نصوص أدبية

فتحي مهذب: أكاذيب

المرأة التي كذبت علي طويلا.

التي إمتلأ نهداها بنبيذ الذؤبان.

برائحة البحارة والمفترسين

بالوحل والرماد والضغينة.

المرأة التي سرق الغراب بكارتها..

المرأة التي وضعت أعصابي

في قفص من اليورانيوم.

ثم فتحت النار على قطرس الوعي.

ظلت مثل خبير في التشريح

تقلب جثتي ذات اليمين وذات اليسار.

معلنة فوزها الساحق على مخلوق

نذر شبابه الأرعن لطرد زيزان العزلة من غرفته العدمية.

*

 لم أك أعي جيدا

تلك السنوات العجاف

السنوات المقرفة والحارقة

مثل مثانة التنين.

آه أمي كذبت علي طويلا

وعدتني بالبقاء في مملكتي الصغيرة

تشعل مصابيح الفرح اليومي.

تدلق محبتها على سجاد البيت.

لكن بغتة فرت سريعا إلى المقبرة

مخلفة إخوتي في غابة ملآى بالذئاب واللصوص.

مخلفة شقوقا عميقة في بحة المزهرية.

طيورا نافقة في حنجرتي.

أمي التي أخفتني طويلا عن الغوريلا المتخفي تحت الكنبة

طوال أيام الشتاء.

أمي التي تحملنا على مركب صلواتها إلى جزيرة الله النائية.

لكن لم كذبت علي في العاشر من أيلول .

حين لفت حبلا برقبتها الهزيلة

وطارت إلى المجهول.

*

 العالم يكذب كثيرا.

الليل والنهار كذلك.

يلعبان الغميضة في السقيفة

بينما أكتفي برصد حركات النجوم.

الطفولة التي أسمعتني فاصلا موسيقيا من الفردوس.

ثم إختفت في دهاليز الماضي.

الشباب الذي سقط من قاطرة الصيرورة .

لم أدر أين أخفى مفاتيحه الذهبية.

أصدقائي الذين قطعوا خشب تابوتي للتدفئة أيام الصقيع .

*

 الحياة تكذب كثيرا.

صديقي الذي يرتاد الحانة.

مثل حكيم من القرون الوسطى.

يهشم قلق السكارى بضحكة حادة للغاية.

يقول: الحياة كذبة كبرى

نؤولها بالخمر والشتيمة.

السماء تكذب كذلك

لم أر شيئا صعد إلى حضرتها

لم أر روحا تتبختر في مشيتها

حاملة سلة من الغفران أو الفواكه.

الحياة مومس مقرفة.

يتداول عليها ناس قذرون.

كذبت علي طويلا في دار الأوبرا.

لما سحبتني إلى شقتها الفاخرة.

ثم انهالت على مؤخرتي بالكرباج.

***

  فتحي مهذب - تونس

 

في نصوص اليوم