شهادات ومذكرات

علي حسين: جون فوس يحصد نوبل للأدب بـ "الصمت المؤثر"

من جديد تفاجئنا جائزة نوبل للاداب، وتسخر من توقعاتنا عندما نُصر ان الجائزة يجب أن تذهب إلى كاتب نعرفة وقرأنا الكثير من رواياته .كانت التوقعات تشير الى فوز الروائية الكندية مارغريت آتوود او مواطنتها الشاعرة " آن كارسون " وكنت قد اطلعت يوم امس على قائمة المراهنات على الجائزة، فكان اسم الياباني الشهير هاروكي موراكامي في المراكز المتقدمة، وايضا احتل سلمان رشدي موقعا، ومن افريقيا لا يزال الكيني نغوجي واثيونغو على القائمة منذ سنوات، واضيف للقائمة الصومالي نور الدين فارح، إلا ان السيد أندرس أولسون رئيس لجنة الجائزة ابلغنا ان الجائزة من نصيب الكاتب النرويجي " جون فوس " كما تَّردد الاسم في وكالات الانباء العربية أو "يون فوسه " كما جاء في الترجمات العربية لاعماله وهي رواية " صباح ومساء " التي ترجمتها شيرين عبد الوهاب وامل رواش عن النرويجية "، ورواية " ثلاثية" بترجمة شيرين عبد الوهاب وأمل رواش أيضاً، وصدرت له عن سلسلة المسرح العالمي مسرحية " الكلاب الميتة " ترجمة محمد حبيب .

لم يَّثر فوز جون فوس بالجائزة استغراب المتابعين في الغرب فهو على قوائمها منذ سنوات وكادت ان تذهب اليه عام 2021 عندما منحتها اللجنة للروائي عبد الرزاق جرنه. لكن هل تفاجأ جون فوس مثلنا وهو يستمع الى صوت سكرتير اللجنة ماتس مالم عبر الهاتف يخبره بالفوز؟. كان حينها يقود سيارته في الريف، توقف قليلا ليلتقط انفاسه، لاحظ سكرتير اللجنة ارتباكه فاوصاه أن يقود سيارته الى البيت بحذر. امام باب المنزل الانيق الذي يقع وسط مدينة اوسلو قرب القصر الملكي، وقد منحه اياه ملك النرويج تقديرا لمساهماته في الفنون والثقافة النرويجية. امام المنزل الملكي كانت وسائل الاعلام بالانتظار قال للصحفيين ان الأمر مدهش واصابه بالخوف الى حد ما .يخبر مراسل هيئة الاذاعة النرويجية انه كان يعد نفسه بحذر منذ عشر سنوات لتلقي مثل هذه المكالمة المدهشة، مضيفا ان الجائزة منحت " للأدب الذي يهدف أولا وقبل كل شيء إلى أن يكون أدبا، دون أي اعتبارات أخرى".

بيان لجنة الجائزة وصف "جون فوس"، بأنه "كاتب رائع في نواحٍ عديدة". وان ما يميز اعماله: " هو التقارب في كتاباته. فهو يمس أعمق المشاعر التي لدينا - القلق، وعدم الأمان، وتساؤلات الحياة والموت - مثل هذه الأشياء التي يواجهها كل إنسان "، واضافت اللجنة في بيانها أن: " هناك نوع من التأثير العالمي لكل ما يكتبه. ولا يهم إذا كان دراما أو شعر أو نثر، فهو يتمتع بنفس القدرة من الجاذبية "، فيما قال أندرس أولسون رئيس لجنة الجائزة ان فوس: " يؤثر علينا بعمق عندما نقرأه، وعندما، نقرأ عملاً واحدا، نجد انفسنا نستمر ونستمر " واصفا اياه بانه يمزج بين تجذر اللغة وطبيعة خلفيته النرويجية مع التقنيات الفنية في أعقاب الحداثة.

ناشر أعمال فوس قال للصحفيين الذين امتلأت بهم مكتبته: إنه كاتب استثنائي، تمكن من إيجاد طريقة فريدة تماما لكتابة الرواية، ما ان تفتح أي كتاب له وتقرأ سطرين، فستكتشفه انه كاتب متفرد ليس بامكان غيره ان يكتب مثل هذه الروايات والقصص " .

الكاتب البالغ من العمر 64 عاما يعد اشهر كتاب المسرح في النرويج يصر ان يكتب بلغة نينوشك أو النرويجية الجديدة، وهي لغة اهالي الساحل الغربي للنرويج، كتب حوالي 40 مسرحية بالإضافة إلى الروايات والقصص القصيرة وكتب الأطفال والشعر والمقالات التي وصفها الروائي النرويجي كارل كناوسغارد بانها: " تقف خارج الفن وتُمعن النظر فيه، تسبره وتستقصيه، متسائلة عن طبيعته بطرق مفهومة لي، لك، لنا، وترتبط بالتالي بالعالم الاجتماعي، متنقلةً بطريقة تبدو فيها، تلك المقالات، تشبه زمانها "، وهي حسب كناوسغارد تختلف عن ادبه الذي ينظر ابطاله من الداخل إلى الخارج، إلى العالم والقارئ معاً " .

ولد جون أولاف فوس في التاسع والعشرين من ايلول عام 1959 في هوجيسوند على الساحل الغربي للنرويج، ونشأ في مدينة ستراندبارم، لعائلة من الطبقة المتوسطة، تعرض في السابعة من عمره لحادث كاد أن يؤدي بحياته، يقول بأنه "أهم تجربة" في حياته، وانه صنعه ككاتب وفنان. كان يطمح في مراهقته أن يصبح عازف غيتار يقرر الانضمام الى احدى فرق موسيقى الروك قبل ان يتركها بعد ان وجد ان الكتابة هي طريقه الوحيد. نشأ في بيئة قريبة من " الحركة اللوثرية التقوية " مع جد من جماعة " الكويكرز" - جمعية الأصدقاء الدينية -، كان الجد ناشطاً من أجل السلام وتمنى ان يصبح حفيده سياسيا، لكن الشاب فوس نأى بنفسه عن محيط عائلته واعلن تمرده والحاده قبل ان يقرر اعتناق الكاثوليكية .

درس الادب المقارن واهتم بالفلسفة، شغف بكتابات جاك دريدا ادهشه كتاب دريدا " في علم الكتابة " قرأه عندما كان يعيش في الريف، أول نص ادبي كتبه عندما كنان في الثانية عشرة من عمره، كان كلمات أغنية. كتب بعض القصائد والقصص الصغيرة. يقول انه كان يشعر آنذاك انه يكتب لنفسه وبنفسه وليس للآخرين: " كان الأمر خاصا جدا. لقد وجدت مكانا أحببت الإقامة فيه " .

في الجامعة تشغله الافكار الماركسية ينضم لفترة مؤقته الى حزب ماوي، قرر دراسة علم الاجتماع، لكنه وجده علم غريب على اهتمامته، يلتحق بقسم الفلسفة، يقرأ هايدغر باهتمامه ويناقش كتابه " الكينونة والزمان، وجد فيلسوف متعب، لظل متعلقا بدريدا، يعترف ان كتاب دريدا " في علم الكتابه " اثر على طريقته في كتابة الادب . يدرس الادب المقارن، يبدا بكتابة روايته الاولى " "أحمر، أسود" والتي ستنشر عام 1983، وفيها يصفي حساباته مع الحركة اللوثرية التقوية التي كان جده يعتنقها ..فيما عرضت مسرحيته الاولى لن نفترق عام 1992 . قال ان دراسته للادب المقارن جعلته يسعى لكتابة نظريته الخاصة عن الرواية، والتي يرى ان الكاتب فيها يجب ان يكون هو المفهوم الرئيسي.

توصف اعمال جون فوس بأنها تنويع قريبة من افكار صامويل بيكيت التشاؤومية، وذاتية توماس بيرنهارد، قالت لجنة جائزة نوبل في بيانها ان: " فوس يمكن مقارنته بكتاب عظماء سابقين مثل توماس بيرنهارد وجورج تراكل وفرانز كافكا" واضاف البيان ان: رواياته تم تقليصها بشكل كبير إلى الأسلوب الذي أصبح يعرف باسم "البساطة الفوسية "

يعترف أنه اقرب الى كافكا الذي ترجم روايته الشهيرة " المحاكمة " الى النرويجية. كان كافطا افضل أدب عرفه قد فتحت عينيه على الطريقة التي يجب ان يكتب فيها الادب.

يصر على ان الكتابة دون ضرورة لا تعني شيئا: " عندما أكتب رواية. أغلبهم يقولون لا لهذا، أو نعم لذلك. واتباع كل هذه القواعد والاستماع إليها يتطلب ذاكرة وقدرة عقلية أكبر بكثير مما أعتقد أنني أملكه كشخص. لكنني أعتقد أننا أكثر بكثير مما نعرفه. نحن قادرون على أشياء غريبة.ومن بينها القدرة، أو ربما الفهم، على تنظيم علاقات أجزاء الرواية أو العمل الفني بالكل."

لا يؤمن بوضع مخطط للعمل الروائي، فهو يثق فقط بحسه الفني، يخاطب قراءه بالقول: أنتم لا تقرأون كتبي من أجل الحبكة": "الطريقة التي أكتب بها عندما أركز، كل شيء يجب أن يكون دقيقًا وصحيحا."

حصل جون فوس على العديد من الجوائز، بما في ذلك جائزة المسرح الاسكندنافي الوطني، وجائزة مجلس الفنون النرويجي الفخري وجائزة الأكاديمية السويدية الشمالية (2007) وحاصل على جائزة الكاتب النرويجي هنريك ابسن والذي تاثر به كثيرا يقول فوس: "إنه الكاتب الأكثر هيمنة الذي أعرفه". يجد متعة بوصفالنقاد له بانه ابسن الجديد . ترشحت بعض رواياته وترشيح على القوائم القصيرة لجائزة البوكر. هاجس الاختبار جلب لجون فوس القراء والشهرة وتعيش شخصياته في عوالم شعرية مجردة تعاني واقعا باردا وقاسيا يشبه الملاحم الشهيرة، وتتحدث شخصياته قليلا في نصوصه، لكنها تكشف عن مشاعرها الداخلية الدفينة. يوصف بانه " كاتب الصمت " اشارت لجنة جائزة نوبل الى ان " أعماله النثرية تعطي صوتاً لما لا يمكن البوح به " . يغيب الوصف الخارجي المكثف عن أدب فوسه، لكنه يستعيض عنه بكشف العواطف عبر الشعر والموسيقى اللذين يعتمد عليهما في إنجاز الحبكة، وهو بذلك يخرج عن المسرح والرواية السردية التقليدية. "لا أعتقد أن اعمالي متشائمة للغاية، لكنها ليست متفائلة أيضًا". واضاف: لم أحاول أبدًا الكتابة بطريقة معقدة. أحاول دائمًا أن أكتب ببساطة، وبأقصى ما أستطيع."

يقول فوس: "عندما أكتب بشكل جيد، ينتابني شعور واضح ومميز للغاية بأن ما أكتب عنه مكتوب بالفعل .إنه في مكان ما هناك. عليّ فقط أن أكتبه قبل أن يختفي" .

إن قراءة مسرحيات فوسه ورواياته يعني الدخول في شراكة مع كاتب يشعر القارئ بحضوره بقوة أكبر بسبب جوه المشحون بالمواقف القاتمة والكوميدية في نفس الوقت، يقول انه يؤمن بالحقيقة الانسانية التي قرأها في كتب الفلاسفة وبالهيمنة الالهية التي وجدها واضحة في متب اللاهوت: " في الظلام يجد المرء النور فعندما نكون في حزن، فإن هذا النور هو الأقرب إلينا من كل شيء" ويضيف: " أشعر أن هناك نوعا من من المصالحة في كتاباتي. أو السلام " .

" أذهب إلى المجهول وأعود بشيء لم أعرفه من قبل"، هكذا قال في مقابلة مع صحيفة "إندبندنت"، متجنباً البحث عن معنى أبعد من الكتابة. كتب الروائي كارل أوفي كناوسغارد مؤلف الرواية الشهيرة " كفاحي "، والذي يعترف بانه االمذ على يد جون فوس بأن فوس: " يؤمن بالكتابة كتمرين غامض وأن التناقض بين اللامتناهي بداخلنا والقيود الخارجية هو الذي يحرك كل ما لديه".

امام الصحفيين ووكالات الانباء وقغف حون فوس هادئا متحفظا في الكلام، وبدا متوترًا بعض الشيء عندما أجاب على أسئلة الصحفيين وعلق على جائزة نوبل التي حصل عليها. واعترف بأنها "أهم جائزة يمكنك الحصول عليها، لا أكثر ولا أقل"، ولكن عندما سئل عما سيعنيه ذلك بالنسبة لمسيرته المهنية وأسلوب حياته، أجاب "القليل، وقال إنه سيحتفل بجائزته "بهدوء شديد، مع العائلة، وأشار الى ان الكتابة بالنسبة اليه اهم من الجوائز انها "حياتي". .

جائزة جون فوس هي الرابعة التي تذهب الى كاتب نرويجي ذهبت عام 1903 الى " بيورنستيارنه بيورنسون " والذي يعد من ابرز شعراء النرويج، كتب النشيد الوطني لبلاده ويصنف كواحد من عظماء الادب النرويجي .

بعد " 17 " عاما ستعيد جائزة نوبل النظر في الادب النرويجي، وتمنح جائزتها عام 1920 الى الروائي النرويجي " كنوت همسون " 1859 - 1952 " صاحب الرواية الشهيرة الجوع – ترجمها الى العربية محمود حسني "، وقد تعرفت على روايات همسون بالصدفة حين عثرت في منتصف السبعينيات في دار الكتب القديمة التي كان يملكها الراحل " ابو يعقوب " على نسخة قديمة من رواية الجوع " . لم اسمع من قبل بـ" كنوت همسون "، لكنني قرأت على الغلاف ان صاحبنا فاز بجائزة نوبل . عندما صدرت رواية " الجوع " عام 1890، كان همسون في الواحدة والثلاثين من عمره – ولد في الرابع من اب عام 1859 وعاش حتى سنة 1952 – وخلال حياته اثار ضجة كبيرة عندما قرر ان يدافع عن احتلال المانيا النازية لبلاده، ووصف هتلر بـ" آخر العمالقة " وكان من الطبيعي ان يقدم الى المحاكمة بتهمة الخيانة، ليصدر الحكم بالإعدام سنة 1947، لكن حملة قادها سارتر وهمنغواي وفوكنر، ابعدت عنه شبح المشنقة، واكتفت المحكمة بمصادرة امواله، لكنه قبل وفاته بثلاثة اعوام كتب عن تجربته في الحياة، حاول فيها ان يطلب من الجميع ان يسامحوه على ما ارتكبه من حماقات في الحياة ..

عام 1928 تعود جائزة نوبل الى النرويج للمرة الثالثة حيث تمنح الى الروائية سيغريد أوندست صاحبة الملحمة الثلاثية " كريستين لافرانسداتر " - ترجمها الى العربية توفيق الاسدي – وهو العمل الروائي الذي منحت بسببه جائزة تنوبل وبه تصف حياة امرأة من الولادة حتى الموت.

***

علي حسين – رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

في المثقف اليوم