 آراء

الحوار الوطني في مصر: مناورة سياسية أم فرصة حقيقية للمعارضين؟

محمود محمد عليفي الماضي وإبان حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك جرت عدة محاولات للحوار الوطني بين الأحزاب والقوى السياسية، لكنها رغم التئامها لم تنجح ، وذلك لأن الغاية السامية والهدف الأسمى من الحوار الوطني لم يكن من أجل مصر ومصلحتها العليا ومستقبلها الواعد، علاوة على أن الحوار تحول إلى مجرد كلام وأحاديث واستعراض وشو إعلامي وتنظير أو أطروحات غير قابلة للتطبيق تتعارض مع المصالح العليا للوطن..

ولهذا السبب شهدت الساحة السياسية المصرية منذ حكم مبارك، وبعد 25 يناير 2011 بشكل خاص، تدشين مصطلحات مطاطة، هدفها دغدغة مشاعر البسطاء، وتزييف وعيهم، وتبتعد كل البعد عن الواقع، أبرزها مصطلح "الحياد".. وهنا أتفق مع القائلين بأن المحايد شيطان أخرس، وشخص ليس له موقف، باختصار، هو شخص بلا طعم أو لون.

صحيح أنا، مختلف في الآراء والأفكار مع معظم المعارضة المصرية، لكن يبقى احترامي وتقديري لكل معارض على أرضية وطنية، وأتصادم مع الذين يعتبرون الوطن مجرد قبضة من تراب عفن، ولديهم استعداد قوى أن يرتموا في أحضان كل الأعداء، ويفرحون في نكبات الوطن، ويوجهون ضربات قوية وعنيفة في العمود الفقري للوطن عن طريق التشكيك وترويج الأكاذيب والفبركة والتسخيف من القوات المسلحة.

وجميعنا قرأنا وسمعنا ورأينا قامات المعارضة الوطنية في مصر سواء فؤاد باشا سراج الدين وخالد محيى الدين وإبراهيم شكري ومصطفى كامل مراد وضياء الدين داود أو ياسين سراج الدين وممتاز نصار والدكتور رفعت السعيد، وغيرهم كثر، وكم كانوا أقوياء الشكيمة، ودفاعهم عن قيم الحق والعدل، لكن اللافت في قيمة نهج هؤلاء المعارضين وكياناتهم الحزبية، أمران جوهريان:

الأول: أن معارضتهم للنظام والحكومة على أرضية وطنية، وعدم السماح بهدم المؤسسات، والالتفاف حول المؤسسة العسكرية وتقدير دورها المحوري في الدفاع عن هذا الوطن، والوقوف في وجه كل دولة تعادى مصر.

الثاني: إعلاء شأن القيم الأخلاقية في حواراتهم، واستخدام مفردات محترمة، وعدم اللجوء للشتائم والسفالة والانحطاط، لذلك نالوا احترام وتقدير القاعدة العريضة من المصريين الوطنيين.

ومع دعوة القيادة السياسية من خلال إفطار الأسرة المصرية في أواخر رمضان الماضي  وذلك لتأسيس لحوار وطني شامل وبدء مرحلة جديدة من عمر الوطن مع تدشين دعائم الجمهورية الجديدة قفز إلي سطح أذهان كثيرين من أمثالي عدة تساؤلات أساسية : مع من نتحاور؟!.. أو من هم أطراف الحوار؟!.. هل بين سلطة ومعارضة؟!.. والسؤال الفرعي: أين هي ومن هي المعارضة؟!.. أم أن أطراف الحوار كما جاء في صلب الدعوة أكثر اتساعاً ليشمل القوى السياسية والوطنية التي جل أهدافها هو تحقيق الغايات الوطنية والنظر إلى مصلحة الدولة الوطنية والمصرية.. ورصد موضوعي للإشكاليات والقضايا والملفات التى تحتاج توافقاً وصياغة وبلورة وتحديداً دقيقاً للمفاهيم حتى نستطيع جميعاً التصدي للتحديات الداخلية والخارجية.

في اعتقادي أن دعوة الحوار الوطني التي اقترحها الرئيس، يتوقف المرء عندها من أربع زوايا.

الزاوية الأولى: هي الجهة الداعية للحوار، ويقصد بها الجهة المنظمة للحوار، والتي يجب أن تكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف والقوى السياسية المشاركة. تلك الجهة يهتم الكثيرون بأن تكون محايدة تماما. وقد أعلن منذ يومين أن الأكاديمية الوطنية للتدريب هى من سينظم الحوار، وقد أعلنت الأكاديمية حيادها في هذا الشأن. هنا نذكر بأن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، سبق وأن أدار حوارات من هذا النوع بمبادرة منه سواء على صفحات الأهرام قبل عام ٢٠١١، من خلال ثلة من مقالات رأى كتبها قادة القوى السياسية، أو عبر ما شهدته موائد المركز من عديد اللقاءات وجلسات الحوار بين أطياف المجتمع. وكانت تلك اللقاءات المسجلة ترتبط بقانون الطوارئ وقوانين العمل السياسي المقيدة للحريات على اختلافها. وقد أثمر ذلك كله عن عديد المنشورات والكتب التى امتلأت بها المكتبة المصرية. خلاصة القول إنه لا يجب حتى لو أدارت الأكاديمية المذكورة الحوار، أن لا تحتكر قوى سياسية أو أمنية تحت الطاولة مسألة الحوار، ولو تحت دعوة أن تلك القوى لها الأغلبية في مجلس النواب مثلا، وهو ما كان يحدث في السابق وسبب حالة من الفشل، حيث كان الحزب الوطني الديمقراطي والأمن هما من يحتكرا الحوار من ناحية التنظيم.

الزاوية الثانية: من هي الأطراف المدعوة إلى الحوار؟ هنا يجب التوقف بالتأكيد حول تحديد ماهية أطياف المجتمع المصري. فى هذا الشأن يرصد المراقبون أن هناك أربعة تيارات سياسية في المجتمع، هي اليسار ويضم الناصريين والقوى الاشتراكية والقوميين والماركسيين. وقوى اليمين وتضم الوفديين والليبراليين وغيرهم من أنصار الاقتصاد الحر. أما القوى الثالثة فهي الإسلاميين من غير الإخوان الذين خرجوا مؤخرا من دائرة الإجماع الوطني. التيار الأخير، هو تيار الوسط وهو يضم الكثير والكثير من القوى الحزبية الراهن التي تجمع بين أكثر من هوية بين الهويات الثلاث السابقة. خلاصة القول، إنه لا يجب استبعاد أحد من تلك التيارات من الحوار حتى لو تحفظ على مشاركته تيار آخر ــ كما لا يجب الاعتماد وفقط على الأحزاب السياسية القائمة فقط في المشاركة في الحوار، لأن غالبيتها العظمى أحزاب ورقية لا أساس اجتماعي لها، بل أن المواطن العادي لا يستطيع حصر خمسة من نحو الـ100 حزب المرخصة.

الزاوية الثالثة : قضايا الحوار، وهنا لا يجب أن يتوقف الحوار على مناقشة قضايا محددة وترك أخرى. بعبارة أدق، يجب أن تكون قضايا المجتمع والدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على مائدة الحوار. وبالطبع هذا لا يمنع ألا ينقسم الحوار إلى لجان، كل منها يناقش مجال، وداخل كل مجال، لا مانع من مناقشة قضايا فرعية. فاقتصاديا، يتحتم مناقشة قضايا الزراعة والصناعة والأسعار والدخل والتجارة.. إلخ. واجتماعيا، الصحة والتعليم والدعم والأسرة والإعلام... إلخ. وسياسيا، هناك كافة قضايا حقوق الإنسان بجميع جوانبها، وقوانين الانتخابات ومباشرة الحقوق السياسية والسلطة القضائية والأحزاب، وأوضاع المجتمع المدني، وإعادة تنظيم العلاقة بين الحاكم المحكوم... إلخ. وثقافيًا، تكمن قضية الهوية فى المقدمة.

الزاوية الرابعة : تنفيذ الأجندة المتفق عليها، وهنا يجب أن توضع آلية زمنية يتفق عليها لتنفيذ ما اتفق عليه، والذى يجب أن يكون بالتوافق العام وليس بالأغلبية. ولا مانع من طرح كل ذلك لحوار مجتمعي عام، محدد المدة، حتى لا تنفلت عجلة الزمن.

ومن جهة أخرى وبنظرة متأنية، يبدو لنا أن الحوار لابد أن يناقش، بعمق، عدة قضايا، من أبرزها: تعزيز "قوة الدولة"، تعزيز «الحماية الاجتماعية"، استكمال "عملية التقدم" في مصر، وضع "خطة طريق" لتحقيق التنمية المستدامة بشكل عادل، تغيير حياة 58% من المصريين بعد سنوات طويلة من الحرمان، كيفية الوصول إلى "الشراكة المتوازنة" ما بين القطاع الحكومي والمجتمع المدني والقطاع الخاص، تجديد الخطاب الديني، والنهوض بنشر ثقافة حقوق الإنسان ووضعها على جدول الأولويات، سبل تقوية مؤسسات وآليات العمل السياسي وصولا لعملية الشراكة الحقيقية في الوطن، وإدارة الخلاف في الرؤى السياسية عبر قنوات الحوار المستقرة والدائمة بهدف التوافق معظم الوقت حول أجندة العمل الوطني، والتلاحم في مواجهة الأخطار التي تهدد مصر ولا تتحمل المزايدة السياسية أو تحقيق انتصارات رخيصة منها.

وربما تبدو "القضية المهمة" المتعلقة بعملية التعامل مع "جماعات الإسلام السياسي" في المستقبل تحتاج لحوار عميق حول رؤية القوى السياسية لخريطة طريق مدروسة بدقة، وتحدد سبل إدماج كل من لم تتلطخ أياديهم بالدماء في المجتمع، وآليات الفصل السياسية والقانونية ما بين الدعوىّ والسياسي، وحظر عملية إقحام الدين في العملية السياسية، وحظر قيام الأحزاب على أساس ديني، وحظر أي أحزاب تقوم على أساس التفوق العرقي أو الديني، والتوصل إلى اتفاق شامل وإجراء حوار وطني ومجتمعي حول «خطة طريق» لاجتثاث جماعات العنف السياسي والديني من التربة المصرية، والتعامل معها بنفس طريقة تعامل العالم مع النازية والفاشية، وذلك نظرا لأنهما تسببا في الكثير من الجرائم والمآسي الإنسانية حول العالم.. وفى حالتنا المصرية والعربية، فإن الجرائم والفظائع أكبر وأقسى من أن تكفيها عبارات الشجب والتنديد.. ويكفى أن ننظر إلى العملية الإرهابية الأخيرة لندرك أن خطر هذه الجماعات لايزال يتربص بنا، وأن المعركة ضد الإرهاب أطول وأقسى ومستمرة، وتحتاج تكاتف الجميع وتوافقا في الرؤى وحوارا سياسيا عميقا يدرك دقة اللحظة وعظم المسؤولية، وضرورة تلاحم القوى الوطنية للوصول إلى الدولة القوية، وتحقيق آمال المصريين في حياة كريمة، واستكمال التقدم والبناء، وتمتع الجميع بثمار التقدم وعدالة توزيع الأعباء، وتوفير مظلة حماية اجتماعية في ظل جمهورية جديدة ينعم فيها الجميع بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

إن الوطن للجميع ويتسع للجميع، قاعدة أساسية، وليت المؤتمنين على الفكرة الرئاسية يستبطنون المعنى الكامن، ويستصحبون كل صاحب رأى، ولو مختلفًا، الخلاف في الرأي لا يُفسد للوطن قضية، الأفكار تتلاقح في ربيع الوطن، والقطوف دانية، فقط الاستثمار في الأفكار الجديدة فيما ينفع ناس هذا الوطن. مستوجب الاحتِشاد حول قضايا الوطن في مشروعات المستقبل، كل قرار وطني يستوجب الوقوف على مسوغاته، والفائدة متحققة، فرصة لاستنطاق المشروعات والقرارات وتجليتها أمام الرأي العام، وفرصة لاستبصار البدائل المتاحة، طالما الحوار في سياق المصلحة العامة، ومثل هذه الحوارات علامة صحة، وعلى الحكومة ألا تضيق صدرًا، بل تُسهم بقسط وافر في توفير المعلومات لإنضاج الحوار، المعلومات أظنها "الفريضة الغائبة"، وتترجم تمليك الشعب المعلومات في شراكة وطنية في منظومة القرارات التي تمس الصالح العام، واستصحاب الأفكار صار ضرورة مستوجبة، ولطالما المصلحة واحدة فلِمَ استنكاف الحوار من قبل البعض، من يضيق بالحوار فعليه أن يُفسح الطريق للنهر جاريًا.

ولهذا فإن "الحوار الوطني" الذى أعلنته الدولة المصرية، يمثل بجلاء الصورة التي ينبغي أن تكون عليها القيادة الدولية والإقليمية، عبر إرساء مبدأ يسمي بـ"الديمقراطية الدولية"، والتي تقوم على احترام إرادة الدول أعضاء المجتمع الدولي وظروفها الداخلية، من خلال مبدأ "الحوار" مع كافة القوى، للوصول إلى حلول حقيقية للأزمات، وكذلك الاتفاق على كيفية تسيير الأمور بحسب المعطيات داخل كل دولة، ليجمع المفهوم في "بوتقته" بعدين رئيسيين، أولهما حماية الدولة، من الفوضى أو محاولات التدخل في شؤونها، بينما يقوم الثاني على حماية حق الشعب، عبر حوار جاد مع المؤسسات والأحزاب للتعبير عن رؤيتهم للمستقبل، وهو ما يبدو مختلفا إلى حد كبير عن مفهوم "الديمقراطية العالمية"، والتي ارتكزت على تصدير أفكار معلبة، تحت ذريعة "حرية الشعوب"، عبر نهج قمعي قام في الأساس على التدخل في شؤون الدول الداخلية، إلى حد استخدام القوة العسكرية، على غرار الغزو الأمريكي للعراق في 2003، مع وعود براقة بتحويل بغداد إلى "واحة" للديمقراطية في الشرق الأوسط.

وهنا يمكننا القول بأن "الديمقراطية الدولية"، باتت تمثل كما يقول الأستاذ بيشوي رمزي الخيار الأنسب، بل والأكثر شمولا، من أجل استقرار الدول، وبالتالي رفاهية الشعوب، بينما نجحت مصر مجددا، عبر "حوارها الوطني"، في إرساء قيادتها للمنطقة، عبر كافة الأدوات، سواء فيما يتعلق بإرساء الأمن من خلال الحرب على الإرهاب، أو التنمية الاقتصادية عبر دعم المشروعات وعمليات إعادة البناء، بينما كان الجانب البيئي هو الأخر ضلعا مهما في الدور المصري، ليس فقط على المستوى الإقليمي، وإنما أيضا على المستوى الدولي، وهو ما يبدو في اختيار مصر لاستضافة قمة المناخ المقبلة، في حين تبقى دعوة الرئيس السيسي لإطلاق "حوار وطني" بمثابة بعدا سياسيا مهما للدور القيادي المصري على المستوى الإقليمي.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............................

المراجع:

1- بيشوى رمزي: الحوار الوطني".. مبادرة وطنية ذات نطاق إقليمي، اليوم السابع، الخميس، 26 مايو 2022 02:55 م

2- طارق أبو السعد: الحوار الوطني كشف انتهازية الإخوان وتهافتهم، العين، الأربعاء 2022/5/18 11:33 ص بتوقيت أبوظبي

3-عبد الرازق توفيق : طاب صباحكم ..الأسرة المصرية .. والحوار الوطني، الجمهورية أن لاين، الاربعاء 01 يونيو 2022

4- عبد الرازق توفيق : من آن لآخر حديث عن الحوار الوطني، الجمهورية أن لاين،  الأحد 29 مايو 2022

5- حمدي رزق: «حِوار لَيْس خُوَارًا»، مقال منشور بالمصري اليوم ، الخميس 28-04-2022 02:09

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5750 المصادف: 2022-06-03 00:52:11


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5824 المصادف: الثلاثاء 16 - 08 - 2022م