نصوص أدبية

ناجي ظاهر: قاطف الصبر

كنت في طريقي إلى راس الجبل، عندما تألّقت شمس تموز اللاهبة في وسط السماء، غير عابئة بي ولا بعرقي المُتصبّب من وجهي وجسدي، وحتى قدمي، ورغم أنني عامل مفتول العضلات و " بعجبك"، لا سيما عندما أنحو نحو التعقّل والتفكير، كلّما واجهتني محنة، أو وقعت في ورطة مفاجئة مع أحد الاسياد، فقد شعرت بشيء من الانهاك، سهّل عليّ هذا كلّه لأنني كنت أفكر وأتخيّل ما سأتمكن من قطفه بيديّ القويتين من أكواز الصبر. زاد في هذا التسهيل، أنني تصوّرت أبنائي الثمانية وهو يتناولون الصبر بشوق ولهفة.

الدرب الترابيّ نحو تلك الصبّرة القائمة قريبًا من قصر يسكنه أحد الأغنياء من أصحاب الأموال الغزيرة الطائلة.. كان في الواقع طويلًا، غير أنني لم أشعر بطوله، رُبّما لأني كنت أفكّر في غلال الصبر التي سأقطفها بيدي المتمرّسة و.. سوف أعود بها إلى بيتي المتواضع في الحي الفقير القائم في البلدة القديمة. هكذا قطعت الطريق بقدمين ثابتتين رغم ما حلّ بي من تعب وإنهاك. لأطل على الصبرة المنتصبة فوق تلّة راقصة، قُرب بيت كبير وفارِه، تمنّيت طوال أيام عمري ولياليها الإقامة في مثله، ولم أتمكن، "أقطُف الصبّر يا رجل الآن ودع افكارك الجهنّمية .. تسترخي في خزاناتها"، قلت لنفسي وأنا أتابع السير غاذًا الخطى نحو هدفي، بالضبط مثلما يحدث مع كلّ مجتهد، حتى لو كان فقيرًا مثلي. اقتربت من الوصول إلى هدفي، توقّفت قُبالة شجرة الصبر، وأنا اتمعّن فيما ناءت به وحلمته من أكواز الصبر الذهبية، كانت تلك الاكواز تبدو وكأنها قناديل النور الالهي في ليل مظلم، لذا قلت لنفسي أمرها غريب. كلّ هذه الخيرات ولا أحد يدنو منها؟.. ما هذا الامر الغريب، البلدة ملأى بالمُهجّرين الفقراء ممن ينتظرون موسم الصبر لقطفه من أرض الله الطيبة المعطاء دون أن يُطالبهم أحد بثمنه، كونه نبت في مكان لا صاحب له ويعتبر أرضًا مشاعًا.

اقتربت من الصبّرة. كانت حاملة وممتلئة، تمعّنت في الواحها علّي أرى كوزًا ناقصًا مما جادت به تلك الصبرة المباركة في موسمها المعطاء السخي، إلا أنني فوجئت بثمار الصبر تصطفّ في نظام ساحر مُبهر، يُشبه النظام العسكري عندما يصطف الجنود الكرام استعدادًا لتحرير الوطن من أيدي الغزاة العتاة الظالمين. انتابتني حالة من الفرح وسرعان ما تحوّل هذا إلى قوّة، فمددت يدي العارية لأقطف الكوز المبجّل الأول، وما إن لامسته بحنو لا حدود له، حتى استوقفني صوت انطلق من قريب:

-مَن أذن لك بقطف الصبر؟.. قال صاحب الصوت وهو يُرسل نظراتٍ حافلة بالخبث وقلة الحياء. أرسلت نظري نحوه وواصلت قطفت الكوز الأول. وضعته في كيس النايلون وقطفت كوزًا آخر وآخر.. فعاد صاحب الصوت المزعج يدردب:

-قلت لك مَن أذن لك بقطف الصبر. نظرت إلى السماء الواسعة وعزمت أن أقول له: " الله هو مَن أذن لي"، غير أنني عدلت في اللحظة الأخيرة. وسألته:

-لماذا توجّه إلي مثل هكذا سؤال.. هل أنت حارس عليها؟

-وتقول مثل هذا الحكي؟ .. ألا ترى أن الصبرة قريبة من بيتي؟.. ردّ بوجه يفيض احمرارًا.

ما إن استمعت إلى حكيه هذا حتى انتهرته:

-كلا.. لا أرى.. أنا أعمى..

عندها اقترب مني، أمسكني من يدي:

-قلت لك هذه الصبرة لي. صرخ بتصميم.

انتزعت يدي من يده بقوة وتابعت قطف الصبر، فما كان منه إلا أن هجم عليّ موجّهًا لكمة قوية إلى وجهي. غامت الارض في عيني واربدت السماء. انتصبت قُبالته وأنا أدعوه لمعاودة توجيه لكمة أخرى.. دنا مني وهو مطمئن إلى أنني استسلمت إليه، وقبل أن يوجّه لكمته إلى وجهي.. كنت قد رميته أرضًا ووضعت قدمي على رقبته:

-هل تريد أن تتوقّف عن ادعاءاتك؟.. أم تريد أن أقضي عليك؟..

طلب مني أن أزيح قدمي عن رقبته واعدًا إياي بالخير، فرفعت قدمي من موضعها وأنا اهتف به:

-عن أي خير تتحدث.. وأنت تريد أن تستأثر بما تركه إخواننا المهجرون من خيرات أرضنا المباركة؟.. قُمْ لا أريد أن اوسخ يدي بدمك..

نهض الافندي، وبدلًا من أن يكتّ ما علق من غُبار على ملابسه الجديدة، راح يكتّ الغبار عن ملابسي العتيقة المرقّعة، ويرجوني أن أهدأ. "أنت ترى أن الصبرة قريبة من بيتي، وأنه من حقي أن أقطف بعضًا من ثمارها.. لا تزعل مني.. لم أقصد إغضابك".. فهمت ما أراد طلبه.. ملأت كيسي بثمار الصبّر وعندما امتلأت دوكما. خطرت في بالي خاطرة.. ماذا كان هذا النجس يفعل بي لو لم أكن قدّ حالي ومن رجال الشمس الذين انتصبوا شامخين في وجه التهجير ودقوا جدار الخزان.

قبل أن أمضي في طريق العودة إلى بيتي المتواضع وابنائي الثمانية المنتظرين، أرسلت نظرة باتجاه ذلك الكائن المُزعج، فرأيته مصفرّ الوجه.. مسودّه.. انتابتني حالة التعاطف تجاهه.. وقدّمت إليه عددًا من ثمار الصبر.. وولّيت ظهري ماضيًا في درب العودة.. فيما راح هو يتمتم بكلمات فضلت ألا أسمعها ترفعًا و.. حقنًا لدمه..

***

قصة: ناجي ظاهر

في نصوص اليوم