قضايا

أرشيف الماضي وقاموس المعاني: قراءة في المقاصد والحدود

(إن معرفة الماضي دائما"نسبية، إذ تستجيب لمتطلبات الوضع القائم، وأنها دائما"عملية، إذ تجيب عن أسئلة حالية) ... د .عبد الله العروي(1)

للوهلة الأولى تبدو عبارة (الماضي) بريئة من المقاصد الرمزية ومحايدة عن التضمينات القيمية التي اعتادت الجماعات البشرية على الاعتقاد بها والاحتكام إليها والشروع منها، حين تلوح في أفق حياتها عواصف الأزمات السياسية والتوترات الدينية والانقسامات الاجتماعية والاحتقانات النفسية والانعطافات التاريخية، باستثناء كونها تشير إلى صيغة زمنية مضى أوانها وانقضى عهدها وتصرّم أمدها، وبالتالي فهي عبارة تقع خارج السياقات الاجتماعية والحضارية والتاريخية الحديثة والمعاصرة . بيد أن الحقيقة هي إننا لو أنعمنا النظر بتلك الكلمة (الماضي) سنجدها مثخنة بالدلالات ومكتنزة بالمعاني ومشحونة بالإيحاءات المبثوثة في كل زاوية من زوايا الوعي، والقارة في كل ركن من أركان الواقع . فهي، والحالة هذه، من العبارات التي تضمر وتخفي أكثر مما تظهر وتفصح، وتكتم وتستر أكثر مما تعلن وتبيح . لا بل يمكن القول أنها عبارة ملتبسة المعنى وإشكالية الدلالة وغامضة الإيحاءات بامتياز، خصوصا"في المجتمعات العتيقة /القديمة التي تمتاز مكوناتها بتعدد الأديان / المذاهب، وتنوع الأعراق / الأقوام، وتباين القبائل / العشائر وتغاير اللغات / اللهجات . ولذلك فقد شبّه المؤرخ الفرنسي (فرانسوا هارتوغ) دلالة مفهوم الماضي بمثابة خزان (من التصورات الخيالية للأفعال الممكنة، حيث ننطلق من أساطير الأصل إلى ذكريات حديثة العهد، من انفصال الأرض عن السماء إلى تثبيت حدود الجماعة، من الإلهي إلى الإنساني، من المجرد إلى العياني، من العام إلى الفردي)(2) .

ومن هذا المنطلق فليس من الغريب أو الصدفة أن تكون لصيغة زمن (الماضي) تلك العلاقة الحميمة بكل أنماط الظواهر والموجودات، التي تتبلور صيرورتها ويتمخض وجودها بناء على ممارسات الإنسان وطبيعة علاقاته، سواء"مع منتجات الطبيعة أو معطيات المجتمع أو تمظهرات الفكر . فالصيغة الزمانية – كما نظيرتها المكانية - وان بدت خارجة عن أواليات وديناميات الفضاء الاجتماعي ومستقلة عن نوازع عناصره ودوافع مكوناته، إلاّ إن ضرورتها الانطولوجية وأهميتها السوسيولوجية تتأتى من كونها كانت – وستبقى - مقترنة بسيرورات الإنسان في خضم عمليات التاريخ إنتاجا"ووعيا"، فعلا"وانفعالا"، تأثيرا"وتأثرا"، هذا بالإضافة عما ينجم عن كل هذه الفعاليات والممارسات من أنشطة مادية مختلفة وفعاليات رمزية متنوعة . ولإيضاح طبيعة هذه العلاقات العضوية والروابط الشبكية التي تشدّ الإنسان إلى الماضي وتملي عليه التصورات والخيرات، فقد أشارت الفيلسوفة والأكاديمية (ميريام ريفولت دالون) إلى انه (لم يعد التاريخ موضع تفكّر فحسب، بل يجب صنعه . انه السيرورة التي يتحقق فيها الإنسان، ذلك أن التاريخ هو تاريخ الإنسان الذي هو سيّد ذاته)(3) .

ولكي ندرك مقدار أهمية صيغة (الماضي) بالنسبة لفاعلية الإنسان في سيرورة التاريخ، وما قد يترتب على هذه السيرورة من بنى اجتماعية وأنساق ثقافية أنماط حضارية وتواضعات سلوكية، كان لابد لنا من معاينة سريعة وموجز لمختلف ضروب تلك المعطيات والتمظهرات التي تتمخض عن / وتترتب على علاقة الزمن الماضي بتلك الأنشطة والفعاليات التي يمارسها الفاعل الاجتماعي، سواء على صعيد سرديات وعيه للواقع الموضوعي (أسطورة، دين، ذاكرة، متخيل)، أو على صعيد منتجات علاقته بذلك الواقع (تاريخ، تراث، فولكلور، ثقافة، لغة) . وبالتالي يتسنى لنا معرفة كيف إن التلاعب بمواريث الماضي واستثمار رصيده الاعتباري وتوظيف رمزيته السيكولوجية، من قبل الجماعات المهمشة والسلطات السائدة على حدّ سواء، كفيل بتحويله من مثابة مركزية تستقطب شتات المكونات السوسيولوجية وقاسم مشترك يشدّ أزرها وعاصم يدرأ عنها الانفراط، إلى عامل من أخطر العوامل التي تتسبب بتمزيق لحمتها الوطنية وتفكيك نسيجها الاجتماعي وتدمير مدماكها الثقافي وتخريب معمارها الأخلاقي، كما حدث في العراق بعد الغزو الأمريكي وغيره المجتمعات التي تعرضت لذات الظروف القاسية والأوضاع العنيفة.

***

ثامر عباس

........................

الإحالات والملاحظات   

1. الدكتور عبد الله العروي؛ مفهوم التاريخ، الجزء الأول، الألفاظ والمذاهب، (بيروت، المركز الثقافي العربي، 1992)، ص38 .

2. فرانسوا هارتوغ؛ تدابير التاريخانية: الحاضرية وتجارب الزمان، ترجمة الدكتور بدر الدين عرودكي، (بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص68.

3. ميريام ريفولت دالون؛ سلطان البدايات: بحث في السلطة، ترجمة الدكتور سايد مطر، (بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2012 )، ص147 .

في المثقف اليوم

كوكل 88 في نهاية الصفحات