آراء

كريم المظفر: الإتحاد الاقتصادي الأوراسي وايران واتفاقية التجارة الحرة

اجتماع المجلس الاقتصادي الأوراسي الأعلى، الذي اختتم في العاصمة الشتوية الروسية سانكت بطرسبورغ، انتهى بالتوقيع على وثائق مهمة في المقدمة منها، التوقيع مع ايران على اتفاقية للتجارة الحرة مع إيران، والتي ستحل محل الاتفاقية المؤقتة المعمول بها منذ العام 2019، ووقعها رئيس مجلس إدارة اللجنة الاقتصادية الأوراسية ميخائيل مياسنيكوفيتش ونائب رئيس وزراء الروسي أليكسي أوفتشوك، ووزير الصناعة والمناجم والتجارة الإيراني عباس علي آبادي، كذلك وقع على الاتفاقية ممثلو بيلاروس وأرمينيا وكازاخستان وقرغيزستان..

وسبق وان تم إبرام اتفاقية مؤقتة بشأن إنشاء منطقة تجارة حرة بين الاتحاد الأوراسي (والذي أنشأ مطلع عام 2015 على أساس الاتحاد الجمركي الذي كان قائما آنذاك بين روسيا وبيلاروس وكازاخستان، وانضمت إليه لاحقا كل من أرمينيا وقرغيزستان في السنة ذاتها). وإيران في 17 مايو 2018 وهي سارية اعتبارا من 27 أكتوبر 2019، وتضمن اتفاقيات، للاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي يضم كلا من روسيا وأرمينيا وبيلاروس وكازاخستان وقرغيزستان، ويقدر سوقه بنحو 190 مليون مستهلك، لجميع أعضائه حرية تنقل السلع والخدمات ورؤوس الأموال واليد العاملة، وانتهاج سياسة متفق عليها في قطاعات التجارة والطاقة والصناعة والزراعة والنقل.

أن اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وإيران، لها أهمية كبيرة في تعزيز العلاقات الاقتصادية، وفقا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي أكد خلال الاجتماع على إمكانية أن تكون هذه الاتفاقية مهمة حقا في سياق تعزيز علاقات الاتحاد الأوراسي، مع أحد أكبر الاقتصادات وأكثرها تقدما من الناحية التكنولوجية في منطقة أوراسيا، وبمجرد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، فإن جميع فئات السلع المنتجة في الاتحاد تقريبا ستتمتع بإمكانية الوصول إلى السوق الإيرانية الواسعة، والتي يبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة بدون رسوم جمركية، وسيتم تخفيض العوائق الغير الجمركية بشكل كبير.

كما ووقع زعماء الدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي على إعلان مشترك حول تطوير التعاون الاقتصادي حتى عام 2030 ووثيقة "الطريق الاقتصادي الأوراسي" للفترة حتى عام 2045، واعتبرت روسيا هذه الوثيقة الجديدة بأنها ذات طابع منهجي، تنص على إجراءات محددة لتكثيف الجهود المشتركة في القطاعات الرئيسية، وهي تحدد كذلك المجالات الإضافية للتعاون مثل جدول الأعمال الخاص بالمناخ والطب والسياحة وغيرها، وأكد بوتين أن الاقتصاد يسجّل نمواً في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وأن روسيا تعول على مصادقة الدول الأعضاء في الاتحاد على انضمام إيران إليه على وجه السرعة.

وحرص الرئيس الروسي خلال كلمته على تذكير الدول الغربية بعقوباتهم، التي لم " تهز " تبادل بلاده التجاري ودول الاتحاد، واكد نمو إجمالي الناتج المحلي في روسيا خلال الأشهر التسعة من العام بنسبة 3%، بينما بلغت نسبة النمو في أرمينيا أكثر من 9% وكازاخستان نحو 5% وقرغيزستان أكثر من 4% وبيلاروس 3.5% خلال الفترة ذاتها، لافتا الانتباه إلى أن حصة العملات الوطنية في التعاملات التجارية بين دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بلغت 90%، مشيرا إلى أن هذه النسبة ستزداد في المستقبل بفضل الإجراءات المشتركة التي تتخذها هذه الدول في القطاع المالي.

في غضون أربع سنوات فقط، قطع الاتحاد الأوراسي وايران، الطريق نحو التفاعل العميق، قدر الإمكان في الظروف الحديثة، في مجالات الاقتصاد والتجارة، وهو ما استغرق تحقيقه عقودًا أخرى، ويمكن التوصل إلى هذا الاستنتاج ليس فقط من خطابات كبار المسؤولين، وليس فقط من نتائج الاجتماع بين قادة إيران وروسيا، العضو القيادي في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ولكن أيضًا، على سبيل المثال، من نتائج المعرض السادس من إمكانات التصدير الإيرانية التي انتهت مؤخرا .

والاتفاقية بالنسبة الى ايران يمكن تسميتها من وجهة النظر الإيرانية، بانها بداية انتقال علاقات إيران مع الدول إلى مستوى مختلف، وفي الواقع، سيتم توسيع نطاق اتفاقية التجارة التفضيلية المعروفة، والتي تم التوقيع عليها في عام 2018 ودخلت حيز التنفيذ في 27 أكتوبر 2019، قدر الإمكان، ولنتذكر أنه بموجب هذه الاتفاقية، خضعت حتى الآن حوالي 862 مادة سلعية للتعريفات التفضيلية، وليس هناك شك في أنه في إطار اتفاقية التجارة الحرة، سيتم توسيع هذه القائمة بشكل كبير للغاية، وفي الوقت الحالي، ينمو حجم التجارة المتبادلة بين إيران والدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بوتيرة تتطلب تحديثًا فوريًا، قبل الإطار القانوني بشكل ملحوظ، وهكذا، في الأشهر الثمانية الأولى فقط من السنة التقويمية الإيرانية الحالية (21 مارس - 21 نوفمبر)، زادت قيمة الصادرات الإيرانية إلى دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بأكثر من 20٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ويتم توفير هذه البيانات من قبل لجنة العلاقات الدولية وتنمية التجارة التابعة لغرفة الصناعة والتعدين والتجارة في جمهورية إيران الإسلامية.

يذكر أن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي يضم كلا من روسيا وأرمينيا وبيلاروس وكازاخستان وقرغيزستان، وتتمتع كوبا ومولدوفا وأوزبكستان بصفة عضو مراقب فيه، ومن المقرر أن تستضيف موسكو قمة الاتحاد في عام 2024، حيث ستحل الذكرى العاشرة لإنشاء الاتحاد.

ولايقتصر التعاون بين دول الاتحاد وايران، فهناك وكما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى وصول اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومصر " الى مرحلة متقدمة"، مؤكدا الحرص على التوقيع عليها بأسرع ما يمكن، وفي الوقت الراهن هناك مفاوضات هامة قيد الإعداد مع دول أخرى ذات قدرات اقتصادية كبيرة، والحديث يدور عن اتفاقية حول التجارة التفضيلية بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومصر، "أحد شركائنا الرئيسيين في العالم العربي وفي القارة الإفريقية بحسب تعبير الرئيس بوتين، مؤكدا "أننا معنيون بالتوقيع عليها بأسرع ما يمكن"، والإشارة أيضا إلى أنه بالإضافة إلى ذلك تجري المفوضية الأوراسية مفاوضات مع الإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا، والتأكيد أن إقامة مناطق التجارة الحرة مع هاتين الدولتين ستسمح بزيادة صادرات الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وزيادة التوريدات إلى أسواق الدول الصديقة وتحفيز التنمية الاقتصادية لدول الاتحاد وستزيد من حجم السوق المشتركة وتنويعها.

وكثيرون على استعداد لاعتبار تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي مع إيران خطوة أولى نحو انضمام الجمهورية الإسلامية إلى الوحدة الاقتصادية للجمهوريات السوفييتية الخمس السابقة، ومع ذلك، ومن خلال نظرة رصينة إلى آفاق التعاون بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، لا يسع المرء إلا أن يعترف بمثل هذا التقييم، باعتباره رغبة في تمرير ما هو مرغوب فيه على أنه حقيقة واقعة، والنقطة المهمة هي، أولاً وقبل كل شيء، أن الظروف الموضوعية لا تسمح ولن تسمح لإيران بالتحول الكامل نحو الشمال لفترة طويلة، ومع تزايد حجم التجارة وأنواع التعاون الأخرى بين إيران وروسيا وشركائها في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، فإن الاتجاه الشرقي هو السائد تقليديًا في الاقتصاد الإيراني، وهو أكثر توجهاً نحو الدول المجاورة، وليس من قبيل الصدفة أنه بالتوازي مع توسيع التعاون مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، هناك تقارب بين إيران والمملكة العربية السعودية والدول الصديقة لها.

وفي الوقت الحاضر، تواجه قدرات النقل والخدمات اللوجستية في إيران وعلى الجانب الجنوبي من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي صعوبات كبيرة بسبب الحاجة إلى خدمة التبادل التجاري المتنامي، وذلك على الرغم من أن حصة الأسد من الصادرات والواردات بين إيران ودول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي تقع على المنتجات الزراعية والغذائية والحيوانية، وتمثل البضائع من هذا النوع أكثر من 84% من حيث الوزن وما لا يقل عن 71% من قيمة الواردات الإيرانية من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، أما حصتها في صادرات إيران إلى الاتحاد الأوروبي فهي أقل ــ 20% من حيث الوزن و39% من حيث القيمة.

ويجب الاعتراف بأنه في المستقبل، بدون تنفيذ عدد من مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق، فإن احتمالات التكامل الأعمق لإيران مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ستكون موضع تساؤل، ومما يزيد أهمية ذلك أن طهران أوضحت أكثر من مرة أن أولويتها الرئيسية في التجارة الخارجية هي تصدير الخدمات الفنية والهندسية، وبطبيعة الحال، لا يمكن لأي قطاع في الاقتصاد الإيراني أن يضاهي تصدير النفط والمنتجات النفطية من حيث الحجم والقيمة، لكن هذا لا يعني أن هذا سيكون هو الحال دائمًا.

وبالنسبة لروسيا وكما يؤكد المراقبون، فإن الصراع في أوكرانيا لا يشكل عائقًا، بل يشكل عاملاً محفزًا لتعميق التكامل الأوراسي، وهناك تفسيرات عديدة لذلك، أولاً، تعمل روسيا، آخذة في الاعتبار تقليص الحوار متعدد الأشكال مع معظم الدول الغربية، على تنويع وجودها في مناطق أخرى من العالم، وفي الوقت نفسه، لا يوجد ما يسمى بالتحول نحو الشرق، بل هناك تجسيد لسياسة روسيا متعددة الاتجاهات، ثانيا، تم إعلان دول الجوار أولوية لأنشطة السياسة الخارجية الروسية منذ عدة سنوات، ولم تنته هذه المهمة، بل على العكس من ذلك، تكتسب زخما إضافيا، وثالثًا، ان العقوبات الاقتصادية غير القانونية التي فرضتها الدول الغربية والصراع في أوكرانيا على روسيا، تدفع إلى استخدام مزايا التكامل في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي بشكل أكثر نشاطًا، مع الأخذ في الاعتبار عددًا من العوامل، بدءًا من غياب الحدود الجمركية وانتهاءً بانتقال الروس إلى الدول المجاورة.

وبطبيعة الحال، ومع الأخذ في الاعتبار الأهداف الحالية وطويلة الأجل، تسعى روسيا إلى تعميق التكامل، ضمن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ورابطة الدول المستقلة ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، ودولة الاتحاد بين روسيا وبيلاروس، وكذلك ضمن اتحادات أكبر مثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، و بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، والشراكة الأوراسية الكبرى. وتنعكس هذه الاتجاهات أيضًا في تطوير الإطار القانوني لتشكيل اتحادات.

***

بقلم الدكتور كريم المظفر

في المثقف اليوم