قراءات نقدية

رسالة الشاعر الإجتماعيّة

عبد الاله الياسري(محاضرة ألقيتها في ربيع عام1919م في اتّحاد الأدباء والكتّاب في النجف ــ العراق. وقد اضطررت لإختصارها لضيق الوقت المحدّد لها؛  لكني أنشرها كاملة الآن)

طاب مساؤكم أحبّتي.

أحييكم أحرّ تحيّة، وأشكر لكم حضوركم الجميل الذي غمرني لطفاً وفضلاً؛ لاسيّما حضور الأساتذة الذين تجشّموا عناء السفر قادمين من المدن العراقيّة الأخرى، وأخصّ بالذكر الأستاذ العلّامة الدكتور سعيد عدنان.

لاأكتمنّكم سرّاً ــ أيّها الأحبّة ــ أنّي حين كلّفني الأستاذ الدكتور باقر الكرباسيّ (رئيس إتّحاد الأدباء والكتّاب في النجف) مشكوراً بأن أتحدّث إليكم، بهذه الأمسية الأدبيّة عن تجربتي الشعريّة؛ تحيّرت حقّاً. تحيّرت في كيفية التحدّث،  باقلّ من ساعة،  عن تجربة جاوزت نصف قرن من الزمن؛ إلّا أنّي اهتديت أخيراً إلى أن أقصر القول على موقفي الإجتماعيّ الذي اختلفتْ به تجربتي عن التجارب الشعريّة العراقيّة الأخرى في السبعينيات من القرن الماضي، ومابعدها من السنين. وقد أشرت إلي ذلك الإختلاف النوعيّ في شعري كثيراً. كقولي:

وليَـكثـــر اللــوّام لـن أَنـحنـي***إذا انحنَى منهم لواء الكبَرْ

مختلف المضمون عمّن معي***وإنْ توافقنا بشكل الصورْ(١)

ومهما يَبِنْ لكم من خير في تجربتي الشعريّة؛ فإنّما هو ثمرة من ثمرات تربة النجف الأدبيّة التي نشأ فيها غرسي ونما. وما أنا إلّا نبضة في شريان الثورة والشعر في تاريخها السياسيّ والأدبيّ الذي طالما ألمحتُ إليه في شعري. كقولي:

أنا من بـذرة النضــال كيـاني***وجـذورٍ لثـــورةٍ ســـيـمــائي

من عيون الصقور جئتُ وإِنْ بنتُ، على العكس، من بني حوّاءِ(٢)          

على أيّة حال، إنّ الشعر يرجع بمفهومه العام إلى الثقافة. ورسالته، كما أراها، هي التدخّل في الواقع الإجتماعيّ بطريقة فنيّة من أجل إسعاد الإنسان. فالشاعر، من هذا المنطلق، هو مثقّف مسؤول، ومما أشار إلى هذا المعنى قولي:

أنـاــ أنـتَ رايـاتٌ. فـوارسُ. مهـرةٌ. *** يميـنٌ. حســـامٌ. لاتـقــلْ فـاتَنــا الركبُ

إذا أنـا لـم أُحـرَقْ ومثـليَ صاحبي*** فمنْ ذا يُضئ الدرب إنْ أظلم الدربُ(٣)

وكقولي:

أُريد أن أَحترقْ.

أريد أن أَكون وهج جمرة لن تنطفي بالماءْ.

أُريد أن يُغيّر اللهيب فيَّ نكهة الأشياءْ.

أُريد أن ينهمر الغيث من الحجرْ.

أُريد أن يحترق المطر.

أُريد أن يغتسل العالم بالحريقْ.

أُريد أن يفضَّ كلُّ فارس بكارة الطريقْ(٤)

وكقولي:

إنّني الحـرُّ العــراقيُّ الذي*** ليس يُغـرى وبوهــم ٍ لا يُهـاج

وطني عرشي وفخري أنَّه*** فوق رأسي  أينما سافرتُ تاج(٥)

ومسوؤليته أي الشاعر تكمن في تحديد موقفه من السلطات القمعية التي هي أساس التخلف والشقاء في مجتمعه. وأوّلها تأثيرآً سلطة الدولة ثمّ سلطة العقيدة وسلطة الذكورة. وسأقف عند السلطة الأولى دون السلطتين الأخريين لضيق الوقت أوّلاً ولخطورتها ثانياً.

وسلطة الدولة الرسمية تحديداً:إمّا أن تكون فاسدة وخائنة أي معادية لحقوق المواطنين وللسيادة الوطنيّة، وإمّا أن تكون وطنيّة وعادلة. فإن كانت فاسدة وخائنة، فيجب أن يقاطعها الشاعر لإسقاطها، إذا كان مثقّفاً مسؤولاً حقّاً، وإلّا فهو شاعر يحتقره الشعب ويزدريه التاريخ، لأنّه مرتزِق مرتبط بالفساد والخيانة. ولقد عبّرت عن أهميّة تلك المقاطعة في أكثر من قصيدة . كقولي:

أنشـــبـتُ للمتجبّـريـن أظافـــرا***وخفضتُ للفقراء جنحي صاغرا(٦)

وكقولي:

هيهات هيهات منّي الذلّ منتصباً*** وحدي لجيشٍ. جريحاً دون أنصـارِ

لن أُعطيَ الكفّ إذعـاناً لطاغيـة*** ولن تحيد الخطى عن درب أحرارِ(٧)

وكقولي:

أنا غيمةٌ. برقي ذُرَى النار. زخّتي*** نزيفٌ. سمائي الورد والشاطئ العذبُ

أنا بيـت شـعــرٍ للجيــاع.  تخافني*** زبانيـــة الـوالي وتـخشـــاني الكتـبُ(٨)

وكقولي:

إنّني أخرج من غمد السكوتْ.

فاقتلوني واقفاً، كالنخل في وجه الرياحْ،

واقفاً إنّي أموتْ(٩)

وكقولي:

أرفض أنْ أبرّئ الجذور، أنْ أَتّهم الأغصانْ.

أرفض أنْ أشهد للصفصاف، أنْ أطعن بالنخيلْ.

أرفض أنْ أعلف أيّاماً بلا صهيلْ.

أرفض أنْ تنقطع المياه عن حديقة الجراحْ.

أرفض أنْ أطفوَ. أبتغي الغرقْ.

أرفض أنْ أهدأ ميْتاً. أبتغي الرياحْ.

أعصف بالجذور فيّ والورقْ.

أرفض أنْ أعيد ماقال أبي.

في بطن كلّ حاضر نبيْ.

يُغيّر الخريطهْ. (١٠)

ومن أبياتي الصريحة في مقاطعة سلطة الدولة قولي:

بيننـا والقـادة الغـرّ سياج***لهم النفط وللشعب العجاج

كلهم صاروا ديوكا معنـا***ومع الديك الحقيقيّ دجـاج(١١)

أو قولي:

أصـاروا الله متجــرةً بسـوقٍ***وخيـر الأنبيـاء ذوي ارتـزاقِ

لقد باعوا العراق وهان حتّى*** لأخجـلُ أن أقـول أنا عراقي(١٢)

هذا مايتعلّق بسلطة الدولة إن كانت فاسدة وخائنة.  وإن كانت وطنيّة وعادلة، فيجب أن يعارضها الشاعر لتقويمها بالنقد البناء والإحتجاج السلميّ. فإن داهنها، وأغضى على تقصيرها أو توانيها في حقوق المواطنين والسيادة الوطنيّة؛ فهو شاعر ذيليّ يتبعها كما يتبع الكلب صاحبه. علماً أنّ تاريخنا السياسيّ القديم والحديث لم يكد يعرف سلطات شعبية عادلة إلّا ماقلّ وندر. إذاً، فمقاطعة سلطة الدولة الفاسدة الخائنة، ومعارضة سلطة الدولة الوطنيّة العادلة هما، في رأيي، فريضة اجتماعيّة واجبة على الشاعر المثقّف؛ وليس ترفاً ثقافيّاً زائداً. وقد تقتضي الحال أن يواجه الشاعر سلطة الدولة ميدانيّاً، فينزل إلى الشارع مع المتظارهين مطالباً بحقوق شعبه وسيادة وطنه. وقد تجلّت الرغبة في هذه المواجهة بقولي:

تعالِ وخذ ياجوع قمحـك من دمي***ودعني أمتْ وحدي على رمح آلامي

وخـلِّ عــراق الحـزن يبتـلَّ رملـه*** وتخضـرّ باليــوم المُذهَّـب أحــلامي

أنا المغـرم الهيمـان شعبي حبيبتي***وأنفـاســـه لحنـي وعيـنــــاه إلهــامي(١٣)

ولقد أكّدت هذه المواجهة بشعري مراراً. كقولي:

إخرسي ياقصـائـــد الشـعـــراءِ*** أيّ شعـر يرقى الى الشهـداءِ

ثورة "الطفِّ"فوق رأسيَ تاج ٌ ***وجميع العروش تحت حذائي

مـذ ثـلاثـيــن حِجّـةً وصــداحي***لـــم يغيّــرْه حـاكـــمٌ لعــــواءِ

لـم أُدجَّـنْ يومـاً لأشـهـــد زوراً***ضدّ جـرحٍ لشـفـــرةٍ جمقـــاءِ

ضاق صدري بزمرةٍ ليس فيها***نفح صدقٍ لساســةٍ شـرفــــاءِ(١٤)

وما الشاعر بمشكور على قيامه بواجبه الإجتماعيّ. إنّ الشاعر المثقّف المسؤول هو الشاعر المقاوم بالقول والفعل مقاومة لاتعرف الصلح مع سلطة الدولة بنوعيها السلبيّ والإيجابيّ. ولقد تكرّر مايدلّ على تلك المقاومة في شعري كثيراً. كقولي:

سأظـلّ كالنجـم الغريــب تألّقـاً***وأنا الجريح أقول نزفاً من فمي

متجلِّـداً كالصخــر والريحـــان عبّـاقٌ يـرفّ على صعيــد تـألّمـي

ومقاومـاً بالضـوء والســكّيــن تصبـغ خطوة النجـم المقاوم بالـدمِ

فإذا خبتْ ليَ شمعـةٌ فعزائمي*** نعم الشمـوع بكـلّ دربٍ مظلـمِ(١٥)

وكقولي:

وقلتُ لقـامتي: انتصبي مقاومــةً***وقلت لساعدي لاتُرخص الكفّا

وقلت ُ لجوع جوفي لاتهنْ شرفي***سأستفّ التراب وأملأ الجوفا(١٦)

وماهذه المقاومة إلّا جزء من الالتزام بالحريّة الفكريّة. وقد يجمع الشاعر بين التزامين: إلتزام بعمله المهنيّ، والتزام بحريّته الفكريّة. وإذا كان التزامه بعمله المهنيّ يحقّق له وجوده الذاتيّ أي استمراره البدني في العيش، فإنّ التزامه بحريّته الفكريّة يحقّق له وجوده النوعيّ"إذ يتميّز الكائن البشريّ عن مختلف الكائنات الحيّة بالفكر لابالبدن. وقد أفصحت عن هذا الوجود الإنسانيّ في أكثر من موضع في شعري. كقولي:

شراب غيريَ كأسٌ ملؤها الراحُ***وملء كأسي متاهاتٌ وأتراحُ

وليـت همّي كهـمّ النــاس مأدبــةٌ***وكنز مالٍ وكرسيٌّ وأربـــاحُ

أَكـاد أبكي عليهـم كلَّما ضحكـوا***أكاد أضحك منهم كلّما ناحـوا (١٧)

أو كقولي:

لا لن أُبدـّل أشـواكي بمعلفهــم***لـكي أعيــــش ولا الآلام بالخـــــدرِ

ولن أخفِّض لي جنحاً بعاصفةٍ***ضدّي، ولن أرجوَ الإفلات من خطرِ(١٨)

غير أنّ هذا الفكر الإنسانيّ الذي هو جوهر الشاعر، وتكمن فيه قيمته الإنسانيّة؛ لن يكون مؤثِّراً إلّا إذا توفّرت له حريّة التعبير. وماكان لهذه الحريّة أن تتحقّق عراقيّا في ظلّ سلطة "البعث" القمعيّة الدمويّة التي استعبدت الشعراء، ودجّنتهم في السبعينيّات من القرن الماضي. ومن لم تستطع أن تستعبده وتدجّنه؛ اضطهدته واتّهمته وأقصته ثقافيّاً. سواء أكان داخل العراق أم خارجه. وقد ذكرت ذلك التسلّط السياسيّ في كثير من شعري. كقولي:

بـــلادٌ كـلّ من يُشغـفْ بهـا ولهـاً*** يمت قتــلاً بهـا إنْ لـم يمتْ خسفا

لقــد بُليــتْ بـأنيـــــاب مكشّــــرةٍ*** ووحـشٍ لـم تجـد لغتي لـه وصفا

على الأفــواه ســيّــافٌ إذا نطقتْ***برفـضٍ سَــدّ عن نفـسٍ لنـا الأنفـا

يكاد الورد في الزوراء من وجلٍ***يحاذر بعضه في الروض إن رفّا

ويخشى الطيــر جنحيـه إذا خفقـا***ويخشى الساكـن الجدران والسقفا(١٩)

ولهذا انتكس الشعر العراقيّ، لا لغياب الشعراء، ولكن لحضورهم ضمن قيود سلطويّة استبداديّة وشروط حزبيّة تعسّفيّة. وقد فضحت بشعري عبوديّتهم الإختياريّة. كقولي:

فكم نسـرٍ هوى من عـزّ قمّتـه*** لغـربـانٍ أهانـت جنحــه نتفا!

وكم أســدٍ تخلّى عن مهابتــه ***فألقى الناب جبناً واقتنى ظلفا!

وكم كم كم. وما من سائل ٍ أبداً*** لمـاذا شوِّه الإنسـان أو كيفا؟(٢٠)

كما أنّي وصفت حالهم، وهم في أرذل درجة من الخضوع للدكتاتورية، بقولي:

النــــازلــــون لجيفــــات بمنخفـضٍ*** تقودهم في طريق العار غربانُ

والمعجبـــون بطــاووس ومشـيتـــه***بريــق ريـش له منهـم وألـــوانُ

والمشـحمــون بطـونـاً من مـوائــده***سُـحتاً، وقـد هزلـت أمٌّ وإخـــوانُ

والــذائـــدون عن الجــلّاد من هلـعٍ***كمـا تـذود عن السكّـين خرفــانُ

والمجمعون على صمتٍ كما اتّفقت***على المعالـف أَبقــــارٌ وثيـــرانُ(٢١)

ومهما يكن فإنّ أسفل خلق الله لهو أشرف من شاعر قد روّض نفسه لجرّ عربات الطغيان ضدّ وطنه وشعبه؛ وإنّ أحقر مهنة لهي أنبل من مهنة الشعر اإذا زَيَّنت قبح الإستبداد، وقلبت الشرّ خيراً. ولا أكاد أفهم كيف يمكن أن يعيش الشاعـر حياة كريمة مالم يكن فكره حرّاً وضميره حيّاً.

ولعلّ خوفي من أن أتشوّه فكريّاً لاجسدياً بعد أن صادرت السلطة الثقافة الحرّة؛ هو مادفعني إلى الهجرة القسريّة من وطن لاصوت فيه للرأي المستقلّ. ولم أخفِ ذلك الدافع في كثير من شعري في المنفى. كقولي:

ولأقطع الليل وحدي غيـر مصطحبٍ*** إلّا نـزيـفي وأحــزاني وإصراري

مسسافــــراً لسـت أدري مـاتُخبّئ لي***هذي الطريق وما العقبَى بأسـفاري

إنّي سـأرحــل عـن أرضي وجنّتهـــا*** كرهاً، وأبعـد عن نخلي وأنهـــاري

قد طـال صبـري خفيضاً رهن مقبرةٍ*** فما انتظاريَ نسـراً بين أحجـــارِ؟(٢٢)

وخلاصة القول أنّ رؤيتي الإجتماعيّة قد تعارضت ورؤية السلطة القمعيّة الدموية في أخريات السبعينيات من القرن المنصرم تعارضاً شديداً حتّى أني أصبحت بين اختيارين:إمّا أن أتخلّى عن موقفي الوطنيّ الشعبيّ، وأنضمّ إلى القطيع، إلى الشعراء المزمّرين والمطّبلين للسلطة. وإمّا أن ألتزم بموقفي الإجتماعيّ راضياً بمعاناة التشرّد والإغتراب. ولقد حسمت اأمري، ووجدت طريقي في المنفى قائلاً:

لا. لن أعود لغربة تُدعى وطنْ،

ولمُخبر يُدعَى صديقْ.

لا. لن أعود إلى الكفنْ،

وإلى اللحودْ

لا. لن أعودْ. (٢٣)

ولم أرَ المنفى آنذاك إلّا اسماً آخر للوطنيّة العراقيّة والكرامة الشخصيّة بعد أن حططت رحالي في المغرب وأنا بين الحلم والواقع. وممّا يُصوّر هذا المرأى قولي:

ربيــع في صحـارَى العمــر قد رفّا*** أم الأوهـام تُبـدي خضـرةً زيفا

ولطف المغرب الأقصى يُمسّـح لي*** دموعي أم ظنوني تصنع اللطفا

كأنّي عـدتُ من سـفــــرٍ إلى وطني*** مطيلاً في العراق تأزّمي ضيفا

كـأنّ الرافــديـــن وكــلّ أهلـهمـــا ***نُـفُـوا حتّى حسبـتُ بلادي المنفَى

ومَن يفلـتْ من السـكّيـن في بلــدي***يَصِـرْ حتّي النــواح بأذنـه عزفـا

ولســـت ُبـأوّل الأحــرار مُغتـرِبــاً***نفـاني الوعي عمقاً قبـل أن أُنفَى

هزيل الجسم لم أُسمن كمن شرهوا*** بأرض النفط لي كرشاً ولا كتفا

ولســتُ بأوّل الأحـــرار مغتـربـــاً*** نفاني الوعي عمقاً قبل أنْ أُنفَى(٢٤)

لكنّ هذا المنفى القسريّ لم يكن وطناً حقيقيّاً، ولم يكُ وجودي فيه إلّا مجازاً إذا صحّ التعبير. وحسبكم ــ أحبّتي ــ  تعبيراً عن حقيقتي في الأبيات الآتية:

أرضـك الأمّ في الحياة. هي الزينــة قبــل البنيـن والإثـراءِ

ليس مثل الرحيـل عنها عقاباً***وعـذابـاً لـرُحَّـلٍ بعـــداءِ

وإذا اخترت أن تعيش بموتٍ*** لا مماتٌ كعيشة الغرباءِ(٢٥)

لقد بقيت جذوري ممتدّة في تراب العراق، وبقي ترابه محتضناً جذوري مدّة أربعة عقود من الإغتراب الروحي. فهو فيَّ وأنا فيه . ولقد عبّرت عن هذه الوحدة الصوفية مخاطباً بغداد في  الأبيات الآتية:

بغـــداد يا ظمأ الســمّــار بي ظمأٌ*** إلي البكـــاء وبيْ شكوي من السمــرِ

إنّــا حـزيـنـــان. ماغنَّتْ ربابتنـــا *** إلّا بحشــرجــةٍ مـن ثغـــر مُحتضِــرِ

ولازوارقــنــــــا عبّــتْ مُهلِّـلَـــــةً*** إلّا وأَفــزعـهـــا طيـف من الخطــــرِ

أدري تدريـن يابـغـــــداد كـم نغـمٍ*** حلـوٍ تلعثــم بيـن الـبــوم والحجــــرِ!

أَدري وتدريــن كم قيثـارةٍ صُلِبَتْ*** أوتارهـا السمــر في همٍّ وفي كــدر!

هاتي المرايــا. أرينـا كيف أَوجهنا*** أضحت صحارَى دموعٍ، ذلّـةٍ، خـورِ؟

وكيـف أَلقـتْ منــاراتٌ أشـعّتهـــا*** إِلي الرماد، ودبّ الصمت في الشررِ؟

خلّي الحكايــةَ ســكّينـاً تَجـزَّ بنـــا*** وزغــردي فغــداً لابـدَّ مـن مطـــــرِ(٢٦)

هذا هو موقفي الاجتماعي من سلطة الدولة الرسميّة، ومايتعلّق بها، وماينتج عنها، باختصار شديد. وهو المضمون الشعريّ الرئيس في تجربتي الشعريّة. وأمّا موقفي النقديّ من حركة الشعر الحديث، فيتلخص في أنّي لا أري الشعر الحديث المختلف شكلاً عن الشعر القديم هو البديل عن شعرنا العربيّ، لأنّ الحداثة الشعريّة لا تتأسّس على اختلاف الأشكال الشعرية وحدها؛ وإنّما تتأسّس على الإبداع الحقيقيّ، من خلال رؤية شعرية عميقة على غرار شعر أبي نؤاس وشعر أبي تمّام تمثيلاً لا حصراً. ولهذا أحسب كلّ مابُنى على الشكل من حداثة، هو ضرب من الوهم السائد في الساحة الشعرية العربيّة. وما ادّعاء الحريّة في القصيدة الحديثة دون القديمة إلا وسيلة من وسائل الشعراء العاجزين للخلاص من وزن القصيدة العربية وشروطها الموسيقية الدقيقة. سواء أكانت من شعر العمود أم شعر التفعيلة.

***

عبدالإله الياسري

....................................

(١) من قصيدة "مختلف" في مجموعة "أرق النجم".

(٢) من قصيدة "إنتصار الشهيد" في مجموعة "أجراس البقاء".

(٣) من قصيدة "نزيف الشمس" في مجموعة "جذور الفجر".

(٤) من قصيدة "الإرادة" في مجموعة "جذور الفجر".

(٥) من قصيدة "فراخ الطاووس" في مجموعة "رغم الثلج والرماد".

(٦) من قصيدة "مكاشفة" في مجموعة "أرق النجم".

(٧) من قصيدة "سفر" في مجموعة "جذور الفجر".

(٨) أنظر(ي) رقم (٣).

(٩) من قصيدة "الإختيار" في مجموعة "جذور الفجر".

(١٠) من قصيدة "الرفض" في مجموعة "جذور الفجر".

(١١) أنظر(ي) رقم (٥).

(١٢) من قصيدة "أيّها اللصوص" في مجموعة "رغم الثلج والرماد".

(١٣) من قصيدة "قافلة الأحزان" في مجموعة "جذور الفجر".

(١٤) أنظر(ي) رقم (٢).

(١٥) من قصيدة "إنتفاضة جريح" في مجموعة "جذور الفجر".

(١٦) من قصيدة "في رحاب المغرب" في مجموعة "أشرعة بلا مرفأ".

(١٧) من قصيدة "غربة" في مجموعة "أرق النجم".

(١٨) من قصيدة "المتّهم" في مجموعة "أرق النجم".

(١٩) أنظر(ي) رقم (١٦).

(٢٠) أنظر(ي) رقم (١٦) أيضاً.

(٢١) من قصيدة "صرخة النار" في مجموعة "أجراس البقاء". 

(٢٢) أنظر(ي) رقم (٧).

(٢٣) من قصيدة "لا. لن أعود" في مجموعة "أشرعة بلا مرفأ".

(٢٤) أنظر(ي) رقم (١٦) أيضاً.

(٢٥) أنظر(ي) رقم (٢) أيضاً.

(٢٦) من قصيدة "بين يدي بغداد" في مجموعة "جذور الفجر".

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5834 المصادف: 2022-08-26 02:44:02


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م