نصوص أدبية

محمد الدرقاوي: مرايا بيتنا

محمد الدرقاويكنا على مائدة الإفطار حين رن جرس الباب، كانت الرنات متسارعة مقلقة، تتلوها دقات متوالية، تحمل معها رعدا وبرقا، أوخطرا داهما، قالت أمي: حتما تورية أختي لا تأتي الا والقيامة في أعقابها..

صدقت، فقد دخلت خالتي وهي ترمي شرارات لسانها سبا وشتما، بلا تحية أو سلام: قالت لوالدي وكأنها تصدر له أمرا بلا مقدمات: يلزم ان تنهي الامر مع زوجي اليوم قبل غد...

رفعت أمي اليها نظرات لوم و تأنيب متثاقلة، وكأنها أدركت ما أقدمت عليه:

ـ ياك ما جبتي الثالثة معك؟ ارجو ان تتركي زوجي بعيدا عن مشاكلك، فهو لا يعمل بأمر من أحد..

ردت خالتي بنوع من التحدي وكانها تفرض أمرا وتزيح ثقلا على أكتافها قد رزح:

ـ ومن بعد، لم أعد أحتمل العيش معه.. لا عليك سأعرف كيف آخذ حقي وزيادة..

تنهدت أمي بغصة حارقة:

ـ ربما العكس هو الصحيح، فمن يتحمل حياة معك وعليها يصطبر؟، رغباتك ألوف..طيش، حمق وطلبات لا تنتهي..الى متى تورية، الى متى؟..

لم أكن أصغي لحديثهما فانشغالي بصور تترى على التلفاز ضمن أخبار الصباح، أبعدتني عن متابعة ما يقال.. "قوم اصطفوا على الطرقات كالفطر يغسلون السيارات وقد تعمدوا قطع أوصال أنابيب الماء المدفونة في باطن الأرض، كغيرهم داخل المدن ممن سدوا المنافذ والشوارع في فوضى مستغلين الملك العمومي بلا رقابة أو احتراس، أنانية، فوضى وامعان في التحدي، بداوة صارت تأتي على الأخضر واليابس بلا وعي وكأنها تنتقم لإهمال طال البوادي والقرى، عمقت جراحه سنوات القحط ودعايات العمل المكذوب في المدينة، فباع القرويون أراضيهم لسماسرة الانتخابات ممن تصدروا المجالس والقيادات وهاجروا يكتسحون المدن كالجراد يعيثون فيها فسادا..

حاول والدي التدخل بحديث لكن أمي صدته قائلة:

"كمل فطورك ونوض لشغالك، الله يعطي لبلا للي يقد به.. فران قاد بحومة "

خالتي تورية أصغر من أمي بأربع سنوات، لكن العلاقة بينهما دوما متوثرة لا تصفو، خالتي تنظر الى أمي بعين الغيرة والحسد، فأمي كلمة الصدق التي لا تكسر في البيت، عزم وإرادة، وقد عوضها الله بهما عن جمال هو ما لبسته خالتي رداء غرور، تحد وطيش الى حد الانحراف، اقله ما يتردد في عائلتنا، أن خالتي قد استحوذت على خطيب أتى لأختها السعدية التي هي اليوم أمي بعد ان عنست لجمال محدود ولخصلتين يكرههما الرجال في النساء: الصرامة وقوة الشخصية، فالسعدية لا تسمح لأي كان أن يتقافز على أكتافها، يتحكم في قراراتها، أو يخالف أوامرها، أو يفسد نظاما تعود عليه البيت حفاظا على طقوسه وأناقته، وقد استطاعت خالتي ان تقتفي أثر الرجل فاستمالته بإغراء ونزق منها، أعدته السعدية طيشا، اذلالا لكرامة المرأة وقلة حياء منها، كما هو فقدان رجولة، وضعف قرار، من الخاطب الذي أبت ان ترتبط به بعد أن جرب ألاعيب خالتي، من طيش ورغبات لا تنتهي ثم عاد متوسلا، فركلته السعدية بعد ان تحققت من رعونته وتقلبه..

تم طلاق خالتي، وصارت ثقلا ولسانا لاغطا يعيش بيننا، أنف مدسوس بفضول في كل صغيرة وكبيرة، صراع يومي بين عقليتين متناقضتين ضاعف من مشاكل قلما تخبو بين ما يأتيه أبي من سلوكات وبين ما يظل يردده مما يستبطنه محفوظا بلا تأويل ولا سبب نزول من كتاب الله وأحاديث الرسول، وما يحاول أن يفرضه على أمي وبه لا تقتنع، كارتداء الحجاب، و عمل المرأة بين الرجال بألبسة شبيهة بما يلبسه الذكور بالرغم من أن أبي شخصية انفصامية فهو أول من يقع في نقائص وتباينات ما يجتر فتضيع معها محفوظاته و قراراته كلما رأى انثى، او تبسمت له صبية، أو مر على مسامعه حديث زواج من قبل أحد دعاة التعدد..كما أنه كان لا يتعفف من أن يقضم من المدخول اليومي ما يخفيه عن أمي فتتظاهر بلا مبالاة.. كانت أمي تكره أن تتسرب أمور بيتنا خارج أسوار البيت مفضلة أن تظل بعيدا عن الأنظار والأسماع، فهي تكره أن تجد نفسها تعيش بين مطرقة وسندان لسان أبي الذي يمطرق عقولنا بلا وعي ويتكلم بلا دراية كالرحى تدور ولا تدري لها طحينة، وبين سلوكات كانت تنتزع منها ضحكات سخرية وهي تردد بينها وبين نفسها:" معذور، حديث عهد بنعمة، مقهور ضربته الدنيا بحظ دون أن يتمزق له سروال على مقاعد الدراسة، او تتهرأ له جفون على البحث والتحصيل، أو يجد نفسه بين أمواج البحر مقدما روحه للمتاجرين في البشر"..

لم ترتح أمي لوجود خالتي بيننا، فهي تمقت الدسائس أو التعامل بوجهين، كما تكره أن يطول تفكيرغير تفكيرها في بيت هي صاحبته وأعلم بما يدور فيه..

ذات صباح نهض ابي ليجد حقيبة ملابسه قرب الباب، وكأنه أدرك السبب بعد عبارة رمتها أمي على وجهه:" شدة الحرص على الأمانة دليل خيانة، ولن يؤتمن رجل خائن يركل ما وهبه الله بلاحساب" فلم يجد أبي غير الصمت، ولم يتوان في حمل الحقيبة ويفتح الباب، قبل أن تضيف أمي ما قد يفرقع الرمانة، فأعرف ما لا يريد أبي أن يبلغني، لكن قبل الخروج قالت له أمي بكل ثبات ورباطة جاش:

ـ ألم تنس شيئا؟..

تطلع اليها كانه يستفسرها عما يمكن ان يكون قد غاب عنه دون أن يتوقف لسانه عن اجترار ما يحفظ، فتبادره:

ـ يمين الطلاق ومفاتيح المتجر..

لأول مرة أتأكد ان التجارة التي كان يديرها أبي هي خالصة لأمي مما ورثته عن جدي لا شراكة بينهما، وان ابي لم يكن غير عامل من عمال جدي الذي توسم فيه الخير فزوجه أمي بعد ضغوط قوية عليها، فالرجل "درويش" خدوم أمين، حافظ لكتاب الله أو هكذا رآه ويستطيع أن يساعد بنته بعد أن بلغ بجدي العجز والوهن ؛ لكن تقلبات الانسان في الزمان تجعله قضية مطروحة دوما للنقاش، ثم لماذا هذا السلوك المفاجئ من أمي؟ أي جرم اقترفه ابي حتى يستحق هذا العقاب القاسي من قبلها؟ اعي تفكير أمي الإيجابي والذي حققت من خلاله نموا تجاريا واتساعا لما ورثته عن جدي، وانها لم تكن مع ابي تترك أي شيء للصدفة، فرغم ما تعرفه عنه فهي تحاول ارضاءه بما يحقق له استقلالا ماديا، على الأقل ظاهريا، فهي لا تتوانى في محاسبته، توجيهه، والتغاضي عن هفوات تتعمد على الا تثيرها بحك على الدبرة فكيفما كان الامر فهو رجل يلزمه نوع من الاستقلال المادي..كانت لا تتوانى في اقتراح حلول لما قد يداهمه من مشاكل تجارية ، كما أنها كثيرا ما كانت ترافقه في سفرياته لعقد الصفقات والبحث عن أسواق جديدة، خصوصا وهي تخشى أن ينساق لنزواته أو يقع تحت اغراءات أصحاب المشاريع ممن أسسوا بنوكا إسلامية غارقة في الضبابية وعدم الانسجام مع الواقع المالي، هيمنوا على السوق التجارية بالمظاهر واغراءات الربح الحلال، وهذا ما كان يحرك طمع أبي وميولاته؛ ويوم وشوش بعض افراد العائلة بعلاقات يعقدها ابي خارج أسوار البيت لم تنزعج أمي، فليس من عادتها أن تؤمن بما تسمع بلا دليل، فهي تكره ان تسمح لأي تفكير سلبي بغزو نفسها أو احباط ثقتها في عزيمتها وقوة شخصيتها، فهي دوما توظف قوة تفكيرها الإيجابي وتتطلع الى المستقبل بثقة وهذا سر نجاحها، حتى في تربيتي كنت لا اعرف غيرها فهي من يقوم نحوي بكل شيء، والحق يقال أنها تكون مبدعة في كل ما تأتي به، ما خلقت واقعا الا كان النجاح في ركابه، ومن هذا السلوك كانت توجهني، وتعلمني الحياة بحرص وضبط وصرامة أحيانا وهي تتابعني خطوة خطوة، لهذا فأثر أبي في حياتي يكاد يكون منعدما، أولا لان ابي لم يدخل مدرسة في حياته، وكل ما يتوفر عليه من معارف هي محفوظات غيبية التقطها من بيوت عشعش فيها الجهل والقهر الظلامي، و من مسموعات تتكررمن هذيان فقراء الزوايا وأساطير الأضرحة، ثانيا لانه لا يملك قوة شخصيتها، وقد كنت لا ادري هل سلوكات ابي من طيبته أم من مشحوناته وسذاجته؟!!.وكما خرج والدي من البيت لا يحمل غيرحقيبة ثيابه، كذلك لحقت به خالتي بعد اسبوع بعد ان اشترت شقة بعيدة عنا، فيها تزوجت ولم يكن الزوج غير أبي..

وقد علمت من خلال نقاش حاد بين أمي وخالتي يوم رحيلها، أن أمي افتقدت أبي ذات ليلة فوجدته نائما في غرفة خالتي وبين أحضانها.. وحيث ان أمي لا تعالج مشاكها بالصياح والتشهير فقد افترقت مع أبي بلا دراما ولا قيل وقال.

تولت أمي تجارتها بنفسها، وأعادت ترتيب اعمالها متكئة على حبها لأن تتعلم كل جديد، وعلى صيانة رأس مالها، مستعينة بانفتاح عقلي مبدع، وبنساء ممن كن يقدرنها ويحترمن قوة شخصيتها، صدقها واخلاصها مع نفسها و غيرها.. صارت أمي في السوق التجارية بعد أن أسست شركة خاصة بالنساء رقما يضرب له ألف حساب، فكل متعامل يدرك انها ليست ممن يمكن التلاعب معها، تقدر قيمتها وتحترم قيم الغير..

لم تستقم الحياة بين أبي وخالتي غير سنتين وبضعة اشهر، فقد رزقهما الله طفلة ماتت بعد أن تركتها خالتي قرب سخانة كهربائية جرتها الصغيرة فاحترقت وماتت بعد ان لم ينفع معها علاج؛ وكان الطلاق..

كلما كبرت ازدادت لهفتي لرؤية أبي، يعصرني اليه حنين قاتل فأتساءل: هل هو حقا أبي؟ لماذا عني لا يسأل ابدا؟..كان يتلبسني تفكير يؤرقني حول شخصية أمي بذكائها وأفكارها، وشخصية أبي بضعفه وسلبيته واستسلامه المتسرع لنزواته، فمظهر أبي وما كانت تفرضه عليه امي من اناقة حتى يظهر بمظهر التاجر الميسور السعيد ليس هو عمقه الهش والذي يتصاغر أمام كل انثى تلاعبه بنظرة أو تغريه بكلمة ؛حين كنت أسأل امي عن هذا الإهمال من قبل أبي كان يأتي ردها منطقيا في كلمات:

ـ هاتفه معك، كلمه أولا، حق الأبوة عليك يلزمك بالسؤال عنه..

أكثر من مرة يعدني بان يأتي الي ويخلف وعده، لا أدري لماذا كان يتهرب من رؤيتي؟..

للمرة الخامسة تتزوج خالتي، فقد كانت لاتخرج من عدة حتى تجد نفسها مرتبطة برجل آخر دون أن تكلف نفسها مراجعة قناعاتها وإعادة ترتيب افكارها، كانت تعي أن أزواجها ممن يلهثون وراء غناها وطمعا في بيتها، لكن سرعان ما يتحسرون على طمع لم يقدهم الا لحتفهم وفشل مسعاهم فقد صارت خبيرة بما يجعلهم يفرون قبل أن يبلغوا مأربهم..

أصيب والدي بسرطان في غدة البروستات سنة تخرجي من كلية الطب، حين علمت أمي بمرضه جهزت له غرفة في بيتنا وخصصت له خادمة للسهرعليه:

"ـ كيفما كان الامر فهو أبوك وأنت من صلبه، كما أنه شرف وجهك ومرآة مستقبلك، فربما لم يكن له اختيار في تشكيل بنيته النفسية وضعف شخصيته..

كانت حالته تسوء يوما بعد يوم بعد ان استنفذ كل وسائل العلاج بلا نتيجة، فقد انتشر الداء في جهازه التناسلي الى أن أتى على عمره.. لقد أكبرت أمي وأنا أراها تبكي لحاله، وهي التي قلما تسمح لماء عينيها بجود، كانت تحس وهنه وعيناه تتعلقان بها، تتوسلان تجاوزا عما بدر منه، كانت ترفع عينيها اليه وتحدق فيه بثقة وتمعن، ثم لا تلبث ان تشهق وكأن رجفة قوية تلف جسدها بقشعريرة من رهبة الموت فتتمتم بهمس:

يرحمك الله ويغفر لك، فقد سامحتك، فأنت أبو ابني أولا وأخيرا..

يومها أدركت أن أمي أنثى بقلب رجل لفيف قوة وحزم ورباطة جأش بين ثناياها تتولد الرقة والحنان والنعومة ولا تموت حقيقة أو يغيب منطق..

تم استدعائي يوما على عجل لاجراء عملية فورية لسيدة تشكو نزيفا حادا في رحمها..لم أمكث في غرفة العمليات غير وقت وجيز جعلني اعود أدراجي باكيا منتحبا فلم تكن المريضة غير خالتي التي بلغت درجة مستفحلة من سرطان الرحم يستحيل معه القيام بأية عملية وكأن المريضة كانت غائبة عن وعيها، منشغلة عن الداء الذي ينخرها بلا انتباه او إحساس بنزيفها وآلامها..

بعد يوم فقط توفيت المريضة.. مرة أخرى أرى صرة الدمع تنفجر في عيون أمي مترحمة طالبة الغفران لخالتي التي كم أساءت لنفسها ولغيرها...

كبرت وصرت جراحا وأتحمل مسؤوليات، وانا قريب من أن اصير أبا لوليد ثالث بعد بنتين، تعلمت الكثير وامتلكت خبرات عن الوجود والمعرفة والأخلاق، وصرت أنا نفسي معيارا للخير والشر وحين أتذكر كل ما مر ببيتنا من نزاعات عائلية اتراجع عن كثير مما اولته وفسرته حول علاقة امي بخالتي وعلاقتها بابي وعلاقة ابي بكل من امي وخالتي وغيرهما.. ترى من كان منهم يقرر الحقيقة؟ أم أن كلا منهما كان خيرا لنفسه بمقدار ما يحقق مصالحه الشخصية ومنافع ترضي غروره النفسي؟

ربما لم تكن أمي خيرا مطلقا بإرادة من حديد كما كنت اراها، ولا ابي كان ضعفا مطلقا الى درجة العته، رغم ما كان يستبطنه من محفوظات الحلال والحرام لم تردعه عن هوى النفس، وعن الذوبان برغبة الى انثى قد تشده بهمسة أو لمسة او نظرة اغراء كما كان يتبدى لي وتراه أمي، أو ما كان يقضمه من المدخول اليومي للمتجر بلا علم أو إذن من صاحبته، ولا خالتي كانت شرا مطلقا، أنانية وتطاول على كل ما ليس لها، والاستحواذ عليه لنفسها..

ربما هي التربية والتنشئة وما يتلاعب في عقول الناس متسربا بلا ارادة وفي غفلة من كل رقابة، او يفهمه و يتشربه كل فرد حسب ما يعي ويفهم ويستبطن، وحسب مايتعلم ويتلقى ويمارس بل وكيف يسوس ويساس..

أخيرا تبقى لكل منا نزعته الإنسانية، حقيقته ومعرفته والتي على ضوئها يمارس حياته وحقيقته، وبها يصير مرآة أمام نفسه وغيره...

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5808 المصادف: 2022-07-31 04:26:05


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5867 المصادف: الاربعاء 28 - 09 - 2022م