قضايا

علاء اللامي: اللغة العربية ودهشة المستشرق الفرنسي رينان

بمناسبة يوم اللغة العربية، اقتبس أحد الأصدقاء الأعزاء في منشور له، ضمن اقتباسات أخرى، قول المستشرق الفرنسي إرنست رينان (Ernest Renan): "من أغرب المُدْهِشات أن تنبتَ تلك اللغةُ القوميّةُ وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمّةٍ من الرُحّل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرةِ مفرداتها ودقّةِ معانيها وحسنِ نظامِ مبانيها، ولم يُعرف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة". فعلقت على قول رينان هذا بالملاحظة التالية: " ينطلق إرنست رينان من تنميطاته الاستشراقية الساذجة وهو المعروف بنظريته العنصرية عن "الإرادة وترتيب الأعراق" التي يقف في أعلاها عرق الأسياد والجنود البيض الآريين أما العرق الصيني فهو عرق ذليل يخلو من عزة النفس وله مهارة يديوية كبيرة والافارقة زنوج يصلحون للفلاحة. من هنا نظر رينان إلى العالم العربي والإسلامي الذي نشأت وتطورت فيه اللغة العربية نظرته إلى صحراء قاحلة وإلى العرب المسلمين كأمة من البدو الرحل، وفاته أن الصحراء والبدو كانوا مرحلة انتهت وانتهت معها اللغة العربية البسيطة القديمة مع قيام دول العرب الكبرى كالدولة الأموية في الشام والعباسية في العراق والفاطمية في مصر والأموية الثانية في الأندلس ومع هذه الدول تطورت اللغة العربية البدوية البسيطة إلى لغة عامرة ترجم إليها التراث الفلسفي اليوناني والعلوم الأخرى في ذلك العصر فنجحت في احتوائها.. وبهذا فهو لا ينظر إلى ظاهرة اللغة بمنظار علمي سياقي تطوري "ديالكتيكي" إلى تأريخ اللغة العربية كله وفي سياقه الحقيقي المادي تأريخي فيندهش ويستغرب من تطور هذه اللغة إلى درجة الكمال في صحراء". وقد أضفت إلى تعليقي هذا لاحقا الفقرات التالية فكانت هذه المقالة:

وبالمناسبة فإرنست رينان (1823 - 1892) هو أحد منظري القومية / الأمة في شكلها الأوروبي الحديث وجذرها الرِّسّي " الإثني"، حيث سعى إلى التمييز بين العرق والأمة، مؤكداً أنه، على عكس الأجناس، تشكلت الأمم على أساس رابطة طوعية للأفراد ذوي ماض مشترك. وعنده أن ما يشكل أمة، ليس تحدث أفراد الأمة باللغة نفسها. ولكن الانتماء إلى مجموعة إثنوغرافية واحدة مشتركة، يتعلق "بفعل أشياء عظيمة معاً، والرغبة في فعل المزيد" في المستقبل. وهو ما يسمى بالإرادة المسبقة.

نقتبس من كتاباته: " خَلَقت الطبيعة عرقاً من العمال، هو العرق الصيني المتصف بمهارة يده العجيبة وبخلوه من عز النفس... ثم من عرق من الفلاحين ظهر الزنوج ... ثم عرق من الأسياد والمقاتلين الجنود وهم الأوربيون. ليعمل كلُّ واحد ما خُلق من أجله يستقِمِ الأمر"... الإصلاح الفكري والأخلاقي (La Réforme intellectuelle et morale,1871).

كما كان لرينان موقف عنصري سلبي من العرب المسلمين حتى في أوج صعودهم الحضاري حيث أكد فيه على أنهم لم ينتجوا فلسفة، وأن معرفتهم بالفلسفة تقتصر على ما استوردوه جاهزا من اليونان ثم كتبوه بلغتهم وإنهم يفتقدون إلى الإبداع لأنهم جنس غير متطور يشيع بينهم التعصب واللاعقلانية والغوغائية. وقد رد عليه، بشكل مباشر أو غير مباشر، العديد من الفلاسفة والمؤرخين منهم غربيون فرنسيون كجوستاف لوبون ومارسيل بوازار وكارا دي فو ودومينيك سورديل، فأنصفوا العرب والإسلام الحضارة والدين إنصافا قل نظيره.

ومن المعروف حتى لدى الباحثين الغربيين أن الغرب في فترة نهوضه في عصر التنوير كان مدينا إلى الفلسفة العربية التي أبدعها ابن رشد وزملاؤه العرب والمستعربون المسلمون، دع عنك التطويرات والإضافات الراقية التي أضافها الفلاسفة العرب والمسلمون القدماء على الفلسفة اليونانية وهم بالعشرات.

أما رينان فهو حتى حين يضطر إلى الاعتراف بأن "المسلمين قد نجحوا بالفعل في خلق مجتمعات حضارية متقدمة في فترات طويلة عبر التاريخ" كما يلاحظ بصواب د. مدى الفاتح "فإنه سيلجأ لحيلة عنصرية مفادها، أن الإسلام ولما كان مرتبطاً بالعرب وبالبداوة كان فاشلاً، لكنه وبعد انضمام أجناس أرقى إليه كالفرس والمسيحيين الذين احتفظوا، حسب رؤيته، بالمعرفة اليونانية القديمة تحت القشرة الإسلامية، أصبح مختلفاً". ويضيف الفاتح: "يذهب رينان إلى ما هو أبعد من ذلك حين يعتبر أن «الخلفاء الذين أضفوا رعايتهم على هذا الازدهار الثقافي والعقلي، يصعب أن نسميهم مسلمين، ورغم أن هذه الحضارة استعملت اللغة العربية، فإنها لم تكن حقاً عربية، وإنما كانت أساساً إغريقية وفارسية، أي آرية". إرنست رينان كان يجمع إضافة للتعصب الديني تعصباً عنصرياً وعرقياً، وهو ما تجلى في التقسيم الذي كان يضعه للأعراق، فالعرب متخلفون بطبعهم وبدو، والفرس أهل حضارة، أما الأتراك الذين سيطروا في مرحلة ما على الأراضي الإسلامية فهم فقراء فكرياً، وهم سيصبغون هذه الأراضي التي سيطروا عليهم بالفقر الفكري والانحطاط العقلي/ صحافة عربية 2019".

أما عن التعصب الديني عند العرب المسلمين فهو ليس لعنة أو ثيمة ميتافيزيقية ثابتة التصقت بهم كما يرى رينان بل هي ظاهرة تأريخية مشروطة في فترات تأريخية محددة كان العرب المسلمون وعموم الشرقيين فيها مستهدفين بالحروب التي شنها الغربيون الفرنجة عليهم وأطلقوا عليها اسما دينيا "الحروب الصليبية"، وأن المجتمعات الأوروبية الغربية لو قورنت بالعرب المسلمين أو الشرقيين عموما لفازت المجتمعات الغربية بقصب السبق في مضمار العنصرية والتعصب الديني الدموي حتى بينهم وكاد يؤدي ببعض شعوبهم إلى الانقراض، وخصوصا بين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت والتي استمرت بعضها لأكثر من مئة عام بين فرنسا وإنكلترة، وقد دامت 116 سنةَ مِنْ 1337 إلى 1453. أما المجازر التي ارتكبها الفرنجة الصليبيون بحق المسلمين والمسيحيين الأرثوذوكس البيزنطيين واليهود في المشرق فهي تكشف عن تعصب ديني وحشي وشنيع لم تشهد البشرية مثيلا له!

إنَّ اللغة، أي لغة كانت، لا تولد متفوقة ومتطورة وراقية. وهي في ذلك مثلها مثل البشر والمجتمعات بل تمر بأطوار حضارية طويلة وتراكمية وإنجازات كبرى للبشر الناطقين بها حتى تخرج من قصورها وفقرها الى النضوج. واللغات الإنكلوسكسونية وفي مقدمتها اللغة الإنكليزية، وهي لغة جرمانية في الأصل، كانت في القرن الخامس الميلادي وما بعده وحتى الثورة الصناعية الرأسماليةـ من أفقر اللغات وأكثرها تخلفا، وحتى الآن فإن معجمها اللغوي أفقر من معجم اللغة العربية ومثلها اللغة الفرنسية فمعجمها أقل من المعجم العربية كما ونوعا وفي الحركة الاشتقاقية تتغلب عليهما كلتيهما العربية... أما التمييز أو المفاضلة بين المسلمين على أساس العرق فهو أمر مثير للضحك في القرن الحادي والعشرين. وسبق وأن كتبت عن هذه الخرافة وبينت أن ذوي الأصول العربية لا يقلون عن إخوانهم المسلمين الصوفيين والعرفانيين وحتى في الحركات التنويرية والزنادقة والملاحدة من غير العرب كثيرا، ولكن النسبة الإحصائية الكبيرة لغير العرب من مجموع السكان كان لها تأثيرها أيضا. وما تزال حتى يومنا هذا نسبة العرب إلى عموم المسلمين قليلة فعديد العرب المسلمين هو في حدود 430 مليون نسمة من مجموع المسلمين البالغ مليار وسبعمائة مليون نسمة تقريبا أي أن نسبة العرب إلى المسلمين هي الربع تقريبا... أعني أن الناس خلال الحضارة العربية العباسية والفاطمية والأموية في الأندلس اندمجوا حضاريا ولم يعودوا ينظرون إلى أنفسهم على أساس عرقهم وجنسهم بل على أسس ومواصفات أخرى منها اللغة والموقع الطبقي والمنجز الحياتي . أما قبل ذلك فربما كان الانتماء إلى العشيرة والقبيلة أقوى من الانتماء القومي العربي وحتى الإسلامي عند من نسيمهم العرب في فترات أسبق من الفترة العباسية ... وعموما، هذا الموضوع ليس سهلا وهو لا يخلو من التعقيد وليس من المستحب الحكم فيه وإطلاق الصفات والأحكام الباترة قبل الإطلاع على أصول الموضوع في سياقه التاريخي

ومن الغريب والمثير للغضب والحزن معا، إننا حتى الآن، وبعد أكثر من مائة عام على موت إرنست رينان، مانزال نواجه أفكاره وترهاته العنصرية ولكن على ألسنة العلمانيين والليبراليين المتطرفين العراقيين والعرب والشرقيين المصابين بالإسلاموفوبيا واحتقار الثقافات المحلية الشرقية، ونجدهم يكررون دائما في كتاباتهم أفكاره التي تحتقر الإسلام والمسلمين وتعتبر الإسلام سبب المصائب والشرور كلها في العالم! أما أسيادهم البيض الآريين ومعهم الصهاينة فهم صناع التقدم والعلم والازدهار والرخاء في كل مكان وأن عقلية شعوبنا "الشعوب السامية نازعة إلى البلاغة والقدرية والخرافات والتصورات الساذجة عن الإيمان الديني. وقارنها بمزايا عقلية الشعوب الآرية والهندو أوروبية النازعة إلى إعمال العقل والاساطير التراجيديا" ... والغريب أن هناك المئات من رواد مواقع التواصل مَن يصفقون لهؤلاء المفرغين من الوعي النقدي والعقلانية الإنسانية بل يفوق عدد من يصفقون لهم أحيانا عدد من يصفقون للتافهين والتافهات من "صناع المحتوى" حيث تنال تغريدة غبية من نوع "شلونكم عيوني، شلوني بهذا الـشسمه..." مئات اللايكات والتعليقات الفقاعية!

***

علاء اللامي - *كاتب عراقي

 

في المثقف اليوم