قضايا

مفهوم العنف الاجتماعي.. دلالاته وأشكال تجليه (6): ما هو التعذيب؟!

سبق لفيلسوف الجينالوجيا الفرنسي (ميشيل فوكو) أن تساءل: ما هو التعذيب ؟!، مفضلا "الإجابة التي قدمها مواطنه (جوكور) التي تشير إلى انه (عقاب جسدي، مؤلم، يتفاقم إلى حدّ الفظاعة نوعا"ما، (مضيفا") إلى ذلك انه ظاهرة لا تقبل التفسير جعل منها اتساع مدى خيال الناس بربرية ووحشية)(1). من جانبها، تنقل لنا الباحثة (ليزا وادين) عن  كتاب (ايلين سكاري) الموسوم؛ الجسد في الألم: صنع العالم وتخريبه، قولها (إن هدف التعذيب في كثير من الأوقات، ليس إجبار الناس على إعطاء معلومات، لكن بدل ذلك لاستخدام الألم بطريقة – حتى عندما ينتهي التعذيب – لا يستطيع الشخص المعذب بعدها استجماع نفسه (...) إن الهدف من إنزال الألم المبرح على الجسد هو لتدمير إحساس الشخص المعذب بذاته ولإعادة تشكيل عقله)(2).

ولعله من الجدير بالذكر إن من بين كل الذين تعرضوا لوصف عمليات التعذيب التي مارسها الإنسان ضد الإنسان، ليس هناك من يضارع (فوكو) في هذا المضمار، ليس فقط على صعيد تتبع المراحل التاريخية التي طرأ من خلالها التغير على القوانين الجنائية، فضلا"عما لحق  بمؤسسات التعذيب الجسدي من تطور في الأساليب وزيادة في التأثير. لاسيما في إطار المجتمعات الأوروبية منذ بواكير القرن السادس عشر وأنواع ممارساته ضد الإنسان فحسب، بل وكذلك لجهة الغوص في الحيثيات الواقعية والبحث عن المصادر التوثيقية والأرشيفية، التي تصف أنماط التعذيب والعبث بالجسد الإنساني التي كانت شائعة خلال تلك الفترة المظلمة. وهكذا فالعقوبة – كما يصفها (فوكو) في ذلك الوقت – (لكي تكون تعذيبا"يجب أن تتجاوب مع ثلاثة معايير رئيسية: فهي يجب أولا"أن تحدث كمية من الوجع التي إن لم يكن بالإمكان قياسها بدقة، فانه يمكن تقديرها، ومقارنتها وترتيبها؛ فالموت يكون تعذيبا"بمقدار ما لا يكون فقط حرمانا"من حق الحياة، ولكن يكون مناسبة ونهاية لتدرج محسوب من الأوجاع: منذ قطع الرأس – الذي يردها جميعا"إلى حركة واحدة، وفي لحظة واحدة: الدرجة صفر من التعذيب – وصولا"إلى التقطيع الذي يوصلها إلى اللانهائية تقريبا"، مرورا"بالشنق، والحرق والدولاب الذي يكون النزع منه طويلا"؛ الموت العذيبي هو فن إمساك الحياة في الوجع، وذلك بتقسيمه إلى (ألف موتة)، مع الحصول قبل أن تتوقف الحياة، على (أشد حالات النزع). والتعذيب يرتكز على فن بأكمله من كمية الوجع)(3).

وإذا كان اهتمام (فوكو) قد تركز حول ظاهرة التعذيب في المجتمعات الأوروبية – وتحديدا"فرنسا- خلال العصور الوسطى والحديثة، فان ذلك لا يعني إن المجتمعات الأخرى تجهل هذه الممارسة وبعيدة عن أساليبها الفظة. فحين يتعلق الأمر بالتعذيب لا يبقى – كما لاحظ أحد المؤرخين – لأي من تعابير شعوب (متحضرة) و(غير متحضرة) أي معنى، ذلك لأن (الناس لدى الشعوب كلها، المتحضرة وغير المتحضرة والمتطورة وغير المتطورة، يتبين أنهم بارعون حين يتعلق الأمر بإيقاع الأذى والعذاب على أبناء جلدتهم)(4). وذلك فقد عاب هذه المؤرخ المنصف على الحكومات الغربية اتهام بقية الشعوب – لاسيما الشرقية منها – لجوئها إلى هذا الضرب من السلوك (المتبربر)، دفاعا"عن حقوقها المنتهكة وتعبيرا"عن مصالحها المستهدفة. مشيرا"إلى (إن إحدى الشائعات الرائجة في العالم الغربي؛ إن الشرقيين عمليا"أشرس الشعوب على وجه الأرض، وبالتالي فأنهم الأكثر خبرة في فن التعذيب. والحقيقية أن الشرقيين معذبون ذوو خبرة، ولكنه ليس صحيحا"أنهم، بأي شكل من الأشكال، الأكثر قسوة من الغربيين، الفارق كامن في حقيقة أنه في الشرق هناك اعتراف أكثر أمانة بالقسوة الغريزية التي تعتمل في قلوب البشر كلهم)(5).

وفي إطار التمييز بين أنماط التعذيب التي يمارسها الأفراد أو الجماعات فيما بينهم بدافع الانتقام من جهة، وبين تلك التي تتعاطاها مؤسسات الدولة ضد مواطنيها أو مكوناتها الاجتماعية لدوافع سياسية أو ايديولوجية من جهة أخرى، فقد أشار المفكر الفرنسي الجنسية والبلغاري الأصل (تزفيتان تودوروف) إلى الفرق بينهما قائلا"(إن التعذيب المؤسسي هو أسوأ بكثير من التعذيب الافرادي، لأنه يقضي على أية فكرة قائمة على العدالة والقانون. إذا تحوّلت الدولة بالذات إلى جلاد، فكيف لنا أن نثق بالنظام الذي تدّعي إقامته أو ضمانه ؟ إن العمل الهدّام للتعذيب الرسمي هو أبعد أثرا"، وهو لا يقتصر على الجلاد والضحية، بل يطال باقي أعضاء المجتمع، لأنهم يعرفون بأن التعذيب يمارس باسمهم، ومع ذلك فهم يغضّون الطرف ولا يقومون بأي شيء لإيقافه)(6).  

 ***

ثامر عباس

....................

الهوامش

1. ميشيل فوكو؛ المراقبة والمعاقبة – ولادة السجن، ترجمة الدكتور علي مقلد، (بيروت، مركز الإنماء القومي، 1990)، ص71. هذا وكان أحد المفكرين الفرنسيين (روش) قد أدان عام 1787 عمليات التعذيب التي كان يتعرض لها المدانين، حين كتب يقول (لا أستطيع أن أمنع نفسي من الأمل بأن يكون غير بعيد الوقت الذي تصبح فيه المشنقة وعمود التشهير، ومنصة الإعدام، والسوط، والدولاب، في تاريخ التعذيب، معتبرة من علامات بربرية العصور والبلدان، ومعتبرة كدلائل على ضعف تأثير العقل والدين على النفس البشرية). المصدر ذاته، ص53.

2. ليزا وادين؛ السيطرة الغامضة: السياسة، الخطاب، والرموز في سورية المعاصرة، ترجمة الدكتور نجيب الغضبان، (بيروت، رياض الريس، 2010)، ص188 وص189.

3. ميشيل فوكو؛ المراقبة والمعاقبة، مصدر سابق، ص71. ومن باب الإشارة إلى الطابع المشهدي / الاستعراضي التي كانت السلطات الملكية تعمد إليها خلال عمليات التعذيب لتأكيد سيطرتها من جهة، وإثارة الرعب في نفوس الرعية ومن ثم وئد أي محاولة من جانبها للتمرد من جهة أخرى، فقد أضاف (فوكو) ضمن نفس المصدر قائلا"(في احتفالات التعذيب، يبدو الشعب كشخصية رئيسية، وحضوره الحقيقي والماثل مطلوب لاستكمالها. فالتعذيب، حتى ولو كان معروفا"، إذا جرى بصورة سرية قلما يكون له معنى. والعبرة كانت مطلوبة، ليس فقط، بإيقاظ الوعي في أن أقل مخالفة سوف تلقى العقاب القوي؛ بل بإثارة مفعول الرعب بمشهد السلطة وهي تصب سعار غضبها على الجاني)، ص88.

4. بيرنهاردت ج. هروود؛ تاريخ التعذيب، ترجمة ممدوح عدوان، (دمشق، دار ممدوح عدوان للنشر، 2008)، ص31.

5. المصدر ذاته؛ ص31 وص32. مضيفا"إلى ذلك قوله ضمن نفس المصدر (إلاّ أنه مهما بدت صنوف التعذيب الشرقية وحشية، فإنها تبدو هزيلة بالمقارنة مع بعض الفضاعات التي جرت مؤخرا"في أفريقا، يصف ضابط بريطاني خدم في نيجيريا في الثلاثينات من هذا القرن – يقصد العشرين – أعمالا"وحشية لا تصدق)، ص39.

6. تزفيتان تودوروف؛ الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات، ترجمة الدكتور جان ماجد جبور، (أبو ظبي، كلمة، 2009)، ص130. من جانبه فقد أضاف الأستاذ في كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعي في جامعة باريس (حميد بوزارسلان) قائلا"(لا يسعى التعذيب إلى الحصول على معلومة ذات طابع أمني بل إلى تدمير جسد السجين (الرهينة) وإشاعة جو من الرعب بين الأهالي). راجع كتابه؛ قراءة في تاريخ العنف في الشرق الأوسط: من نهاية السلطنة العثمانية إلى تنظيم القاعدة، مصدر سابق، ص303. 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5870 المصادف: 2022-10-01 01:42:59


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م