آراء

طه جزّاع: دار السيد مأمونة

ليس من قبيل المصادفة، أو لزيادة عدد صفحات كتابه، أن يضع رجل الأعمال والخبير المالي البريطاني العراقي الراحل نمير أمين قيردار مؤلف كتاب « إنقاذ العراق .. بناء أمّة مُحطّمَة « نَّص الخطاب الذي ألقاه نوري السعيد مساء يوم السابع عشر من كانون الأول 1956، ملحقاً وحيداً لكتابه المهم الذي أصدره باللغة الإنكليزية، ثم أسهم في ترجمته وتحريره إلى اللغة العربية والإشراف عليه ثلاثة من كبار الكتّاب والمترجمين والدبلوماسيين العراقيين، نجدة فتحي صفوة، وعطا عبد الوهاب، ومدحة الجادر، ففي ذلك الخطاب المطول الذي ألقاه السعيد من دار الإذاعة العراقية، تتكشف تفاصيل الضغوطات والتحديات الدولية في حقبة تاريخية مفصلية من تاريخ العراق الحديث، كانت من نتائجها المباشرة ما حدث في الرابع عشر من تموز 1958.

ويبدو أن قيردار أراد من نشر نَّص خطاب السعيد الذي وصفه بالتأريخي، الإيحاء بأن المحنة التي كان يعيشها رئيس الوزراء آنذاك وهو يجري مباحثاته الإقليمية والعربية، ويتصدى للتحديات الداخلية والخارجية، ويواجه سوء الفهم هنا وهناك، ولاسيما من الأشقاء المصريين، قد أدت إلى ما آل إليه العراق» من انهيار ملكية هاشمية مزدهرة إلى دكتاتورية غاشمة»، وما انتهى إليه من حطام بعد التاسع من نيسان 2003، والأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها واشنطن في العراق بعد احتلاله، كما أنه يوحي بأن ما جاء في ذلك الخطاب من مفاهيم يمكن أن تكون جزءاً مما أسماه ببرنامج عمل للرخاء والسلام، أو الحل الذي اقترحه وأسماه بالطريق الثالث، مشيراً إلى أنه قدم في كتابه هذا خطة تهدف إلى بناء عراق جديد، ومستقل، وموحد، وعلماني، مستخدماً أفكاراً من ماضيه ومن تجربته الشخصية ومن قصص النجاح في العالم، بعد أن وضع قائمة بالأخطاء الجسيمة التي أُرتكبت منذ الاحتلال والتي أدت إلى تبديد فرصة نادرة لا سابقة لها لبناء عراق جديد مزدهر حسب قوله، وهي أخطاء باتت معروفة للقاصي والداني.

ويُستدل من حديث نوري السعيد وهو يتوجه للعرب، وللمواطنين العراقيين بعبارة « أبناء وطني» أنه يرغب بكشف ما أسماه : «بعض الحقائق التي بقيت محجوبة عن الرأي العام زمناً غير يسير»، فهذا الحديث يأتي بعد جلاء القوات الأجنبية عن الأراضي العربية التي احتلتها بعد العدوان الثلاثي على مصر، وبعد حديثي عبد الناصر وشكري القوتلي، لذلك فهو يوجه رسالة واضحة في أعقاب هذه الحرب، وقد تكون موجهة لعبد الناصر بالذات : «وقبل أن أبدأ حديثي أود أن ألفت الأنظار إلى أن من حق أي سياسي أن يجازف بسمعته أو أن يجازف بحياته ولكن ليس من حقه أن يجازف بسلامة أمته وكيان بلاده»، ثم يمضي في عرضه للعلاقات بين العراق والاتحاد السوفييتي، مهاجماً بقوة الشيوعية العالمية والصهيونية والتعاون بينهما، ومطامع روسيا التوسعية، ومتحدثاً عن استسلام مصدق للشيوعيين في ايران: « وكانت قلوبنا واجفة خوفاً على جارتنا العزيزة «، وعن دور الحزب الشيوعي الفرنسي واتصالاته الوثيقة «بالشيوعيين وخلاياهم في الأقطار العربية التي كانت حينئذ تحت الانتداب الفرنسي». وعلينا أن نتذكر موجة التخويف المبالغ بها من المد الشيوعي التي اجتاحت العالم والمنطقة العربية والعراق في تلك السنوات التي ألقى فيها السعيد خطابه وهو تحت تأثير هذه الفوبيا التي كانت تُدعَم عادة بقرائن وأدلة حقيقية أو مُختلقة عن محاولات التغلغل الشيوعي السوفييتي في عدد من الدول العربية وفي مقدمتها مصر، والتي أوصلته إلى الاعتقاد بأن الشيوعية تقف وراء حملات الافتراء والتضليل ضد العراق، ومن ذلك الترويج لما أسماه بالفرية الكبرى القائلة بأن العراق وإسرائيل متفقتان على اقتسام الأردن. ثم يشير السعيد إلى الاقتراح الذي قدمه للزعيم الهندي البانديت نهرو خلال زيارته إلى نيودلهي بتأليف كتلة حيادية دفاعية قوية تضم الهند والباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا والبلاد العربية، ورفض نهرو لهذا الاقتراح بسبب ظروف الهند الخاصة، وعدم رغبته في استفزاز الشيوعية المجاورة، وقلة عدد الجيش الهندي الذي لا يكاد يكفي لحفظ الأمن الداخلي في بلاد تضم أكثر من 350 مليون شخص وما لا يقل عن ثلاثة ملايين شيوعي – عدد سكان الهند يقارب الآن المليار و400 مليون نسمة، ولا نعرف عدد الشيوعيين فيها -! : «ولما رجوته أن يرشد العراق إلى الطريقة التي يمكنه أن يتوصل بها إلى السلام أجابني بضرورة التعاون مع جيران العراق الذين لهم خبرة دولية يمكن الاسترشاد بها».

ومع كل هذه الأجواء العدائية التي كانت تحيط بالعراق، والتي أدت إلى سقوط الملكية  بأقل من تسعة عشر شهراً على هذا الخطاب الذي يصلح لأن يكون درساً في العلوم السياسية وللباحثين والمحللين السياسيين، وعبرة لرجال السياسة، فإن « دار السيد مأمونة «. هكذا توهم نوري السعيد في ختام خطابه المهم :» وأدعو مواطنيَّ وإخواني العراقيين إلى توحيد صفوفهم لمقاومة الدعاية الشيوعية الروسية على لسان شبيلوف ومالنكوف وخريشوف ومطاياهم من الصهاينة والمأجورين واذنابهم البلداء من غير الصهاينة وأن نردد جميعاً في وجوههم الهوسة العراقية المعروفة.. دار السيد مأمونة .. دار السيد مأمونة.»!!».

وأتـضح  بعد زمن قصير جداً، إن دار السيد لم تكن مأمونة أبداً.

***

د. طه جزّاع

في المثقف اليوم