قضايا
سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (48): ماذا قدمت أسرة آل الصدر لشهيديها؟
ربما تكون عائلة آل الصدر، قد نالت اهتماماً شعبياً وسياسياً بعد سقوط الدكتاتورية، لم يحدث مع غيرها، حيث ينتمي اليها أهم رمزين للوعي والتضحية هما الشهيدان الصدران الأول والثاني.
وقد اجمعت الغالبية الساحقة من شيعة العراق على حبهما وتقديسمها لما قدماه في حياتهما من عمل جماهيري وسياسي في مواجهة النظام الحاكم.
كان المؤمل أن ينهض رجال الأسرة الصدرية لتعميق منهجيهما في العراق الجديد، من خلال هذا التعاطف والاحترام الجماهيري، بحيث يمكن أن يتحولا الى عنوان كبير لتوحيد الشيعة في الشأن السياسي، ولتعميق خطهما في المجال الثقافي والفكري. وكان من الطبيعي أن تكون المسؤولية بالدرجة الأولى على أبناء هذه الأسرة.
كانت البداية مخيبة للآمال من قبل أبناء أسرة آل الصدر، فقد انصرفوا ـ عدا السيد جعفر الصدر ـ الى بناء امجادهم الشخصية وتحقيق طموحاتهم في السياسية والمجتمع والمال. وقد استخدم ثلاثة أشخاص عنوان (الصدر) بطاقة العبور الكبرى نحو ما يريدون. وهم مقتدى الصدر، وحسين اسماعيل الصدر، وحسين هادي الصدر.
حوّل مقتدى الصدر والده الشهيد الى إرث شخصي صرف، فأهمل مدرسته الفكرية والثقافية، وأخذ منه جماهيريته لأنه كان بحاجة الى هذا الرصيد الشعبي ليصنع ذاته زعيماً سياسياً. وقد اختار المنطقة الخطأ في التحرك، لعدم امتلاكه سابقة في مجال السياسة، فكانت خطوته الأولى هي زعامة تستند الى الصفر من حيث الممارسة. ثم أراد أن يدخل جو القيادة الدينية من نفس المرتبة الصفرية، لعدم امتلاكه تحصيلاً علمياً في الحوزة، كما أنه خالف رأي والده الشهيد بوجوب أن يكون المتصدي للقيادة حاصلاً على درجة الاجتهاد كحد أدنى من الشروط.
بدأ مقتدى خطواته بشق الصف الشيعي في منطقة حساسة منه وهي القيادة العليا للشيعة، حين راح يُعلن العداء للمرجعية العليا ويصفها بالمرجعية الصامتة، ويطلق أتباعه لينالوا من مكانة السيد السيستاني، حتى أوشكت الأمور أن تنفلت الى الهجوم المسلح على منزل المرجع الأعلى للشيعة.
ولكي يعزز مكانته، فقد اعتمد مقتدى الخرافة سبيلاً لذلك، وراح يروجها ويدعمها ويشجع عليها، في مخالفة صريحة لمنهج والده ولمنهج الشهيد الصدر الأول. فأضفى على نفسه القداسة، وترك اتباعه يرددون الشعارات ويلصقون به صفات القداسة وصولاً الى منزلة المعصومين، وقد ظل هذا الاتجاه الخرافي والتجهيلي يتصاعد مع السنوات، حتى وصل الأمر الى هذا اليوم، حيث يرى أتباعه أن أثر قدمه له كرامة عند الله.
أما السيد حسين اسماعيل الصدر، فقد كان هو الأقرب عائلياً الى السيد الشهيد محمد باقر الصدر ـ بعد اعتزال نجل الشهيد الوحيد السيد جعفر الساحة العامة ـ وكانت هفوات السيد حسين مفجعة بحق، فقد استقبل بالعناق الحاكم الاميركي بول بريمر، في أكبر انتكاسة لأسرة آل الصدر ولرجال الدين الشيعة.
وبعد فترة وجيزة وحين رأى موجة المرجعيات المصطنعة، بادر الى دخول هذا النادي ليكون واحداً منهم، رغم بساطة مستواه العلمي، لكنه استند على المال الوفير الذي كان يأتيه من أبواب مشرعة، لبلوغ مراده، فلا يحتاج الأمر في الفترة التي أعقبت سقوط النظام إلا للمال والصور الملونة وخطاطين مهرة يكتبون الالقاب الكبيرة، فجعل من نفسه آية الله العظمى والفقيه المرجع، وانتهى الأمر بسهولة، ولا ينسى الشعب العراقي مواقفه المساندة للسفير الوهابي السبهان، في جرح مباشر لمشاعر هذا الشعب الذي تستهدف السعودية حياته كل يوم.
ولم يختلف السيد حسين هادي الصدر، عن الشخصين السابقين، لكنه أقل منهما قدرة على التحرك والنشاط، ويعود ذلك لتركيبته الشخصية، فهو لم تُعرف عنه المبادرة، ما لم يضمن لها متبرعاً وداعماً مالياً، فاكتفى بان خلع على نفسه عنوان (عميد آل الصدر) وانخرط في صفوف القائمة العراقية بزعامة اياد علاوي، حيث تولى الأخير توفير ما يحتاجه من مال. فيما تفرغ هو الى بناء مجموعة من العقارات يستحصل منها الوارد ثابتاً بارداً. وانشأ مركزاً شكلياً ليكون محلاً تجارياً ينفع في مثل هذه الحالات، وقد فشل في انتخابات مجلس النواب مما يشير الى غيابه الجماهيري.
هذه هي نشاطات أبرز اشخاص أسرة آل الصدر، وهذه توجهاتهم، لقد اشتركوا في كثرة الحديث عن الشهيدين الكبيرين، وكأنهم أكثر الناس إهتماماً بهما، بينما هم أكثر الناس انكفاءً عن تقديم أبسط ما عليهم من واجب تجاه الصدرين الاول والثاني. إنها تجارة مربحة تدر المال الوفير، أما المدرسة والخط والمنهج، فذلك مما لا يعنيهم.
يشعر الانسان بمرارة بالغة، حين يرى التضحيات الجسيمة في أصعب الظروف واكثرها ظلما وقمعاً وقسوة، تتحول الى مكاسب دنيوية سهلة على يد المقربين عائلياً من الشهيدين العظيمين. إنها ظلامة ثانية تلحقهما، وبنتائج مؤلمة تفوق ما حدث عند استشهادهما، لأن النظام قتلهما جسداً، فيما جاء الأقربون منهما فأضاعوا تراثهما ومدرستهما، وصيروهما سلعة رخيصة لأغراض شخصية وطموحات ذاتية.
لقد بنى بعض آل الصدر بعد سقوط صدام امبراطوريات مالية من خلال المناصب التي حصل عليها اشخاصهم او اتباعهم - خصوصا اتباع مقتدى- لكن أياً منهم لم يفكر بمشروع لاحياء فكر أو ذكر او برنامج عمل الشهيد الصدر الاول (باعتباره استاذ الصدر الثاني)، وكان بامكانهم ان يؤسسوا المراكز المتخصصة التي تهتم بالفكر الفلسفي والاقتصادي للشهيد الصدر، أو حوزة علمية تتبنى منهج السيد الصدر في الفقه والاصول وتؤسس لفكرة المرجعية الرشيدة التي دعا لها قدس سره، أو وضع جائزة عالمية سنوية لكل مفكر يكتب عن فكر السيد الصدر وآثاره، وعشرات المقترحات من هذا القبيل التي تبقي وترفد هذه المدرسة الرصينة، لكن هذا لم يحدث، إنما كانت هناك واجهات شكلية تحمل اسم المشروع للتغطية ولبراءة الذمة.
لقد انصرف مدعو الانتماء للمدرسة الصدرية الى جمع المال والانصار وتحصيل المواقع والمكاسب باسمها، دون ان يقدموا لها شيئا..يستوي في هذا مدعو الانتماء الفكري لمدرسة الصدر (المجلس الأعلى، حزب الدعوة ، التيار الصدري، حزب الفضيلة) والمنتسبون عائليا لهم بطبيعة الحال.
واللافت في الامر ان كلا الفريقين (المنتسب فكريا أو عائليا) يعيب الآخر بعدم الوفاء للسيد الصدر.
لها تتمة
للاطلاع على جميع حلقات:
وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني







