آراء

عبد السلام فاروق: إسرائيل فى قلب النار

الوضع فى فلسطين المحتلة يزداد اشتعالاً يوماً بعد يوم.. الجميع يري أن الحدث العظيم الذى بدأ يوم السبت الموافق السابع من أكتوبر هو حدث متفرد ومختلف، وأن ما سيتلوه من توابع وردود أفعال لا يشبه ما كان يحدث فى الماضى..

فبعد ما حققته فصائل المقاومة الفلسطينية من مكاسب على الأرض، وما تعرض له الجيش الإسرائيلي من هزيمة نفسية ضخمة، وما تتعرض له المستوطنات من تهديدات كبري، وما تلا تلك الضربة من توسيع رقعة المعركة فى عسقلان وسديروت وحدود لبنان وسوريا، الوضع ينبئ بمزيد من التصعيد ويؤكد أن المعركة ستطول وأن كرة النار تتضخم، وقد يستمر الصراع فى تأجج مستمر عدة أسابيع أو شهور قبل التفكير فى الجلوس على مائدة المفاوضات.. هذا ما تشير إليه بوصلة الأحداث التى تزداد حدة كل يوم بل قل كل ساعة..

سعار إسرائيلي غاشم

ما خسرته إسرائيل فى الأسبوع الأول من المعركة فاق التوقعات.. وأول تلك الخسائر وأكبرها انكشاف سوءة إسرائيل وسقوط أسطورة الجيش الذى لا يُقهر، والذى تبين أن أقل هبة ريح تدمر أشرعته ودعائم بنيانه الواهى..اليوم الأول فقط سقط فيه قتلى وصل عددهم إلى أكثر من1200 شخص، منهم قادة فى الشرطة والجيش تراوحت رتبهم بين الرائد والعقيد، بخلاف الأسرى من العسكريين والمستوطنين اليهود وعددهم بالمئات، كل هذا حدث بألف مقاتل فقط! ثم جاءت ضربة عسقلان التى تم رشقها بسيل من الصواريخ تسبب فى مضاعفة خسائر الجيش الإسرائيلي..

أمريكا وأوروبا انبروا يهاجمون ما فعلته المقاومة الفلسطينية ودعوا إسرائيل إلى رد حاسم قوى، فما كان من الأخيرة إلا أنها توجهت بكل ثقلها صوب المدنيين فى غزة..وبكل الحقد الكامن فى نفوس هؤلاء الموتورين لم يتورعوا أن يستخدموا كل القوة الغاشمة لدك البيوت والمساجد على رؤوس الساجدين والعباد والضعفاء من النساء والأطفال والكهول..لدرجة أنهم قاموا بمحو مناطق بأكملها بصواريخ ثقيلة وقنابل فوسفورية محرمة دولياً..وبدلاً من أن نرى موقفاً دولياً مندداً بالهجوم الإسرائيلي الغاشم وإفراطها فى استخدام العنف ضد المدنيين العزل فى غزة، وجدنا أمريكا والغرب يحضُّون على مزيد من التدمير بل ويمدون إسرائيل بمزيد من أسلحة التدمير الشامل!

دموع التماسيح

المشهد الأمريكى أظهر فى وضوح وجلاء معيارها المزدوج وطريقتها فى قلب الحقائق والكيل بمكيالين..

بايدن سارع بتأييد الموقف الإسرائيلي رغم أنها بدأت بالعدوان منذ شهور مضت، ولم يكتفى بمجرد التأييد بل تحركت بوارجه الحربية وحاملات الطائرات صوب شرق المتوسط ومعها دعاوى بتوسيع رقعة المعركة والرد بمزيد من العنف والتدمير..فى نفس الوقت الذى خرج فيه مسئولون أمريكيون يذرفون الدموع على الهواء مباشرةً تأسياً على القتلى من الإسرائيليين، وجذباً للتعاطف العالمى ضد أصحاب الأرض..

فرنسا وبريطانيا وألمانيا ساروا فى نفس الركاب الداعم لإسرائيل، وربما لجأوا لتحريك قوات عسكرية تزاحم الأسطول الأمريكى فى شرق المتوسط وتؤجج الأوضاع أكثر..كل هذا من شأنه أن يحول دفة المعركة نحو مزيد من التصعيد وفتح جبهات جديدة للقتال..

الآن وقد تحركت القوات الأمريكية وعلى رأسها وزير الدفاع ووزير الخارجية نحو إسرائيل، فهل سنشهد انضمام أطراف جديدة للحرب الدائرة هناك؟!

سيناريوهات الصراع

سارعت إسرائيل بحصار غزة وقصفها بالصواريخ فيما زعموا أنه يجرى فى إطار بروتوكول هانيبال الذى يقضى بقتل الأسرى الإسرائيليين مع آسريهم معاً؛ من أجل إسقاط ورقة الضغط الكبري التى امتلكتها فصائل المقاومة أمام الإسرئيليين حال التفاوض..

فى نفس الوقت بدأ الضغط الإسرائيلي والأمريكى للقيام بعمليات تهجير وإجلاء جماعى لسكان غزة، بينما اعترضت مصر والسلطة الفلسطينية على مثل هذا الإجراء اللاإنسانى..وعلى الطرف الآخر شهد غلاف غزة الذى بدأت فيه الأحداث إخلاءً واسعاً من مستوطنيه..كل تلك الإجراءات وغيرها من شواهد التصعيد تؤكد أن إسرائيل اتخذت بالفعل قرار الحرب لا قرار التفاوض..

القدس تحولت لثكنة عسكرية، وغزة محاصرة بقوات الجيش الإسرائيلي استعدادا لاجتياح بري محتمل، وقوات الاحتياط تم استدعائها وإن كانت هناك حالة سخط عامة ومحاولات هروب من الخدمة العسكرية تشي بارتباك وتخبط..ولعل أشد ما قوَّى شوكة الجيش المحتل ما تلقاه من دعم أمريكى فوري تمثل فى حاملتى طائرات مدججة بالعتاد والسلاح والذخيرة على شواطئ فلسطين المحتلة..

أمريكا لا تريد تهديد الفصائل الفلسطينية بقدر ما تريد تحجيم تدخل الأطراف العربية حول فلسطين وبالأخص حزب الله اللبنانى ومن ورائه إيران..وفى هذا الإطار قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف مطارات دمشق وحلب قصفاً تحذيرياً لتحييد الحدود مع الجيران العرب.

روسيا رابضة فى الكواليس تراقب وتدعم الجانب الفلسطينى من بعيد، ثم أنها تستغل انشغال أمريكا وحلف الناتو بدعم إسرائيل عسكرياً، لتحقق مكاسب سريعة على أرض أوكرانيا..

كل هذا يشير إلى أن الباب مفتوح على مصراعيه لعدة خيارات تبدأ من فتح جبهات قتال متعددة إلى المعركة البرية المحدودة إلى حرب شاملة موسعة طويلة الأمد.. بل وقد وصلت بعض التقديرات إلى حد توقع حرب شرق أوسطية متعددة الأطراف..

حرب الإعلام

أحدث وأهم ما اتخذته إسرائيل من إجراءات هو حربها العالمية ضد الإعلام لتحويله إلى إعلام صوت واحد يخدم مصالحها دون غيرها.. لدرجة أن نرى دعاوى لتجريم أى دعم تجاه المقاومة الفلسطينية بدءاً من تجريم رفع العلم الفلسطينى وحتى حجب المواقع لمنع تداول المعلومات حول خسائر الجيش الإسرائيلي ومكاسب المقاومة الفلسطينية!!

ثمة جرائم حرب تُرتكب الآن فى حق المراسلين الصحفيين والإعلاميين المتواجدين فى ميادين الصراع، وهناك تعتيم إعلامى واسع النطاق خاصةً فيما يتعلق بأعداد القتلى والأسرى والمصابين فى الجيش الإسرائيلي خاصةً العسكريين منهم..

من المعروف أن اليهود يسيطرون على منابر الإعلام فى الغرب، وأن الآلة الإعلامية الصهيونية ذات نفوذ قوى وامتداد كبير يمكنها من تحقيق نجاح سريع فى مضمار الحرب الإعلامية..إلا أن كل تلك الجهود والمحاولات لم تستطع أن تمنع تسريب بيانات كثيرة بخصوص حقيقة ما يجرى هناك..

غزة تتعرض اليوم إلى حصار شديد خصوصاً فى وسائل الاتصال بعد قطع الإنترنت عنها فيما تم قطعه من خدمات أساسية شملت الكهرباء والوقود والمياه والغذاء والدواء، لدرجة أن أغلب مستشفيات قطاع غزة باتت خارج الخدمة، فى الوقت الذى انغلقت فيه المعابر ورفضت فيه المستشفيات الإسرائيلية استقبال الجرحى والمصابين من المدنيين الفلسطينيين..

جمعة طوفان الأقصى

دعت فصائل المقاومة الفلسطينية سائر العرب لدعم موقفها ضد إسرائيل وحلفائها فى الغرب..

إنها جمعة الأقصى أو جمعة النفير العام كما أسمتها المقاومة.. إنها فرصة كبري لجمع كل الدعم الممكن من أجل حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية التى طال أمدها دون وجود بصيص أمل حقيقي لعودة الفلسطينيين وحل الدولتين ووقف الاعتداءات الإسرائيلية ووقف بناء المستوطنات، ولمنع مخططات هدم المسجد الأقصى..

كل الشواهد تؤكد أن الحرب هذه المرة مختلفة، وأن نتائجها لابد أن تكون على مستوى أحداثها المستعرة، وبرغم الآلام والأحزان والشهداء الذين سقطوا فى طريق المقاومة والدفاع عن المقدسات فإن حصاد الحرب لن يكون أبداً فى صالح إسرائيل.. وإن كانت فلسطين تتألم وتدمى فإن إسرائيل تذوق اليوم من نفس الكأس ولسوف تجنى خسراناً وانهزاماً مؤكداً أمام أصحاب الأرض مهما طال أمد الصراع.. فلابد أن يندحر الباطل وينتصر الحق.

***

عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم