قضايا

دواء لما بعد الموت؟

توفيق السيففي سياق الجدل الجاري حول التفكير الديني، نبَّهني صديقٌ إلى أهميَّة التجربة الواقعية، كدليل على سلامة الفكرة، وقابليتها للنزول من رفوف المكتبات إلى ميدان الحياة. إن دراسة التجارب والتطبيقات الفعلية للأفكار، نادرة جداً في المجال الديني (لعلي أقول إنها معدومة، لكني لا أستطيع الجزم بهذا).

ماذا نعني بالتجارب الواقعية؟

تخيَّل أنك سألت الطبيبَ: هل لهذا الدواءِ أي فائدة؟ فأجابك قائلاً: نعم، سوف تعرف الفائدة بعد وفاتِك وليس في هذه الدنيا. فهل ستقبل نصيحتَه، أم ستبحث عن دواء آخر ينفعك اليوم، في هذه الحياة، وليس في الآخرة؟

لا يمكن طبعاً مقارنة الدين بالطبيب أو بأي شيء في الدنيا. لكن لو راجعنا ما يُقال في سياق التعريف بالدين، لوجدنا مثلاً أنَّ الإسلامَ تجاوزَ المسيحية في اهتمامه بالجانب المادي وإصلاحِ الدنيا. كما نقرأ في كتب الحديث تأكيداً لهذا المعنى، مثل القول بأنَّ «الدنيا مزرعة الآخرة»، وأنَّ «من لا معاشَ له لا معاد له»... والكثير مما يجري مجراها.

كيف إذن نفهم دورَ الدين في الدنيا؟

يمكننا معالجة السؤال بثلاث طرق:

الأولى: تَكرارُ القول بأنَّ الإسلام يهتمُّ بالدنيا، واستعراض النصوص التي تؤكد الكلام نفسه.

الثانية: ردُّ السؤال بسؤال مضاد استنكاري، مثل القول: هل يُعقل أنَّ ديناً بهذه العظمة، يتَّبعُه هذا العدد من الناس، ديناً أقام إمبراطورية تمتد بين المشرق والمغرب... هل يعقل أنَّ ديناً كهذا لا يهتمُّ بالدنيا؟ أو ننتقد الأديان الأخرى، نظير القول: لماذا لا تسأل البوذيين عن موقع الدنيا في دينهم، ولماذا لا تسأل الكاثوليك والهندوس... إلخ؟

الطريقة الثالثة: أن نعرض أمثلة واقعية عن تطبيقات وتجارب، تخبرنا أنَّ السياسات أو البرامج الدينية التي تم تطبيقها، قد نجحت في تحقيق أهدافها، خلال الوقت المحدد وبالتكلفة المحددة.

واضح أنَّ الطريقتين الأوليين سجال فارغ، وأنَّ الثالثة هي التي ستقود النقاش؛ لأنَّها تقترح تمثيلاً واقعياً للنقاش النظري: تجربة تثبت صحة الدعوى أو تثبت بطلانَها. نتحدَّث طبعاً عن التجارب المعاصرة. أمَّا تجارب القرون السالفة فلا نعرف ظروفها، ولا نملك معلومات دقيقة عنها. والحقيقة، أنَّ تدوين التجارب لم يكن تقليداً جارياً عند أسلافنا. ولذا؛ لا نملك تفصيلات مفيدة عن حروبهم واقتصاديات مدنهم وغيرها.

توثيق التجارب المعاصرة، يعني مثلاً دراسة نتائج المشروع الضخم المسمى بالمصرفية الإسلامية: هل أدَّى إلى إنهاء الاستغلال الناتج من الربا، وهل زادَ معدلات التنمية الاقتصادية، وهل أسهمَ في توزيع الثروة؟ كذلك الحال في الزكاة (والخُمس عند الشيعة)، هل أثمرت عن إنهاء الفقر وسوء التغذية. ومثلها تطبيق الحدود الشرعية: هل نجحت في إنهاء الجريمة (بقياس تاريخي، ومقارن مع الدول الأخرى، وموضوعي يقارنها مع العقوبات غير الدينية)؟ كذلك الحال في قضايا الثقافة والتنمية البشرية والعلم والمعيشة والمساهمة في السلم الدولي... إلخ.

حسناً... لماذا نتحدث في هذا الموضوع؟

إنَّ غرضَنا الأساس هو التأكيد على حاجة المسلمين المعاصرين، إلى مراجعة المفاهيم والمسلّمات الموروثة، حول معاني النسبة للإسلام، والبدء بالنظر العلمي والعقلاني فيما ينشر تحت عنوان الفكر الإسلامي أو الفقه الإسلامي. لقد اعتدنا إلقاء الوصف الديني على كل رأي في قضايا الدنيا، أمكن دعمه بآية أو حديث. بل لعلَّ بعضنا يعدّه ملزماً للناس. لكنَّنا نعرف من تجارب معاصرة أنَّ كثيراً من الفتاوى والآراء والتفسيرات، فشلت في إثبات صحتها عند التجربة، وأنَّ بعضها مخالف لأوليات العلم أو المنطق. فهل نريد ديناً يصلح دنيانا أم نكتفي بالدواء الذي لن نكتشف جدواه إلا بعد الموت؟

***

توفيق السيف

كاتب ومفكر سعودي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5834 المصادف: 2022-08-26 02:29:07


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5931 المصادف: الخميس 01 - 12 - 2022م