 آراء

فهد وأطياف العتمة

نبيل عبدالامير الربيعيللواقع مساره الخاص، ولاستيعاب الماضي عوضاً عن جميع الشتات، من اجل بناء التاريخ المتصدع، نلاحظ عنجهية صبيان السياسة، في تفننهم البليد بتخريب البلد، وفق كل ما لم يستجيب لذوقهم بعد عام 2003م، عام الاحتلال الأمريكي وما زال. فالعراق مهما طالته يد الغدر سيلجم خونته من اصحاب الصوت النشاز، الذي يجعله من ألفه إلى يائه نفياً للتبرير بمختلف الصيغ والاشكال، العراق ليس اسماً ومسمى، بل هو الأنا النابعة في كل فردٍ منا، التي وجدت انعكاسها لما يستثير واقعنا المؤلم، والحزن الكامن في روح العراقي وفيما يسعى إليه.

إننا نسمع العراقي في شكوى القصيدة، وغناء الأمهات الثكالى، وحنين الصبايا، والتضرع المعجون بالرغبة الصادقة في تقديم النذور للأولياء الصالحين، التي ترتقي إلى مصاف المقدس، لكن المقدس الذائب في الذاكرة سرعان ما يتحول إلى هاجس البحث عن بديل لما نمر به من انحطاط بعد عقود مريرة من الدكتاتورية، تلك العقود التي جعلت من العراق كياناً مهمشاً، فضلاً عن ما يمر به العراق من زيف الاحزاب، واليأس وتعاسة الواقع.

أما المحاولات الخائبة لتفضيل العراق على قدر ما فيهم من أعراق وطوائف لا عراقة فيها ولا أطياف جميلة، فمن يقرأ تاريخنا يتبين له أن الأسود هو ليس لون الحزن فقط، بل وجمال العينين، ولنقف أمام الحقيقة القائلة بأن الهوية العراقية اعرق واوسع من كل ما قيل فيه، فالماضي هويتنا التي نفتخر بها، بكل ما مر به البلد من مأساة تاريخية كبرى، وآلات الدكتاتورية قد دمرت صرح التاريخ العراقي، واصبح الابتذال والركض وراء المكاسب والمصالح سر المهانة العقلية للحياة الفردية والاجتماعية، لذلك نجد اليوم قد تلاشى التاريخ والعلم بسبب الهجمة التي نالت من اسم وسمعة بلدنا بسبب ما تمر به من تدهور في المنظومة الاخلاقية وتخريب لمؤسسات الدولة بسبب استشراء الفساد في جميع مفاصلها.

العراق يبقى كوناً وكنزاً ولغزاً مهما كانت مأساته الحالية، فمن غير الممكن البكاء عليه بمعايير الاطلال، فمكونات العراق محفورة في العقل والذاكرة والحدس، لكننا بحاجة إلى اقلام تاريخية تفهم دروس الماضي، وتتأمل المستقبل بروية ودون انفعال وعجالة، نحن بحاجة إلى معاول الفكر الحادة وحاسة الشم القوية من الأعماق الدفينة، من اجل ألا تكون الجهود ركضاً وراء السراب. نحن بحاجة إلى رؤية تقترب من اليقين لانقاذ العراق الجريح، ويقين المشروع الواقعي والعقلاني في كتابة التاريخ، وهي مسؤولية نخبة الفكر الكبيرة.

العراق بحاجة إلى فهم علمي وإنساني ليرى العراق ماضيه في حاضره، ومستقبله في مشاريع النهوض، نحن بحاجة إلى حوار الروح والعقل والحس والحدس من اجل مواجهة العراق لذاته، ليتأمل مستقبل ابناءه كما نريد. فالعراق عبارة عن طبقات من عصور متراكمة لا يمكن فك رموزها دون الشعور الصادق بالانتماء إليه، من خلال استيعاب الحقيقة التاريخية العقلية للعراق، فمرجعنا الأول والأخير والأبدي للعراق من خلال انتماء المرء الحالم الذي يشعر بما حلَّ بالعراق، كي نعمل من الأعماق لفكرة الخلود والإنسانية، رغم كل مراحل الشقاق والاختلاف والانحطاط. لكن العراق يبقى أرض الممكنات الكبرى وميدان حل اشكاليات الوجود الخالدة.

فالعراق يبقى المعترك الذي جعلت آثاره غائرة في جباهنا، وعروقاً غائرة شأن النخيل في اجسادنا، وعراقة أرواحنا، وابطاله وعلمائه شعاعاً ينير خفايا العقل والروح والضمير بأطياف التضحية والبطولة والابداع. والهوية العراقية هي بصمة الرؤية الواقعية والعقلانية، وعصمة الخروج من مأزق الانحطاط والتمزق الحالي، فما يراه الآخرون من قطيعة بين الماضي والحاضر، إنما هو امتداد مع كبوات لها اسبابها ومقدماتها. وحقيقة العراق ليست جغرافياً، بل اكبر واوسع واعمق واعرق، وليست زمناً بل تاريخ. إننا نأمل خروج العراق من مأزقه الحالي، مشبعاً بنابض القلب الحي لكي يستمر حياً كريماً بما في ذلك من ظروفه القاسية، من السقوط والتشاؤم، فعلينا أن نسعى لتحقيق هدف العراق السامي في ادراك خبايا المجهول في مواجهة التاريخ وبرودة الزمن.

ليست هناك أمور جزئية أو ثانوية بالنسبة للبحث الرصين. غير إننا نعرف صعوبة احتواء كل شيء، خصوصاً حالما يجري الحديث حول بدايات فهد (يوسف سلمان يوسف) وحياته الشخصية. والقضية ليست فقط في صعوبة الحديث عن كل شيء، ولاستحالته. من هنا سوف اسعى بالشكل الذي يجعل القضايا الشخصية عامة، والعامة شخصية، أي إيجاد النسبة المعقولة، والقادرة على تحويل المعلومات إلى فكرة.

الذكرى ليست أثراً بالضرورة، فالجميع تتمتع بذكرى. بينما هناك ذكريات قليلة قادرة على أن تصبح أثراً، وخصوصاً حالما يجري الحديث حول التاريخ. فالعراقي يتذكر ابن زياد والحجاج ومعاوية ويزيد ونوري السعيد، وقد يتذكر فيما بعد صدام حسين وأمثالهم، غير أنه ليس أحداً منهم قادراً على أن يكون أثراً في الوعي والعقل والضمير مثلما نتذكر تأريخ القائد الشيوعي فهد.

فالتاريخ حالما ننظر إليه من حيث كونه مسار الأيام والأشهر والسنين هو مجرد تيار الأبد. لكنه يتحول إلى تاريخ حالما يتجسد في قيم ومفاهيم ومؤسسات قادرة على إبداع التراكم الضروري بالنسبة للحياة المدنية. ونضال فهد هو جزء من تاريخ الصراع الذي لا يكون الزمن هو الحاكم كما لا ينبغي للفكرة أن تكون أسيرة الوقت الضائع. فالبحث عن الحقيقة لا يستغني عن التفاصيل والجزئيات لنضال فهد، بل يعتمد عليها، وهي رؤية ذات أهمية بما في ذلك بالنسبة للحديث عن حياته الخاصة، وذلك لأن حياة المرء تفاصيله.

وميدان الفكرة هي القضية التي تصبح إشكالية، وذلك لأن الجزئيات تصبح حينئذٍ تفاصيل التدليل والتأسيس والتشكيك والنقد وغيرها من المواقف. وهو أمر ينطبق على حياة فهد والحزب الشيوعي العراقي والحكومات المتعاقبة منذُ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي عام 1934م ولغاية كتابة هذه المفردات. لكن الحياة العادية تقاس بجزئياتها، والتاريخ بنتائجه الكلية، وهو اختلاف في الرؤية والمواقف وليس في الحقيقة.

فتاريخ العراق الحديث، وبالأخص تاريخ النصف الثاني من القرن العشرين، هو إحدى المراحل الأشد تعقيداً وديناميكية وتخريباً أيضاً. فقد ولد فهد في بغداد في 8/7/1901، من عائلة كادحة من قرية (برطله) التابعة لمحافظة نينوى، ونشأ وترعرع في تلك المرحلة التي ميزت انتقال العراق من الحكم العثماني إلى الملكية، مع ما رافقها من تحولات عنيفة واساليب راديكالية أبقت عليه حتى تاريخ اعدامه في ميدان الصراع العنيف، يفتقد في اغلب جوانبه للنزعة العقلانية والأبعاد الاجتماعية السليمة.

ومن البديهي أن تتراكم شخصيته الفردية والاجتماعية (الخاصة والعامة) ضمن مسار تلك الأحداث، التي تصنع الجميع وتعيد إنتاج تصوراتهم واحكامهم ومواقفهم وقيمهم، ومن ثم فأن الاختلاف فيها وحولها هو أيضاً جزء من الحياة العامة. فعاش يوسف سلمان يوسف (فهد) تحت تأثير تلك الأحداث تماماً بالقدر الذي يسمى التغيير، على الأقل من خلال تأسيس الأفكار العقلانية والمستقبلية في ظل الاحتلال البريطاني، انطلاقاً من يقين الراحل فهد من أن العراق الممكن هو عراق المستقبل، وقواه الأحزاب السياسية في تلك الحقبة الزمنية، وهو سر المعاناة العراقية سابقاً وفي الوقت الحالي، ومعاناة فهد الشخصية.

فكان اهتمام فهد بمستقبل بلده وشعبه وكل ما تكون الحياة والمجتمع والدولة والبناء وحرفته المباشرة، لا يمكنه إلا يعاني، أو بصورة أدق يشاطر الحياة العامة همومها، فحقيقة الراحل فهد الإنسان كان يعاني من تلك الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية على قدر مساهمته في الحياة العامة ومشاطرته لهمومها الكبرى والصغرى، من هنا كانت حياة العراق العامة من صلب اهتمامه، فعبرها ومن خلالها تراكمت شخصيته الفردية، وحكمت على وجوده الواقعي والفعلي والعقلي والإبداعي.

والمشكلة الأهم في أن فهد ولد وعاش مراحل الصغر والصبا والفتوة في أوقات جرى قلب التاريخ فيها رأساً على عقب، فكان ينتمي لعائلة كلدانية تهتم بتربية اطفالها وتعليمهم، وعند بلوغه سن السابعة انتقلت عائلته طلباً للعمل إلى البصرة، وادخل مدرسة السريان الابتدائية، وبعد تخرجه منها دخل مدرسة (الرجاء العالي) الامريكية. وبعد سنتين اضطر إلى ترك الدراسة بسبب الاوضاع الاقتصادية للعائلة، وفي عام 1916م اضطر للعمل في معمل صغير للثلج يعود لأخيه داود في مدينة الناصريه. وعاد ثانية إلى البصرة ليعمل كاتباً في إدارة توزيع الكهرباء في الميناء، وتعرَّف على احوال العمال وظروفهم في مشروع كبير، ويروي شقيقه "داود سلمان يوسف" أحد قادة الأضراب الذي اعلنه عمال المسفن "الدوكيارد" في البصرة صيف 1918م في حديثه لعزيز سباهي وكان الأثنان معتقلين في معتقل أبو غريب عام 1949م، (أن فهد وكان وقتذاك شاباً يافعاً قام بصياغة وكتابة العريضة التي قدمها العمال لإدارة المسفن. ثم انتقل للناصرية واشتغل عاملاً في معمل الثلج والطحين العائد لأخيه، وفتح مكتبة في الناصرية لبيع الكتب والصحف بالأشتراك مع "مهدي وفي).

كانت فكرة الزمن والمؤقت منه بالأخص، هي القيمة الكبرى السائدة، كما تقول الفلاسفة، في الأذهان والأعيان، أي في أفكار الناس ووجود الأشياء. وهي الحالة التي عايشها فهد مع العائلة. فقد كانت حياة عائلته في العهد الملكي تنقلاً في المكان ومواجهة مع السلطة، وفي وقت لاحق مطاردة وهي تلاحق ابنائها من مكان إلى آخر، كانت من حيث مظاهرها أقرب إلى الفراق الأبدي.

عاش فهد الولادة في بغداد، والطفولة في البصرة، والصبا في الناصرية وقليل في بغداد، والفتوة بين البصرة وبغداد، ويمكن القول أن بغداد والناصرية والبصرة هي أكثر المناطق تأثيراً في حياته. وليس اعتباطاً أن اشكاليات حياة فهد الفكرية والسياسية من الممكن ربطها باشكاليات العراق الحالية، كما إذا عدنا لتاريخ الناصرية فهي المنطقة الجغرافية والتاريخية والروحية التي تربى فيها، تماماً بالقدر الذي شكلت من حيث الجوهر ماهية العراق والعراقية. فظروف تنقل عائلته السابقة كانت تعكس في أحد جوانبها انعدام الاستقرار، لكنها كانت بالنسبة لفهد فضيلة، فهو يشعر بأنه ابن مدن العراق ومعاناة ابناء شعبه، إلا أن ذلك كان مرهقاً بالنسبة لهُ، لكن هذا التنقل علمهُ القدرة على مواجهة الجديد، وجعلت من المفاجئآت أمراً مقبولاً، لأنه جزءاً من الحياة والإرادة. فتنقل العائلة من مدينة إلى مدينة عادةً تتأثر بالحياة السياسية وهذا بالأحرى ينعكس على تكوين شخصية فهد ليس معزولاً عن حياة المجتمع والدولة، فضلاً عن كونه حياة العائلة ومصيرها، لكنها بالنتيجة أدت إلى تكون قوة العائلة وافرادها الفاعلة في المجتمع، وهي الصفة التي ميزت أفراد عائلته.

كانت عائلة فهد وثيقة الارتباط بالحياة والإنتاج في مدينة الناصرية، فهي المدينة التي عمل فيها وتكونت شخصيته المستقلة وانبثقت فيها أفكاره الماركسية، كان أخيه البكر صاحب مبدأ في دقة عمله وإخلاصه فيه، وأمانته فيما يقوم به، بل كان يضاهي في عمله في تنفيذ مهامه.

فكانت حياة فهد هي حياة أخيه وعائلته، ومهما كانت الكلمة الممكنة هنا، فإنه يمكن أن يطلق عليها بداية العمل الأزلية، فكان يتعامل معها كما هي، لأنها ذات قيمة مطلقة بحد ذاتها، فحياتهم على قد ما فيهم من مآسي وأفراح ورذائل، المهم كانت تنظر إلى جمالية الإنتاج ووحدة العمل من أجل مستقبل العائلة، فالإنسان محصور بين صيحتين، ومفارقاتها، يولد باكياً وأهله يتضاحكون، لكن فهد صنع حياته السياسية بدون دموع ولا صياح ولا معارك صغيرة من الجهر والعلانية، فربط جذور عائلته التاريخية بالفكر الماركسي.

جذور فهد الأبدية ترتبط بولادته ونشأته في العراق، أي أنها اختزلت فكرة الأزل لتعيد ترتيب الأشياء بالشكل الذي جعل من كل المعاناة التي عاشها فهد في ميدان البحث عن الحقيقة وتأسيسها في مختلف الميادين، وخاصة من خلال تأسيسه منظمة مكافحة الاستعمار والاستثمار وهي النواة الأولى للحزب الشيوعي العراقي.

المعاناة التي عاناها فهد في مقتبل حياته كانت تمتص رحيق الوجود الحياتي واشكالاته وتاريخه وآفاقه. وهي لا تنفصم عن معاناة أي فرد وطني في العالم العربي، بل تمحور فيه ومن خلاله، وهي الحلقة الأولية والطور الضروري للانطلاق صوب الفكر الماركسي. فجميع من تبنى هذا الفكر التقدمي يشترك بهذه المقدمة الضرورية لوجود ذلك الحزب وما يحمل من هموم أبناء بلده، لكن الشيوعي في هذه اللحظة يختلف عن الآخرين فقط في كيفية تحسس وتأمل إعادة الإنتاج والابداع وكيفية توظيف الفكر الماركسي في حل وتحليل واقع حياة المجتمع العراقي.

فالجذور الفكرية هي في الحقيقة ما يتوصل إليها الفكر الحر في مجرى معاناة الإشكاليات الكبرى ومشاطرة الهموم الجوهرية للأمة والدولة والمجتمع، فبمرور الزمن ومن خلال توسع ادراك الفرد مما يؤدي إلى معرفة الحقيقة بشكل أعمق وأكبر من أن يربطها بزمن وجوده، أي الانتقال إلى ادراك قيمة التاريخ في وجوده، وتاريخ المرء هو تاريخ الأمة والدولة والثقافة، وهي مكونات ليست محلية بل وعالمية، وضمن هذا السياق للفكرة، يمكنني القول بأن جذور فهد الفكرية أعمق من تاريخ العراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، رغم شخصيته الواعية التي تبلورت في مجرى عقوده الدامية، فكانت ميول فهد إلى جانب اليسار وإلى الفكرة التقدمية والحرية والنزعة الإنسانية والمدنية، وهي جذور اعرق من أن تربط بمرحلة دون أخرى، لكنها كونت شخصيته وفكره وتوجهه العام.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5774 المصادف: 2022-06-27 01:29:45


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5822 المصادف: الاحد 14 - 08 - 2022م