نصوص أدبية

زهرة حواشي: مذكرة بطال

المرحلة الاولي

عِنْدما كنتُ صَغيرًا

كُنتُ أستفيقُ على صَوتِ أمِّي

،،هيا ّ...طَلعَ النّهارْ.. ،،

كانتْ أمِّي تستفيقُ على صوتِ صِياحِ الدِّيكْ

أخطأَ الديكُ أوْ أصابْ

فقدْ طلعَ النّهارْ

لاَ مَفرّ مِن الْقَرارْ

*

أُزيلُ الْغِطاءَ عنْ وَجْهيِ

فَيُهاجمُني برْدُ الشِّتاءِ

وقدِ اٌنْحدرتْ جُيوشُهُ منْ قاعدةِ جوڨورْطا

وجِبالِ وَرْغَةَ ليلاً

وباتتْ تَتربّص بِي

كالإعْصارْ

لكنْ لا مَفر

طلعَ النّهارْ

*

أَرْتدي ميدعتِي

أغمسُ سبّابتيَّ في الْماءِ

أمسحُ بهما عينيَّ

أهُبُّ لِلإفْطارْ

*

بعضُ كِسرَى

بعضُ بعضِ زيتٍ

و... اٌنتهى الإفطار!!

*

في ركنِ الْغرفةِ مِحفظتي

فوق مائدةٍ قديمةٍ تنيرُها،، لمبةُ بترولٍ،،

لا مكتبَ ولا كهرباءْ

لا أريكةَ ولا سِتارْ

*

أُكمِّلُ ما تبقىَّ منَ الْفروضِ

وأتهيأُ لبقيةِ الْمشوارْ...

*

أحملُ مِحفظتي

أخرجُ لمصارعةِ الأخطارْ

حذائي، بُوط" مَرْكبتِي

تصد عن قدمي عرق الامطار

ومعطفي "قشابيتي"

درعي ضدّ رصاصِ الثلج

والريح والامطارْ

لكنني كنتُ صغيرا

غَضًّا رقيقَ الْعودِ

لا أُدركُ الْخُدعَ

ومكْرَ الأشرارْ !

*

وها هُوَ الْعدُوُّ يُهاجِمُ  وَجهيَ الْعاري

فيجرّحُه تجريحًا

ويزيدُه احمرارْ !!

*

ثمَّ يمرُّ إلى أصابعي

ويحاولُ افتكاكَ محفظتي

فأقاومُ وأقاومُ

دفاعا عن محفظتي

قائلا في نفسي:،،البردُ ولا العارْ!!،،

*

فأذا به يُحرّقُ أصابِعي

تماما مثل حرقِ النارْ!!

*

جريمةٌ مع سبقِ التّرصُّدِ

والإصرارْ!!!

*

بَيني وبيْن مدْرستي

درْبٌ طويلٌ ووادٍ

تُحيطُه الأشجارْ

*

أَقطعُ الٌدربَ

أنزلُ الوادي

وأقتحمُ الأخطارْ

*

وكأنني السِّنبدادُ البحريُّ

يصارعُ أهوالَ البحارْ

*

.. فأتذكّرُ صديقي وصاحبَ دربي

لقد جرفَه هذا الوادي ذاتَ عودةٍ من المدرسة

فتستحيلُ مغامرتي رعبا ومَرارْ

لكنْ لا مفرَّ

لا خِيارْ.....

*

في القسمِ كنتُ ممتازا

وإن تجمَّدتْ أصابعي

واعْوجَّ الخطُّ والْمسارْ

*

فلا أخطاءَ

ولا تدليسَ

ولا استمرارْ ...

*

كنت أعودُ إلى أمي

كطيرٍ صغيرٍ

أطلبُ دفئَها

وبعضَ الطعامِ

*

فتحيطُني بروعةِ الأمومةِ

والكانونِ ...والدِّفءِ

وإخوتي الستة

والصّخبِ الكثيرِ.

فانسى معاناةَ النهارْ....

المرحلة الثانية

أعوامٌ وظروفٌ وصروفٌ

وذكرياتٌ تابى الإندثارْ

*

مجاملاتٌ وتبجيلٌ لأبناءِ السيادةِ

ولنا الحيفُ والتّجاهلُ

والإحتقارْ

*

فما زادنا الْعسرُ إلاّ شدةٓ

وعزيمةٓ

فكان الإنتصارْ...

*

وهلَّتْ مرحلةُ المعاهدِ

ابتعدنا عن الدّيارْ

وأصبحتِ المبيتاتُ ديارَنا

والأوكارْ

*

ومن لا يعرفُ ما يخلِّفُ المبيتُ من آثارْ

*

إسألوا المطابخَ عن ولائمِ التَّعفّنِ والاخطارْ

تكشف لكم الأسرار

*

أمّا الأساتذة‍ُ فقد ندرَ الشريفُ

وتكاثرَ السِّمسارْ

ترغيبٌ وترهيبٌ

حصصٌ وتسريبٌ

واستهتارْ

*

والويلُ لمنْ لا يملكُ الدينارْ !!

*

فاشتدتِ الْهممُ

واحتدّت القممُ وإلى العُلا

انطلقت الأفكارْ

*

ورُغم الفقرِ والقهرِ

والحيفِ والإحتقارْ

ها هي الجامعاتُ في الانتظارْ

المرحلة الثالثة

الْجامعات:  دورُ العلومِ والرياضياتْ

والفلسفةِ والإنسانياتْ

*

موطن الذّكاءِ والإبداعِ

والإبتكارْ

والنّقدِ و"حَجرةِ سقراط"

وتعدُّد الأفكارْ

*

وعلومِ الطِّبِّ والتشريحِ

والبيولوجيا والجيولوجيا

والأنتروبولوجيا والحفرياتِ

وعلمِ الآثارْ

*

خَبرْنا دواليبَ التاريخِ

وخلفياتِ الحروبِ وتقسيمِ العالمِ

ومرارَ الإستعمارْ

*

وقرأنا تاريخَ الثوراتِ والعبيدِ

وبطولاتِ الزنوجِ والهنودِ والأقلياتِ

ومدى ظلمِ الظالمينَ

والماغولِ

والتاتارْ .....

*

وعلمنا طبَّ ابنِ سينا وزريابٍ والرازي

وباستور والبنيسلّين

وأمراض الكوليرا

وما سببته من دمارْ

*

واّطلعنا على علوم اليونانِ والإغريقِ

وفلاسفةِ الظنة وفلاسفة العربِ

وابن رشدٍ وفلاسفةِ الأنوارْ

*

وارتوينا بقيمِ الإنسانِ

واتخذنا العقلَ بوصلة ً

والعدلَ ميزانًا

والعدالةَ منظارْ

*

تحدَّيْنا هُزالَ مناقِدِنا

وشدَدنا أحزمةَ بُطوننا

وكمْ عذّبنا غَلاءُ العيْش

وسكنُ الإيجارْ

*

كانت شعلةُ الأملِ في عيوننا

وكان حبُّ الوطنِ ملءَ قلوبنا

حلمًا بغدٍ مزهرٍ

وأمنٍ واستقرارْ  ...

المرحلة الاخيرة

أَحرزتُ الشهادةَ العليا

فعمَّتِ الأفراحُ والمسارُّ

*

أبي عاملٌ بسيطٌ

لا املاكَ لا عقّاراتٍ

ولا دفاترَ ادِّخارْ

وبعضُ إخوتي هجرَ المدارسَ

لتمكيني من الإستمرارْ

*

تذكرتُ  وأمِّي تضُمُّني

يومَ باعتْ لأجليِ حَليَّها

خلخالاً وخُرصيْنِ و'تيڨارْ'

*

وعدتُه...وعدتُهم ...وعدتُها

بالعمل والجِد.ِّ

وردِّ الإعتبارْ

لكنّ الوعودَ ضاعتْ وتبخَّرتْ

غبارا في غبارٍ

في غبارْ

*

فأنا منذُ سنينَ باحثُ بحَّاثٌ

وشهادتي الرّسمية

وإسمي وتعريفُ هويتي:

متخرِّج ...بطالْ .

***

زهرة الحوّاشي

من كتاب: رأسي في قفص الاتّهام

في نصوص اليوم