نصوص أدبية

فرات المحسن: الوقوف عند الزمن الأخر (5)

كان رجب، ولمرات متكررة، ينادي ابنه ليعرف منه آخر المستجدّات والاستفسار عما يحدث في الخارج. هذه المرة جاء الابن ليخبره عن وجود بعض رجال ينتظرون مقابلته، وقد تعرف عليهم كقادة للمنظمة الحزبية في المحافظة. فنهض رجب وذهب لاستقبالهم. جلسوا صفاً واحداً في غرفة الضيوف، وجلس رجب أمامهم يطالع وجوههم. كان كمن يَعدّهم بين لحظة وأخرى ينظر مليا في سحنات مصفرّة وعيون أثقلها النعاس وكدّرها الخوف. طالعهم دون أن يفتح فمه. بدت تلك اللحظات ثقيلة وكأنها دقائق لتعازي تقدم لأهل الميت. صمت وريبة. استمر هذا وقتاً قصيراً. ولم يكن رجب واثقاً من كونه قادراً على حسم الأمور معهم بما يليق به شخصياً، أو بهم كقادة، كانت المدينة تحت سطوتهم وتنفذ لهم ما يرغبون. ولكن نفسه حدثته بأن تلك الأرواح تسعى اليوم للحصول على نجدة، تريد من يساعدها للملمة ما تصدّع. هكذا هي الأشياء دائما دون ثبات. حين كانوا يذلـّون أهل مدينتهم كانت كلماتهم الثرثارة تسقط ثقيلة قاسية تثقب الأرواح وتهينها مثل بصقة تلطخ شيبة شيخ قبيلة. واليوم أنقلب السحر وحل بدله الرعب والترقب.

لفـّهم صمت مطبق، فما كان من رجب إلا أن بادرهم دون مقدّمات من ترحاب وتودّد.

ـ كان كل واحد منا يتبع نهجاً ويسير عليه ومن أجله. وأنا كنت دائماً أفضّل أن أكون بعيداً عن أغراضكم وعلاقاتكم الحزبية بالرغم من جميع الحوادث، وأنتم بالذات تعرفون جيداً مقدار ما أملكه من أسراركم، ومع هذا فقد زهدت وأخفيت الكثير، ليس من أجل الحزب أو من أجلكم، ولكن من أجل مدينتنا. وأظن أن كشف بعض المستور سوف يكون شرارة تحرق الكثيرين، لذا فأنا أرى أن الصمت وإخفاء أو إتلاف بعض الأوراق الموجودة في المنظمة، سوف يساعد على حصر النزاع وإبعاد الشبهات، وليأتِ القدر بعد ذلك بما يشاء. ولكن ثقوا، وهذه أقولها من معرفتي الجيدة بأهل مدينتنا، ثقوا أن مدينتنا سوف تنال الطمأنينة بعد حين، وبعد أن يخمد أوار هذه الحرب الملعونة.

كان رجب يطلق كلماته ببطء شديد وكأنه يضرّسها تحت أسنانه، وهو يطالع الوجوه الخمسة ذات النظرات الحائرة المرعوبة التي جلست قبالته ترنو لإشاراته وحديثه مثل تلامذة مدارس. كان الخوف بادياً على ملامحهم، بالرغم من محاولاتهم التماسك لإبعاد شبح الرعب الذي سيطر عليهم كلياً. ولاحظ رجب أنهم، وللمرة الأولى، قد تخلوا عن بذلاتهم الزيتونية اللون.

ـ ولكن أبو قصي.. لقد اقتربوا من المدينة والمعارك تدور الآن عند جسر الهولندي، وتل اللحم أيضاً.. لقد أحاطوا المدينة من أغلب مداخلها.

ـ لا ضير.. لقد حُسم الأمر.. أظنه حُسم لصالحهم هذه المرة ولا حاجة لكم للعناد بعد اليوم ولا تفكروا بالحزب وتنظيماته بقدر خلاصكم الشخصي.

ـ ما الذي نفعله الآن..؟

ـ لا شيء.. لا شيء على الإطلاق.. نحن أبناء هذه المدينة، والجميع أبناء حمولات، وبيننا وشائج قربى. اذهبوا إلى بيوتكم والله يتدبر كل شيء.

ـ ولكن يقال إن بعض العشائر تتجمع لتدخل المدينة، وربما سوف يحدث الكثير من الانتقام والقتل والسرقات.

ـ لا تلتفتوا للإشاعات.. لا تدعوا القلق يقتلكم قبل أي شيء آخر.

ـ ألا يوجد حل؟

ـ أيّ حل وحول ماذا؟

ـ لوضعنا.. فأنت تعرف مسؤولياتنا في الحزب، ونحن نخشى من ردود فعل الناس.

ـ لا أظن أن مثل هذا سوف يحدث، ولكن لنتدبّر الأمر.. عليكم عمل الكثير وبسرعة، وأولى تلك المهامّ هي إحراق وإتلاف كل ما تحتويه المنظمة الحزبية من ملفات، لا بل عليكم إضرام النار بالمنظمة ذاتها وكذلك بمقر المنظومة الأمنية.

ـ ولكن..

ـ دون نقاش.. أنا لست مسؤولكم الحزبي، ولكني أتحدث من معرفتي بما يدور حولنا، وما تحتاجه وتترقبه المدينة قبل أي شيء آخر. ليس لكم غير طريق واحد، وجميعنا نتعلق به كأمل وخلاص. وقبل هذا أرى أن كل شيء قد انهار أو في طريقه.. ليست حرب عام واحد وتسعين.. إنها النهاية ولا تخدعوا أنفسكم.. لكم أن تختاروا ما تفعلونه بعد ذلك، ومن المصلحة بعد ذلك أن تكونوا دخلاء عشائركم.ذلك هو الحل الأمثل.

كان رجب محقاً في توقعاته، فقد كانت أخبار الانهيار تتوارد بسرعة وتنتشر بين الناس الذين يبدو أن الدهشة تملّكتهم فبدا الصمت سّيد الموقف، يخالطه التشفـّي الذي يطفح بشكل ظاهر فوق الوجوه المرتبكة. هكذا أخبره ابنه بعد خروج أعضاء الحزب.

***

رائحة الدخان تسرّبت ثقيلة مع موجة الغبار التي لفت المدينة. ليست خالية من روائح بارود وعفونته. دفع رجب حافة النافذة وأسدل الستارة وجلس يستمع لجهاز المذياع. أدارت أصابعه ولعدة مرات مفتاح الجهاز من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ثم توقفت عند وشوشة وصفير يأتيان من بعيد، وكأنهما من عالم آخر. عالم ساكن تتوقف فيه الحياة والريح صرصر تخترق الأجساد المتيبسة فتحيلها إلى رماد يُذرّ في الهواء، ثم يأتي المطر مدراراً فتبنى أجساد جديدة لتجفّ بعد حين، تأتي بعدها الريح العاصف تنخر الأجساد، وهكذا دواليك، دوامة إثر أخرى. من أين يبدأ حلم الإنسان؟ بأوجاعه أم بسعادته؟ وعند أي منعطف يلتقي بما أراد الوصول إليه. دسّ رجب رأسه تحت الوسادة الثقيلة فشمّ رائحة زفرة ريش الطيور فدفع الوسادة ورماها بعيداً.

***

ضغط رجب على أسنانه وأخرج كلماته ثقيلة واثقة.

ـ لا.. أرجوك، قل لهم يتركوني لحالي كي أعيش بسلام. هيا قل لهم ذلك. فلا شأن لي بهذا.

ـ لا أستطيع، فهناك من يريد سماع شيء منك.

ـ أيّ شيء.. ليس عندي ما أقوله.

ـ جرّب، فأنت لن تخسر شيئاً. وهم يودون فقط سماعك، ليسوا أعداء كما تظن. تأكد من ذلك. أنا متيقن من هذا، فلو كانوا يضمرون لك شيئاً لأتوا واعتقلوك دون مقدمات، لا يريدون إحراجك، ولا حتى إثارة الشكوك حولك، هاهم ينتظرونني في سيّارتهم، انظر هناك عند المنعطف.

ـ ولكن الأمر صعب.. صعب جداً.. فلم يسبق لي التعامل بأمور كهذه.

ـ إنهم يريدون الحصول على المشورة. بعض من أهل المدينة دلهم عليك.

ـ حول أي شيء وهم يملكون ما يملكون، والمدينة باتت تحت سيطرتهم واستقرت لهم الأمور.

 ـ جرّب، لن تخسر فأنا كنت متردداً مثلك. ولكن في النهاية تيقنت بأنهم بيننا، ومن الخير التعامل معهم.

كانت تلك ليلة قلقة مترعة بالكوابيس وخيم الغم الثقيل على قلبه. لم يكن ليخطر في باله أن يطلب الأمريكان مشورته،وعد مثل هذه الدعوة شؤما وخسارة جديدة تحسب مثل سابقاتها، ما الذي يقدمه لهم، ولم اختاروه بالذات.

بزغ الضياء الأول من صباح مغبر يلف المدينة،دفع رجب ستارة النافذة وطالع الشارع الفارغ الممتد أمامه، وحاور نفسه ثم خلص لجملة دائما ما عدها محاولة لطمأنة النفس.وهي تأتي مثل ترياق يسري بين العروق لتهدأ النفس وتذهب لحالة يأس مفرط أو لا مبالاة مفرطة.

ـ ليكن ما يكون.

***

أجتاز رجب الشارع مطرقاً رأسه، وذراعاه متشابكتان خلفه، مبعداً نظره عن حركة الأشياء من حوله. فكر بما دار من حديث مع القائد الأمريكي، كل ما أرادوا معرفته قدّمه لهم بنصيحة العارف بدقائق الأمور. طالبهم بأن يمنعوا الانتقام لكي تهدأ الأوضاع ويشعر الناس بأنهم قدموا لحمايتهم وليس للانفلات والفوضى وإشاعة الموت. كان مضطرباً وهو يسير وسط الشارع العريض الخالي من المارة ، تملكته رغبة عارمة للذهاب إلى مكتبه الذي عافه منذ بدأ الهجوم. ولكن رغبته تلاشت، ووجد قدميه تقودانه نحو بداية الشارع المؤدي إلى الناحية القريبة من شارع الحبوبي، حيث بيت صديقه المحامي أبو جبار اللامي، هناك يستطيع أن يفصح عما يدور في خلده، وليناقش معه ما دار بينه وبين القائد الأمريكي، فأبو جبار يملك من الحنكة والحكمة ما يستطيع أن يبعد عنه كل ذلك القلق والإرباك، ولا يمكن له أن يضنّ على صاحبه بما يطمئنه. ولكن ضحكة القائد الأمريكي كانت ترنّ وتملأ رأسه لتلسعه بطنينها. شقّ عليه استيعاب فكرة النوايا الحسنة، وراء تلك الضحكة التي عرض عليه بعدها أن يكون صلة الوصل بينهم وبين أهالي المدينة. داعبه لحظتها الأمل، ولكنه سرعان ما استيقظ منه، شاعراً بثقل المهمة وغموضها، في هذا العمر وبعد أن جاهد كثيراً. كل تلك الحياة التي عاشها مغامراً يتقلب فيها بحثاً عن وجود وكينونة، لم يدر في خلده أن يواجه مثل هذا الموقف وفي هذا الوقت بالذات. حتى الموت حسب له حساباً ولكن موقف اليوم له شأن مختلف. في تلك الساعة الحائلة الملامح، تبدو الأشياء وكأنها تُشوى فوق جمر. ولم يجد من يقف جواره. شعر بوحدته المضنية. لم يصنع سوءاً لأحد، فلماذا تتعقبه الأقدار بخياراتها القبيحة وبكل هذه الحدة والقسوة؟ من الصعب أن يشيخ المرء ويدرك في الأخير، أن ما تشبّث به كان خدعة أو لعبة لا خيار له فيها، بقدر ما يقودها القدر دون أن يفصح له عن هدفها. هل يمكن نسيان كل ما حدث مع مرور الزمن؟ واليوم عليه أن يبدأ من جديد. أية لعبة اختارها له قدره؟ وبعد كل حقول الألغام التي نصبت له والمهازل التي قدر له أن يكون مصاحباً لها، وتلك التي نجا منها. يجد نفسه اليوم لازال متماسكاً ويفكر. ولكن بأي شيء؟ ومن أجل ماذا؟ أيحتاج الأمر كل ذلك الجهد؟ أيخرج التعامل مع الأمريكان مدينته من محنتها؟ أم ترى أن المسألة تعيد صناعة نفسها؟ فبالأمس كان يرافق رجال البعث من أجل عمل أو حماية. والآن ما لون القادم؟ وما سوف يكون عليه مصير المدينة؟

سار رجب منعطفاً نحو البناية القريبة الواقعة في مقدمة السوق حيث عليه أن يتخطاها ليعبر الطريق نحو الجانب الأخر. بدت البناية وقد لـّطخت ببقع داكنة ونطت من سقوفها بقايا حديد معوجّ كأنه أضلع مكسورة. كان الدخان ما يزال يملأ المكان برائحته. دخان أسود يخرج من الجوف المحترق وبقايا كراسِ ومناضد وأوراق مبعثرة محترقة مرمية وسط الشارع. وثمة ثريّا معلقة في إحدى واجهات غرف البناية تتدلى وكأنها رجل مشنوق.

ـ ها أبو قصي، شنو بدلت ثوب البعثية بثوب الأمريكان؟

لم يسمع رجب الكلمات جيدا، فقد ضاعت عنه مع صوت رشقات رصاص. هزّت الرصاصات جسده وطوّحت به ليهوي عند عتبة البناية. اضطرب معها جسده فشعر بوخزات حادة لاسعة تخترق صدره. تلمّس مكامن الجراح وضغط عليها شاعراً بحّدة الألم. تراجع نحو الخلف ثم هوى بجسده وأخذ يخبط الأرض وكان الدم ينزّ فواراً من جسده المضرج ، وعيناه المتيبستان ابيضّتا وكانتا تحملقان في الفضاء الكالح البعيد.

***

فرات المحسن

 

في نصوص اليوم