قراءات نقدية

الدراسات السيميائية وفلسفة المعنى في ليبيا.. محمد عبد الحميد المالكي نموذجا

محمد الكرافستوطئة: يكاد الدرس السيميائي الليبي يتميز بنوع من البساطة والتواضع –كمّيا على الأقل- مقارنة بالدول المغاربية الأخرى (المغرب والجزائر وتونس)، نظرا لمجموعة من الاعتبارات الثقافية والسياسية والتاريخية. ويمكن، في ظل ذلك، استثناء التجربة الفريدة التي يقودها د.محمد عبد الحميد المالكي باعتباره نموذجا سيميائيا بارزا داخل هذا القطر المغاربي/ العربي.

إن اهتمام هذا الباحث الرصين بالمجال السيميائي نابع بالأساس من طبيعة اشتغاله الأكاديمي أستاذا للتعليم العالي بجامعة بنغازي، وإشرافه المباشر على مختبر السيميائيات وتحليل الخطاب بنفس الجامعة إلى حدود اليوم، رغم الأوضاع التي تعيشها البلاد.

وقد أسهم اشتغاله بالبحث السيميائي والبنيوي بشكل جليّ في إخراج النقد الليبي المعاصر من بؤرة المقاربات التقليدية والرطن النقدي الكلاسيكي، التي خيمت على عدد من الدراسات النقدية، بتركيزها على الكمّ والدراسات السياقية بدل المقاربات النصانية المحاورة للنص.

وللأمانة العلمية، أسهم المالكي في تقريب القارئ الليبي –نظريا- من مجموعة من التيارات السيميائية، لاسيما ما يتعلق بالسيموطيقا البورسية وانشغاله النظري بها، إضافة إلى اهتمامه بالسيميائيات السردية الكريماسية، وإصداره لمجموعة من البحوث والدراسات النقدية والكتب في هذا المجال من قبيل كتاب "سلطة الكلام: إرادة القوة"1 ، وكتابه الآخر "من استراتيجيات خطاب الكلامنجية (كيفية الاختيار وإرغامات الحرية)"2 ، ودراسته النقدية "ما وراء لوغوس الكلامنجية، في نقد مثقف القدسنة وقدسنة المثقف"3 .

1)- الخلفية النظرية السيميائية لدى المالكي:

يطفو اهتمام محمد عبد الحميد المالكي بالسيميوطيقا ونظريات العلامة إلى السطح على عدة مستويات، باعتباره اسما بارزا ضمن الخارطة السيميائية الليبية، وهو الأمر الذي شجعنا أكثر للاقتراب من مشروعه الأكاديمي المرتبط أساسا بالسعي لأجرأة الدراسات البنيوية والسيميائية، وبطبيعة تخصصه وإشرافه على الأطاريح والرسائل العلمية بجامعة بنغازي.

ونستحضر، في هذا الطقس النقدي الخالص، إشرافه على تنظيم ندوة ''ضخمة'' في مجال السيميائيات بطرابلس سنة 2008، حضرها ثلة من الباحثين المغاربيين والدوليين، على رأسهم الحضور الشخصي لأمبرتو ايكو.

ويجمع المالكي في اهتمامه بالسيميائيات بين التأليف الأكاديمي والتدريس والحضور في الندوات العلمية العربية والمغاربية، مثل مشاركته في الملتقى الدولي الثالث حول السيميائيات والبلاغة المنظم بجامعة وهران بالجزائر سنة 2008، ومشاركته المتميزة في الندوة العلمية التي نظمت بالمعهد العالي للفنون بصفاقس التونسية، أيام 12، 13، 14 أبريل 2016.

وفي الإطار نفسه، تقودنا الرغبة في الوقوف على طبيعة المشروع السيميائي للباحث بالأساس إلى الإيغال في جزء من كتابه ''سلطة الكلام إرادة القوة''، حيث يحاور النظرية الكريماسية وتيار مدرسة باريس منطلقا من خلفية ابستيمولوجية وفلسفية يستعصي معها على القارئ العادي، في الوهلة الأولى، هضم مجموعة من المصطلحات والمفاهيم التي تتطلب معرفة سابقة واطلاعا مبدئيا قبل الخوض في ثنايا هذا المشروع النقدي.

ويقر الباحث على غرار بنكراد والنوسي وبنمالك والعجيمي بوجود بعض الفوضى المصطلحية والاختلافات (في الترجمة) بين النقاد، حيث يطبع الاغتراب الجزئي بعض الاشتغالات الإجرائية.

و"يشكو المشتغلون بالنقد والفكر من الفوضى والتسيب في الاستخدام العشوائي عند ترجمة المصطلحات والمفاهيم، أو ما يعرف بهجرة المصطلح، فضلا عن أسباب عديدة أخرى لسنا في صددها هنا، مما يجعل القارئ عاجزا عن إدراك الفروقات والاختلافات بين هذه النظرية أو تلك، أو بين هذا المفهوم وذاك، كما لا يدرك كيف أن المصطلح الواحد قد ينتمي إلى مدارس متعددة، حاملا مضامين ودلالات... مما يجعل القارئ في حيرة وارتباك إلى حدود التنفير من العلم، وأخذ الأمر على انه مدعاة للسخرية والتندر وأن لا يعدو أن يكون مجرد لعب عبثي لا طائل من ورائه"4 .

و سيرا على الخطوات نفسها التي أشرنا إليها سالفا، فإن أول ملاحظة يسطرها محمد عبد الحميد المالكي على المستوى التنظيري في مجال سيميائيات كريماس ترتبط بالفوضى "الايتيمولوجية" التي تعيشها ظاهرة تعريب المصطلحات والعتاد المفاهيمي، وهو إقرار ضمني إذن من طرفه بضرورة أخذ الحيطة والحذر عند الاشتغال على النظرية السيميائية ومعها بقية النظريات النصانية الغربية.

ويتخذ الباحث من بيان مشروع السيميائيات السردية مبررا لانتقاد مجموعة من العناصر الخارج- نصية من جهة، ومن جهة أخرى، يبدو هذا الشق من كتابه واجهة نقدية يرسل من خلالها بوصلته نحو مفهوم ''المثقف'' الذي يَسِمُهُ بعديد السمات، ليجد القارئ نفسه "عند عتبات نهاية سرديات المثقف الأسطوري والكوني والكامل والحافظ لأسرار الأولين والآخرين، الجامع لأفكار الراحلين والقادمين.

يمثل مشروع المالكي السيميائي رحلة ما ورائية لتتبع الآثار والدهاليز الأسطورية/والحكائية القبلية – أي السابقة على ظهور وولادة المثقف- والتي تشكل في مجملها ابستيمولوجيا التمائم والتعاويذ السحرة التي تبخر معها المثقف يوم مولده التاريخي/ والميتا- تاريخي، حيث يتحول ذلك الكائن العادي إلى كائن خارق وفوق العادة في كل أقواله وأفعاله وكلامه.. هكذا يتحول المثقف إلى كائن أيقوني/لامرئي" 5.

وفي قراءة خاطفة لطبيعة تجلية الدلالة عند المالكي، تبرز بجلاء الخلفية السيميوطيقية البورسية التي تغذي اهتمام هذا الباحث الرصين بالمنطق في تعامله مع المتون المدروسة، حيث يسافر بنا في دهاليز الإبستيمولوجيا والأنثروبولوجيا، متخذا لنفسه زاوية مغايرة للتوجه السيميولوجي التقليدي المألوف.

2) المالكي وأجرأة سيميائيات كريماس:

يشتغل الباحث هنا بخلفية ميتا- نقدية في إطار المثاقفة الجادة، من زاوية تنظيرية فلسفية، حيث أن ممارسته لنقد النقد في حد ذاتها تعكس قدرته المتميزة على المزاوجة بين الاهتمام بالتيارات السيميائية بشقيها الأوروبي والأمريكي، وكذا التركيز الحذر في التعامل مع هذه المكونات المنتمية إلى ثقافة مغايرة، وبنية فكرية تنتمي إلى منتوج الآخر، ولها خصوصياتها الحضارية والفلسفية، هي الثقافة الغربية.

نستشف، إذن، أن المالكي يقوم في كتابه هذا بمهمتين أساسيتين اتجاه النظرية السيميائية السردية:

- الأولى ترتبط بتعريب العدة المفاهيمية للسيميائيات الكريماسية في شق مجتزأ من النظرية الأم، بحيث ينتقل من المعطى الوصفي إلى المعطى التنظيري، عبر محاورة المنهج السيميائي السردي والإنصات إلى بنيته الداخلية.

- الثانية تتعلق بممارسة نقد النقد (الميتا-نقد) من زاوية منطقية فلسفية، حيث ينفتح على بعض الحقول المعرفية المغايرة للسيميائيات من قبيل الانثروبولوجيا والإبستيمولوجيا، ويستدرجها في قالب تنظيري خالص، مسلطا معاول التنقيب والمقاربة على كيفية تموقع المثقف العربي اتجاهها.

ويواصل التوجه ذاته في بحثه المعنون بــ ''في علوم السيميائيات السردية: الإستراتيجية المفاهيمية لــ «مشروع علم تركيب سيميائية الجهات»''، المنشور ضمن العدد 4 من مجلة سيميائيات الجزائرية سنة 2013، والذي شارك به الباحث كمداخلة في ندوة دولية حول السيميائيات عقدت بجامعة وهران في نفس السنة.

وينبري الباحث لجرد المعيقات التي تعتور تطبيق النظرية الكريماسية على المستوى العربي، بما هي فلسفة تمتاح عتادها من معين غربي خالص، وبالتالي لابد من الإنصات إلى ما يقوله النص مقابل المنهج.

وتركيزا على البعد المفاهيمي لسيميائيات كريماس، يقارب المالكي مدى مركزية المصطلح داخل النظرية وكيفية تمثله على المستوى العربي، إذ يطلق عليه عبارة (هجرة المصطلح) التي تشكل عائقا ابستيميا أمام مجموعة من الباحثين الذين يَسِمُهُمْ بسمة التهافت وراء النجومية والنشر وتركهم الرهان العلمي جانبا.

ويُرجِع الباحث ذلك إلى مسألة " التسرع في استعمال ألفاظ (مصطلحات) بعبث وعشوائية وبدون تمييز... وعلى طريقة الخلط والعجن، ليس بسبب من اختلاف الرؤية وتعدد التأويل أو تنوع العدة المنهجية وتقنيات التحليل، بل هو بتلخيص شديد وصريح بسبب الكسل والاستسهال، أو أنها أنتجت بإستراتيجية: انعدام القارئ الافتراضي لدى منتجي هذه النصوص"6 .

ينتقد المالكي هنا مجموعة من المثقفين العرب الذي يركبون مطية النظرية السيميائية السردية ويتخذون منها موجة تشبه الموضة في الإلقاء وممارسة الخطابة السطحية، وهي رؤية ميتا-نقدية موضوعية من الباحث، ترصد أحد أهم المعيقات التي تعتور تطبيق نظرية كريماس على المستويين المغاربي والعربي عموما، بعيدا عن الحوار العلمي والمأسسة المفاهيمية الجادة التي تحاصر البعض.

ويبدو أن المثال الصريح الذي يمكن استحضاره هنا للتدليل على كلام المالكي هو إشارتنا إلى بعض الباحثين الذين أنتج بعضهم عُدّة مفاهيمة ومصطلحية غريبة نوعا ما عن المتداول وغير مألوفة عما يدور في الساحة السيميائية المغاربية والعربية.

ولأجل ذلك، فإننا نتفق مع الباحث في ما ذهب إليه، لاسيما أن مرجعيته الفكرية، كما اتضح لنا، تقترب بشكل ما من أتون الحقلين الفلسفي والعلمي أكثر من اقترابها من المجال الأدبي الخالص.

إن رؤية المالكي النقدية والميتا-نقدية اتجاه النظرية السيميائية السردية ليست مجرد نقل ''تعريبي'' لمنهج نقدي غربي والسعي لتوطينه على المستوى العربي، بل هي رؤية تتميز بالحيطة والحذر المعرفيين اللذين يدعو إليهما الباحث، وهو يحاور النظرية الغربية.

خاتمة:

يبقى محمد عبد الحميد المالكي إذن، الباحث السيميائي بالقطر الليبي الذي خاض في مجال السيميائيات باختلاف مشاربها ومرجعياتها. وكما تعكس ذلك بعض مؤلفاته التي أشرنا إليها سالفا في بداية هذه الورقة، فإن عملنا هنا لا يكفي للإحاطة بمختلف جوانب مشروعه النقدي، إذ تتميز عدد من دراساته بالبعد الابستيمولوجي الذي يسائل من خلاله طبيعة أجرأة المناهج النقدية من ناحية، ومن ناحية أخرى يتمتع بقدرته على الإيغال في مساءلة تخوم الدلالة وسبر أغوار المعنى فيها، رغم ما يلاحظ عليه من تشعيب في المصطلحات، وانتقال بين أتون المنطق والفلسفة وشعاب السيميائيات .

وهكذا، سنسمح لأنفسنا بالقول أن تجربة د.محمد عبد الحميد المالكي السيميائية تبقى رائدة وثرية في مجال النقد الأدبي الليبي، باعتبارها شعلة متقدة تتوهج في سماء البحث السيميائي وفلسفة المعنى، وتشيّد مسارا ابستيمولوجيا يسائل الذات والعلامة بنوع من الحوار العلمي والفضول المعرفي الخالص.

***

إنجاز: د. محمد الكرافس

باحث مغربي

............................

الهوامش والإحالات:

- صادر عن دار البيان للنشر والتوزيع والإعلان ببنغازي، ليبيا سنة 2005.

2 - صادر عن دار البيان للنشر والتوزيع والإعلان ببنغازي، ليبيا سنة 2005.

3 مجلة سيميائيات، العدد 4، يصدرها مختبر السيميائيات وتحليل الخطاب بوهران الجزائر، 2013.

4- محمد عبد الحميد المالكي، سلطة الكلام: إرادة القوة، البيان للنشر والتوزيع والإعلان بنغازي – ليبيا، 2005، ص: 125.

5 - حيدر علي سلامة، ما وراء لوغوس الكلامنجة... في نقد مثقف القدسنة وقدسنة المثقف، منشور بتاريخ 24/03/2015، موقع قاب قوسين http://www.qabaqaosayn.com

6- محمد عبد الحميد المالكي، في علوم السيميائيات السردية، مجلة سيميائيات، يصدرها مختبر السيميائيات وتحليل الخطاب بوهران، الجزائر، العدد 4 ، 2013، ص: 123.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5836 المصادف: 2022-08-28 02:19:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5935 المصادف: الاثنين 05 - 12 - 2022م