قضايا

مراد غريبي: ذروة الصيام.. البرمجة الذاتية في رحاب القرآن

شهر رمضان هو شهر التفكير يوميا وبتمعن وعمق في علاقتنا بالله تبارك وتعالى وجرد دقيق لانحطاط منحنى صدقنا ووعينا لما بعد هذه الحياة وماهية وجودنا فيها وغايات ذلك، هناك تحليل بياني لما هي عليه برمجتنا الإسلامية واستعادة نقدية لمنعطفات ذاكرتنا العبادية على الأقل خلال السنوات القليلة الماضية او لنقل السنة الفائتة وتحديد مستند الأعمال وماذا عن الذنوب المرتكبة عبرها او ضمنها او في سياقها ، حيث لا يمكن لمسلم رشيد وواع بماهية إسلامه في وجوده أن تغيب عن ذهنه تجديد برمجته الداخلية الفكرية والنفسية والعملية كونها ذات ارتباط مباشر بمصيره في الحياة الدنيا ويوم الحساب، مما يجعل الصيام لمدة شهر ليس روتينا عباديا وإنما دورة مستندية للنفس والفكر والعاطفة والموقف والتطلع ذات خريطة تتوزع معالمها في أعمق اعماق الذات الإنسانية والتي يمكن مقاربتها واستدراك تدقيقها من خلال العودة للقرآن الكريم عبر عملية تدبر وكذلك من خلال مقتضيات الدعاء ووعي فلسفة الصبر كمنهج تطور ورقي وليس تفريط او إفراط في قبال التحديات والصعاب والالتزامات..

 الدورة المستندية لآفاق الذات:

اقرب مثال هو رجل أعمال يمتلك مصنعا ينتج مواد مهمة إما غذائية او صناعية أو غير ذلك بلاشك يحتاج إلى دورة مستندية وفق خريطة محددة لمتابعة وتحليل وتدقيق البيانات وحركة الإنتاج والتخزين والتوزيع ومردوداتها المالية، وينطبق الأمر على بعدين الخسائر والأرباح حيث سيكون الانضباط والتخطيط والتنظيم والادارة المثلى دليل النجاح، بينما الإهمال وترك الرقابة وتأخر التنظيم وفقدان التخطيط، اساس سيناريو الخسارة الفادحة والافلاس، ولنطبق الأمر في وعينا بذات كل واحد منا في علاقته بالله عز وجل وما تعكسه من جودة في العطاء الفكري والنفسي والسلوكي والموقف الايماني والعمل الصالح فهي تجارة ناجحة وإما العكس تجارة فاسدة كاسدة خاسرة والذي يقرر صورتها وحقيقتها هو الإنسان نفسه بحسب ما كانت مستنداته الشخصية إما خير او شر، دون أن ننسى أنه هذه الدورة المستندية المحاسب فيها هو ذات الشخص ولا يمكنه تكليف أحدا غيره.

رمضان مستندية البرمجة الداخلية للإنسان المسلم وفرصة سانحة لمراجعة البيت النفسي والقمة الفكرية والعمق العاطفي والسلوك العملي عبر ترميم الخريطة المستندية وترتيب الأولويات وتحليل الخسائر واستثمار الأرباح كل ذلك في تجربة تأملية لعلاقتنا بالله تبارك وتعالى وبالآخرين وبالحياة كلها وذلك كله في رحاب القرآن الكريم، ولا ريب أن رمضان شهر تجديد نظام الصرف الأخلاقي عبر الصبر في هجران ذنوب ارتكبت وسودت القلب وشوهت الرؤية وأفسدت المسيرة نحو العيد الاكبر..

 كيف نصوم؟!

شهر رمضان دورة برمجة ذاتية ترنو إلى نيل عطاءات العفو والمغفرة والصفح والرحمة الإلهية والعتق من نيران الدنيا والآخرة، نعم إنه شهر الجرد العمري أو على الأقل السنوي والمنطلق لتربية الذات من خلال تنقية ملفاتها من أوساخ الغفلة والتكبر والعجب والنفاق والكذب والخيانة وتتبع عثرات المؤمنين وفتنتهم وكل المظالم والمفاسد في أعمارنا، دورة البرمجة الداخلية هي إرادة بناء نظام التوبة الحقيقية، نعمل من خلالها على تخطيط إيمان عميق وصادق، يكون ذا أثر عكسي على عداد الذنوب والمعاصي والمظالم لتتناقص تدريجيا في تفاصيل حياتنا المقبلة، وتأمين لمستندية الذات من الانزلاق نحو هاوية الغضب والطرد من رحمة الله- والعياذ بالله، فنتذكر جوع وعطش إخواننا بغزة الصامدة المرابطة ونزوحهم والطيبين باليمن والسودان وفي ذلك كله تذكر لجوع يوم القيامة وعطشه، ونتصدق على فقراء ومساكين فلسطين أولا واليمن والسودان والعالم كله، ولنعمل على تأمين مجتمعاتنا عبر توقير كبارنا، ورحمة صغارنا، وصلة أرحامنا، والأمثل ان نحفظ ألسنتنا، ونغض عما لا يحل النظر إليه أبصارنا، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعنا، ولا نغفل على أيتام الناس خاصة أيتام غزة الأبية وأولئك الذين صانوا كرامتنا بشهادتهم، حتى يتحنن على أيتامنا، هكذا واقعا تكون التوبة إلى الله من ذنوبنا، ولا ننسى أن نرفع إلى الله أيدينا بالدعاء في أوقات صلواتنا ، فإنها أفضل الساعات، ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده..

إرادة تجديد الوعي:

شهر رمضان من أفضل الفرص لتجاوز الملهيات ومظاهر العبث وسبل الإغواء والتخلص من حبائل المخططات الفتنوية للافراد والمجتمعات فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، إنه رحلة تجديد لماهية كرامة الإنسان في هذه الحياة ضمن أطر الإسلام الخالص، ومنها لكرامة المجتمع المسلم وبالتالي وعي ماهية الكرامة الإنسانية في الإسلام من أعماق الداخل نحو الخارج الواقع والمحيط بنا، إنها رحلة الصبر على الوعي السليم للحياة الإيمانية عبر إعمال الفكر الراقي وتهذيب النفس بالأخلاق الرفيعة والاسهام بالموقف الرشيد في مسارات العمل وآفاق التطلع.

الصبر سمة شاملة لدورة البرمجة الداخلية وتحليل وترشيد المستندية الذاتية لكل واحد منا، وقبل أن تكون عبادة فهي لطف إلهي بل جائزة إلهية لمن صام الشهر الفضيل بوعي بليغ وجد واجتهاد في بلوغ منتهى رضا الله، فإرادة الصوم الحقيقي هو وعي أهمية شهر رمضان وما فيه من عبقات الرحمة والمغفرة والعتق من النار، والإرادة الذكية هي أساس الصبر، عبر سؤال ربنا بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقنا لصيامه وتلاوة كتابه حتى نتوب بصدق وإخلاص ووعي وثقة بأن لنا رب غفور رحيم سميع مجيب، فلا ننام على الواجبات والفرائض ولا نفتح ملفات الجاهلية الأولى ولا نصب الزيت على نيران الفتن، بل لنصم عن كل الشرور التي تشوه إسلامنا في جميع ميادين واقعنا خصوصا في السياسة والإعلام ومنابر شياطين الظلم ولنصم ببصيرة ونصبر على تربية النفس ونهيها عن الهوى وتعويدها على الطاعات بحضور وخشوع، حتى نجعل فيه من أهل كرامة الله، فتكون أنفاسنا فيه تسبيح، ونومنا فيه عبادة، وعملنا فيه مقبول، ودعاؤنا فيه مستجاب ..لعل وعسى ننال جنة المأوى..

الثقافة القرآنية وإدارة أزمنة الحياة:

في شهر رمضان السمة الأساسية او العادة المهمة هي ضرورة الانشغال بالذكر الحكيم من اول ليلة إلى آخر يوم وهذا ما يمكن التعبير عنه بأنه روح الدورة ولغة الخطاب التي تجعلنا نكتسب تعبيرات خاصة ومفاهيم استراتيجية في صياغة الرؤية ضمن ما يعبر عنه بالثقافة الإسلامية التي تتأسس على مفردات وتشريعات وآفاق الرؤية القرآنية والبرنامج التربوي والتأصيلي قرآنيا، لهذا كله كان رمضان شهر الصيام ربيع القرآن، أي حضور شبه شامل في تفاصيل الزمن الرمضاني للوحي الالهي المتمثل في بصائر القرآن ونوره المبارك الذي يسلط على الأعماق والواقع والأفكار والعواطف والعلاقات والتطلعات في استثمار امثل لأيام وليالي رمضان لاستيعاب وفهم ووعي وتدارس وتأمل وتدبر لآيات الذكر الحكيم مما يخلق داخل الذات ثورة إيمانية تربوية تدرك معالم الوجود الزمانية حيث رمضان الشهر ينبه مفهوم الزمن الذاتي لمسؤوليات الحياة ويضبط إدارة الفعل العبادي ضمن معادلة قرآنية استجمع وتستحضر وتؤلف بين عدة عبادات في وقفة مصيرية للذات في علاقاتها وتصوراتها وتطلعاتها، هنا في رحاب القرآن في شهر واحد من السنة تتجسد العبودية لله لتشرق على باقي السنة بروحية جديدة ملؤها الوعي القرآني لمقاصد الحياة ومسؤولياتها وآفاق كرامتها الحقيقية.. هكذا نصوم عن كل الثقافات النسبية لننفتح على الثقافة المطلقة في القرآن الكريم كمنهج تجديدي للذات في وعيها لماهية الإسلام والإيمان والإحسان والكرامة في رحاب شهر الله..

و الله من وراء القصد

***

ا. مراد غريبي – كاتب وباحث

في المثقف اليوم