شهادات ومذكرات

عبد الغفار مكاوي.. عاشق الحقيقة

3574 عبد الغفار مكاوييزخر تاريخ الثقافة والتنوير المصري والعربي والعالمي بآلاف الأدباء والشعراء والكتاب والمؤرخين والفلاسفة عبر العصور تنوعت كتابتهم قديما وحديثا بين كافة فروع المعرفة البشرية، وجاء تنوع رموز المعرفة في الكتابة في مجالات عدة مثل الروايات، والقصص القصيرة، والحكايات، والشعر بلغتيه الفصحى، والعامي، والنثر.. دافعا كي ندشن حديثنا هنا عن أستاذنا المبدع عبد الغفار مكاوي (11 يناير 1930 - 24 ديسمبر 2012)- " أستاذ الفلسفة والمترجم والكاتب الأدبي والفلسفي"، والذي دائما أسميه "عاشق الحقيقة"، فقد سُئل ذات يوم : مَن هو الإنسان? فأجاب: الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقاوم الموت بكل أشكاله، وهو الإنسان الذي يواجهه الموت بكل أشكاله المختلفة, ويؤكد مجد الحياة والعقل والحرية لما يبنيه من حضارة وما يبدعه من فن وأدب، وكأنه كائن يتحدى الموت دائمًا، وكأنه يقول للوجود: إذا كنت سأنتهي للعدم ولكنني لست عدمًا، وسأترك ما يدل على وجودي.

وهنا لازمه إحساس مزمن بالمأساوية وتراجيدية الحياة والقدرية, حيث يقول: أنا ريفي، والريفي مسحوق بالقدرية، وهي تحيط به كما تحيط "الخَيَّة" برقبة المشنوق، فما كنت أفعله في طفولتي نوع من الإحساس التراجيدي المتمرد على الحياة والثائر على الظلم وعلى مآسي الوجود وشقاء الإنسان وظلمه, وأستدرك وأقول: إنها ثورة إنسان مكتومة تُفصح عن نفسها في بعض القصص والمسرحيات والكتابات النثرية فيما بعد, ورغم هذا مازلت انطوائيًّا وسلبيًّا من ناحية الكفاح.

هذا الزاهد في محراب الفلسفة الذي لبَّى نداء الحقيقة صباح الاثنين الموافق 24 ديسمبر 2012م، بعد أن ملأ خزانة المكتبة العربية بروائع الثقافة؛ فقد عشق الأدب، وتزوج من الفلسفة، وتناسخت رُوحه في ترجماته الرائعة التي كانت ومازالت جسرًا يصل الشرق بالغرب، فلن ينسى القارئ العربي أن الدكتور مكاوي هو الذي قدم له "برتولد بريخت" كاتبًا مسرحيًّا وشاعرًا، وأيضًا "جورج بوخنر" الذي اعتبره شقيق رُوحه بالإضافة إلى "هيلدرين". أما عمله في كتاب "ثورة الشعر الحديثط (1972-1974م) فكان حدثًا كبيرًا في ذاكرة الشعر العربي المعاصر من خلال المقدمة والنصوص.

ويُعد الدكتور عبد الغفار مكاوي أحد أبرز أساتذة الفلسفة في العالم العربي، كما أنه من أفضل المترجمين من اللغة الألمانية للعربية، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2003م.

كان عبد الغفار مكاوي (مع حفظ الألقاب) يؤكد دائماً أنه لا يترجم إلا نصوصا أثّرت في وجدانه وأحبها، وكان شديد الإيمان بأن الترجمة هدفها الأساسي والوحيد هو المعرفة، ولا يمكن تذوق نص أدبي إلا في لغته الأصلية مهما كانت قيمة الترجمة، فهي في النهاية لا يمكن أن تصل إلى المفهوم المحدد للنص إلا إذا وضع في سياقه .

تعدّدتْ اهتمامات عبد الغفار مكاوى ما بين كتابة القصة القصيرة والمسرح وكتب أكثرمن كتاب فى مجال الفكرمثل "مدرسة الحكمة"،"نداء الحقيقة"، "لمَ الفلسفة"، وكان له دور بارز فى مجال الترجمة فترجم "ملحمة جلجامش" عن اللغة الألمانية، "الرسالة السابعة لأفلاطون"، "دعوة للفلسفة" إلخ وساهم في تحرير مجلتىْ المجلة والفكر المعاصر.

وكمبدع موسوعى كتب مكاوى عددا من المجموعات القصصية منها: "ابن السلطان"، و"الست الطاهرة"، و"أحزان عازف الكمان" وغيرها، أما في مجال الدراسات الأدبية فقدم: "سافو شاعرة الحب والجمال عند اليونان"، و"ثورة الشعر الحديث"، و"المسرح الملحمى جذور الاستبداد"، و"شعر وفكر" وغيرها، أما مجال الترجمة فأثر أيضا بعدد من الأعمال المهمة منها: "جوته الأقصوصة والحكاية"، و"برشت"، و"ملحمة جلجامش"، وفى الفلسفة كتب: "ألبير كامى .. محاولة لدراسة فكره الفلسفي"، و"مدرسة الحكمة"، و"نداء الحقيقة"، و"معالم الفلسفة" وغيرها.

وقد قال عنه أستاذنا الدكتور "فيصل بدير عون"- أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس أن الدكتور مكاوى كان رجلا عف اللسان، كرمته جامعة القاهرة منذ أسبوعين، وعلى المستوى العلمى فحدث ولا تسل، كان صاحب تكوين علمى فريد، وأعماله العلمية تمثل علامات فارقة فى مجالها واذا كان الدكتور زكريا إبراهيم قد أطلق على أبى حيان التوحيدى لقب «أديب الفلاسفة وفيلسوف الادباء» فهذا اللقب يصلح أيضا للإطلاق على الدكتور عبد الغفار مكاوي، الذى كان له إسهامات لافتة فى مجال الكتابة المسرحية والقصصية ونقد الشعر وترجمته، وكان مدققا لأقصى درجة، ولا ينسب رأيا إلى قائله إلا وهو موثق توثيقا علميا، وكان يميل بطبيعة الحال إلى الاتجاه المثالى الذى يتناسب مع طبيعته.

أما الدكتور "الطاهر مكى" فكان يرى أن الدكتور "عبد الغفار مكاوى" عالم موسوعى بامتياز ومن أبرز أعماله ترجمة الديوان الشرقى لجوته، الذى ترجمه ترجمة نثرية دقيقة وأمينة، بعد احتضان النص والفناء فيه والتخلى بقدر الإمكان عن إقحام الذات الشخصية والجماعية عليه، وكان رحمه الله يرى أن الترجمة هى الخطوة الأولى على الطريق لما يسمى بالأدب العالمي، لابد من تمثلها واستيعابها حتى نصبح جزءا من تكوين الوجدان الثقافي العربي.

ولد عبد "الغفار مكاوي" في 11 يناير عام 1930م بمحافظة الدقهلية، وفي عام 1937م دخل المدرسة وبدأ وعيه يتفتح على حب اللغات والاهتمام بالفنون؛ وفي عام 1947م عندما قرأ رواية "آلام فيرتر" لشاعر الألمان الأكبر "جوته" التي ترجمها أحمد حسن الزيات؛ راوده إحساس غامض -كما يقول- بأن مصيره سوف يرتبط بهذا الشاعر الفيلسوف، لم يعلم في ذلك الحين أنه سوف يرتبط كذلك بالأدب والفكر الألماني.

أقدم مكاوي على تعلم اللغة الإيطالية في معهد (داني الليجيري) بالقاهرة، وحصل على منحة لمدة ثلاثة أشهر عام 1953م للدراسة بجامعة (بيروجيا للأجانب). ثم ركز من عام 1954 إلى عام 1957م على دراسة اللغة الألمانية مع الالتحاق بمدرسة الألسن، كما حصل في عام 1957م على منحة لمدة عشرة شهور للدراسة في ألمانيا؛ وهكذا نرى أن حب اللغات ودراستها وعشق الفنون قد تجذر وتأصل في وجدان وفكر الدكتور مكاوي الذي درس الإنجليزية والألمانية والإيطالية والفرنسية، لكن اللغة الألمانية تأتي في المرتبة الأولى من حيث الإتقان والإجادة والتجويد، بل استأثرت بنصيب الأسد في مترجماته التي نقلها إلى العربية.

وقد حصل "عبد الغفار مكاوى" على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة عام 1951م، والدكتوراه في الفلسفة والأدب من جامعة فرايبورج عام 1962م، وعمل بقسم الفهارس الأجنبية بدار الكتب المصرية، وبالتدريس بقسم اللغة الألمانية عام 1965م، ثم بقسم الفلسفة عام 1972م، ثم بجامعة صنعاء من 1978 إلى 1982م، كما عمل بجامعة الكويت من 1985 إلى 1995م.

بدأ "عبد الغفار مكاوى" حياته شاعرًا، وذلك خلال دراسته في المدرسة الابتدائية في مسقط رأسه “بلقاس”، وهي مدينة تتبع محافظة الدقهلية, وأيضًا بعد انتقاله إلى المدرسة الثانوية في طنطا، وفي القاهرة قرر التوقف عن كتابة الشعر والاتجاه لكتابة القصة القصيرة.

وعن اختياره الدراسة في قسم الفلسفة يقول "عبد الغفار مكاوى": كان من المفترض أن ألتحق بقسم اللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، ولكن الفضل يرجع إلى الدكتور عبد العزيز المليجي الذي درس لي الفلسفة في المرحلة الثانوية -وفيما بعد أصبح من أبرز علماء علم النفس التحليلي في أمريكا- فقد بهرني وسحرني في قدرته على توصيل رسالته. وفي تلك المرحلة بدأت علاقة حميمة بيني وبين أفلاطون حين قرأت المحاورات, فقد كان شاعرًا أكثر منه مُنَظِّرًا، وهو من الأدباء الفلاسفة، ويقوم في داخله صراع بين المنطق والأسطورة, بين الفلسفة والفن, وفي النهاية عبَّر عن نفسه في شكل محاورات, وكما قال شيشرون: إن هذه المحاورات كان تُمثَّل في العصور الوسطى على خشبة المسرح. ولم أندم على دخولي قسم الفلسفة فقد درس لي زكي نجيب محمود، ويوسف مراد، ومصطفى حلمي، وأحمد فؤاد الأهواني، وعبد الرحمن بدوي.

وعندما تم تعيين "عبد الغفار مكاوى" في دار الكتب في قسم الفهارس لم تكن الوظيفة هي الحدث؛ بل لقاؤه برئيس دار الكتب وكان توفيق الحكيم الذي قرأ له قصتين ونصحه بالابتعاد عن الجامعة والتفرغ لكتابة القصة، ولكنه للأسف لم يفعل.

ويرى "عبد الغفار مكاوى" أن "البنيوية" جاءت بعد أن كبر في السن وتم تكوينه، فلم تدخل في دائرة اهتمامه فقرأ فيها ولم يتحمس لها. أما "التفكيكية" فلقد راجع بعض الأبحاث فيها فوجد أن "جاك دريدا" رجل "مُسَفْسِط", ربما يكون أديبًا ولكن بالنسبة للدكتور مكاوي فهو مخرب على حد تعبيره.

وكان يرى أن البداية الحقيقية لمستقبل الثقافة العربية أن نؤمن بضرورة الثقافة، وأنها مسئوليتنا جميعًا، وليست ديكورًا أو ضوضاء ومؤتمرات كما يقولون ويفعلون، وأيضًا هي عطش وجوع حقيقيان للحرية والعدل، والثقافة هي طوق النجاة الوحيد.

وكان "عبد الغفار مكاوى" ينظر لنفسه في مرحلته المتأخرة بأنه أديب أكثر من كونه مشتغل بالفلسفة، وكان يعتبر إنتاجه الأدبي الجزء الأعز بالنسبة له من بين كل أعماله؛ ومن ترجماته الفلسفية "نداء الحقيقة" لمارتن هيدجر، و"مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة تريد أن تصبح علماً" لكانط، ومقدمة كتاب "نقد العقل الخالص"، لكانط أيضاً.

كان "عبد الغفار مكاوى" عاشقا للعلم والحكمة أنى وجدت، فهو أولى بها، ينتمى الراحل إلى جيل الخمسينيات فى الجمعية الأدبية المصرية، وكان من أعضائها فاروق خورشيد، وعبد الرحمن فهمي، وعزالدين إسماعيل، وأحمد كمال زكي، وشكرى عياد، وعبد العزيز الأهواني، ورغم تخصصه فى الفلسفة الغربية على كثرة تياراتها ومذاهبها، فإنه اهتم أيضا بالفلسفة الشرقية لمصر القديمة ووادى الرافدين والسومريين والبابليين والآشوريين، وكان مثله الأعلى فى ذلك أستاذه الدكتور عبد الرحمن بدوي، الذى كان يتقن أكثر من لغة قديمة، وفى رأيه أن المثقف الحقيقى يجب أن يكون له اهتمامات جانبية مثل الآداب والعلوم، وكان يحاور تلاميذه بلغة الأديب ويشرح لهم أعمق الموضوعات بطريقة مبسطة جدا، وكان مغرما بالكلاسيكيات سواء فى التراث العربي أو التراث الإنساني، فقد التمس الحكمة فى الحضارة البابلية، والحضارة الصينية التي يعتبرها أمة غامضة، وترجم كتاب "الطريق والفضيلة» أو الحياة، وكتابه "تجارب فلسفية" جمع فيه بعض المقالات التى كانت مشتتة، تحت عنوان "فلسفة الحياة" لأنها نابعة من الحياة، كما نعيشها ونكابدها كل يوم.

كما انتقد "عبد الغفار مكاوى" سيطرة قيم المنفعة والمصلحة، بعيدا عن معايشة الأسرار والأعماق والمنابع الحقيقية للحياة فى تراثنا التى لا تعلو عليها قيمة سوى الحياة ذاتها التى هى القيمة الكبرى والنهائية، وهى فلسفة كان على رأسها برجسون الفرنسي، وكان يرى أن مصطلح "صراع الحضارات" مفهوم استعماري خاطئ، قصد به مصلحة أمريكا والصهيونية، واستثمر في العراق في أسوأ صورة على حساب الشعب العراقي، وربما يجرب في بلاد عربية أخرى، هذا المفهوم وراءه أجهزة الاستخبارات الغربية، ويعتبر صمويل هنتنجتون عالماً مزيفاً لأنه يغالط فى الحقائق، وفى معلوماته عن الفكر الشرقي سواء كان عربيا إسلاميا، أو شرقيا صينيا، فهو مدسوس، والمخابرات الأمريكية تعمل بكتابه "صراع الحضارات" فهناك تعاون دائم بين الحضارات، بين السومريين جنوب العراق، وبين المصريين القدماء، هم اكتشفوا الكتابة فى وقت واحد تقريبا ولم يكن هذا مصادفة.

وقد رحل "عبد الغفار مكاوى" في صمت عن عمر يناهز 82 عاماً، (يناير 1930 ديسمبر 2012) بعد أن أثرى الحياة الثقافية بترجماته ومؤلفاته، حيث اعتبره الكثيرون أفضل من ترجم من اللغة الألمانية إلى العربية، فقد حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة والأدب الألماني الحديث من جامعة فرايبورج عام،1962 وترجم أهم أعمال كانت وهيدجر .

لقد عاش "عبد الغفار مكاوى" في هدوء، ناسكا في محراب البحث والكتابة الأدبية، بعيدا عن الإعلام، وبهدوء أيضا رحل منذ أيام، فأخطأت -للأسف- بعض المواقع الإخبارية التي تناولت خبر وفاته في صورته، إنه الأكاديمي والباحث والمفكر والناقد والأديب والمترجم الدكتور عبد الغفار مكاوي، الذى وهب حياته للعلم، لدرجة أنه تزوج بعد منتصف الأربعينيات من عمره، هذا الرجل الذى كتب في المسرح: "من قتل الطفل"، و"الليل والجبل"، و"زائر الجنة"، و"بشر الحافي يخرج من الجحيم" وغيرها.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

........................

المراجع:

1- طلعت رضوان: عبد الغفار مكاوى والبحث فى جذور الاستبداد، الانطولوجيا، مقال منشور في القمن عشر من أكتوبر لعام 2021.

2- محمد مخلوف: شخصية ثقافية| عبد الغفار مكاوي.. فيلسوف الأدب، البوابة نيوز، مقال مشور يوم الاثنين 06/ديسمبر/2021 - 08:19 م.

3-محمد سعد: شاعر الفلسفة وأفضل مترجميها.. عبد الغفار مكاوي يلبي "نداء الحقيقة"، 24-12-2012 | 17:30

4- محمد بركة: الأديب الفيلسوف عبد الغفار مكاوي، ملاحق المدي، 2021/09/21 10:36:52 م

5- خالد بيومي: وداعا عبد الغفار مكاوى.. «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء»، مقال منشور بورز ليوسف يوم الخميس 27 ديسمبر 2012.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5706 المصادف: 2022-04-20 01:38:45


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م