قضايا

جاسم بني عرابة: كرة القدم.. قوة سياسية ناعمة

إن الشعبية الهائلة لكرة القدم فرضت عليها أن تكون أكثر من مجرد رياضة ممتعة، فقد أصبحت مجالاً للاستثمار في العديد من المجالات مثل السياسة والاقتصاد والسياحة وغيرها، ومن أهم ما تُستخدم كرة القدم فيه هو اعتبارها وسيلة قوّة ناعمة لتحقيق مصالح الدولة.

يعتبر المفكر الأمريكي جوزيف ناي أول من نادى بمفهوم القوة الناعمة، ويراها بأنها "القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلا من الإرغام أو دفع الأموال. وهي تنشأ من جاذبية ثقافة بلد ما ... فقد يتمكن بلد ما من الحصول على النتائج التي يريدها في السياسة العالمية لأن بلدانا أخرى معجبة به ... فإن أقنعتك بالرغبة في أن تفعل ما أريد فعندئذٍ لن أضطر لاستخدام الجزر والعصا لأجعلك تفعله."، ويرى ناي أن الدول قادرة على تحسين صورة سياستها الداخلية والخارجية من خلال استخدام القوة الناعمة، إذ أنها تؤثر على السلوك الاجتماعي.

إن الرياضة تلعب دورا مهما في تحقيق أهداف القوة الناعمة، إذ أن الألعاب الرياضية هي استراتيجية توظفها الدول في علاقاتها الدولية لبناء الهوية وإثبات التفوُّق، فقد أدركت الحكومات الأهمية السياسية للنجاح الرياضي في تعزيز جاذبيتها في مختلف المجالات مثل تحسين علاماتها التجارية.

إن الدبلوماسية الرياضية الموجهة نحو الجماهير تختلف عن الدبلوماسية الرسمية التي تركز على السياسات الوطنية وتوجَّه عادةً لصانعي القرارات في الدول الأخرى. على سبيل المثال استثمرت ألمانيا خلال فترة تنظيما لكأس العالم عام 2006م لهذا الحدث العالمي من أجل تصحيح صورتها السلبية المرتبطة بالحرب العالمية الثانية، وركزت المملكة المتحدة خلال استضافتها لأولمبياد عام 2012م على جذب الأعمال والتجارة وتنشيط منطقة "إيست إند" في لندن.

بذكر كأس العالم، فإن تنظيمه يترتب عليه التقدير الدولي للدولة المضيفة والاهتمام الإعلامي العالمي بها، حيث تصبح الدولة المضيفة محط أنظار العالم الذين يزورون أو يشاهدون مباريات بلدانهم، إلى جانب زيادة الثقة والشعور القومي لدى مواطني الدولة اتجاه حكومتهم، مما يحسّن الاستقرار السياسي والاجتماعي فيها.

ولا يُمكن القول إن الدوافع الاقتصادية هي وحدها من يجعل الدول تسعى لاحتضان المنافسات الرياضية، بل هناك اعتبارات أخرى. إذ أن هذه المناسبات هي أدوات لإثبات المكانة الإقليمية والدولية بالنسبة للبلد المستضيف، ووسيلة لزيادة ظهوره في المجتمع الدولي وتقديم الدولة نفسها على أنها لاعبٌ دوليٌّ له وزنه ومكانته.

في الجانب المقابل، تسعى الدول لاستخدام الألعاب الرياضية الدولية والمشاركة في المنافسات الخارجية لدعم صحة توجهاتها الأيديولوجية والسياسية وتحويل الانتصار في المجال الرياضي إلى انتصار في المجال السياسي، مما يدعم العقيدة السياسية للحكومة. لذا تصوِّر كثيرٌ من الدول نجاحاتها الرياضية كأنه نجاح لمنهجها الأيديولوجي وانعكاس لقوتها السياسية، حتى أصبح المشاركون في المنافسات الرياضية-في بعض الأحيان- أبطالا قوميين يساهمون في دعم المكانة السياسية للدولة.

فعلى سبيل المثال، وظفت قطر كرة القدم أداةً فعّالة باعتبارها قوة ناعمة، وسعت جاهدة للحصول على تنظيم كأس العالم الأخير الذي شهدناه جميعا، وقد زاد النجاح المبهر لهذا التنظيم من ظهور قطر في الساحة الدولية، بالإضافة لمحاولة قطر تمرير بعض الرسائل الأخرى المتعلقة بواجباتها القومية من خلال كأس العالم، مثل تخصيص مساحة في احتفال المباراة النهائية للشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي ليلقي كلمة فيها مذكِّرًا بالقضية الفلسطينية، وكما يشير بونيفاس في مقاله المنشور على الجزيرة (الدبلوماسية الرياضية لدولة قطر والقوة الناعمة) أن صورة قطر قد تغيرت في فرنسا بعد شرائها نادي "باريس سانجرمان" حيث أصبح اسم قطر يتردد كثيرا في الإعلام الفرنسي.

مثال آخر يُمكن طرحه هو البرازيل التي تعتبر احدى الدول التي تستثمر بشكل كبير في كرة القدم من أجل الرقي بمكانتها الدولية وتطوير قوتها الناعمة على المستوى الدولي، فمن خلال تسويق النموذج البرازيلي القائم على التعدد الاثني المندمج، تحاول البرازيل إظهار نفسها بشكل أكبر، إضافة لذلك فإن اللاعبين العالميين البرازيليين يتصرفون في أحيان كثيرة كأنهم سفراء لدولتهم كما حدث مع بيلي وزيكو ورونالدو ورونالدينيو إذ حاولوا إعطاء صورة عن بلادهم تتعلق بصناعة النجوم العالميين.

إضافة لذلك يقوم الإعلام الرياضي بدور بارز في إظهار مكانة الدولة كذلك، فعلى سبيل المثال، أصبحت قناة بي إن سبورت القطرية منبرا إعلاميا رياضيا كبيرا وبارزا له شعبية إقليمية ودولية، فضلا عن صنع بروباجندا مضادة في حال تم توظيف الرياضة من أجل تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية، كما حدث في كأس العالم الأخير عندما حاول المنتخب الألماني تشكيل ضغط من أجل مصالح معينة من خلال إصراره على دعم مجتمع الشواذ عندما وضع اللاعبون أيديهم على أفواههم.

الخلاصة أن كرة القدم تعتبر وسيلة سياسية ناعمة لا يُمكن الاستغناء عنها، لذلك تسعى الحكومات لاستغلالها من أجل دفع مصالحها سواء من خلال إبراز صورتها على الساحة الدولية أو تشكيل ضغط ناعم على الحكومات الأخرى وصناعة بروباجندا سياسية أو بناء وتحسين علاقات مع الدول، لذا فلا معنى لقول القائل أن لا علاقة بين السياسة وكرة القدم، فهذا قول رومانسيٌّ في أحسن الأحوال، والرابح من نظر للواقع وحاول استغلاله.

***

جاسم بني عرابة

 

في المثقف اليوم