نصوص أدبية

صالح البياتي: الدم في آنية الزهر

(في شهادة الميلاد يكتبون متى ولد الأنسان، وأين ولد، ولكنهم لا يكتبون لماذا ولد..؟)... سافير

من جاء للحياة خلسة، ببطاقة دعوة فات آوانها، لن يخشى الموت ..

كان قلبي مذ عرفته

مولعا بالترحال

يخفق بقوة ويحلق بعيدا

نورس مهاجر وحيدا

أضنته الريح الهابة

وبلله المطر المنهمر

ينتصب أمامي بكبرياء جبل الحياة، متوجا بهالة من بهاء وطهر ونور، عيناي ترنوان لجلاله ورفعته .

**

أتأمل البحر المحيط، أتنفس هواءه، أشعر بقلبي يدق في صدره العريض، الموشوم بالزبد، دقات قلبي تتناغم مع إرتداد الموج من الساحل، في أنفاسي عبق بنفسج، يتفتح مع هبوب نسيم البر، ودمي يتوهج بين أصابع الفجر، صاعدا مع خيوط الشمس.

**

في ظلمة ذكرياتي، أناس إنسلوا على عجل، مختبئين في أروقة

النسيان، لكنهم لا زالوا يبحثون عن أسرار؛ خبأها البحر في رئتيه، يتنفس فتخرج فقاعات بشرية، تفقسها ريح عاتية آتية من أعماق الأبدية .

**

صور شتى في مخيلتي، عن كوابيس الماضي، لكن الدم المتوهج في آنية الزهر؛ يتجمد كبلورات ثلج، فأراه في عين الحقيقة، يثير في قلبي موجة بكاء .

**

في مدن اللامكان، عاش أناس في اللازمان، مدن فاق جمالها الوصف، نائية في كواكب الأفلاك البعيدة ..

**

أنتفض من غفوتي الآنية، فأتلمس شعري، أجده معجونا بزنابق الماء وبغبار وملح، تدهشني شدة بياض الزنابق، أوراق كتابي لم تفتح،  قطرات دم تطرز حواشي الكتاب، وبين السطور تسجد جروحي النازفة، فأتساءل:

أين أختبأ الزمن الموغل بالبغضاء، وأين ولت كل تلك النصال الغادرة والرصاصات القاتلة!

وكيف أنها بعد أن قتلتني، لم تترك أثرا في الريح، أو تحرق شيئاً من ذؤابات عشب الحدائق!

وأين ولت رصاصات آخرى خائبة، فطاشت ولم تصب هدفها!؟..

**

لماذا يسمح الله العظيم، للحديد أن يكون جباراً، شديد البأس، فينغرس كمخلب صقر جبلي، في اللحم الضعيف الطري، أيتوارى الحديد خجلا عند إقتحامه اللحم، ثك يتوسد العصب والعظم؟

لماذا الرصاص طائش متهور؟، يلعلع في الليل كطبول الحرب، بينما ينساب ضوء القمر؛ يرسم بسمته البيضاء الكبيرة في سواد الليل؟ ولماذا يسقط من كان واقفا ورأسه متوج بثلج وبركان من نار..؟

**

حينما يسقط البرئ مضرجا بدمه؛ تنحني له الملائكة، وتضوع روائح الجنة بشذى طيب، لا الروائح تكف عن التضوع ولا الجروح تتوقف عن النزف ..

**

في نهارات بلون بريق العيون الحالمة، أستيقظ مرة آخرى، فأرى أسلحة الموت قد أصابها الوهن؛ وعلاها الصدأ؛ وتحولت الى ركام في متاحف العاديات، يورث النظر اليها كأبة في العيون؛ وحسرة في القلوب ...

**

ترتفع الرقاب التي حزتها السيوف؛ أهلة من نور فوق ذرى الأشجار .

السنابل تحصدها المناجل؛ فتزداد تألقا؛ وبريقا تحت شمس الربيع، الحديد فيه بأس وقوة، لكن الدم فيه حياة وصخب، ينسكب كالزيت المقدس؛ فيتحرر تموز من عالمه السفلي، وترتفع راية الشهادة حمراء على ضريح الحسين، وينفض الحلاج الرماد عن رداءه الخشن، وينهض كالفينيق ينشر جناحيه فوق ضفتي دجلة، ويترجل المسيح عن صليبه الكئيب، بعد أن تسنم قمة العالم ..

***

صالح البياتي

 

في نصوص اليوم