 آراء

الطيب بيتي: الناتو: منظمة حفظ الأمن الدولي؟

أم عسكرة في خدمة المركب الصناعي الحربي؟

(نعتقد أننا نموت من أجل الوطن؛ لكننا في الحقيقة نموت من أجل تجارصناعات الأسلحة وصناع الحروب) ..أناتول فرانس

قبل الحديث عن منظمة الحلف الأطلسي من حيث التأسيس والجدوى وأدوارها المشبوهة في العالم من أجل تثبيت السلم والأمن الدوليين، التأمل في أحاديث نشر الديموقراطية والقيم الإنسانية العليا بالقصف بالطائرات والتدمير بالدبابات، وقتل الأبرياء وإزالة الحضارات، ومسخ الديانات والثقافات...ـ أود أولا أن أفتح قوسا إستطراديا تمهيد للموضوع من باب الإسلاس قبل الإحلاس -كما قال الشافعي-، لأسوق للقارئ طرافة بشأن الناتو، يمرعليها الباحثون والمحللون-على أهميتها-مرالكرام .وهي مقولة : الجنرال دوغول (البطل القومي التاريخي لفرنسا ومحرر الأمة الفرنسية من نير النازية، ومؤسس الجمهورية الخامسة الحالية) الذي خطب في4 من جانفيي عام: 1963 قائلا: أوروبا الغربية أصبحت، بدون علمها، محمية أمريكية، فواجبنا اليوم هوالتخلص من هيمنتها ...وكانت ذلك التصريح الديغولي، الذي قال عنه بييرميسمر-رفيقه في المقاومة والوزير الأول في حكومة جورج بومبيدو-التي أتت بعد إعتزال دوغول الحكم- : الشيء الوحيد الذي لم يغفر الأمريكيون أبدًا للجنرال دوغول، هو خروجه عن الطاعة للأمريكي، على كل الجبهات وفي كل الملفات -على غيركل الحكومات الأوروبية الطيعة، وخروجه من الدفاع المتكامل للناتو . !

والذي حدث مباشرة بعد إعتزال دوغول الحكم مُكرهاً، بسبب إختلاق ثورة مزيفة، سميت ب الثورة الثقافية أو ثورة ماي68، حركتها المخابرات الأمريكية، ومولها أميرالظلام جورج سوروس وكان أبطالها -للغرابة-أن الذين قادوا مسيرة تلك الثورة وتصدروا الصف الأول فيها، إنطلاقا من جامعة السوربون(وكنت زمنها في المسيرة وأنا في سن الثامنة عشرة-على هدي: شاهد على العصر العنوان المشهور لبرنامج سياسي على القناة القطرية )، هم الذين أوتي بهم إلى سدة الحكم بعد جاك شيراك، وسيطروا على مقاليد السياسة في فرنسا والنادي الأوروبي أمثال:كوهن باندت وجاك دولور:كمتخذي القرارات في النادي الأوروبي ! وجاك أتالي :مستشارالإليزي الخصوصي، منذ حكومة فرانسوا ميتيران إلى الحكومة الحالية لما كرون .ثم ساركوزي و هولاند : رئيسا الجمهورية المتتاليان.و جاك لانغ، كوشنير، فابوس وزراء كوزراء للثقافة والخارجية. وبيرنار هنري ليفي المنظرالأكبرلما يسمى ب الفلاسفة الجدد لعام 1973 :الذي كان عراب الثورات الربيعية العربية، والممول لها والمنسق فيما بينها زمنها ما بين تونس وليبيا ومصر !! -وهذا جانب تفصيلي شرحت معظمه في كتابي ربيع المغفلين . !

أغلق هنا القوس، لنعود إلى صلب موضوعنا وهو الحلف الأطلسي، لأفصل في فك تشفيرات جدوى منظمة الحلف الأطلسي بسبب التلويح به حاليا في الهجوم على روسيا، والتفصيل في حروبها التاريخية الغيرالمشروعة:

ما هو الناتو وما هو دوره؟:

كان الحلف الأطلسي وتنظيمه العسكري، المولود في عام 1949، بمثابة هيكل للكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة على مدى الخمسين عامًا التالية حتى نهاية الحرب الباردة. تم تصميمه في الأصل لمنع التوسع السوفيتي، لكن سقوط جدار برلين في عام 1989 والذي تلاه تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991، جعل هذا الحلف غير ضروري. ومع ذلك، وبعد عقود، أعلنت الولايات المتحدة أن الأمن الدولي يتطلب استعدادًا عسكريًا من جانب أعضاء الناتو حيث شهدت قمة الناتو الأخيرة في بروكسل في-عهدة دونالد ترامب -أن الولايات المتحدة تطلب من كل دولة عضو أن تنفق ما يعادل 2٪ من ناتجها المحلي الإجمالي على الإنفاق العسكري. !

حاليًا :ينفق 11 من أصل 30 عضوًا في الناتو أكثر من 2٪ على الجيش. الولايات المتحدة تنفق أكثر من 800 ملياردولارعلى الدفاع، وهو ما يمثل 3.52 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. !

ومنطقيا، كان ينبغي أن يختفي الناتو ويفكك عندما تم تفكيك الاتحاد السوفياتي ولم يعد هناك أي فائدة لذلك التحالف. !

ومنه:علينا أن نفهم أن مسؤولية الحرب لا تقع على عاتق من أطلقها مهما كان !.وما يمكنني قوله هنا، أن هذه الحرب الجارية اليوم ما بين روسيا الإتحادية وأوكرانيا، ماهي سوى إستمرارلحروب أمريكية بالوكالة قبل أوكرانيا، والتي لم تتوقف طيلة ثماني سنوات عن قصف دونباس .لكنه في الواقع، تقع مسؤولية الحرب على عاتق من جعلها ضرورية بعد الإطاحة بالحكومة المنتخبة ديوقراطيا وقانونيا، لحماية حكومة فاشية غير شرعية.وبالتالي فإن الجناة هم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، التي لم تجبرأوكرانيا على احترام اتفاقيات مينسك.

ومع ذلك، فإن الواقع مختلف تمامًا: إذ أن العديد من الحروب لم تتوقف عن تدميرالكرة الأرضية قبل الحرب الأوكرانية، وكلها تمت تحت مرأى ومسمع الإعلام الغربي، والمجتمع الدولي، وبمباركة الأمم المتحدة وعجزمجلس الأمن الدولي!!

فما هوالفرق ياتري ما بين حروب أمريكا البلطجية ومؤسسته الناتو لمدة 70 عاما؟ وبين الحرب الأوكرانية الحالية؟

وما هي المعاييرالسليمة والمنطقية والعقلانية والأخلاقية والقانونية التي يعتمد عليها الغرب والمؤسسات الدولية في تصنيف التدخل العسكري الإنساني للأخيار؟ والتدخل العسكري الإنساني للأشرار؟ ؟

وما هم القول الفصل ما بين الخيروالشر وإمبراطوريات الرحمان وإمبراطوريات الشيطان ؟ أم أن عقيدة تقييم الخيروالشر، هما ما جرى على لسان الغرب إلى يوم القيامة؟وإلى متى يستعبط هذا الغرب الأنواري-العقلاني-الحداثي كل البشرية؟

حتى ولو سلمنا جدلا بما يبنيه الإعلام الغربي حول الصراع ما بين روسيا وأوكرانيا !

وحتى لو فرضنا، بداهة، أن هذا الإعلام الغربي ملاك لا يغش ولا يماري ولا يفتري على الله الكذب ؟ وأن بوتين هو نازي ومجرم حرب -كما وصفه بايدن وماكرون ونخب فكرية وسياسية، كانت محسوبة حتى الأمس القريب على الإلتزام بقضايا الدول المضطهدة، ومدافعة عن بوتين- فأصبحت هذه النخب بين عشية وضحاها أكثر أطلسية من ألاطلسي؟ فكيف ذلك؟

قبل الإجابة على هذه التساؤلات المشروعة.فلنتيقن، عمليا، أن الأمن الدولي لم يكن يلوح في الأفق القريب، -لكي لا يعلق البعض جهله وغفلته أو البعض الآخر تخابثه وحذلقته على شماعة هذا الصراع (الروسي / الأوكراني )-( وقد فصلت ذلك في كتاب نشرته باللغة الفرنسية تحت عنوان كوفيد19/ عندما تتستر النخب العولمية وراء جائحة /  COVID-19: quand les élites mondialistes se cachent derrière une épidémie/

لأن الأزمات المرعبة والحروب المدمرة المحتملة كان مخطط لها غربيا لما بعد الكوفيد( أنظر التفاصيل في الكتاب).وأن الصراعات العسكرية لم تكن لتتوقف بعد نهاية الأزمة الأوكرانية-مهما كانت السيناريوهات المحتملة، ومهما كانت النتائج لصالح الروس أو الغرب !.

إلا أنه علينا أن نتذكر أنه خلال ما بعد الحرب الباردة في أواسط الثمانينات، شنت الدول الأعضاء في الناتو حروبًا غير شرعية، والتي لا تزال حتى يومنا هذا ثقيلة في الميزان- أخلاقيا وإقتصاديا وإنسانيا.-.. ولكن دون عواقب على المسؤولين .بمعنى أنه -ميدانيا وعلى الأرض- لا يوجد خبير (جيو-سياسي-عسكري) يعتقد أن تتوقف الحروب الغربية على الشعوب(هكذا فجأة ولوجه الله تعالي) -سواء أهاجم الروس أوكرانيا أم لا- ولو إنطبقت السماوات على الأرض -فذاك مستحيل !!!-وليدرس كل خبير متمكن من أدواته المعرفية، ليدلنا كم هي الفروقات الزمنية التي صمت خلالها أزيزالرصاص ودوي القاذفات والقنابل الغربية؟ ومنذ متى؟ :

ومنه يمكن القول، بأن حكومة أوكرانيا الحالية ليست سوى حصان طراودة الخشبي الهش، تم صنعه على عجل منذ عشر سنوات، من أجل القضاء على الإمبراطورية الروسية التي تم تفكيكها مرتين، حيث أن السيطرة على أوكرانيا هي قلب الجزيرة Heart of land.أو(قلب العالم) )كما سماهامؤخرا- البروفيسورجون ماكيندر( Halford John Mackinder,.مؤسس الجيوبوليتيك المعاصرة وأستاذالجغرافية السياسية بجامعة أوكسفورد- في محاضرة في شهر مارس 2022) .بحيث صممت الإمبراطورية على إزالة روسيا أوعلى الأقل عزلها عن محيطها الجغرافي والحد من تأثيرها الإيديولوجي أوالروحي الثقافي وتقليم أظافرها منذ ما بعد السفيتة .فوصلت هذه الروسوفوبيا مع أوباما إلى الحد الأقصى من الهسترة في أواخرعهدته في عام 2016.بوصفه لروسيا بإمبراطورية الشر محذرا من خطورتها!فكان حسين باراك أوباما( :الرئيس الأمريكي ذو الأصول الإفريقية : اليساري - تلميذ فرانز فانون-الزنجي الثوريالفرنسي، والمريد الروحي للوثر كينغ القسيس الزنجي الأمريكي المسالم ) حيث أن هذا الرجل وبهذه المواصفات المتناقضة كان الأكثرعدائية لروسيا من هنري ترومان (من الحزب الديموقراطي )، هذا الأخير الذي خلق لنا شيئين عظيمين : الحرب الباردة، وإجبارالدول المنضوية تحت سقف الأمم المتحدة عل قبول الكيان العبري !وهو نفسه صاحب فظاعتي هيروشيما ناغازاكي ...فتأمل !!)

أما النادي الكاثوليكي الأوروبي -المزيف المتشبث نفاقا بالقيم المسيحية– فليس سوى تجمع كلاب حراسة للإمبراطورية !

وأما الناتو، فهو الماكينة الحربية التي إستحدثتها الإمبراطورية من أجل إستكمال مشروع الهيمنة الغربية -أي Impirum بالمعنى الروماني للمصطلح. !

وأيا كان الأمر، -وكتمهيد لجرائم الناتو -وقبل التفصيل فيها في مقال لاحق- أسوق هنا في عجالة تذكير ل 13 دولة، كيف تم شن حروب الناتو الغير الشرعية عليها في الماضي-في الخمسينات والستينات والتسعينات:(إيران، غواتيمالا، مصر، كوبا، فيتنام، نيكاراغوا، صربيا)، وما تزال مخفاتها اللاإنسانية ماثلة أمام أعيننا في الوقت الحاضر(أفغانستان، العراق، ليبيا، اليمن، وسوريا).وذلك لنفهم كيف يتم تقويض أسس المنظمة السلمية التي هي الأمم المتحدة، ويُختزل مجلس الأمن الدولي إلى مجرد موظفين فاسدين مرتشين بيد الإمبراطورية، يدلسون في مجالات التحايل على ممارسات بنود حظر الحروب .ويراوغون عند مواجهة خروقات التحالف العربي السعودي الإماراتي، ضد الشعب اليمني المنكوب . ويصمتون على الخروقات الدولية الصادرة عن الكيان الصهيوني ضد العزل الفلسطينيين، بطرق التدليس والأكاذيب باسم العدالة للشعب الفلسطيني والنداء من أجل السلام.

هؤلاء الفلسطينيون، الذين تخلى القاصي والداني، الأقربون والأبعدون: الذين لا يملكون جيشا نظاميا، وليس من حقهم إمتلاك أسلحة دفاعية، فما بالك بالهجومية ! ولا يقف بجانبهم المجتمع الدولي !ولا منظماته الإنسانوية الكبرى المنافقة !ـ ولايتظاهرمن أجله متنوري الشعوب الغربية !.التحررية يدرجها الغرب والنادي الأوروبي ضمن لا ئحة الإرهاب !! وشعوب هذا النادي، هي التي هبت اليوم للتباكي عل العزل الأوكرانيين الذين يمتلكون الأسلحة الجرثومية ويتظاهرون ضد المحرقة الروسية للأوكرانيين !

و..هنا تكمن المفارقة الكبرى .. والآن لكم الدولة المثالية... فالتاريخ مجرد مزحة مسلية... يقول ألدوس هيكسلي،،،

 فأولئك الذين يمكن أن يجعلوك تصدق كل أنواع الهراء، يمكن أن يجعلوك ترتكب كل الفظائع يقول فولتير.

***

د . الطيب بيتي 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5680 المصادف: 2022-03-25 05:47:24


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م