قضايا

عبد الباسط هيكل: الانتحار.. محاكمة الموتى بدل مساءلة الواقع!

نوعية الأسئلة التي يطرحها العقل الجمعي تُخبرك أين نقف، وإلى أين نسير؟ في أعقاب إقدام أحد الشباب المصري على الانتحار من أعلى بُرج القاهرة، لم يكن السؤال المطروح: كيف تحوّل "الانتحار" إلى ظاهرة اجتماعية، تحتل مصر فيها المرتبة الأولى بين الدول العربية، والمرتبة السادسة عشرة عالمياً حيث تمّ تسجيل ٤٢٥٠ حالة انتحار العام الماضي؟

فتركنا سؤال الحاضر، وهو كيف نُواجه تلك الظاهرة؟ وعدنا إلى أسئلة الماضي التي نتجادل حولها منذ أكثر من ألف عام، فسيطر على وسائل التواصل الاجتماعي جدل حول: ما حكم مرتكب الكبيرة؟ هل المنتحر مُخلّد في النار لارتكابه كبيرة "قتل النفس" أم في منزلة بين المنزلتين أم مُعذّب إلى أجلٍ؟ هل هو كافر أم أمره إلى الله تعالى؟ متجاهلين أنّ تكليف الله تعالى للإنسان منوط بالعقل، فمتى اختلت السلامة العقلية بما في ذلك النفسية تعطّل التكليف المستوجب للحساب الذي هو في حقيقته عملية غيبية تتم من الله تعالى للمُكلَّف، ولا يملك إنسان أو ملاك أو شيطان أن يحسم هل ستخضع عملية المحاسبة لقواعد العدل أم لعوامل العفو الإلهي، أضف إلى ذلك أنّه ليس في مقدورنا أن نقطع بتحقق العقوبة الأخروية على ذنب مهما كانت بشاعته؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يأتيه الوحي قالها بوضوح: "أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه".

وسورة "البروج" تحكي لنا جريمة بشعة في حقّ أطفال ونساء وشيوخ أُلقوا أحياء في حفرة طولية (أخدود) من النيران، ورغم أنّ الله تعالى توعّد الجُناة بالعذاب إلا أنّه استثنى منهم التائبين بقوله عزّ وجلّ: "إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ"، والأخبار في ذلك كثيرة. فإذا كان ما بعد الموت منطقة غيبية نعجز عن القطع بمصائر الراحلين إليها، فلماذا تأخذ هذا الحيز الجدلي في حياتنا!

انشغلنا بمحاكمة الموتى عن مساءلة الواقع، واكتفينا في تناول الظاهرة بالخطب والكلمات الرنانة، وانتظرنا من الفكر الديني بنبرته الوعظية وصوته المرتفع أن يقوم بمهمة البحث العلمي في قضايا ذات طبيعة اجتماعية نفسية معقّدة، تحتاج إلى عقلانية هادئة، وبحوث ميدانية تتعاطي من خلال بيانات ومؤشّرات إحصائية مع العوامل الواقعية التي تقف خلف الظاهرة. فإيجاد مشروع حضاري متوازن ومتكامل يحتاج إلى هياكل جادة للبحث العلمي في مختلف مجالات الدراسات الإنسانية، تحْظى بتمويل وتشجيع حكومي، والتزام مؤسسي بالعمل بنتائجها وتوصياتها؛ لإيجاد حلول ناجعة للمشاكل والهموم الاجتماعية.

لن نخترع العجلة من جديد؛ فالأعمال السوسيولوجيّة المتراكمة والمتتابعة تُمثّل مدخلاً نظرياً ومنهجياً مهماً في دراسة تلك الظاهرة التي شغلت عدداً من الباحثين بداية من "موريس هالبواش" ومروراً بـ "إميل دوركايم" صاحب كتاب "الانتحار"، وصولاً إلى الباحث المصري "مكرم سمعان" صاحب كتاب "مشكلة الانتحار" وغيرهم من الباحثين الذين رأوا الانتحار آفة تفتك بالأفراد، وتنخر في المجتمعات.

ويُعرف الانتحار بأنّه كلّ فعل يحدث بواسطة الضحية نفسها ويُؤدي إلى الموت بصفة مباشرة، مثل الارتماء تحت عجلات المترو، أو بصفة غير مباشرة مثل أن يُهمل الإنسان حالته الصحيّة، ويتعمد عدم معالجة مرض خطير يُؤدي تطوّره إلى الموت.

وقد استبعدت الدراسات المعاصرة أن يكون العامل الوراثي والأصل العنصري مسؤولاً عن تفسير تلك الظاهرة، فـ"الانتحار لا يُورث، ولا يتبع الخصائص الجينية للإنسان، وإنما ما يُورّث أو يُورَث هو بعض حالات الأمراض العقلية، وهي لا تُؤدي بالضرورة إلى الانتحار".

فالانتحار كغيره من الظواهر الاجتماعية تفسّره مجموعة من الأسباب النفسية والاجتماعية والمعطيات الثقافية المتداخلة، ففي دراسة مكرم سمعان الميدانية على الانتحار في المجتمع المصري، انتهى بعد قياس معدلات الظاهرة ومقارنة الإحصائيات إلى أنّ هناك عدّة عوامل تتدرج في مدى تأثيرها، وتُسهم في حدوث الانتحار، أولها، ويكاد أن يكون القاسم المشترك في حالات الانتحار والشروع فيها، "الشعور بالعزلة والاغتراب"، فهو العامل الأساسي الذي يعمل على تنمية الدوافع والميول الانتحارية، لما لهذا الشعور من آثار على اختلال الأنا وتدهور الشخصية بكاملها، والدخول في اضطرابات نفسية وعقلية، وهو ما أطلق عليه "دوركايم" اسم "الانتحار الأناني"، فنسب الانتحار ترتفع لدى الأفراد الذين لهم نزعة فردية مفرطة، مثل مَن تضعهم الظروف الاجتماعية في حالة انفصام للرابطة الأسرية بالطلاق أو الترمّل، فالمتزوجون من منظور "دوركايم" أقلّ انتحاراً من العزّاب، والأسرة التي فيها أبناء أقل انتحاراً من الأسرة التي لم تُنجب.. والأسرة الأكبر والأكثر عدداً أقلّ انتحاراً من غيرها الأصغر والأقل عدداً.

ويأتي في المرتبة الثانية بفارق طفيف الصراعات الاجتماعية التي منها الصراع بين الزوجين أو مع الرؤساء أو مع الوالدين، وما يُصاحب ذلك من توبيخ شديد، وشعور أحياناً بالدونية، وفي المرتبة الثالثة جاءت الصعوبات المعيشية بسبب البطالة وتراكم الديون بكثرة، وتدهور الدّخل بصورة عامة، وهذا النوع من الانتحار يُسميه "دوركايم" باللامعياري، ويرتبط بالأزمات الاقتصادية حيث ينعدم التوازن بين الطموحات والإمكانيات، فالإنسان لا يستطيع العيش والبقاء على قيد الحياة بشكل سليم ومقبول إلا عندما يكون هناك توافق بين الضرورات أو الحاجيات من ناحية والإمكانيات أو الوسائل من ناحية أخرى.

وانتهى سمعان في دراسته إلى أنّ العلاج النافع الواقي من ارتفاع نسب الانتحار في المجتمعات المعاصرة يأتي من خلال دمج الأفراد في العمل والجماعات المهنية، فالاندماج في الحياة الاجتماعية من العوامل الأساسية التي تحمى الأفراد من الأمراض الاجتماعية والأزمات، كما أنّه يُساهم في إرساء تماسك وترابط اجتماعي مبني على الأخلاق والقيم الجماعية، فانخراط الفرد في جماعة العمل المهنية يُحقق ذاته، ويقوّى شعوره بالانتماء، ويدعم ويوسع روابطه الاجتماعية؛ فالانعزال أو ضعف الاندماج في الجماعة يجعل الفرد ضعيفاً، وغير قادر على التّغلب بمفرده على المشاكل التي قد تعترضه أثناء مباشرته لتكاليف ومشاغل الحياة.

أخيراً الحياة السويّة قائمة على الانتظام والانخراط في الجماعات المجتمعية من أسرة وجامعة وجماعة العمل وحراك مجتمعي مع مختلف المؤسسات التي تعمل في إطار المجتمع المدني كالجمعيات العلمية منها والحقوقية والإنسانية والخيرية والثقافية والأدبية.. فإضعاف الدولة لدور تلك المؤسسات الاجتماعية وتهميشها من جانب، وخوف الأسر على أبنائها من الاندماج في المجتمع الخارجي والعمل على عزله، وخوْض غمار الحياة نيابةً عنه، من جانب آخر، هو المسؤولٌ عن الضعف النفسي والاجتماعي الذي يعيشه البعض والذي قد يُؤدي بهم إلى الانتحار.

***

د. عبد الباسط هيكل – مصر

في المثقف اليوم