قراءة في كتاب

نبيل عبد الربيعي: استقراء ونقد الفكري الشيعي.. عرض لكتاب د. فالح مهدي

صدر عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع في القاهرة 2022م، كتاب الدكتور فالح مهدي الموسوم (استقراء ونقد الفكر الشيعي) بواقع (383) صفحة من الحجم المتوسط، وتضمن الإهداء (إلى كل شرفاء العراق، وفي مقدمتهم أبطال الانتفاضة، من مات ومن عاش من أجل خلق وطن يليق بهم)، وهو الهاجس الذي دفع الكاتب إلى تأليف هذا الكتاب بسبب التدخل الإيراني في الشأن العراقي، وانتفاضة تشرين 2019م.

وفاتحة الكتاب استعراض لما صدر من مؤلفات سابقة للمؤلف للخوض في موضوع بحث الجذور العقائدية وفق نقد العقل الدائري. كُسِر الكتاب على ثلاثة فصول وملاحظات نهائية حول الخروج من الجهل.

تناول في الفصل الأول مقدمات في اللغة والثقافة والفكر من خلال الروح السامية التي صنعت المخيلة والفكر وعلاقتها بإيران واللغة الفارسية، وقد سلط الضوء على الضعف اللغوي الفارسي، إذ يؤكد في ص27 قائلاً: (كانت مسألة اللغة والخط من العلامات البارزة على ضعف الحضارة في بلاد فارس. القوميون الإيرانيون حاقدون على العرب لأنهم أنهوا المجد الفارسي بعد سقوط الامبراطورية الساسانية، لكن هذا الحقد لم يمنعهم من اللجوء إلى اللغة العربية، بل هيمنت الآرامية قبل الإسلام بزمن طويل، وهي غير مسلحة ولا تملك جيوشاً، وأصبحت اللغة الأولى عند الأخمينيين). لذلك نجد الحضارة الساسانية لم تمتلك أثاراً عظيمة في منطقة الشرق الأوسط، ولم تصل إلى ما وصلت إليه الامبراطورية الرومانية. فضلاً عن تصريحات القادة الإيرانيين أن العراق جزء من الامبراطورية الإيرانية.

إلا أني أجد أن الحضارة الساسانية لها الدور في تعلم المسلمين النظام الإداري؛ فهم كانوا بارعين في هذا المجال، وقد تبنى المسلمين العمل في تطوير مجال تنظيم الري والزراعة والضرائب، بدلاً من اعتمادهم على الغزو في اقتصادهم الريعي والطفيلي.

أما في مجال اللغة فيجد د. مهدي أن الفتح العربي في القرن السابع قد أثر على اللغة، ففي ص42 وما بعدها يذكر أن  العربية أصبحت (لغة التواصل ولغة العبادات والصلوات... بل أن معظم الكتابات الأساسية دونت بهذه اللغة حتى بعد مرور أكثر من ألف عام)، مما اثرت اللغة العربية على نمط الكتابة الفارسية... إن عدداً كبيراً من الكلمات العربية ظهرت في الشعر الفارسي أو عبر النصوص الأدبية والثقافية). لذلك لا يمكننا القول إلا أن العربية كان لها الدور والتأثير الكبير على اللغة الفارسية، وكان واضحاً جداً تأثيرها على الشعر الفارسي ومقدار تأثير المفردات العربية إلى الفارسية يتعدى 40%.

أما في الفصل الثاني فقد سلط الضوء على الكوفة نموذجاً وبداية التشيع فيؤكد في ص78 قائلاً: (لم تكن الكوفة بيت الرحم الذي انطلق منه التشيع فحسب، بل أصبحت رأس الحربة بمواجهة السلطة الأموية بثوبها المرواني)، وهذا يؤكد لنا ظاهرة التشيع والتحضر في الكوفة باعتبارها انشط مركز في صدر الإسلام، حتى تاريخ عام 145هـ بعد تأسيس بغداد بدأت الكوفة تفقد اهميتها كمركز لإمارة). ويؤكد د. مهدي في ص92 على تأثير الموالي على المجتمع الكوفي قائلاً: (من الناحية الموضوعية لا يمكن الاستناد إلى كتابات الشيعة نظراً لتغلب عناصر الاحباط والمبالغة والتهويل، بل حتى الكذب فيما ورد فيها)، بسبب ما ذكرته مدونات الكليني في القرن الرابع الهجري وانحراف المسيرة الشيعية عبر خطه الخطير ومن جاء بعده.

وسلط الضوء في الجزء الثالث من الكتاب على الإبداع والخبث في اسماء اعلام ظهروا في الحقبة الزمنية للقرن الثالث والرابع الهجري ومنهم الكليني المؤسس للتحريف في المذهب الشيعي والمجلسي كما يرى ذلك الدكتور. ففي ص111 يذكر في الكتاب أن كتاب الكافي للكليني (الذي قضى ثلاثين عاماً في تأليفه كما يدعي اتباعه... لم يذكره ابن النديم –توفى في نهاية القرن الرابع- في فهرسه. بل لم يهتم أحد بشأنه خلال قرن من الزمان بعد موته، وهذا امر جدير بالملاحظة. ولم يتطرق إليه أحمد بن عبدون (423هـ-1030م) إلا بهذه المعلومات البائسة والتي تتمثل في "أن لا معلم لقبره"!). مع العلم أن الكليني قد عرض كتابه (الكافي) على القائم كما يذكر في المقدمة فيقول الكليني (استحسنه وقال "كاف لشيعتنا") ص25.

ويؤكد الدكتور في كتابه على الاساءات التي قدمها الكليني في كتابه، من خلال الأحاديث الواردة والتي تنسب إلى الإمام جعفر الصادق منها ما ذكره في ص117 قائلاً: ((نحن وشيعتنا من طينة خاصة) ويؤكد الدكتور كيف نصدق ذلك؟... الشيعة كالسنة وكأي مجموعة بشرية فيهم الحقير والدوني، الذكي والغبي والنبيل والمجرم، التافه والحصيف، الدجال والشريف... وإذا صح ذلك من أن الشيعة من طينة خاصة فكيف يمكننا أن نفهم أن أمهُ حفيدة أبي بكر الصديق! وأن أباه محمد الباقر الإمام الخامس كان مصاباً بمرض نفسي خطير منع عليه وضوح الرؤيا، للزواج من حفيدة جده علي بن أبي طالب! إن رأسمال الافتراءات والأكاذيب لا يصمد أمام الحقائق التاريخية. كيف يمكننا أن نصدق ولو للحظة واحدة بأحاديث وحكايات تنسب لمحمد الباقر وابنه جعفر الصادق من أن أعداء الشيعة من الطين النتن لجهنم)). لذلك نجد أن كتاب الكليني وما ورد فيه من احاديث بعيد عن المفاهيم الإنسانية، ولذلك يجد الدكتور مهدي أن كتاب الكليني وما جاء فيه هو (قمة الابداع وقمة الخبث) ص119. ويسرد الدكتور في كتابه الكثير من الأحاديث التي لا يقبلها العقل والمنطق، فيجد معظم الأحاديث عارية عن الصحة بدرجة أن الشريف المرتضى وهو من كبار مثقفي القرن الرابع الهجري اعتبره غير الموثوق به، ودليله على ذلك في ما ورد في الكتاب ص126 يقول: (في الصفحات الأخيرة من المجلد الأول، نجد الكليني وعلى لسان أبي عبد الله "والحقيقة أن أبا عبد الله ليس إلا الكليني: يقول: "نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله" –ص529 ج1- وهذا القول سيقود الكليني إلى تنحية القرآن والاعتماد على الحديث النبوي الذي صنعته يداه وعقله الايديولوجي)، كما يذكر أن الكليني ورد كلاماً عن (مصحف فاطمة ص595 ج1) قال: (مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد). ويذكر الدكتور في كتابه الكثير من الأحاديث التي ذكرها الكليني في كتابه الكافي الذي لم يسندها إلى مصدر، وهذا ما يؤكده السيد كمال الحيدري في أحد لقاءاته مع الاعلامي سعدون محسن ضمد.

وفي ص135 وتحت عنوان (الخروج من الجهل.. ملاحظات نهائية) يذهب الدكتور برحلة سياحية عن مركز الكون وتضخيم الذات وعقدة الدونية وعقدة العظمة، والشاهنامة الملحمة للفردوسي المعبرة عن عقدة النقص الفارسية، ويسلط الضوء في ص164 وما بعدها على عنوان (زرادشت علي بن أبي طالب) ليعرض لنا في ص167 صور للإمام علي بالرسم الفارسي التي ترمز لعلي والأسد قائلاً: (وفق المخيلة الإيرانية التي تحول علياً رمزاً للجمال الذكري ذات بشرة بيضاء يشع من وجهه نورٌ سماوياً، ونجده في معظم الصور وأمامه سيفه الذي أريد له أن يكون ذو الفقار –ذو الفقار الذي اختلف عليه المؤرخون الأوائل هل كان له ثماني فقار على ظهره ولم يتحدث أحد عن رأسين في طرفه-) ص166/173.

كما استعرض الدكتور في الكتاب صفحات كتابه 175- 186 تحت عنوان (عمر بن الخطاب الرمز المطلق للشر) قائلاً (عمر بن الخطاب يمثل أحد أمراض الطفولة في العقل الجمعي الفارسي، وفي تقديري أن تلك الصورة القاتمة السوداء لهذا الرجل تعود إلى انتصاره على الامبراطورية الساسانية... وكراهية القوميين الإيرانيين لعمر بن الخطاب يعود في تقديري إلى الترابط ما بين العقائدي والسياسي والأسطوري). مع العلم أن عمر بن الخطاب اقام أعظم حضارة في القرون الوسطى، لكن الفرس لهم موقف معه من الكراهية بسبب انهاء الامبراطورية الساسانية.

ثم ينقلنا الدكتور في هذا الفصل إلى عناوين كثيرة لا يمكن نقلها في هذه القراءة الموجزة، منها (قراءة في الجهل، الجهل والسياسة، العقل والعقيدة، الروح والجسد، الكليني والروح، المؤسسة الشيعية والجهل، صناعة الجهل، تطور الجهل، مفهوم المهدي وصناعة الأمل، الانتظار، الغزالي وعلاقته بالزرادشتية، صورة العربي في الأدب الفارسي الحديث، التنقل والتحضر، المرجعية الدينية كقوة معادية للشيعة في العراق، عرقنة المؤسسة الشيعية، الجغرافيا والطموح الإيراني، الشعوبية، دور الكليني والفردوسي والمجلسي في سرطة الذات الفارسية، دور فاطمة في الهندسة الكلينية- المجلسية، وهم اسمه سلمان الفارسي، المخيلة الرثة، الذات المسرطنة).

وملخصاً لما ورد في الكتاب يؤكد الكاتب في قرائته النقدية لذلك الموروث الذي تم تشييده في القرن الرابع الهجري، ونحت في تلك الثقافة المسمومة التي لا زالت حيَّة ترزق، ويفنّد الكاتب مهدي في كتابه هذا تاريخ الموقف الإيراني على الإسلام، وعلى سياقات السنة النبوية بشق صفوف المسلمين عبر تشكلات وارهاصات واحاديث موضوعة ما زالت تقوم حتى يومنا هذا، تحت شتى المسميات مدعية الأحقية والنسب لآل الرسول (ص). وإن التشيع المعاصر تشيع فارسي في جوهره، ويخدم الطموح الإيراني للسيطرة على هذه المنطقة. لأن تشيع القرن الأول الهجري بعد مقتل الإمام علي بن أبي طالب، لا علاقة له بالتشيع الذي تشكَّل في القرن الرابع الهجري وفي بغداد تحديداً.

واخيراً بعد هذه القراءة الموجزة أنا أجد الكاتب قد وضح بشكلٍ كبير الموقف الإيراني في المنطقة عامة وفي العراق خاصة، ودور الهجمة الفارسية على العراق ومحاولة اعتباره جزءاً لا يتجزأ منهم، ليتحول التشيع العراقي إلى نسخة إيرانية لا ترضي ابناء الشعب العراقي بقومياته ومذاهبه واطيافة، فالكتاب عبارة عن بحث متنوع ومتشعب وعميق في توضيح الدور الفارسي في التراث الشيعي، وقد وضح الكاتب الخنوع والخضوع لدى الكثير من التابعين دون أن يفكروا بنتائج هذه التبعية، والابتعاد عنها والانتماء لأرض الرافدين.

كما اعتمد الدكتور فالح مهدي في كتابه على الكثير من الهوامش والمراجع والمصادر الاجنبية والعربية والمعاجم والموسوعات.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

في المثقف اليوم