شهادات ومذكرات

مهدي عامل.. المفكر الشهيد

3695 مهدي عاملفي الثامن عشر من أيار عام 1987 انطلقت رصاصات غدر وموت لتصيب المفكر المتقدم "حسن حمدان" الشهير بمهدي عامل فترديه قتيلاً في الشارع البيروتي العام، وهو في طريقه الى جامعته - الجامعة اللبنانية معهد العلوم الاجتماعية الفرع الأول، حيث كان يدرس فيها مواد الفلسفة والسياسة والمنهجيات.. أُغتيل في بيروت الوطنية من كتب، ومارس ما كتبه لست مهزوما ما دمت تقاوم.. وقد أُغتيل مهدي عامل بكاتم للصوت محشو برصاصات الحقد و الجهل والظلامية. ظلامية قوى لا تعرف الا طريقة واحدة للرد على كل فكر ومفكر ديمقراطي علماني وطني وهي الاغتيال ؛ وعلى أثر اغتيال مهدي عامل أعلن يوم التاسع عشر من أيار من كل عام يوم الانتصار لحرية الكلمة والبحث العلمي، وباغتياله أصبح مهدي عامل، رغما عنه، أحد أصغر شهداء الفكر في العالم العربي، فهو من مواليد عام 1936، وسرعان ما تتكشف الجريمة الارهابية عن فاعلين مجرمين من حزب الله اللبناني بحسب شهادة الزعيم الشيوعي اللبناني كريم مروة في أكثر من لقاء تلفزيوني وصحفي.

وقد وصفه الأستاذ "سعدون هليل" بأنه كان بمثابة "غرامشي" عربي لقوله: "أما إن يكون المثقف ثورياً أو لا يكون"، كما يصفه أحد المعجبين به بالقول إنه "كان أكثر من مجرد مفكّر ماركسي له كلمات نافذة حتى النخاع في عمق الحقيقة وصميمها العلمي، هو تجربة نضالية متكاملة، تجربة زاوجت بين القلم المحكم والكلمة القاسية، بين الصمود البطولي والمقاومة الرافضة للذل والقهر، بين الفكر المتماسك وسعة الرؤية التي مكّنته من القبض على المشهد بشموليته وتفكيك بناه النظرية"..

وقد سخّر مهدي عامل كتاباته في التنظير والتفسير وكذا السعي نحو التغيير وفق منظوره الماركسي وأدواته في تحليل قضايا السياسة والمجتمع في لبنان، فخاض معركته بشكل متوازي على واجهتين، ضد البرجوازية من جهة والتيار الإسلامي من جهة أخرى، كما عارض الفكر الطائفي ونقده بشدة، كان له موقف حازم من القضية الفلسطينية، ونتيجة لأفكاره اليسارية فقد كان نصيرًا للطبقة العاملة ومعاديًا للشريحة البرجوازية والرأسمالية في المجتمع، نتيجة لأفكاره التي لم تعجب الكثيرين خاصةً أصحاب النهج الطائفي.

ولم يكن مهدي عامل مثقفا ماركسيا فحسب بل حرص علي تجديد الفكر المادي في الوطن العربي بشكل لم يسبقه إليه كثرة من المثقفين الثوريين العرب، وإذا كانت مقولاته النظرية حول التناقض، ونمط الإنتاج الكولونيالي، والدولة الطائفية وغيرها، قد أثارت الكثير من الجدل في أوساط الماركسيين وخصوم الماركسية على السواء، فلأنها مقولات تحمل الكثير من الجدة أو لم تكن مألوفة سابقا في الفكر الماركسي في لبنان وباقي الأقطار العربية .

وقبل مهدي عامل لم تكن لدي الماركسيين اللبنانيين الرغبة في مناقشة بعضهم للبعض الآخر على صفحات الجرائد والمجلات حول مدي مطابقة مقولاتهم النظرية في مجال الدولة الطائفية على المنهج المادي نفسه، فلم يتورع مفكرنا الشهيد، وبجرأة الثوري الأصيل، على نقد رفاق له، ومن موقع الخندق النضالي الواحد، بالانزلاق، عن وعي أو بدون وعي، إلى مواقع الفكر البورجوازي بالذات، فساهم بذلك في تصليب فكرهم المادي وفي تقويم ما أعوج منه، ولكن القوي الظلامية كانت له بالمرصاد فاغتالته في أوج عطائه النظري ونقده البناء الذي طال عددا كبيرا من المثقفين، تناولوا المسألة الطائفية والدولة الطائفية.

بيد أن بعضهم أهمل نقده بتبرم وضجر واتهمه بالغموض، ورد عليه آخرون بشدة، وتحفز فريق آخر للرد، وكان الجميع، على اختلاف مناهجهم النظرية ينتقدون فيه ذلك المفكر الثوري الصلب الذي أعاد بالتقاليد الماركسية في الحوار النظري، وهي التقاليد الذي استشهد في سبيلها، أما مقولاته فلن تنتهي باستشهاده، بل ستبقي حية وتزداد صلابة على الساحة العربية .

والدكتور مهدي عامل من مواليد بيروت عام 1936 من بلدة حاروف قضاء النبطية، وفي العام 1955 انهى مرحلة الدراسة الثانوية من مدرسة المقاصد في بيروت، وفي عام 1956 سافر الى فرنسا ونال من جامعة ليون شهادتي الاجازة والدكتوراه في الفلسفة، وفي العام 1960 انتسب الى صفوف الحزب الشيوعي اللبناني، وفي العام 1963 سافر الى الجزائر واشتغل لمدة اربع سنوات في التعليم في دار المعلمين بمدينة القسطنطنية، وكتب بالفرنسية عدة مقالات نشرت في مجلة "الثورة الافريقية" الصادرة في الجزائر، وفي العام 1968 درّس مادة الفلسفة في ثانوية صيدا الرسمية للبنات وبقي في عمله هذا الى ان انتقل عام 1976 الى الجامعة اللبنانية-معهد العلوم الاجتماعية، ليدرّس فيها مواد الفلسفة والسياسة والمنهجيات.

وتعد هذه الفترة (1968-1976) من الفترات المهمة في حياة حسن حمدان، حيث بدأ فيها ممارسة مشروعه الفكري والكتابة باللغة العربية، في وطنه، لدراسة واقعه الاجتماعي دراسة علمية وتمييز كونية قوانين الماركسية فيه، لتبدأ، بحسب حسن حمدان، «صيرورة الفكر العربي فكرًا علميًا» مبتعدًا عن القولبة وتكرار المقولات الجاهزة. ولقد ادرك خطورة ما يقوم به بقوله:"انها لمخاطرة كبرى ان يفكر الواحد منا واقعه باللغة العربية"، ولقد كانت بداية حسن حمدان في مجلة “الطريق” تحت اسم مهدي عامل، الذي اصبح يُعرف به فيما بعد، وفي عام 1972، صدر كتابه الاول “مقدمات نظرية لدراسة اثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني"، وقسّمه الى قسمين: القسم الاول "في التناقض" والقسم الثاني “في نمط الانتاج الكولونيالي" الذي صدر عام 1976؛ وتكمن اهمية هذا الكتاب في ان مهدي بحث فيه في مجال جديد في الفكر الماركسي، هو إنتاج أدوات المعرفة، وتحديد طبيعة الانتاج في مجتمعاتنا العربية. وهناك جزء ثالث من الكتاب بعنوان "في تمرحل التاريخ"، لم يكمله مهدي عامل. باختصار يمكننا القول أن مهدي عامل عمل في كتابه "مقدمات نظرية" على تمييز كونية القوانين الماركسية في مجتمعاتنا، لينتج ويرسى الأساس النظري لنظامه الفكري الذي وجّه جميع كتبه ومقالاته.

وفي عام 1973، صدر كتابه "ازمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية"، وفيه انتقد أعمال الندوة الفكرية التي عقدت في الكويت تحت عنوان أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي، كاشفًا، بنقده لأعمال تلك الندوة، الشق الذي يحول بين الفكر العربي والتطور، وفي عام 1979، صدر كتابه "النظرية في الممارسة السياسية، بحث في اسباب الحرب الاهلية في لبنان"، ويعبّر عنوان الكتاب عن عملية الربط، التي قام بها مهدي عامل، بين النظرية والممارسة السياسية، والتي مارسها في نضاله اليومي وكشف، في الوقت نفسه، للقانون الذي يحكم الاحداث ويولدها.

وخلال عام 1982، بقي مهدي عامل في بيروت المحاصرة من قبل الجيش الاسرائيلي الذي اجتاحها فيما بعد، وفي تلك الفترة قاوم وناضل وكتب مقالاً رائعًا في مجلة الطريق تحت عنوان "لست مهزومًا ما دمت تقاوم"، وفي عام 1984 صدر ديوانه شعره الثاني "فضاء النون" تحت اسم هلال بن زيتون، وفي عام 1985 صدر كتابه" في علمية الفكر الخلدوني" وهو عبارة عن تمرين، بحسب قوله، لقراءة نص تراثي بفكر مادي علمي. وفي العام نفسه صدر له ايضًا كتاب بعنوان" هل القلب للشرق والعق للغرب-ماركس في استشراق ادوارد سعيد" الوارد في كتاب "الاستشراق" في "ماركس وعلاقته بالفكر الاستشراقي وبالشرق الأسيوي"، وفي عام 1986 صدر كتابه "في الدولة الطائفية" الذي حلل فيه طبيعة النظام السياسي-الطائفي القائم في لبنان، بهدف كشف الصراع الطبقي الذي تحجبه الايديولوجية الطائفية بمظهر طائفي، لتؤيد الانتماء للطائفة لا للوطن، لتأييد النظام السياسي-الطائفي واعادة انتاجه.

وفي عام 1987 كان مهدي عامل يعتزم انهاء القسم الاخير"في عدم وجود نمط معين من الانتاج يمكن تمييزه بأنه نمط انتاج اسلامي"، وفي كتابه القيّم " نقد الفكر اليومي"، إلا أن رصاصات الاغتيال الآثمة منعته من ذلك واردته شهيدًا في شارع الجزائر، أحد شوارع بيروت الوطنية في 18 ايار 1987. وكتابه "نقد الفكر اليومي" يتميز بانه من الكتب النادرة في اللغة العربية التي تناقش وتتعقب الفكر الموجود على صفحات المجلات والصحف، بهدف نقده وكشف توجهاته الفكرية والسياسية، وعلى إثر استشهاد مهدي عامل، أجمعت الهيئات الثقافية والإعلامية والجامعية على اعتبار يوم 19 آيار من كل عام "يوم الانتصار لحرية الكلمة والبحث العلمي".

وفي تلك الكتابات انطلق مهدي عامل من أوليات الفكر المادي لدراسة الطائفية كظاهرة ذات جذور مادية تمتد في البنية البورجوازية الكولونيالية الراهنة لا في أي بنية اجتماعية سابقة على الرأسمالية، ولما كان الفكر البورجوازي اللبناني المسيطر حريصا كل الحرص على إخفاء الطابع الطبقي لدولته البورجوازية ومصرا على أن يأخذ الصراع الطبقي مجري طائفيا يساهم في تأييد النظام السياسي الطائفي لسيطرة البورجوازية، كان الفكر المادي، كما فهمه وطوره مفكرنا الشهيد، حريصا على تعرية هذا التضليل الإيديولوجي الذي تمارسه البورجوازية اللبنانية ضد نقيضها الطبقي، أي الطبقة العاملة وحلفائها الطبقيين، وحريثا أيضا على تحرير الصراع الطبقي من مجراه الطائفي بالذات .

ولذلك رفض مهدي عامل كل المقولات الطائفية التي مستها البورجوازية المسيطرة في محاولة للخروج من مأزقها الراهن في الحرب اللبنانية، وكشف زيف مشاريعها الطائفية التوافقية لما أسمته بالحل السياسي للأزمة اللبنانية، وهو الحل الذي يبقي على سيطرة البورجوزاية ولا يلغيها، فكان مهدي عاملي واضحا كل الوضوح في طرح هذه المسألة بالعمق حين رأي أن الحل السياسي الحقيقي هو الكامن في الجواب على السؤال التالي: " أتغيير للنظام السياسي الطائفي القائم أم تأييد له ؟ .. إنه صراع طبقي بين حلين أو جوابين . فالمسألة في جوهرها أن الأزمة الراهنة هي أزمة البورجوازية اللبنانية، أي أزمة سيطرتها الطبقية، وأزمة بينتها التبعية للامبريالية .

وبعد استشهاد مهدي عامل جُمعت مقالاته وكتاباته التربوية والتعليمية التي كتبها من 1968- إلى 1973 ونُشرت في عام 1991 في كتاب بعنوان" في قضايا التربية والسياسة التعليمية"، حلل فيها الآلية السياسية التعليمية للدولة، في لبنان، التي تعمل من خلالها على ضرب التعليم الرسمي وتعميق الانتماء الطائفي لإعادة انتاج النظام السياسي-الطبقي-الطائفي.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

...................

المراجع:

1-مهدي عامل: مقدمات نظرية: لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني. 1972 الطبعة الأولى، 1986 الطبعة الخامسة.

2-.............: أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية. الطبعة الأولى 1974، الطبعة الثالثة 1989.

3- .............:النظرية في الممارسة السياسية. بحث في أسباب الحرب الاهلية. الطبعة الأولى 1979. الثالثة 1989.

4- .............:مدخل إلى نقض الفكر الطائفي - القضية الفلسطينية في ايديولوجية البرجوازية اللبنانية. الطبعة الأولى 1980. الطبعة الثالثة 1989.

5- .............: هل القلب للشرق والعقل للغرب. الطبعة الأولى 1985. الطبعة الثالثة 1990.

6- مهدي عامل: ويكبيديا الموسوعة الحرة.

7-سعيد الحمد: من اغتيال مهدي عامل إلى اغتيال الهاشمي فتّش عن حزب الله، جريدة الأيام، العدد 11419 الأثنين 13 يوليو 2020 الموافق 22 ذو القعدة 1441.

8-فؤاد النمري: من هو مهدي عامل، إيلاف،  الأحد 13 نوفمبر 2016 - 13:00 GMT

9-د. مسعود طاهر: مهدي عامل رائد التجديد النظرية حول الطائفية والدولة الطائفية في لبنان، الآداب، العدد 1-2، الأول من يناير 1988.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5735 المصادف: 2022-05-19 02:25:03


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5932 المصادف: الجمعة 02 - 12 - 2022م