 نصوص أدبية

راضي المترفي: الغجري

راضي المترفيكان أكثر ما يؤرقه ويثير بداخله الالم هو نسيان اسمه ومناداته باسم (الغجري) من قبل أقرانه في المدرسة لكنه يتحامل على نفسه ويسكت على مضض وكان في قراءة اسمه من قبل معاون المدرسة في ساحة التجمع الصباحي عزاء له وجراء ذلك تجنب مشاركة الطلاب الألعاب بعد أن يأس من تبدل أحوالهم ولازالت ترن بإذنه مناداتهم في ساحة الكرة .. حول ياغجري أو ناولها للغجري واكتفي بالمشاركة في الصف الدراسي وكان مثار اعجاب المعلمين والطلاب بسبب ذكائه وحبه للتعليم وقدرته على تحمل مزاح زملاؤه الثقيل حد الإساءة المقصودة

كان كلما جلس إلى نفسه يطرح نفس السؤال عليها .. اذا كنت انا منهم فلماذا هذا الرفض لهم في داخلي ؟ واذا لم انتمي لهم فمن أتى بي إلى عالمهم؟ وكانت امه غالبا ماتزيح الغمة عن قلبه بحنانها وملاطفتها له وتوفير كل مايحتاج سواء في المدرسة او الحياة العامة وكانت تحرص ان لايختلط بهم أكثر من اللازم بعد أن هيئت له غرفة خاصة به ووفرت فيها كل ما يحتاجه طفل في مثل سنه وحرصت على دخوله غرفته مبكرا كل ليلة لكي لا يتعرف على حياة الغجر بدقة او يشاهد ما يحدث بين الغجريات وزوارهن من طلاب المتعة والسهرات التي تمتد أحيانا حتى الصباح وكان يؤلمها كثيرا ما ترى من حزن واسئلة تفيض بها عيناه الصغيرتان فتربت على خده الغض مع ابتسامة حنونة وتخبره ان الحزن لن يبقى في عينيك إلى الأبد.

بعدما اكمل الثانوية بمعدل يتيح له دخول كلية الصيدلة او الهندسة اعتزلت امه حياتها السابقة وقطعت علاقتها بالماضي واشترت بيتا في أحد أحياء المدينة المحترمة وأوقفت حياتها عليه بعد أن أصبح طالبا في كلية الهندسة لكن كان ما يثير استغرابه ان لا أحد من زملائه السابقين معه في الكلية كما لم يثر اسمه غرابة طالب او استاذ مع انه يعرف ان للغجر سجل خاص في دائرة الجنسية يعرفه الموظفون المختصون من خلال رمز معين وكم فتش عن أوراقها ليطابقها مع اوراقه الثبوتية لكنه فشل في العثور عليها فاضطر لسؤالها فتهربت من الإجابة بود ومحبة صادقة وطلبت منه التريث حتى التخرج من الجامعة .

انهى الدراسة الجامعية وسيق للخدمة العسكرية فادخل إلى كلية الضباط الاحتياط وعند الفحص الطبي حاول ان يخبرهم انه من أصول غجرية وقد لا يسمح القانون بأن يكون أبناء الغجر ضباطا لكنه تردد حد الخوف من الفضيحة وترك الأمر لمشيئة القدر وأكمل الدورة ونسب إلى وحدة فنية تتعامل مع الرئاسة ولا يخدم فيها الا أبناء المحسوبين على السلطة او أبناء كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال وارتبط بعلاقة مع الكثيرين لكنه كان يحمل خوفه وهاجس اكتشاف أصله الغجري في لحظة غير محسوبة فكان يضع لكل علاقة حدود الا نجاحه في اختصاصه الذي ابهر به كل من عمل معه .

ذات ليلة جلس مع امه على العشاء فعرضت عليه الزواج وطلبت منه أن يختار العروس لتقوم بخطبتها خصوصا وهو لم يبقى على نهاية خدمته العسكرية الا أشهر قلائل فضحك بمرارة وسألها..

من تقبل الزواج من غجري حتى وآن كان مهندسا ناجحا وضابطا كفوء؟

فردت.. هناك الكثير

 قال: كيف؟

كان جوابها صادما يوم أخبرته انه ليس غجريا

طلب منها توضيح ودليل على صحة قولها فاشترطت ان ينهي خدمته وان تقوم هي بحج بيت الله الحرام حيث يصادف موسم الحج آخر أيام خدمته واقفلت النقاش في الموضوع على غير رغبة منه .

. قبل ذهابها للحج بليلة واحدة اطلعته على كل ما تملك من رصيد في البنك وعقار مستاجر وسلمته وكالة مطلقة بها ومعها دفتر توفير باسمه كانت تتدخر له فيه بعض ما تحصل عليه وسلمته مفتاحا لخزانة صغيرة فيها بعض مدخراتها في البنك وطلبت منه الانتظار لحين عودتها مع الحجاج وان لم تكتب لها العودة عليه فتح ذلك الصندوق ليجد فيه ما عاش كل عمره يبحث عنه .

استلم كتاب تسريحه من الجيش قبل عودتها بأيام قليلة وحاول انتظارها لكنه لم يطق على ذلك صبرا فذهب للبنك وطلب صندوق المذخرات بموجب الوكالة التي معه ولما فتحه وجد فيه بيان ولادته وصور لكل مراحل حياته وبعض الهدايا التي كانت تشتريها له وأوراقه الثبوتية وظرف وردي فيه رسالة او اكثر فوضع الظرف في جيبه وأعاد الاغراض الأخرى إلى الصندوق ثم اعاده لمكانه المخصص له بحضور الموظف المختص .

في البيت فتح الظرف على عجل واخرج صورة زفاف امه على أبيه الذي لم يراه في حياته وكان ذا زي اصابه بصدمة وذهول ثم أخرج من الظرف رسالة وقرأ الاتي ..

في منتصف الحرب إبان ثمانينات القرن الماضي بدأت الدولتان المتحاربة بقصف المدن وكان لحي الغجر الواقع جنوب البصرة حصة من هذا القصف فتركنا الحي وانتقلت إلى مدينة بعيدة نسبيا وعملت في بعض الأمور التجارية مع احتفاظي باصولي الغجرية وعلاقتي مع اهلي الغجر وذات ليلة مقمرة كان أحد زوارنا رجل وقور مما أثار دهشتي وجوده في مثل هذا المكان وتحاورنا انا وهو كثيرا ومثل استغرابي من وجوده بين الغجر كان كان هو مستغرب عدم مجاراتي الغجريات فيما يقمن به واستمرت اللقاءات التي لا تتعدى الحوارات ثم بعد فترة عرض علي الزواج وبعد تفكير وافقت بشرط أن لا يفرض علي العيش بعيدا عن عالمي فوافق وتزوجنا وكان ثمرة زواجنا انت الذي كان يؤلمك من يناديك باسم الغجري ولا تملك ردا علما ان اباك هو أمام جامع المدينة الكبير .

***

راضي المترفي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5770 المصادف: 2022-06-23 02:29:09


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5815 المصادف: الاحد 07 - 08 - 2022م