفي شخوص أو أشباح بحارة السفينة القادمة من اللازمن المقيد. فالسرد القصصي هنا يبدأ في حدود بناء الحبكة ثم العقدة وصولا إلى الذروة في سياق من اللعبة التكتيكية الجامعة لثنائية ـ الفنتازيا ـ الغرائبي ـ التمويه : (البحارة يتنزهون على ظهر السفينة بخطوات مرتجفة وقلقة، لكن ملامحهم تومض بتعبير أشبه بوهج الأمل منه بفتور اليأس.. الريح وراءنا دائما، والسفينة لكثرة أشرعتها المنشورة، تقفز أحيانا بكاملها خارج البحر.. آه رعب على رعب ! الجليد ينشق بغتة إلى اليمين وإلى اليسار، وندور دائخين في حلقات هائلة ذات مركز واحد / الحلقات تضيق بسرعة.. تغوص بجنون في شدق الدوامة.. وعبر هدير الأوقيانوس والعاصفة وأنفجارهما ـ تتأرجح السفينة ـ يا الله ! تختفي... تغوص. / ص 35 خاتمة النص القصصي).

ـ تعليق القراءة:

مما لا شك فيه فنيا أن (إدغار ألن بو) كان يلوح إلى الخروج بالسفينة المرمزة بحياة العالم الآخر من قيامة الموت البرزخي. إذ أن الشخصية وصديقها الرجل السويدي، قد ماتوا منذ غطس أولى أجزاء سفينتهم في أعماق البحر، أي عند أول علامات ظهور هذه السفينة الغريبة التي هي بمثابة المعادل الانتقالي لحمل الروح من عالمنا الدنيوي إلى موضعها في عوالم البرزخ، لذا وجدنا روح السائح ختاما مع ثلة أرواح البحارة العجائز. وهي تنقل آخر خطوات رحلتهم عميقا في قرار مواطن إبحارهم على ظهر سفينة الموت البرزخي.

 

حيدر عبد الرضا

 

 

المصطفى سلاممن خلال عنوان المجموعة القصصية "جبة بورخيس"[1]، يتبين للقارئ الحصيف موقع بورخيس ومكانته في الابداع القصصي العالمي. إنه يمثل نموذجـا في الكتابة القصصية القصيرة، وذلــك لريادتـه وأسلوبه فــي الكتابة والخلق الفني. فمـاذا يمثل الكاتب العالمي لويس بورخيس عند الكاتب المغربي حسن البقالي؟

يمكن الإجابة عــن هذا السؤال مـن خلال رصد مـا يوحي بـه العنوان مـن خلال بعض أهــم مكوناته " الجبة " في مرحلة أولى ثم من خلال نصين: الأول هو "بحال بوزفور"[2] والثاني هو" جبة بورخيس "[3]

تنتسب الجبة لغويا إلـى المادة اللغوية " ج ب ب "[4] أو جب بتضعيف الباء. وهــي توحي بمعاني القطــع مثل: جـب الإسلام مـا قبله. والمحو والاستئصال مثـل: جب الخصية استأصلها ثـم التلقيح مـثل جــب النحلة لقحها....و مثل هذه الدلالات تحضر في مجال الإبداع حيث هناك القطيعة والمحو والتلاقح أو التفاعل أو ما يصطلح عليه بالتناص.

و من معاني هذه المادة أيضا العمق: الجــب أي البئر العميقة. وهذا يبين أن الإبــداع يتسم بالعمق والغور، بمعنى أن سطح النص الأدبي غير عمقه، وحياة النص الفني في عمقه لا في سطحيته أي في إيحائيته لا في تقريريته. وعمق النصوص الأدبية والفنية من عمق التخييل فيها.

كما تأخذ الجبة معنى آخر، يتعلق الأمر بنسق اللباس أو الزي باعتباره نظاما ثقافيا أو سيميولوجيا حافلا بالمعاني والدلالات. إن الجبة عــــلامة وتعبير ثقافي يفيد الانتمـــاء والانتساب والتبعية. ففي نظـام التصوف تمثل الجبـة علامـة لأهل الله والدروشـة. إنها علامة ارتباط وتعالــق بين الشيخ والمريد...

هكـذا تتضح التبعية والتعالق بين كتـاب القصة القصيرة، بين الشيوخ والأتبــاع، فبورخيس من هذا المنظور شيخ له طريقته ومنهجيته في الكتابة القصصية سواء من حيث آليات التخييل القصصي أم الموضوعات التي ينتظم حولها الإبداع القصصي مثل الحلم والمرأة والمتاهة والشبيه والنظير[5]...

و يدرك القارئ لهذه المجموعة القصصية أن المنحى الذي تمثله الكتابة القصصية عند حسن البقالي هو الطريقة البورخيسية، أي أن هناك تماثلا وتمثلا لتجربة بورخيس الإبداعية، ولهذا الاختيار طبعا أسبابه الذاتية والموضوعية.

بعد رصد ما يوحي به العنوان من دلالات تكشف عن نوعية العلاقة الكامنة بين رواد القصة القصيرة وبين الآخذين عنهم والتابعين لهم: أسلوبا وطريقة وبناء. ننتقل إلى النظر في نصين قصصيين تضمنتهما المجموعة القصصية " جبة بورخيس " يستحضر فيهما الكاتب حسن البقالي نموذجين في الكتابة القصصية، فكيف كان تمثيله لهما؟

أولا: نص " بحال بوزفور "

يمثل هذا النص، ومن خلال عنوانه، نصا يوحي بموقف الكاتب من النموذج البوزفوري، أو ما يمكن أن، نصطلح عليه بأفق بوزفور في الكتابة القصصية. إن تجربة الكاتب المغربي أحمد بوزفور في مجال القصة القصيرة تجربة غنية وثرية: ممارسة وإبداعا، نقدا وتنظيرا، متابعة وتأطيرا، إنها إطار نموذجي يصعب تجاوزه أو تكسيره بسهولة. هو نموذج ينزع الاعتراف من القاصي قبل الداني، غير أنه ليس الوحيد عالميا وعربيا. بل هناك نماذج في الكتابة القصصية، غير أنها لم تنل شهرة وسمعة الكاتب أحمد بوزفور، إذ تشهد اللقاءات الإبداعية في ميدان القصة القصيرة حضورا قويا وملفتا لهذه الأيقونة الإبداعية المغربية.

من بين أهم العلامات اللغوية الدالة على مركزية هذا الأفق البوزفوري ومكانته في الإبداع القصصي:

أ- " بحال " من حيث مدلوله في الدارجة المغربية هو أداة تشبيه تعني مثل أو شبه. وهو اسم يربط بين طرفي التشبيه. وبلاغيا أن الأصل والعمدة على المشبه به أي الكاتب المغربي أحمد بوزفور، فإليه يرجع المشبه " السارد في القصة " أو النص القصة من حيث بنيتها وأحداثها وموضوعتها...

بالمشبه به " بوزفور " تتضح معالم المشبه وتكتمل صورته. وبدونه يظل السارد في القصة أو نصه مسخا لا معالم له.

هكذا يصبح بوزفور أصل وعمدة يستند إليه كاتب القصة. بوزفور أب وسلف والسارد تبع وخلف. لا تكتمل هوية التابع وتتبلور تجربته بدون اتباع الأصل. بمعنى مطابقة الأصل ومحاكاته لا مفارقته والخروج عنه.

ب- تنبني قصة " بحال بوزفور " سرديا على تركيب سردي مزدوج، يجمع بين قصتين، قصة كتبها السارد وقصة كتبها أحمد بوزفور. حيث يتذكر السارد حدثين عاشهما رفقة القاص المغربي أحمد بوزفور: لقاءان حول القصة القصيرة شاركا فيهما معا وقرءا قصتيهما. ويحكي السارد ظروف كتابته لقصته قبل اللقاء والإلقاء إذ عثر السارد على قلم رصاص بين عدة الكتابة وشرع في الكتابة غير أنه عند متابعة الكتابة عثر على تغيير وتحوير في قصته / نصه. جاء في النص على لسان السارد:

" كل هذا التحول الذي اعترى أوصال النص ؟ هل كنت مسرنما حين جنحت إلى تدبيج الصيغة الثانية ثم عدت إلى النوم كأن شيئا لم يكن أو أن الامر لا يعدو هلوسة بصرية انتهت إلى إنتاج نص مواز لخلق البلبلة ؟ " [6]

لقد رافق ذلك دهشة وحيرة. وعندما اكتشف أن قلم الرصاص هو من يجري التغيير في بناء القصة ويجعلها شبيهة قصة أحمد بوزفور سلم بالأمر واعتبره "بحال بوزفور ". جاء على لسان السارد:

و حين أتى دوري، كنت ما أزال تحت طائلة دهشة عظيمة لما سمعت.. دهشة ما لبثت أن انتقلت إلى الحاضرين حين بدأت قراءة آخر قصة كتبت......ابتسمت في وجه تساؤلاتهم وقلت: بحال بوزفور. " [7]

بهذه الصورة شخص الكاتب سلطة أحمد بوزفور في الهيمنة على مشاريع كتابة القصة القصيرة عند الكتاب الآخرين من خلال تأسيس نموذج وإطار يصعب تجاوزه أو تكسيره أو لنقل: لقد أسس بوزفور تقليدا في الكتابة القصصية يجب المحافظة عليه واتباع ألفبائياته. فما الذي يؤكد هذه السلطة في النص ؟

يمكن أن نقف عند بعض العلامات النصية الدالة على سيطرة وهيمنة النموذج البوزفوري:

القلم: يحمل القلم دلالات مختلفة تؤثث حقله الدلالي مثل القطع والتشذيب والإضعاف: نقول فلان مقلم الأظافر: أي ضعيف وذليل. ثم القضاء والإبرام، فجف القلم أي قضي الأمر...فما هي المعاني التي يوحي بها توظيف القلم في القصة ؟

- دلالة السلطة: إن القلم أداة الكتابة ورمز العلم والمعرفة ثم كذلك السلطة. وحضور القلم في النص يمثل عاملا مؤثرا في مسار القصة حيث كان عاملا معاكسا للسارد ويعيق بناء قصته بالصورة التي يريد. وتتجلى سلطته في كون السارد وقف عاجزا امام التغيير الذي احدثه في معمارية القصة. وكأن منطوق القصة يفيد: لا قلم يعلو فوق قلم أحمد بوزفور.

- دلالة الإضعاف: لم يكن السارد واعيا بالإضعاف الذي سيحدثه القلم عندما اعتمده وسيلة للكتابة. ولم يكن واعيا بأن رتبته ستكون التالية أو الثانية بينما الأولى فلصاحب القلم أو الأمر. فهذا القلم لا يعترف إلا بما كتبه أحمد بوزفور أو بما كان على شاكلته وتابعا له. إن الإضعاف يأتي من جهة التشذيب والتغيير والمحو والتحوير.على أساس أن النص البوزفوري هو الأصل والسنة والشريعة ولا اجتهاد مع وجود النص كما يقول الفقهاء.

- دلالة الرقابة: إن القلم رقيب على ما يبدع خارج النص البوزفوري، فما وافقه كان مقبولا وما خالفه كان مرفوضا. كما أن هذه الرقابة تأتي من المكانة الاعتبارية لصاحب القلم في المشهد الثقافي المغربي والعربي وفي الأسبقية والأولوية التي حازها عند المؤسسة النقدية والثقافية والأكاديمية المغربية. فلا تأخذ النصوص القصصية الجديدة ولا الحساسيات المغايرة في الإبداع القصصي اعترافا وإقرارا إلا إذا أجازها القلم البوزفوري ومنحها صك البراءة والاختراع.

ثانيا: نص " جبة بورخيس "

تنبني هذه القصة من حيث الحدث على مبدأ التماثل وإعادة حكي سيرة الكاتب الأرجنتيني لويس بورخيس من خلال استحضار مجموعة من الأفكار والوقائع التي وسمت حياة هذا الكاتب مثل اعتماده آلية الحلم وحلم اليقظة والمتاهة والمرآة والنظير أو الشبيه....و هذه الموضوعات حاضرة في الخريطة السردية لنصوص المجموعة ككل.و إذا كان السارد في العرف النقدي هو صوت الكاتب يحمل موقفه ويمرر رؤياه فيما يحكي أو كيف يحكي...فالسارد في هذه القصة يحكي تماثله وقربه من بورخيس أو لنقل توحده معه من خلال مجموعة من المؤشرات التي تكشف عن ذلك مثل:

- الاشتراك في الاسم: بورخيس – بورخيس (السيد بورخيس...السيد بورخيس) ص34.

- الاشتراك في الصفة: أعمى – أعمى (غير المهتمين بشؤون الادب يلقبونني بأعمى الطابق الثالث بعمارة الحبوس)ص 35.

- الاشتراك في امتلاك قطة: كداما – قداما

- الاشتراك في الكتابة: السارد كاتب يقيم بالبيضاء وبورخيس كاتب أيضا...

يكشف هذا التماهي بين السارد في القصة والكاتب العالمي بورخيس عن طبيعة العلاقة بينهما وخصوصية الرؤية الإبداعية وحجم المسافة بين النموذج أو المثال والنسخة. بين السالف والخلف. والذي يؤكد هذا التماهي بين السارد في القصة والكاتب العالمي بورخيس هو الجبة باعتبارها علامة أو رمزا ثقافيا يخص بورخيس من حيث الزي وأو اللباس، فقد انتقلت إلى السارد وغذت لباسا له دون أن تكون أكبر منه أو أصغر، أوسع او أضيق. بل هي أنسب وأوفق. إنها تحمل سر بورخيس الروحي في الكتابة القصصية وقد أدعه عند السارد أو تلقاه عنه اقتباسا واستلهاما. أي أنه استلهم رؤية بورخيس وطريقته في الكتابة وأسلوبه في التعبير.

من الفصل البوزفوري إلى الوصل البورخيسي:

قد يفيد الاشتراك بين بوزفور وبورخيس في الجزء الأول من التسمية: بوز/ بور تقاطعا وتشابها، أو لنقل تقاربا، لكن الاختلاف في الجزء الثاني من التسمية فور / خيس يظهر جليا وواضحا. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل كونهما نموذجين في الكتابة القصصية مختلفين أو لنقل متباعدين من حيث الكتابة والتعبير والرؤية... وهذا يؤكد أيضا حجم المسافة بين بوزفور وبورخيس. وهذا ما نستوضحه في هذه الفقرة على سبيل المقارنة:

1 – بحال بوزفور:

- وجود مسافة بين السارد والكاتب أحمد بوزفور من خلال المسافة التي تؤكدها أداة التشبيه " بحال " بلاغيا ودلاليا.

- القلم: أداة للكتابة والتصحيح والتقويم والإبداع، ومن يملك القلم يملك سلطة التقرير والإجازة ,

- صاحب القلم له شرعية الإقرار والاعتراف بمن حاول الكتابة أو الإبداع وتسميته مبدعا أو تصنيفه قاصا تابعا.

- إرث بوزفور لم يحن الوقت بعد للانتفاع به، حيث لم يتنازل عنه بعد ولم يهبه قط، بل لازال صاحب الامر فيه، فلا يسمح لغيره بأن يستغله أو يستحوذ عليه.

2 – جبة بورخيس:

- غياب مسافة بين السارد والكاتب العالمي لويس بورخيس من خلال آلية المنح أو الاشتراك في مجموعة من الصفات والخصائص.

- الجبة: علامة انتماء وانتساب تكشف عن آلية من آليات التربية والتنشئة الوجدانية والإبداعية: بورخيس شيخ والسارد تلميذ وتابع.

- صاحب الجبة لا سلطة له على طريقته، ومنهجيته في الكتابة والتعبير الفني، بل هي مشاع بين التابعين ومن استهوتهم الطريقة البورخيسية في الكتابة القصصية. منح سره لهم كما يمنح رجل الطريقة الصوفية سره لمريديه.

- إرث بورخيس ليس حكرا على أحد دون أحد، أو تفضيلا لذات دون أخرى. بل هو مشاع بين من استهوتهم طريقته في الكتابة والتعبير دون سلطة او رقابة.

في مجال الإبداع، يمكن أن نتحدث عن أشكال من التبعية لنماذج وطرائق في الكتابة والإبداع، تخييلا وبناء، تصويرا وأسلبة، أو نتحدث عن تجليات التجاوز والتكسير وإبداع طرائق جديدة وخلق حساسيات فنية مغايرة، في مختلف مجالات الإبداع الفني: الشعر، القصة أ المسرح، الرواية...ففي الكتابة القصصية هناك رواد أسسوا تقاليد في الكتابة القصصية أصبحت نموذجا وإطار يحتذى. وهناك كتابات جديدة وأقلام واعدة نهلت من الرواد كما بصمت تجربتها بخصوصيات وسمات فنية ودلالية ورؤيوية. وتجربة الأستاذ حسن البقالي في مجال القصة القصيرة تجربة متحت من التجربة البورخيسية أكثر ما نهلت من غيرها.

 

الدكتور المصطفى سلام

......................

[1] - حسن البقالي: جبة بورخيس. قصص قصيرة. ط1. 2015.

[2] - نفسه: ص 11.

[3] - نفسه: ص 33.

[4] - لسان العرب: مادة ج ب ب.

[5] - محمد العمراني: جسور الحلم في القصة القصيرة بين الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس والقاص المغربي حسن البقالي. بيان اليوم 03-12- 2020.

[6] - جبة بورخيس: مرجع مذكور، ص 15.

[7] - نفسه: ص 17.

 

 

خالد جودة احمدالكلمة الصادقة البسيطة تستولى علي القلوب المحبة للجمال الأدبي، وإذا كان الناقد الكبير "علي أدهم" قد تحدث في توضيح مهمة اللغة أنها الإيضاح فإن قصائد الشاعرة "شافية معروف" في ديوانها المعنون "صرخات هامسة"، يجمع بين أمرين: بساطة اللغة الشاعرية الغنائية المحببة، وكونه فى الأساس شعر عامي يطرق قلوب البسطاء النبهاء من أبناء شعبنا.

إن البعض للأسف يتخيل أن الثقافة هى التعقيد وقصف المتلقي بوابل من صخور الكلمات وجهم المعانى، والحقيقة أن الأدب الفاعل يحقق غايته بالتواصل الجمالي مع القارئ والتأثير البناء للقيم الإيجابية فرديًا واجتماعيًا.

وحول الديوان ملاحظات شكلية مهمة، أولها ان عنوان الديوان "همسات صارخة"، الذي لم تحمل إحدى قصائده هذا العنوان وإن جاءت القصائد معبرة عنها من وجهة أخرى، والعنوان مؤشر مهم للتناول النقدى بعامة للكتب الإبداعية، بداية لأنه علامة كلية شاملة من قلب النصوص تكون هادية وكاشفة لأفق الكتاب الإبداعي وقصديته، والعنوان يتماس أكثر مع عنوان قصيدة "اقرا السكات" إذ يحمل حدين متضادين الحد الأول الشاعرية الهامسة، والحد الآخر آلام الذات الشاعرة الموجعة الصارخة. وثانيها اتصال العنوان ببنية النصوص ذاتها وترتيبها داخل الكتاب، وهنا تأتي الملاحظة الشكلية الثانية، بوجوب بذل الجهد في الترتيب للنصوص بحيث تأتي النصوص التي تتناول الشأن المجتمعي العام مجمعة بجوار بعضها البعض بل وترتيبها طبقاً للتسلسل التاريخي، فقصيدة "تعبنا كتير" ورقم الترتيب لها قبل الأخيرة، تبشر بتفاؤل أول الثورة المصرية في خوضها جولاتها المتتابعة، بينما قصيدة "الحقيقة أنتو انكشفتوا" تأتي في منتصف الديوان وهي في مرحلة زمنية ثورية تالية عن تجاذبات حصلت ودورها الأسيف كما ترى الشاعرة، بينما أتت مجموعة قصائد اجتماعية مترابطة عضويًا متفرقة في أنحاء الديوان ويمكن أيضاً ترتيبها مرحليًا.

وأرى أن الناحية الشكلية هنا مثلت تنوع قصائد الديوان وتداخل تيمات الشأن الاجتماعي مع الموضوع السياسي، بل كانت القصائد ذاتها منوعة من حيث الشكل الفني فكانت الرباعية الأخيرة "بسمة شهيد"، وأتت مطولة بقصيدة "عشان خاطرك"، وأتت المقطوعة القصيرة التي تحمل لغة إشارية متميزة فنًا ومعنى "اقرا السكات"، وأتت قصائد أخرى في أطوال منوعة، كما كان التنوع شاملًا قصائد ذات معاني وأداء تقليدي شيئاً ما، وأخرى مبتكرة طريفة، حتي عناوين القصائد تنوعت بين حرف النداء "يا ..." في أكثر من قصيدة، وهى لفتة شاعرية عن المناجاة المحببة في وجدان الشعراء، وعناوين أخرى مباشرة تكشف مرمى القصيدة في وعى القارئ بيسر شديد، وأخرى محدثة لا تسلم ذاتها بيسر هكذا للقارئ، مثال قصيدة "عولمة" التى عبرت عن موضوع القصيدة لكن لا يدرك القارئ قصدية الذات الشاعرة سوى بمطالعة متن القصيدة ذاتها.

وفي القصائد مجموعة قصائد اجتماعية لطيفة تعد من وجهة نظرى أجمل مجموعة القصائد، لترابطها والروح الساكنة في رحابها، ولملمح الأمومة العذب المؤدي عنه ببساطة تعبيرية آسرة تسر الناظرين، وكان مفتتح تلك القصائد -طبقاً لترتيبى الخاص- قصيدة "يا وحشانى"، والتي تبدأ بدفقات شعورية عذبة: "يا وحشاني / يا شايلة الدنيا ف عنيكي / وساكنة جوّه أحلامي / بناجيكي.. واناديكي / وطيفك هوّه إلهامي / وبسمع ضحكة مكسوفة / ودقة قلب ملهوفة / تنادي عليكي: وحشاني / وقبل عنيه متشوفك / بحس ان انتي سكناني / واحس انك في وجداني / وقلبي قال لي عن اسمك.. / وعن رسمك / ولون الحنة في إديكي.. وورَّاني"، والهدف التربوي رغم رومانسية القصيدة ظاهر للعيان، تقول الشاعرة –ضمنًا- إن أساس الأسرة الناجحة هو أساس الاختيار الصحيح في الزواج، وتأتي قصيدة "عروسة جمالها رباني" وفي متنها جميعه نرى روح التراث الكريم حيث الذات الشاعرة كأنها المرأة العربية الحكيمة توصي ابنتها قبل ليلة بدء حياتها الزوجية بمدخل حسن حيث مدحت جمالها، وصكت ضربات فلب الأمومة السعيد كلمات راقصة علي السطور، في وسط هذه البهجة أتت النصائح "يا بنتى زوجك الجنة"، ثم جاءت القصيدة الطريفة "حوار مع جنين" أو بشكل أدق مطالعة الذات الشاعرة لخواطر جنين يحيا في بحر من الحنان برحم الأمومة الرحيب، وتأتي المحنة والامتحان لدي خروج الجنين ليختبر الحياة ويؤدي رسالة المبادئ الرفيعة كما أرادت الأمومة الشاعرة، وتأتي المقطوعة الاجتماعية اللطيفة الأخرى "أنا مسامح" ترياق إنساني للحياة الأسرية الرغدة: "أنا آسف.. أنا غلطان / تعالي من جديد نبدأ / تعالي نجرب الغفران / تعالي للأسى ننسى / ونتعلم بقى النسيان / تعالي يا زوجتى نتصالح / عشان العشرة دي باقية / عشان راقية / حيطان البيت ضحكتنا / عشان بيتنا"

والحس القيمي واضح في أداء القصائد سواء بالمنهجية والأفكار النبيلة الراقية في تيمات الكتاب الإبداعي الموضوعية، أو في التفاعل مع القصص القرآني خاصة قصة سيدنا موسي (عليه السلام) في بعض مواضعها خاصة موضع السحرة ودورهم في المجتمعات، وظهر هذا التوجه النبيل أيضاً في الأمومة الشاعرة حيث الذات الشاعرة تقدم طموح الذات النسائية المؤمنة في لقاء أمهات المؤمنين وسيدات أهل الجنة: (إدعيلي يا طير أشوف سيدي النبي العدنان / ويقول لي أهلًا تعالي.. دخّلها يا رضوان / مدي الإيدين سلمي على أمهات الجنان / ياخدوني في حضنهم واحس منهم بالحنان / فاطمة وأسية وخديجة.. مريم معاهم كمان).

ويشرق الحس القيمي في فهم أن حقيقة الدين هو تفعيل النصوص الشريفة ونقلها من عالم المثال لتكون واقعاً حياً، وأن درب العبادات يبتدئ وينتهي بالمعاملات النابهة الحسنة لعبادات سليمة القصد، وتقدم القصائد الإدانة لأصحاب الأفهام السقيمة والتطبيق المعوج، فانتصار الخادمة المشنوقة علي جدران القسوة واللارحمة يحمل وزر موتها من أفقروا البلاد والعباد وسعوا في الأرض بالفساد، وأيضاً علي المتدينين الذين لا يرتقي إيمانهم حتي يصلح الحياة: "آه يا انتصار / موتك يا حلوة دا انكسار / موتك يا بنتي ألف عار / على اللي حاكمين البلاد / حاميين وحارسين الفساد / وعلى اللي فاكرين التدين / إنه جلسة مقرأة"، وجاءت إشارات أخرى مبطنة في قصائد أخرى بالديوان حول هذا المعني العميق.

ويأتي الهم السياسي بجوار الناحية الاجتماعية، وتطغي أيضاً عليها الأمومة، حيث أمومة الوطن، والوطن الأمومة، فقصيدة "صرخة ولد" تتحدث فيها مصر الأمومة وهي تجتاز مرحلة المخاض العسير بربيعها المعذب بأحلام الحرية، وفي قصيدة "في عز الخوف" أم الشهيد تتحدث، ويبدو حديث الثورة شائع في عدد من قصائد الديوان، وتأتي في إطار رعاية الذات الشاعرة للهامش وجعله متناً إبدعياً –كما يقول النقد الأدبي- ففي قصيدة "شوارعنا" لقطات فوتوغرافية لعين الذات الشاعرة الطوافة، ورغم طبيعية القصيدة هنا لكن حشد التفاضيل جعلت منها قصيدة جيدة ترصد السلبيات وتقول فناً عن بواعث الفوضي وسر الداء "كتيره ليه كوارثنا في شوارعنا"، وفي القصيدة التعاطف مع الباعة الجائلين تلك الفئة الاجتماعية التي تسكن مناطق حدية بين الفوضى ومحاولة كسب العيش الحلال فلا قدم لها المجتمع هذا العيش الإنساني المستحق ولا ترك لها تحاول كسب لقيمات، وفي قصيدة أخرى نجد الانحياز للهامش "انتصار" هذا العلم الذي يحمل الاسم ذاته ملمح السخرية الداكنة  والإدانة فأي انتصار والمجتمع جميعه مهزوم ومصلوب علي مذبح الفقر والفاقة.

ونأتي لقصيدة "اقرا السكات" وهى ومضة شعرية تبعث حس القارئ للتأويل: "اقرا السكات / على شفتين ملوا الغنا / وخلصوا حكايات / وشوف عنين اشتكت / واقرا رسايلهم / من دمعتين ساكنين / وغلبت احايلهم / لاهما نزلوا وريحوا عيوني / ولا هما نشفوا / وسامحوا في اللي فات / اقرا السكات / وشوف سراب حلم اتنسى / ووسعت المسافات / واسمع لصوت موج السكوت / على شط بحر الأمل)، فللصمت معاني وحديث وموج متدفق، تعبر عن أثقال الحزن تموج في الذات الشاعرة فتعمد للبوح، وتشير للقارئ أن يؤول ويقرأ ما بين السطور، ويجتني كنوز الصمت.

وتبقي أن نؤكد القول بكون البساطة التعبيرية المنطوية في أمومة شاعرة تجعل لهذه الديوان مذاق الأدب القيمى حلو المذاق.

 

خالد جودة أحمد

 

عدنان حسين احمديتمحور فيلم "أمي" للمخرج التركي مصطفى كوتان على ثنائية الريف والمدينة، ويعالج الصراع الطبقي بين الفقراء والأغنياء، ويفحص العلاقة الروحية العميقة بين الأم وابنتها في مجتمع ذكوري يتسلط فيه الأب على الأسرة برمتها. كما يدور الفيلم على قصة الحُب العميقة التي تنشأ بين الطالبة الجامعية نازلي عثمان، ومارت الذي يعمل في شركة والده المهندس جاويد. أما ثيمة الفيلم الرئيسية فتأتي على لسان عائشة التي تقول:"إذا لم تحمل ابنتي نازلي نعشي فسأموت من الحسرة" فكيف إذا كان الأمر بالمقلوب وأنّ الأم هي التي ستحمل نعش ابنتها؟ أمّا الثيمة الفرعية فترد على لسان نهال، والدة مارت التي تختصر حكاية الخُطبة بلؤم كبير وتقول:" الفتاة المسكينة تجعل الشاب الغني يقع في حبها". وما بين الثيمتين يتأسس النص البصري الذي يلامس شغاف القلوب، ويهزّ المشاعر الإنسانية المُرهفة للمتلقين. وبما أنّ السينما في جانب كبير منها هي فن الواقع بامتياز فإن قصة هذا الفيلم واقعية ولابد من تتبعها وتقديم زبدتها للقارئ الكريم. لا شك في أنّ القصة السينمائية والحوارات التي تتخلها مكتوبة بحرفية عالية ويمكننا أن نتتبّع النسق السردي الذي يكشف لنا حياة الطفلة نازلي التي أنجبتها الوالدة عائشة في قرية نائية تبعد عن إستانبول كثيرًا. أمّا أسرتها فهي تتألف من الأب عثمان الذي يعمل سائقًا لشاحنة كبيرة لكنه يحتسي الخمر على الدوام، ولا يجد حرجًا في تعنيف زوجته بين آونة وأخرى. والأم عائشة التي تربّي بعض الأغنام في منزلها وتساعد زوجها في تكاليف الحياة اليومية، وتدخر سرًا بعض النقود لوقت الحاجة، وتصرّ على تعليم ابنتها الوحيدة رغم معارضة الوالد الذي يشكو دائمًا من ضيق ذات اليد. تذهب نازلي إلى المدرسة وتتفوق على أترابها وتُقبَل في إحدى الجامعات بإستانبول، "المدينة الكبيرة التي تكتظ بالمتسكعين والسيئين والمشؤومين" كما تذهب إحدى جارات عائشة. ومن حُسن الحظ أنّ لديهم صديقة تُدعى نسرين، تعيش وتدير مطعمًا صغيرًا في إستانبول، غادرت القرية ذاتها منذ سنوات. وسوف تتبنى نسرين أمر إسكان نازلي وتشغيلها في المطعم بعد عودتها من الجامعة. وخلال الأيام الأولى تلتقي بمارت الذي يرمم إحدى الشقق السكنية ويسبب لها إزعاجًا جرّاء العمل لكنه يقع في حبها، وتتطور العلاقة العاطفية إلى رغبة في الزواج، ورغم الاحتكاك الذي يحصل بين العائلتين لأسباب طبقية إلاّ أنّ الزيجة تتم، وتنجب نازلي، التي أصبحت معلّمة، طفلها الأول الذي يفارق الحياة قبل أن تحمله بين يديها. تقرّر نازلي زيارة والدتها في القرية وتمكث معها مدة من الزمن حتى تتصور الأم أن هناك مشكلة ما بين الزوجين الشابين. يموت عثمان على حين غرة من دون أن يعاني من مرض ما فتحزن عليه الابنة كثيرًا لأنه لم يكن يُظهر لها حُبه في يوم من الأيام. ثمة أشياء كثيرة تحدث في أثناء هذه الزيارة حيث تلتقي بصديقة الدراسة مريم التي تزوجت من حبيبها جمال وأنجبت طفلة جميلة أسمتها زينب. أما الأم عائشة فقد دوّنت مُذكراتها بخط اليد لتمنح الفيلم بُعدًا ميتاسرديًا جميلاً يعيد قراءة الأحداث من خلال عين الأم التي ضحت بكل شيء من أجل ابنتها ولكن المفاجأة كانت كبيرة حينما ردّت الأم على اتصال مارت الذي أحاطها علمًا بخبر صادم مفاده أن نازلي مُصابة بسرطان البنكرياس وأنّ موتها أمر لا مفرّ منه كما أخبره الأطباء في غيابها، فيطلب من الأم التكتّم على هذا الخبر المروع لكن الأم لا تستطيع السكوت إلى الأبد وتقرر إرسالها إلى إستانبول لغرض العلاج وهي تشعر في داخلها بأنها ستتماثل للشفاء من هذا المرض الخطير. وعلى الرغم من النهاية المفتوحة للفيلم إلاّ أنّ أغنية "أمي" التي ختمت الفيلم تشبه مرثية للفتاة المهددة بموت وشيك لا تريد أن تصدقه، وهي تنتظر حدوث معجزة في زمن خالٍ من المعجزات.

2650 بوستر فلم أمي

كثيرة هي الأفلام الدرامية في الشرق لكن فيلم "أمي" على وجه التحديد يخلو من الافتعال، واستدرار الدموع، ويجعلنا نصدّق أن ما يحدث أمامنا حقيقة وليس تمثيلاً، وهذا هو أحد عناصر نجاح هذا الفيلم على الصعيدين الأدائي والإخراجي اللذين حقّق بهما المخرج التركي مصطفى كوتان رؤيته الإخراجية المتفردة.

 

عدنان حسين أحمد

 

مفيد خنسةالحب في شرع إينانا ربة الجمال والحب والغواية والجنس والحرب عند السومريين له مواثيق وعهود، ولا عشق مقبول لديها من غير الالتزام بها والوفاء بشروطها، إنها أشبه بالتعاليم التي أوصى بها الأنبياء والمرسلون بأمر إلهي عظيم، والشاعر السماوي يستحضر هذه الوصايا ويصوغها في إطار شعري حمل عنوان (وصايا إينانا) . وهي إحدى قصائد مجموعته الشعرية (نهر بثلاث ضفاف) التي سأحاول أن أجري عليها دراسة تطبيقية لمنهج النقد الاحتمالي .

الفرع الأول:

يقول الشاعر:

(قبل أن تدخلني فردوسها الأرضي إينانا

وترضى بي ناطوراً إذا عسعس ليل الخدر

والفلاح في بستان واديها

إذا الصبح ائتلق

قالت العشق مواثيق

فلا عشق إذا لم تحفظ الميثاق

ما أشرقت الشمس

وما آذن بالنجم الغسق

لي تعاليمي التي أوصى بها

رب الفلقْ

لا تكن

ذئبا على الظبية والظبي

ولا سبعا على الشاة

ولا إن شبت النار

ورقْ

ومُبيعاً

ذهب العشق إذا جعت

بصحن من شبقْ

لست من مملكتي

إن كنت تخشى متعة الإبحار

خوفا من غرقْ

وتغض الطرف عن شوك يقي وردك من مبتذل إن "ظفر" الود

فسقْ

لا تمد اليد للآفك والمنبوذ والكامل نقصا وسفيه ذي مجون

وحمقْ

ولئيم الجذر والغصن ..

فإن الغصن نسل الجذر

هل يثمر غصن فاسد الجذر كروماً وحبقْ ؟!)

يبين هذا الفرع صورة الشاعر العاشق قبيل دخوله فردوس إينانا الأرضي، وعقدته (قبل أن تدخلني فردوسها)، وشعابه الرئيسة هي: (وترضى بي ناطورا إذا عسعس ليل الخدر) و(الفلاح في بستان واديها) و(قالت العشق مواثيق) و(لي تعاليمي التي أوصى بها رب الفلق) و(لا تكن ذئبا على الظبية والظبي) و(ولا سبعاً على الشاة) و(ولا إن شبت النار ورقْ) و(لا تمد اليد للآفك والمنبوذ والكامل نقصاً / وسفيه ذي مجون وحمقْ) أما فروعه الثانوية فهي: (فلا عشق إذا لم تحفظ الميثاق / ما أشرقت الشمس / وما آذن بالنجم الغسقْ) و(مبيعا ذهب العشق إذا جعت / بصحن من شبقْ) و(لست من مملكتي / إن كنت تخشى متعة الإبحار خوفا من غرقْ) و(وتغض الطرف عن شوك يقي وردك / من مبتذل إن " ظفر" الود / فسقْ) و(ولئيم الجذر والغصن ..) و(فإن الغصن نسل الجذر / هل يثمر غصن / فاسد الجذر كروماً وحبقْ) .

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع إنشائي وفيه يقرر الشاعر كما أن هناك فردوسا سماوياً لإينانا فإن لها فردوسها الأرضي أيضاً، وهو الفردوس الذي ينشئه الشاعر بالحب في الشعر، وفي هذا الفردوس يفترض الشاعر أن لربة الحب والجمال شروطاً للدخول إلى هذا الفردوس، كما أن هناك شروطا للدخول إلى الفردوس الأعلى الذي وعد الله المؤمنين به، جنات عدن، فإذا كان عرضها السموات والأرض فلنا أن نتخيل كم سيكون طولها، وفي سياق هذا المعنى فإن الشاعر يحاول أن يعبر عما يريد أن يقوله من خلال الحب وناموسه، من خلال الحب وأصوله ومستلزماته، من خلال الحب وخصال المحب العاشق الصادق، من خلال الحب السامي في القلوب النقية الطاهرة الزكية، من خلال الحب الذي يتمتع حاملوه بمكارم الأخلاق، إنه ينص بالشعر على المبادئ والقيم التي يجب أن يتحلى بها العاشق حتى يفوز بنعمة الفردوس لدى إينانا، فقوله: (قبل أن تدخلني فردوسها الأرضي إينانا) أي بعد أن وصل إلى فردوس إينانا الأرضي، لأن الدخول لا بد أن يسبقه الوصول الذي يشير إليه المعنى ضمنا، والوصول درجة عالية لا يصل إليها في عرف العاشقين المتصوفين إلا أصحاب التجارب الكبيرة في التضحية والصبر والتفاني في العشق المقدس، وقوله: (وترضى بي ناطوراً إذا عسعس ليل الخدر/ والفلاح في بستان واديها / إذا الصبح ائتلق) يشير إلى إنشاء معان تعتمد في مكوناتها اللغوية على مفردات ذات دلالات دنيوية سفلية حقيقية، كما تعتمد على مفردات ذات دلالات علوية مجازية، وهكذا تبقى التراكيب محافظة على المشهد الشعري الذي ينسجم مع المعنى العام الذي أراده الشاعر وهو الفردوس الأرضي وهذا مصطلح شعري يحتاج إلى شجاعة في التفكير وثبات في اليقين، وهنا لا بد من التوضيح لما تقدم، فقوله: (ترضى بي ناطوراً) يشير إلى المعنى السفلي الذي تشير إليه مفردة (ناطور)، وقوله: (إذا عسعس ليل) يشير إلى معنى علوي، ويذكرنا بقول الله تعالى وقسمه بالليل إذا عسعس (والليل إذا عسعس .. سورة التكوير الآية 17) أي إذا أظلم، والإضافة إلى الخدر بقوله: (إذا عسعس ليل الخدر) للإشارة إلى المعنى الأرضي، فالخدر كما يشير إلى خباء البنت فهو يعني هنا خباء إينانا الأرضي أيضا، وهذا التقابل بين الأرضي والسماوي، بين الواقع والواقعي، بين الحياة الفانية على الأرض ونعيم الفردوس الأبدي مقصود ومدروس بعناية كما تشير المعاني وتوحي الدلالات، وقوله: (والفلاح في بستان واديها) يشير إلى المعنى الدنيوي، بما تعنيه المفردات المستخدمة (فلاح، بستان، وادي) كلها تشير إلى الأرضي من ذلك الفردوس الذي وصل إليه،وعطف (الفلاح) الذي هو اسم معرف على (ناطوراً) والذي هو نكرة فهو أسلوب خاص بالشاعر ليعرف النكرة بالعطف ! وما دام على باب الفردوس فيحق له، وقوله: (إذا الصبح ائتلق) يشير إلى المعنى العلوي

وهو يذكر بالبيان الإلهي العظيم بقوله تعالى وقسمه بالصبح إذا تنفس (والصبح إذا تنفس .. سورة التكوير الآية 18)، وقصد الشاعر بقوله: (والصبح إذا ائتلق) أي إذا لمع وأضاء، وسنلاحظ في هذا التركيب الشعري التقابل بين المتضادات، (ليل، صبح)، (عسعس، ائتلق)، كما سنلاحظ التقابل بين المتوافقات (بستان، فردوس)، (وادي، أرضي)، والتقابل بين المكونات (الفلاح، الناطور، إينانا)، ومجمل القول إن هذا التمهيد المكثف الذي يسبق الدخول إلى الفردوس من جهته، ويسبق قولها له من جهتها، يبين أهمية اللحظات والوقت الثقيل الذي يمر بطيئاً قبل الدخول إلى فردوسها، وقوله: (قالت العشق مواثيق / فلا عشق إذا لم تحفظ الميثاق / ما أشرقت الشمس / وما آذن بالنجم الغسق) يشير إلى أن هذا الميثاق في العشق لدى إينانا له صفة الديمومة الأبدية فلا عشق لديها ما لم يحفظ العاشق الميثاق على الدوام، ما دامت الشمس والنجم وما دام الليل والنهار، وقولها: (لي تعاليمي التي أوصى بها / رب الفلقْ) أي لها شروطها المقدسة كما أمر الرب العظيم، وقوله: (لا تكن / ذئبا على الظبية والظبي / ولا سيفا على الشاة ولا إن هبت النار / ورقْ) يشير إلى أن الميثاق قد جاء على شكل وصايا بالأمر والنهي، فهي تأمره ألا يكون متجبراً على المستضعفين، وألا يكون ضعيفاً أمام المتجبرين، وقوله: (ومبيعاً / ذهب العشق بصحن من شبق) أي ألا يبيع كنوز الآخرة الثمينة بشهوات وملذات الدنيا الرخيصة، وقوله: (لست من مملكتي / إن كنت تخشى متعة الإبحار / خوفا من غرقْ) أي لا يدخل فردوسها من يحرمه من متعة الإبحار الخوفُ من الغرق، في إشارة إلى أن من يدخل فردوسها يجب أن يكون شجاعاً لا يخاف من الغرق إذا جاب بحار الحب الواسعة والعميقة، وقوله: (وتغض الطرف عن شوك بغى وردك من مبتذل إن "ظفر" الود فسق) أي يجب أن يكون فطنا نبيها في الحفاظ على الحدود في العلاقات من دون أن يتغافل عن أذى امرئ رخيص إذا وثق به وبادله الاحترام سارع إلى الغدر والخروج عن الحد والحق، وهذا شرط أخلاقي في السلوك الخاص للعاشق في مملكة الحب لدى إينانا، وقوله: (لا تمد اليد للآفك والمنبوذ والكامل نقصا / وسفيه ذي مجون /وحمق) أي تنهاه على صيغة الشرط قبل الدخول إلى الفردوس عن مواصلة أربعة من الرجال، الكاذب والمنبوذ والناقص والسفيه الأحمق قليل الحياء وقوله: (ولئيم الجذر والغصن .. / فإن الغصن نسل الجذر / هل يثمر غصن / فاسد الجذر كروما وحبقْ) يشير إلى تخصيص الرجل الخامس الذي تنهاه عن أن يمد يد العون له، أو أن يقيم معه ادنى مستوى من العلاقة وهو الرجل اللئيم الأصل والمنبت، فهذا لا أمل فيه ولا خيرمنه لأن الغصن فرع من أصل، والغصن الذي يكون جذره فاسداً لا يمكن أن يثمر ثمراً مفيداً ولا يمكن أن ينبت ريحاناً فينشر رائحة زكية حميدة .

الصورة والبيان:

هذا الفرع جاء على شكل وصايا مباشرة فالصورة البيانية كادت تغيب فيه، فقوله: (إذا عسعس ليل الخدر) استعارة، وقوله: (لا تكن ذئباً على الظبية والظبي) تمثيل.

الفرع الثاني:

يقول الشاعر:

(كن على الجاحد

سوطا ..

وندى للورة العطشى

وإن أظلم درب

كن ألقْ

وكن العكاز للمكفوف ..

والدمية للطفل

وعشا للعصافير ..

وللصحراء إن أعطشها القيظ

ودقْ

واحذر

المرخص ماء الوجه من أجل بريق

زائف اللمع

ووغد يحسب الحيلة واللؤم حذقْ

إن ثوبا من حرير الذل

أبهى منه في العز رداء من خرقْ

ورغيف التبن

أشهى لأبيّ النفس من

خبز الملقْ)

يبين هذا الفرع الصورة التي تريده أن يكون عليها، وعقدته (كن على الجاحد سوطاً) وشعاب الرئيسة هي: (وندى للورة العطشى) و(وإن أظلم درب كن ألقْ) و(وكن العكاز للمكفوف ..) و(والدمية للطفل / وعشا للعصافير ..) و(وللصحراء إن أعطشها القيظ / ودقْ) وشعابه الثانوية هي: (واحذر / المرخص ماء الوجه من أجل بريق / زائف اللمع) و(ووغد يحسب الحيلة واللؤم حذقْ) و(إن ثوبا من حرير الذل / أبهى منه في العز رداء من خرقْ) و(ورغيف التبن / أشهى لأبيّ النفس من / خبز الملقْ) .

في المعنى:

هي الوصايا من غير عد، فقوله: (كن على الجاحد / سوطاً ..) كي يقيم عليه الحد فيما ارتكب من آثام وخطايا، وقوله: (وندى للوردة العطشى) فيسقيها ويروي ظمأها فيحييها ويحميها من الذبول والموت، وقوله: (وإن أظلم درب / كن ألقْ) لينير الدروب المظلمة بمصابيح الحب المضيئة ، وقوله: (وكن العكاز للمكفوف) وهذه مروءة، وقوله: (والدمية للطفل) وهذا تواضع، وقوله: (وعشاً للعصافير ...) أي كن أمنا وأماناً، وقوله: (وللصحراء إن أعطشها القيظ / ودقْ) أي كن مطرا على الصحراء التي أعطشها الحر الشديد فتطفئ نارها وتسقي ديارها، وقوله: (واحذر المرخص ماء الوجه من أجل / بريق زائف اللمع / ووغد يحسب الحيلة واللؤم / حدقْ) أي كن حذرا من المتطلبين وإن أظهروا لك وداً زائفا وكن على حذر من منافق وغد يحسب المكر والدهاء والأبلسة ضرباً من الذكاء وحسن التدبير، وقوله: (إن ثوباً من حرير الذل / أبهى منه في العز رداء من خرق) أي الثوب الخرق أبهى وأجمل في حياة عزيزة من ثوب الحرير في حياة ذليلة، وقوله: (ورغيف التبن / أشهى لأبي النفس من خبز الملقْ) أي رغيف التبن البسيطة على العفة أشهى في عرف إينانا من الخبز الذي يمكن أن يحصل عليه المرء من كثرة التودد والتملق باللسان وقلة الحياء في كثرة الطلب والترخيص بماء الوجه .

الفرع الثالث:

يقول الشاعر:

(أنا يا مولاتي الربة _ إينانا _ كما الرند

ينث العطر

إن كر عليه الجمر يوما

فاحترقْ

وربيب الطين

لا أمنح للجذر إذا شذ عن النبض

علقْ

وأنا السهم إذا من شرفة القوس

إلى خاصرة الشيء انطلق ..

فابعثيني بتعاليمك في العشق رسولا ..

ليس عشقا حين لا يفتح بابا مستحيلا

فامطري صمتي هديلا ..)

في هذا الفرع يبين صورة العاشق النجيب المستجيب وعقدته (أنا يا مولاتي الربة _ إينانا _ كما الرند) وشعابه الرئيسة هي: (وأنا السهم إذا من شرفة القوس / إلى خاصرة الشيء انطلق ..) و(فابعثيني بتعاليمك في العشق رسولا) و(فامطري صمتي هديلا ..) وشعابه الثانوية هي: (ينث العطر / إن كر عليه الجمر يوماً / فاحترقْ) و(ليس عشقا حين لا يفتح بابا مستحيلا) .

في المعنى:

نلاحظ أن الشاعر هنا يؤسس إلى إنشاء قصة حب أسطورية، عنصرها الأساسي ربة الجمال والحب السومرية إينانا ومن ثم يعطي الأسطورة أبعادها الحاضرة والمستقبلية، الواقعية والمتخيلة، القريبة والبعيدة وهو الطرف الآخر من الأسطورة، هو العاشق الوفي الحنون، هو المدنف الولوع الشغوف، وإن كان قد انتهى من صياغة وصايا إينانا فإنه يتابع مجيباً من جهته أنه يحقق شروطها أصلاً، فقوله: (أنا يا مولاتي الربة _ إينانا - كما الرند) أي سمعته عطره، وذكره طيب كعود الغار الذي ينشر رائحته الزكية، وقوله: (ينثُّ العطر / إن كر عليه الجمر يوماً فاحترق) أي كعود الغار الذي إذا وضع على الجمر واحترق فإنه ينشر رائحته العطرة الجميلة، والمعنى أنه مهما احترق بنار الحب واكتوى بلظاها سيبقى وفياً لحبه مضحياً من أجل هذا الحب الكبير، ولن يصدر عنه مهما قست الظروف إلا كل ما هو جميل وبهي، وقوله: (وربيب الطين / لا أمنح للجذر إذا شذ عن النبض علقْ) أي إن أصله من الطين، وجبلته منه وهو بحكم تكوينه وأصالته لا يمنح الجذر آلة الامتصاص وهي الأوبار الماصة التي تكون بالنسبة للجذر بمثابة العلقة للامتصاص، إذا كان هذا الجذر شاذا عن الأصل، لأنه أصيل ويحافظ على الأصول، والعلق دويدة تمتص الدم وتعيش في الماء الآسن، والعلقة تمثل طوراً من أطوار نمو الجنين وهذا الطور يلي النطفة المنوية، وهكذا يصبح المعنى واضحاً، وقوله: (وأنا السهم إذا من شرفة القوس إلى خاصرة الشيء انطلقْ) أي هو كالسهم الذي ينقض إلى حيث يكون الهدف في خاصرة الشيء، لا يخذل راميه ولا يخيب أمله، وهو في كل ذلك يطمئنها أنها المناسب لتلك الوصايا وأنه المؤهل بجدارة للفوز والدخول إلى فردوسها الأرضي، وقوله: (فابعثيني بتعاليمك في العشق رسولا) أي سيكون محققا لهدفها بدقة كالسهم الذي يوجهه الرامي إلى خاصر الشيء فيحقق الهدف، وقوله (ليس عشقاً حين لا يفتح بابا مستحيلا) أي في عرفه فإن العشق يمنح العاشق قدرة تجعله قادرا على أن يفعل ما كان يعتبر تحقيقه من دون الحب أمرا صعباً للغاية، وقوله: (فامطري صمتي هديلا ...) أي إنه العشق الذي يفعل المستحيل فيحول صمته وكتمانه لهذا الحب العظيم إلى إعلان كبير كالمطر حين يهطل في كل مكان .

الصورة والبيان:

يتراوح الأسلوب في هذا الفرع بين الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي وفي الأسلوبين تتجلى الصورة الشعرية فقوله: (أنا يا مولاتي الربة _ إينانا _ كما الرند) تمثيل، وقوله: (إن كر عليه الجمر يوماً فاحترق) استعارة، وقوله (وربيب الطين /لا أمنح للجذر إذا شذ عن النبض /علقْ) كناية عن الأصالة . وقوله) شرفة القوس) استعارة، وقوله (خاصرة الشيء) استعارة، ويصبح التركيب (وأنا السهم إذا من شرفة القوس / إلى خاصرة الشيء انطلقْ) صورة شعرية ثنائية البعد، وقوله (فامطري صمتي هديلا) استعارة .

الفرع الرابع:

يقول الشاعر:

(رب حين يعدل الدهر الطويلا ..

وطويل الدهر يغدو برهة لا تسترقْ

أرضعتني لبن الإنصاف أمي

وأبي علمني أن ألذّ الخبز

ما يعجنه من جبهة الكد عرقْ

فإذا زغت عن العهد

أكون الابن بالأم وبالوالد عقْ

فاقبليني سندباداً سومرياً

يسأل الله إذا أبحر في بحرك أن يرزقه

نعمى الغرقْ)

يبين هذا الفرع نسبية الزمن بالنسبة للشاعر العاشق، وعقدته (رب حين يعدل الدهر الطويلا) وشعبته الرئيسة هي: (وطويل الدهر يغدو برهة لا تسترقْ) أما شعابه الثانوية فهي: (أرضعتني لبن الإنصاف أمي) و(وأبي علمني أن ألذ الخبز/ ما يعجنه من جبهة الكد عرقْ) و(فإذا زغت عن العهد أكون الابن بالأم وبالوالد عقْ) و(فاقبليني سندبادا سومرياً / يسأل الله إذا أبحر في بحرك أن يرزقه نعم الغرقْ).

في المعنى:

يبين الشاعر المعنى النسبي للزمن، فقوله: (رب حين يعدل الدهر الطويلا ..) أي قد يمر على الإنسان وقت قصير من الزمن يعادل زمنا طويلا، ولا بد من أن نتساءل كيف يكون ذلك ؟ إن الشاعر يشير في هذا المعنى إلى الزمن النفسي، أوالزمن الروحي وليس الزمن المكاني المادي، فالزمن النفسي يمتد إذا كان زمن انتظار ولهفة وشوق وترقب، وهو زمن انتظار الشاعر قبل الدخول إلى فردوس إينانا الأرضي،ولعله يشير إلى زمن الوصايا والوقت المنتظر لوضع العهد والميثاق !، وأيا كان هذا الزمن بالنسبة للشاعر فهو زمن قليل يعادل دهراً طويلاً، وقوله: (وطويل الدهر يغدو برهة لا تسترقْ) أي وبالمقابل ومن المنظور نفسه فإن زمنا طويلا قد يمر على طوله كما تمر البرهة القصيرة، وذلك قياسا بالزمن النفسي الذي يمر به الشاعر العاشق الذي يمر سريعا وهو في حضرة المحبوبة وفي نعيم عطائها الذي يجعله لا يحس بانقضاء الوقت من شدة السعادة والفرح بالحب العظيم،ومختصر القول في هذا المعنى، إن الزمن يتعلق بالبعد الروحي للإنسان فيطول حين يكون زمن انتظار وترقب ولهفة، ويقصر إن كان راحة وطمأنينة وفرحاً، وقوله: (أرضعتني لبن الإنصاف أمي) يشير إلى أنه ما من داع إلى كل هذه الوصايا وكل هذه الشروط وكل هذا المواثيق، فالوقت يمر عليه بطيئا وكأنه دهر طويل، ليؤكد لها أن الإنصاف والحرص على العدل في ميزان الحق الذي توصيه به كان قد رضعه من تعاليم أمه من نعومة أظفاره، وهو تحصيل حاصل لديه، وقوله:(وأبي علمني أن ألذّ الخبز/ ما يعجنه من جبهة الكد عرقْ) يعني المعنى ذاته أي إن أباه قد علمه الحرص على يكون رغيف الخبز الذي يأكله من تعبه وعرق جبينه لأنه سيجده أكثر الأرغفة لذة وفائدة، ليؤكد أن هذه التعاليم والوصايا والمواثيق هي مجبولة بتكوينه، ويريد أن يطمئنها لكي تزداد يقيناً بما هو عليه من الكفاءة والاستحقاق، وقوله:(فإذا زغت عن العهد أكون الابن بالأم وبالوالد عقْ) أي إذا أخل بالعهد والوعد والميثاق لا يكون قد خالفها وحسب بل يكون قد خالف الوالدين وأصبح ولداً عاقا أيضاً، وقوله: (فاقبليني سندباداً سومرياً / يسأل الله إذا أبحر في بحرك أن يرزقه / نعمى الغرقْ) يعني أنه لا يخشى الغرق في بحر الحب، لا بل ويسأل الله أن ينعم عليه بنعمة الغرق، فالغرق في الحب يعني دوام الحياة السعيدة كما يعني دوام الطمأنينة وراحة البال، ولتكن على ثقة منه لأنه كالسندباد السومري البحري الذي له تاريخ أسطوري في المغامرات والإبحار عبر المحيطات البعيدة ويواجه مخاطر الغرق ثم ينجو بعناية ولطف القدر.

تقاطع الأزمنة:

إن زمن القصيدة هنا هو أشبه بزمن المقابلة السريعة في امتحان لإعلان القبول والنجاح أو الرفض والإخفاق، ويختار الشاعر هذا الوقت قبيل دخوله فردوس إينانا، إنه زمن إملاء الشروط والوصايا، وفيه يعمد الشاعر إلى التكثيف الزمني وإن بدت العظات والوصايا كثيرة، ولا يفوت الشاعر أن يأخذ بعين الاعتبار النسبية لمرور الزمن، فالزمن قائم في نفس الشاعر كما هو قائم بالمكان الذي يحيط بالشاعر نفسه .

النص الممكن:

القصيدة مؤلفة كما لاحظنا مؤلفة من أربعة مقاطع، فإذا أردنا أن نعيد ترتيب المقاطع فيمكن أن نعيد ترتيبها ب(!4 = 24) طريقة، أي يمكن أن نحصل على أربع وعشرين قصيدة ناتجة فقط من إعادة ترتيب الفروع في القصيدة، وإذا لاحظنا أن الفرع الأول يتألف من ثماني شعاب رئيسة وسبع شعاب ثانوية فإننا يمكن أن نعيد ترتيب الشعاب الرئيسة ب(!8= 40320) طريقة، ويمكن إعادة ترتيب الشعاب الثانوية ب(!7=5040) طريقة ولنا أن نتخيل الرقم الكبير الناتج عن جداء الأعداد (40320، 5040، 24) وهو 4877107200 وهذا الرقم يمثل عدد طرق إعادة ترتيب الشعاب في الفرع الأول مع عدد طرق إعادة ترتيب الفروع في القصيدة، وسنرى أن الرقم سيكون كبيرا جداً جداً إذا أجرينا الحساب على عدد إمكانات إعادة ترتيب الشعاب في الفروع الأخرى . وكل حاله من الحلات تمثل قصيدة ممكنة وتشكل نصاً ويمكن لنا أن نصفه بالواقعي، ولكن ليس من حقنا أبدا النظر إليه إلا من وجهة النظر المعرفية، والشاعر سيكون في حل من اي نص آخر غير الذي بين أيدينا لأنه يمثل النص الواقع، وعلينا أن نقبله كنص حقيقي ما دام الشاعر قد أعلنه على هذه الصيغة للعامة .

 

مفيد حنسه

 

 

 

 

الكبير الداديسيمن "زمن الشاوية" حتى "لا تنس ما تقول" [1]

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا من الود ما لا تتسع له الصدور.. نشعر ببعض الغبن عندما يطب منا الإيجاز في ما يستوجب الإطناب، ويفرض علينا تقديم أكلة سريعة خفيفة لضيوف استأنسوا المأدبات الثقافية الدسمة، لذلك نعتذر منذ البداية عن أي تقصير في تقديم قراءة سريعة حول مشروع ثقافي متكامل لمفكر مثقف نقابي كاتب يجمع بين الإبداع والنقد.. ولج عالم الكتابة الروائية مطلع تسعينيات القرن الماضي بمساء الشوق 1992 لتتوالى تدفقه السردي عبر: زمن الشاوية 1994، وروايات أنا أيضا: تخمينات مهملة"، و"رائحة الجنة"، و"لا أحد يستطيع القفز فوق ظله" "مجازفات البزنطي" "أسفار لا تخشى الخيال" "تراب الوتد" "سطات" و"لا تنس ما تقول" ليكون من القلة القليلة في الرواية المغربية الذين استطاعوا خلق تراكم روائي يستحق أن يكون موضوع دراسة ، ويفرض أسئلة عن الثوابت والمتغيرات في مشروع شعيب حليفي؟ الموضوع الروائي؟ اللغة الروائية عند حليفي؟ الوعي والشخصيات؟ البناء الزمني؟ البناء الروائي؟ أساليب الحكي؟ الغاية من تورط حليفي في الكتابة الروائية؟ وخصوصيات الكتابة الروائية عند حليفي؟

صعب جدا الإحاطة بتفاصيل هذا المشروع في جلسة واحدة مهما خصص لها من الوقت، لذا كان التركيز على روايتين أولاهما تعد من اللبنات الأولى لهذا المشروع (زمن الشاوية 1994) والثانية رواية "لا تنس ما تقول" الحائزة على جائزة المغرب سنة2020).. الروايتان كتبتا في ظروف مختلفة، ولكل رواية ما يفردها وما تنماز به عن الأخرى على مستوى الشخصيات والأحداث والزمان طريقة الحكي.. لكنهما تتشابهان في ملامستهما لقضايا كثيرة.. لعل أهمها الانتصار للهوية الثقافية المحلية واختيار نفس الفضاء المكاني لمسرحة الأحداث وتحريك الشخصيات، والاستلهام من التاريخ والتراث الوطني والمحلي، كما تتشابه الروايتان وهذا هو الأهم في نفس البناء: الانطلاق من الشاوية إلى مدينة كبيرة مجاورة (هي في زمن الشاوية الدار البيضاء، وفي "لا تنس ما تقول" القلعة الكبرى والعاصمة) مع انفتاح الشخصية الرئيسة على الخارج (سفر علي الشاوي وابنه في "زمن الشاوية" إلى باريس بفرنسا، وسفر شمس الدين الغنامي في رواية "لا تنس ما تقول" إلى طليطلة بإسبانيا) والعودة إلى الشاوية بهدف تغيير الواقع مع الإيمان بصعوبة هذا التغيير أمام مادية العصر واستفحال الفقر، الجهل، الشعوذة وصعوبة مواجهة المخزن المتحكم في كل صغيرة وكبيرة لتبقى الكتابة متنفسا تستدرج كل شخصية لكتابة روايتها الخاصة، وإظهار من يتقن العزف على الحروف كمن يملك المفتاح السحري لهذا الواقع الملتبس.. الروايتان تلتقيان في ال "هنا" (الشاوية) الممتدة جغرافيا من نهر أبي رقراق شمالا إلى نهر أم الربيع جنوبا.. وهما قطبا رحى المشروع الروائي لشعيب حليفي..

ونظرا لتعدد الجوانب التي يمكن من خلالها مقاربة العملين سنستلهم أول جملة (عنوان) افتتح به حليفي روايته الأولى "زمن الشاوية" ( الرحلة: عشر نقط لفهم ما جرى) لنأخذكم في رحلة مكثفة عبر عشر نقط في شكل ثنائيات تختزل أسئلة الرواية في مشروع حليفي:

1 - سؤال التجريب والبحث عن الشكل المناسب:

- قارئ الروايتين يدرك اعتماد شعيب حليفي على التجريب في الكتابة الروائية كرؤية فنية جديدة للأشياء وللعالم، من خلال البحث عن الشكل المناسب، لقناعة الروائي أن إشكالية الرواية المعاصرة اليوم هي إشكالية شكل أكثر مما هي إشكالية محتوى، وأن الإشكالية الكبرى لا تكمن في ماذا نسرد؟ وإنما كيف نسرد وبأي لغة وبأي طريقة؟ ما دامت "المعاني مطروحة في الطريق" لذلك تلتقي "زمن الشاوية" و"لا تنس ما تقول" في تجريب طريقة جديدة في بناء الرواية تخلق لدى المتلقي شعورا بالارتباك، تجعل القارئ البسيط المتعود على الكتابة الكلاسيكية يجد صعوبة في تتبع الخيط الناظم (fil conducteur) بين مكونات المحكي..

- وهذه الطريقة الجديدة تبعد الرواية عن مجرد سرد أحداث تخييلية من الذاكرة، إلى إجبار الروائي على البحث المضني عن الشكل المناسب والمحتوى المقنع المشوق، من خلال النبش في التاريخ والفكر، الجغرافيا الأنتروبولوجيا.. وهو ما يحيل الروائي إلى ما يشبه المفكر المؤرخ السياسي والمصلح.. وتستدرج القارئ هو الآخر للبحث، فلا يمكن لقارئ (لا تنس ما تقول) مثلا أن تحيط بموضوع الرواية ما لم يكلف نفسه عناء البحث عمن يكون بويا صالح هذا؟ والغوص في المعرفة التاريخية لفهم عقيدة البورغواطيين والربط بين هوية البطل (شمس الغنامي) و(صالح بن طريف) البرغواطي..

2 – الاستلهام من التاريخ وأسطرة الزمن:

- الروايتان تستلهمان من التاريخ وتعملان على تحيين التاريخ وتغليفه بعديد القضايا الآنية، وترميان بالقارئ في أتون أزمنة ماضية من تاريخ المغرب: فإذا كانت "زمن الشاوية" تعود بالقارئ إلى النصف الثاني من القرن 18 وبالضبط مرحلة حكم السلطان محمد بن عبد الله، وبداية ما يعرف في تاريخ المغرب بالسيبة مع الانفتاح على الثورة الفرنسية.. فإن رواية "لا تنس ما تقول" تتوغل في التاريخ أكثر لتُلقي بالمتلقي في العصر الوسيط زمن البورغواطيين وشخصية صالح بن طريف (بويا صالح) الروايتان وإن كانتا تستلهمان من التاريخ فهما لا تندرجان في الرواية التاريخية بمعناها المدرسي وإن كانتا تغترفان من التاريخ، ولا تروم إعادة كتابة التاريخ، وإنما تستحضر التاريخ وتنبش في ثناياه مستحضرة شخصيات، رموزا، تجارب انتصارات وانكسارات أحداث وقضايا لم ينصفها التاريخ والمؤرخون، أمام هيمنة قراءة رسمية همهما طمس جوانب من الهوية الثقافية لهذا الحيز الجغرافي/الوطن، وهذا الوجدان المشترك/الأمة ..

- لم تكتف الروايتان بالنبش في الزمن التاريخي والعودة لمحطات من زمن الشاوية، بل حضر فيهما مفهوم الزمن بقوة، وجعلتاه قوة فاعلة محركة للأحداث وتجاوزتا أنسنة الزمن وإسناد أفعال إنسانية إليه، إلى أسطرة هذا الزمن وجعله قادرا على فعل ما عجزت باقي القوى الفاعلة في الروايتين فعله.. بل جعلتا الزمن شكلا يتسع لكل المعاني السالبة والموجبة والمطلقة التي يستحيل الإحاطة بها كلها في مقال قصير ومنها ويكفي تأمل هذه الأمثلة القليلة ليستوعب القارئ هلامية ومطاطية الزمن:

(زمن الشاوية هو زمن الموت والقتل والفوضى)[2]

(زمن الشاوية الملتهب الحارق العلقم بمرارة الشيح والشندكورة والمريوت... زمن

الشاوية هو زمن العزلة والمنافي المربوطة بسلاسل الضيم والمفاجأة[3]

زمن الشاوية يلتهب وقفاطينه تحترق ص 150

زمن الشاوية مثل حطبها القطاطعية يتصيدون في الماء العكر. ص28

زمن الشاوية المتقلب بطواحينه المفضوحة والمستترة..

زمن قد يضيق على صاحبه وقد يمتد به لكل مالا تستطيع أن تلملمه الذاكرة من حكايات، فيصبح (من حق كل شاوي أن يحلم في زمن الشاوية بما يشاء)32 كما قد يصبح خصوصيا حميميا (زمن الشاوية جزء من حسابات الكاشوش التي يحتفظ بها كل واحد لنفسه في ساعات العبت)، وفي نفس الوقت يعدو عاما مطلقا.. ورغم تقلبات وزئبقية زمن الشاوية فإنه يبقى هو هو مهما حاول الماكرون (كما الشيح الهبطي) البحث (عن سبل للالتفاف على زمن الشاوية)ص48.. يأتي الأولياء كسيدي حجاج وابن حمد ويغادرون (دون أن يغيروا شيئا من زمن الشاوية) ص 60 كرمه بدون حدود وذنوبه لا تغتفر فلا يملك سارد الرواية سوى أن يصيح: (سامحني يا ربي فإني لن أسامح زمن الشاوية ) ص 90 أنه زمن يجمع كل المتناقضات، معشوق ومكروه قد يختزل كل الناس، كما قد يُختزل في شخص واحد، قال الشاعر الهداوي في القايد علي:

تقدم أيها الشاوي واضرب ++++ بزمنك الزمن يكن زمن الشاوية

لذلك لا غرابة إن صار أقصى ما يتمناه السارد حرق هذا الزمن لإيقافه عند لحظة تختزل كل الأزمة: (تمنيت لو أني عشت حطابا، حتى أجمع ما أحرق به هذه الشاوية فانهي التاريخ عند مقتل الشهيد القايد علي الشاوي) وهو المقتنع أن الناس يعيشون ويقتاتون على (حكايات زمن الشاوية)53

3 – تشظي الحكاية وتشتيت المحكي:

- قارئ الروايتين يدرك الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في حياكة وتطريز حواف حكايته ليجعل الرواية وحدة دالة لها وظيفة معينة، لكن سرعان ما يخيب أفق انتظاره أمام تعدد وسرعة الانتقالات بين الأمكنة والأزمة، تشظي الحكاية وتفتيت وتشتيت المحكي عن قصد، والرهان على ذكاء القارئ في إعادة هيكلة معمارية الحكاية وترتيب وقائعها، تنويع الحكايات وطريقة الحكي، باعتماد التضمين (حكاية وسط حكاية) وإتقان لعبتي التصريح والتلميح في إعلان الكاتب/ السارد لموقف من عديد القضايا الراهنة والموروثة كاختيار سردي ينشد تشييد عوالم سردية مختلفة، ليخرج حليفي في هاتين الروايتين بهذه الفوضى الخلاقة همها صناعة تاريخ من خلال السرد، دون الادعاء النيابة عن المؤرخ في كتابة التاريخ..

- ومن مظاهر هذا التشظي تبويب الروايتين في عناوين فرعية، فهما تنطلقان معا من رغبة في تغيير الأجواء فكان أول عنوان في "زمن الشاوية" هو (الرحلة أو عشر نقط لفهم ما جرى) وكان أول عنوان في رواية "لا تنس ما تقول" هو (يصعد الموج إلى السماء) وأن هذا التفتيت المقصود نما وتطور بتطور مشروع حليفي وإذا كانت الرواية الأولى متضمنة لخمسة فصول في كل فصل عدد من المشاهد تختلف بين الترقيم والعنونة، فإن رواية زمن الشاوية ... وفي الروايتين يكاد يفتح كل عنوان متاهة سردية أمام القارئ يعتقد أنها سنتفرد بشخصية أو بمكان أو حكاية فرعية فإذا به يتيه في سراديب ذلك التبويب ليجد نفسه متورطا في إعادة حياكة الحكاية والتعامل معها كوحدة وتلك هي الغاية التي يرنو إليها الكاتب في توريط القارئ في إعادة البناء السردي..

5 - تعدد الأصوات ومغربة الرواية

- بالإضافة إلى تشتيت المحكي وانتقال السرد من حكاية لأخرى، ومن شخصية لأخرى ومن مكان لآخر ومن زمان لآخر، فإن الروايتين كتبتا بطريقة اجتهد فيها شعيب حليفي لتكون تجريبية تعمد فيها السرد التناوبي، فكان السرد في "لا تنس ما تقول" بين سعيد، شمس الدين، صلاح وجعفر وأصدقاءهم ناهيك عن السارد الأكبر الذي يتحكم في كل خيوط اللعبة السردية يبعد من يشاء ويقتل من يشاء.. متجاوزة التقسيم النمطي للرؤية السردية، وعلاقة السارد بالشخصيات، صحيح أن السارد يمنح الحرية للشخصيات كي تعبر عن مواقفها ورؤيتها.. لكنه في ذات الوقت متحكم في كل كبيرة صغيرة يصف ويسرد كل ما تفعله الشخصيات وما تفكر فيه في خلوتها ونومها وحلمها.. يعرف ماضيها ومستقبلها، يحركها كالدمى، لتقف الرواية في مشروع شعيب حليفي عصية على كل الضوابط التي ينظر لها شعيب حليفي الناقد، وهو ما يجعل صوت شعيب الناقد غيره صوت شعيب المبدع..

- إن تعدد الأصوات صاحبه تعدد في ضروب الوعي وتعدد الثقافات، والمبالغة في توظيف المحلي الذي قد لا يفهمه إلا المغاربة وأحيانا إلا أهل الشاوية، وظف السارد كل ذلك لتوهيم القارئ بواقعية الأحداث، وقد تعمد إيراد مقاطع سردية باللغة العامية وتعريبها أحيانا، وفق مقصدية السارد الأكبر مما يجعل من الروايتين كتابة مغربية بامتياز، وكأن هدف حليفي مغربة اللغة العربية، من خلال تعريب الدراجة المغربية، وتدريج العربية الفصحى، فيأخذ مثلا أمثال عربية مثل (عادت حليمة إلى عادتها القديم) ليمغربها ويصبح المثل (عادت ريمة لعادتها الديمة) مغربيا له حكاية مرتبطة بالشاوية وأهلها .. كما تحكي رواية حليفي حكايات شعبية من المغرب العميق مشحونة بدلات شعبية كحكاية الغولة التي ترمي بثدييها المرتخيين على كتفيها ص29. أو بدلالات دينية مثل كرامات بعض الأولياء كقدرة بعضهم على جمع لحم الذبيحة وإعادتها للحياة بعد توزيع لحمها.. وكرامة ذلك لولي القادر على جعل الرحى تدور وتطحن الزرع، ووضع القدور ملأى بالطعام على النار، وإشعال النار بنفس الأيادي اللا مرئية .. وولي آخر بإمكانه تفجير العيون والمنابع..) وتبقى المغربة أكثر وضوحا في الجانب اللغوي بتوظيف معجم مغربي من قبيل: الرزاز، الزميتة، السيبة، القطاطعية، العزارا، الزطاطة، التزطيط، السبسي.. بعض الأماكن ناهيك عن بعض العادات، التقاليد، الأمكنة والألبسة المغربية يقول في وصف حصّاد: (يلبس الصباعات القصبية ويلبس التبندا ..) 33 وهي أوصاف لن يفهمها إلا من عاش في البادية المغربية وعرف عن قرب طقوس الحصاد والدرس..

6- التمرد على النمط الكلاسيكي والانتصار للتصور الحداثي في البناء،

إذا كانت الرواية الكلاسيكية كأدب نخبوي (كلاسيكية من essalc وتعني طبقة أو نحبة) تقوم على مخاطبة النخبة المثقفة من خلال العناية بالأسلوب. الحرص على فصاحة، متانة اللغة، وأناقة العبارة. التعبير عن العواطف الإنسانيّة العامة. توظيف الأدب لخدمة الأغراض التعليميّة، واحترام التقاليد الاجتماعيّة. وقيام الرواية على مفهوم البطولة، فتجعل الأحداث تتمركز حول شخصية رئيسة تسعى لتحقيق هدفها، تربطها علاقات سالبة أو موجبة مع شخصيات أخرى لا تتحرك إلا في دور ثانوي خدمة لفكرة أو معارضة فكرة البطل... فإن مشروع شعيب حليفي في روايتيه (زمن الشاوية، ولا تنسى ما تقول) يركز على تقريب الرواية من الهم اليومي، وربط ال هذا اليومي بالتاريخ، معلنا مقتل مفهوم البطل باختيار شخصيات كثيرة تتناوب على السرد، بطريقة تجريبية تسعى إلى فهم كيفية عمل الوعي الإنساني اليومي ومنه فهو لا يقدم نفسه كحامل معرفة، وإنما مجرد صاحب رؤية للعالم، مقتنعا حتى الثمالة بكون الكتابة مجرد مغامرة لاكتشاف هذا العالم، وتورط في محاولة فهم الذات أولا قبل فهم العالم، ومتمردا على الثوابت المتعارف عليها في السرد وفي بناء الرواية، ككاتب حداثي من حقه مساءلة السائد، والتساؤل عن الممكن.

7 - الانتصار للتاريخ المهمل

إذا كان الحاضر هو ما يحدد الموقف من الماضي، فإن شعيب حليفي كمثقف ملتزم، ونقابي وسياسي قادم من منطقة يراها ضحية التهميش .. فمن الطبعي أن ينتصر مشروع شعيب حليفي الروائي للتاريخ المهمل، وتاريخ الهامش، مقابل التاريخ الرسمي وتاريخ المركز الذي يرعاه التحالف الطبقي المسيطر ويسخر له مؤسسات تشرعنه، لذلك ركزت الروايتان على التاريخ الشعبي، والتأريخ من خلال الرواية لمنطقة الشاوية التي ظل للأسف تاريخها شفويا، فجاءت رواية "زمن الشاوية" و" لاتنس ما تقول" لفتح هذه الكوة في مشروع تنويري، يستهدف عولمة القضايا البسيطة، وجعل التاريخ المحلي قضية إنسانية، وحليفي في كل ذلك مؤمن بأن كتابة الروائية لا يمكن أن تعوض وظيفة المؤرخ، وإن كان الروائي يتجاوز المؤرخ بتجاوز الاقتصار عما صار، إلى الحديث عن المحتمل وكما يجب أن يصير.. لأن المؤرخ الرسمي يبني مشروعه على الانتقائية وتتحكم في اختياراته اختيار زاوية معينة للتأريخ تتناسب والتوجه الرسمي.. في حين استحالت الرواية كاميرا تجوب الشوارع وتلتقط ذبذبات الناس في عفويتهم وإن كان الروائي هو الآخر ينظر من زاوية معينة وتتحكم فيه الثقافة التي أنتجته والإيديولوجية التي تأثر بها خاصة عندما يكون الروائي نقابي ويحسب على توجه سياسي معين له مواقف مررها عبر شحوص الرواية من المخزن وهياكله من المقدم ، الشيخ، القايد ..) ونظال أهل الشاوية ضد ضغيان وجبروت المخزن

8 - المزج بين الفصحى والعامية في توق للمغايرة

وبحث عن لغة ثالثة تظيف للمعجم لمسة خاصة وتشيكلا جديدا قادرا على نقل الأحاسيس بعفوية، فيكون التأثير والوقع قويا على القارئ الذي يفهم معاني تلك الوحدات المعجمية، رغم ما قد تطرحه من صعوبة الفهم لدى القارئ العربي الذي قد يجد صعوبة في فهم بعص كلمات المعجم الدارج المتعلق ببعض المواسم أو الحرف (التباندا)

تجنب استعمال لغة الآخر فرغم أن بطل زمن الشاوي زار فرنسا وبطل (لانس ما تقول) زار اسبانيا طبقات راقية واشتغل مترجما لعدة لغات ... لم تنفلت إلى النصين أي كلمة من هاتين اللغتين..

ماذا أكتب ولمن أكتب في الرواية؟ في رواية أنا أيضا .. تخمينات مهملة) (وسأكشف أنك لم تكتب عني وإنما عن نفسك.) يجيبه (اكتب عنك لأهرب من ذاتي ومن السأم والضجر)

تنويع طرائق التعبير وتعدد الرواة

اشراك القارئ وإيهامه أنه جزء من هذه الهوية الثقافية المراد بناؤها والتي تدعو الرواية إلى بعثها والحفاظ عليها

9 - توظيف التراث واستغلال الموروث:

بطريقة تبرز استيعاب حليفي للتراث المغربي وتراث الشاوية خاصة، بطريقة لا تقوم على اجترار واستنساخ المتداول من الموروث، بل ليضع الحاضر من خلاله موضع مساءلة، واستثمار وما تتيحه نصوصه من إمكانات لتوليد أشكال جديدة ، وقضايا نابضة لها علاقة بالواقع الحافل بالتطورات والمتغيرات حتى يستجيب لروح العصر، وذلك من خلال استحضار النص التراثي السردي الشفهي وآليات تناصه في قوالب فنية جديدة تربط الماضي بالحاضر، لتؤسس لنفسها تجربة متفردة تنبني على التأصيل والتجريب

10- الرمزية والعجائبية:

تميزت روايتا "زمن الشاوية" و"لا تنس ما تقول" باعتماد الرمز طريقة في التشكيل وفي بناء المعنى عبر استدعاء أعلام أماكن أو قصص للتعبير عن موقف ذلتي أو جماعي، في سعي للفكاك من المباشرة والتقريرية، وخلق توتر فني للقارئ من خلال حالة لفهم علاقة الإنسان بذاته، بتاريخه، بوطنه ووجوده.. والتفوق على المؤرخ في نقل ما يجري بخلق عالم متخيل متعدد الأبعاد يغدو فيه الرمز قناعا وسيرة درامية، مما يجعل من الرواية وليدة نصوص قديمة لكنها منفصلة عنها، بفعل تشذيب الروائي للرمز ، هكذا مثلا أضحى بويا صالح رمزا في رواية (لا تنس ما تقول)

أما العجائبية فتتجلى في الكثير من الحكايات الشعبية (حكاية ريمة) ومن خلال كرامات الأولياء فنجد علي الشاوي السارح يتجنه المطر والطوفان، ومولاي علي بوعزة قادر على إحياء الموتى وجمع لحم الذبيحة لتغدو ماشية كما لو أنها لم تذبح، ويكفي أن تصيح فاطمة منادية على أحد الأولياء فينكم أالشراف حتى بدأت الرحى تدور وتطحن الزرع، والقدور الينية على نار أشعلتها نفس الأيدي اللامرئية.. ويفيض نبع العين..) والروايتان مليئتان بمثل هذه الأحداث التي لا يصدقها عقل، وتحوم بالقارئ في عوالم غرائبية وما فوق الطبيعي، بطريقة يمتزج فيها الواقع بتخوم الخيال،

ما يشبه التركيب:

يستنتج إذن من خلال الروايتين أن مشروع شعيب حليفي يقوم على وحدة المكان والموضوع والمنظور، وإذا كانت العادة أن يسكن الإنسان مكانا أو أمكنة، فمن خلال الروايتين يبدو حليفي هو المسكون بالمكان، إذا جعل كل مظاهر التجريب في خدمة مشروعه الروائي، واتخاذ التجريب لتجليات وتمظهرات تمتح من التراث المحلي لتقدم للقارئ كتابة سردية تخييلية حافلة بالحركة والحوار والسخرية والنقد دون أن تتنصل رواياته من معانقة اليومي، أو تتملص من التشخيص الوصفي لواقع يزداد زئبقية منفتحة على ما هو حداثي، وهي تستهدف خلخلة بعض الثوابت في الرواية العربية التقليدية، وتحاول الانفلات من أي ضوابط قد تكبلها، وتقزم دورها وحركيتها، عسى تفرض نفسها في دائرة التلقي الأدبي بخصوصيتها وشكلها الجديد، وصياغة أسئلتها وإشكالاتها الخاصة بها بعيدا عن كل استنساخ واجترار. جاعلة من الزمن موضوعا روائيا ووسيلة للحكي من خلال العزف على تقنيات الزمن السردي من استرجاع، وقف، مشهد قطع .. بطريقة تؤسطر الزمن وتجعله قوة فاعلة في الرواية.. وجعل الرواية ملتقى كل الفنون شعر، أغنية شعبية، مسرح، حكاية، تاريخ ، جغرافيا أنتروبجيا.. ذلك أن (عقل صاحب التجريب يجب أن يكون فعالا أعني انه ينبغي أن يستوجب الطبيعة ويوجه إليها الأسئلة في كل اتجاه) كلود بيرنار، وبذلك يكون حليفي قد تجاوز مرحلة التجريب بحثا عن الشكل المناسب إلى اعتماد التجريب تقنية جديدة في الكتابة الروائية، جاعلا من رواياته كما قال باختين (مغامرة دائمة تبحث فيها الكتابة وقد تحررت من قواعد الشكل ومن قيود المضمون عن عوالم جديدة وأشكال جديدة.) . كل همه إصلاح حال الشاوية / الصالحية بالنهل من الحكايات الشعبية واستلهام التاريخ، والاستنجاد بالمتخيل دون أن يتخلص من السيري الذاتي الذي يبقى حاضرا بقوة، فيشم القارئ الكثير من شعيب حليفي مبطنا في الروايتين ويتم تمريره عبر شخصيات معينة..

ما يميز كتابات حليفي كونها تترك أثر لها في المتلقي ــــ ولا تمر من كما تمر السفينة تُحْدِث رجة في مياه البحر وينمحي أثرها سريعا بمجرد مروهاــــــ لأنها تحمل القارئ إلى عوالم وفضاءات لم يسبق للرواية أن ولجتها، تعتمد الحلم والعجائبي والتراث، وتنفتح على آفاق تجريبية أوسع وأرحب لفهم الواقع والحياة اليومية بتناقضاتها.. ولإدراك الذات من جهة أخرى متجاوزة اجترار وتكرار النموذج الكلاسيكي مبنى ومحتوى..

 

الكبير الداديسي

..............

[1] ألقيت الخطوط العريضة لهذه الدراسة، في الندوة التي احتضنتها كلية آسفي مساء الخميس 20 ماي 2021 تحت موضوع: شعيب حليفي وأسئلة الإبداع والنقد في الرواية المغربية المعاصرة.

[2] زمن الشاوية ص 74

[3] زمن الشاوية ص 81

 

محمد كريم الساعديمسرحية الجزيرة الخرساء وهي من تأليف وأخراج (ابو القاسم الزهيري) وتمثيل (علي العذاري / فلاح حسن / نور آل عطية / أمير حيدر) وتقديم رابطة عيون الفن الثقافية، هذه المسرحية التي أفتتح بها عروض مهرجان المسرح الشبابي والتي أقامته الرابطة ذاتها بدعم من نقابة الفنانين في العراق وكلية الفنون الجميلة جامعة بابل، وقدمت العروض على خشبة قسم التربية الفنية في كلية التربية المختلطة جامعة الكوفة وباشتراك أكثر من (12) عرضاً مسرحياً من فرق مسرحية من عدد من المحافظات العراقية .

تعد هذه المسرحية تمثيل لمجتمع تعود السكوت في زمن التجاوز على الحقوق والأرض والانسان وكرامته، فتحول سكان الوطن الى صامتين ساكتين عن أهدار الكرامة وهذا ما حمله النص في خطابه الموجه من خلال العرض المسرحي الى الجمهور، ليذكر باللحظة المعاصرة التي يمر بها الانسان في هذه الأرض .

أشتغل الفضاء المشهدي في العرض ومفرداته الديكورية التشكيل اللعبة المسرحية من انطلاقة العرض في مسرحية الجزيرة الخرساء بصوت ضربات الطبول والألوان الحمراء والزرقاء المتداخلة والتي غطت فضاء المسرح وصولاً الى أشتغال ورقات الفحص الطبي التي تحولت باستخدامات متعددة في ايدي الشخصيات الأربعة الجالسة في حركة افقية ممتدة من يمين المسرح الى يساره في جلوس على اربعة من الصناديق التي تتحول في اللعبة المسرحية الى استخدامات عدة منها مقاعد جلوس واخرى منصات وقوف للخطابات واخرى تدل على الطبول وغيرها من الاستخدامات مع خلفية زخرفية تبين مستطيلات متداخلة من المستطيل الأكبر الذي يحتوي بداخله مجموعة من المستطيلات المتداخلة لتمثل بعد بؤري في هذه الخلفية والتي تعطي مع الأضاءة بعداً جمالياً أو بعداً تأويلاً ذات دلالات معينة كأنها توابيت،أو اطارات صور للأحداث، أو فقط جانب جمالي للعرض لا أكثر قد يؤولها المتلقي في أثناء التقاء حركة ما في العرض، لأن الشخصيات لا تؤدي أي فعل مباشر مع هذه الخلفية، ولعبها أكثر مع الصناديق الصغيرة الأربعة فقط، هذا اهم ما حفل به فضاء العرض من ديكور يشكل مشهدية العرض المسرحية .

وبالعودة الى صوت الطبول التي ترافقها أصوات ضرب الاقدام على الارض من قبل الممثلين مع تصاعد الايقاع حتى يصل المشهد الى الذروة الصوتية يقطعها لحظة صمت يدخل بعدها صوت المذياع الذي يشغله الممثل في الطرف الايسر من المجموعة وبصوت مطرب عراقي قديم وبكلمات تدلل على الحزن من خلال اغنية (يكليبي سل وذوب سل وتفطر) دلالة على الحزن في داخل المجتمع (الجزيرة الخرساء)، وبعدها تداخل الممثلة قاطعة لهذه الاغنية ذات الطابع التراثي والايقاع البطيء، بإيقاع غربي سريع مع رقصة تحمل معها الراديو الذي تلقيه على الارض ليتكسر وتنهي أغنية النوح والبكاء، وتعطي انطباع بأن هذا المذياع يعني الخضوع للحزن الذي يسيطر على اهل هذه الجزيرة الخرساء، فهل هذا الكسر هو دلالة للخلاص من الماضي؟ أم من الحزن والبكاء؟ أم من كل ما هو معرقل لحركة التطور والتجديد ؟ وهذا الكسر هو اشارة الاحتجاج الأولى التي تظهر من المجموعة ضد ما يواجهون من صمت وخضوع وخنوع في هذه الجزيرة التي يتحول المشهد في العرض الى الدخول اليها بعد ان يتشكل العرض ويتحول المشهد الى مشهد الحافلة الداخلة الى هذا الصمت، وبكلمة (طبينه) التي يكررها كل ممثل بطبقة صوتية تدلل على الدهشة من القادم .

اشتغل المخرج على رباعية الجسد وتوظيف هذه الاجساد الاربعة في بناء تشكيلات الهدف منها هو اظهار الاحتجاج المتكرر والرفض ضد أوضاع السكوت على ما يتعرض له اهل الجزيرة ومن ضمنهم الشخصيات الاربعة، إذ يبتدأ المخرج تشكيلاته بخطوط افقيه للأجساد كسد منيع بين لحظتين الاولى الخضوع والثانية المقاومة مروراً بلحظات الاقتحام من خلال ضربات الاقدام وصولا الى توزيع الاجساد في فضاء العرض مع حركات تدلل على التعذيب بسبب المقاومة التي تفرضها الشخصيات ضد سلطة الجزيرة وصولا الى وضع الصناديق على الرؤوس في طريقة اعتقال وغير ذلك وصولاً الى التشكيل الجسدي المتدرج من الاسفل الى الاعلى وتنوع الاهداف حسب نوع الحوارات بين المبتهل الى السماء والمتهكم من أوضاع الخضوع دون أي موقف محرك للأحداث في الجزيرة .

إنَّ العرض أظهر تنوع الشخصيات المقدمة من الممثلين فكل ممثل جسد أكثر من شخصية وقد تنوعت الشخصيات بناءً لتغير الأهداف والمواقف، ومن هذا الشخصيات التي بلغ عددها أكثر من عشرة شخصيات مؤداة، منها شخصية الثائر وشخصية المتهكم وشخصية المعذب وشخصية المحكوم عليه بالإعدام وشخصية الخاضع وشخصية المؤمن المبتهل، وشخصية المناضل المعترض وشخصية الصامت الخائف وغيرها  وكل هذه الشخصيات صاغت حبكة العرض المسرحي .

إنَّ دلالة العرض المسرحي ومحاكاته التي أظهرت الاحتجاج في بعض أوقات العرض بصورة مباشرة وأخرى غير مباشرة، فالأولى كانت مباشرة في عرض أحداث تشرين في العراق من خلال ذكر بعض الدلالات التي تقدم صورة هذه الأحداث والمطالبة بوطن من خلال خروج التظاهرات في هذا الوقت واستشهاد بعض من ابناء هذا الوطن على ايدي حراس النظام،أو من ينتمي الى السلطة، وفي الصورة الثانية غير المباشرة كان نقد ظاهرة السكوت من قبل ابناء هذه الجزيرة على الظلم الذي تعرضوا له دون أن يحركوا ساكن،أو يجابهوا الظلم . لذلك ظهر الاحتجاج في هذا العرض في اكثر من مستوى:

1- الاحتجاج ضد السلطة على الجزيرة الخرساء وما أوصلت اليه الحياة في هذه الجزيرة .

2- الاحتجاج ضد ابناء الجزيرة وصمتهم على كل انواع الظلم وما يتعرضون له في هذه الجزيرة .

3- الاحتجاج على طرق الموت وفقدان الاحبة الذي ما زال مستمر في هذه الجزيرة .

4- الاحتجاج على ضياع الحقوق والتي في أولها الوطن ومن ثم الحقوق الأخرى التي فقدوها في هذه الجزيرة .

5- الاحتجاج على نسيان من ضحى لأجل الارض وقد خرج من أجل حقوق أهل الجزيرة الخرساء .

العرض المسرحي (الجزيرة الخرساء) هو لحظة احتجاج ضد السكوت واثارة التساؤلات عن الوضع القائم في هذه الجزيرة والذي استمر النصف ساعة حفلت أيضاً ببعض الهفوات ومنها وقوع العرض في التكرار في بعض الاحداث، والاخطاء اللغوية لدى بعض الممثلين، وكذلك بعض الاخطاء في البناء المشهدي في العرض اي أن لحظات الهدم والبناء في بعض المشاهد كانت غير منضبطة وخاصة في الموسيقى التي تقطع في بعض الاحيان بشكل مفاجئ، أو في حركات الممثلين يكون هناك بعض الارباك في بناء المشهد الجديد . لكن عموماً كان عمل الشباب في العرض جيد قياساً مع الإمكانيات المتوفرة، وكون بعضهم لم يرتقي خشبة المسرح في السابق، وكذلك ان بعض التمارين الخاصة بالعرض لم تكن كافية من أجل انضاج المسرحية بشكل متكامل.

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

 

 

جمعة عبد اللههذه الرواية هي الجزء الثاني ورباعية الليل على ضفاف ليالي مدينة السماوة، ولكن أو ما يلفت الانتباه، بأن لوحات عناوين هذه الرباعية (الليل في نعمائه. الليل في عليائه. الليل في بهائه. الليل في نقائه) هي عناوين استفزازية، بهدف شحن عقل القارئ وتركيز تفكيره وذهنه الى صياغة الحدث السردي، وكذلك في شحن الاغراء في هذه العناوين المبهرة، بلا شك هناك اختلاف متناقض بين محتوى المتن الروائي وهذه العناوين الساحرة في الليل في أقمارها الساطعة. بينما نجدها هذه الليالي مليئة بالحزن والاسى والإحباط المخيب بأثقاله، انها حكايات الحزن العراقي المدورة من حكاية الى الآخرى. ترسم بواعث الحزن ومرارته، نلمس الحب المقموع رغم عذريته وشغافه الشفافة في الروح والوجدان في نقاوة قلب النسوة، يحملن الطيبة الريفية والقروية الى حد السذاجة المتواضعة، يحملن قلوب كبيرة. في هذه الرواية في حكاياتها الحزينة والمريرة، لكنها تشدد على الرؤية الفكرية ومضاربها الدالة بالمغزى العميق. الذي يحرث بأن القوة الجبروتية الطاغية والمتسلطة في تسلطها في نهج الإرهاب الفكري، غير قادرة على قمع الثقافة الإنسانية والإبداع الادبي، قادرة على خنق القلوب بالحزن، ولكن غير قادرة على موتها وقتلها . مهما بالغت في تشديد طوق الحصار . وعندما يتوقف الارهاب الفكري، يتوقف والاضطهاد والقوانين الارهابية، تنهض الثقافة والفكر من رماده متوهجاً أكثر من السابق.وتعوض سنوات الخنق والحصار. لذلك يطرح الاديب (زيد الشهيد) رؤية فكرية خلاقة في الابتكار في المغزى الفكري الدال على هذه الثيمة وموضوعها الأساسي الثقافة والإرهاب. في الصياغة الفكرية التي تعتمد على الابتكار والتناص واستلهام والمقارنة المدهشة، بين حزن الشاعرة الروسية (أنا أخماتوفا) وهي من أشهر شعراء الروس، انبثقت موهبتها الشعرية وهي صغيرة السن (بعمر 12 عاماً) بشكل مرموق ودأبت في صعود نجمها الشعري في السنوات اللاحقة الى الشهرة العالية والواسعة، لكنها توقفت عندما وقفت بقوة في وجه الإرهاب الفكري الستاليني المتسلط. نتيجة لموقفها الإنساني والوطني، عاقبها ستالين. في إعدام زوجها، بسجن ابنها الوحيد في منافي سيبيريا. وكانت تقف مع الطوابير لساعات وساعات طويلة تحت الصقيع القارص، وفي الاذلال في المعاملة الخشنة من حراس السجن، من أجل زيارة ابنها السجين، ولم يكتف ستالين بهذا القدر من القسوة، وانما ايضاً أمر بسجنها ومنعها من الشعر، وطردت من اتحاد الكتاب والادباء الروس، بل سجنت في بيتها. هي محاولة سلبها من حق الحياة والموهبة الشعرية. أن تكون تحت طائلة الحزن والتعذيب النفسي. وهذه بعض المقاطع من ديوان (قداس جنائزي) كتبته في سنوات العجاف والحصار. وافرج عنه بعد عشرين عاماً من الحجر الابداعي:

لقد جلبت لنفسي هلاكاً محبباً...

بلايا واحدة تلو أخرى

فيا لمصيبتي

إن هذه القبور

هي نبوءة لكلماتي

**

 الى...... الموت

ما دمت ستأتي، فلمَ ليسَ الآن ؟

أنني أنتظرك..... أنني متعبة

لقد أطفأت النور..... وفتحت لك الأبواب....

**

لا تبكي عليَ يا أمي

أنا هنا في القبر

**

يدخل القمر بقبعة مائلة

ويرى ظلاماً

هذه امرأة وحيدة،

الزوج في القبر والابن في السجن

صلوا لأجلي أذاً

 هذه محنة الشاعرة (أنا أخماتوفا) مع ارهاب ستالين وكل على شاكلة ستالين من الطغاة ، ضد دعاة الثقافة الانسانية الحرة والابداع الاصيل، لان غطرسة الطغاة المتعالية، يريدون كل الادب والابداع لوحدهم فقط لا لغيرهم، في التمجيد والتعظيم لشخصياتهم المجنونة والمتهورة بحماقات لا تغتفر. يضع الاديب (زيد الشهيد) هذه حكاية الحزن مع حكاية (نبيلة) القروية طيبة القلب التي هجرت قريتها وجاءت الى مدينة السماوة، وهي تحمل في خيالها موهبة فطرية في الابداع الفني بشكل ملهم، اذا كانت الشاعرة (اخماتوفا) في موهبة الابداع الشعري ووجدت الثعبان ستالين امامها يطاردها بالقمع والارهاب الفكري. فأن (نبيلة) في موهبتها الفنية الملهمة في حياكة الازر والنقش عليها برسوم بخيال ملهم، لكنها وجدت أمامها ثعبان ستالين ولكن بشكل آخر. في استغلال طيبتها وحبها في سرقة جهدها الفني، هكذا استغل الرسام (جلال) فكان يستنسخ الرسوم الموجود على الازر التي تحيكها، وتحويلها الى لوحات رسمية يدعي بأنها من إلهامه ومن خياله الفني. هذه الرسوم لروعة خيالها الملهم، نالت الشهرة والاضواء والمال، فأصبح فنان عصره في الابداع التشكيلي، بهذا شكل صعد على قمة الشهرة والمجد والاضواء بواسطة سلم (نبيلة) في حبه المخادع. لهذه الفتاة الطيبة التي تعيش من جهدها وكدحها في حياكة الازر، وكانت تحيك كل سنة ازاراً مدهشاً في رسوم الغزلان، حتى حاكت الازر بعدد سنوات عمرها. وكانت طيبة المعشر عند سكان الحي وحظيت بحبهم واحترامهم ومحبتهم. ولكنها أمنت بصدق بهذا الحب المقموع والمخادع. رغم أن حبها عذري غير مدنس. وكل قلبها يطير فرحاً بهذا العشق الصادق من ناحيتها، ولكن بما تملك من موهبة فنية ملهمة، أصبحت من حصة الآخر وحرمت منها، بينما الرسام المخادع صعد على سلم الأضواء والشهرة والمال. بسلب موهبتها الفنية، مثلما سلب ستالين موهبة (أخماتوفا) الشعرية. وجعلهما تعاني فداحة معاناة الحزن ومرارته. هكذا القدر يسلب المواهب بطرق اللاشرعية ويقمعها بكل أشكال القمع، فمن يستطيع أن يعيد مسار الامل الذي غرق بالحزن (صدى روحها يردد. لا حد للصحراء يا صغيرتي، أن الصحراء كانت عصياً، لا أحد يتنبأ برأفتها فيعيد لقلب الفتاة مسار الامل) ص 16.. فكانت أمرأة مقموعة بالحب رغم جوانحها الصادقة، وكانت تعتقد أن حبها سينقذها من العتمة والوحشة، لكنها كانت على  وهم كبير. فقد تحول حبها الى سكاكين تنهش احشاء قلبها. وكان صديق الرسام (نديم) يلعب دور الوسيط والتواصل بين الجانبين، في إصلاح البين والخلل، لكنه وجد المفارقة كبيرة في التناقض بين طيبة في حبها، والآخر مخادع في الحب. وكان (نديم) ينجرف بشوق ولهفة الى الديوان الشعري (قداس جنائزي) للشاعرة (أخماتوفا) ولا يفارقه ولا يمل من قراءته. ويدرك أن أحلام (نبيلة) بالحب الاخضر ماهو إلا حب أسود معتم. لانه يستغل العاطفة المتوهجة في روح (نبيلة) ليكون سلماً صعوده على سلم نشوة الاضواء والشهرة. في عقلية مخادعة بالغرور والتعالي، رغم ظاهره في البهرجة المزيفة من جانب الرسام (قالت له: أسمي نبيلة، فرد في سره، بل أسمك ِ غزالة. وقال لها : أسمي جلال فهتفت في قلبها. بل أسمك بستان) ص55. وتصاعدت ضغوط الاهل أن ترجع الى قريتها من أجل الزواج. وهذه يعني عليها ان تودع الحب المقموع الى القبر، بعدما انقطع عنها الرسام بحجج واعذار واهية  وغاب كلياً عنها، لانه اخذته الشهرة والاضواء بعيداً عنها. شعرت ان حياتها وصلت الى هاوية الجحيم. كأنها سقطت من مرتفعٍ عالٍ. لذلك فكرت برمي نفسها في النهر، لانها جزعت من المعاناة والحزن ولم تعد تتحملها (يا الله. ما هذا العذاب) ص90. ولكنها اكتشفت خداع الرسام المزور في الحب والموهبة، حين وجدت المجلات تنشر رسوما على أغلفتها، وهي رسومها من بنات أفكار موهبتها الفنية (أيكون حضوره لبيتي قصد جمع أحجار فني ليعرضها على أنها من بنات أفكاره وتوهج موهبته؟.. أتراه يتجنب وجودي معه، وما يبعث من كلام ترج واعتذار إنما من باب جبر الخواطر) ص100. لذلك تيقنت بأن حبه لها طواه النسيان وكان بهدف سرقة جهدها الفني، وينسبه الى نفسه، انها سقطت في فخ الخداع والغدر. مما سبب جرحاً عميقاً غائراً في الحزن، وتمنت الموت، مثل (اخماتوفا) تمنت الموت والقبر. بأنها أصبحت تعيش في غمرة الحزن الذي سلبها أعز الاشياء. زوجها انعدم ابنها الوحيد سجين، هي محاصرة في بيتها ممنوع عليها كتابة الشعر. انها في بلوى مجروحة. قال صديق الرسام (نديم) ينصح (نبيله) ان تهجر حبها لانه مقموع وعقيم ولا فائدة ترجى منه، ان تتركه افضل لها (ما هكذا يكون الحب يا نبيلة، ولا هكذا تكون الثقة به.... لقد غاب عنكِ ونسيكِ، فواجب عليكِ نسيانه) ص100. لكن بالمقابل مصابح الشهرة واضواء المجد بدأت تخفت وتنطفي انوارها. وبدأ كالملك العاري من الثياب،  بأنه لا يملك الابداع والموهبة فهجرته الأوساط الفنية والثقافية، وشحت العطاءات المالية. ووجد نفسه بدون هوس الأضواء والشهرة. فقد ذهب كل شيء عنه وسقط في الوحل. كما سقط ستالين وارهابه في الوحل، وهذه نهاية الطغاة في انطفأ بريق مجدهم وشهرتهم، ويسقطون الى قاع الحضيض. فقد انتظرت الشاعرة هذه اللحظة التاريخية. واعادت نفسها الى الحياة مجدداً المقارنة من رماد الحزن، ونشرت ديوانها الشعري (قداس جنائزي). الذي كتبته في زمن الحصار والحزن ، كذلك (نبيلة) فقد جاءها الفرج من (حزين / عشيق حمامة في الجزء الأول من الرباعية) ومد طوق الإنقاذ لينتشلها من الحزن. لكي تعود مجدداً للحياة، لتنتهي حكاية عذاب الليل في مدينة السماوة.

 

جمعة عبدالله