 نصوص أدبية

الملك لله

ركبنا "الترام واي" من  شارع فرنسا أكدال"قال لي السي المعطي: " الرباط تغيرت كثيرا،هناك أشياء جديدة تحدث "، ابتسمت وقلت: "فعلا هناك أشياء كثيرة تحدثُ.. اِحتجاجات بالجملة، وتكنولوجيا متطورة بالمقابل" 

كان الركاب ينتمون لشرائح مختلفة، وكانت الثرثرة سِمة مُشتركة بين الجميع..سمعنا اِمرأة تحكي عن حادثة اصطدام وَقعت هذا الصباح بحيّ كريمة، بين سيارة أجرة وقطار الترام واي.. كانت تقول لصديقتها بانفعال: «الله يستر، أصحاب الطاكسيات لا يحترمون القانون، ها هو خرج على راسو وعلى الناس اللّي معاه"، وردت صديقتها: " احنا بزاف علينا التكنولوجيا..خاصّنا نتعلمو بعدا القانون".

وقال رجل ملتح وهو يوجه الحديث لزوجته المنقبة:" قبح الله المتشبهات بالرجال" وعيناه ترمقان فتيات تلبسن سراويل لاصقة، تبادلت النظرات مع السي المعطي،ابتسمنا ونحن نرى عينا الرجل الملتحي تَشِيان بشهوة مُضطرمة، وهما تلتهما ن أجساد الغيد الواقفات أمامه.

كان القطار يسير بسرعة، وكانت المناظر تنساب إلى الخلف، وكنت أعيش لحظة اِسترجاع لذكريات سنوات ماضية في أحضان الرباط، وكان السي المعطي القاطن بالمدينة منذ ثلاثين سنة يحدثني عن مشروع "المرينا" وعن القنطرة الجديدة المقامة فوق نهر أبي رقراق، ونفق الأودية الجديد، كنت أصغي إليه باهتمام وعيناي تتابعان المشاهد المتحركة عبر زجاج النافذة.

عندما وصل الترام إلى محطة صومعة حسان نزلنا، قال لي السي المكي: " ملحقة الكنوبس وصيدلية الدواء توجد ببارو كبير، المكان قريب من هنا" 

كانت المرة الأولى التي سأزور فيها المكان، تابع السي المَعطي موضّحا: " جميع المغاربة المصابون بالمرض الخبيث يقصدون الملحقة للحصول على الدواء..الله يشافي الجميع" 

علقت باستغراب: "وأين هي الجهوية، هم يجتهدون فقط في الاقتطاعات، والضرائب المرتفعة، قال السي المعطي: " لن تتمكن من الحصول على الدواء لقريبتك اليوم، ستدفع الملف، وتنتظر الموافقة غدا..هذا هو النظام،"

 قاطعته ضاحكا: " البيروقراطية حاضرة في كل مكان وزمن. "

كنّا قد وصلنا شارع الجزائر، سمعنا ضجيجا ولغطا في أحد المقاهي، ورأينا أشخاصًا يقفون مُتطلعين إلى شاشة تلفاز كبيرة في الباحة، ظَنننَا الأمر يتعلق بمباراة في كرة القدم..لكننا سمعنا كهلا يقول لصاحبه " قُتل القذافي واِبنه..لم يرحمه حزب الناتو والثوار "

قال لي السي المعطي " اللي بغاها كلها يخلّيها كلّها" "

قلت وأنا أبتسم: "قل اللّهم مالك المُلك تُؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتدلّ من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، صدق الله العظيم" 

تابعنا سيرنا نحو ملحقة صندوق الاحتياط الاجتماعي، وصورة القذافي وهو يتوسل لقاتليه ما تزال ماثلة أمام عيني.

***

محمد محضار أكتوبر 2011

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5689 المصادف: 2022-04-03 03:38:41


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5827 المصادف: الجمعة 19 - 08 - 2022م