قضايا وآراء

محطّات في سفر العطاء والصمود

لم تسأل ولم تتريّث، فتحت دولابها ورمتها في دُرج الملابس المهملة وظلّت قابعة هناك الى أن أصبحت من نصيب إحدى الفلاّحات، وأعلنت من ذلك اليوم أوّل حالات تمرّدها على الواقع المجتمعي في أربعينات القرن الماضي .

لم تكن "سافرة جميل حافظ " مذ وعت سهلة الأنقياد، فهي لم تُذعن يوماً لأي حَيف لحق بها شخصيّاً، ولم تكن قانعة بالذي تراه وتحسّه وتلمسه من ظلمٍ طبقي وفئوي يمنح الرجال صلاحيات لا حدود لها ويغمط حق النساء في العيش بكرامة، فقررّت بمفردها أن تؤدّب ذلك المجتمع .

 

المحطّة الثانية:

حينما بدأ سعيها لتغيير المعادلة المجتمعية غير المتوازنة وغير العادلة، ترسّخ في قناعتها إن مجهودها الفردي لا يفضي الى نتيجة ولا يقوى على إحداث تغيير يُذكر أمام السطوة العاتية للأعراف والتقاليد والقيم البالية والسائدة وقتذاك، ولمّا كان فكر اليسار قد تبنّى منذ بواكيره الأولى قضية الدفاع عن حقوق المرأة في المساواة الأجتماعية والتعليمية والأقتصادية والسياسية، أصبح عنصر جذب لها لا تملك سوى الأستجابة لأغراءاته الفكرية والأنسانية .

في نفس الوقت الذي بدأ سعيها وإنتماءها تتضح معالمه، بدأ ولعها القديم في كتابة القصة القصيرة يظهر للعلن، إذ اخذت طريقها للنشر على صفحات الجرائد الوطنية أنذاك .

 

المحطّة الثالثة:

عام  1954 تخرّجت من كلية الآداب / قسم اللغة العربية، وكان من زملائها حشدٌ من الذين أصبحت أسماءهم بعدئذ تتصدّر قائمة المبدعين، أبرزهم (مظفّر النواب وغائب طعمة فرمان وسليم البصري وداود سلوّم وآخرون) في سني الكليّة تبلورت مداركها وأتضحت الرؤيا لديها أكثر وتيقّنت أن المرأة هي ليست الوحيدة مسلوبة الحقوق، وإنمّا هناك صراعٌ طبقي دامٍ بين غالبية الشعب المسحوق من فلاحين وعمّال وكسبة معدمين بالكاد ينتزعون ما يسد رمق أطفالهم وعوائلهم، وبين قلّة يمتلكون السلطة والمال والأقطاعيات الكبيرة من أرض العراق،  فأصبح إنتماءها لليسار واقعاً، فأنخرطت في النشاط النسوي التقدمي وألتحقت بالرعيل الأوّل من المناضلات  (نزيهة الدليمي، عفيفة رؤوف، روز خدّوري، سالمة الفخري، إبتهاج الأوقاتي، حياة النهر ..وغيرهنّ) وأسسّن رابطة الدفاع عن حقوق المرأة، الذي أصبح أوّل تنظيم تقدمي مؤثّر في المجتمع النسوي العراقي، كما أنتسبت الى الجمعية النسوية الحكومية (الأتحاد النسائي) وكذلك أصبحت عضوة في جمعية الهلال الأحمر وأستطاعت أن تنشّط عمل هاتين الجمعيتين ودفعهما لتقديم المساعدات خاصة الى الشعبين الفلسطيني والجزائري .

وفي إنتفاضة  1952 تم إعتقالها للمرّة الأولى، فرفعت الكارت الأحمر بوجه ذلك النظام الرجعي القائم آنذاك، وأضحت المواجهة مكشوفة بينها وبينه، وأصبح لديها ملفّاً يتنقّل بين أقسام مديرية الأمن العامة، كما اصبح بيتها لا تفارقه العيون الراصدة لرجالات بهجت العطيّة . لكنّها رغم إنغماسها في نشاطها السياسي عامة والنسوي خاصة، لم تنس "سافرة" همّها الأبداعي، فكتبت مجموعة من القصص استطاعت أن تخرج بها الى رفوف المكتبات تحت عنوان (دمى واطفال) عام  1956 .

 

المحطّة الرابعة:

بعد ثورة  1958 كانت ضمن مجموعة من اللأدباء حضروا الأجتماع التأسيسي الذي تمّ في حديقة بيت الجواهري الكبير، وبه تم الأعلان عن تشكيل (إتحاد الأدباء العراقيين).

أصبح نشاطها ملحوظاً في رابطة المرأة العراقية خاصة بعد نشوب الصراع الدامي بين قوى اليسار وجلفاءه من تقدميين وديمقراطيين وبين التيّارت العروبية وحلفاءها من بقايا الأقطاع والنظام البائد، وأصبحت " سافرة " تمشي على خط النار .

 

المحطّة الخامسة:

تم أعتقالها بعد إنقلاب شباط الأسود عام  1963 وأودعت في أقبية قصر النهاية سيء الصيت، وبعد ان جرى إعدام زوجها المناضل والقيادي الشيوعي البارز المحامي (محمد حسين أبو العيس)، صدر بحقها حكم الأعدام، لكن الجلاّد الذي أوكل إليه تنفيذ الحكم جبن أمام إستخفافها بالموت، وأكتفوا بأن مارسوا معها أبشع أنواع التعذيب لقهر آدميتها وإسقاطها سياسياً وفكريّاً، الاّ أن عنادها المبدأي ورسوخ قناعاتها بالطريق الذي سلكته، جعلها عصيّة على الرضوخ والأستسلام لوسائل الضغط النفسي والجسدي رغم قساوتها المفرطة، وقضت سنة ونصف بين قصر النهاية وسجن النساء وبقية المعتقلات، وتمّ بعدها إطلاق سراحها بوساطات عدّة شرط أن تقضي سنة ونصف أخرى تحت اللأقامة الجبرية .

 

المحطّة السادسة:

لم تبرح "سافرة" أرض الوطن كسواها ممّن تعرّضن الى مثل ما تعرّضت له من ترمّل وتعذيب وحشي الاّ لفترات محدودة أعادت الصفاء الى روحها وشحنت نفسها بشحنات الصبر والعناد الجديد، فمكثت أربعين عاماً وهي تراقب ما يجري على الساحة السياسية وما شهدته من تحالفات هزيلة لم تقوى على الصمود، وظلّت تكتب لنفسها ولم تلوُث قلمها ولا إسمها في النشر بصحافة النظام الدكتاتوري، وبقت تمارس كبرياءها أمام أنظار ذلك النظام دون أن يجد منفذاً للمساس بها، إذ لم تعطيه فرصة واحدة للوصول الى سمو قامتها .. وكان المتخاذلون الذين فقدوا إعتبارهم السياسي حينما يصادفونها، يعرضون عنهـــــا ويولوّن هاربين، إذ كانوا يشعرون بضآلتهم ومهانتهم أمام رفعتها .  كما أستعاضت  نشاطها السياسي والأدبي في تلك الفترة بتأسيس (قاعة الدروبي) للفن التشكيلي لأحتضان التجارب الجديدة للفنانين الشباب الذين لم يجدوا فرصة للظهور.

 

المحطّة السابعة:

بعد سقوط نظام القمع الأستبدادي عام  2003  تحرّك سريعاً الأعضاء المناضلون لأتحاد الأدباء للملمة صفوفهم وتجميع كيانهم وإعادت تأسيس الأتحاد، وقد أختيرت " سافرة " مجددّاً عضوة في هيئته التأسيسية الجديدة .

أستعادت "سافرة" مباشرة نشاطها فأصدرت مجموعة قصصية (14 قصة) والجزأ الأوّل من روايتها (هم ونحن والقادمون) والجزأ الثاني قيد الطبع، كما أصدرت مسرحيتين من فصل واحد.  وهي الآن سكرتيرة رابطة المرأة العراقية وعضوة مجلس السلم والتضامن وعضوة منظمة دعم الثقافة العراقية وعضوة منظمة الثقافة للجميع، وأصبحت الآن وجهاً مألوفا في وسط منظمات المجتمع المدني ومعروفة بشكل واسع كونها داعية من دعاة السفور وتحرير المرأة .

أخيراً، ستظلُّ "سافرة جميل حافظ" قامة مديدة تعرفُ شوارع بغداد وقع خطاها عن بعد و وإسماً سوف تذكره الأجيال القادمة من نسائنا بأعتزاز كبير عرفاناً بتضحياتها وصبرها المستحيل .

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1273 الخميس 31/12/2009)

 

 

 

في المثقف اليوم