قضايا

منير لطفي: مهلًا يا زمن!

ما هو الشيء الذي يجري ولا يمشي؟ هذا أحد الألغاز التي كنّا نتعالم بها ونحن صبية ويتحدّى فيها بعضنا البعض، ونادرا ما كان أحدنا يتوصّل إلى الجواب الصحيح المعتمَد وقتها، وهو الماء الذي يجري في البحر والنهر والمحيط دون أن يمشي على قدمين كإنسان أو على أربع كحيوان..

ومع كبر السنّ واتساع التجارب وتطوّر العقل وارتقاء الفكر، تحوّل الجواب من المادي إلى المعنوي؛ فإذ بهذا الذي يجري ولا يمشي هو الزمن، نعم، الزمن الذي نعته الروائي أيمن العتوم بأنه يجري كغزال هارب، وينسرب كماء يتسلّل من شقّ صخرة.

اليوم –الثاني من نوفمبر 2023م- حضرْت إلى العيادة وفي ذهني أنني بصدد يوم الأحد، وإذ بنظرة خاطفة على النتيجة المنبطِحة فوق المكتب تفاجئني بأن الأسبوع قد انقضى وها هو يوم الخميس قد أظلّني! وساعتها ضربْت كفًّا بكفّ، أهو الانهماك في العمل حدّ الغرق؟ أم بوادر ألزهايمر وبدء تشوّه الساعة البيولوجية؟ أم آخر الأمتار في ثوب الزمن حسب إشارة الحافظ ابن حجر قبل نحو خمسة قرون: "وقد وجد في زماننا هذا من سرعة مر الأيام، ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا".

بالتأكيد، الزمن في كل وقت هو الزمن ذاته، لا يبطئ من سرعته كسيارةٍ نضغط مكابحَها، ولا يزيدها كدابة نجلد بالعصا ظَهرَها؛ السَّنة اثنا عشر شهرا، واليوم أربع وعشرون ساعة، والدقيقة ستّون ثانية، ولكن إدراكنا للزمن هو الذي يتغير تحت تأثير ثلاثة عوامل؟

الحالة الشعورية عامل حاسم؛ فالزمن في لحظات الأُنس والفرح والسعادة يمرّ كالريح ويتطاير كالشظايا، ولكنه في لحظات الكرْب والمعاناة، مثل المرض والسجن والانتظار والملل، يطول كدهر ويبدو كأنه نسينا في مقعد سيارته الخلفي! وبلغة الكيمياء؛ وجد العلماء أنه كلما زاد إنتاج الدوبامين في خلايا المادة السوداء داخل الدماغ، تزايدت الإشارات التي يرسلها الدوبامين، ويؤدّي ذلك إلى قلة الفواصل الزمنية بين إشارات الأعصاب، ويفسّر إحساسنا بمرور الوقت بسرعة، بينما انخفاض نشاط الخلايا العصبية في أزمنة الكبت والقهر والعجز يؤدّي إلى إحساسنا بمرور الوقت ببطء.

العمر الزمني أيضا له دور؛ فكلما تقدّم المرء في العمر أَحسّ أن الزمن يلهث ويركض، على عكس الأطفال الذين يتعجّلون الزمن ويودّون لو قفز  بهم في طرفة عين إلى الشباب والكهولة، وهذا يعود إلى كثافة المُدخَلات الحّسية ويقظة الشعور في عهد الطفولة، على عكس الشيخوخة التي تكثر فيها المألوفات وتتراجع  الإدراكات بوجه عام، فيطول الزمن هناك في غير طول حقيقي، ويقصر هنا في غير قصر حقيقي..

العامل الثالث والمعتبَر، أننا وعلى خلفية ظهور العديد من علامات الساعة الصغرى، صرنا على أعتاب آخر الزمان، وبهذا انقبضت الأيام والشهور وتقاربَت السنون تقاربا معنويا مَجازيا بذهاب البركة، ويتبعه تقارُب مادي حقيقي في توقيت لا يعلمه إلّا الله ليصبح العام كشهر والشهر كيوم واليوم كساعة، وذلك مصداقا للحديث الشريف: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجُمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كالضرمة بالنار".

والسؤال الملحّ، ليس في كيفية جري الزمن وتوثيق جريانه؟ ولكن في كيفية مجابهة هذا التقارُب والتسارُع بطرق عملية تضمن لنا النجاة والفلاح؟

أظن حان الوقت لاغتنام كل لحظة فيما يفيد، ومحاسبة النفس على الدقيقة والثانية، وتقديم الأهم فالمهم، ونفْض اليدين من فضول القول والفعل والشعور..ولست في حاجة إلى إعادة التأكيد على أهمية الوقت ككنز يوشك أن ينفد وسيف إن لم تقطعْه قطعك..

ويكفينا، ما في الحديث الصحيح، أنّ رجلًا قال: يا رسول الله، أيّ الناس خير؟ قال: (مَن طال عمره وحسُن عمله)، قال: فأي الناس شرّ؟ قال: (مَن طال عمره وساء عمله)..

وما قاله الحسن البصري: "أدركتُ أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشدَّ منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم".

***

بقلم د. منير لطفي - مصر

طبيب وكاتب

في المثقف اليوم