قضايا

لماذا الاصدار النقدي اكثر خطورة من غيره؟

الإصدار النقدي money issuing او كما يسمى ايضاً، طبع العملة currency printing، يمارس من قبل العديد من الدول للحصول على تمويل لموازناتها عندما لاتستطيع الحصول على تمويل حقيقي (اقتراض او سحب من الاحتياطي او بيع موجودات).

 هنالك فرق بين الاثنين، حيث ان الاصدار النقدي بمعناه الواسع لايقتضي طباعة عملة تساوي في قيمتها الاجمالية مبلغ الاصدار النقدي الكلي. حيث يكفي ان يفتح البنك المركزي حساباً للحكومة بمبلغ الاصدار النقدي المتفق عليه ثم تقوم الحكومة بدورها بفتح حسابات للجهات التي ترغب في ان تقدم لها التمويل (كأن تكون وزارة حكومية) والوزارة تقوم ايضاً بالدفع من هذا التخصيص لحسابات الافراد والجهات التي تتعامل معها والافراد يقومون بالدفع من هذه التخصيصات التي دخلت حساباتهم لتمويل مشترياتهم ...وهكذا .

ونظراً لتقدم العادات المصرفية وانخفاض نسبة العملة في التداول الى اجمالي عرض النقد (نسبة العملة في التداول الى عرض النقد قد تصل الى ٢% مما يعني عدم اضطرار السلطات النقدية الى طبع المزيد من العملات وتجنب تكاليف ذلك.

الآن ماهي مخاطر ذلك النهج ؟

 الدولة تملك الحق الحصري المطلق في اصدار النقود وفق القواعد القانونية والاقتصادية السليمة. اي، اصدار ماهو ضروري لتسهيل حركة التبادل الاقتصادي وعدم تجاوز ذلك لكي تحتفظ العملة بقيمتها كونها تستخدم كمخزن للقيمة عندما يستعملها الناس للادخار..

قبل استخدام النقود الورقية، كان الناس يستخدمون المعادن النفيسة كالذهب والفضة في التبادل. وكانت السلطة المطلقة بيد الملك مثلاً، لاصدار عملات معدنية من الذهب او الفضة تحتوي على مقدار معين من المعدن.

كانت العقوبات قاسية جداً على من يحاول اصدار العملات المعدنية خارج نطاق الحق الحصري للملك.

السبب هو الخوف من ظاهرة تسمى debasing

وهي تعني: خفض قيمة (العملة) عن طريق تقليل محتوى المعادن الثمينة.

بمعنى ان يكون منقوشاً على العملة وزن ماتحتويه من المعدن النفيس كالذهب، ولكن المحتوى الفعلي يقل عن ذلك المحتوى المنقوش على سطح تلك العملة.

وبذلك تنعدم ثقة الجمهور بتلك العملة ويرفض الناس استخدامها في التعاملات التجارية.

الملك وحده يحق له القيام بتخفيض بسيط جداً على المحتوى المفروض لتلك العملة وذلك للحصول على بعض الموارد التي تسمى: حق السك.

وفي ظروف استثنائية يقوم بعض الملوك بزيادة مقدار التخفيض واجبار الناس على قبوله لتمويل بعض الاعمال كالحروب او اعمال التشييد الكبرى.

ولذلك يقال:

 "اضطر الملك إلى الحط من قيمة العملة".

الآن وفي العودة الى العالم الحديث وهو عالم العملات الورقية، فأن لجوء السلطات الى الاصدار النقدي لتمويل الانفاق الحكومي، يترك أثراً مشابهاً لخفض المحتوي الذهبي للعملات القديمة..

انه يخفض من القوة الشرائية الفعلية للنقود ويسبب تآكلاً في مدخرات الافراد التي وضعوها في تلك النقود ويدعو الناس الى الابتعاد عنها.

انه يؤدي الى التضخم الذي ينجم من زيادة الكتلة النقدية المتصاعدة والتي تطارد كمّاً محدوداً من السلع والخدمات.

ذلك يؤدي الى خفض حتمي في القيمة الشرائية للاجور والرواتب الثابتة ويدفع الناس الى الاضرابات للمطالبة بزيادة الاجور اذا كان حق الاضراب متاحاً لهم، او يدفعهم للتحمل بصمت اذا كان القمع بانتظار اي احتجاجات.

اذا كانت عملة البلد محلية وغير قابلة للتداول خارج حدود البلد  مثل الدينار العراقي، فان ذلك الاصدار الواسع للعملة يزيد من مستوى الطلب على العملات الصعبة لتمويل الاستيرادات مما يخفض من قيمة العملة المحلية تجاه العملات الصعبة كما حصل مع الدينار العراقي اواسط التسعينيات عندما اصبح الد لار الواحد يساوي ثلاثة آلاف دينار عراقي(اي ان قيمة الدينار تجاه الدولار انخفضت بمقدار ١/ ١٠٠٠٠، واحد الى عشرة آلاف تقريباً حيث ان قيمة الدينار الاسمية كانت ٣،٣ دولار)..

اما اذا كانت العملة تستخدم في التسويات الدولية كالدولار واليورو والباون، فان آثار الاصدار النقدي لتلك العملات تكون اكثر خطورة على البلد الأم وعلى العالم.

معظم بلدان العالم تحتفظ باحتياطياتها بتلك العملات وسوف تتدهور قيمة تلك الاحتياطيات بمقدار تدهور قيمة تلك العملات حتماً.

جزء مهم من التضخم الذي تعانيه الدول الغربية لاسيما اوربا والولايات المتحدة يعود الى الاصدار النقدي الواسع الذي حصل خلال جائحة كورونا والذي قامت به تلك الدول لتعويض الافراد عن التعطيل الاجباري للحياة الاقتصادية وتراجع حصيلة الضرائب نتيجة اغلاق النشاطات الاقتصادية.

لكن القليل من الباحثين والاعلاميين يميلون الى الحديث عن ذلك ويحاولون ارجاعه الى عوامل اخرى كالحرب الاوكرانية وارتفاع اسعار الطاقة وسلاسل التوريد وغيرها.

ومع ان تلك العوامل ساهمت في ذلك التضخم لكنها ليست لوحدها.

الولايات المتحدة كانت قد تعهدت للعالم ولكي يطمأن المجتمع الدولي الى التزام الولايات المتحدة، بأنها سوف لن تلجأ الى الاصدار النقدي وانها مستعدة للدفع بالذهب مقابل دولاراتها الى اي طرف يرغب في استبدال الدولارات التي لديه بالذهب وثبتت سعر الاونصة من الذهب لكي يبقى الدولار ذو محتوى ذهبي ثابت.

لذلك وافق العالم على اعتبار الولايات المتحدة بمثابة : صيرفي العالم..

لكنها خرقت ذلك الالتزام عام ١٩٧١ عندما الغى الرئيس نيكسون قاعدة الذهب وقرر تعويم الدولار والذهب.

***

د. صلاح حزام

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5921 المصادف: 2022-11-21 08:31:47


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5996 المصادف: السبت 04 - 02 - 2023م