قضايا

اسعد الامارة: الحقيقة في النفس

الحقيقة في النفس يعرفها الإنسان ولا يريد أن يدركها.

نحن نعرف الحقيقة في دواخلنا ولكننا لا نريد أن نعرفها، وفي كل نفس حقيقة حتى ذلك الجانب المظلم وهو ليل النفس الذي يضمها لا نريد الاعتراف به، الحقيقة مؤلمة لنا جميعًا وكشفها يجعلنا نختل في إتزاننا النفسي في داخلنا أولًا، وفي ما يصدر عنا من تعامل وسلوك مع الأخرين ثانيًا. وإن بُعد الحقيقة غامض وغير قابل للتفسير ولا شيء يُمَكن من ضبط ضرورته لأن الإنسان يتعايش تمامًا مع عدم الحقيقة كما قالها فرويد في كتابه موسى والتوحيد وَدونها "جاك لاكان" في كتابه الذهانات ص245 ويرى "لاكان" أن التحليل النفسي لا ينفصل بتاتًا عن السؤال المركزي حول كيفية دخول الحقيقة في حياة الإنسان.

كل البشر يحملون في دواخلهم حقيقة ما في لاشعورهم – لا وعيهم كبتت واستبعدت في مرحلة الطفولة وهي طائفة من الذكريات الصادقة، أو الكاذبة، تافهة المضمون، مجردة عن الانفعال، معاصرة لأحداث مهمة أخرى وهي ذكريات تحل محل في الواقع محل ذكرى مؤلمة أصيلة كما يقول فرويد، هي من الطفولة أي منذ الولادة حتى سن السادسة أو السابعة وربما الثامنة، شيء بقي يحمل ما يمكن أن يكون قد حدد مسار سلوكه في حياته اللاحقة، لأن دواخلنا تحدد مسار سلوكنا الحالي، ويقول جاك لاكان " الحقيقة دائمًا جديدة "، نعم هي متجددة في دواخلنا، دينامية متفردة في كل شخص، مختلفه عن الأخر، لا بل مختلفة بشدتها وأعتدالها وضعفها تارة أخرى. الحقيقة نعرفها ولكن نحاول تجاهلها، تم تثبيتها في اللاشعور "اللاوعي " تركت الأثر فينا، كان الأب هو الأساس فيها، أو ربما الأم، أو أيٌ من كان يمثل الأخ الكبير، فهي " تمثل " Representation  ويشير مفهوم التمثل إلى تصور أو مجموعة من التصورات التي تتثبت عليها الرغبة خلال تاريخ الشخص وَتدون في النفس بواسطتها، إذن هي حقيقة يعرفها أي منا، ومتى تم تمثلها؟

لا نريد الكشف عنها، يتلذذ البعض في بقائها تجول في عالمه الداخلي مستأنسًا بوجودها كما هو حال الوسواسي، يعرف أنها أفكار لا صحة لها ولكنه ينقلها إلى الواقع المعاش كسلوك ويمارسها ولا يستطيع التخلص منها، يشتكي منها ولكنه يفعل نفس الحركات والأفعال ويعيد تكرارها، حتى وإن حاول أن يُجبر نفسه على ابعادها أو طردها فتعود مرة أخرى وهذا ما نلاحظه في مبدأ إجبار التكرار وهو الميل إلى تكرار الخبرات القوية، أيًا كانت النتائج المفيدة أو الضارة لهذا التكرار كما عبر عنه "دانييل لاجاش".

يعيش الإنسان الصراع طيلة حياته يجاهد من أجل اخفاء شيء، يصارع نفسه وينقل صراعه من داخله إلى عالمه الخارجي فتارة يسقطه على شيء مادي مثل الشخص الأضعف منه، وتارة يُحور في الفاظه فيقلب المعنى بشكل تكوين عكسي، ومرة يعمل كناية لما يريد بإزاحه نادره في العلن والوعي فتكون في لاوعيه ربما نلقاها بشيءٍ قض مضجعه في حلم خلق لديه أرق شديد وصاح وهو لا يدري ماذا حدث له، أو في استعارة جميلة كثف من خلالها مجموعة صور وأفعال أفضل من أي مخرج سينمائي أو تلفزيوني محترف فكانت الصورة مشوشة، هل يحق لنا أن نقول أنه مازال يهرب من معرفة الحقيقة وإدراكها، نتساءل: لماذا يخاف الاعتراف بها وهي موجودة فينا، أقصد الحقيقة التي يزوغ كمحترف من أن يعترف بوجودها فيه، لا بل ربما تجعله يمرض ويشقى ويلف ويدور على نفسه داخل نفسه، ومن نفسه في نفسه، وأستعير من الدكتور أحمد عكاشة قوله: إن ما أقامه فرويد من برهان على أهمية الصراع الدفين بما فيه من تعارض دينامي بين النزعات ( في) مصطفى زيور في النفس ص 17، أنه ديالكتيك الهروب من معرفة الشيء الموجود في نفسه.. أنه هروب من المواجهة، هروب من معرفة المعرفة التي تؤدي إلى كشف أعماق النفس وما غرس في ثناياها وظل يتجول بلا رقيب كما هو الذهاني، أعتزل عالمنا المعاش ووجد في عالمه الخاص عالمًا به كل حواراته بلا رقيب.. يعتقد أنه أريح له وأسلم وأجمل.. ولكن هذاءاته تدلنا على الشيء الذي حاول أخفاءه، وهذا الهذيان في نهاية الأمر يحمل معنى ودلالة، رغم معاناته ممن يخاف منهم ويأتوه في أوقات غير محددة ويهددون كيانه " أقصد على المستوى المتخيل، لكنه يخاف ويرتعب من تهديدهم له"، ويرتجف منهم هلعًا.. هل كل ذلك من أجل أن لا يعرف الحقيقة، وهو يعرفها تماما، يعرفها حقًا، ولكنه لا يريد أن يعرفها، ويمكننا أن نقول أن الحقيقة في النفس، في الإنسان، يعرفها ولا يريد أن يدركها، وقول سيجموند فرويد بأن اللاشعور " اللاوعي" ليس له وجود واقعي بالمعنى العلمي، وما هو إلا مجرد قول نتخلص به من مأزق حرج، أعرضنا عنه نهز أكتافنا وأغضينا عن هذا الاعتراض غير المفهوم : أيصح في الأذهان أن يتمخض شيء غير واقعي عن شيء واقعي ملموس كالفعل الحوازي "الوساوس" "محاضرات تمهيدية ص308" وما زلنا في صدد البحث عن الحقيقة في النفس وندور في فلكها داخل النفس البشرية فهي في اللاشعور "اللاوعي". يؤكد لنا فرويد أيضًا أن معنى العرض لا يكون على الدوام لاشعوريًا "لا واعيًا" فحسب، بل إن بين اللاشعور وبين إمكان وجود العرض صلة استبدال أيضًا، ويضيف "فرويد" فالعرض العصابي إذن نتيجة لعمليات نفسية قاطعها، أو تدخل في انسيابها سبب بكيفية ما، فقضى عليها بذلك أن تبقى لاشعورية" لاواعية" ص310. ويعرض لنا " جاك لاكان" جملة تحدثت بها المريضة التي كانت تخوض عملية التحليل يستدل بها داموريت وبيشون – في كتابه عن النحو قول المريضة " لقد أصبحت أتطابق مع نفسي أكثر" قالت السيدة، وذلك من دون شك لأنها أصبحت راضية لما تحقق من تقدم في علاجها، وتضيف السيدة وتقول : " في السابق كنت نفسًا مناقضة لأناي بحيث كنت أعتقد.." الذهانات، ص 306. ونعود لكلامنا عن الحقيقة في النفس فإذا أدركها الإنسان وعرفها حل اللغز، وربما شفى ولو مؤقتًا، وقول العلامة مصطفى زيور إذا عرفت أستطعت. وقول فرويد معرفةُ بمعرفة.. تفضي إلى الشفاء. وقولنا في الأخير أن الاستمرار في الجهل عن معرفة الحقيقة في النفس يظل شقاء النفس مستمر.

***

د. اسعد الامارة

في المثقف اليوم