قضايا

قاسم حسين صالح: ركضة طويريج.. تحليل من منظور علم النفس الاجتماعي

الحكاية: كان السيد ميرزا صالح القزويني (ت 1304 هج).. احد أنجال الامام السيد مهدي الحسيني القزويني، يقيم مجلس عزاء في العاشر من محرم . وتروي مصادر تاريخية إنه في سنة (1303 هــ المصادفة 1885 م)، وبعد أن وصل السيد القزويني في قراءته المقتل الى استشهاد الإمام الحسين، اجهش الحاضرون بالبكاء والنحيب، فطلبوا منه أن يتوجه بهم إلى ضريح الامام الحسين، فاستجاب لهم وركب على ظهر فرسه وتوجهوا من منزله في قضاء طويريج الى كربلاء وهم يبكون ويلطمون ويرددون (لبيك ياحسين).. تلبية لنداء الحسين: (هل من ناصر ينصرنا).. مخترقين سوق ابن الحمزة مرورا بسوق الصفارين والعلاوي فسوق الخفافين وصولا الى ضريح الامام الحسين فضريح اخيه ابي الفضل العباس، ثم التوجه الى مكان المخيم الحسيني، حيث اعد اهالي كربلاء خيمة لحرقها استذكارا لما قام به جيش يزيد من حرق خيمة الامام الحسين واهل بيته واصحابه يوم عاشوراء.

واستمرت هذه الركضة التي تنطلق بعد صلاة الظهر عند قنطرة السلام التي تبعد (2كم) عن ضريح الامام الحسين تقام كل سنة، الى عام 1991 حيث قامت جماهير الشيعة باسقاط مدن في الوسط والجنوب اثر انسحاب الجيش العراقي المذل من الكويت اطلق عليها (الأنتفاضة الشعبانية) اضطرت نظام صدام الى حظرها، واعتقال من قام باحيائها، لتصبح بعد (2003) واحدة من اضخم الطقوس البشرية في العالم، وأطولها عمرا، اذ يذكر المؤرخ الكربلائي سعيد رشيد زميزم (ان تأريخ تأسيس هذا العزاء في احدى الروايات سنة 1855ميلادية وفي رواية اخرى سنة 1872ميلادية اي يكون عمر هذا الموكب قد ناهز ال150 عاما).. وقد تدوم دهرا بعد ان شارك فيها عرب ومسلمون أجانب.. وبعد ان تحدت بتظاهرتها الضخمة في (30 آب 2020 و 19 آب 2021) أوامر الحكومة وتوجيهات المرجعية المحذرة من وباء كورنا الذي فتك بالملايين.

تنـويـــه

يودّ الكاتب التنويه الى انه ليس معنيا هنا بالاسباب أو الدوافع الدينية، فتلك من اختصاص رجال الدين وهي محترمة ولا يحق لأحد المساس بها لكونها تتعلق بحرية الدين والمعتقد، انما الذي يعنينا هو دور الطقوس الدينية في التحكم بسلوك ومشاعر الجموع الغفيرة من الناس، وتفكيك تركيبتها السيكولوجية من حيث تكرارها وقواعدها ودلالات رموزها.

لنبدأ التحليل بتحديد معنى مفردة (الطقس) ليكون لنا فهم مشترك.. فهي تعني وفقا للـ(المعجم الوسيط) الكيفية التي يتمّ بها أداء الأنشطة المقدّسة وتنظيمها في إطار احتفالي.وتعني من حيث اصلها اللغوي في اللاتينية:”الأنشطة والأفعال المنظمة التي تتخذها جماعة ما خلال احتفالاتها”، فيما تعني باللغة الانجليزية Ritual الشعيرة الدينية وفقا لقاموس المورد، وفي المعنى ذاته باللغة العربية ايضا.

وما يعنينا هنا هو التحليل السيكولوجي للطقوس الدينية، من حيث “قواعدها” التي تنظم الممارسات المقدسة للأفراد، ودلالات رموزها، وقدرتها على التحكم في السلوك، وسيطرتها على اللاوعي الجمعي للجموع باعتمادها ايقاعا واحدا وتقاليد موحدة من قبيل ارتداء المشاركين ملابس معينة، وقيامهم بحركات او افعال مشتركة: بكاء، لطم، اهازيج، اشعار، تلطيخ الوجه والرأس والملابس بالطين او التراب وخاصة النساء.. ، تثير لدى المشاركين انفعالات تتصاعد احيانا الى حالة جيشان مصحوبة باتقاد المشاعر الجماعية وهيجانها في احياء ذكرى اوتمجيد صاحبه، مشحونة بانفعالات توحّد الجموع وتضبط أداءها كما يضبط قائد الاوركستيرا أداء العازفين والمنشدين.

تساؤلات خطيرة

تثير الطقوس الدينية التي تظم جموعا غفيرة متنوعة، تساؤلات نراها نحن السيكولوجيين خطيرة من حيث انعاكاستها على الفرد والمجتمع والوطن، نوجزها بالآتي:

– هل تعمل الطقوس الدينية على تعبئة الجموع وشحن الوجدان وتجييش الوعي الجمعي بما ينسجم مع متطلبات العصر أم ضدها؟

– هل تنسجم الطقوس الدينية الجماهيرية مع القيم الديمقراطية ام تعارضها؟

– هل ينجح السياسييون في توظيف الطقوس الدينية لصالح بقائهم في السلطة ام ان الطقوس الدينية يمكنها ان تطيح بالسياسي الذي يستغلها لمصلحته الشخصية ؟

– هل تعمل الطقوس الدينية على اضفاء الشرعية على سلطة غير عادلة ام تعمل على سحبها منها؟

– وثمة اشكالية جدلية تخص ما اذا كانت جميع ممارسات الناس في الطقوس الدينية، عقلانية ام غير عقلانية، صحية نفسيا ام غير صحية نفسيا؟

لقد راجعنا كتابات أهم السيكولوجيين والاجتماعيين والمفكرين الذي كتبوا في الطقوس الدينية وسيكولوجيا الجموع (اميل دروكاييم، فولتير، ارك فروم، ميرسيا إلياد، فولتير، روبار ميرتون، رولان بارت، يونغ..) فوجدنا انهم ركزوا على ثلاث عمليات مصاحبة للفعل الطقسي هي: (الشحن الرمزي والتقعيّد والتكرار).. تعمل بشكل تفاعلي على تثبيت قواعد لأحياء واقعة مضت تشحن بالقداسة، وتسرتجع احداثها برموز تلهم الذاكرة الجمعية بدلالات ومعاني لها قيم عليا، تمكّن الممارسين لها ان يعيشوا زمنين في آن: زمن متخيل لواقعة حدثت في الماضي، وآخر حقيقي في الحاضر.. يحصل لحظة التقائهما ان الزمن المتخيل يوقف الزمن الفعلي، وعند “وقوفه ” تنشط آلية التكرار والاسترجاع المميزة للطقس”.\

كان تنبؤ “دوركايم” صحيحا يوم قال: (سيأتي يوم تعرف فيه مجتمعاتنا لحظات من الفوران الخلاّقة، تنبثق من خلالها أفكار جديدة وتتبلور صيغ صالحة -خلال الزمن- لتكون موجّها للإنسانية.. وتثبت أنّ في عمق الذات الفردية ذات جماعية كامنة تجعل هذه الممارسات الطقوسية الخلاّقة تستفيق).. فيما اوضح “جلبار دوران” آلية التكرار المصاحبة للطقوس في علاقتها بالزمن بقوله:(اننا حين نكرر ونعيد الأفعال الطقوسية، بحسب القواعد المتعارف عليها، يعني أننا نحيي زمنا ماضيا ونقاوم تجدد زمن حاضر).

وفي المعنى ذاته توصل “بيار بورديو” الى ان (تكرار الإتيان بشعائر الطقوس الدينية بحسب توقيتات زمنية، أسبوعية، سنويّة.. ، يعمل على ترسيخ المعتقد في “تطبع” الذهن والجسد، لأن الاستعدادات dispositions)) والطباع تترسّخ تباعا عبر عمليات التكرار والتطويع، لاسيما تلك المصحوبة بالشحنات الروحية والوجدانية).. ما يعني ان تكرار الطقس بعمليات الشحن الروحي والنفسي الاجتماعي يؤدي الى انتقال قواعدها عبر الاجيال بعمليات تنشئة واكتساب ثقافي، يفضي الى ترسيخ المعتقدات والقناعات والميول في الجسد والذهن معا.

ويرى علماء الاجتماع الذين انشغلوا بتحليل الطقوس، ان السبب الرئيس في صيرورتها ظاهرة يعود الى (الاختلال) الناجم عن التغير السريع في الحياة الاجتماعية للناس، وان ممارسات الطقوس تأتي ردّا لردم هذا الخلل وسدّ ما ينجم عن التغيرات من اختلالات. وبتعبيرنا نحن السيكولوجيين، انها تعمل على اعادة توازن نفسي تمّكن الفرد من التوافق الحياتي والاجتماعي وخفض الخوف الناجم من قلق وجودي في عالم متغير.

وهذا ما تفعله الطقوس الدينية في المجتمع العراقي بخاصة، أنها تنشّط اللاوعي الجمعي لدى جماهيره في الوسط والجنوب بشكل خاص، لمعالجة الحرمان والأغتراب والشعور باليأس من خلال استحضار الماضي والشكوى لأشخاص قضوا نحبهم والتوسل بهم لحل مشاكلهم والتخفيف عن معاناتهم.. وهذا ما اثبتناه في دراسات ميدانية.

وثمة تساؤل افتراضي يجيب عن التساؤلات في اعلاه:لو ان الانسان يعيش حاضرا يمنحه حياة كريمة ويؤمن احتاجاته المادية ويحرره من الخوف وقلق المستقبل، فهل تبقى الطقوس الدينية بهذه الجموع الغفيرة؟.

يقدم عراق 1959 اجابة عملية، ففي ذلك العام كانت الحكومة قريبة من الشعب، وفيه منح العراقيون عبد الكريم قاسم لقب (ابو الفقراء).. لأنه بنى مدينة الثورة لساكني الصرائف في منطقة الشاكرية، واكثر من 400 مدينة جديدة وعشرات المشاريع الاروائية، بفضل اختياره لوزراء وفقا لمعايير الكفاءة والخبرة والنزاهة ، ولأن الرجل، بشهادة حتى خصومه، كان يمثل انموذج الحاكم القدوة من حيث نزاهته.

والذي حصل عندها ان الناس توحدوا سيكولوجيا بحاضرهم وما عادت بهم حاجة لأن يستحظروا الماضي ويتوسلوا باشخاص قضوا نحبهم.. ولهذا ما كانت هنالك طقوس دينية بهذه الجموع الغفيرة، بل كانت مناسبات احياء ذكرى لرموز دينية عظيمة تجري خالصة لأصحابها لتشبع فيهم محبتهم وتقديرهم اللامحدود لتلك الرموز الخالدة.

والمفارقة، ان العراقيين في الزمن الديمقراطي الذي يفترض فيه ان يحقق لهم حياة كريمة، صاروا يتوسلون بمن يقصدون زيارته في جموعهم، تحقيق مطالب حياتية وخدمات تخص الحكومة، كنا وثقنا احداها في (2007) بطلبهم من الأمام الكاظم توفير الماء والكهرباء!، وما يزالون الى (2023) يعرضون مظالمهم على الرموز الدينية دون ان يتحقق منها شيئا. وطبيعي ان لا شأن للامام في ذلك، بل ان أي امام (شيعي او سنّي) لو خرج الآن ودعا المتخاصمين من السياسيين إلى المصالحة لما أطاعوه، ولو أنه حظر اجتماعا واحدا للاحزاب والكتل السياسية لراعه أن يجد المسؤولين فيها على هذا المستوى من خيانة الذمة وتردي الأخلاق.

والحقيقة السيكولوجية الخفية هي ان العقل الشعبي المشحون بانفعال الطقس الديني، لن يتحرر إلا بذهاب سياسيين خبثاء يوظفون الطقوس الدينية للبقاء في السلطة، ومجيء حكومة تؤمن لهم حياة كريمة آمنة، وعندها سوف لن تكون غاية الطقوس الدينية تفريغ هموم، او متعة سيكولوجية في استحضار الماضي هربا من الحاضر، او عرض مظالم على اشخاص قضوا نحبهم.. بل اشباع حاجات روحية آخروية وتعبير عن مشاعر حب وتقدير خالصين لرمز ديني يعدّ انموذجا للقيم الدينية والأخلاقية..

وتلك هي مهمة العقل التنويري في العراق.. علمانيا كان ام دينيا.. لم ينتبه لها بعد!

***

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

في المثقف اليوم