 قضايا

ايمان عامر: علاقة الديمقراطية والتربية عند جون ديوي

The relationship of democracy and education according to john dewey

بين جعلها كوسيلة للتعليم وبين اعتبارها كأداة تنتشل الفرد من الجهل وتؤمن له حياة كريمة صالحة للأجيال، يحلل جون ديوي نظريته في التربية بنظرة مغايرة من خلال المكانة التي حظيت بها في فلسفته والتي تلخصت في قوله أن التعليم ليس استعدادا للحياة انه الحياة ذاتها. وكذلك اعتبر التربية هي النظرية العامة للفلسفة. وأكد أن التعليم لا يقف عند مرحلة محددة من مراحل الحياة بل هو مستمر مادام هناك انسان يفكر ويعمل على حل المشكلات. فالمهمة المنوطة بالتربية التقدمية لدى "جون ديوي" هي ربط فلسفة التربية بالحياة، وجعلها أداة لمعالجة مشاكل المجتمع، وأنّ الفلسفة دوما تتصل بالحياة ناهيك عن أن "مصدر المشاكل الفلسفية هو وجود مشاكل عامة يشعربها جميع الناس في مجالات الاعمال الاجتماعية"1، فالفلسفة الحقة في نظر "جون ديوي" هي التي تستنبط حلولها من الواقع المعيش ومن المشكلات التي تشغل بال المواطنين وتحتاج الى حل فعلي، وان انصرفت الفلسفة عن الواقع فهي مجرد كلام عابر وتفلسف كاذب، ومن هنا نؤكد قوله على أنّ الفلسفة هي النظرية العامة للتربية لأنها تحرك عجلة التربية نحو الأمام، فوجب إذن أن "تنهض الفلسفة بواجبها وتنفخ روحا جديدة في أهدافها وأساليبها وبأن تمدها بنظرة واسعة ملؤها التقدير لمكانتها في الحياة المعاصرة"2،

وتعتبر التربية التقدمية الديوية القائمة على الخبرة والنمو والتفاعل مع عناصر المجتمع، من أجدر الفلسفات التربوية في القرن العشرين، وهذا راجع الى جعلها كأداة في سبيل فهم الواقع حيث حاول ديوي إعطاء اصلاح شامل للمجتمع الأمريكي في شتى المجالات لا سيما الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، وجعل التربية هي الوسيلة الأولى لتجسيد هذا الاصلاح، كون التربية هي البنية البشرية الأولى التي يتكون منها الفرد للاطلاع على مجتمعه ومعرفة القوانين التي يسير عليها كونه جزء لا يتجزأ من ذلك المجتمع وكونه كائن محكوم بمنطق الخبرة أي ذلك التفاعل الذي تتشكل منه خبرات الإنسان وعلمه بالأشياء اضافة الى بناء الخبرات وتفاعل الفرد مع عناصر الطبيعة، لأنّ الشيء الذي شهدناه أو فكرنا فيه يصبح خبرة لنا في المرة القادمة، لهذا نجد أن "جون ديوي" ركز على فكرة دمقرطة التعليم، أي تعلم الفرد بنفسه ولنفسه فتارة يصيب وتارة يقع في مشكلات وبالتالي يكتسب خبرة اضافة الى أن المدرسة هي الحياة التي يتكون فيها الفرد ويخرج للمجتمع بتلك القيم التي تعلمها لذا وجب أن يكون لها صلة مباشرة بالمجتمع لأن كل ما انجز في المجتمع كان أولا مخططات تربوية تهدف الى تلقينها المدرسة، ومن هذا المنطلق اعتبر أن أي طفل سيصبح مواطنا في الدولة التي تلقى فيها تعليمه ولا بد من أن يتلقى كل قوانين تلك الدولة ليصبح مواطنا صالحا على دراية بانشغالات ومصالح وطنه فاعتبر جون ديوي أن أهم شيء يتلقاه الطفل هو النظام الديمقراطي كون أولا أن التعليم مبني على شعار ديمقراطي وثانيا أن الديمقراطية ليست مجرد حكم سياسي فقط بل هي أشمل من ذلك لأنها تشمل جميع مناحي الحياة، فالمعروف أن الديمقراطية "لفظ مؤلف من لفظين يونانيين أحدهما (ديموس) ومعناه الشعب والاخر (كراتوس) ومعناه السيادة.

فمعنى الديمقراطية اذن سيادة الشعب"3، أي أن يكون الحكم في يد المواطنين وتكون ارادة واختيار الشعب هي مصدر السلطة في الوطن، "فمعنى الديمقراطية اذن سيادة الشعب وهي نظام سياسي تكون فيه السيادة لجميع المواطنين لا لفرد أو طبقة واحدة منهم"4 فيتشارك الجميع في عملية الحكم من خلال اختيارهم لممثل كفئ ويضمن لهم الاستقرار، هذا الاختيار يكون نابعا من ارادة الفرد وحريته الخاصة، التي يدلي بها من خلال العملية الانتخابية، وتقوم الديمقراطية على أسس، المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية، ومبدأ تكافئ الفرص وحفظ وصون الحقوق والكرامة الانسانية .لهذا نادى بها الفلاسفة منذ الأزل واعتبروها النظام الكفيل بتحقيق الرفاهية وكان "جون ديوي" من أبرزهم دفاعا عنها لأن" التربية وظيفة اجتماعية ترمي الى توجيه النشء وتنميتهم بإشراكهم في حياة المجتمع الذي ينتمون اليه"5 . لكي ينمو الفرد على مبادئ مجتمعه ويكون على دراية بكل النظم والعادات التي تسود محيطه لهذا كان لزاما على الدولة الديمقراطية اتخاذ التربية والتعليم كوسيلة لإيصال تلك المبادئ المشبعة بالروح الديمقراطية، حيث "أن تكريس الديمقراطية وتقديسها للتربية حقيقة مألوفة والتفسير السطحي لذلك هو أن الحكومة التي تستند على حق الانتخاب العام لا يمكن أن تكون ناجعة ما لم يكن أولئك الذين ينتخبون حكامهم والذين يطيعوهم متعلمين"6 . باعتبار أن الديمقراطية هي حكم الشعب بنفسه ونفسه أي تقوم على الانتخاب واختيار فرد أو حاكم له قدرات وكفيل بالتحكم في زمام الأمور وإدارة دولة. وعلى الشعب أن يختار ذلك الحاكم بكل وعي وحرية وبكل خبرة واعية وهذا الوعي لا يكون مكتسبا الا من خلال التعليم الجيد والحوار الناجح والتربية التقدمية التي تجعل من الفرد كفيلا بجل مشكلاته وعلى دراية بأسس الدولة التي يعيش في كنفها واختيار الخيارات الصائبة، "فالديمقراطية تتضمن ما هو أكثر شكل للحكم أنها أولا وقبل كل شيء نظام وأسلوب من الحياة المشتركة ومن الخبرة المقترنة بالاتحاد والاشتراك والتفاهم المشترك"7 بحيث يعمل أفراد المجتمع الديمقراطي على تبادل الخبرات والتعاون واعادة النظر في سلوكاتهم مع الآخر، بعيدا عن التمييز والعنصرية والظلم، فالديمقراطية ليست مجالا سياسيا فحسب، وهي أيضا "ليست بالأساس مجموع مؤسسات، اجراءات شكلية، أو ضمانات قانونية، أن ما يؤكد عليه ديوي هو ثقافة الديمقراطية وممارساتها في الحياة اليومية. انها اعتقاد متبصر في قدرة كل كائن بشري على الحكم والمداولة والفعل الذكي في الوقت الذي تتوافر له فيه الشروط المناسبة"8 . اذن فالديمقراطية مرتبطة بالسلوك الانساني، وتعامل الفرد مع الآخر من خلال الممارسة اليومية وطبيعة تلك الممارسة التي تبرز من خلال ديمقراطية الفرد تجاه الآخر في التعامل، ومنه يأخذ الفرد الخبرة من الآخر ويساهم بخبرته للآخر أيضا، هكذا سيستفاد المجتمع ككل من هذه العملية فمهمة هذا النظام هي دوام خلق خبرة أكثر حرية وأكثر انسانية حيث يأخذ كل واحد حصته ويساهم بحصته"9 كذلك تضمن "العقيدة الديمقراطية في المساواة الانسانية عقيدة قوامها أن كل انسان بصرف النظر عن كمية أو مدى موهبته الشخصية له الحق في تكافئ الفرص مع كل شيء آخر لإنماء وإنضاج من مواهب وممكنات أيا كانت"10 فهي النظام الوحيد الذي يكفل تحقيق المساواة بين الجميع، وهو النظام المثالي التي من خلاله تسعى الدولة الى تحقيق التقدم وتنمية نفسها وافادة مجتمعها وافادة الاخر وتقوية العلاقات بين أفراده وخلق الابداع وابراز المواهب التي من شأنها ان تدفع المجتمع للأمام وأن تعمل على تقدمه وتطويره لهذا فقد ربط ديوي الديمقراطية بإرادة نابعة من السلوك الانساني بحيث يتحقق النظام الديمقراطي الفعال من خلال "الايمان بقدرات الطبيعة الانسانية وبقوة وفعالية الخبرة التعاونية والمشتركة المجمعة لجهود وموارد الجماعة"11 . اذن فقوة هذا النظام نابعة من اتحاد الجماعة وتعاونهم على تبادل الخبرات وحل المشاكل التي تخترق المجتمع، و"أن الديمقراطية كانت دائما على وفاق مع الايمان بإمكانيات الطبيعة البشرية وأن الحاجة الآن ماسة الى اعادة توكيد هذا الايمان بكل قوة ونشاط والى العمل على ترقيته وتطوره وسط أفكار ومعان ذات اتصال به، وعلى أن يتجلى في مواقف عملية"12. لأن الديمقراطية تؤمن بقيمة الطبيعة البشرية ونجاعتها في تحقيق الرقي، معتبرا اياها المصدر الأول للسلطة في الدولة لأنها تستمد سلطتها من الشعب وبهذا فهو مصدر السلطة حتى في المستقبل وبالتالي يجب الاهتمام بإصلاح طبيعته البشرية وتهذيبها وتربيتها وتعليمها. ليصبح فردا قادرا على التعامل مع معطيات عصره ومع مشاكله لأن جميع الأفراد بطبيعة الحال سوف يصبحون مسؤولين من مصالح معينة يوما ما، ومواطنين حقهم وواجبهم الانتخاب واختيار حاكم من خلال التصويت الحر، وهذا يضمن الابتعاد عن صراع المصالح في مجتمع ما، مما يضمن أخيرا الرفاه للمجتمع وللجميع وعلى جميع الأصعدة، وليس على الصعيد التربوي والسياسي فقط لهذا اعتبر الديمقراطية كطريقة للحياة او كتوجه يسلك للسير على الطريق الصحيح في هاته الحياة ويضمن الاستقرار والراحة، إذ يقول :"لقد بلغ بنا التقدم الآن درجة تحول لنا القول بأن الديمقراطية طريقة من طرق الحياة وبقي علينا أن ندرك أنها طريقة من طرق الحياة الشخصية كذلك"13 . لأنها تؤمن بمقدرة كل شخص على تسيير حياته بنفسه بكل حرية، وهذا من خلال العملية التربوية التي تجعل من الفرد مسؤولا عن ذاته ومتعلما بنفسه وما على المعلم إلا التقويم والتوجيه.

هكذا اذن جعل ديوي الديمقراطية نظام فعال للرقي بالفرد بل ربطه بالحياة العملية التي تتيح للفرد تكافئ الفرص وتبادل الخبرات، والحرية في الاختيار والحوار في التعامل، وهذا ما يجعلها تمتد من نظام حكم سياسي لتشمل كل طرق وميادين الحياة.

***

ايمان عامر

..............

1-جون ديوي، الديمقراطية والتربية، مصدر سابق، ص338

2-المصدر نفسه، ص340

-3 جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج1، مرجع سابق، ص569

4-المرجع نفسه، ص569

5-جون ديوي، الديمقراطية والتربية، مصدر سابق، ص84

6- رالف واين، قاموس جون ديوي التربوي، مختارات من مؤلفاته، مرجع سابق، ص105

7-المرجع نفسه، ص106

8- رتشارد. ج . برنشتاين، الديمقراطية الخلاقة، ترجمة محمد جديدي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 13 يونيو 2016، ص5

9- المرجع نفسه، ص5

10- رالف واين، قاموس جون ديوي التربوي، مختارات من مؤلفاته، مرجع سابق، ص، ص 110-111

11- المرجع نفسه، ص111

12- جون ديوي، الحرية والثقافة، ترجمة أمين مرسي قنديل، (د-ط)مطبعة التخوين، الاسكندرية، 2003 ص ص 144-145

13- المصدر نفسه، ص155

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5682 المصادف: 2022-03-27 10:09:37


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5815 المصادف: الاحد 07 - 08 - 2022م