نصوص أدبية

شمس الدين العوني: من سيرة البستاني.. والى غزة بمثابة الشجرة

(الى الصديق الشاعر الفلسطيني جميل حمادة.. في خريف كهذا.. بوسعك أن تنهي نصف فوضى كأن تزيح عن النهر غطاءه وتهب الطريق اسمها الجديد.. كي تتساقط أوراق العمر بلطف.. الكل يحب الهدوء).

***

مثل جدة قديمة.. الشجرة تحكي شجنها للأغصان

تقص نواحها الخافت على الأوراق.. هي تفعل كل ذلك..

بينما حطابون ينعمون بموسيقى الفؤوس..

***

في نزهة الأحد.. تركت يدا للريح.. والاخرى للشجرة.. ردا على تحايا قديمة.. ليس خريفا هذا.. شمس الاحد الصيفية.. تهجم على كل شيء.. الأخبار تترنح كرائحة بن برازيلي.. الذي يحدث.. الكركدن يعبث بالعشب يرفس الأزهار والوردات.. والطفل يراقب ذلك.. كل ذلك متسلحا بالدهشة العارمة.. وبقصائد هي أناشيده الأولى.. " يا وردتي ما.. ".. في نزهة هذا الأحد.. أرض يباب وموسيقى يثقبها العمى.. وكرنفال أعرج جاء من بعيد.. كي ينعم الجلادون.. والشهداء.. في نزهة الأحد الموالي.. استل الشاعر يديه ليحضن الكلمات وهي تعلن انتصار الشجرة..

***

غزة.. أي نعم..

يلزمنا كلام للحجر.. لغة للشظايا.. والأنين.. يا من يترجم هذا الظلام القابع من قرن.. مدن للانوار مثل أكذوبة أفريل.. تتحطم على أطياف حلم.. وتعتعة طفل بلا ماء.. لا لعبة ليديه ولا دمية لصباحاته.. ولا يد ثانية.. كي يصفق للشهداء والمنسيين.. لغة للحطام.. لرقصة فتاة باذخة على ايقاع الروح بين نهوند وصبا.. اسمها غزة..

***

قال البستاني وهو يرش الشهداء بماء الورد التونسي:

ما بال اقوام مخلوعي القلوب.. يصرخون.. فكأنما حل بهم عطب عظيم.. ليس لهم من الأبدان غير.. الأفواه..

***

قال البستاني:

.. ان الظل صديق قديم..

كان النهر يحدث سرب حمام..

الليل ودود والسماء لون مجدكم.

ما هذا العطش المبارك

خسارة باذخة أن تسافر دون شجرة أيها الولد الطاعن في الخضرة..

كن في تلك الأيام حيث تستذكر شجرة نائية سيرة نهر..

كان على ضفاف دجلة شعراء

يسردون طفولات تلمع عابرة..

و حكايات لا تصلح لكتب التاريخ والروايات

على طاولاتهم سمك مسكوف وخبز وغلال.. وحزن يانع..

كنت أعبر تاركا بصري في ساحة الأندلس

أين يدعك جواد سليم فكرة حاله

و هو يلهج بالتواريخ ينحت خياله كموسيقى نينوى الطالعة

كدخان ضائع وبلا رافدين..

ها هي الظلال العائدة من الغابة

مقطوعة الآمال..

تبحث عن اليد اليمنى.

الظلال أجساد أخرى لظلالها تظهر كأصدقاء قدامى.

نعم.. الظل صديق قديم..

و قليل ما ليس في النهر.. كثير كل هذا الذي ليس فيه..

***

في الطريق اليها.. قال البستاني

.. ورايت بساتين منهوبة عبثت رياح شتى بأثاثها الزاخر بالخضرة.. ألفيت النهر ينتحب والأشجار بلا قصائد.. عثرت على اعشاب بلا معنى.. كان الورد بلا لونه والازهار لم تعد ازهارا.. وانا في الطريق اليها...اضعت الطريق.. تبخرت أغنيات جمة.. يا لهذا الخراب المبين..

***

يكفي أن تقول الشجرة.. لتخضر العيون

ها هي الشجرة خارج بستانها تبتكر أمكنة أخرى بلا أعشاب.. بلا ذاكرة

تدعو موسيقى بلا وقت لا نعرفها..

نعم.. تصفق الريح باستمرار

للشجرة خارج البستان.

تعزف لها لحنا.. لا ينتهي معه الغناء..

الغناء شجن بارد.. والشعر بريء من أسمائه..

بمقهى العابرين تمر الآن الشجرة.. حيث يلمع الكلام وهو يمشي من الأفواه..

نعم.. كل الحكاية.. مرآة مهشمة ورؤوس من نحاس ومصاعد لا تعرف غير النزول..

سوف تذهب الأرض في جولة وسيتبعها النهر والشجرة والصراخ.. وبعض شعراء النثر.

و سوف تقول السلحفاة أسرعوا.. ولا تزعجوا الموتى.. ازرعوا الكلمات.. والأسرار فليس للنهر تاريخ.. كما الهواء تماما والوقت كائن غير منتبه لغيره..

في خريف كهذا.. بوسعك أن تنهي نصف فوضى كأن تزيح عن النهر غطاءه وتهب الطريق اسمها الجديد.. كي تتساقط أوراق العمر بلطف.. الكل يحب الهدوء.

في هذا الخريف.. أرسل النهار لليل يسأله عن الكدمات والأرق ولا تقل كانوا يحلمون.. ابق في الشرفة وترشف قهوة المجد بوجه طفل وشموخ فراشة وقل للنهر لا عليك.. انما هي فسحة للعبور مرهقة.. كان لا بد منها لتعرفك الشجرة وتلقى سرك مأهولا بالخلق.. لا عليك هذا صوت لن تمله الطيور وهي تغدو الى ما تفكر فيه..

قال النهر للعاصفة ما جدوى أن ترفع الأيام أصواتها في خريف كهذا..

النهر صديق الغرباء.. يحضنهم كما لو كانوا أعداء الشجرة..

تصفق الريح للشجرة.. يصفق النهر للشجرة.. تصفق الشجرة للبستاني الذي يقول الشجرة فتخضر العيون..

***

شمس الدين العوني

في نصوص اليوم